الأثر الخامس: محبة الله الخالق الخلاق، البارئ، المصور سُبْحَانَهُ:
من تأمل في خلقه سُبْحَانَهُ وبرئه وتصويره لعباده في أحسن تقويم، وهدايته وتوفيقه، وتسخير الكون العظيم البديع كله لخدمته، وفق حكمة ربانية وعلم إلهي؛ أورث ذلك في قلبه محبة لله ﵎، وتعلقًا به سُبْحَانَهُ.
الأثر السادس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾:
ذكر الله سُبْحَانَهُ الاعجاز في خلق الإنسان، والدعوة إلى التأمل في ذلك في مواضع عديدة في كتابه العظيم، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] وقوله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]، وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
ويقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الانسان في نفسه، استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل، فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره، دالة عليه مرشدة إليه، إذا يجده مكونًا من قطره ماء لحومًا منضدة، وعظامًا مركبة، وأوصالًا متعددة، مأسورة مشددة
стр. 317
بحبال العروق والأعصاب، قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين، مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلًا، ما بين كبير وصغير، وثخين ودقيق، ومستطيل ومستدير، ومستقيم ومنحن، وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا؛ للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة.
وجعل فيه تسعة أبواب: فبابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم، وبابان للكلام والطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها.
وجعل داخل بابي السمع مرًّا قاتلًا؛ لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه، وجعل داخل بابي البصر مالحًا؛ لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوًا؛ ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرًا أو مالحًا.
وجعل له مصباحين من نور، كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه، وفي أشرف عضو من أعضائه، طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدًّا يبصر به السماء والأرض وما بينهما، وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض، حماية له وصيانة، وحراسة، وجعل على محله غلقًا بمصراعين أعلا وأسفل، وركب في ذيل المصراعين أهدابًا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالًا، وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك، وجعل سُبْحَانَهُ لكل طبقة من طبقات العين شغلًا مخصوصًا، ولكل واحد من الرطوبات مقدارًا مخصوصًا، لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة.
стр. 318
وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة، ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال، والعالم العلوي والسفلي، مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره، واقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أن جعل فيها بياضًا وسوادًا، وجعل القوة الباصرة في السواد، وجعل البياض مستقرًّا لها ومسكنًا وزين كلًّا منهما بالآخر.
وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم، والحواجب بالأهداب، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر، فضعف الإدراك، فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر، وخلق سُبْحَانَهُ لتحريك الحدقة وتقليبها أربعًا وعشرين عضلة، لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين.
ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء، جعل سُبْحَانَهُ هذه الأجفان متحركة جدًّا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف؛ لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات، ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانًا، فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات … » (١).
стр. 319
الأثر السابع: الحذر من عيب ما صوره المصور سُبْحَانَهُ:
فالله سُبْحَانَهُ امتن على عباده بأن صورهم فأحسن صورهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، وهذا التصوير يتم على وجهين:
الأول: تصوير آدم، فقد خلقه الله بيده، وصوره، ثم نفخ فيه الروح، وأسجد له ملائكته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١].
والثاني: التصوير الذي تم في الأرحام: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١١].
وعليه فمن آمن بأن الله هو الخالق الخلاق البارئ المصور، لم يعب على أحد خلقه، وشكله، وهيئته؛ لأن عيب الصنعة إنما هو عيب لصانعها، ولذا قيل لمن يعيب بعض الناس: أتعيب الخالق، أم تعيب المخلوق!، وفي ذلك يقول الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١١].
فالله تَعَالَى لايقدر الناس بأشكالهم ولا صورهم، وإنما الميزان الحقيقي للتفاضل هو تقواهم التي في قلوبهم وجهادهم في تحقيق ذلك كما في الآية
стр. 320
السابقة، عندما ذكر الله تَعَالَى التفاضل الحقيقي بالتقوى عقَّب النهي عن الغيبة، واحتقار الناس لبعضهم؛ وذلك تنبيهًا منه سُبْحَانَهُ لتساويهم في البشرية، وأن التفاضل إنما يكون بالأمور الدينية (١).
وهذا هو المنهج النبوي والتربية النبوية، يقول ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» (٢)، ومن شواهد ذلك ما يلي:
حديث أنس بن مالك: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ زَاهِرًا بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللهِ كَاسِدًا، قَالَ: لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَوْ قَالَ ﷺ : «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ» (٣).
حديث عمرو بن الشريد، يحدث عن أبيه، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفَ حَتَّى هَرْوَلَ فِي إِثْرِهِ حَتَّى أَخَذَ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ: ارْفَعْ إِزَارَكَ،
الخبيرُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الخَبَر: المزادة العظيمة، والجمع: خبور … والخبر بالتحريك: واحد الأخبار … والاسم: الخُبر بالضم، وهو العلم بالشيء. والخبير: العالم. والخبير: الاكار، ومنه المخابرة، وهي: المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض … » (١).
قال ابن فارس ﵀: «الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لين ورخاوة وغزر، فالأول الخبر: العلم بالشيء، تقول: لي بفلان خبرة وخبر. والله تَعَالَى الخبير، أي العالم بكل شيء، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والأصل الثاني: الخبراء، وهي الأرض اللينة … » (٢).
ورود اسم الله (الخبير) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الخبير) خمسًا وأربعين مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
قوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].
стр. 324
ورود اسم الله (الخبير) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الخبير) في السنة النبوية، ومن وروده: حديث مُحَمَّد بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي، قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ، فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخْبِرِينِي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ … » (١).
معنى اسم الله (الخبير):
قال الطبري ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]: «خبير: يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء» (٢).
стр. 325
قال الزجاجي ﵀: «الخبير: العالم بالشيء، يقال: خبرت الشيء واختبرته، إذا علمته … » (١).
قال الخطابي ﵀: «الخبير: هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته، كقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «الخبير: الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها» (٣).
قال السعدي ﵀: «العليم الخبير: هو الذي أحاط علمه بالظواهر، والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء» (٤).
اقتران اسم الله (الخبير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (اللطيف):
اقترن اسم الله (الخبير) باسمه (اللطيف) في خمس آيات من القرآن الكريم، ومنها:
قوله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
стр. 326
وجه الاقتران (١):
أن خبرة الله وعلمه أحاط بأفعاله، التي لطفت عن أن تدركها العقول والأفهام، كما أحاط- أيضًا- بكل ما لطف ودق.
أن لطف الله الذي دق عن إدراك العقول والأفهام، إنما هو جارٍ على مقتضى خبرته وعلمه وحكمته.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (العليم):
ورد اقتران اسمه (الخبير) باسمه (العليم) أربع مرات في القرآن الكريم، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
وجه الاقتران:
يدل على كمال علم الله؛ إذ شمل علمه العالم الظاهر المشهود الذي دل عليه اسم الله (العليم)، وشمل علمه العالم الباطن الغيبي الذي دل عليه اسم الله (الخبير)، وإن كل من الاسمين بمفردهما دال على العلم بالظاهر والباطن، إلا أنهما إذا اجتمعا خص كل واحد منهما بعلم معين.
стр. 327
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (الحكيم):
تقدم بيانه في اسم الله الحكيم.
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه سُبْحَانَهُ (البصير):
تقدم بيانه في اسم الله البصير.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخبير):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الخبير) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله الخبير الذي وسع ودق ولطف علمه وخبرته، حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن، فلم يخف عليه شيء منها، قال تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣] (١).
ومن مظاهر كمال هذا الاسم ما يلي:
أنه الخبير الذي أحاط علمه بذاته الجليلة، وبأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى، وبأفعاله العظيمة التي لا يحيط بها خلقه، قال تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] «يعني بذلك: نفسه الكريمة،
стр. 328
فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله» (١).
أنه الخبير الذي أحاط علمه بما في أرجاء السموات والأرض وأقطارهما من مخلوقاته، حتى الصغير الدقيق الخفي منها، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (٢).
فيعلم الخبير حبة الخردل- التي هي من أصغر الأشياء وأحقرها- في داخل الصخر أو في أي جزء من أجزاء السماوات و الأرض، قال تَعَالَى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] (٣).
ويعلم الخبير بسقوط الجزء الصغير من ورق الشجر ونحوه، يعلم من أي موضع سقط، وفي أي مكان من الأرض سقط، وكيف سقط، كما يعلم سُبْحَانَهُ الحبة الصغيرة الساقطة في قاع البحر، المندفنة في تربته، حتى وإن كانت في ليلة مظلمة، مغيمة، ممطرة، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]» (٤)، ويعلم ما يدخل في باطن الأرض من قطر المطر، أو بذر الأرض، كما يعلم ما يخرج منها من ذلك كله، قال تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ١، ٢] (٥).
стр. 329
أنه الخبير الذي أحاط علمه بما يصلح من الأقدار لخلقه مما خفي وغاب عنهم، ولم يدركوا حكمته وسره، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
ومن تلك الأقدار مايلي:
- تقدير الأرزاق؛ إذ مبناها على علم الله وخبرته بحال عباده وما يصلح لهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فيعطي هذا ويمنع هذا؛ لعلمه وخبرته بحالهما وما يصلح لكل واحد منهما، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال لأمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي: فبخبرته بحالكن، وأنكن أهل لهذه المنزلة العظيمة من الزواج من رسول الله ﷺ ، وتنزل الوحي في بيوتكن، وذكر السنة فيها، رزقكن ذلك وخصكن به واختاركن له (١).
- تقدير الشرائع والأحكام، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].
قال الشيخ السعدي ﵀: «فيعطي كل أمة وكل شخص، ما هو اللائق بحاله، ومن ذلك: أن الشرائع السابقة لا تليق إلا بوقتها وزمانها، ولهذا ما زال
стр. 330
الله يرسل الرسل رسولًا بعد رسول، حتى ختمهم بمحمد ﷺ ، فجاء بهذا الشرع، الذي يصلح لمصالح الخلق إلى يوم القيامة، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت.
ولهذا لما كانت هذه الأمة أكمل الأمم عقولًا وأحسنهم أفكارًا، وأرقهم قلوبًا، وأزكاهم أنفسًا؛ اصطفاهم الله تَعَالَى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب» (١).
وجاء هذا الكتاب من الخبير سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، فأحكامه من لدن الخبير الذي يعلم ما يصلح لخلقه منها، وأخباره من لدن الخبير الذي لم تخف عليه دقائق الأخبار وتفاصيلها الماضية منها والحاضرة بل والمستقبلة، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].
ومن هنا كان كتاب الله أعظم كتاب وأكمله، وأصدق خبر، وأعدل حكمًا وأحسنه؛ إذ لا مثل الله في العلم والخبرة ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].
- تقدير الهدى والضلال، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٦، ٩٧].
قال ابن كثير ﵀: «عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية،
стр. 331
ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: ٩٧]» (١).
- أنه الخبير الذي أحاط علمه بما دق وخفي من العلوم التي توصل إليها خلقه علمًا وخبرة، والعلوم التي لم يتوصلوا إليها أيضًا، بل علم وخبر سُبْحَانَهُ ما فوق ذلك من تفاصيل ودقائق وخفايا علم الغيب، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثم إنه قد يتوهم متوهم أن خبرة الخلق وعلمهم بالعلوم والأشياء كخبرة الله وعلمه، وهذا باطل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فعلم الخالق وخبرته كاملة من كل وجه، وعلم الخلق وخبرتهم قاصرة ناقصة من كل وجه.
ومن أوجه قصور علم الخلق وخبرتهم، ما يلي (٢):
افتقار خبرتهم وعلمهم إلى بذل الأسباب والمقدمات الحسية والعقلية للتوصل إليها.
احتمال الخطأ والغلط، بعد العلم والخبرة بالشيء.
تعلق خبرتهم وعلمهم بشيء معين دون جميع الأشياء، فتجد الواحد منهم عالمًا خبيرًا بشيء ما، جاهلًا أميًّا بغيره.
تعلق خبرتهم وعلمهم بالدنيا دون الآخرة.
стр. 332
أنه الخبير الذي أحاط علمه بما خفى وبطن مما يصدر من خلقه، سواء أكان ذلك نية أو قولًا، أو فعلًا، حسنًا كان أو سيئًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (١)، قال ابن كثير ﵀: «اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير» (٢).
فيعلم الخبير ما يكون في الصدور من الخفايا، وما يكون في القلوب من النوايا والمقاصد، وما يكون في النفوس من الأفكار والوساوس والخواطر وكمائن الخير والشر مما لا يطلع عليه إلا صاحبها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣، ١٤] (٣)، ومن هنا علم الخبير سُبْحَانَهُ بسرائر المتخلفين من الأعراب والمنافقين وما في ضمائرهم مما أخفوه وأظهروا خلافه، قال تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] (٤).
وعلم مقصد الحكم بين الزوجين ونيته أأرادَ الإصلاح أم غيره، قال تَعَالَى:
стр. 333
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] (١).
ويعلم الخبير ما يسر من الأقوال، ويهمس من الأصوات كعلمه بما يجهر منها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠]، كما علم الخبير سُبْحَانَهُ بما أسرَّته بعض أمهات المؤمنين من الخطاب لبعض في حادثة التحريم، وأطلع نبيه ﷺ على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
ويعلم الخبير ما يصدر من الأفعال والأعمال ولو على وجه الخفاء والخباء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] سواءأكان ذلك خيرًا أم شرًّا، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]، فيعلم الخبير ما يبذل من الصدقات خفية، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]،
стр. 334
ويعلم الخبير ما يكون من مسارقة النظر للحرام، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ويعلم الخبير دفع كفارة الظهار أكانت قبل المساس أم بعده مما يخفى على الناس ولا يخفى على الخبير المتعال، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣]، ويعلم الخبير عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أقامت بحقها من مدتها، وحدادها، وامتناعها من النكاح ومقدماته أم لا مما لا يظهر لكثير من الناس، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
فيعلم ذلك كله وغيره من أفعال الخير والشر وإن كان في عتمة الليل وظلمته، أو كان في أماكن الخفاء كالكهوف، والمغارات، والأدغال، وأعماق البحار والقفار، قال تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (١).
بل لا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا يضطرب نفس ولا يطمئن، إلا وقد علمه الخبير اللطيف (٢).
стр. 335
أنه الخبير الذي يحيط علمه بخلقه في الآخرة كما أحاط بهم في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١] وإنما «خص خبره بذلك اليوم، مع أنه خبير بهم في كل وقت؛ لأن المراد بذلك: الجزاء بالأعمال الناشئ عن علم الله واطلاعه» (١).
وبمقتضى علمه وخبرته ﵎ يجازيهم على ما كان منهم من الأقوال، والأعمال، والنوايا، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١]،
فلا يخاف المحسن ضياعًا ولا نقصًا ولا نسيانًا لحسناته وثوابها، وإن كانت مجرد نية لم يتبعها عمل كما قال ﷺ : «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» (٢).
قال ابن عاشور ﵀ في مناسبة ختم قوله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] باسمه الخبير: «وإيقاع هذه الجملة بعد ذكر ما يقطعه الموت من ازدياد الأعمال الصالحة؛ إيماء إلى أن ما عسى أن يقطعه الموت من العزم على العمل إذا كان وقته المعين له شرعًا ممتدًّا، كالعمر للحج على المستطيع لمن لم يتوقع طرو مانع، وكالوقت المختار للصلوات- أن حيلولة الموت دون إتمامه لا يرزئ المؤمن ثوابه؛ لأن المؤمن إذا اعتاد حزبًا أو عزم على عمل صالح ثم عرض له ما منعه منه؛ أن الله يعطيه أجره.
стр. 336
ومن هذا القبيل: أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، كما في الحديث الصحيح» (١).
وكذا المسيء لا يظن فواتًا ولا نسيانًا لسيئاته وعقابها، إلا أن يتغمده الله برحمته وعفوه.
ومن هنا نجد أن الله كثيرًا ما يختم أعمال البِر باسمه الخبير ترغيبًا فيها؛ ومن ذلك:
قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
قوله تَعَالَى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣].
قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
وكذا يختم أعمال السوء باسمه الخبير ترهيبًا منها، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
стр. 337
وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
فسبحان الخبير الذي أحاط علمه بالظواهر، والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.
الأثر الثاني: دلالة اسم الله الخبير على التوحيد:
إن الإيمان باسم الله الخبير يدعو العبد إلى توحيد الله في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات؛ وذلك أن الله أنزل كتابه الصادر عن علمه وخبرته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وأخبر فيه بأنواع التوحيد الثلاثة ودعا الخلق إليها.
فأخبر الخبير بأنه الخالق وحده، وأنه الرازق وحده، وأنه النافع الضار وحده، وأنه المحيي المميت وحده، ونحو ذلك من أفراد الربوبية، وهذا يعني أن يوحد الله فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٧، ١٨].
стр. 338
وأخبرهم الخبير بأنه المستحق للعبودية وحده، وأن كل ما سواه لا يستحق منها شيئًا؛ إذ هو فقير عاجز لا يملك شيئًا لنفسه ولا لعابده، فليس بيده نفع ولا ضر ولا تصريف ولا ملك لشيء قليل ولا كثير، بل حتى ولا القطمير ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، فما كان كذلك كيف يدعى ويعبد؟ وكيف يجعل ندًّا لله الملك الذي بيده كله شيء؟
ثم إنه في آية فاطر: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] أخبر بأمور كل واحد منها كاف لنبذ كل معبود سوى الله، ونبذ العبادة إليه؛ إذ أخبر (١):
أولًا: أن هذه المعبودات لا تسمع ولا تعلم بعابدها وداعيها؛ لأنهم ما بين جماد، وأموات، وملائكة مشغولين بطاعة ربهم ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].
ثانيًا: أن هذه المعبودات من دون الله لو قدر أنها سمعت وعلمت بعابدها وداعيها؛ فهي لا تملك شيئًا ولا حتى الشفاعة التي تعلق بها الكثير ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فكيف تجيبهم لمطالبهم؟! ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].
ثالثًا: أن هذه المعبودات من دون الله تتبرأ يوم القيامة من عابدها وداعيها، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].
стр. 339
وأخبرهم الخبير بأن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأن طريق معرفتها الوحي، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، قال جماعة من المفسرين: يعني بذلك: نفسه الكريمة ﵎ (١)، وقال ابن كثير ﵀: «استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد- صلوات الله وسلامه على سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى- فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق … » (٢).
وهذا يعني: إثبات ما أثبتها الله لنفسه ورسوله ﷺ من الأسماء والصفات، ونفي ما نفاه الله عن نفسه ورسوله ﷺ من الأسماء والصفات.
كل ذلك من غير تحريف ولا تعطيل؛ إذ خبرهما أفصح خبر وأبينه، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ لأخبره سُبْحَانَهُ أنه لا مثيل ولا شبيه له، قال تَعَالَى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبهذا يوحد الله في أسمائه وصفاته.
ثم إن هذا الإخبار من الله بالتوحيد أصدق خبر وأكمله وأحقه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فلا يخبرك بالأمور وأحكامها
стр. 340
وعواقبها ومآلها، وما تصير إليه أصدق من الله العليم الخبير، «فاجزم بأن هذا الأمر الذي نبأ به كأنه رأي عين، فلا تشك فيه ولا تمتر» (١).
الأثر الثالث: الرجوع للكتاب والسنة في معرفة الله الخبير:
إن الإيمان باسم الله الخبير يدعو العبد للرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، إذا ما أراد أن يتعرف على معوده الحق الله ، سواء كان ذلك من ناحية التعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله، أو من ناحية التعرف على محبوباته ومرغوباته ومراضيه، وبالمقابل مكروهاته ومساخطه؛ إذ في الكتاب والسنة خبر ذلك على وجه التفصيل والإحكام، قال تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
ثم إنه لا أحد أعرف بالله من الله، ولا أحد من الخلق أعلم بالله، ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، يعني بذلك: نفسه سُبْحَانَهُ، وقال ابن كثير ﵀: يعني به محمدًا ﷺ كما تقدم-، والكل صحيح (٢).
وهذا يعني: الرجوع إلى خبر الله ورسوله في العلم بذلك دون غيرهما، سواء أكان عقلًا أو هوى أو شيخًا مبتدعًا أو طريقًا من طرق الصوفية أو غير ذلك.
قال البغوي ﵀ في الآية: «والمعنى: أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري» (٣).
стр. 341
الأثر الرابع: إصلاح الباطن:
إذا علم العبد أن ربه الخبير خبير بباطنه كظاهره، وسره كجهره، يعلم خطره وفكره، وما في قلبه من العقائد والمقاصد والأحقاد والأضغان والكبر والعجب، والتعلق بالدنيا، وإضمار الشر مع إظهار الخير، والتجمل بالإخلاص مع الإفلاس ونحو ذلك، وأن الكل مكشوف أمامه لا يخفى عليه ولا يغيب عنه، بل هو محل نظره، كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (١).
فإذا علم العبد هذا سارع لإصلاح باطنه كما يصلح ظاهره، وتخلص من آفاته كما يتخلص من آفات ظاهره، واعتنى بعمل قلبه كما يعتني بعمل جوارحه، وراقبه دومًا ولم يغفله.
وقد قال ابن القيم ﵀ في أهمية هذا الأمر: «إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة، وعبودية ظاهرة؛ فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية، فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع التعري عن حقيقة العبودية الباطنة لا يقربه من الله، ولا يوجب له الثواب، وقبول عمله؛ فإن المقصود امتحان القلوب، وابتلاء السرائر، فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح، والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء، والمقصود بالأمر والنهي.
فكيف يسقط واجبه، ويعتبر واجب رعيته وجنده وأتباعه اللاتي إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه! وهل هذا إلا عكس القضية وقلب
стр. 342
الحقيقة! والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها: إنما هو صلاح القلب، وكماله، وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه» (١).
الأثر الخامس: محبة الله الخبير:
إن إيمان العبد باسم الله الخبير وما فيه من تمام العلم والخبرة؛ يورث القلب محبة الله ؛ ذلك أنها صفة كمال، والقلوب فطرت على محبة من له الكمال.
ثم إن العبد إذا ضم إليها صفات ربه الأخرى كالحكمة، والحلم، والستر، ونحوها، وتأمل كيف أنه قدر له ما فيه مصلحته بمقتضى خبرته وحكمته ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وتأمل كيف أنه يطلع عليه ويخبره، وهو يتقلب في معاصيه ليل نهار ومع ذلك يحلم عليه ويستره؛ زاد حبه لربه الخبير.
فاللهمَّ يا خبير يا عليم، أصلح لنا ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانية، وشأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
стр. 343
ذو الجلال والإكرام ﷻ -
ثبوت الأسماء المبدوءة بـ «ذو» في حق الله تعالى:
يرى بعض أهل العلم أن «الوارد في الكتاب والسنة من الأسماء المبدوءة بـ (ذو) المضافة إلى صفة من صفات الله، أو فعل من أفعاله، أو خلق من مخلوقاته، من أعظم ما يمدح به رب العزة ويدعى به، ولكنها لا تدخل في أسمائه الحسنى التسعة والتسعين … لأن معنى (ذي القوة، وذي الرحمة، وذي الكبرياء): صاحب القوة والرحمة والكبرياء؛ فذو في اللغة بمعنى: صاحب، وهذه الأسماء ثلاثة أقسام:
الأول: ما أضيف منها إلى صفة من صفات الباري، وهذا نوعان:
النوع الأول: أن تكون لهذه الصفات أسماء تدل عليها صرحت بها النصوص، وهي: ذو الرحمة، ذو القوة، ذو المغفرة، ذو الجبروت، ذو الملكوت، ذو الكبرياء، ذو العظمة.
والأسماء التي تضمنت هذه الصفات هي: الرحمن، الرحيم، القوي، الغفار، الغفور، الجبار، الملك، الكبير، العظيم.
والنوع الثاني: صفات ليس لها أسماء تدل عليها في الكتاب والسنة.
وهي: ذو الطول، ذو الفضل، ذو الجلال والإكرام، فإن هذه الصفات أضيفت «ذو» إلى كل منها، وليس لأي منها اسم مصرح به في النصوص.
стр. 344
القسم الثاني: ما أضيف إلى فعل من أفعال الباري ﵎، وهما اسمان هما: ذو عقاب أليم، وذو انتقام.
القسم الثالث: ما أضيف إلى بعض مخلوقاته، وهما اسمان هما: ذو العرش، وذو المعارج» (١).
-أما بالنسبة لحكم تسمية الله بهذه الأسماء المضافة:
فقد اختلف أهل العلم في تسمية الله بـ «ذو الجلال والإكرام»، فمنهم من لم يجعله من أسماء الله، وجعله من الصفات باعتبار أن معنى (ذو): صاحب.
واختار آخرون: أنه من الأسماء؛ للنصوص الصحيحة الواردة فيه، وقد ذكره الشيخ محمد ابن عثيمين ﵀ من أسماء الله في (القواعد المثلى) (٢)، يقول ﵀: «ومن أسماء الله تَعَالَى ما يكون مضافًا، مثل: مالك الملك، ذي الجلال والإكرام».
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الكرام بالضم، مثل الكريم، فإذا أفرط في الكرم قيل: كرَّام بالتشديد، وكارمت الرجل، إذا فاخرته في الكرم، فكرمته أكرمه بالضم، إذا غلبته فيه، … والإكرام: مصدر مثل مخرج ومدخل» (٣).
قال ابن فارس ﵀: «(جل) الجيم واللام أصول ثلاثة، (منها):
стр. 345
جل الشيء: عظم، وجل الشيء معظمه، وجلال الله: عظمته، وهو ذو الجلال والإكرام … » (١).
ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (ذي الجلال والإكرام) مرتين في القرآن الكريم، وهما:
قول الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
وقوله : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨].
ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ منْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ (٢).
وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (٣).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
стр. 346
إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (١).
- معنى اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في حقه تعالى:
يدور معنى اسم الله (ذو الجلال والإكرام) على أنه سُبْحَانَهُ هو الموصوف بنعوت الجلال، وهي: كمال العز، والملك والتقدس، والعلم والغنى، والقدرة، وغيرها من الصفات.
وحول هذا المعنى تدور أقوال العلماء، ومنها:
قال ابن عباس ﵄: «﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: ذو العظمة والكبرياء» (٢).
قال الطبري ﵀: «وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] يقول- تَعَالَى ذكره-: تبارك ذكر ربك يا محمد ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾، يعني: ذي العظمة ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ يعني: ومن له الإكرام من جميع خلقه» (٣).
قال الزجاج ﵀: «ذو الجلال: أنه المستحق لأن يجل ويكرم» (٤).
стр. 347
قال الخطابي ﵀: «ذو الجلال والإكرام: الجلال: مصدر الجليل. يقال: جليل بين الجلالة والجلال، والإكرام: مصدر أكرم، يكرم، إكرامًا، والمعنى: أن الله- جل وعز- مستحق أن يجل ويكرم فلا يجحد، ولا يكفر به، وقد يحتمل أن يكون المعنى: أنه يكرم أهل ولايته، ويرفع درجاتهم بالتوفيق لطاعته في الدنيا، ويجلهم بأن يتقبل أعمالهم ويرفع في الجنان درجاتهم، وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين- وهو الجلال- مضافًا إلى الله سُبْحَانَهُ، بمعنى: الصفة له، والآخر مضافًا إلى العبد بمعنى: الفعل منه، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] فانصرف أحد الأمرين- وهو المغفرة- إلى الله سُبْحَانَهُ، والآخر إلى العباد، وهو التقوى» (١).
قال القرطبي ﵀: «(الجلال) عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح، يقال: جل الشيء، أي: عظم، وأجللته، أي: عظمته … (والإكرام) أي: هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، ومنه: إكرام الأنبياء والأولياء» (٢).
قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]: «وقد نعت تَعَالَى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وكقوله إخبارًا
стр. 348
عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]» (١).
وقال السعدي ﵀: «﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه» (٢).
قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
وَهْوَ العَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التـ … ـعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانِ
وَهْوَ الجَلِيلُ فَكُلُّ أَوْصَافِ الجَلَا … لِ لَهُ مُحَقَّقَةٌ بِلَا بُطْلَانِ (٣)
اقتران اسم الله (ذو الجلال والإكرام) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (ذو الجلال والإكرام) مقترنًا بأي من أسمائه الأخرى.
стр. 349
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذو الجلال والإكرام):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذوالجلال والإكرام) من صفات، وتوحيد الله به:
إن الله هو المستحق وحده لأن يجل وينزه ويعظم لكمال ذاته وصفاته وأسمائه، وليس في الوجود من هو بمثل هذه الصفة غيره ﷻ وتقدست أسماؤه.
ولقد اختص الله سُبْحَانَهُ وحده بالجلال؛ لأن جلاله ليس بأنصار وأعوان وسبب من الأسباب، بل للأوصاف الرفيعة والعزة والعلو التي تلحق به.
وكل جلال وكل كرامة منه، والجلال له في ذاته، والإكرام هو فيض متناه منه على خلقه، فلا شرف ولا مجد ولا عزة ولا قوة إلا وهي له وبه ومنه، قال الأصمعي ﵀: «ولا يقال: (الجلال) إلا لله » (١).
والإكرام فيض منه على خلقه، وإكرامه لخلقه بالعطايا والمنح، والآلاء والنعم لا يحصر ولا يعد؛ فهو الجدير بالإكرام من خلقه تعظيمًا لجلاله، وعرفانًا بفضله وإكرامه، وتقديرًا لآلائه وإحسانه.
يقول ابن القيم ﵀: «من أعز أنواع المعرفة: معرفة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال، وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله، وجماله، سُبْحَانَهُ ليس كمثله شيء في سائر صفاته!» (٢).
стр. 350
فـ «لا يستطيع بشر النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رأوه سُبْحَانَهُ في جنات عدن أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون حينئذ إلى شيء غيره» (١).
فَسُبْحَانَهُ وهب الجمال لبعض خلقه وسلبهم الجلال، ووهب الجلال لبعض خلقه وسلبهم الجمال، ووهب بعض خلقه الجمال مع الجلال، لكنه سلبهم دوام الحال، وتفرد سُبْحَانَهُ الجليل الجميل بالجلال المطلق والجمال التام مع دوام الحال (٢).
وحري بالقلب أن يتعلق بصاحب الجلال والإكرام سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، ويديم النظر والتفكر في آلائه وأسمائه وصفاته، ويكثر بالتضرع والخضوع لجلاله سُبْحَانَهُ، وطلب فضله وإكرامه.
وكما أن اسم الله (ذو الجلال والإكرام) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله (ذو الفضل)، و (القدوس)، و (الكريم)، و (الجميل)، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
стр. 351
الأثر الثاني: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦]: كتب الله تَعَالَى على خلقه الفناء، وكتب على نفسه البقاء، يقول تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
وفي تفسير هذه الآية يقول الشيخ السعدي ﵀: «كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد ويبقى الحي الذي لا يموت ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه» (١).
والقلب إن استحضر حقيقة فناء كل المخلوقات، وبقاء رب البريات وحده ﵎؛ فَهِمَ القاعدة الربانية التي هي أساس الخلق، فالله سُبْحَانَهُ لم يجعل الدنيا دار مقر، وإنما جعلها دار ممر، الرابح فيها من صلح زرعه، والخاسر من فسد ثمره، فالرابح قد أصلح زرعه في الدنيا؛ ليقطف ثمره في الآخرة، وأخلص العمل لذي الجلال والإكرام، الذي يجل من أطاعه ويكرمه في الدنيا والآخرة، ورغب فيما عنده من الثواب، وخشي ما عنده من العقاب.
стр. 352
الأثر الثالث: تكريم ذو الجلال والإكرام للإنسان:
«وهذا التكريم مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية، والتكريم: جعله كريمًا، أي: نفيسًا غير مبذول ولا ذليل» (١).
ومظاهر تكريم الله لعباده كثيرة، لعل من الأصول الجامعة له ما يلي:
١ - تكريم الله للإنسان عند خلقه، وما رافق ذلك الخلق من مظاهر التعظيم والعناية والحفاوة التي خص الله بها هذا المخلوق وذريته منذ البداية، ومن ذلك:
- خلقه وتسويته في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، يقول ابن كثير ﵀ عند هذه الآية: «أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية».
- إسجاد الملائكة له، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
- إسكانه الجنة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].
- تعليمه ما لم تعلمه حتى الملائكة الكرام، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١].
стр. 353
٢ - تكريمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج وينشئ، ويركب ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فخصه الله بملكة العقل والفكر، وهي الصفة التي خولت الإنسان القابلية والقدرة على التعلم والتعليم، والتفكير والتدبير، وعن ذلك نشأ وتحصل للإنسان ما لا يعد ولا يحصى من المعارف والعلوم والخبرات الإنسانية المكتسبة.
يقول السعدي ﵀ في ذلك: «وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادَر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة» (١).
٣ - تكريمه بتسخير ما لا يحصى من مخلوقات هذا الكون وخيراته ونعمه له، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢، ١٣] (٢).
стр. 354
٤ - وأعظم تكريم: إرسال الرسل له، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وإكرامه بالإسلام، وهي كرامة خاصة بالمؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
الأثر الرابع: محبة ذي الجلال والإكرام سُبْحَانَهُ:
(ذو الجلال والإكرام) اسم جامع للجلال والجمال؛ فإنه تَعَالَى له جلال مهيب وجمال عجيب، فالجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فليس في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة جليلة، حسنى طيبة، وخير كلها.
الأثر الخامس: تعظيم الله وإجلاله:
(ذو الجلال والإكرام) سُبْحَانَهُ الذي يكرم عباده، حق على عباده أن يكرموه بطاعته وتقواه، وبتعظيمه وإجلاله ثناء عليه، وتمجيدًا له وتعظيمًا له، وتنزيهًا له عن كل نقص وعيب، ومن مظاهر إجلال الله:
إجلال الله :
إن أعظم توقير يجب أن يكون لمن أسبغ عليك النعم، ورفع عنك البلاء والنقم، ومن تأمل قول الله تَعَالَى على لسان نوح ﵇: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أدرك عظمة ذي الجلال وهيبته، ومن إجلاله تَعَالَى ما يلي:
إجلال أسمائه وصفاته، بإثباتها له سُبْحَانَهُ كما أثبتها لنفسه من غير
стр. 355
تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
من إجلال تَعَالَى إجلال القرآن العظيم: فهو كلامه الجليل سُبْحَانَهُ الذي عظمه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وتعظيم القرآن يكون بالإيمان بما جاء فيه، وتلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، وتعلمه وتعليمه والإنصات إليه والعمل به.
ومن عظمة القرآن: جعل الله أهل القرآن هم أهله وخاصته، كما في الحديث: «أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ» (١).
إجلال كل ما أجله الجليل سُبْحَانَهُ من خلقه، ومن ذلك:
إجلال النبي ﷺ وتوقيره، يقول الله تَعَالَى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩].
يقول ابن تيمية ﵀ عند هذه الآية: «والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار، ومن ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به، فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله أكرمه في مخاطبته