← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الجواد الذي يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج والنوائب والمزعجات، ويحب أن يتضرع إليه في الشدائد والكربات والملمات، ويحب أن يستغاث به في المصاعب والمشقات، ويحب الإلحاح في السؤال والدعاء، ويغضب على من لا يسأله، ويدعو عباده لسؤاله: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وهو عند حاجة خلقه، ولديه تفريج كربهم، السميع لندائهم، العليم بحالهم، واسع الرحمة والرأفة والحنان والكرم، عظيم القدرة والعزة والسلطان (١). ثم نظر متأملًا في المخلوق وما فيه من الفقر والعجز والشح والكره للسؤال والإلحاح فيه، والرغبة في عدمه؛ دعاه هذا إلى الزهد في سؤال المخلوق وقصد بابه، وقطع تعلق القلب به وإن عظم جاهه وعلا منصبه، ولهذا قال وهب بن منبه ﵀ لرجل كان يأتي الملوك: «ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟!» (٢). وقال عطاء ﵀: «قال لي طاوس: يا عطاء، لا تُنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه، وضمن لك أن يستجيب لك، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]» (٣).

стр. 597

ودخل هشام بن عبدالملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبدالله، فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله، فلما خرج خرج في أثره، فقال له: الآن قد خرجت، فسلني حاجة، فقال له سالم: حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا، فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها (١). ومن هنا كان سؤال المخلوق مذمومًا، ووبالًا على صاحبه يوم القيامة إن كان من غير حاجة؛ فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (٢). وقد تكفل رسول الله ﷺ بالجنة لمن ترك السؤال، فعن ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل الناس شيئًا» (٣)، فحري بالعبد أن يزهد في سؤالهم، ويرغب في باب ربه الصمد. الأثر السابع: دعاء الله باسمه الصمد: إن يقين العبد باسم الله «الصمد» الذي تصمد إليه الخلائق كلها، وتقصده بالدعاء في الشدائد والمسرات ومختلف الأحوال، يدعو العبد إلى قصد باب

стр. 598

الصمد، والتضرع إليه بالدعاء والسؤال، ولا سيما باسمه الصمد؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولا سيما- أيضًا- بما ورد في السنة مما هو مظنة الإجابة؛ فعن محجن بن الأدرع ﵁، «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله ﷺ : قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا (١). وعن عبدالله بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: «سمع النبي ﷺ رجلًا، يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله ﷺ : لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (٢). قال ابن القيم ﵀ في هذا الدعاء: «فهذا توسل إلى الله بتوحيده، وشهادة الداعي له بالوحدانية، وثبوت صفاته المدلول عليها باسم الصمد … وبنفي التشبيه والتمثيل عنه، بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة، والتوسل بالإيمان بذلك» (٣). فاللهم إنا نسالك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 599

الظَّاهر والباطنُ ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: المعنى اللغوي لاسم (الظاهر): قال الجوهري ﵀: «الظهر: خلاف البطن، وقولهم: لا تجعل حاجتى بظهر، أي: لا تنسها» (١). قال ابن فارس ﵀: «الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء يظهر ظهورًا فهو ظاهر؛ إذا انكشف وبرز، ولذلك سمي وقت الظهر والظهيرة، وهو أظهر أوقات النهار وأضوؤها، والأصل فيه كله: ظهر الإنسان، وهو خلاف بطنه، وهو يجمع البروز والقوة … » (٢). ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم (الباطن): قال الجوهري ﵀: «البطن: خلاف الظهر» (٣). قال ابن فارس ﵀: «الباء والطاء والنون أصل واحد لا يكاد يخلف، وهو إنسي الشيء والمقبل منه، فالبطن خلاف الظهر، تقول: بطنت الرجل: إذا

стр. 600

ضربت بطنه، قال بعضهم: إذا ضربت موقرًا فابطن له، وباطن الأمر دخلته، خلاف ظاهره، والله تَعَالَى هو الباطن؛ لأنه بطن الأشياء خبرًا، تقول: بطنت هذا الأمر: إذا عرفت باطنه» (١). ورود اسم الله (الظاهر و الباطن) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الظاهر و الباطن) في كتاب الله مرة واحدة، وهي: قول الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. ورود اسم الله (الظاهر و الباطن) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الظاهر و الباطن) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (٢).

стр. 601

معنى اسم الله (الظاهر و الباطن) في حقه سُبْحَانَهُ: أولًا: معنى اسم «الظاهر» في حقه تعالى: يدور معنى اسم الله «الظاهر» في حقه تَعَالَى حول علو الله تَعَالَى وفوقيته، وأحسن التفسيرات للمعنى وأكملها ما قاله النبي ﷺ : «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (١). ومن أقوال العلماء في ذلك: قال الطبري ﵀: «وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه» (٢). قال ابن القيم ﵀: «اسمه (الظاهر) من لوازمه: أن لا يكون فوقه شيء، كما في الصحيح عن النبي ﷺ : «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (٣)؛ بل هوسُبْحَانَهُ فوق كل شيء، فمن جحد فوقيته سُبْحَانَهُ فقد جحد لوازم اسمه الظاهر، ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية القدر فقط، … مقابلة الاسم بـ «الباطن»، وهو الذي ليس دونه شيء، كما قابل الأول الذي ليس قبله شيء، بـ «الآخر» الذي ليس بعده شيء» (٤). قال السعدي ﵀: «والظاهر: يدل على عظمة صفاته، واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، وعلى علوه» (٥).

стр. 602

وقد ذكره ابن القيم ﵀ في نونيته: والظَّاهِرُ العَالِي الَّذِي مَا فَوْقَهُ شَيْءٌ كَما قَدْ قَالَ ذُو البُرْهَانِ حَقًّا رَسُولُ اللهِ ذَا تَفْسِيرُهُ وَلَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِضَمَانِ ثانيًا: معنى اسم الله «الباطن» في حقه تعالى: أحسن التفاسير وأكملها ما قاله النبي ﷺ : «وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» (١). قال الطبري ﵀: «﴿وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]» (٢). قال الزجاج ﵀: «الباطن هو العالم ببطانة الشيء، يقال: بطنت فلانًا وخبرته، إذا عرفت باطنه وظاهره، والله تَعَالَى عارف ببواطن الأمور وظواهرها، فهو ذو الظاهر وذو الباطن» (٣). قال السعدي ﵀: «والباطن: يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوه، ولا يتنافى الظاهر والباطن؛ لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت؛ فهو العلي في دنوه القريب في علوه» (٤).

стр. 603

اقتران اسم الله (الظاهر و الباطن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: لم يقترن اسم الله الظاهر والباطن إلا باسم الله الأول الآخر، وذلك في آية واحدة، وهي قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقد تقدم بيان مناسبة الاقتران في اسمي الله الأول والآخر. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الظاهر و الباطن): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الظاهر والباطن) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: إن مدار هذين الاسمين على بيان إحاطة الرب بكل شيء، فقد أحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، فالله سُبْحَانَهُ هو العليم، الخبير، المحيط، المطلع على خفايا الأمور وأسرارها، العلي الأعلى المتعال، فهو مع كمال علوه على عرشه قريب من خلقه، محيط بهم، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنًا؛ بل الباطن له ظاهر والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، تستوي في علمه الأمور، يقول تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، يستوي عنده من هو مختف في قعر داره، ومن هو سائر في سربه طريقه في بياض النهار وضيائه، فعلم الله يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه، ويقيد عليه كل شاردة وكل واردة آناء الليل وأطراف النهار، يقول تَعَالَى

стр. 604

في معرفته ببواطن الأمور وخفاياها مع علوه سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. فهو سُبْحَانَهُ المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، ويعلم أحواله، وما يسره، ويوسوس في صدره، فهو أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان (١). فـ «الظاهر» سُبْحَانَهُ هو المدرك بالعقول والدلائل الدالة عليه، والأفعال المؤدية إلى العلم به ومعرفته، وهو الباطن سُبْحَانَهُ غير المشاهد، كسائر الأشياء المشاهدة في الدنيا تَعَالَى الله عزوجل عن ذلك علوًّا كبيرًا، يظهر ويتجلى لبصائر المتفكرين، ويحتجب عن أبصار الناظرين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ومن آمن باسمي الله «الظاهر» و «الباطن»؛ تعلق قلبه بالله، وشهد وجود الله محيطًا به في كل لحظة من لحظات حياته، وأخلص له في توحيده بألوهيته وربوبيته، حتى يصل لمقام الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإن الله يراه. وكما أن اسمي الله «الظاهر» و «الباطن» دالان على الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله العليم، والمحيط، والقدير، والعلي، والقريب، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.

стр. 605

الأثر الثاني: الثقة بنصر الله لدينه: من علم أن الله هو «الظاهر» الغالب؛ علم أنه ناصر لدينه على جميع الأديان بعز عزيز أو بذل ذليل، يقول تَعَالَى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، ويقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. فأهل هذا الدين منصورون غالبون عالون، ويتفاوت نصرهم وعلوهم بقدر ما معهم من الإيمان قولًا وعلمًا وعملًا ظاهرًا وباطنًا، فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقد أطال ابن القيم ﵀ في ذكر الحكمة من ظهور الكفار في بعض الأحيان، وذكر أصولًا كثيرة، منها: « .... الأصل الثاني: أن ما يصيب المؤمنين في الله تَعَالَى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته؛ فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق والبلاء، والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد نبه تَعَالَى على ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]؛ فاشتركوا في الألم، وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تَعَالَى.

стр. 606

الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم، وكسرهم لهم أحيانًا، فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله . فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم، وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا. ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارةً، وكونهم مغلوبين تارةً؛ فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له، وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه. ومنها: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين، غالبين، قاهرين؛ لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة، وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه. ومنها: أنه سُبْحَانَهُ يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سُبْحَانَهُ على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها؛ كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد،

стр. 607

والجوع والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم؛ كما قال تَعَالَى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١]» (١). الأثر الثالث: استشعار قرب الله الخاص من عباده المؤمنين: ولأنه سُبْحَانَهُ «الباطن» الذي ليس دونه شيء، فهو سُبْحَانَهُ أقرب إلى كل شيء، ومن أعظم ثمرات الإيمان به سُبْحَانَهُ: استشعار قرب الله الخاص من عباده المؤمنين. يقول ابن القيم ﵀: «وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. ومن رام هذا القرب سعى لتحصيل أسبابه (٢)، فهو القريب سُبْحَانَهُ لمن دعاه ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وهو القريب سُبْحَانَهُ ممن

стр. 608

أحسن ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فوجد الخبر، وهو: «قريب» عن لفظ الرحمة، وهي مؤنثة؛ إيذانًا بقربه تَعَالَى من المحسنين، فكأنه قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين. وأقرب الهيئات إلى الله: السجود له، وفي الصحيح عن النبي ﷺ ، قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (١)، وأقرب الأوقات له سُبْحَانَهُ جوف الليل، «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخر» (٢)، فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون، وفى الصحيح من حديث أبي موسى ﵁، أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ، فإنكم لا تَدْعُونَ أَصمَّ وَلا غاَئِبًا، إِنَّه معكم سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تباركَ اسمُه وتعالى جدُّه» (٣)، فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعنى: فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت؛ فإنه سميع قريب، وهذا القرب هو من لوازم المحبة، فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر، والتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء.

стр. 609

الأثر الرابع: محبة الله الظاهر والباطن سُبْحَانَهُ: يقول الإمام ابن القيم ﵀ تَعَالَى في طريق الهجرتين: « … والمقصود: أن التعبد باسمه (الظاهر) يجمع القلب على المعبود، ويجعل له ربًّا يقصده، وصمدًا يصمد إليه في حوائجه، وملجأً يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه (الظاهر) استقامت له عبوديته، وصار له معقل وموئل يلجأ إليه، ويهرب إليه، ويفر في كل وقت إليه … وأما التعبد باسمه (الباطن) فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقرب البعيد منه، وظهور البواطن له، وبدو السرائر وأنه لا شيء بينه وبينها؛ فعامِله بمقتضى هذا الشهود، وطهِّر له سريرتك؛ فإنها عنده علانية، وأصلِح له غيبك؛ فإنه عنده شهادة، وزكِّ له باطنك؛ فإنه عنده ظاهر» (١)، ومَن فَقه ما تقدم أحبَّ «الظاهر» الباطن سُبْحَانَهُ. الأثر الخامس: الشوق لرؤية الله تعالى، والعمل له: إيماننا بأنه سُبْحَانَهُ «الباطن» الذي لا تدركه أبصار خلقه في الدنيا، تجعلنا نسعى لرؤيته سُبْحَانَهُ في الآخرة، عند البخاري من حديث جرير بن عبد الله ﵁، قال ﷺ : «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» (٢).

стр. 610

ومن تلك الأسباب التي توصل لرؤية الله في الآخرة: المحافظة على صلاة العصر والفجر في وقتها، فعن جرير بن عبدالله ﵁، قال: «كنا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» (١). الإحسان، يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله ﷺ والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ » (٢). اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، وأن تجعلنا من عبادك السابقين، وأوليائك الصالحين.

стр. 611

الأثر السادس: ترك الذنوب والمعاصي في السر والعلن: من آمن بالظاهر والباطن سُبْحَانَهُ، ترك ظاهر الإثم وباطنه، يقول تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، قال مجاهد ﵀: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ المعصية في السر والعلانية، وفي رواية عنه: هو ما ينوي مما هو عامل، وقال قتادة ﵀: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: سره وعلانيته قليله وكثيره (١). قال الشيخ السعدي ﵀: «المراد بالإثم: جميع المعاصي التي تؤثم العبد، أي: توقعه في الإثم والحرج من الأشياء المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده، فنهى الله عباده، عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن، أي: السر والعلانية، المتعلقة بالبدن والجوارح والمتعلقة بالقلب، ولا يتم للعبد ترك المعاصي الظاهرة والباطنة إلا بعد معرفتها، والبحث عنها، فيكون البحث عنها ومعرفة معاصي القلب والبدن والعلم بذلك واجبًا متعينًا على المكلف، وكثير من الناس تخفى عليه كثير من المعاصي، خصوصًا معاصي القلب، كالكبر والعجب والرياء، ونحو ذلك، حتى إنه يكون به كثير منها، وهو لا يحس به ولا يشعر، وهذا من الإعراض عن العلم، وعدم البصيرة. ثم أخبر تَعَالَى أن الذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن، سيجزون على حسب كسبهم، وعلى قدر ذنوبهم، قلت أو كثرت، وهذا الجزاء يكون في الآخرة، وقد يكون في الدنيا، يعاقب العبد، فيخفف عنه بذلك من سيئاته» (٢).

стр. 612

الأثر السابع: قمع وساوس الشيطان المهلكة للإنسان: في اسم الله الظاهر والباطن جماع المعرفة بالله وجماع العبودية له، كما أن فيها قمعًا للوساوس المهلكة، والشكوك المردية التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان؛ بغية إهلاكه وصرفه عن الإيمان. وقد بين لنا ابن عباس ﵄ العلاج من وساوس الشيطان، عن أبي زميل سماك بن الوليد ﵀ قال: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ لِي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ قَالَ: مَا نَجَا أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية، قَالَ: فَقَالَ لِي: إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]» (١)، فأرشد ﵁ إلى هذا الذكر الحكيم لطرد الوساوس، وقطع الشكوك. يقول ابن القيم ﵀: «فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء، وبطونه هو الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء، ولو كان قبله شيء يكون مؤثرًا فيه لكان ذلك هو الرب الخلاق، ولا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق وغني عن غيره، وكل شيء فقير إليه قائم بنفسه، وكل شيء قائم به موجود بذاته، وكل شيء موجود به.

стр. 613

قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه باق بذاته، وبقاء كل شيء به فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء» (١). الأثر الثامن: التقرب للباطن سُبْحَانَهُ بخبيئة لا يعلمها غيره. الباطن سُبْحَانَهُ يحب أن يكون لعبده خبايا من أعمال صالحة يتقرب بها إليه، يقول ابن القيم ﵀ عند قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]: «فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها، وتأمل تقييده تَعَالَى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: (وإن تخفوها فهو خير لكم)، فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد؛ الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هى اليد السفلى، وأنه فقير لا شيء له، فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرًا من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبي ﷺ صدقة السر وأثنى على فاعلها، وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة» (٢)، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ

стр. 614

العَبْدَ التَّقِيَّ، الغَنِيَّ، الخَفِيَّ» (١)، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ» (٢). الأثر التاسع: الدعاء باسم الله الظاهر و الباطن: عن أبي هريرة ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (٣). اللهم يا من أظهر الجميل وستر القبيح، نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

стр. 615

العزيزُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «العز: خلاف الذل .. والاسم: العزة، وهي القوة والغلبة» (١). قال ابن فارس ﵀: «(عز): العين والزاي أصل صحيح واحد، يدل على شدة وقوة وما ضاهاهما من غلبة وقهر، قال الخليل: العزة لله جل ثناؤه، وهو من العزيز» (٢). ورود اسم الله (العزيز) في القرآن الكريم: ورد اسم الله (العزيز) في كتاب الله اثنتين وتسعين مرة، ومن وروده ما يلي: قوله : ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قوله : ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤]. قوله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].

стр. 616

ورود اسم الله (العزيز) في السنة النبوية: ورد اسم (العزيز) في السنة النبوية، ومن وروده يلي: عن عائشة ﵂، قالت: «كان النبي ﷺ إذا تضور- أي: تقلب- من الليل قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (١). جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «علمني كلامًا أقوله، قال: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، واهْدِنِي وارْزُقْنِي» (٢). معنى اسم الله (العزيز) في حق الله تعالى: العزيز الذي له العزة بجميع معانيها، قال تَعَالَى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] عزة القوة، وعزة القهر والغلبة، وعزة الغنى والامتناع. وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء ﵏: قال قتادة ﵀: «(العزيز) أي: في نقمته إذا انتقم» (٣). قال الطبري ﵀: «(العزيز) في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر

стр. 617

أحد يدفعه عنه» (١)، وقال أيضًا: «القوي الذي لا يعجزه شيء أراده» (٢). قال الزجاج ﵀: «والله تَعَالَى هو الغالب كل شيء، فهو العزيز الذي ذل لعزته كل عزيز» (٣). قال الخطابي ﵀: «العزيز: هو المنيع الذي لا يغلب» (٤). والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى الغلبة … والثاني: بمعنى الشدة والقوة … والوجه الثالث: أن يكون بمعنى: نفاسة القَدْر، يقال منه: عز الشيء يعز- بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير» (٥). قال الحليمي ﵀: «الذي لا يوصل إليه ولا يمكن إدخال مكروه عليه» (٦). قال القرطبي ﵀: «(والعزيز) معناه: المنيع الذي لا ينال ولا يغالب» (٧). قال ابن كثير ﵀: «(العزيز) أي: الذي قد عز كل شيء فقهره وغلب الأشياء؛ فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه» (٨).

стр. 618

قال السعدِي ﵀: «(العزيز) الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، دانت له الخليقة وخضعت لعظمته» (١). قال ابن القيمِ ﵀: وَهُوَ العَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ … أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ؟! وَهُوَ العَزِيزُ القَاهِرُ الغَلَّابُ لَمْ … يَغْلبْهُ شَيْءٌ هَذِهِ صِفَتَانِ وَهُوَ العَزِيزُ بِقُوةٍ هِيَ وَصْفُهُ … فَالعِزُّ حِينَئذٍ ثَلاثُ مَعَانِ وَهِيَ التِي كَمُلَتْ لَهُ سُبْحَانَهُ … مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَادِمِ النُّقْصَانِ (٢) اقتران اسم الله (العزيز) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) بأسمائه سُبْحَانَهُ: الغفور، الغفار، الوهاب، المقتدر، العليم، القوي، الحكيم، الرحيم، الحميد. أولًا: اقتران اسم الله (العزيزِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور- الغفار): اقترن اسم الله (العزيز) باسمه (الغفور- الغفار) في خمس مواضع من كتاب الله، في موضعين اقترن بالغفور، وفي ثلاث اقترن بالغفار، ومن وروده ما يلي: قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].

стр. 619

وجه الاقتران: أن الله العزيز الغالب لكل شيء، قادر على أن يأخذ عباده بذنوبهم، ولكنه سُبْحَانَهُ غفور رحيم عن عزة وقدرة، لا عن ضعف وعجز؛ فهو كامل في عزته، وكامل في مغفرته. ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (الوهاب): اقترن اسم الله (العزيز) باسمه الوهاب في قوله تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩] للدلالة على أن تصرفه التام في صنوف العطاء المادي والمعنوي لا ينازعه فيه منازع، ولا يغالبه فيه مغالب، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينوب عنه نائب، ولا يصل عطاء من معط إلى معطًى إلا بإذنه سُبْحَانَهُ، فعزته متضمنة الإنعام على خلقه، والتفضل عليهم، وتفضله وإنعامه سُبْحَانَهُ صادران عن عزة وقدرة وغنًى وتفضل، لا لجلب نفع أو دفع ضر. ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (المقتدر): اقترن اسم الله (العزيز) باسمه المقتدر في قوله تَعَالَى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]، والعزيز الظاهر الذي لا يغلب أبدًا، والمقتدر الذي لا يعجزه شيء، واقترانهما فيه معنًى زائد، وكمال آخر يفيد قوة الأخذ والعقاب. رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيزِ) باسمه سُبْحَانَهُ (العليمِ): اقترن اسم الله (العزيز) باسمه (العليم) في خمس آيات من كتاب الله، ومن وروده ما يلي:

стр. 620

قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨]. وجه الاقتران: أن عزة الله وقهره وغلبته صادرة عن علم شامل وإحاطة تامه بكل شيء، فعزته تنفذ بعلم ومعرفة بمواطن الأمور وعواقبها، ليس كعزة وقوة المخلوق التي تنطلق في الغالب من الهوى والظلم، لا من العلم والحكمة. خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (القوي): اقترن اسم الله (العزيز) باسمه (القوي) في سبع آيات، منها: قوله تَعَالَى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. وجه الاقتران: أن في اجتماعهما معنى زائد، وهو أن العزة التي يتضمنها اسم الله (العزيز) هي عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، ووصف الله بالقوة راجع إلى كمال عزته. سادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيمِ): تقدم بيانه في اسم الله الحكيم. سابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ العزيز باسمه «الرحيم»: تقدم بيانه في اسم الله «الرحيم».

стр. 621

ثامنًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ العزيز باسمه «الحميد»: تقدم بيانه في اسم الله «الحميد». الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العزيز): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العزيز) من صفاته سُبْحَانَهُ: الله العزيز الذي له العزة كلها: عزة القوة، والقهر، والغنى والامتناع، قال تَعَالَى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. ١ - عزة القوة: الله العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يلحقه ضعف ولا نصب، ولا يغلبه غالب ولا يقهره قاهر ولا يقدر عليه قادر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. بعزته وقوته خلق المخلوقات وسخرها لما خلقها له، فجرت مذللة مسخرة بأمره، لا تتعدى ما حده لها، ولا تتقدم عنه ولا تتأخر منقادة لعزته، خاضعة لجلاله. فخلق السموات والأرض في ست أيام مع عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما، قال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] (١).

стр. 622

وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، وقدر ذلك كله على منوال عجيب لا اختلاف فيه ولا تعاكس، قال تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥] (١). وخلق المتضادات التي أصلها واحد، ومادتها واحدة، وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧] (٢). وبعزته وقوته ﵎ أحيا الموتى ويحيهم، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وبعزته وقوته غلب، ويغلب أعداءه ونصر، وينصر جنده، فلا ينفع أهل القوة قوتهم، ولا أهل العزة عزتهم، فتبارك القوي العزيز (٣).

стр. 623

غلب أحزاب الكفر: قوم نوح ولوط، وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وفرعون وجنده، وجعل في ذلك كله آية وعبرة، قال تَعَالَى بعد ذكر هلكهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩٠، ١٩١]. وغلب اليهود وما دبروه من مكائد لقتل عيسى ﵇، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]. وغلب جمع الأحزاب الذين تحزبوا على رسوله ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧]. وبعزته وقوته ينصر أولياءه وإن ضعف عَددهم وعُدَدهم، وقوي عدد عدوهم وعدتهم، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (١). ٢ - عزة القهر: الله العزيز القاهر القهار الذي بعزته قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع

стр. 624

المخلوقات، ودانت له البريات، فلهج الحيوان الناطق منه والصامت مسبحًا بحمده، ومنزهًا له عما لا يليق بجلاله، قال تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] (١). وبعزته وقهره ينفذ حكمه وأمره في عباده، فيحكم بما يشاء ويقضي بما أراد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]. وبعزته وقهره يعز من يشاء ويذل من يشاء، بلا معقب على حكمه، وبلا مجير عليه، وبلا راد لقضائه، فهو صاحب الأمر كله، الفعال لما يريد، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. أعز كتابه، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] منيعًا من كل من أراد تحريفه أو تبديله، لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. كما أعزه بحججه وكماله وشموله، قال تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، فصار حجة

стр. 625

الله على العالمين التي انقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة (١). وأعز دينه وأهل طاعته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وأذل الكفر وأهل معصيته، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] (٢). وأذل أعداءه وقهرهم، فانتقم وينتقم منهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١، ٤٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤]، وقال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧]. ٣ - عزة الغنى والامتناع: الله العزيز الذي بعزته اغتنى بذاته، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقرون إليه، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧]. وبعزته وتمام غناه ملك خزائن كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩] ويرزق منها من يشاء من عباده، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].

стр. 626

وعزة الامتناع وهي التي بمعنى الغنى التام، والامتناع عن أن يضره أحد أو ينفعه، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي» (١). وغاية الأمر: أنه العزيز الذي كمل من كل وجه، فكان له من العزة ومن كل شيء أكمله وأتمه، وبرئ من كل نقص وسوء، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] قال الشيخ السعدي ﵀: «عز؛ فقهر كل شيء، واعتز عن كل سوء يصفونه به» (٢). وقال ابن القيم ﵀: «العزيز الذي له العزة التامة، ومن تمام عزته: براءته عن كل سوء وشر وعيب؛ فإن ذلك ينافي العزة التامة» (٣). الأثر الثاني: دلالة اسم الله (العزيز) على التوحيد: إذا تعرف العبد على اسم ربه العزيز وما يتضمنه من كمال القوة، والقهر، والغنى والامتناع، وتيقن ذلك كله؛ علم أنه لا يستحق أحد كائنًا من كان أن يُعبد مع العزيز ﵎؛ إذ كيف يسوى بين الفقير العاجز من جميع الوجوه بالغني القوي من جميع الوجوه، ومن لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بالنافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا

стр. 627

لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢] (١). ثم إن هذا لازم عزته ﵎، فعزته تستلزم توحيده وحده لا شريك له؛ إذ الشركة تنافي كمال العزة، قال ابن القيم ﵀: «وهذه العزة مستلزمة للوحدانية؛ إذ الشركة تنقص العزة، ومستلزمة لصفات الكمال؛ لأن الشركة تنافي كمال العزة، ومستلزمة لنفي أضدادها، ومستلزمة لنفي مماثلة غيره له في شيء منها» (٢). الأثر الثالث: الثقة بإعزاز العزيز دينه: إذا آمن العبد أن ربه العزيز الذي بيده العزة، يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا يغلبه غالب ولا يقهره قاهر، فليثق أن العزة والغلبة لدينه وأوليائه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ولا تغرنه قوة الباطل وظهوره فإنه زاهق، كما قال تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. تحزبت الأحزاب في الخندق، واجتمعت جيوش الكفر للقضاء على الإسلام وأهله، ثم ماذا كان؟ مات رسول الله ﷺ ، فارتدت جموع العرب ما خلا أهل مكة، والمدينة، والطائف، ثم ماذا كان؟ (٣)

стр. 628

دخل القرامطة المسجد الحرام وأخذوا الحجر الأسود، وقال قائلهم: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ومكث عندهم اثنتين وعشرين سنة، ثم ماذا كان؟ (١). وفي أواخر القرن الخامس أخذ الفرنج بيت المقدس، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرًا، ثم ماذا كان؟ (٢). وفي القرن السابع جاء التتار، فقتلوا حتى صار لا يقال: كم قتلوا، بل كم أبقوا؟ (٣). قال ابن الأثير ﵀ في تعظيم هذا الخطب الجسيم: «فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام، فيا ليت أمي لم تلدني، و يا ليتني مت قبل حدوثها، ثم حثني جماعة على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله إلى

стр. 629

الآن لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها، ومن أعظم ما يذكرون: فعل بخت نصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟!» (١). قال ابن كثير ﵀ متمًّا لكلام ابن الأثير: «ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون»، (٢) ثم ماذا كان؟ أعز الله دينه، فولى الأحزاب، والمرتدون، والقرامطة، والفرنج وحتى التتار ولم يبق إلا الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] فلم تجد أموالهم، ولا أسلحتهم ولا قوتهم وجموعهم شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين. فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قُتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي (٣).

стр. 630

فعلى المسلم أن يثق بأن العزة للإسلام وأهله، ولو بدا يومًا من الأيام ضعيفًا ذليلًا مقهورًا، فإن مصيره العزة والنصرة والغلبة. وقد تتابعت النصوص في تقرير هذه الحقيقة (١)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال ﷺ في حديث تميم الداري ﵁: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (٢) إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ»، وكان تميم ﵁ يقول: «قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالشَّرَفَ وَالْعِزَّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلَّ وَالصَّغَارَ وَالْجِزْيَةَ» (٣). والثقة بنصر الله وغلبته لدينه دأب رسل الله وأوليائه، فهذا إبراهيم الخليل ﵇ يلقى في النار، فيقول واثقًا بربه: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فجاء النصر، قال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].

стр. 631

وهذا موسى الكليم ﵇ فرعون بعدته وعتاده وراءه والبحر أمامه، فيقول واثقًا بنصرة الله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، فجاء النصر: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٦]. وهذا محمد ﷺ يدخل الغار فارًّا من قريش، فيبلغون مبلغًا حتى لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصره ﷺ وصاحبه، فقال ثقة بالله: قال: «يَا أَبَا بكرٍ، ما ظَنُّكَ باثنينِ الله ثالِثُهُمَا» (١)، فجاء نصر الله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]. الأثر الرابع: محبة الله العزيز: إذا تيقن العبد أن ربه العزيز الذي كمل في عزته، فاقترن معها: رحمته، وعفوه، ولطفه، وكرمه، وعلمه، وحكمته .. إلخ؛ ازداد حبًّا لربه وشوقًا إليه، لا سيما وأن القلوب فطرت على محبة من له صفات الكمال، وربنا العزيز لا أكمل منه ولا أجل ﵎.

стр. 632

الأثر الخامس: دعاء الله والاستعاذة بعزته: الله العزيز الذي شرع لعباده سؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكان من هديه ﷺ سؤال الله بأسمائه وصفاته، ومن ذلك: عزته التي سأل الله بها وعلم أمته سؤال الله بها، فجاء في حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ ، كان يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، والجِنُّ والإِنْسُ يَمُوتُونَ» (١)، وجاء في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا» (٢). وأتى عثمان بن أبي العاص ﵁ النبي ﷺ وبه وجع كاد يهلكه، قال: فقال رسول الله ﷺ : «امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ». قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ (٣). فحري بالمسلم أن يسأل الله بعزته، ويتحرى ما ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك؛ فإنه أعظم الدعاء وأنفعه.

стр. 633

الأثر السادس: الاتصاف بالعزة بالدين: إذا علم العبد أن الله سُبْحَانَهُ العزيز الذي أعز دين الإسلام وأعز أهله فأرسل خير الرسل ﷺ لبلاغه، وأنزل لبيانه كتابًا عزيزًا، ونصر أهله، ومكنهم حتى بلغوا مشارق الأرض ومغاربها، قال تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]. قاده ذلك لشعور بالعزة والأنفة، فاعتز بالدين وتمسك به في سفره وحضره أنى كان، وأثمر في نفسه التعالي على الباطل وأهله، وعدم الاستكانة لهم. وسيأتي في المحلق التالي تفصيل لذلك- بإذن الله-.

стр. 634

العزيز يحب العزة في موضوع العزة سنتطرق للمسائل التالية: أولًا: تعريف العزة: العزة تنقسم إلى قسمين: عزة شرعية. عزة غير شرعية. القسم الأول: العزة الشرعية: هي العزة المرادة، ويقصد بها: العزة المرتبطة بالله تَعَالَى ودينه، فيعتز المرء بدينه ويرتفع بنفسه عن مواضع المهانة، فلا يريق ماء وجهه، ولا يبذل عرضه فيما يدنسه، ويتحرر من رق الأهواء ومن ذل الطمع، لا يسير إلا وفق ما يمليه عليه إيمانه والحق الذي يحمله ويدعو إليه. ومصدرها: الإيمان بالله ، ولو لم توجد المقومات المادية؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال لموسى ﵇ لما رأى قوة وعزة ملأ فرعون، فأصابه شيء من الخوف أو التردد، قال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] أعلى بما معك من الإيمان، لا بعدتك وعتادك.

стр. 635

وهذه العزة- العزة بالإيمان- هي العزة الحقيقة الدائمة الباقية وكل عزة تستمد من غيرها فهي باطلة مكذوبة، وعاقبتها الذل، كما قال عمر ﵁: «نحن أمة أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» (١). القسم الثاني: العزة غير شرعية: وهي: الاعتزاز بغير الله ودينه، كالاعتزاز بالقبلية، والقومية، والعروبة، والجاه ونحو ذلك، وهذه العزة صورها متعددة، وقد جاءت النصوص بشيء منها، وبينت أن عاقبتها الذل والهوان، ومن تلك الصور: - الاعتزاز بالكفار وما يظهرونه من قوة، قال تَعَالَى عن المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩]. - الاعتزاز بالآباء والأجداد والقبيلة، قال تَعَالَى عن قوم شعيب: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩١، ٩٢]. - الاعتزاز بالمال، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] فكان عاقبته الذل والندامة، قال تَعَالَى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٢، ٤٣].
следующие страницы →