← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

«الرحمن الرحيم يحب الرحماء» في موضوع الرحمة سنتطرق للمسائل التالي: أولًا: تعريف الرحمة: يقول ابن القيم ﵀: «الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك، ودفع المضار عنك» (١). وبهذا يتبين أن الرحمة تكون في القلب، وتظهر آثارها على الجوارح واللسان، وذلك بالسعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم. فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل» (٢). وهذه الرحمة هي الرحمة المحمودة المطلوبة، والتي جاءت النصوص بالترغيب فيها، والحث على الاتصاف بها؛ إذ الرحمة من حيث المدح والذم قسمان:

стр. 422

١ - رحمة محمودة، وهي الأصل في خلق الرحمة. ٢ - رحمة مذمومة، ويراد بها: الرحمة التي تؤدي إلى تعطيل شرع الله، أو التهاون في تطبيق حدوده وأوامره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن دين الله هو طاعته وطاعة رسوله المبني على محبته ومحبة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب، وهي من رحمة الله بعباده، ورأفته بهم الداخلة في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير؛ إذ هو في ذلك جاهل أحمق» (٢). لذا نهى الله تَعَالَى المؤمنين أن تأخذهم رأفة أو رحمة في تطبيق حدود الله وإقامة شرعه، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. ثانيًا: منزلة الرحمة وفضلها: الرحمة خلق سامٍ، وسجية كريمة، حث الإسلام على التخلق والاتصاف بها، ورغب في ذلك ببيان منزلتها وفضلها، ومما ورد في ذلك:

стр. 423

أن الله جعل الرحمة ركيزة من الركائز التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي بين أفراده؛ فعن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» (١). أن الله جعل هذه الصفة خلق لصفوة خلقه وخيرة عباده، وهم الأنبياء والمرسلون، ومن سار على نهجهم من الصالحين، قال تَعَالَى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أن الله جعل الرحمة من أهم أسباب نيل رحمته؛ إذ الجزاء من جنس العمل، قال رسول الله ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (٢). أن الله حكم بالشقاء على من نزعت منه الرحمة؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ : «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (٣).

стр. 424

ثالثًا: الأسباب المعينة على التخلق بالرحمة: الرحمة أولًا نوعان: رحمة غريزية جبل الله بعض عباده عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم، بحسب استطاعتهم. فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم. رحمة مكتسبة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة وسبب، يجعل قلبه على هذا الوصف الكريم، ومما يعين على ذلك: مجالسة الرحماء ومخالطتهم، والابتعاد عن ذوي الغلظة والفضاضة، فالمرء يكتسب من جلسائه طباعهم وأخلاقهم. معرفة الآثار المترتبة عن التحلي بهذا الخلق والثمار، التي يجنيها الرحماء في الدنيا قبل الآخرة. معرفة جزاء الرحماء وثوابهم، وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم، ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية؛ فإن هذا مما يدفع للرحمة، ويردع عن القسوة. الاختلاط بالضعفاء والمساكين وذوي الحاجة؛ فإنه مما يرقق القلب ويدعو إلى الرحمة والشفقة بهم، وجاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ

стр. 425

قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (١). تربية الأبناء على هذا الخلق العظيم ومحاولة غرسه في قلوبهم، ومتى نشأ الناشئ على الرحمة، ثبتت في قلبه وأصبحت سجية له. القراءة في سيرة رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، الذين قال الله عنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وملاحظة اتصافهم بالرحمة، والتأسي بهم في ذلك. وهنا نماذج من رحمة رسول الله ﷺ وصحابته الكرام: أولًا: نماذج من رحمة رسول الله ﷺ : لقد كان له ﷺ النصيب الأوفر من هذا الخلق العظيم، كيف لا والله هو الذي اختصه به كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ومن رحمته: ١ - رحمته بالأمة: عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٢). ٢ - رحمته بأصحابه: عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا

стр. 426

فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فقال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (١). ٣ - رحمته بالخدم: عن المعرور بن سويد ﵁، قال: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (٢). ٤ - رحمته بالعصاة: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ

стр. 427

لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» (١). ٥ - رحمته بالكفار: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ «أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (٢). ٦ - رحمته بالحيوانات: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا، أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ

стр. 428

النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (١). فهذه نماذج من رحمة رسول الله ﷺ ، وقد أمرنا بالتأسي به، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. وما سبق أمثلة على الرحمة، وإلا فأفرادها وصورها كثيرة جدًّا لا تكاد تحصى؛ لأنه ما من معاملة من المعاملات أو رابطة من الروابط الاجتماعية أو الإنسانية، إلا وأساسها وقوام أمرها الرحمة. فاللهم يا رحمنا يا رحيم، برحمتك نستغيث، أصلح شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

стр. 429

الرَّزَّاقُ الْرَّازِق ﷻ - المعنى اللغوي لاسم (الرَّزَّاق - الرَّازِق): قال الجوهري ﵀: «الرزق: ما ينتفع به، والجمع: الأرزاق، والرزق العطاء، وهو مصدر قولك: رزقه الله، والرَّزْقَة بالفتح: المرة الواحدة، والجمع: الرَّزَقَات، وهي أطماع الجند. وارتزق الجند، أي: أخذوا أرزاقهم … وقد يسمى المطر رزقًا، وذلك قوله : ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [الجاثية: ٥]» (١). قال ابن فارس ﵀: «الراء والزاء والقاف أصل واحد، يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت، فالرزق: عطاء الله جل ثناؤه، ويقال: رزقه الله رزقًا، والاسم: الرزق، والرزق بلغة أزدشنوءة: الشكر، من قوله جل ثناؤه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢]. وفعلت ذلك لما رزقتني، أي: لما شكرتني» (٢).

стр. 430

ورود اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) في القرآن: ورد اسم الله الرزاق مفردًا مرة واحدة في كتاب الله: وذلك في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. وورد بصيغة الجمع خمس مرات، منها: قوله : ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤]. وقوله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]. وقوله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]. ورود اسم الله (الرزاق - الرازق) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الرزاق - الرازق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا. فقال: إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ؛ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله، وَلَيْسَ أَحَدٌ منكم يَطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ، وَلَا مَالٍ» (١).

стр. 431

معنى اسم الله (الرَّزَّاق- الرَّازِق): قال الطبري ﵀: في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]: «إن الله هو الرزاق خلقه، المتكفل بأقواتهم» (١). قال الخطابي ﵀: «هو المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، فلم يختص بذلك مؤمنًا دون كافر، ولا وليًّا دون عدو، يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له، ولا متكسب فيه، كما يسوقه إلى الجلد القوي ذي المرة السوي، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]» (٢). قال الحليمي ﵀ في معنى: (الرازق) -: «المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قوامًا إلا به، والمنعم عليهم بإيصال حاجتهم من ذلك إليهم؛ لئلا تتنغص عليهم لذة الحياة بتأخره عنهم، ولا يفقدوها أصلًا لفقدهم إياه» (٣). وقال- في معنى (الرزاق) -: «وهو الرزاق رزقًا بعد رزق، والمكثر الواسع لها» (٤). قال ابن الأثير ﵀: «(الرزاق) وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى

стр. 432

الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم» (١). قال السعدي ﵀: «(الرزاق) لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها» (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: وَكَذَلِكَ الرَّزَّاقُ مِنْ أَسْمَائِهِ … والرِّزْقُ مِنْ أَفْعَالِهِ نَوْعَانِ رِزْقٌ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ … نَوْعَانِ- أَيْضًا- ذَانِ مَعْرُوفَانِ رِزْقُ القُلُوبِ العِلْم والإِيَمان … والرِّزْقُ الُمعَدُّ لِهَذِهِ الأَبْدَانِ هَذَا هُوَ الرِّزْقُ الحَلَالُ وَرَبُّنَا … رَزَّاقُهُ والفَضْلُ لِلْمَنَّانِ والثَّاني سَوْقُ القُوتِ لِلْأَعْضَاءِ فِي … تِلْكَ المَجَارِي سَوْقُهُ بِوَزَانِ هَذَا يَكُونُ مِنَ الحَلَالِ كَمَا يَكُو … نُ مِنَ الحَرامِ كِلَاهُمَا رِزْقَانِ واللهُ رَازِقُهُ بِهَذا الاعْتِبَا … رِ وَلَيْسَ بِالإِطْلَاقِ دُونَ بَيَانِ (٣)

стр. 433

الفرق بين اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق): «الرزاق يعني: هو صاحب العطاء الذي يعطي، فالرزق بمعنى: العطاء، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]، أي: أعطوهم، وكلمة (الرزاق) أبلغ من كلمة (الرازق)؛ لأن (الرزاق) صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله تَعَالَى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، فكل دابة في الأرض على الله رزقها، من إنسان وحيوان، ومن طائر وزاحف، ومن صغير وكبير» (١). اقتران اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (الرازق) بغيره من الأسماء الحسنى: لم يقترن اسم الرزاق بغيره من الأسماء. ثانيًا: اقتران اسم الله (الرزاق) بغيره من الأسماء الحسنى: اقترن اسم الله الرزاق باسمه (ذو القوة المتين) في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. وجه الاقتران: في جمع الله اسمه «الرزاق» واسميه «ذو المتين» وصفه بالقوة في قوله تَعَالَى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وفي هذا كمال زائد في القوة، حيث التناهي في القدرة، والتناهي في شدة القوة.

стр. 434

الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرازق الرزاق) من صفات الله سُبْحَانَهُ: الله سُبْحَانَهُ الرزاق الذي كثر رزقه، ووسع الخلائق كلها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، خلق الخلق لعبادته وتكفل برزقهم ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، فما خلقهم لحاجته إليهم، فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطعموه، تَعَالَى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم (١). ورزق الله لعباده نوعان: ١ - رزق عام، شمل البر والفاجر، والأولين والآخرين، وهو رزق الأبدان. ٢ - ورزق خاص وهو رزق القلوب، وتغذيتها بالعلم والإيمان، والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين» (٢). فأما الرزق العام: فهو رزق عام لجميع المخلوقات إنسهم، وجنهم، وحيوانهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وعاجزهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال:

стр. 435

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، قال ابن كثير ﵀: «أي: لا تطيق جمعه ولا تحصيله، ولا تدخر شيئًا لغد، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾، أي: يقيض لها رزقها- على ضعفها- وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء» (١)، يرزق الثعبان في جحره، والطير في وكره، والسمك في بحره. يرزق الكل، وكل ذلك بلا ثقل ولا كلفة ولا مشقة ولا نقص في ملكه، قال الطحاوي ﵀: «رازق بلا مؤنة» (٢)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه : «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (٣) (٤). وأما الرزق الخاص: فهو الرزق الذي خص الرزاق عباده المؤمنين به من الهداية والإيمان والتوفيق للعلم به وبشرعه في الدنيا؛ فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمةً بالحق مريدةً له متألهةً لله متعبدةً، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.

стр. 436

وأما في الأخرة: فيرزقهم أعظم الرزق وأجلَّه، ألا وهو رضاه والجنة، قال تَعَالَى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٣، ٥٤]. وهذا الرزق- الرزق الخاص- أعظم الرزق وأنفعه، وهو الرزق على الحقيقة، أما رزق البهائم والكفار فهو منقطع ومنتهي؛ ولذلك لما ذكرسُبْحَانَهُ فضله على العباد عامة، ذكر امتنانه على عباده الموحدين بالرزق الخاص في الدنيا بالإيمان وبالجنة في الآخرة، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٠، ٢١]. وهذا الرزق مع عظمه، إلا أن كثيرًا من الناس يغفل عنه، لا سيما في حال الدعاء، قال السعدي ﵀ منبهًا على استحضاره: «والرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، ينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى: (اللهم ارزقني) أي: ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة، ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهني الذي لا

стр. 437

صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه» (١). الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) على التوحيد: اسم الله «الرازق، الرزاق» دال على التوحيد؛ وذلك من جهة: تفرد الله بالرزق، فهو الرازق الرزاق وحده لا شريك له، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]، وقال مبينًا عجز الخلائق كلهم عن الرزق إن أمسكه ومنعه: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] (٢)، فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم من دون الله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]. وكان من دعائه ﷺ دبر كل صلاة إذا سلم-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٣). (٤). وقد جاء التذكير بهذا- وحدانية الله في الرزق- في القرآن في مقامين: الأول: مقام التفضل والامتنان. والثاني: مقام الدعوة إلى توحيد العبادة، والخير والإحسان.

стр. 438

فأما الأمثلة على مقام التفضل والامتنان، فمنها: - قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢]. - قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. وأما الأمثلة على مقام الدعوة إلى توحيد العبادة والخير والإحسان، فمنها: الأمر بالإنفاق في سبيله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. الأمر بالشكر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] (١). الأثر الثالث: إدراك التفاوت في الأرزاق، وأنه تابع لعلم الله تعالى: فاضل الله بين عباده في الرزق، فمنهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم الموسع عليه ومنهم المقتر، وله في ذلك حكم بالغة، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، قال ابن كثير ﵀:

стр. 439

«أي: خبير بصير بمن يستحق الغنى، ومن يستحق الفقر» (١). فمن العباد من لا يصلح حاله إلا بالغنى، فإن أصابه الفقر فسد حاله، ومنهم العكس ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]». وقال ابن كثير ﵀ أيضًا- في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]-: «ولو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق؛ لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا» (٢). لكن هذا التفضيل في الرزق ليس له ارتباط برضا الله وغضبه ولا محبته وكرهه للعبد، فليس إنعامه على خلقه بكثرة الرزق وسعة العيش دليل على محبته لهم، ولا أن تضيقه على آخرين في أرزاقهم لكرهه لهم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، «أي: ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم عليَّ، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لديَّ، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد؛ ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل» (٣) (٤). وقد ظن الكفار والمترفون لجهلهم أن الأموال والأولاد دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في

стр. 440

الآخرة، قال تَعَالَى عنهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، فرد عليهم ظنهم هذا بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٦، ٣٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]. ولم يعلموا أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ولذلك فإن الله يعطيها من يحب ومن لا يحب، وسع الرزق على الأخيار أمثال: نبيه داود وسليمان ﵉، ووسعه على الأشرار أيضًا، أمثال: فرعون وهامان وقارون، وضيق على الأخيار والأشرار؛ ذلك أنه لا يعبأ بالدنيا، فهي هينة عليه، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء، كما جاء في حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كانتِ الدنيا تَعْدِلُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ مَا سَقَى كَافِرًا منها شربةَ ماءٍ» (١). فعلى المؤمن إذا وسع الله عليه في الرزق، أن يعمل عمل داود وسليمان ﵉، قال الله عنهما: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقال تَعَالَى عن سليمان ﵇: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]،

стр. 441

ويحذر من عمل قارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وأمثاله، وإذا ضيق عليه في رزقه أن يصبر ويحتسب، متمثلًا قوله ﷺ : «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا له، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (١). الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الرازق الرَّزَّاقِ: التأمل في خلق الرازق للأرزاق، وإيصالها إلى خلقه رزقًا بعد رزق؛ كل ذلك يورث العبد محبة الرازق والتعلق به لعظيم إحسانه وإفضاله؛ فإن كل ما يراه الإنسان من مظاهر الرزق والعطاء والكرم والجود وما أودع فيها من جودة، وطعم، ومكانة، وسهولة في الوصول إليها كله خلق الله وفضله. الأثر الخامس: التوكل على الرزاق الرازق في طلب الرزق: اليقين بتفرد الرازق برزق العباد، وتكفله بأقواتهم، وتقديره لرزقهم قبل خلقهم، وتوليه تنفيذ المقدر الذي يخرجه في السماوات والأرض، في السماوات؛ لأنه مقضي مكتوب، وفي الأرض؛ لأنه سينفذ لا محالة، كل ذلك يثمر التوكل الصادق على الله في طلب الرزق، الذي يثمر بدوره الطمأنينة في القلب والسكينة وعدم الهلع والخوف على الرزق؛ لأن الله هو المتكفل بأرزاق عباده، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد أقسم الله على أنه ضمن الرزق للعباد: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، سمعها أعربي فصاح صيحته المشهورة، وقال: «يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه

стр. 442

إلى اليمين؟ قالها ثلاثًا، وخرجت بها نفسه» (١). وتكفل باستكمالها ولو بعد حين، فلن تموت نفس إلا باستكمال رزقها، كما أخبرنا الصادق الأمين ﷺ : «أيها الناسُ اتَّقوا اللهَ، وأَجْمِلوا في الطَّلَبِ، فَإِنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تَسْتَوفِيَ رِزْقَهَا، وإنْ أَبْطَأَ عنها، فاتَّقوا اللهَ وأَجْمِلوا في الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» (٢). وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِي أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (٣)، وعن أبي الدرداء ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُه» (٤)، وعن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ رأى تمرة عائرة (٥) فأخذها فناولها سائلًا، فقال: خُذْهَا، لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْكَ» (٦).

стр. 443

وإذا حقق العبد التوكل رزقه الرزاق كما يرزق الطير؛ فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ، كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا (١) وَتَرُوحُ بِطَانًا (٢)» (٣)، فـ «لو توكلوا على الله في ذهابهم، ومجيئهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومن عنده، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير، تغدوا خماصًا وتروح بطانًا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم، ويغشُّون ويكذبون ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل» (٤). ولا يعني التوكل عدم الأخذ بالأسباب والقعود عن الكسب، بل التوكل: الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب؛ لأن هذه الأسباب من رزق الله تَعَالَى الذي يسره لعباده وأقدرهم عليه، وأوصلهم إليه، لكن لا يعتمد الإنسان عليها، وإنما يجعل اعتماده على الله ويوقن أن مفاتيح الرزق بيده، وأن خزائن السموات والأرض بيده. كما يثمر هذا اليقين- بوحدانية الرازق في الرزق وتقديره له- في نفس العبد عدم الخوف من المخلوقين في قطع الرزق؛ لعلمه أن الرزق بيد الله وحده وقد قدره وكتبه، ولا بد أن يصله رضي الخلق أو سخطوا.

стр. 444

وقد رد الله على المنافقين الذين قالوا: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، فقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] فبين أن هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين، إنما هم يرزقون من خزائن الله، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم، فضلًا عن أن يرزقوا غيرهم أو يمنعوا رزقه، فما أقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين. ولضعف هذ اليقين تجد الإنسان يسأل: من الذي يرزقك؟ فيجيب على البديهة: الله، ثم تجده إذا ضيق عليه مخلوق في الرزق، قال: فلان يريد قطع رزقي! فلا بد أن يستقر في القلوب إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله هو المحيي المميت، وأن الله هو الضار النافع، وأن الله هو المعطي والمانع، وأن الله هو المدبر، وأن الله هو الذي بيده كل شيء. الأثر السادس: الأخذ بأسباب نَيلِ الأرزاقِ: قد جعل الرزاق تحصيل الأرزاق منوطًا بالأخذ بالأسباب، فبها تنال الأرزاق وتستجلب الخيرات، وتحصل البركات وتدفع عن العباد الشرور والآفات. وقد بين سُبْحَانَهُ هذه الأسباب وأوضحها لعباده في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ومنها: ١ - الإيمان والتقوى: من أهم أسباب نيل الرزق: الإيمان بالله والاستقامة على طريق الحق، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، وقال

стр. 445

سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، فـ «يسبب له أسباب الرزق من حيث لا يشعر، ولا يعلم» (١). وما دام أن التقوى والعمل الصالح باب إلى الرزق والبركة، فإن المعصية تنقص الرزق والبركة، أو تكون بابًا للعاصي إلى النكد والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. ٢ - التوبة والاستغفار: قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] قال الشنقيطي ﵀: «هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تَعَالَى من الذنوب سبب لأن يمتع الله من فعل ذلك متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى؛ لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه. والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا» (٢).

стр. 446

وقال تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. فـ «الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر؛ ثم قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]» (١). ٣ - شكر الرَّزَّاقِ: رزق الله ﵎ عظيم، منه: الإسلام، والعافية، والعقل، والطعام، والشراب، والولد، والمال، والجمال، والشباب، والقوة، والفتوة، والطبيعة، والإلهام. وقد اعتاد كثير من الناس أن تحصل لهم كل هذه الأشياء بشكل طبيعي معتاد، ولا يتفطنون إلى حقيقة كونها نعمة من عند الله ﵎، بينما الإنسان صاحب القلب الحي يدرك هذا المعنى ويتأمله. جاء رجل يشتكي إلى حكيم الفقر، فقال له: هل تبيع لي بصرك بمائة ألف دينار؟ قال: لا، قال: هل تبيع سمعك بمائة ألف دينار؟ قال: لا، قال: فيدك، فرجلك، فعقلك، فقلبك، فجوارحك، … وهكذا عدد له، حتى بلغ الأمر مئات الألوف من الدنانير، في هذا الإنسان، فقال له: يا هذا!! عليك ديون كثيرة، وحقوق مثبتة فمتى تؤدي شكرها، ومع ذلك تطلب الزيادة، إن ربك عفو كريم.

стр. 447

وقد أرشدنا الله ﵎ إلى شكره على ما تفضل علينا به من رزقه، ووعدنا إن شكرنا زادنا من فضله، قال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. ٤ - الإنفاق من هذا الرِّزْقِ: لقد أمر الله عباده بالإنفاق في سبيله، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقال : ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]. وقد وعد سُبْحَانَهُ أن يخلف ما ينفق، قال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه : «قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكِ» (١)، وقال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (٢). ٥ - الصلاة: ومن أسباب سعة الرزق في الدنيا والآخرة: الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ

стр. 448

هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقال جل شأنه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨، ٣٩]. ٦ - صلة الرحم: مما يستجلب به الرزق: صلة الرحم، عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «مَن أَحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رزقِهِ، وَيُنْسَأَ له في أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١)، بل حتى أن الفجرة إذا تواصلوا بسط الله لهم في الرزق، كما جاء في الحديث، عن أبي بكرة ﵁، أن رسول الله ﷺ : «إنَّ أعجلَ الطاعةِ ثوابًا: صلةُ الرَّحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ ليكونوا فَجَرةً، فتنموَ أموالُهم، ويَكْثُرَ عددُهُم إِذَا تَوَاصَلُوا» (٢). الأثر السابع: طلب الرزق الحلال، والحذر من الرزق الحرام: اليقين بأن الله الرزاق الذي تكفل للعباد بأرزاقهم؛ يدفع العبد إلى ترك الرزق الحرام في مأكله ومشربه وملبسه وعمله ونحو ذلك، ولو كان كثيرًا موفورًا؛ لأنه يعلم أن الرزاق سيفتح له أبواب من الرزق الحلال، وأنه لن يحصل من الرزق إلا ما قسم له، وأن ما عند الله لا ينال بمعصيته، قال ﷺ : «نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِي أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى

стр. 449

تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (١). وقد حذر الله وتوعد من أكل الرزق الحرام، قال ﷺ : «إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ (٢) إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (٣)، وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (٤). قال ابن رجب ﵀: «وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله … وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام» (٥)، وقال: «فيؤخذ من هذا: أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة» (٦).

стр. 450

فعلى المؤمن أن يحذر الرزق الحرام بمختلف صوره وأشكاله، ومنها: الربا، وقد تكاثرت النصوص في النهي عنه، ومن ذلك: قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وعن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ» (١). والربا ممحوق البركة منزوع الخير، قال تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. الرشوة، عن عبد الله بن عمرو قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» (٢). اليمين الغموس، وهو: الحلف كذبًا؛ لاقتطاع مال الغير (٣)، عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» (٤)، وقال: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ

стр. 451

مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية (١). سؤال الناس بلا حاجة أو ضرورة، قال ﷺ : «لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (٢). أخذ أموال الناس بقصد السلف والدين، مع إضمار النية بعدم رده وسداده، أو التهاون في ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى الله عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ الله» (٣). الغلول، وهو: الخيانة مطلقًا، وغلب في الاستعمال تخصيصه بالخيانة في الغنيمة (٤)، وللغلول صور عدة، من أهمها: الأخذ من المال العام (٥). وجاء في الغلول حديث أبي هريرة، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثم قال: «لَا أُلْفِيَنَّ (٦) أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ:

стр. 452

لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ (١)، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ (٢)، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ (٣)، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» (٤). وفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁، قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا- أو عَبَاءَةٍ-» (٥). وكل رزق فيه شبهة ينبغي للعبد أن يتجنبه؛ لأن المال الحرام يمحق بركة

стр. 453

الإنسان في جميع أمره: في ماله وولده وبيته، حتى في دعائه: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (١). الأثر الثامن: الإنفاق من رزق الرزاق الرازق: إيمان العبد باسمه سُبْحَانَهُ (الرزاق) يبعد عن القلب الشح والبخل؛ لأن الشعور بأن ما في اليد من رزق فهو من الله وحده، وما في القلب من علم وهداية فالمانُّ به سُبْحَانَهُ، فهو رزقه وفضله، وقد أمره بالإنفاق منه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]؛ يدفع المؤمن إلى التواضع، والجود بما رزقه الله سُبْحَانَهُ من علم أو مال أو جاه في سبيل الله تَعَالَى، وإيصاله للمحتاجين إليه. الأثر التاسع: الاشتغال بطلب الرزق الباقي: أرزاق الله كثيرة، لا تعد ولا تحصى، إلا أن على المؤمن أن يكون همه السعي لنيل أحسنها وأكملها وأكرمها، مما خص الله به عباده المؤمنين في الآخرة من النعيم، وهو رزق عظيم واسع، لا يحده حد، ولا يقدر قدره إلا الله، فرزق أهل الجنة لا نفاد له ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وهو يرزقهم بغير حساب ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].

стр. 454

ومن طالع صفة الجنة؛ علم سعة رزق أهلها وكثرته وطيبه وتنوعه، قال تَعَالَى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ١٢ - ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]. وإذا علم العبد ذلك؛ لم يشتغل برزق الدنيا الفاني عن رزق الآخرة الباقي، قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، فالعاقل لا يشغله رزق الدنيا وإن كثر عن الغاية التي خلق لأجلها وأوجد لتحقيقها، وهي عبادة الله وإخلاص الدين له، بل يجعل ذلك سبيلًا لنيل رضا الله، وبلوغ جنات النعيم. فاللهمَّ إنَّا نَسْألُكَ علمًا نافعًا، ورِزْقًا طَيِّبًا، وعملًا صالِحًا مُتَقَبَّلًا. اللهمَّ اغفِرْ لنا وارْحَمْنَا، وَاهْدِنَا، وعَافِنَا، وارْزُقْنَا.

стр. 455

الرَّؤُوفُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الرأفة: أشد الرحمة» (١). قال ابن فارس ﵀: «(رأف) الراء والهمزة والفاء كلمة واحدة، تدل على رقة ورحمة، وهي الرأفة» (٢). ورود اسم الله (الرؤوف) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف) في كتاب الله في عشر مرات، ومن وروده ما يلي: قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]. قوله : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].

стр. 456

وورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف) في السنة النبوية: من وروده ما يلي: عن يحيى بن أبي كثير ﵀، قال: كتب إلي أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، يخبرني عن هدي عبد الله بن مسعود في الصلاة، وفعله وقوله فيها، فكان مما ذكره في دعائه: «سبحانك لا إله غيرك، اغفر لي ذنبي، وأصلح لي عملي، إنك تغفر الذنوب لمن تشاء، وأنت الغفور الرحيم، يا غفار اغفر لي، يا تواب تب علي، يا رحمن ارحمني، يا عفو اعف عني، يا رؤوف ارأف بي، يا رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي … » (١). معنى اسم الله (الرؤوف): قال الطبري ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]: «إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة» (٢). قال الخطابي ﵀: «(الرؤوف) هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة: أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إن الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة، فهذا موضع الفرق بينهما» (٣).

стр. 457

قال القرطبي ﵀: «(الرؤوف) ذو الرأفة، والرأفة: شدة الرحمة، فهو بمعنى: الرحيم مع المبالغة» (١). يظهر مما سبق أن هناك ارتباطًا بين الرأفة والرحمة، وقد يظهر الفرق بينهما في: أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي دفع المكروه وإزالة الضرر، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما. وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى، ويدخل فيه الإفضال والإنعام (٢). الرحمة تكون للمؤمن والكافر والبر والفاجر، ومن رحمة الله: إرسال الرياح والأمطار، وهي رحمة يشترك فيها الإنسان مؤمنًا وكافرًا، والحيوان والأشجار وكثير من مخلوقات الله تَعَالَى. بينما الرأفة تكون فقط للمؤمنين، تأمل قوله الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وهذا عام للمؤمن والكافر، بينما رأفة الله لا تكون إلا للمؤمن، فانظر إلى قوله الله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (٣).

стр. 458

اقتران اسم الله (الرؤوف) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: اقتران اسم الله (الرؤوف) باسم الله (الرحيم): لم يقترن اسم الله الرؤوف بغيره من الأسماء إلا باسم الله الرحيم، وجاء هذا الاقتران في تسع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي: قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩]. وقد سبق الحديث عن وجه هذا الاقتران، وذلك عند كلامنا عن اسم الله تَعَالَى (الرحمن الرحيم). سر تقديم اسم الله الرؤوف على اسمه الرحيم: يقول الألوسي ﵀: «وقدم على رحيم؛ لأن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر، كما يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، والرحمة أعم منه، ومن الإفضال، ودفع الضرر أهم من جلب النفع، وقول القاضي: لعل تقديم (الرؤوف) - مع أنه أبلغ- محافظة على الفواصل- ليس بشيء؛ لأن فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع- فالمراعاة حاصلة على كل حال-، ولأن الرحمة حيث وردت في القرآن قدمت ولو في غير الفواصل، كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]

стр. 459

في وسط الآية» (١). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرؤوف): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرؤوف) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: لقد أثبت الله صفة الرأفة لنفسه، وقرنها بصفة الرحمة؛ ليؤكد مدلول أحدهما بمدلول الآخر، والرأفة هي: صفة شاملة لاستصلاح العباد والرفق بهم في تربيتهم جملة وتفصيلًا، والنظر لهم بما هم عليه من الضعف والحاجة والمسكنة والفقر (٢). ومن يتأمل في الكون يرى آثار رحمة الله ورأفته في الكون، ومن مظاهر تلك الرأفة: من رأفته تَعَالَى: إنزاله الكتاب على رسوله ﷺ ؛ ليخرجنا من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الحق ودين الإسلام: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩]. ومن رأفته تَعَالَى أنه لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها، فلم يبطل عمل عباده الذين صلوا قبل تحويل القبلة، فقد تساءل الصحابة عن عملهم وعمل إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، بعد أن حُولت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 460

ومن رأفته تَعَالَى: توبته على عباده، وأنه يقبل توبة التائبين، ولا يرد عن بابه العاصين المنيبين مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] (١)، فهو يفتح لهم باب التوبة ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (٢)، وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (٣). ومن رأفتهسُبْحَانَهُ: تسخيره المخلوقات لخدمتنا، كالجمال والخيول والبغال والحمير قديمًا، والسيارات والطائرات حديثًا: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وغير ذلك، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد الذي لا يبلغونه إلا بشق الأنفس، وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح، والتعقيب بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] توجيه إلى ما في خلق الأنعام من نعمة، وما في هذه النعمة من رحمة.
следующие страницы →