فالله العفو الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه؛ فإن الغفران ينبني عن الستر، والعفو ينبني عن المحو، والمحو أبلغ من الستر (١).
قال الكفوي ﵀: «يتمثل الفرق بين العفو والغفران في أمور عديدة، أهمها:
أن الغفران يقتضي إسقاط العقاب، ونيل الثواب، ولا يستحقه إلا المؤمن، ولا يكون إلا في حق البارئ تَعَالَى؛ أما العفو فإنه يقتضي إسقاط اللوم والذم ولا يقتضي نيل الثواب، ويستعمل في العبد- أيضًا-.
العفو قد يكون قبل العقوبة أو بعدها، أما الغفران؛ فإنه لا يكون معه عقوبة البتة، ولا يوصف بالعفو إلا القادر عليه.
في العفو إسقاط للعقاب، وفي المغفرة ستر للذنب وصون من عذاب الخزي والفضيحة» (٢).
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العفو) باسمه سُبْحَانَهُ (القدير):
جاء هذا الاقتران مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
وجه الاقتران:
«من المعلوم أن العفو الممدوح هو الذي يصدر مع القدرة على
стр. 667
الانتقام، وكماله لا يكون إلا من الله تَعَالَى الذي عفوه ومغفرته ناشئان عن قدرته وحكمته، لا عن عجز وضعف؛ ولذا قرن الله بين عفوه وقدرته، فهو سُبْحَانَهُ كامل في عفوه، وكامل في قدرته، وكامل في عفوه مع مقدرته» (١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العفو):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العفو) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ هو صاحب العفو الشامل، الذي يسع ما يصدر عن العباد من الذنوب، لاسيما إذا أتوا بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة والإيمان، والأعمال الصالحة، فهو سُبْحَانَهُ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن مظاهر كمال عفوه سُبْحَانَهُ مايلي:
العفو عن المذنب: فمهما أسرف العبد على نفسه، ثم تاب إلى ربه ورجع، غفر له ربه جميع جرمه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، ولولا كمال عفوه وسعة حلمه سُبْحَانَهُ ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب، ولا نفس تطرف، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].
стр. 668
العفو في الأحكام الشرعية للمحتاج: فهو سُبْحَانَهُ وإن كان أوجب الوضوء لمن أراد الصلاة، إلا أنه عفا عمن لا يجد الماء أو لم يستطيع استعماله، وأباح له التيمم مراعاة لضعفه، ولو شاء لأعنته، وألزمه بالوضوء أبدًا، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].
العفو في ستر عباده في الدنيا والآخرة: فلايفضحهم في الدنيا، ويستر على كثير منهم في الآخرة، فيعرِّفهم بعض ذنوبهم، ثم يسترهم بغفرانه لها، بل ويبدلها حسنات، فَسُبْحَانَهُ ما أكرمه! وما أعظم عفوه وغفرانه! يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
فالله سُبْحَانَهُ بهذا الشمول الإلهي في عفوه قد أقام الحجة على عباده كلهم، فحري بهم أن يحسنوا عبادة ربهم، ويخلصوا توحيده سُبْحَانَهُ.
الأثر الثاني: الثقة بعفو الله وعدم تضييع أمره ونهيه:
فإن كون الله سُبْحَانَهُ عفو كريم غفور لا يعني أن يسرف العبد في الخطايا والذنوب، ويتجرأ على معصية الله تَعَالَى، بحجة أن الله عفو غفور رحيم؛ لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] وقال : ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١]، وهناك فرق كبير بين حسن الظن بالله والغرور.
стр. 669
وعن هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀: «وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يُرد بأسُه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند.
قال الإمام أحمد ﵀ … عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثم تلا قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» (١).
وقال بعض السلف: «إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه، وأنت مقيم على معاصيه فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. وقد رد سُبْحَانَهُ على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كل من أنعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل ابتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء.
стр. 670
وفي الحديث عنه ﷺ : «وَإِنَّ الله يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ» (١)، وقال بعض السلف: رب مُستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم» (٢).
الأثر الثالث: الحرص على تحصيل ثواب العفو وفضله:
للعافين عن الناس ثواب عظيم في الدنيا والآخرة، ومن ذلك مايلي:
أولًا: ثواب الدنيا، ومنه:
تحقيق الامتثال لأمر الله تعالى، فقد أمر بالعفو على سبيل العموم في قوله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
بل وأمر نبيه بالعفو مع أهل الخيانة والغدر، فكيف بالعفو!!!؟ وأخبره أنه يحب أهل الإحسان، يقول تَعَالَى عن بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]
محبة الله للعفو، ففي الحديث: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٣).
стр. 671
انقلاب العدو لولي حميم، يقول تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]
نيل العزة، ففي الحديث: عن أبى هريرة ﵁، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (١)، في الحديث: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلاَّ زَادَهُ الله عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ الله عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا» (٢).
ثانيًا: ثواب الآخرة:
أجر العافين على الله: يقول تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، ومن أحب أن يعفو الله عنه عفا عن خلقه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
وقد كان سبب نزولها: ما رواه البخاري أن مِسطَح بن أُثاثة تكلم مع من تكلم في عائشة ﵂ في حادثة الإفك، فلما أنزل الله براءة عائشة، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
стр. 672
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، يعني: أبا بكر ﵁، ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور: ٢٢] يعني: مسطحًا، إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ (١).
نيل المغفرة والجنة: يقول تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
الأثر الرابع: محبة الله العَفُو:
من علم أن الله عفو غفور رحيم أثمر في قلبه محبته تَعَالَى، والتوقي عن معصيته بقدر الطاقة، وإذا زلت القدم ووقع المؤمن في الذنب فإنه يتذكر أن الله عفو يحب العفو، فيسري الرجاء في قلبه، ويقطع الطريق على اليأس من رحمة الله تَعَالَى، ويحسن الظن بربه الذي يعفو عن المسيئين، ويغفر الذنوب جميعًا.
الأثر الخامس: اتصاف العبد بالعفو:
العفو والتجاوز لا يقتضي الذلة والضعف، بل إنه قمة الشجاعة والامتنان وغلبة الهوى، لا سيما إذا كان العفو عند المقدرة على الانتصار.
وقد بوب البخاري في صحيحه بابًا عن الانتصار من الظالم؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، وذكر عن إبراهيم النخعي ﵀
стр. 673
قوله: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا» (١)، قال الحسن بن علي ﵄: «لو أن رجلًا شتمني في أذني هذه، واعتذر في أذني الأخرى، لقبلت عذره» (٢).
وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٣).
وقال جعفر الصادق ﵀: «لأن أندم على العفو عشرين مرة، أحب إلي من أندم على العقوبة مرة واحدة» (٤).
وقال الفضيل بن عياض ﵀: «إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلًا، فقل: يا أخي، اعف عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله ، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو؛ فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور؛ لأن الفتوة هي العفو عن الإخوان» (٥).
стр. 674
ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، ومن تأمل في السيرة النبوية وجدها مليئة بنماذج، يتجلى فيها عفو النبي ﷺ فيما يتعلق بحق نفسه، ولا يغضب من أجلها، ومن هذه النماذج:
عفوه ﷺ عن رجل قد هم بقتله، فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحَارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ» (١).
عفوه ﷺ عن امرأة يهودية، تضع سمًّا في طعامه، وعندما أصيب النبي بهذا السم نهى عن قتلها، فعن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢).
عفوه ﷺ عن قاتل عمه، عن ابن عباس ﵄، قال: «لمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ قَتْلَى أُحُدٍ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَأَى مَنْظَرًا أَسَاءَهُ؛ رَأَى حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وَاصْطُلِمَ أَنْفُهُ، وَجُدِعَتْ أُذُنَاهُ، فَقَالَ:
стр. 675
لَوْلَا أَنْ يَحْزَنَ النِّسَاءُ، أَوْ يَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، لَأُمَثِّلَنَّ مَكَانَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا ". ثُمَّ دَعَا بِبُرْدِهِ فَغَطَّى بِهَا وَجْهَهُ، فَخَرَجَتْ رِجْلَاهُ، فَغَطَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجْهَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْإِذْخِرِ، ثُمَّ قَدَّمَهُ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً، وَكَانَ الْقَتْلَى سَبْعِينَ، فَلَمَّا دُفِنُوا، وَفَرَغَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] إلى قوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] فَصَبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُمَثِّلْ بِأَحَدٍ» (١).
والمعروف أن الذي قتل حمزة ﵁ هو وحشي، فلما فتح رسول الله مكة هرب إلى الطائف، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ليعلنوا إسلامهم ضاقت على وحشي السبل، وبعد فترة قدم على رسول الله المدينة وكان قد أسلم، قال وحشي: فَلَمَّا رَأنِي ﷺ قَالَ: «وَحْشِيٌّ» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «اجْلِسْ فَحَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَ قَتْلُكَ حَمْزَةَ» فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَدَّثْتُهُ كَمَا حَدَّثْتُكُمَا فَقَالَ: «وَيْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ بِأَنْ لَا أَرَاكَ» قَالَ: فَكُنْتُ أَتَنَكَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ كَانَ حَيًّا حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ» (٢).
стр. 676
فهذا موقف يبين كيف كان رسول الله ﷺ يكظم غيظه، فأي كظم للغيظ هذا؟ بل أي حلم وعفو هذا الذي يلقى به رسول الله ﷺ قاتل عمه الأثير وصديقه النصير، وشريكه في الجهاد، وكان رسول الله ﷺ قادرًا على أن يثأر لعمه، بل كان كثير من الصحابة الكرام ينتظر إشارة من رسول الله ﷺ ليقتل بها وحشيًّا؛ ليشفي غيظ نبيه، لكن رسول الله ﷺ عفى عنه ابتغاء وجه الله تَعَالَى، وفي هذا بيان لأمته أن تتعلم العفو والصفح الجميل.
عفوه ﷺ العفو الشامل العام في فتح مكة، عندما وقف مخاطبًا أهل مكة قائلًا: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟ قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» (١).
نماذج من تخلق السلف الصالح بخلق العفو:
أبو بكر الصديق ﵁، كان يحسن إلى مسطح الذي مس ابنته عائشة ﵂ في عرضها، عندها أوقف الصديق المعونة عنه، فجاء العتاب الإلهي، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فكان الصديق يقرأ هذه الآية ويبكي، يقول: بلى، أحب أن يغفر الله لي، وعاد على مسطح بالمساعدة! (٢).
стр. 677
أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂: قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: «روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة؛ وأما اليهود، فإن لي فيهم رحمًا، فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان: قالت: فاذهبي، فأنت حرة» (١).
ومن الأمور المعينة لتربية النفس على العفو عن الناس ما يلي:
تنقية القلب من شوائب الحقد والحسد، أو الغل على المسلمين، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ. قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
стр. 678
ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمَرَّاتِ (٣)، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ» (١).
استشعار الحاجة لعفو الله ورحمته ومغفرته، يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين الله تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها، ويغفرها لك، ويهبها لك، ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك، جزاء وفاقًا، فانتقم بعد ذلك أو اعفُ، وأحسن أو اترك، فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يُفعل معك، فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه، هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة، كما قال النبي ﷺ للذي شكى إليه قرابته وأنه يحسن
стр. 679
إليهم وهم يسيئون إليه، فقال: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (١)».
قطع طريق الشيطان في الاسترسال باستدعاء تفاصيل خطأ من ظلم، فإن الاسترسال يؤجج نار العداوة، ويضرب القلوب بعضها ببعض؛ ولذا جاءت آية العفو مقرونة بالأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، يقول تَعَالَى:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠].
بل يأتي الأمر الإلهي باختيار أحسن الكلام عند مخاطبة الناس؛ حتى لا يترك للشيطان فرصة للإفساد، يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]، ويقول تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].
العفو عن المسيء والدعاء له: وذلك تأسيًا برسل الله الكرام، فهذا يوسف ﵇ ألقاه أخوته في البئر، وقال تَعَالَى عنهم: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]، فكان رد يوسف ﵇ عندما اقتدر ودخلوا عليه في ملكه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فابتدأ كلامه بنفي التعيير والتوبيخ، ثم دعا لهم.
стр. 680
وفي الصحيحين حكاية رسول الله عن نبي من الأنبياء، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (١).
يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا أنه ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان: قابل بها إساءتهم العظيمة إليه، أحدها: عفوه عنهم، والثاني: استغفاره لهم، والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون، والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه» (٢).
بذل الهدية والعطية، يقول ﷺ : «تَهَادُوا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ» (٣).
صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فهي كفيلة بغسل قلب المؤمن، يقول رسول الله ﷺ : «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» (٤).
стр. 681
ومما تجدر الإشارة إليه: أن المؤمن مكلف بالعفو مع الإصلاح، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤٠].
ومن فضل الله وسعة كرمه: أنه لم يلزم عباده بالعفو عمن أساء إليهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤١].
يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «فذكر المقامات الثلاثة: العدل وأباحه، والفضل وندب إليه، والظلم وحرمه، فإن قيل: فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان، قيل: لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار، وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فلما قدروا ندبهم إلى العفو، قال بعض السلف في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، فمدحهم على عفو بعد قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة، وهذا هو الكمال الذي مدح سُبْحَانَهُ به نفسه في قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]» (١).
الأثر السادس: الدعاء باسم الله العفو:
عفو الله تَعَالَى من أعظم العطاء الذي يعطيه الله لعبده، ولذا كان رسول الله ﷺ كثير السؤال به، وعن ابن عمر ﵄، قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: اللهمَّ إِنِّي
стр. 682
أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (١).
وعن أنس ﵁، قال: «فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَلِ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثُمَّ أَتَاهُ الْغَدَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَلِ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» (٢).
وفي أفضل ليالي السنة دل رسول الله ﷺ عائشة إلى سؤال العفو، فعن عائشة ﵂، قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللهمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٣).
فاللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا.
стр. 683
الأعلَى العلِيُّ المُتعَالِ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «علا في المكان يعلو علوًّا، وعلي في الشرف بالكسر يعلى علاء، ويقال أيضًا: علا بالفتح يعلى، … والعُلاء والعَلاء: الرفعة والشرف» (١).
قال ابن فارس ﵀: «العين واللام والحرف المعتل- ياءً كان أو واوًا أو ألفًا- أصل واحد يدل على السمو والارتفاع، لا يشذ عنه شيء، ومن ذلك: العلاء والعلو، يقولون: تَعَالَى النهار، أي: ارتفع … ، والعلو: العظمة والتجبر» (٢).
ورود اسماء الله (العَلِيِّ -الأعلى- المُتَعَالِ) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله العلي في ثمانية مواضع من القرآن، ومن وروده ما يلي:
قوله : ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].
стр. 684
قوله : ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].
وأما (الأَعْلَى) فقد ورد مرتين، وهما:
قوله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
قوله : ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠].
وأما (المُتَعَالِ) فقد ورد مرة واحدة، وهي:
قوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
ورود اسم الله (العلي- المتعالِ) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (العلي) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ- حِينَ يَسْتَيْقِظُ-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قال: اللهم اغْفِرْ لِي، أو دعا، استُجيب له، فَإِنْ تَوَضَّأَ، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (١).
وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان يقول- عند الكرب-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (٢).
стр. 685
ورد اسم الله (الأعلى) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
١ - عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى» (١).
٢ - عن عبدالله بن مسعود ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» (٢).
٣ - عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ! فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا! ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ
آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ. ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ. ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ» (٣).
стр. 686
ورد اسم الله (المتعالِ) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: «قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] قال: يَقُولُ الله أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُتَعَالِي- يُمَجِّدُ نَفْسَهُ- قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرَدِّدُهَا حَتَّى رَجَفَ بِهِ الْمِنْبَرُ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَخِرُّ بِهِ» (١).
معنى أسماء الله (العَلِيِ- الأعلى - المتعالِ) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسمي الله (العلي، الأعلى):
هو الذي له العلو المطلق بجميع أنواع العلو الثلاثة:
١ - علو الذات.
٢ - علو القهر والغلبة.
٣ - علو المكانة والقدر والصفات.
وحول أنواع العلو تدور أقوال العلماء، ومنها (٢):
قال الطبري ﵀: «هو ذو العلو والارتفاع على كل شيء، والأشياء كلها دونه؛ لأنهم في سلطانه، جارية عليهم قدرته، ماضية فيهم مشيئته» (٣).
стр. 687
قال البغوي ﵀: «هو العالي على كل شيء» (١).
قال ابن كثير ﵀: «كل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تَعَالَى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا» (٢)، وقال أيضًا: «هو العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه» (٣).
قال ابن القيم ﵀: «فإن من لوازم اسم (العلي): العلو المطلق، بكل اعتبار، فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات؛ فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه (العلي)» (٤).
قال السعدي ﵀: «هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر؛ فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وبجميع صفات العظمة والكبرباء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى» (٥).
стр. 688
ثانيًا: معنى اسم الله (المتعالِ):
قال ابن كثير ﵀: «المتعال على كل شيء قد أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعًا وكرهًا» (١).
فالمتعال هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب ولا منازع
له سُبْحَانَهُ، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] فلو فرضنا وجود إلهين اثنين متنازعين متشاكسين، مختلفين ومتضادين، وأراد أحدهما شيئًا خالفه الآخر، فلا بد عند التنازع من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته فهو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو المتعالي القادر، وقد أحسنت الجن لما قالت: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].
قال ابن القيم ﵀:
هَذَا وَثَانِيهَا صَرِيحُ عُلُوِّهِ … وَلَهُ بِحُكْمِ صَرِيحِهِ لَفْظَانِ
لَفْظُ العَلِيِّ وَلَفْظَةُ الأَعْلَى مَعْرِ … فَةً أَتَتْكَ هُنَا لِقَصْدِ بَيَانِ
إِنَّ العُلُوَّ لَهُ بِمُطْلَقِهِ عَلَى التَّـ … عْمِيمِ والإِطْلَاقِ بِالبُرْهَانِ
وَلَهُ العُلُوُّ مِنَ الوُجُوهِ جَمِيعِهَا … ذَاتًا وَقَهْرًا مِنْ عُلُوِّ الشَّانِ (٢)
стр. 689
اقتران اسم الله (العَليِّ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيمِ):
تقدم بيانه في اسم الله (الحكيم).
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العَلِي) باسمه سُبْحَانَهُ (العظيمِ):
تقدم بيانه في اسم الله (العظيم).
ثالثا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العَلِيِّ) واسمه سُبْحَانَهُ (المُتَعَالِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):
ومن وروده ما يلي: يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (المُتَعَالِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):
لم يرد إلا مرة واحدة، في قوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
وجه الاقتران فيهما:
يقول السعدي ﵀: «وهو (العلي) بذاته فوق جميع المخلوقات، وقهره لهم وعلو قدره؛ لما له من الصفات العظيمة الجليلة المقدار، (الكبير) في ذاته وصفاته، ومن علوه: أن حكمه تَعَالَى يعلو وتذعن له النفوس حتى نفوس المتكبرين والمشركين» (١).
стр. 690
الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (العَلِي- الأعلى- المتعال):
الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (العلي، الأعلى، المتعال) من الصفات:
فالله سُبْحَانَهُ هو العلي الأعلى المتعال، له جميع أنواع العلو بكمالها وتمامها، ومن أنكر شيئًا منها فقد ضل ضلالًا بعيدًا، ولإثبات أنواع العلو لله شواهد وأدلة، ومنها ما يلي:
علوُّ الذَّاتِ، فالله ﵎ مستو على عرشه، وعرشه فوق مخلوقاته، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢].
والله مستو على عرشه فوق عباده، كما قال ﵎: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال عن عباده المؤمنين: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].
ومن عنده تتنزل الآيات، يقول تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤].
وإليه تعرج وتصعد الملائكة، يقول تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
وإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
стр. 691
وفي إثبات علو الذات الإلهية يقول ابن القيم ﵀ في نونيته:
فَهوَ العَلِيُّ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ … إِذْ يَسْتَحِيلُ خِلَافُ ذَا بَبَيَانِ
وَهوَ الَّذِي حَقًّا عَلَى العَرْشِ اسْتَوى … قَدْ قَامَ بِالتَّدْبِيرِ لِلْأَكْوَانِ (١)
علوُّ القهرِ والغَلَبِ، كما قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]، فلا ينازعه منازع، ولا يغلبه غالب، وكل مخلوقاته تحت قهره وسلطانه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد وصف الحق نفسه بصفات كثيرة، تدل على علو القهر والغلب كالعزيز، والقوي، والقدير، والقاهر والغالب، ونحو ذلك، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]،
ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
علو المكانة والقدر، فله سُبْحَانَهُ كمال الحياة والدوام، وكمال الجمال والجلال، وكمال العلم والقدرة، وكمال الجود والرحمة، وكمال الحكمة، والحلم، فلله سُبْحَانَهُ المثل الأعلى والصفات العليا التي لا يستحقها غيره، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
стр. 692
فالله سُبْحَانَهُ هو الإله الواحد الأحد، وهو المتعال عن الشريك والمثيل والند والنظير، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وفي إثبات كل أنواع العلو للعلي العظيم يقول ابن القيم ﵀:
وَهوَ العَلِيُّ فَكُلُّ أَنْوَاعِ العُلُـ … ـوِّ لَهُ فَثَابِتَةٌ بِلَا نُكْرَانِ (١)
الأثر الثاني: توحيد الله باسمائه العلي الأعلى المتعال:
- دلالة أسماء الله العلي الأعلى المتعال على توحيد الربوبية والألوهية:
إن من آمن أن الله سُبْحَانَهُ له كمال العلو بأنواعه وحده، علم أنه وحده العلي بذاته فوق كل خلقه، المسيطر عليهم بقهره وقوته وقدرته، المدبر لأمورهم بكمال علمه وحكمته ورحمته، وهو الذي له الأمر من قبل ومن بعد، فلا راد لأمره وقضائه، ولا تدبير إلا تدبيره، ولا يجري من الأقدار إلا ما أراده سُبْحَانَهُ، فهو الرب الخالق العلي المستحق للعبادة وحده دون سواه، يقول تَعَالَى في أعظم آية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]
стр. 693
ومن مقتضى الإيمان بعلو الله في ذاته، وقدره، وغلبته: أن يسبح المؤمن ربه عما لا يليق به تَعَالَى من قول المشركين، وأنه ينزه عن النقص بكل وجوهه مما يصفه به الملحدون، يقول تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
- دلالة أسماء الله العلي الأعلى المتعال على توحيد الأسماء والصفات:
فعقيدة المسلم إثبات العلو المطلق الكامل لله كما يليق بجلاله، دون تعطيل أو تحريف أو تأويل أو تشبيه، وقد ذكر ابن القيم ﵀ عددًا من النصوص المتنوعة المحكمة الدالة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده، ومنها:
أحدها: التصريح بالفوقية، مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو، قال تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]
الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
الثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو قوله تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقول النبي ﷺ : «ثم يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ» (١).
стр. 694
الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تَعَالَى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].
الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩].
التاسع: التصريح بأنه سُبْحَانَهُ في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون «في» بمعنى «على»، وإما أن يراد بالسماء: العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره.
العاشر: التصريح بنزوله سُبْحَانَهُ كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل (١).
стр. 695
الأثر الثالث: تعظيم العلي الأعلى المتعال سُبْحَانَهُ:
«فمن شهد مشهد علو الله على خلقه، وفوقيته لعباده، واستوائه على عرشه، كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق، وتعبد بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدى الملك العزيز، فيشعر بأن كلامه وعمله صاعد إليه، معروض عليه، مع أوفى خاصته وأوليائه، فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك» (١).
وبذلك يثمر الإخلاص والتعظيم في قلبه لله تَعَالَى، فلا يخشى سواه ولايطلب الثواب من غيره سُبْحَانَهُ، ويكون ممن قال الله عنهم سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠].
ولذا فمن سنة الرسول ﷺ في سجود الصلاة قوله: «سبحان ربي الأعلى»، وعلل ذلك بأن السجود غاية في الخضوع والتذلل من العبد بأشرف شيء فيه لله- وهو وجهه- بأن يضعه على التراب؛ فناسب في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه الأعلى؛ فالعبد ليس له من نفسه شيء، وليس له من العظمة نصيب؛ فهو خلق من العدم.
الأثر الرابع: محبة العلي الأعلى المتعال:
فمتى استوطنت في نفس العبد معرفة الله تَعَالَى بأسمائه العلي الأعلى المتعال سُبْحَانَهُ، فعلم كماله من كل الوجوه، وتنزهه عن النقص من كل الوجوه، وأخلص له عالمًا أنه المرجو وحده، والمخوف وحده ؛
стр. 696
إذ تدبير أموره وأمور كل الخلق راجع إليه، ونظر فرأى كمال لطف العلي سُبْحَانَهُ ورحمته وحكمته في هذا التدبير، ورأى كمال قدرته وقوته، ورأى كمال عظمته وجلاله سُبْحَانَهُ، أورثه ذلك- مع الخضوع والإخبات لربه- محبة تنقدح في نفسه، وتنمو في روحه، وتزداد بازدياد معرفته بخالقه سُبْحَانَهُ؛ وذلك لأن العبد مجبول على حب من حظه من الصفات أعلاها وأتمها.
الأثر الخامس: من آمن بالأعلى سُبْحَانَهُ تواضَع:
فإن الإيمان بعلوه سُبْحَانَهُ وقهره لعباده، يورث في القلب تواضعًا وحياءً، وتعظيمًا لله تَعَالَى وأوامره ونواهيه، فإن أوتي العبد شيء من العلو في الدنيا فإنما هو علو نسبي، وبإعلاء الله له، فلا فضل له فيه ولا منة، يقول تَعَالَى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، كما علم أن الله الذي رفع منزلته وأعلى شأنه في الأرض قادر على أن يمحقه ويجعله من الأسفلين، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وعليه فيجب الحذر من العلو على الناس، واجتناب ظلم العباد والتكبر عليهم وقهرهم والعدوان عليهم، ولا ينجو من ذلك إلا من تذكر علو الله تَعَالَى وقهره، وأن العبد مهما علا وظلم وقهر فإن الله (العلي المتعال) فوقه يراه، وسيقتص للمظلومين ممن ظلمهم، وما من جبار علا في الأرض وتجبر إلا وقصمه الله تَعَالَى وأهلكه؛ ولذلك لما ذكر سُبْحَانَهُ علاج من يخاف نشوزها من الزوجات في سورة النساء ختم ذلك باسميه سُبْحَانَهُ (العلي) (الكبير)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
стр. 697
الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
يقول القاسمي ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]: «فاحذروه بتهديد الأزواج على ظلم النسوة من غير سبب؛ فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الإنصاف منكم، فالله سُبْحَانَهُ علي قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن، وأكبر درجةً منهن؛ فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن، فختم الآية بهذين الاسمين فيه تمام المناسبة» (١).
الأثر السادس: دعاء الله باسمه العلي الأعلى المتعال:
من الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ في الدعاء باسمه العلي، حديث عبادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ- حِينَ يَسْتَيْقِظُ-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ دَعَا: رَبِّ اغْفِرْ لِي، غُفِرَ لَهُ، قال الوليد: أو قال: دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (٢).
فاللهم يا علي يا عظيم، وفقنا لما تحب وترضى.
стр. 698
العليمُ العالِمُ علَّامُ الغُيوب ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: « … وعلمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته، وعالمت الرجل فعلمته، أعلمه بالضم: غلبته بالعلم … ورجل علامة، أي: عالم جدًّا، والهاء للمبالغة، كأنهم يريدون به داهيةً … ». (١)
قال ابن فارس ﵀: «(علم) العين واللام والميم أصل صحيح واحد، … والعلم: نقيض الجهل، وقياسه قياس العلم والعلامة» (٢).
ورود اسم الله (العليم - العالم - علام الغيوب) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله العليم في القرآن:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) في القرآن الكريم مائةً وسبعًا وخمسين مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله : ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].
قوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
стр. 699
قوله : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
ثانيًا: ورود اسم الله العالم في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (العالم) في القرآن الكريم ثلاثة عشر مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله : ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢].
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر: ٣٨].
قوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦].
ثالثًا: ورود اسم الله علام الغيوب في القرآن:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (علام الغيوب) في القرآن الكريم أربع مرات، ومن وروده ما يلي:
قول الله : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].
قوله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].
قوله : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨].
стр. 700
ورود اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (العليم) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (العليم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ» (١).
عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- ثلاثًا-، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا- ثلاثًا- أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» (٢).
стр. 701
ثانيًا: ورود اسم الله (العالم) في السنة النبوية:
وورد اسم الله (العالم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵀، قال: «سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: اللهمَّ رَبَّ جِبرِيلَ ومِيكائِيلَ وإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ» (١).
عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: «يا رسول الله، مُرني بكلمات أقولهن إذا أمسيت وإذا أصبحت. قال: قُلْ: اللهمَّ فَاطِرَ السمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيب والشَّهادَةٍ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَليكَهُ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا أَنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشيطانِ وشِرْكِهِ، قال: قُلهَا إذَا أصْبَحْتَ، وإذَا أمْسَيْتَ، وإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَك» (٢).
ثالثًا: ورود اسم الله (علام الغيوب) في السنة النبوية:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (علام الغيوب) في السنة النبوية، ومن وروده ما جاء في حديث جابر بن عبدالله ﵁: قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة
стр. 702
في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ- ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللهمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (١).
معنى اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]: «إنك أنت يا ربنا العليم من غير تعليم بجميع ما قد كان وما هو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك» (٢)، وقال أيضًا: «إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر، وحق وباطل، وخير وشر، وما تستجنه مما لم تجنه بعد» (٣).
قال الزجاج ﵀: «العليم والعالم بمعنى واحد … وحسن الإعادة لاختلاف معنييهما؛ لأن العليم فيه صفة زائدة على ما في العالم» (٤).
قال الزجاجي ﵀: «العليم والعالم صفتان مشتقان من العلم،
стр. 703
فالعالم اسم الفاعل من علم يعلم فهو عالم، والعليم من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم … » (١).
قال الخطابي ﵀: «العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قالسُبْحَانَهُ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]». (٢)
قال الحليمي ﵀: «ومنها العليم: لأن معناه: المدرك لما يدركه المخلوقون بعقولهم وحواسهم، وما لا يستطيعون إدراكه، من غير أن يكون موصوفًا بعقل أو حس، وذلك راجع إلى أنه لا يعزب عنه شيء، ولا يعجزه إدراك شيء، كما يعجز عن ذلك من لا عقل له ولا حسن من المخلوقين، ومعنى ذلك: أنه يشبههم ولا يشبهونه.
ومنها العلام: ومعناه العلام بأصناف المعلومات على تفاوتها، فهو يعلم الموجود، ويعلم ما هو كائن، وإنه إذا كان كيف يكون، ويعلم ما ليس بكائن، وأنه لو كان كيف كان يكون» (٣).
قال ابن كثير ﵀: «﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد: ٩] أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء» (٤).
стр. 704
قال السعدي ﵀: «الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات، والممكنات وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء» (١).
قال ابن القيم ﵀:
وَهوَ العَلِيمُ بِمَا يُوَسْوِسُ عَبْدُهُ … فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نُطْقِ لِسَانِ
بَلْ يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ الدَّانِي مَعَ الـ … قَاصِي وَذُو الإِسْرَارِ وَالإِعْلَانِ
وَهوَ العَلِيمُ بِمَا يَكُونُ غَدًا وَمَا … قَدْ كَانَ والمعْلُوم فِي ذَا الآنِ
وَبِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْـ … ـفَ يَكُونُ مَوْجُودًا لَدَى الأَعْيَانِ (٢)
اقتران اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (الحكيم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحكيم).
стр. 705
ثانيًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (العزيز):
تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الواسع):
اقترن اسم الله العليم باسم الله (الواسع) في سبع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وذلك للدلالة على أن سعة فضله وعطائه وجوده؛ راجع إلى علمه بمن يستحق ذلك من خلقه، قال ابن القيم ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]: « … ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقهما، وهما: (الواسع)، (العليم)، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، ولا يضيق عنها عطاؤه؛ فإن المضاعِف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق؛ فإنه عليم بمن تصلح له المضاعفة، وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها؛ فإن كرمه وفضله تَعَالَى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه» (١).