← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف) في السنة النبوية: من وروده ما يلي: عن يحيى بن أبي كثير ﵀، قال: كتب إلي أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، يخبرني عن هدي عبد الله بن مسعود في الصلاة، وفعله وقوله فيها، فكان مما ذكره في دعائه: «سبحانك لا إله غيرك، اغفر لي ذنبي، وأصلح لي عملي، إنك تغفر الذنوب لمن تشاء، وأنت الغفور الرحيم، يا غفار اغفر لي، يا تواب تب علي، يا رحمن ارحمني، يا عفو اعف عني، يا رؤوف ارأف بي، يا رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي … » (١). معنى اسم الله (الرؤوف): قال الطبري ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]: «إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة» (٢). قال الخطابي ﵀: «(الرؤوف) هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة: أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إن الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة، فهذا موضع الفرق بينهما» (٣).

стр. 457

قال القرطبي ﵀: «(الرؤوف) ذو الرأفة، والرأفة: شدة الرحمة، فهو بمعنى: الرحيم مع المبالغة» (١). يظهر مما سبق أن هناك ارتباطًا بين الرأفة والرحمة، وقد يظهر الفرق بينهما في: أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي دفع المكروه وإزالة الضرر، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما. وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى، ويدخل فيه الإفضال والإنعام (٢). الرحمة تكون للمؤمن والكافر والبر والفاجر، ومن رحمة الله: إرسال الرياح والأمطار، وهي رحمة يشترك فيها الإنسان مؤمنًا وكافرًا، والحيوان والأشجار وكثير من مخلوقات الله تَعَالَى. بينما الرأفة تكون فقط للمؤمنين، تأمل قوله الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وهذا عام للمؤمن والكافر، بينما رأفة الله لا تكون إلا للمؤمن، فانظر إلى قوله الله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (٣).

стр. 458

اقتران اسم الله (الرؤوف) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: اقتران اسم الله (الرؤوف) باسم الله (الرحيم): لم يقترن اسم الله الرؤوف بغيره من الأسماء إلا باسم الله الرحيم، وجاء هذا الاقتران في تسع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي: قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩]. وقد سبق الحديث عن وجه هذا الاقتران، وذلك عند كلامنا عن اسم الله تَعَالَى (الرحمن الرحيم). سر تقديم اسم الله الرؤوف على اسمه الرحيم: يقول الألوسي ﵀: «وقدم على رحيم؛ لأن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر، كما يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، والرحمة أعم منه، ومن الإفضال، ودفع الضرر أهم من جلب النفع، وقول القاضي: لعل تقديم (الرؤوف) - مع أنه أبلغ- محافظة على الفواصل- ليس بشيء؛ لأن فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع- فالمراعاة حاصلة على كل حال-، ولأن الرحمة حيث وردت في القرآن قدمت ولو في غير الفواصل، كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]

стр. 459

في وسط الآية» (١). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرؤوف): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرؤوف) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: لقد أثبت الله صفة الرأفة لنفسه، وقرنها بصفة الرحمة؛ ليؤكد مدلول أحدهما بمدلول الآخر، والرأفة هي: صفة شاملة لاستصلاح العباد والرفق بهم في تربيتهم جملة وتفصيلًا، والنظر لهم بما هم عليه من الضعف والحاجة والمسكنة والفقر (٢). ومن يتأمل في الكون يرى آثار رحمة الله ورأفته في الكون، ومن مظاهر تلك الرأفة: من رأفته تَعَالَى: إنزاله الكتاب على رسوله ﷺ ؛ ليخرجنا من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الحق ودين الإسلام: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩]. ومن رأفته تَعَالَى أنه لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها، فلم يبطل عمل عباده الذين صلوا قبل تحويل القبلة، فقد تساءل الصحابة عن عملهم وعمل إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، بعد أن حُولت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 460

ومن رأفته تَعَالَى: توبته على عباده، وأنه يقبل توبة التائبين، ولا يرد عن بابه العاصين المنيبين مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] (١)، فهو يفتح لهم باب التوبة ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (٢)، وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (٣). ومن رأفتهسُبْحَانَهُ: تسخيره المخلوقات لخدمتنا، كالجمال والخيول والبغال والحمير قديمًا، والسيارات والطائرات حديثًا: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وغير ذلك، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد الذي لا يبلغونه إلا بشق الأنفس، وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح، والتعقيب بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] توجيه إلى ما في خلق الأنعام من نعمة، وما في هذه النعمة من رحمة.

стр. 461

ومن رأفته سُبْحَانَهُ: حفظه لعباده في سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، كما ورد عند البخاري من حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في الحديث القدسي: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، … » (١)، وهذا منتهى الرأفة بالصادقين. ومن رأفتهسُبْحَانَهُ: أنه أخبر عباده بما سيلاقونه في يوم القيامة، حيث تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وهذا الإخبار من رأفته؛ حتى يستعد الناس لذلك اليوم: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. وحري بمن عرف اسم الله الرؤوف وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده رأفته ورحمته. الأثر الثاني: محبة الله الرؤوف: حينما يفكر العبد وينظر في مظاهر رأفة الله بعباده، والتي لا تعد ولا تحصى؛ فإن هذا يثمر تجريد المحبة لله تَعَالَى والعبودية الصادقة له سُبْحَانَهُ، وتقديم محبته على النفس، والأهل، والمال، والناس جميعًا، والمسارعة إلى مرضاته، والدعوة إلى توحيده، والجهاد في سبيله، وفعل كل

стр. 462

ما يحبه ويرضاه. يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. والرؤوف سُبْحَانَهُ متصف بصفات الكمال والجلال، والمنزه عن النقائص والعيوب؛ ومن كان هذا وصفه فإن النفوس مجبولة على حبه وتعظيمه، وهذه المحبة تورث حلاوة في القلب، ونورًا في الصدر، وهذا هو النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم. الأثر الثالث: التخلق بخلق الرأفة: فقد كان النبي ﷺ الرؤوف الرحيم شديد الرأفة والرحمة بأمته، فهو أرحم بهم من والديهم، عطوف رفيق، وقد أعطاه اللهتَعَالَى في هذه الآية اسمين من أسمائه، وهو في نهاية الكرامة (١). قال الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ومعنى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، فيحب لكم الخير ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم، ولهذا كان حقه مقدمًا على سائر حقوق الخلق،

стр. 463

وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتوقيره وتعزيره (١). يقول ابن القيم ﵀: «وأقرب الخلق إلى الله تَعَالَى: أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه: من اتصف بضد صفاته» (٢). وكان مِنْ رأفته ﷺ بأمته: أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه (٣). وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها (٤). وكان يدخل في الصلاة، وهو يريد أن يطول فيها فيسمع بكاء الصبي؛ فيتجوز في صلاته كراهية أن يشق على أمه (٥). وكان يراعي ما ركبه الله بهم من غرائز، فيمكن أصحابه من أن يقضوا وطرهم المباح؛ فعن مالك بن الحويرث ﵁، أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا، سألنا

стр. 464

عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ- وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها- وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (١). فمالكٌ ورفقته كانوا في سن الشباب، والشباب مظنة قوة الشهوة، فلما قضوا هذه المدة عنده، أمرهم بالرجوع إلى أهلهم؛ ليقضوا وطرهم المباح. ومن مظاهر رحمته ﷺ : رحمته بالصغار، فقد كان يقبِّل الصغار، ويداعبهم، بل ويكنيهم، فعن أسامة بن زيد ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ ارْحَمْهُمَا؛ فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» (٢). وروى البخاري- أيضًا- من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: «إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْر، مَا فَعَلَ النُّغَيْر» (٣)، والنغير: تصغير نغر، وهو طائر يلعب به ذلك الصبي، فمات. وفي حديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (٤). وامتدت رأفة النبي ﷺ بالحيوانات، يقول سهل بن الحنظلية ﵁، قال: «مرَّ رسول الله ﷺ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فقال:

стр. 465

اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً» (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا» (٢). وعن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ وَأَنَا أَرْحَمُهَا، أَوْ قَالَ: إِنِّي أَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا. فَقَالَ: وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ» (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، إِلَّا سَأَلَهُ اللهُ عَنْهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا» (٤). فانظر إلى الحبيب ﷺ ، كيف رفقه بالحيوان وشفقته عليه، وكيف أنه يوصي أصحابه وأمته من بعده بأن يتقوا الله فيها، ويرأفوا بحالها!

стр. 466

أما عن رأفته بغير المسلمين: فانظر إلى هذا الموقف الذي يتجلى فيه رفق النبي ﷺ بالكافرين، وهم يتعرضون له بالأذى، حتى أن النبي وصف هذا اليوم بأشد يوم مر عليه؛ لشدة ما وقع به ﷺ من أذى بدني ومعنوي؛ لكنه يرأف بهم ويحلم عليهم، ويرفض أن يرد على إساءاتهم بأي عنف أو شدة، فعن عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ : «هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (١). ثم هو ﷺ يخشى أن تُقبض نفس على الكفر؛ فتُخلد في نار جهنم، فيسمع بمرض طفل يهودي، فيسارع بالذهاب إليه ويرأف بحاله؛ طلبًا لنجاته من الهلاك وخوفًا من إلقائه في النار، فعن أنس بن مالك ﵁: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ

стр. 467

لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (١) (٢). الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الرؤوف: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

стр. 468

السَّلامُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «السلام: الاسم من التسليم، والسلام: اسم من أسماء الله تَعَالَى … والسلام: البراءة من العيوب … » (١). قال ابن فارس ﵀: «(سلم) السين واللام والميم معظم بابه من الصحة والعافية، فالسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى … والسلام: المسالمة» (٢). ورود اسم الله (السلام) في القرآن الكريم: ورد اسم الله السلام مرة واحدة في كتاب الله، وهي: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. ورود اسم الله (السلام) في السنة النبوية: ورد اسم الله (السلام) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن ثوبان ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا انصرف

стр. 469

من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ» (١). عن شقيق بن سلمة ﵁، قال: قال عبدالله: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ-؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٢). عن عبد الله ﵁، قال: «إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، إن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كانت له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذكرهم السلام، وإن لم يرد عليه رد عليه من هو خير منه وأطيب» (٣). معنى اسم الله (السلام) في حقه تعالى: يدور معنى اسم الله (السلام) في حق الله على معنين: ١ - السلامة والبراءة من كل عيب ونقص في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله سُبْحَانَهُ.

стр. 470

٢ - أنه سُبْحَانَهُ منه السلام للخلق عامة، والأمن لعباده المؤمنين خاصة. وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء: من الأقوال في المعنى الأول: قال الزجاجي ﵀: «ذو سلامة مما يلحق المخلوقين من الفناء والموت والنقص والعيب» (١). قال الحليمي ﵀: «ومنها السلام: لأن معناه السالم من المصائب … » (٢). قال الإمام ابن كثير ﵀: «السلام؛ أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله» (٣). قال السعدي ﵀: «ومن أسمائه: القدوس، السلام، أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها وأن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال» (٤). من الأقوال في المعنى الثاني: قال الطبري ﵀: «السلام الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه» (٥).

стр. 471

قال الزجاج ﵀: «ويقال السلام: هو الذي سلم من عذابه من لا يستحقه» (١). من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني: قال الخطابي ﵀: «هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، وقيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه» (٢). قال البيهقي ﵀: «هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته، وقيل: هو الذي سلم المؤمنون من عقوبته» (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀: «وأما السلام الذي هو اسم من أسماء الله ففيه قولان: أحدهما: أنه كذلك اسم مصدر، وإطلاقه عليه كإطلاق العدل عليه، والمعنى: أنه ذو السلام، وذو العدل على حذف المضاف، والثاني: أن المصدر بمعنى الفاعل هنا، أي: السالم؛ كما سميت ليلة القدر سلامًا، أي: سالمة من كل شر، بل هي خير لا شر فيها» (٤). وقال في نونيته: وَهْوُ السَّلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ سَالِمٌ … مِنْ كُلِّ تَمْثِيلٍ وَمِنْ نُقْصَانِ (٥)

стр. 472

اقتران اسم الله (السلام) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: اقترن اسم الله السلام باسمه القدوس: وذلك في قوله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. وجه الاقتران: اقترن اسم الله (السلام) بـ (القدوس)، وفي اقترانهما دلالة على براءة الله من جميع العيوب والنقائص في كل الأوقات؛ إذ القدوس يشير إلى البراءة من جميع العيوب في الماضي والحاضر، والسلام يشير إلى البراءة من أن يطرأ عليه شيء من العيوب في المستقبل (١). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السلام): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السلام) من الصفات: لما كان لله الكمال من كل وجه سلم من كل عيب ونقص؛ فهو سُبْحَانَهُ السلام الحق بكل اعتبار، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ويقول ﷺ : «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ» (٢)، فهو سلام في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.

стр. 473

فأما سلامة ذاته: فذاته العلية سالمة من كل عيب ونقص يمكن أن تتخيله الأوهام وتمليه الخواطر والأفكار، فهو بذاته نور سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وحجابه- الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والسماء والأرض، بل وبه استنارت الجنة (١). ومن كمال هذه الذات وجلالها: أن أهل الجنة مع عظم ما هم فيه من النعيم الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إذا راوا ذاته الجليلة نسوا كل نعيم نظروا إليه؛ إذ هو الجميل الذي سلم من كل عيب ونقص. وأما سلامة أسمائه: فأسمائه التي لا تحصى عدًّا جميعها سلام من العيب والنقص، وسلام من الدلالة على ما فيه ذم وقدح، بل كلها حسنى بلغت من الحسن أجمعه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ فكلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد وسلام. وأما سلامة صفاته وأفعاله: فكل صفة من صفاته، وكل فعل من أفعاله سلام من كل عيب ونقص وخلل. وفي تفصيل هذا وتقريره يقول ابن القيم ﵀: «ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلامًا مما يضاد كمالها: فحياته سلام من الموت ومن السِّنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر

стр. 474

وتفكر، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه، وهو غني عن كل ما سواه، وملكه سلام من منازع فيه، أو مشارك، أو معاون مظاهر، أو شافع عنده بدون إذنه، وإلاهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو. وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه، أو ذل، أو مصانعة، كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه، وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلمًا، أو تشفيًا، أو غلظة، أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه على إحسانه، وثوابه، ونعمه، بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضًا لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله، وحكمته، وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه الجاهلون به من خلاف حكمته. وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم، ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة، وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى، ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.

стр. 475

واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش، وعن حملته، وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر، ولا حاجة إلى عرش ولا غيره، ولا إحاطة شيء به ، بل كان سُبْحَانَهُ ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه، وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما. ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه، وسلام مما يضاد غناه وكماله. وسلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء، تَعَالَى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه. وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل، وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذل كما يوالي المخلوق المخلوق، بل هي موالاة رحمة، وخير، وإحسان، وبر، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]، فلم ينف أن يكون له ولي مطلقًا، بل نفى أن يكون له ولي من الذل. وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه، أو تملق له، أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها، وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه؛ فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل» (١).

стр. 476

وقال ﵀ أيضًا: «ومن بعض تفاصيل ذلك: أنه الحي الذي سلمت حياته من الموت والسنة والنوم والتغير، القادر الذي سلمت قدرته من اللغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد، العليم الذي سلم علمه أن يعزب عنه مثقال ذرة أو يغيب عنه معلوم من المعلومات، وكذلك سائر صفاته على هذا، فرضاه سُبْحَانَهُ سلام أن ينازعه الغضب، وحلمه سلام أن ينازعه الانتقام، وإرادته سلام أن ينازعها الإكراه، وقدرته سلام أن ينازعها العجز، ومشيئته سلام أن ينازعها خلاف مقتضاها، وكلامه سلام أن يعرض له كذب أو ظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، ووعده سلام أن يلحقه خلف، وهو سلام أن يكون قبله شيء، أو بعده شيء، أو فوقه شيء، أو دونه شيء، بل هو العالي على كل شيء، وفوق كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، والمحيط بكل شيء، وعطاؤه ومنعه سلام أن يقع في غير موقعه، ومغفرته سلام أن يبالي بها أو يضيق بذنوب عباده أو تصدر عن عجز عن أخذ حقه كما تكون مغفرة الناس ورحمته، وإحسانه، ورأفته، وبره، وجوده، وموالاته لأوليائه، وتحببه إليهم، وحنانه عليهم، وذكره لهم، وصلاته عليهم- سلام أن يكون لحاجة منه إليهم أو تعزر بهم أو تكثر بهم. وبالجملة، فهو السلام من كل ما ينافي كلامه المقدس بوجه من الوجوه» (١). ومن سلامة أفعاله ﵎: أنه يسلم عباده بإعطائهم الأمن والسلام كما قال ﷺ : «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ». فمنه ﵎ كل سلام يحصل للخلق صغر أو كبر، قل أو كثر، دنيوي أو ديني أو أخروي.

стр. 477

ثم إذا ثبت ما سبق لربنا السلام؛ علم أنه سُبْحَانَهُ سلم بذلك من أن يكون له شبيه أو مثيل، أو كفو أو سمي، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله (١)، وأنى ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢)، وسلم بهذا من الصاحبة، والولد، والشريك، والند تَعَالَى عن ذلك علوًّا كبيرًا، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. ويمكن تقسيم مظاهر تسليم السلام لخلقه إلى قسمين، وهما: التسليم العام: وهو الذي يعم المسلم والكافر، والبر والفاجر، ومنه: تسليم الأجنة من السقوط، وتسليم الأبدان من العلل والأمراض، وتسليم الأعضاء من العاهات والتشوهات، وتسليم الأجساد من الحرق والغرق والهدم والحوادث ونحو ذلك، وتسليمها من الجوع والعطش، وتسليم النفوس من السحر والحسد والعين، وتسليمها من كل شر مخلوق فيه شر من شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام، ونحوهم (٣). وتسليم البلدان من الحروب والنكبات والزلازل والبراكين ونحو ذلك، وتسليم قلوب أهلها من الخوف والفزع، وتسليم اقتصادها وأموال أهلها من الخسارات والفاقات، وتسليم حياتها الاجتماعية من الظلم والتعدي، وتسليم نفوس أهلها وأموالهم بما شرع لهم من الأحكام والحدود.

стр. 478

وتسليم الفطر من الشرك بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب داعين للإسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد لله والتخلص الشرك وشوائبه، إلا أنه سعد مَن سعد بالإيمان، وشقي مَن شقي بالتكذيب والكفران، وتسليم الآخرة من الظلم ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. التسليم الخاص: وهو التسليم الذي خص الله به أوليائه وأهل طاعته؛ إذ سلموا اعتقادهم من الباطل، وسلموا جوارحهم من الذنوب والمعاصي، فكان جزاؤهم من جنس عملهم (١)، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، أي: سلامة لهم في دنياهم، وسلامة لهم في دينهم، وسلامة لهم في آخرتهم (٢)، كما حصل ليحيى ﵇ إذ سلمه الله بقوله تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]. قال سفيان بن عيينة ﵀: «أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]» (٣)، وكذا عيسى ﵇ إذ قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]» (٤).

стр. 479

الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السلام) على التوحيد: اسم الله السلام دال على سلامته ﷻ من الشريك والند في الربوبية والألوهية؛ إذ كل من دونه أيًّا كان فيه ما فيه من النقائص والعيوب التي تمنع كونه ربًّا أو إلهًا يعبد، وبالمقابل هو سُبْحَانَهُ سلام سلم من كل نقص وعيب؛ فاستحق بذلك أن يفرد بالربوبية والألوهية، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. ثم إن اسم الله (السلام) دال على ثبوت صفات الكمال له بطريق اللزوم، فانتفاء العيب والنقص يلزم منه ثبوت الكمال كله؛ إذ انتفاء العيب والنقص ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، فهو عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا (١). وإذا ثبتت صفات الكمال وسلم فيها سُبْحَانَهُ من كل نقص وعيب؛ كان بهذا واحدًا فيها لا مماثل له ولا مناظر، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبهذا كان اسم ربنا (السلام) دالًّا على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. الأثر الثالث: تسليم السلام لعباده المؤمنين في أمور دنياهم وأخراهم: فمن مظاهر تسليم الله لعباده المؤمنين في أمور دنياهم ما يلي: - تسليمهم من شر أعدائهم وبطشهم، كما سلم سُبْحَانَهُ إبراهيم ﵇ من كيد قومه؛ إذ جمعوا الحطب الكثير، وأضرموا النيران فيها، ثم ألقوه فيها، فسلمه الله من

стр. 480

شرهم وشر النار، فقال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. ويسلمهم من العذاب الذي ينزله بأقوامهم بإنجائهم، كما أنجى الله نوح ﵇ ومن معه من المؤمنين من الغرق، قال تَعَالَى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨]. - تسليمهم من الكفر والشرك والضلال، ومن شياطين الجن والإنس ووساوسهم، ويسلمهم من الضلال وطرق الغواية بالهداية إلى الطريق المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] (١). - تسليمهم من الفتنة؛ فتنة الشبهات والشهوات، كما سلم يوسف ﵇ من الوقوع بامرأة العزيز مع قوة الداعي، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. - تسليمهم من الفتنة الكبرى، فتنة المسيح الدجال، كما في تسليمه سُبْحَانَهُ للرجل الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: «يَأْتِي الدَّجَّالُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ (٢)، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ (٣) الَّتِي تَلِي

стр. 481

المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ» (١). ومن مظاهر تسليم الله لعباده المؤمنين في أمور أخراهم ما يلي: - تسليمهم من كل شقاء وعذاب، فيسلمهم عند قبض أرواحهم من الخوف مما هو قادم أمامهم، ويسلمهم من الحزن على ما خلفوه ورائهم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. - تسليمهم من شدة الموقف وهوله، ويسلمهم من مناقشة الحساب التي قال عنها ﷺ : «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ» (٢)، ويسلمهم من الصراط وظلمته بما يعطيهم من النور وسرعة السير، ثم يسلمهم السلام الأعظم بالنجاة من النار، فلا يسمعون حسيسها، وهم عنها مبعدون. - تسليمهم بإدخالهم جنة السلام: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وتتلقاهم الملائكة بالسلام ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، ويسلم بعضهم على بعض ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].

стр. 482

والأعظم من ذلك كله: سلامه عليهم بنفسه سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. «وإذا سلَّم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب العظيم، الرؤوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدًا، فلولا أن الله تَعَالَى قدر أن لا يموتوا، أو تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك» (١). الأثر الرابع: محبة الله السلام: إذا تعرَّف العبد على اسم الله السلام وجد فيه معنيين، كل واحد منهما كفيل بأن يملأ القلب حبًّا لله ، وهما: الأول: ما فيه من الكمال والجلال والسلامة من كل عيب ونقص؛ وقد جبلت النفوس على محبة من له الكمال. الثاني: إحسانه إلى العبد بالتسليم من الشرور والمخاوف؛ وقد جبلت النفوس- أيضًا- على محبة من أحسن إليها. فإذا تأمل العبد هذا ولاحظ آثاره؛ قاده ذلك إلى محبة الله التي تورث القلب حلاوة الإيمان، ويحصل بها النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.

стр. 483

الأثر الخامس: التأدب مع الله السلام في الألفاظ: فالله سُبْحَانَهُ السلام ومنه السلام سُبْحَانَهُ، وقد جاء النهي عن قول العبد: السلام على الله؛ فعن ابن مسعود ﵁، قال: «كنا نصلي خلف النبي ﷺ فنقول: السلام على الله، فقال النبي ﷺ : إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ-؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (١). قال الشيخ عبدالرحمن بن قاسم- صاحب حاشية كتاب التوحيد-: «لما كان حقيقة لفظ (السلام) السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، فإذا قال المسلم: السلام عليكم، فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يسلم من الشر كله، ومرجع السلامة إلى حظ العبد مما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك، والله هو المطلوب منه، لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، وهو السالم من كل تمثيل ونقص، وكل سلامة ورحمة له ومنه، وهو مالكها ومعطيها؛ استحال أن يسلم عليه سُبْحَانَهُ، بل هو المسلِّم على عباده، فهو السلام ومنه السلام، لا إله غيره، ولا رب سواه» (٢).

стр. 484

الأثر السادس: من أراد الأمن والطمأنينة التزم بشرع الله: إن يقين العبد بأن الله مصدر الأمن والسلام يبعث في قلبه الشعور بالسلامة والطمأنينة وزوال الخوف والوحشة والقلق والهم والغم، ويدعوه للتعلق به سُبْحَانَهُ؛ إذ كل ما يصيبه أو يخشى أن يصيبه قادر سُبْحَانَهُ على تأمينه وتسليمه منه ووقايته من شره، ألا أنه لا بد أن يعلم أن من أراد الأمن والسلام في الدنيا سواء في نفسه أو بيته أو مجتمعه، وأرادها في الأخرة كذلك، فإنه لن يجدها إلا في الإيمان بالله والأنس به، والالتزام بأحكامه وشريعته؛ إذ كلها أمن وسلام على الفرد والأسرة والمجتمع، وكلما كان العبد وكذا البيت والمجتمع أكثر التزامًا بشريعة الله كان أكثر تحصيلًا للسلام في الدارين، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتْتُه الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (١). والعكس بالعكس، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وقال ﷺ في تمام الحديث السابق: «وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (٢).

стр. 485

الأثر السابع: إفشاء السلام: الله السلام، وشرع لعباده ما ينشر السلام والأمن بينهم، ويحقق المودة والمحبة، ألا وإن ذلك هو السلام تحية أهل الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، أي: «فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابَّوْا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٢)، وعن عبدالله بن سلام ﵁ قال: «أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستثبته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (٣).

стр. 486

والمراد بتحية السلام، قول: السلام عليكم، وهي على مراتب ثلاثة: ١ - أدناها، قول: السلام عليكم. ٢ - وأوسطها، قول: السلام عليكم ورحمة الله. ٣ - وأعلاها، قول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كما دل على هذا حديث عمران بن حصين ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَرَدَّ ﵇ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَشْرٌ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: عِشْرُونَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: ثَلَاثُونَ» (١). وفي معناها قولان (٢): ١ - أن السلام يراد به السلامة، فعلى هذا يكون المعنى: الإعلام بالسلامة من ناحيته، وتأمينه من شره وغائلته، كأنه يقول له: أنا سلم لك غير حرب، وولي غير عدو، فلا تحذر ولا تخف. ٢ - أن السلام في التحية يراد به: اسم الله السلام، فعلى هذا يكون المعنى: الله يحفظك ويرعاك، والله تَعَالَى يعيذك، والله تَعَالَى يمنعك ويحميك، ففيه دعاء له بالسلامة من الشرور والآفات. ثم إن السلام لم يقيد بشيء مخصوص، فيقال: السلام عليك من كذا،

стр. 487

ولم تتصل به تاء التحديد التي تدل على الخصلة الواحدة فلم يقل: (السلامة عليكم)، إيذانًا بالسلامة المطلقة وعمومها لكل شر، بل شمولها لحصول الخير أيضًا؛ إذ فوات الخير يمنع السلامة المطلقة، فإن العبد إذا فاته الخير قد يحصل له الهلاك والعطب، أو النقص والضعف (١). وجاء مع السلام حرف (على)، وكأن الذي يسلم على أخيه المسلم يلقي عليه هذا اللفظ إيذانًا باشتمال معناه، كاشتمال ملابسه عليه، فالسلامة تحيط به، كما يحيط به ثوبه. وأضيف للسلام الرحمة والبركة؛ وذلك لأن الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء (٢): أ-سلامته من الشر، وقد تضمنها (السلام عليكم). ب-حصول الخير له، وقد تضمنه (ورحمة الله). ج-دوام الخير وثباته، وقد تضمنه (وبركاته). وبهذه المعاني الجليلة كان السلام أولى من جميع تحيات الأمم، وفيما يلي جملة من الفضائل والخصائص التي تدل على تميز هذه التحية عن سائر التحيات الأخرى، ومن ذلك: أن السلام تحية ربانية، طيبة مباركة؛ فالله تولى تشريعه بنفسه ورضيه تحية لخير الأمم أمة محمد ﷺ ، بخلاف غيره من التحيات التي ترجع للأعراف والثقافات، ويدل على هذا قوله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا

стр. 488

فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ» (١). أن السلام تحيةٌ صاحبها أولى الناس بالله ؛ فعن أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ باللهِ: مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» (٢). أن تحية السلام من خير الإسلام؛ فقد سئل ﷺ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟! قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (٣). قال النووي ﵀: «وفيه بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف، وإخلاص العمل فيه لله تَعَالَى لا مصانعة ولا ملقًا، وفيه مع ذلك: استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة» (٤).

стр. 489

أن السلام تحية تؤدي إلى الجنة؛ فعن عن عبدالله بن سلام، قال: كان أول ما سمعت من كلامه ﷺ قوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» (١) (٢). أن السلام تحية اختارها الله لأهل الجنة، ولا يختار لهم إلا الطيب الكامل، فيحيى بعضهم بعضًا بها، قال تَعَالَى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، ويحيهم الملائكة بها، قال تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣]، بل ويحيهم الرب بها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]. أن السلام تحية تنشر الألفة والمحبة في المجتمعات؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٣). وبهذا يعرف فضل هذه التحية وكمالها على سائر تحيات الأمم؛ مما يدعو المسلم لتمسك بها على وجه الاعتزاز، وإشاعتها بين المسلمين.

стр. 490

الأثر الثامن: اتصاف العبد بالسلام: الله السلام، ويحب من عباده أن يكون لهم نصيب من اسمه السلام، وذلك: بسلامة النفس، وبسلامة الخلق من شره وأذاه. فأما سلامة النفس: فبسلامتها من الذنوب والعيوب والنقائص، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، أي: طهرها وسلمها من الذنوب، ونقاها من العيوب (١). فيسلم جوارحه من مواقعة الحرام، ويسلم قلبه من أمراض الشبهات والشهوات، وأدران الحقد والغل والحسد، فيقدم على ربه بقلب سليم يحصل معه فوزه ونجاته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]. والقلوب ثلاثة: قلب سليم، وقلب مريض، وقلب ميت. قال ابن القيم ﵀: «والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والغل، والحقد، والحسد، والشح، والكبر، وحب الدنيا والرياسة؛ فسلم من كل آفة تبعده من الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله؛ فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي الجنة يوم المعاد. ولا تتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر،

стр. 491

وهوى يناقض التجريد والإخلاص (١)» (٢). وقد جاء في فضل القلب السليم نصوص عدة، منها: أن القلب السليم سبب للنجاة يوم القيامة من العذاب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]. أن الله أثنى على إبراهيم ﵇ بالقلب السليم، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤]. أن صاحب القلب السليم من أفضل الناس؛ فقد سئل ﷺ : أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ، قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (٣). أن القلب السليم سبب لدخول الجنة؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 492

مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ. قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمَرَّاتِ (٣)، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ» (١). وعن سفيان بن دينار ﵀ قال: «قلت لأبي بشير: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم» (٢).

стр. 493

وعن زيد بن أسلم ﵀، قال: «دُخِل على أبي دجانة ﵁ وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين؛ أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا» (١). وقال قاسم الجوعي ﵀: «أصل الدين: الورع، وأفضل العبادة: مكابدة الليل، وأقصر طرق الجنة: سلامة الصدر» (٢). وإن من الأسباب التي تعين على الظفر بالقلب السليم: عدم تعريض النفس لمواطن الشبهات والشهوات؛ إذ النفوس ضعيفة والشيطان يجري منها مجرى الدم، وكل منهما داع للوقوع في أسرها. مجاهدة النفس على ترك الشهوات، ودفع الشبهات، قال ابن المنكدر ﵀: «كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي» (٣)، وقال أبو حفص النيسابوري ﵀: «حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة» (٤). العلم النافع الذي تدفع معه الشبهات؛ فإن الجاهل قد يمرض قلبه بما يرد عليه من الشبهات التي لا يملك ردها؛ لجهله، بخلاف العالم. الدعاء بسلامة القلب وطهارته، كما قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وكان النبي ﷺ

стр. 494

يدعو، ويقول: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا إِلَيْكَ، مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (١)، والسخيمة، هي: الحقد. الاشتغال بمعالي الأمور؛ فإن الاشتغال بها يحمل العبد على الترفع عن سفاسف الأمور من القيل والقال، وما يتبعها من الحقد والغل. حفظ الأذن من سماع ما ينقل من النميمة؛ فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (٢). أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، فلا يحسده على ما أعطاه الله من النعم، ولا يحقد عليه ويغل ولو صدر منه ما يزعج؛ إذ لا يحب أن يعامل بذلك فكذا أخيه. حسن الظن بالإخوان والتماس الأعذار لهم، قال جعفر بن محمد ﵀: «إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه» (٣).

стр. 495

الهدية؛ إذ هي مدعاة للمحبة والمودة، كما قال ﷺ : «تَهَادُوْا تَحَابُّوا» (١)، وقال: «تَهَادُوْا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» (٢). وأما سلامة الخلق من شره وأذاه: فبكف الشر والأذى عن المسلمين، سواء كان باللسان كالشتم والسب واللعن والبهتان والغيبة والنميمة، أو كان باليد كالاعتداء على الأنفس، والدماء، والأموال، والأعراض، ونحو ذلك من صور الأذية. وفي كف الأذى عن المسلمين نصوص عدة، منها: ١ - ما رواه عبدالله بن عمرو ﵄ قال، قال الرسول ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ» (٣). قال ابن رجب ﵀: «والمراد بذلك: المسلم الكامل الإسلام، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة، فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد، فأذى اليد: الفعل، وأذى اللسان القول» (٤). ٢ - ما رواه أبو موسى ﵁، قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ» (٥).
следующие страницы →