← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بعدة أمراض، وهذا أجدر لمعرفة النعم واستشعارها، قال ﷺ : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (١)، وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَيكَ، وَعَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ تَفْضِيلًا؛ كَانَ شَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةِ» (٢). أن يفكر الإنسان في حاله، ويتأمل حياته لو أنه خسر هذه النعمة؛ فينظر كيف حاله، فإن كان غنيًّا فإلى حاله لو كان فقيرًا، وإن كان صحيحًا فإلى حاله لو كان في عداد المرضى، وهكذا كل نعمة لديه ينظر إلى حاله لو خسرها؛ ليعرف بذلك قدرها فيشكرها. دعاء العبد ربه وسؤاله إياه أن يجعله من الشاكرين؛ فالعبد لا يستطيع أن يصل إلى مقام من مقامات الإيمان إلا بتوفيق الله ﵎؛ ولذلك لم يقل النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: كن ذاكرًا شاكرًا وأحسن العبادة، وإنما أمره أن يدعو الله أن يعينه على ذلك؛ فقال ﷺ له: «لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٣). قراءة أخبار الشاكرين؛ فمن وقف على تراجم الشاكرين من العلماء والعباد والزهاد؛ اقتدى بهم؛ فازداد شكرًا لله تَعَالَى.

стр. 562

استشعار سؤال الله عباده يوم القيامة عن شكر النعمة؛ فالعاقل يسأل نفسه الآن، فالوقت بين يديه، يستطيع إن لم يجد جوابًا أن يعمل ويحسن ويستعد بالجواب والصواب؛ لأن الله تَعَالَى سيسأله في يوم لايستطيع فيه العمل، يقول الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال ابن كثير ﵀: «أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ماذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة؟» (١). ٧ - أن يعلم الإنسان يقينًا أن النعم إذا شُكرت استقرت وزادت، وإذا كُفرت فرَّت وزالت؛ يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ٨ - عدم نسبة النعمة لغير الرب ﵀؛ فنسبة النعمة لغير الله من كفر النعمة، فمن كان مريضًا فشفي، فشفاؤه بفضل الله أولًا، ثم بالأسباب الأخرى التي من فضل الله سُبْحَانَهُ أن سخرها له، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: «أي: يعرفون أن الله تَعَالَى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره» (٢). اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك طائعين، إليك مخبتين، لك أواهين منيبين، اللهم اقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسننا، واسلل سخيمة قلوبنا.

стр. 563

الشَّهيدُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الشهادة: خبر قاطع، تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل، بسكون الهاء للتخفيف» (١). قال ابن فارس ﵀: «(شهد) الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام … والشاهد: الملك» (٢). ورود اسم الله (الشهيد) في القرآن الكريم: ورد اسم الله (الشهيد) في كتاب الله ثماني عشرة مرة، ومن وروده ما يلي: قول الله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. قوله : ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]. ٣ - قوله : ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].

стр. 564

ورود اسم الله (الشهيد) في السنة النبوية: ورد اسم (الشهيد) في السنة النبوية، و من وروده ما يلي: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَال: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قال: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قال: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قال: صَدَقْتَ» (١)، وسيأتي-بإذن الله- تتمة الحديث في الأثر الثالث من الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد). معنى اسم الله (الشهيد) في حقه سُبْحَانَهُ: قال الطبري ﵀ في قولهتَعَالَى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]: «وأنت تشهد على كل شيء؛ لأنه لا يخفى عليك شيء» (٢). قال الخطابي ﵀، قال: «هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد، كعالم وعليم، أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء» (٣).

стр. 565

قال ابن الأثير ﵀: «في أسماء اللهتَعَالَى «الشهيد» هو الذي لا يغيب عنه شيء، والشاهد: الحاضر وفعيل من أبنية المبالغة في فاعل، فإذا اعتبر العلم مطلقًا فهو العليم، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد» (١). قال ابن الأثير ﵀ في تفسير اسم الله الشهيد: «أنه يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم» (٢). قال ابن القيم ﵀: «من أسمائه: (الشهيد) الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء؛ بل هو مطلع على كل شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله» (٣). قال ابن كثير ﵀: في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] «عليم بسرائرهم وما تُكِنُّ ضمائرهم» (٤). قال عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]: «أي: شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم» (٥).

стр. 566

قال السعدي ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]: «مطلعًا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم» (١). وقال أيضًا ﵀ موضحًا العلاقة بين اسم الله الرقيب واسمه الشهيد: «(الرقيب) و (الشهيد) مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]» (٢). اقتران اسم الله (الشهيد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: لم يقترن اسم الله الشهيد بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشهيد) من الصفات، ودلالته على التوحيد: الله سُبْحَانَهُ الشهيد الذي شهد بعلمه وسمعه وبصره، فعلمه أحاط بالمعلومات، وسمعه أحاط بالمسموعات، وبصره أحاط بالمبصرات، فلا يخفى عليه شيء من مخلوقاته ظاهرها وباطنها، كبيرها وصغيرها، يرى

стр. 567

مكانها، ويسمع أصواتها، ويعلم أحوالها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]. - ومن مظاهر شهوده سُبْحَانَهُ: - هو الشهيد الذي يرى الكون كله وهو مستو على عرشه، يرى الهباءة الطائرة والجبال الشاهقة، ويرى الحيوانات والنباتات والذرات في قعر البحر الأسود، ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء فسبحان ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]. - هو الشهيد القريب من خلقه، الذي يراهم جميعًا في آن واحد، ويسمع ما يتناجون به ويرى ما يخوضون فيه، ويعلم ما يجول في خواطرهم، وما تهجس به ضمائرهم، ولا يغيب عنه من أمرهم شيء يقولونه أو يفعلونه أو يكتمونه قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ (١) وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. - هو الشهيد الذي يشهد أعمال العباد، ظاهرها وباطنها، خيرها وشرها، ويحصيها عليهم قبل فعلها وبعد فعلها؛ لأنه علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] (٢).

стр. 568

- هو الشهيد على ما يكون بين العباد من حقوق ومظالم وخصومات، فيشهد ويفصل بينهم يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]. - هو الشهيد الذي شهد بالحق، فشهد لنفسه بالتوحيد، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] «فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها، وأعدلها وأصدقها، من أجل شاهد بأجل مشهود» (١). شهد لكتابه بأنه منزل من عنده، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. وشهد لرسوله بالرسالة والصدق، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]. - وشهادته سُبْحَانَهُ أعظم وأعلى وأرفع شهادة، شهادة حضور ومعاينة، فلا يخفى عليه شيء من جوانب الحقيقة كما يحدث للبشر، لا غلط فيها ولا ظلم تَعَالَى عن ذلك، فمن شهد الله له فهو حسبه، ولا يحتاج إلى شهادة غيره، ولذلك أمر الله رسوله ﷺ أن يقول للمشركين الذين ينازعونه في التوحيد وفي صدق ما جاء قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ

стр. 569

لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] (١)، وفي حجة الوداع أشهد النبي ﷺ ربه على إبلاغه الرسالة، وأداءه الأمانة، فقال ﷺ : «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ» (٢). ومن رضي بشهادة «الشهيد» لم يخيبه أبدًا، بل إنه سُبْحَانَهُ يملأ قلبه طمأنينة ورضا بأنه شهيد له وعليه، وكفى به شهيدًا، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ (٣) مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي

стр. 570

ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا» (١). فإذا تيقن العبد عِظم شهادة الشهيد، وأنه لا أكبر منها ولا أعظم، وأيقن إقامته للشهود، ثم علم أنه شهد لنفسه بالتوحيد وأشهد خواص خلقه من الملائكة وأهل العلم عليه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]؛ أقام نفسه على توحيده سُبْحَانَهُ وإفراده بالعبادة، فلم يتوجه ولم يقصد غيره سُبْحَانَهُ (٢). الأثر الثاني: الشهيد سُبْحَانَهُ يقيم شهودًا من خلقه يوم القيامة؛ لكمال عدله: ومع أن شهادته سُبْحَانَهُ تعتبر أكبر شهادة وكفى بها، إلا أن الله من تمام عدله لا يكتفي بشهادة نفسه سُبْحَانَهُ بل يقيم الشهود يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].

стр. 571

قال الشيخ السعدي ﵀: «﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليسألوا عن التبليغ، وعن أممهم، ويشهدوا عليهم، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ من الملائكة، والأعضاء والأرض ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: العدل التام والقسط العظيم؛ لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام، والذين لا يعصون ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم» (١). فيشهد الأنبياء على أممهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال أيضًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. وتشهد أمة محمد ﷺ على الأمم بتبليغ الأنبياء رسالات الله إليهم، قال تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وجاء تفسير هذه الآية عن رسول الله ﷺ ، فقد أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ،

стр. 572

فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]» والوسط: العدل. (١) وأيضًا هذه الأمة يشهد بعضها على بعض، فتقبل شهادتها: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «مَرُّوا بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قال: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ» (٢). وتشهد الملائكة الكرام الكاتبون الذين يرقبون أعمال العبد وأقواله، ويتلقيان أعماله كلها، كما قال تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧] ويشهدان عليه بما عمل، قال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، قال ابن كثير ﵀: «ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله» (٣). وتشهد الجوارح والأعضاء على أصحابها، فإن الكافر يوم القيامة يحاول الفرار من عذاب الله بكتمان ما عمل كما قالسُبْحَانَهُ: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨]، وقال حكاية

стр. 573

عن قولهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فإذا أنكرت ألسنتهم ما عملوه، أقام الشهيد عليهم شهادة الجوارح والأعضاء فيشهد عليهم كل عضو من أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا (١) كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وقال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠، ٢١]. وروى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (٢). وكما أن هذه الأعضاء تشهد على أصحابها بكل سوء عملوه، كذلك تشهد لهم بكل خير عملوه، يقول النبي ﷺ في الأصابع حين يسبح بها الله: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ

стр. 574

مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» (١). بل لو قدر الله بعدله دخول أحد من عباده النار لذنوبه، فإن من كرمه تَعَالَى أن النار لا تمس مواضع الوضوء والسجود، جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ» (٢). وتشهد الأرض بما عمل عليها من خير أو شر، كما قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قال ابن كثير ﵀: «تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قال: أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلْتَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، قال: فَهُوَ أَخْبَارُهَا» (٣)» (٤). فإذا علم العبد هذا حرص أن يطيع الله بهذه الجوارح والجلود، وحرص على أن لا يعصي الله على أرضه، وإذا حصلت منه معصية حاول محيها بفعل طاعة في نفس الموطن، مستشعرًا قول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ

стр. 575

ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، ولذلك قال ﷺ : «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» (١) قالوا: الحسنة قول العبد: أستغفر الله، وقيل: فعل الطاعة. الأثر الثالث: مراقبة الله الشهيد: إذا أيقن المؤمن بشهادة الشهيد ﷻ ، وعلم أن ربه شهيد عليم خبير يراه، ويسمع كلامه ويعلم سره وعلانيته، أورثه ذلك مراقبة الله التي توجب له حراسة باطنه عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله، وتعبد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه (٢). كما يورث العبد تحري الإخلاص في أقواله وأعماله؛ لأن الله شاهد على ما في القلوب من النوايا والمقاصد، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ولا يقبل إلا ما كان خالصًا صوابًا. ويقين العبد باسم الله الشهيد يورثه- أيضًا- الحذر من ظلم العباد والتعدي على حقوقهم؛ لأن الله شاهد على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]. الأثر الثالث: الحياء من الله الشهيد ﷻ -: إذا علم العبد أن الله شهيد مطلع عليه، عالم بسره ونجواه، وغيبه وشهادته؛ أورثه ذلك الحياء منه، فاستحيا أن يراه حيث نهاه، وألا يكون حيث أمر الله.

стр. 576

والحياء من الله أعظم الحياء شأنًا وأعلاه مكانة، وينشأ عن أمور ثلاثة: الأول: رؤية نعمة الله ومنته وفضله على العبد. الثاني: رؤية تقصير العبد في حق الله، وقيامه بما يجب عليه من امتثال أوامره واجتناب نواهيه. الثالث: رؤية اطلاع الله على العبد في كل أحواله وشؤونه. فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة في القلب، تحرك فيه الحياء من الله، الذي ينشأ عنه كل خير وفضيلة كما قال ﷺ : «الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (١)، فإذا وجد انكفت النفس عن الأخلاق الرذيلة، والمعاملات السيئة والأفعال المحرمة، وأقبلت النفس على فعل الواجبات، والعناية بمكارم الأخلاق وعظيم الآداب وجميلها. الأثر الرابع: محبة الله الشهيد: إذا علم العبد أن الله شهيد، وأنه يراه ويسمع كلامه، ويعلم سره وعلانيته، وهو أقرب إليه من نفسه وشهد ذلك كله، أورثه هذا حبه والسعي إلى مرضاته. الأثر الخامس: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]: على العبد إذا علم أن الله شاهد على جميع شئونه أن يؤدي حق الشهادة، ومن ذلك: ١ - الإشهاد فيما أمر الله أن يشهد فيه، كالإشهاد في أداء مال اليتيم، قال تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ

стр. 577

وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]. ٢ - أداءها وعدم كتمانها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإذا دعي الشاهد لأدائها فعليه الإجابة (١). وقد حرم الله تَعَالَى كتمانها، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق (٢). ٣ - إقامتها من غير خيانة ولا تزوير، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]. قال السعدي ﵀: «لا يشهدون إلا بما يعلمونه، من غير زيادة ولا نقص ولا كتمان، ولا يحابي فيها قريبًا ولا صديقًا ونحوه، ويكون القصد بها وجه الله» (٣). ووردت نصوص تحذر من شهادة الزور، فقال ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ، ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ

стр. 578

الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ» (١)؛ لأن مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف مفسدة الشرك؛ إذ إنها قاصرة عليه. ٤ - عدم شهادة مجالس الزور، قال تَعَالَى في وصف عباده: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرون الزور من القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالشهادة بالباطل، والخوض في آيات الله، والجدال الباطل، والغيبة والنميمة، والسب والقذف، والاستهزاء، والغناء المحرم، وشرب الخمر، وفرش الحرير، والصور، ونحو ذلك (٢). الأثر السادس: الحرص على شهود الأوقات الفاضلة: معرفة العبد بأن ربه شهيد؛ يجعله حريصًا كل الحرص على شهود الأوقات التي تتنزل فيها الرحمات، ويتقرب فيها من الحق ، ومن تلك الأوقات: صلاة الفجر: قال تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. يقول ابن القيم ﵀: «قيل: يشهده الله ، وملائكته، وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء وصعود أولئك، فيجتمعون في صلاة الفجر؛ وذلك لأنها أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل، فيشهدها

стр. 579

ملائكة الليل والنهار، واحتج لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ». يقول أبو هريرة: واقرأوا إذا شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]) (١)، وهذه الشهادة شهادة خاصة، وهي شهادة حضور ودنو متصل بدنو الرب، ونزوله إلى سماء الدنيا في الشطر الأخير من الليل، كما جاء في الأحاديث الصحاح التي أثبتت نزول الرب ﵀، وهو نزول يليق بجلاله وعظمته وندائه لأهل الأرض: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ» (٢). ففي هذه الأحاديث: أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا يكون شهود الله لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له هذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من الصلاة، (حَتَّى يَسْطَعَ الفَجْرُ) (٣)، وذلك هو وقت صلاة الفجر … » (٤). فإذا علم العبد ذلك الفضل العظيم حرص على هذا الوقت الشريف وشهوده، كما جاء في الحديث: «مَنْ صَلَّى صلاة الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ» (٥) أي:

стр. 580

حفظه، وفي رواية: «وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» (١). ٢ - يوم الجمعة: لأن هذا اليوم يشهد عليك أو يشهد لك أمام الله، وقد فسر بعض العلماء الشاهد في قوله تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] بالجمعة، قال ابن جرير ﵀: «وأقسم بشاهد، قالوا: وهو يوم الجمعة، ومشهود، قالوا: وهو يوم عرفة» (٢). ٣ - يوم عرفة: الذي يدنو فيه الرب ، ويباهي بأهل الموقف أهل سمواته، ثم يقول : «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (٣)، وقد فسر بعض العلماء المشهود في قوله تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] بعرفة، قال ابن جرير ﵀: «ومشهود، قالوا: وهو يوم عرفة» (٤). ٤ - مجالس الذكر: التي تحفُّها الملائكة وتغشاها الرحمة، كما قال رسول الله ﷺ : «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (٥). فاللهم يا شهيد يا مجيد، اجعلنا ممن يعبدك كأنه يراك، واجعلنا ممن يشهد كل خير.

стр. 581

الصَّمدُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: « … والمصمد: لغة في المصمت، وهو الذي لا جوف له … وصمده يصمده صمدًا، أي: قصده. والصمد: السيد؛ لأنه يُصمد إليه في الحوائج» (١). قال ابن فارس ﵀: «(صمد) الصاد والميم والدال أصلان: أحدهما القصد، … فالأول: الصمد: القصد. يقال: صمدته صمدًا، وفلان مصمد؛ إذا كان سيدًا يقصد إليه في الأمور، وصمد أيضًا، والله جل ثناؤه الصمد؛ لأنه يصمد إليه عباده بالدعاء والطلب … » (٢). ورود اسم الله (الصمد) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الصمد) في كتاب الله مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].

стр. 582

ورود اسم الله (الصمد) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الصمد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ،، فقال رسول الله ﷺ : قَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (١). عن محجن بن الأدرع، حدثه «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله ﷺ : قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (٢). معنى اسم الله (الصمد) في حقه سُبْحَانَهُ: قال ابن عباس ﵄: «(الصمد): الذي ليس بأجوف» (٣) قال ابن عباس أيضًا: «هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد عظم في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في

стр. 583

جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سُبْحَانَهُ هذه صفته، لا تنبغي إلا له» (١). قال الشعبي ﵀: «(الصمد) الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب» (٢). قال عكرمة ﵀: «الذي لم يخرج منه شيء، ولم يلد، ولم يولد» (٣). قال الطبري: الصمد عند العرب: هو السيد الذي يصمد إليه، الذي لا أحد فوقه، وكذلك تسمى أشرافها» (٤). قال الزجاجي ﵀: «الصمد: السيد الذي قد انتهى سودده، فالناس يصمدونه في حوائجهم، أي: يقصدونه ويعتمدونه» (٥). قال الخطابي ﵀: «(الصمد): هو السيد الذي يصمد إليه في الأمور، ويقصد في الحوائج والنوازل» (٦). قال الحليمي ﵀: «ومنها الصمد: ومعناه المصمود بالحوائج، أي المقصود» (٧).

стр. 584

قال ابن القيم ﵀: «فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة؛ وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثرة الأوصاف الحميدة له» (١). قال السعدي ﵀: «الصمد: هو الذي تقصده الخلائق كلها في جميع حاجاتها وأحوالها وضروراتها؛ لما له من الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله» (٢). وقال أيضًا: «و (الصمد): المعنى الجامع، الذي يدخل فيه كل ما فسر به هذا الاسم الكريم، فهو الصمد الذي تصمد إليه أي: تقصده جميع المخلوقات بالذل والحاجة والافتقار، ويفزع إليه العالم بأسره، وهو الذي قد كمل بعلمه وحكمته وحلمه وقدرته وعظمته ورحمته وسائر أوصافه» (٣). وكل ما سبق من الأقوال يصح أن يوصف به ربنا ؛ لأن الصمد اسم دال على جملة من الأوصاف، لا على صفة معينة (٤). قال أبو القاسم الطبراني ﵀ كما نقل ابن كثير بعد إيراده لكثير من الأقوال في تفسير الصمد-: «وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه» (٥).

стр. 585

وقال ابن القيم ﵀: وَهوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي … صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو … هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ (١) اقتران اسم الله (الصمد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: - اقتران اسم الله الصمد باسمه الأحد: لم يقترن اسم الله «الصمد» إلا باسم الله «الأحد»، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]. وجه الاقتران راجع إلى أمرين: للدلالة على أن الأحد المتفرد بالكمال في أسمائه وصفاته وأفعاله هو المستحق بأن تصمد له القلوب وتنزل به الحوائج. للدلالة على انفراد الله بجميع صفات الكمال، قال ابن رجب ﵀: «فالصمدية تثبت الكمال المنافي للنقائص، والأحدية تثبت الانفراد بذلك» (٢). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الصمد): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الصمد) من الصفات: الله الصمد السيد العظيم الذي له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (٣).

стр. 586

فهو الصمد في ذاته التي لا يقدر قدرها ولا كمالها ولا جلالها إلا هو سُبْحَانَهُ، فتعالت ذاته العلية عن النقائص فلم تحتج إلى جوف ولا أحشاء ولا طعام ولا شراب ولا داخل ولا خارج، كما هو الحال في المخاليق، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٢، ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وقرأ بعضهم بالفتح: «ولا يَطْعَمُ» أي: لا يأكل (١). وهو الصمد في أسمائه فكلها حسنى بلغت من الكمال المنتهى، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، و تعالت عن الدلالة على الذم والقدح، أو الدلالة على الاسم المجرد عن الصفة قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وهو الصمد في صفاته، فلم يبق صفة كمال إلا اتصف بها، ووصف بغايتها وكمالها (٢). فهو صمد في غناه، فلم يحتج للوالد ولا للولد فضلًا عن الصاحبة، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، أي: «كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد الذي لا صاحبة له، أي: لا زوجة له، وهو الغني عن مخلوقاته، وكلها فقيرة إليه، مضطرة في جميع أحوالها إليه، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله

стр. 587

خالق كل شيء، وليس شيء من المخلوقات مشابهًا لله بوجه من الوجوه» (١). ولم يحتج للشريك ولا للوزير ولا للمعين ولا للنصير، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. ولم يحتج للطعام ولا للشراب، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]. وهو صمد في حياته، فلم يحتج معها إلى خالق ولا والد ولا حافظ، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]؛ فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، كما جاء في الحديث: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» (٢). ولا يعتري حياته ما ينقص كمالها من النوم والنعاس، ولا يهددها الموت، وإنما حياة دائمة، وبقاء لا انقطع معه، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تَعَالَى أيضًا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. وهو صمد في علوه، فما زال ﷻ ولا يزال عاليًا بذاته مستويًا على عرشه، عاليًا بأسمائه وصفاته وأفعاله، لا يعلوه أحد، ولا يكون فوقه أحد لا في

стр. 588

الذات ولا في الأسماء ولا في الصفات ولا في الأفعال، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال ﷺ : «وأَنَتْ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (١). وهو الصمد في أفعاله فكلها حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل كما جاء في الحديث: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّه بِيَدِكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (٢). تعالت أفعاله سُبْحَانَهُ عن العبث واللهو، والظلم والجور، ونحو ذلك من النقائص. وبذلك اجتمعت في الصمد صفات الشرف جميعها في الذات والأسماء والصفات والأفعال، واجتمعت فيه صفات السيادة كلها على وجه الكمال والدوام، فهي باقية لم تزل ولا تزال أبدًا، لا يطرأ عليها النقص ولا الآفات ولا الاختلال، كما هو الحال في المخلوق الذي يكون سؤدده وكماله في حال دون حال، ويعتيريه من النقص ما يعتريه (٣). الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الصمد) على التوحيد: إن اسم الله «الصمد» وما فيه من الدلالة على صفات الكمال لله ؛ دال على أنواع التوحيد الثلاثة، وبيان ذلك على النحو الآتي:

стр. 589

١ - دلالته على توحيد الألوهية والربوبية: إن اسم الله «الصمد» يضم جملة من الأسماء والصفات الدالة على الربوبية كالخلق، والرزق، والملك، والتدبير، والإحياء والإماتة ونحو ذلك، فإثباته إثبات لها على وجه الكمال؛ لما سبق من دلالة الصمد على الكمال. ثم إن كل صفة من صفات الربوبية منفردة تدعو العبد إلى إفراد الله بها، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، فلا مثيل ولا نظير ولا شريك ولا والد ولا ولد، قال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] (١)، ولا يستحق العبادة إلا هو سُبْحَانَهُ، وعبادة ما سواه باطل (٢)، وحينئذ يفرد العبد ربه الصمد بجميع أنواع العبادة، فلا يَسجد ولا يركع ولا يصلي إلا لله، ولا يستغيث ولا يستعين، ولا يستعيذ إلا بالله، ولا يخاف ولا يرهب، ولا يشفق إلا من الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يرجو ولا يدعو ولا يسأل إلا الله الصمد ﵎. ٢ - دلالته على توحيد الأسماء والصفات: إن اسم الله «الصمد» وما فيه من الدلالة على قصد الخلائق له وصمودهم بين يديه؛ دال على اتصافه ﵎ بصفات الكمال، قال ابن رجب ﵀: «فإن السيد الذي يصمد إليه لا يكون إلا متصفًا بجميع صفات الكمال التي استحق لأجلها أن يكون صمدًا» (٣)، وذلك كالحياة والعلم، والسمع، والبصر،

стр. 590

والغنى، والقدرة، والكلام، والاستواء، والعلو، ونحو ذلك، كما يدل- أيضًا- على انتفاء النقائص عنه سُبْحَانَهُ. الأثر الثالث: محبة الله الصمد: لا شك أن اسم الله «الصمد» يقود مَنْ تدبره وتأمل فيه لمحبة الله ؛ وذلك لأنه دال على صفات الكمال والجمال على الدوام للرب من الحياة، والغنى، والعلو، وقصد الخلائق وهرعهم إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، إلى غير ذلك مما يدل عليه من الكمالات، ومن المعلوم أن القلوب فطرت على محبة من له الكمال والجمال. ثم إذا تذكر العبد- أيضًا- أن كل كمال للمخلوق يشاهده أويسمع به، فيعجبه ويحب صاحبه لا شيء أمام كمال الله يورثه ذلك محبة الله الذي هو أولى مَنْ يُحَب وَيُجَل. الأثر الرابع: الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها: إذا علم العبد أن ربه الصمد باق دائم بعد خلقه، قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فكل شيء زائل فان، المال والمتاع والجاه والسلطة والقوة، بل والأرض ومن عليها، والسماء وما فيها ومن فيها، والكون كله ما نعلم منه وما نجهل، كله هالك إلا وجه الله الصمد الباقي المتفرد بالبقاء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. قال ابن عباس ﵄: «لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فأيقنت الملائكة بالهلاك» (١).

стр. 591

فمن عرف ذلك وتيقنه؛ زهد في الدنيا ومتاعها، وطلب الآخرة ونعيمها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠]. بخلاف من غفل عن ذلك أو تغافل، فألهته الدنيا بزخرفها، وصارت غايته وأكبر همه، وراح يطلبها بالمباح وبالحرام، حتى إنه ليعمل الصالحات يريد بها عرضًا من الدنيا غافلًا عن ثواب الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]، وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. وقوله تَعَالَى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] أي: نعطيهم من متاع الدنيا ما كتب وقدر لهم في اللوح المحفوظ، لا ينقصون شيئًا منه، ولا يزيدون شيئًا منه، وإن بلغوا من الحرص عليها كل مبلغ (١). وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، والدِّرْهَمِ، والقَطِيفَةِ، والخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (٢). قال ابن حجر ﵀: «قال الطيبي: قيل: خص العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لايجد خلاصًا …

стр. 592

وفيه إشارة إلى الدعاء عليه بما يثبطه عن السعي والحركة وسوغ الدعاء عليه؛ كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات» (١). الأثر الخامس: قصد الله الصمد في جميع الحاجات: لما كان ربنا صمد، متصف بالكمال المطلق، فلا شيء فوقه، ولا شيء يعجزه، ولا شيء يفقره؛ صمدت إليه جميع المخلوقات، وقصدته كل الكائنات، وفزع إليه العالم بأسره، أهل سمائه وأرضه، صغيره وكبيره، ذكره وأنثاه، غنيه وفقيره، مسلمه وكافره، فالكل مفتقر إليه غاية الافتقار، قاصد إياه في جميع أحواله وشؤونه في أمر دينه ودنياه وآخرته، طارق بابه في مطالبه ومساعيه الضروري منه، والحاجي، والكمالي، يسأله بلسان الحال والمقال، لا يستغني عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، إليه وحده المفر، وفيه المرغب والمطمع، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. فهؤلاء الملائكة صمدوا إليه، فسألوه لأهل الإيمان، كما قال تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٧، ٨] الآيات. وهؤلاء الأنبياء والمرسلين صمدوا إليه في مختلف أحوالهم، فسألوه في حال عبادتهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].

стр. 593

وسألوه في حال تقصيرهم وخطئهم، قال تَعَالَى عن آد ﵇ م: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال تَعَالَى عن موسى ﵇ لما قتل القبطي: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]. وسألوه في حال كربهم وشدتهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤]. وسألوه في حال نعمته عليهم، كما قال سُبْحَانَهُ عن سليمان ﵇: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وسألوه ما يتعلق بالآخرة، كما قال سُبْحَانَهُ عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٥ - ٨٧]. وصمد إليه كذلك عباده الصالحون، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]، وقال: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]. بل وصمد إليه الكافرون المشركون، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ

стр. 594

وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وكل هذا يوجب للعبد ألا يلجأ إلا لربه الصمد، ولا يطلب حاجته إلا منه، ولا تكون استعانته إلا به، ولا يكون توكله إلا عليه؛ كما قال ﷺ لا بن عباس ﵄ معلمًا ولغيره من الأمة: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (١) (٢). فتجد المؤمن يصمد إلى ربه الصمد، فيرفع حوائجه إليه، ولا يشكو فاقته إلا إليه، ويتعلق به، ويتضرع إليه، ويرفع كفيه إليه يناديه ويناجيه، فما يلبث إلا ودعاؤه مجاب، وفاقته مسدوده، وحاجته مقضيه، كما جاء عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ الله لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ» (٣).

стр. 595

ولا يقتصر في سؤاله على مطالب الدنيا، بل يضم إلى ذلك مطالب الدين والآخرة؛ فيقصد ربه الصمد بسؤال الهداية والإعانة على الطاعة، والمغفرة والرحمة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار ونحو ذلك؛ كما جاء في حديث محجن بن الأدرع «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله ﷺ : قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (١). ويقصده- أيضًا- بالاستغفار والتوبة عند الوقوع في المعصية، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آلعمران: ١٣٥]، وجاء عن أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ الله ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (٢). الأثر السادس: عدم قصد المخلوق بالسؤال: إذا تأمل العبد في اسم الله (الصمد) وما فيه من الترغيب في قصد بابه، باب من بيده مقاليد كل شيء، باب من هو على كل شيء قدير، باب الكريم

стр. 596

الجواد الذي يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج والنوائب والمزعجات، ويحب أن يتضرع إليه في الشدائد والكربات والملمات، ويحب أن يستغاث به في المصاعب والمشقات، ويحب الإلحاح في السؤال والدعاء، ويغضب على من لا يسأله، ويدعو عباده لسؤاله: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وهو عند حاجة خلقه، ولديه تفريج كربهم، السميع لندائهم، العليم بحالهم، واسع الرحمة والرأفة والحنان والكرم، عظيم القدرة والعزة والسلطان (١). ثم نظر متأملًا في المخلوق وما فيه من الفقر والعجز والشح والكره للسؤال والإلحاح فيه، والرغبة في عدمه؛ دعاه هذا إلى الزهد في سؤال المخلوق وقصد بابه، وقطع تعلق القلب به وإن عظم جاهه وعلا منصبه، ولهذا قال وهب بن منبه ﵀ لرجل كان يأتي الملوك: «ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟!» (٢). وقال عطاء ﵀: «قال لي طاوس: يا عطاء، لا تُنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه، وضمن لك أن يستجيب لك، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]» (٣).

стр. 597

ودخل هشام بن عبدالملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبدالله، فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله، فلما خرج خرج في أثره، فقال له: الآن قد خرجت، فسلني حاجة، فقال له سالم: حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا، فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها (١). ومن هنا كان سؤال المخلوق مذمومًا، ووبالًا على صاحبه يوم القيامة إن كان من غير حاجة؛ فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (٢). وقد تكفل رسول الله ﷺ بالجنة لمن ترك السؤال، فعن ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل الناس شيئًا» (٣)، فحري بالعبد أن يزهد في سؤالهم، ويرغب في باب ربه الصمد. الأثر السابع: دعاء الله باسمه الصمد: إن يقين العبد باسم الله «الصمد» الذي تصمد إليه الخلائق كلها، وتقصده بالدعاء في الشدائد والمسرات ومختلف الأحوال، يدعو العبد إلى قصد باب

стр. 598

الصمد، والتضرع إليه بالدعاء والسؤال، ولا سيما باسمه الصمد؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولا سيما- أيضًا- بما ورد في السنة مما هو مظنة الإجابة؛ فعن محجن بن الأدرع ﵁، «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله ﷺ : قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا (١). وعن عبدالله بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: «سمع النبي ﷺ رجلًا، يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله ﷺ : لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (٢). قال ابن القيم ﵀ في هذا الدعاء: «فهذا توسل إلى الله بتوحيده، وشهادة الداعي له بالوحدانية، وثبوت صفاته المدلول عليها باسم الصمد … وبنفي التشبيه والتمثيل عنه، بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة، والتوسل بالإيمان بذلك» (٣). فاللهم إنا نسالك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 599

الظَّاهر والباطنُ ﷻ - المعنى اللغوي: أولًا: المعنى اللغوي لاسم (الظاهر): قال الجوهري ﵀: «الظهر: خلاف البطن، وقولهم: لا تجعل حاجتى بظهر، أي: لا تنسها» (١). قال ابن فارس ﵀: «الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء يظهر ظهورًا فهو ظاهر؛ إذا انكشف وبرز، ولذلك سمي وقت الظهر والظهيرة، وهو أظهر أوقات النهار وأضوؤها، والأصل فيه كله: ظهر الإنسان، وهو خلاف بطنه، وهو يجمع البروز والقوة … » (٢). ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم (الباطن): قال الجوهري ﵀: «البطن: خلاف الظهر» (٣). قال ابن فارس ﵀: «الباء والطاء والنون أصل واحد لا يكاد يخلف، وهو إنسي الشيء والمقبل منه، فالبطن خلاف الظهر، تقول: بطنت الرجل: إذا

стр. 600

ضربت بطنه، قال بعضهم: إذا ضربت موقرًا فابطن له، وباطن الأمر دخلته، خلاف ظاهره، والله تَعَالَى هو الباطن؛ لأنه بطن الأشياء خبرًا، تقول: بطنت هذا الأمر: إذا عرفت باطنه» (١). ورود اسم الله (الظاهر و الباطن) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الظاهر و الباطن) في كتاب الله مرة واحدة، وهي: قول الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. ورود اسم الله (الظاهر و الباطن) في السنة النبوية: ورد اسم الله (الظاهر و الباطن) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (٢).
следующие страницы →