← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأثر الثاني: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦]: كتب الله تَعَالَى على خلقه الفناء، وكتب على نفسه البقاء، يقول تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. وفي تفسير هذه الآية يقول الشيخ السعدي ﵀: «كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد ويبقى الحي الذي لا يموت ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه» (١). والقلب إن استحضر حقيقة فناء كل المخلوقات، وبقاء رب البريات وحده ﵎؛ فَهِمَ القاعدة الربانية التي هي أساس الخلق، فالله سُبْحَانَهُ لم يجعل الدنيا دار مقر، وإنما جعلها دار ممر، الرابح فيها من صلح زرعه، والخاسر من فسد ثمره، فالرابح قد أصلح زرعه في الدنيا؛ ليقطف ثمره في الآخرة، وأخلص العمل لذي الجلال والإكرام، الذي يجل من أطاعه ويكرمه في الدنيا والآخرة، ورغب فيما عنده من الثواب، وخشي ما عنده من العقاب.

стр. 352

الأثر الثالث: تكريم ذو الجلال والإكرام للإنسان: «وهذا التكريم مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية، والتكريم: جعله كريمًا، أي: نفيسًا غير مبذول ولا ذليل» (١). ومظاهر تكريم الله لعباده كثيرة، لعل من الأصول الجامعة له ما يلي: ١ - تكريم الله للإنسان عند خلقه، وما رافق ذلك الخلق من مظاهر التعظيم والعناية والحفاوة التي خص الله بها هذا المخلوق وذريته منذ البداية، ومن ذلك: - خلقه وتسويته في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، يقول ابن كثير ﵀ عند هذه الآية: «أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية». - إسجاد الملائكة له، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. - إسكانه الجنة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]. - تعليمه ما لم تعلمه حتى الملائكة الكرام، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١].

стр. 353

٢ - تكريمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج وينشئ، ويركب ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فخصه الله بملكة العقل والفكر، وهي الصفة التي خولت الإنسان القابلية والقدرة على التعلم والتعليم، والتفكير والتدبير، وعن ذلك نشأ وتحصل للإنسان ما لا يعد ولا يحصى من المعارف والعلوم والخبرات الإنسانية المكتسبة. يقول السعدي ﵀ في ذلك: «وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادَر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة» (١). ٣ - تكريمه بتسخير ما لا يحصى من مخلوقات هذا الكون وخيراته ونعمه له، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢، ١٣] (٢).

стр. 354

٤ - وأعظم تكريم: إرسال الرسل له، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وإكرامه بالإسلام، وهي كرامة خاصة بالمؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. الأثر الرابع: محبة ذي الجلال والإكرام سُبْحَانَهُ: (ذو الجلال والإكرام) اسم جامع للجلال والجمال؛ فإنه تَعَالَى له جلال مهيب وجمال عجيب، فالجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فليس في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة جليلة، حسنى طيبة، وخير كلها. الأثر الخامس: تعظيم الله وإجلاله: (ذو الجلال والإكرام) سُبْحَانَهُ الذي يكرم عباده، حق على عباده أن يكرموه بطاعته وتقواه، وبتعظيمه وإجلاله ثناء عليه، وتمجيدًا له وتعظيمًا له، وتنزيهًا له عن كل نقص وعيب، ومن مظاهر إجلال الله: إجلال الله : إن أعظم توقير يجب أن يكون لمن أسبغ عليك النعم، ورفع عنك البلاء والنقم، ومن تأمل قول الله تَعَالَى على لسان نوح ﵇: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أدرك عظمة ذي الجلال وهيبته، ومن إجلاله تَعَالَى ما يلي: إجلال أسمائه وصفاته، بإثباتها له سُبْحَانَهُ كما أثبتها لنفسه من غير

стр. 355

تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. من إجلال تَعَالَى إجلال القرآن العظيم: فهو كلامه الجليل سُبْحَانَهُ الذي عظمه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وتعظيم القرآن يكون بالإيمان بما جاء فيه، وتلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، وتعلمه وتعليمه والإنصات إليه والعمل به. ومن عظمة القرآن: جعل الله أهل القرآن هم أهله وخاصته، كما في الحديث: «أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ» (١). إجلال كل ما أجله الجليل سُبْحَانَهُ من خلقه، ومن ذلك: إجلال النبي ﷺ وتوقيره، يقول الله تَعَالَى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩]. يقول ابن تيمية ﵀ عند هذه الآية: «والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار، ومن ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به، فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله أكرمه في مخاطبته

стр. 356

إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]» (١). إجلال ثلاثة نص عليهم النبي ﷺ في قوله: «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (٢). فمن إجلال الله: تعظيم الشيخ الكبير في الإسلام، بتوقيره في المجالس، والرفق به، والشفقة عليه، ونحو ذلك كل هذا من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله، وإجلال حامل القرآن وإكرامه لحفظه كتاب الله، وسماه حاملًا له؛ لتحمله المشقة في ذلك، وإجلال السلطان القسط العادل بين الناس (٣). إجلال حرمات ذي الجلال وحدوده: فعظمة الله تَعَالَى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته؛ «لأن تعظيم حرمات الله من الأمور المحبوبة لله، المقربة إليه، التي مَن عظَّمها وأجلَّها أثابه الله ثوابًا جزيلًا، وكانت خيرًا له في دينه، ودنياه وأخراه عند ربه. وحرمات الله: كل ما له حرمة، وأمر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية

стр. 357

فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل» (١)، ويدل على ذلك قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. الأثر السادس: ذو الجلال يُخاف عقابُه، وذو الإكرام يُرجى ثوابُه: لا ينال العبد المعرفة إلا إذا عرف ذا الجلال والإكرام؛ لأنه جمع بين الرغبة والرهبة والرجاء والخوف. فلا نجاة للإنسان حقًّا إلا إذا خاف ورجا؛ لأن الخوف المطلق يسلم إلى اليأس، والرجاء المطلق يسلم إلى التفريط. وقد حثنا الله سُبْحَانَهُ على أن نخاف ونرجو، فقال تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] وتدبر قول الله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: جامعين بين الوصفين، خوفًا أن ترد أعمالهم، وطمعًا في قبولها، وخوفًا من عذاب الله (٢). وفسر بعضهم التقوى بأنها الوقوف بين منزلة الخوف والرجاء، فالمؤمن إذا تذكر جلال الله رهب، وإذا تذكر كرمه طمع ورجا، وهكذا يعيش في مقام الرهبة فيعمل ويجتهد في الطاعة، ويحترز من المعاصي، ويعيش في مقام الرجاء فيأنس ويطمئن قلبه ويأمن. وفي ذلك يقول الشيخ السعدي ﵀ عند قوله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] «وللذي خاف ربه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما،

стр. 358

إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات» (١). الأثر السابع: الدعاء باسم الله ذو الجلال والإكرام: هذا الأثر وصية من وصايا النبي ﷺ حيث قال ﷺ : «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ» (٢). و «أَلِظُّوا» بظاء معجمة مشددة، وفي رواية بحاء مهملة، «بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ»، أي: الزموا قولكم ذلك في دعائكم؛ لئلا تركنوا وتطمئنوا لغيره، وقد ذهب بعضهم إلى أنه اسم الله الأعظم (٣). وقد جاء في الحديث الذي فيه ذكر اسم الله الأعظم الدعاء بذي الجلال والإكرام، وفي الحديث عن أنس بن مالك ﵁، قال: «كنت مع رسول الله ﷺ جالسا- يعني: ورجل قائم يصلي- فلما ركع وسجد وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك، بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (٤). اللهم يا ذا الجلال والإكرام أكرمنا بطاعتك، واقسم لنا من خشينك ما تحول به بيننا وبين معاصيك.

стр. 359

الربُّ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «رب كل شئ: مالكه، والرب: اسم من أسماء الله ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك … والرباني: المتأله العارف بالله تَعَالَى، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: ورببت القوم: سستهم، أي: كنت فوقهم، قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: (لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن)، ورب الضيعة، أي: أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه ربًّا، ورببه، وترببه، بمعنًى، أي: رباه» (١). قال ابن فارس ﵀: «(الرب) الراء والباء يدل على أصول؛ فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه، فالرب: المالك، والخالق، والصاحب، والرب: المصلح للشيء، يقال: رب فلان ضيعته، إذا قام على إصلاحها … والله- جل ثناؤه- الرب؛ لأنه مصلح أحوال خلقه. والأصل الآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه، وهو مناسب للأصل الأول. يقال: أربت السحابة بهذه البلدة، إذا دامت …

стр. 360

والأصل الثالث: ضم الشيء للشيء، وهو- أيضًا- مناسب لما قبله، ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا» (١). ورود اسم الله (الرَّب) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرب) في كتاب الله في مواضع عديدة، وفي سياقات متنوعة، فجاء مضافًا إلى (العالمين)، وإلى (كل شيء)، وإلى (موسى وهارون)، وإلى (العرش العظيم)، وإلى (السماوات والأرض)، وإلى (المشرق والمغرب)، ومضاف للضمير (ربكم … )، ومن وروده ما يلي: ١ - قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. ٢ - وقوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ٣ - وقوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]. كما جاء مفردًا في إحدى وخمسين ومائة مرة، ومن ورود ما يلي: قوله : ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. ورود اسم الله (الرب) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الرب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» (٢).

стр. 361

وعن ابن عباس ﵄، قال: «كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر؛ فقال: أَيُّها النَّاسُ! إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّراتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا؛ فَأمَّا الرُّكوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (١). وعن عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» (٢). معنى اسم الله (الرب) في حقه تعالى: قال الطبري ﵀: «فربنا جل ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل له في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر» (٣). قال القرطبي ﵀: «رب العالمين، أي: مالكهم، وكل من ملك شيئًا فهو ربه، فالرب: المالك … والرب: السيد، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وفي الحديث: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) (٤)، أي:

стр. 362

سيدتها، … والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم، قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد رَبَّهُ يُرَبِّهِ فهو ربٌّ له ورابٌّ، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب، وفي الحديث: «هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا» (١)، أي: تقوم بها وتصلحها، والرب: المعبود» (٢). قال ابن القيم ﵀: «والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، واللهتَعَالَى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها» (٣). قال ابن كثير ﵀: «والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تَعَالَى» (٤). قال الشيخ السعدي ﵀: «الرب، هو المربي جميع العالمين- وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة، فمنه تَعَالَى» (٥). اقتران اسم الله (الرب) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم (الرَّبِّ) باسم (الله) : سبق بيانه في اسم الله (الله).

стр. 363

ثانيًا: اقتران اسم (الربِّ) باسميه سُبْحَانَهُ (الرحمن، الرحيم): اقترن اسم (الرب) باسمي (الرحمن، الرحيم) كما في قوله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]، وقوله : ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٧]، وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. وجه الاقتران: ١ - الجمع بين الترغيب والترهيب، قال القرطبي ﵀: «وصف نفسه تَعَالَى بعد «رب العالمين»، بأنه «الرحمن الرحيم»؛ لأنه لما كان في اتصافه بـ «رب العالمين» ترهيب قرنه بـ «الرحمن الرحيم»، لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (١)» (٢). ٢ - بيان سعة رحمته وشمولها، قال ابن القيم ﵀: «فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول للرحمة وسعتها؛ فوسع كل شيء برحمته وربوبيته» (٣).

стр. 364

ثالثًا: اقتران اسم (الربِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور): اقترن اسم (الرب) باسمه (الغفور) كما في قوله تَعَالَى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]. وجه الاقتران: التأكيد على أن من أخص صفات الرب: المغفرة، وأنها من موجبات ربوبيته ولوازمها (١). رابعًا: اقتران اسم (الربِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز): اقترن اسم (الرب) باسمه (العزيز) كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦]. وجه الاقتران: للدلالة على أن صفة العزة والغلبة من موجبات الربوبية والسؤدد. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّبِّ): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرب) من صفات الله سُبْحَانَهُ: الله الرب الذي خلق الخلق، ولم يتركهم هملًا، بل تصرف فيهم بما يصلح شؤونهم ويقيم أحوالهم، وتعاهدهم بالتربية والرعاية، فجاءت تربيته لهم على نوعين:

стр. 365

النوع الأول: الربوبية العامة: الشاملة لكل خلقه، فالله سُبْحَانَهُ رب العالمين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والعالمين: جمع عالم، وكل ما سوى الله عالم (١)، فشمل بربوبيته كل شيء سواه. فهو رب العرش العظيم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. وهو رب السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦]، وقال تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤]. وهو رب المشرق والمغرب، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]. وهو رب الأولين والأخرين: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦]. وصلت ربوبيته لكل إنس وجن، بر وفاجر، مؤمن وكافر، وكل حيوان، ونبات، وجماد.

стр. 366

لا يخرج شيء عن ربوبيته البتة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولا أوسع ولا أشمل كلمة و لا أكثر استغراقًا من كلمة شيء؛ فالذرة شيء، وجزئيات الذرة شيء، والنواة شيء، والشمس شيء، والمجرات شيء، والكون شيء … إلخ. ومن آثار ربوبيته العامة: خلقه وإيجاده لهم من عدم، وتصويره إياهم على ما قضى وقدر، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩]، قال السعدي ﵀: «ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته- ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]» (١). إنعامه ورزقه لهم، فرباهم بما أغدق عليهم من النعم والأرزاق الظاهرة والباطنة التي لو فقدوها لاختلت حياتهم وما كان لهم بقاء، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، وقال حاكيًا عن فرعون سؤاله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] إلى أن قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً

стр. 367

فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤]. القيام على شؤنهم وتدبير أمورهم، كما قال تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] هدى كل مخلوق لما خلق له من المنافع، وهداه لدفع المضار عنه، حتى أن الله أعطى الحيوان البهيم من العقل ما يتمكن به من ذلك (١). قال ابن القيم ﵀: «قائم على كل نفس بخيرها وشرها، قد استوى على عرشه، وتفرد بتدبير ملكه، فالتدبير كله بيديه، ومصير الأمور كلها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتوبة والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لحكمه، ولاراد لأمره، ولا مبدل لكلماته، تعرج الملائكة والروح إليه، وتعرض الأعمال- أول النهار وآخره- عليه، فيقدر المقادير ويوقت المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه» (٢). تعريف عباده بنفسه وبغايتهم التي خلقوا من أجلها، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم؛ فلم يترك عباده سدى هملًا لا يعرفهم بنفسه ولا ما

стр. 368

ينفعهم ولا يضرهم في المعاش والمعاد، كما لم يخلقهم عبثًا يأكلون ويشربون ويمرحون دون أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب، كما قال تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] تعاظم عن هذا الظن الباطل الذي يقدح في حكمته ﵎ (١). النوع الثاني: الربوبية الخاصة: التي اختص الله بها أولياءه وأهل طاعته، حيث رباهم فوفقهم للإيمان به، والقيام بعبوديته، وغذاهم بمعرفته، ونمى ذلك بالإقامة عليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ودفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه. فحقيقتها: التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر (٢). ومن صور هذه التربية: أن يلقي في نفوس أوليائه إذا أقبلوا عليه بالطاعات الراحة والسكينة والانشراح، فيحببها لهم، وإذا عصوه أو هموا بمعصيته الضيق والكآبة والحزن فيبغضها لهم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. فمن وجد في نفسه هداية وإيمانًا فهو محض فضل رب العالمين، فهوسُبْحَانَهُ الذي دفعه وساقه إلى طاعته، وألقى في قلبه محبته ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ

стр. 369

أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. ومنها: أن يصيب العبد ببعض البلايا والمحن؛ ليرجع ويعود إليه، وتكون سببًا لقربه منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، وكما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] فساق هذه الشدائد ليحملهم على التوبة والرجوع إليه. الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرب) على التوحيد: اسم الله الرب دال على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. - فأما توحيد الربوبية: فاللهسُبْحَانَهُ هو الرب على الحقيقة، فلا رب على الحقيقة سواه، رب كل شيء وخالقه ومليكه، والقادر عليه والمتصرف في جميع أموره، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. قال القرطبي ﵀: «فاللهسُبْحَانَهُ رب الأرباب، ومعبود العباد، يملك المالك والمملوك وجميع العباد، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مخلوق فمملَّك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده،

стр. 370

وإنما يملك شيئًا دون شيء» (١). وقد استدل الله على وحدانيته في الربوبية بدليل التمانع، قال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فالعالم العلوي والسفلي، على ما يرى، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب، ولا ممانعة، ولا معارضة فالشمس والقمر، والكواكب الثابتة والسيارة، منذ خلقت وهي تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على مصلحة أحد دون أحد؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك، لاختل نظامه، وتقوضت أركانه؛ فإنهما يتمانعان ويتعارضان، وإذا أراد أحدهما تدبير شيء، وأراد الآخر عدمه، فإنه محال وجود مرادهما معًا، ووجود مراد أحدهما دون الآخر، يدل على عجز الآخر وعدم اقتداره، واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن، فإذًا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده، من غير ممانع ولا مدافع، هو الرب الواحد القهار (٢). وبهذا التوحيد أقر أكثر طوائف المشركين ولم ينكروه، كما حكى الله عنهم في كتابه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].

стр. 371

ومع هذا الإقرار منهم إلا أنه لم يكفهم في الدخول في الإسلام لإخلالهم بتوحيد الألوهية الذي بعث الله الرسل داعين إليه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. - وأما توحيد الألوهية: فاسم (الرب) يقتضي ويستلزم عبادة الله وحده دون ما سواه؛ إذ إن الخالق للكون وما فيه، والمالك لكل شيء من العالم العلوي، والعالم السفلي، ما نبصره منه، وما لا نبصره، والمتصرف فيه بالإحياء، و الإماتة، والرزق، والتدبير هو المستحق للعبادة وحده، فإن كل من دونه عبيد مربوبون لا خلق لهم ولا ملك، عاجزون من جميع الوجوه، فكيف يتخذون أندادًا وشركاء لله؟! (١). وقد احتج الله بالربوبية على الألوهية في مواضع عديدة من كتابه بأساليب متنوعة، منها: قوله تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]. ففي هذه الآيات احتجاج على العباد بأن الله هو وحده مالك الأرض والسماء ومن فيها، وخالقهم وربهم ومليكهم، فإذا كان كذلك فهو وحده إلههم ومعبودهم، فكما لا رب لهم غيره، فهكذا لا إله لهم سواه (٢).

стр. 372

- وأما توحيد الأسماء والصفات: فاسم (الرب) مقتضٍ ومستلزم لسائر أسمائه وصفاته ﵎؛ فالخالق المالك الرازق المدبر لا بد أن يكون قادرًا، بارئًا مصورًا، حيًّا قيومًا، عليمًا، سميعًا بصيرًا، غنيًّا، جوادًا، كريمًا إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته. قال ابن القيم ﵀: «إن ربوبيته سُبْحَانَهُ إنما تتحقق بكونه: فعالًا مدبرًا؛ متصرفًا في خلقه؛ يعلم، ويقدر، ويريد، ويسمع، ويبصر، فإذا انتفت أفعاله وصفاته: انتفت ربوبيته، وإذا انتفت عنه صفة الكلام: انتفى الأمر والنهي ولوازمها، وذلك ينفي حقيقة الإلهية» (١). وقال أيضًا ﵀: «إن (الرب): هو القادر الخالق البارئ المصور؛ الحي القيوم؛ العليم السميع البصير؛ المحسن المنعم الجواد؛ المعطي المانع؛ الضار النافع؛ المقدم المؤخر؛ الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء ويذل من يشاء؛ إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى» (٢). الأثر الثالث: الرضا بالله ربًّا: من عرف اسم الله (الرب) وعلم أنه وحده الخالق المالك الرازق المدبر، لم يطلب غيره ربًّا ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، بل رضي به ربًّا، وساقه رضاه به لأنواع من الرضى: ١ - الرضى به إلهًا معبودًا.

стр. 373

٢ - الرضى به حاكمًا مشرعًا، فيرضى عما أمره به ونهاه عنه. ٣ - الرضى به قاسمًا قاضيًا، فيرضى عما قسمه وقدره له، ويرضي عما أعطاه واختاره له وعما منعه منه. فالرضى به ربًّا متعلق بذاته وأسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته العامة والخاصة، فهو الرضى به خالقًا ومدبرًا وآمرًا وناهيًا، ومالكًا ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا ووكيلًا ووليًّا وناصرًا، ومعينًا وكافيًا وحسيبًا ورقيبًا، وقابضًا وباسطًا، ومبتليًا ومعافيًا، إلى غير ذلك من صفات أفعاله ﵎. ومن كانت هذه صفته ذاق طعم الإيمان وحلاوته، كما قال ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ باللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١). ومتى تذوق العبد طعم الإيمان فلا تسأل عن السعادة التي يحيا بها، ولا عن الأنس الذي يشعر به، ولا عن الطمأنينية والثبات حتى ولو احتوشته البلايا والرزايا. ومن لم يرض بتلك الأنواع أو بعضها لم يكن قد رضي به ربًّا من جميع الوجوه، ولا ذاق حلاوة الإيمان حتى يرضى به من جميع الوجوه. والرضى بالله ربا يختلف عن الرضا عنه؛ فالرضى به متعلق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والرضى عنه متعلق بثوابه وجزائه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧] وقوله تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، فربط الرضا عنه بدخول الجنة، بينما في الحديث علق

стр. 374

رسول الله ﷺ ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربًّا، ولم يعلقه بمن رضي عنه، فجعل الرضى به قرينًا للرضى بدينه ونبيه، وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها. الأثر الرابع: التوكل على الربِّ سُبْحَانَهُ: إذا آمن العبد باسم الله (الرب) وما يدل عليه من اختصاصه بجلب المنافع ودفع المضار، والتكفل بالأرزاق، وتيقن ذلك؛ أورثه التعلق به والتوكل عليه في جلب المصالح، ودفع المساوئ والمخاطر عنه، وفي تصريف جميع أموره، فلا يتعلق إلا باللهتَعَالَى ولا يرجو إلا هو، ولا يخاف إلا منه سُبْحَانَهُ، ولقد قال نبي الله موسى ﵇ وهو في موقف شديد عصيب؛ أدركه فرعون فيه بجبروته وطغيانه وجنوده وعتاده، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٥٦] ولا مفر، فالبحر أمامه، وفرعون خلفه، والجبال الشاهقة ترى عن يمينه وشماله، حتى ظن أصحابه أنهم مدركون ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] قال واثقًا بربه متوكلًا عليه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. فكل مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن أن يملكه لغيره، فكيف يخاف أو يرجى أو يتعلق بمن هذا حاله؟

стр. 375

الأثر الخامس: محبة الله الرب: لما كان من معاني (الرب) أنه الذي يربي عباده بخلقه إياهم على أحسن صورة، والإنعام عليهم بما يقيم حياتهم ومعاشهم، والقيام على شؤونهم وحاجتهم أتم قيام وأكمله. فإن هذه المعاني من شأنها أن تورث في قلب العبد المحبة العظيمة لربه سُبْحَانَهُ، وحب ما يحبه ومن يحبه، وبغض ما يبغضه ومن يبغضه، والمسارعة في مرضاته، وتعظيمه وإجلاله وشكره، وحمده الحمد اللائق بجلاله وعظمته وسلطانه وإنعامه. الأثر السادس: التضرع باسم الله (الرب): اسم الله (الرب) ﵎ يقتضي جلب المنافع ودفع المضار، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومن هنا صمد إليه العباد وقصدوه صغيرهم وكبيرهم، برهم وفاجرهم، بل وحتى كافرهم في حاجاتهم ومطالبهم، كما قال الله تَعَالَى عن الكفار: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وكلما عرف العبد اسم الله (الرب) وزاد يقينه بمعانيه؛ زاد لهجه ودعاؤه به؛ لذا كثر في أدعية الأنبياء والصالحين تكرار الدعاء بقولهم: (ربنا، ربنا)، ومن ذلك: - دعاء آدم ﵇، حين تاب الله عليه هو وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 376

- دعاء نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]. - دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨]. - دعاء يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. - دعاء رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ والفُرْقَانِ … » (١)، وكان إذا افتتح صلاته من الليل قال: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ … » (٢). - دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. - دعاء المتقين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦].

стр. 377

ولعل من أسرار كثرة دعاء الأنبياء بلفظ الرب: أن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة، فسألوه بالاسم المناسب لمطالبهم؛ فهو الذي يربيهم بتربيته الخاصة (١). الأثر السابع: التأدب مع الرب في الألفاظ: الله هو الرب وحده ﵎؛ لذا جاء في البخاري عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَاي، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفيه: نهي العبد أن يقول لسيده: (ربي)، وكذلك نهى غيره، فلا يقول له أحد: ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده: اسق ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه» (٣). والسبب في النهي: الأول: «أن حقيقة الربوبية لله تَعَالَى؛ لأن الرب هو المالك القائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تَعَالَى» (٤).

стр. 378

الثاني: «أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك» (١). وهل معنى هذا عدم جواز أن يقال لأحد غير الله: رب؟ إطلاق لفظ الرب إما يكون على سبيل الإطلاق أو الإضافة، فإما إن كان على سبيل الإطلاق فلا يجوز؛ لأن هذا مما يختص الله به، قال ابن كثير ﵀: «ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، تقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله » (٢)، وقال ابن حجر ﵀: «والذي يختص بالله تَعَالَى إطلاق الرب بدون إضافة» (٣). أما إن كان مضافًا، فالإضافة يختلف حكمها باختلاف أقسامها، وقد أوضح ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀، فقال: «إضافة الربِّ إلى غير الله تَعَالَى تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل: أطعم ربك، وضئ ربك، فيكره هذان لمحذورين: ١ - من جهة الصيغة؛ لأنه يوهم معنى فاسد بالنسبة لكلمة رب؛ لأن الرب من أسمائه سُبْحَانَهُ، وهو- سُبْحَانَهُ - يطعم ولا يطعم، وإن كان بلا شك أن الرب هنا غير رب العالمين الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ولكن من باب الأدب في اللفظ.

стр. 379

٢ - من جهة المعنى أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل؛ لأنه إذا كان السيد ربًّا كان العبد أو الأمة مربوبًا. القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، فهذا لا بأس به كقوله ﷺ في حديث أشراط الساعة: «إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (١) .... القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟ قد يقول قائل: إن هذا جائز؛ لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تَعَالَى عن صاحب يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: سيدي؛ ولأن المحذور من قول: (ربي) هو إذلال العبد، وهذا منتف؛ لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي. القسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور؛ فيمنع، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك» (٢). الأثر الثامن: كن ربانيًّا: الله الرب يحب من عباده أن يكونوا ربانيين، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. وسيتناول الملحق - بإذن الله- ما يوضح هذا المعنى ويساعد على تحقيقه.

стр. 380

الرَّبَّانِية والرَّبَّانِيون في هذا الموضوع سنتطرق للمسائل التالية: أولًا: المقصود بالرَّبَّانية والرَّبَّانيين: تعددت عبارات العلماء في معنى الرباني، إلا أنها تدور حول ثلاثة معان: ١ - العلم الراسخ بالله وشرعه. ٢ - العمل بالعلم. ٣ - تعليم الناس وتربيتهم عليه بالحكمة، كالبدء بصغار العلم قبل كبارها. قال ابن عباس ﵄: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] «حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره» (١). وقال الطبري ﵀: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الربانيين): أنهم جمع (رباني)، وأن (الرباني) المنسوب إلى (الربان)، الذي يربُّ الناس، وهو الذي يصلح أمورهم، ويربُّها، ويقوم بها، … فالربانيون إذًا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: (وهم فوق الأحبار)؛ لأن الأحبار هم العلماء، والرباني: الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ

стр. 381

بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم» (١). وقال أبو عمر الزاهد ﵀: سألت ثعلبًا عن هذا الحرف، وهو الرباني، فقال: «سألت ابن الأعرابي، فقال: إذا كان الرجل عالمًا عاملًا معلمًا، قيل له: هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له: رباني» (٢). وقال القرطبي ﵀: «العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم» (٣). وقال ابن القيم ﵀ بعدما نقل جملة من تفسيرات العلماء للرباني-: «ولا يوصف العالم بكونه ربانيًّا حتى يكون عاملًا بعمله، معلمًا له» (٤). وقال السعدي ﵀: «علماء حكماء حلماء، معلمين للناس ومربيهم بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل» (٥). ثانيًا: وسائل تحقيق الربانية: الربانية تقوم على ثلاث ركائز، كما يظهر مما نُقِل من كلام العلماء ﵏ سابقًا، وهي: ١ - العلم الراسخ بالله وشرعه.

стр. 382

٢ - العمل بالعلم. ٣ - تعليم الناس وتربيتهم عليه بالحكمة. ولكل واحد من هذه الركائز الثلاث أدلته من الكتاب والسنة، منها: ما يتعلق بالعلم: قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. فوصف الله الربانيين والأحبار بأنهم ﴿اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال ابن جرير ﵀: «بما استودعوا علمه من كتاب الله، الذي هو التوراة» (١). ووصف الربانين- أيضًا- بالدرس للكتاب الذي به يرسخ العلم ويبقى (٢)، قال تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. والذي يظهر أن المراد بالعلم: العلم الراسخ الواسع؛ لذا إنما أطلق السلف هذا الوصف على من تبحر في العلم، ومن ذلك: لما مات زيد بن ثابت ﵁ قال أبو هريرة ﵁: «اليوم مات رباني هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس مثله خلفًا» (٣).

стр. 383

وقال محمد ابن الحنفية يوم مات ابن عباس ﵄: «مات رباني هذه الأمة» (١). ما يتعلق بالعمل: وهذه الركيزة معلومة بنصوص كثيرة، ذمت المقصرين في هذا الباب، كقوله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]. فلو كان الربانيون لا يعملون بعلمهم، لاستحقوا الذم لا المدح، والله أشاد بهم في مواضع، فدل على أنهم حققوا العمل بالعلم. ما يتعلق بالتعليم والتربية: قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الباء «باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ودرسكم لكتاب الله وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين» (٢). ووصفهم الله بأنهم استحفظوا الكتاب، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، والحفظ لا يكون بمجرد الجمع في الفؤاد والعمل به، بل بنقله للأجيال وتربيتهم عليه أيضًا، فالحفظ لا يتم ويكمل بغير التبليغ والنقل للناس.

стр. 384

قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: «أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه. وهم شهداء عليه؛ بحيث إنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه، فاللهتَعَالَى قد حمَّل أهلَ العلم ما لم يحمِّله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حُمِّلوا. وأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا. وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلِّموا الناس، وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصًا الأمور الأصولية، والتي يكثر وقوعها، وأن لا يخشوا الناس، بل يخشون ربهم» (١). وفي هذه الركائز الثلاث يقول ابن القيم ﵀: «والسلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات» (٢).

стр. 385

ثالثًا: صفات الربانيين: وللربانيين أوصاف، جعلتهم يحوزون هذا الشرف العظيم، منها: ١ - خشية الله التي أورثها العلم بالله ، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. ٢ - الثبات على الحق، وعدم التذبذب في الفتن والكروب؛ لعلمه بها. ٣ - القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تَعَالَى موضحًا الدور المنبغي على الربانيين القيام به: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]، قال السعدي ﵀: «فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبوهم في الخير ويرهبوهم من الشر» (١). ٤ - الحرص على تحكيم شريعة الله في جميع الأمور، كما قال تَعَالَى عنهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، فيحكِّمون ما أنزل الله من التوراة، ويَحْكُمُونَ به. ٥ - الحكم بين الناس بكتاب الله، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]. ٦ - الصبر على العلم وأعباء الدعوة والتعليم، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا

стр. 386

مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فبين أنهم وصلوا لهذه المرتبة بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى الله (١). قال ابن القيم ﵀: «فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين» (٢). ٧ - اليقين بآيات الله، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فبين أنهم وصلوا لهذه المرتبة الرفيعة بما وصلوا إليه من الإيمان إلى درجة اليقين، وهو العلم التام، الموجب للعمل (٣).

стр. 387

٨ - السمت والوقار، قال ﷺ : «السَّمْتُ الحَسَنُ، والتُّؤَدَةُ والاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (١)، فالأنبياء أحسن الناس سمتًا وأحسنهم وقارًا، والربانيون ورثة الأنبياء، بهم يقتدون وعلى أثارهم يسيرون، قال رسول الله ﷺ : «وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» (٢). ٩ - ملاحظة تقصير النفس وسؤال الله المغفرة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦، ١٤٧]، ففي هذا الموقف العصيب الذي تزهق فيه الأروح لم يغفلوا عن ملاحظة تقصيرهم وذنوبهم، فسألوا الله مغفرته. وهذا الاستدلال إنما يصح على القول بأن الربِّيِّين بمعنى: الربانيين. فمن حقق ركائز الربانية الثلاثة، واتصف بصفاتها؛ حقق الربانية، واستحق أن يوصف بكونه ربانيًّا. فاللهمَّ اسْتَعْمِلْنَا وَلَا تَسْتَبْدِلْنَا، واحشُرْنَا في زمرةِ عبادِكَ الرَّبَّانِيينَ الصَّالحينَ.

стр. 388

الرحمن الرحيم ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الرحمة: الرقة والتعطف، والمرحمة مثله، وقد رحمته وترحمت عليه، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضًا، والرحموت من الرحمة … والرحمن والرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة، ونظيرهما في اللغة: نديم وندمان، وهما بمعنًى» (١). قال ابن فارس ﵀: «(رحم) الراء والحاء والميم أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة، يقال من ذلك: رحمه يرحمه، إذا رق له وتعطف عليه .. » (٢). ورود اسم الله (الرحمن - الرحيم) في القرآن الكريم: أولًا: ورود اسم الله الرحمن في القرآن الكريم: ورد اسم الله (الرحمن) في كتاب الله سبعًا وخمسين مرة، ومن وروده ما يلي: قوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].

стр. 389

قوله تَعَالَى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]. قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩]. ثانيًا: ورود اسم الله (الرحيم) في القرآن الكريم: وورد اسم الله (الرحيم) في كتاب الله مائةً وأربع عشرة مرة، ومن وروده ما يلي: ١ - قوله : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] ٢ - قوله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ٣ - قوله : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٤]. ورود اسم الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم) في السنة النبوية: أولًا: ورود اسم الله (الرحمن) في السنة النبوية: ورد اسم الله الرحمن في السنة، ومن وروده ما يلي: عن أبي التَّيَّاحِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَنْبَشٍ التَّمِيمِيِّ - وَكَانَ كَبِيرًا -: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَحَدَّرَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ بِيَدِهِ شُعْلَةُ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْرِقَ بِهَا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهَبَطَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ. قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا

стр. 390

يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ. قَالَ: فَطُفِئَتْ نَارُهُمْ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ ﵎. (١) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ : أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِن اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتْهُ» (٢). عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «الخَيْلُ ثَلَاثَةٌ، فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ: فَالَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ- وذكر ما شاء الله- وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ: فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الإِنْسَانِ: فَالفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا، فَهِيَ تَسْتُرُ مِنْ فَقْرٍ» (٣). ثانيًا: ورود اسم الله (الرحيم) في السنة النبوية: ورد اسم الله الرحمن في السنة، ومن وروده ما يلي: عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا
следующие страницы →