ثانيًا: ورود اسم الله (العالم) في السنة النبوية:
وورد اسم الله (العالم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵀، قال: «سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: اللهمَّ رَبَّ جِبرِيلَ ومِيكائِيلَ وإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ» (١).
عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: «يا رسول الله، مُرني بكلمات أقولهن إذا أمسيت وإذا أصبحت. قال: قُلْ: اللهمَّ فَاطِرَ السمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيب والشَّهادَةٍ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَليكَهُ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا أَنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشيطانِ وشِرْكِهِ، قال: قُلهَا إذَا أصْبَحْتَ، وإذَا أمْسَيْتَ، وإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَك» (٢).
ثالثًا: ورود اسم الله (علام الغيوب) في السنة النبوية:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (علام الغيوب) في السنة النبوية، ومن وروده ما جاء في حديث جابر بن عبدالله ﵁: قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة
стр. 702
في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ- ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللهمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (١).
معنى اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]: «إنك أنت يا ربنا العليم من غير تعليم بجميع ما قد كان وما هو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك» (٢)، وقال أيضًا: «إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر، وحق وباطل، وخير وشر، وما تستجنه مما لم تجنه بعد» (٣).
قال الزجاج ﵀: «العليم والعالم بمعنى واحد … وحسن الإعادة لاختلاف معنييهما؛ لأن العليم فيه صفة زائدة على ما في العالم» (٤).
قال الزجاجي ﵀: «العليم والعالم صفتان مشتقان من العلم،
стр. 703
فالعالم اسم الفاعل من علم يعلم فهو عالم، والعليم من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم … » (١).
قال الخطابي ﵀: «العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قالسُبْحَانَهُ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]». (٢)
قال الحليمي ﵀: «ومنها العليم: لأن معناه: المدرك لما يدركه المخلوقون بعقولهم وحواسهم، وما لا يستطيعون إدراكه، من غير أن يكون موصوفًا بعقل أو حس، وذلك راجع إلى أنه لا يعزب عنه شيء، ولا يعجزه إدراك شيء، كما يعجز عن ذلك من لا عقل له ولا حسن من المخلوقين، ومعنى ذلك: أنه يشبههم ولا يشبهونه.
ومنها العلام: ومعناه العلام بأصناف المعلومات على تفاوتها، فهو يعلم الموجود، ويعلم ما هو كائن، وإنه إذا كان كيف يكون، ويعلم ما ليس بكائن، وأنه لو كان كيف كان يكون» (٣).
قال ابن كثير ﵀: «﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد: ٩] أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء» (٤).
стр. 704
قال السعدي ﵀: «الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات، والممكنات وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء» (١).
قال ابن القيم ﵀:
وَهوَ العَلِيمُ بِمَا يُوَسْوِسُ عَبْدُهُ … فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نُطْقِ لِسَانِ
بَلْ يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ الدَّانِي مَعَ الـ … قَاصِي وَذُو الإِسْرَارِ وَالإِعْلَانِ
وَهوَ العَلِيمُ بِمَا يَكُونُ غَدًا وَمَا … قَدْ كَانَ والمعْلُوم فِي ذَا الآنِ
وَبِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْـ … ـفَ يَكُونُ مَوْجُودًا لَدَى الأَعْيَانِ (٢)
اقتران اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (الحكيم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحكيم).
стр. 705
ثانيًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (العزيز):
تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الواسع):
اقترن اسم الله العليم باسم الله (الواسع) في سبع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وذلك للدلالة على أن سعة فضله وعطائه وجوده؛ راجع إلى علمه بمن يستحق ذلك من خلقه، قال ابن القيم ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]: « … ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقهما، وهما: (الواسع)، (العليم)، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، ولا يضيق عنها عطاؤه؛ فإن المضاعِف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق؛ فإنه عليم بمن تصلح له المضاعفة، وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها؛ فإن كرمه وفضله تَعَالَى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه» (١).
стр. 706
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (القدير):
جاء اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (القدير) في أربعة مواضع من كتاب الله، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠].
وذلك للدلالة على كمال الله ؛ إذ «العلم بدون قدرة عجز، والقدرة بدون علم مظنة الإفساد والظلم والطغيان» (١).
خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الفتاح):
ورد اقتران اسم الله (العليم) باسمه (الفتاح) مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].
(والفتاح) له معنى عام يشمل فتح كل مغلق من الأسباب كالرزق والعلم، وله معنى خاص، كما هو المراد من آية (سبأ)، وهو الفصل والحكم الحق؛ ولذا فيقال- في وجه اقتران هذين الاسمين الجليلين-: «إنه إذا حمل الفتح على عموم معناه، فشمل فتح كل مغلق من الأسباب، كالرزق والعلم كان اقتران اسم (العليم) به دالًّا على كمال الفتح، وأنه يجري على مقتضى العلم، وفي ذلك صلاح العباد واستقامة أحوالهم، بخلاف ما لو كان فتحًا بغير علم، تَعَالَى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
стр. 707
وإذا أريد بالفتح: القضاء والحكم كان اقتران (الفتاح) بـ (العليم) دالًّا على كمال الفتح- أي: الحكم- مشيرًا إلى استقامته على العدل والقسط، فلا تميل به الأهواء، ولا ينحرف به الجهل، ومثل هذا الحكم جدير بأن يرهب ويخاف» (١).
سادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الخلاق):
تقدم بيانه في اسم الله (الخالق الخلاق).
سابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (السميع):
تقدم بيانه في اسم الله (السميع).
ثامنًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الشاكر):
تقدم بيانه في اسم الله (الشاكر الشكور).
تاسعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم).
عاشرًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الخبير):
تقدم بيانه في اسم الله (الخبير).
ثانيًا: اقتران اسم الله (العالم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
لم يقترن اسم الله (العالم) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.
ثالثًا: اقتران اسم الله (علام الغيوب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
لم يقترن اسم الله (علام الغيوب) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.
стр. 708
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العليم- العالم- علام الغيوب):
الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه اسماء الله (العليم- العالم- علام الغيوب) من الصفات:
الله العليم العالم، علام الغيوب الذي أحاط علمه بالعالم العلوي والسفلي، ووسع ما فيه من المخلوقات علمًا، فلا يخلو عن علمه ذات ولا حال ولا مكان ولا زمان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]. (١)
ومن مظاهر سعة علمه سُبْحَانَهُ (٢):
شمول علمه وإحاطته لكل ما في السموات السبع، والأرضين السبع من المخلوقات والكائنات الصغيرة والكبيرة، والدقيقة والجليلة، الساكنة والمتحركة، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢]. (٣)
стр. 709
فيعلم العليم سُبْحَانَهُ ما في سمائه من الملائكة، على الرغم من كثرتهم، حتى قال ﷺ عنها: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله» (١).
ويعلم العليم سُبْحَانَهُ ما في الأرض من البراري والقفار، وما فيها من الحيوانات، والأشجار، ويعلم ما فيها من البحار وحيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها، قال تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٢).
إحاطة علمه بأحوال خلقه في جميع مراحلهم: قبل الخلق، وبعد الخلق في الحياة، والممات، والمعاد وما يكون من الجزاء في دار القرار، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فعلم العليم قبل أن يخلق الخلق كل شيء كائن، علمه بكلياته وجزائيته وتفاصيله ودقائقه، وكتب ذلك كله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، عن عبدالله بن عمرو ﵁، قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (٣).
стр. 710
وعلم العليم بعد خلقهم جميع أمورهم، فيعلم ما في الأرحام من حمل كل إناث الحيوانات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، ويعلم هل هو ذكر أو أنثى، حسن أو قبيح، غني أو فقير، طويل الأجل أو قصير، شقي أو سعيد.
ويعلم العليم بعد خروجهم على وجه الأرض أعمالهم وأقوالهم الظاهرة والباطنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].
إحاطة علمه بالظواهر والبواطن، والإعلان والإسرار، بل علمه بما هو أخفى منها مما تنطوي عليه الصدور وتواريه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
فيعلم العليم سُبْحَانَهُ ما يظهر من الأقوال ولو صدرت في آن واحد، ويعلم الأعمال ولو صغرت، خيرها وشرها، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] (١).
ويعلم العالم سُبْحَانَهُ السر كعلمه بالجهر؛ فالكل سواء، والعامل في ظلمة الليل المدلهم كالعامل في وضح النهار سيان، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
ويعلم سُبْحَانَهُ ما تكنه القلوب، وتخفيه الصدور من الإيمان والكفر والنفاق، وما تخفيه من النوايا الطيبة والخبيثة، والمقاصد الحسنة والقبيحة،
стр. 711
وما تخفيه من أعمال القلوب الصالحة والفاسدة، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
إحاطة علمه بما يصلح لخلقه من الأحكام الشرعية والقدرية، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]
فيعلم ما يصلحهم من الشرائع التي تنتهي بهم إلى سعادة الدارين، والتي أرسل بها الرسل وأنزل بها الكتب، قال تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، وكثير من آيات الأحكام يختمها الله بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] كما في أحكام المواريث، والنكاح، والكفارات، والحدود، وغيرها، إشارة إلى أن هذه الأحكام إنما صدرت عن علم تام، وحكمة بالغة.
ويعلم ما يصلح لهم من الأقدار غنى وفقرًا، وصحة ومرضًا، وولدًا وعقمًا، ونحو ذلك؛ وبناء عليه قدَّر وقضى، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وهذا يظهر بجلاء في قصة الخضر مع موسى ﵇؛ إذ قدر سُبْحَانَهُ لأصحاب السفينة واليتيمين ما فيه صلاح دنياهم، وقدر لوالدي الغلام ما فيه صلاح دينهم، وإن كان ظاهر الأمر في أوله شر وسوء (١).
إحاطة علمه بالأزمان كلها؛ فيعلم ما كان من الماضي، قال تَعَالَى عن قول فرعون وجواب موسى ﵇ له، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].
стр. 712
ويعلم ما يكون في الحاضر، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]، ويعلم ما سيكون في المستقبل الذي لا نهاية له؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
ويعلم سُبْحَانَهُ ما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
ومن ذلك: علمه بمفاتح الغيب التي طوى علمها عن جميع خلقه، فلا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا بتعليمه إياه، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] (١)، وفسرها رسول الله ﷺ فقال: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (٢).
وما سبق كله دال على عظمة علم الله وسعته، وأن الخلق من أولهم إلى آخرهم لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض هذه الصفة لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب الواسع العليم، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] (٣).
стр. 713
ثم إن هذا ليس مقتصرًا على صفة العلم، بل كذا ذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته الأخرى لا يحيط الخلق بها، ولا يعلمون منها إلا ما أعلمهم العليم وأطلعهم عن طريق رسله وكتبه، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (١).
الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه العليم العالم علام الغيوب:
- دلالة أسماء الله العليم، العالم، علام الغيوب، على توحيد الألوهية والربوبية:
فأسماء الله: العليم، العالم، علام الغيوب؛ تدعو العباد إلى توحيد الله ﵎ بعلم الغيب؛ إذ لا يعلم الغيب إلا الله، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، ويقول ﷺ : «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (٢).
فالغيب خاص بعلام الغيوب، لا يشاركه في علمه أحد من خلقه ولو كان ملكًا أو نبيًّا، يقول تَعَالَى على لسان الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، ويقول أشرف الأنبياء والمرسلين ﷺ لما سأله أشرف رسول ملكي وهو جبريل ﵇ فقال: أخبرني
стр. 714
عن الساعة؟ قال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (١)، أي: كما أنه لا علم لك بها، فلا علم لي بها أيضًا (٢).
ومن هنا فاختصاص الله وحده بعلم الغيب واطلاعه على كل شيء أكبر داع إلى توحيد العبادة، يقول تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٤ - ٦٥].
- دلالة أسماء الله العليم العالم علام الغيوب على توحيد الأسماء والصفات:
كما أن أسماء الله العليم العالم علام الغيوب تدل على توحيد الربوبية والألوهية، فهي تدل- أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، وتدل على عدد كبير منها كالبصير، والسميع، والقدير، والخبير، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.
الأثر الثالث: تحريم إتيان من ادعى علم الغيب:
من آمن بأسماء الله العليم العالم علام الغيوب؛ أيقن أن الكهان والعرافين ونحوهم لا يعلمون شيئًا من الغيب، وإنما يخبرون بما تمليه عليهم الشياطين والجن مما استرقوه من السمع؛ ولذلك جاء النهي عن سؤالهم والتغليظ في ذلك، يقول ﷺ : «وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ
стр. 715
عَلَى مُحَمَّدٍ» (١)، وقال ﷺ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (٢).
ولذا فمن ادعى علم الغيب، أو اعتقد أن أحدًا من الخلق يشارك لله في ذلك، فإنه كافر وفعله مناقض للإسلام؛ لما فيه من مصادمة النصوص وتكذيبها، يقول الشيخ ابن باز ﵀: «فالكاهن من يزعم أنه يعلم بعض المغيبات، وأكثر ما يكون ذلك ممن ينظرون في النجوم لمعرفة الحوادث، أو يستخدمون من يسترقون السمع من شياطين الجن، كما ورد بالحديث الذي مر ذكره، ومثل هؤلاء من يخط في الرمل أو ينظر في الفنجان أو في الكف ونحو ذلك، وكذا من يفتح الكتاب؛ زعمًا منهم أنهم يعرفون بذلك علم الغيب، وهم كفار بهذا الاعتقاد؛ لأنهم بهذا الزعم يدعون مشاركة الله في صفة من صفاته الخاصة وهي علم الغيب، ولتكذيبهم بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقوله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله تَعَالَى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ [الأنعام: ٥٠]، ومن أتاهم وصدقهم بما يقولون من علم الغيب فهو كافر؛ لما رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ
стр. 716
قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ … » (١)» (٢).
وقد قسم الشيخ ابن عثيمين ﵀ سؤال العراف والكاهن ونحوهما إلى أقسام، فقال:
«القسم الأول: أن يسأله سؤالًا مجردًا؛ فهذا حرام؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا)؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه; إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.
القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث …
القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا … » (٣).
стр. 717
الأثر الرابع: الرضا بأقدار العليم العالم علام الغيوب:
إن يقين العبد باسم ربه العليم العالم علام الغيوب وما فيه من العلم السابق للأشياء قبل وقوعها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ قبل خلقها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]- كله داع إلى التسليم والرضا والاطمئنان لحكم الله ، ولو كان مكروهًا للنفس، شديدًا عليها، لا سيما إذا ضم إليه اليقين بحكمة الله ، وأنه لم يقدِّر ما قَدَّر عبثًا ولا لهوًا ولا سفاهة وطيشًا.
ولهذا المعنى نجد أنبياء الله يذكرون علم الله كعزاء لهم في ما يواجههم من المصائب والآلام، فهذا نبي الله يعقوب ﵇ يقول عند فقد أبنائه الثلاثة: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]، ولما عاتب الله نوح ﵇ على سؤاله لابنه، قال معتذرًا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
ونجد الله يختم الآيات التي يذكر فيها تفاوت أرزاق الناس بعلمه سُبْحَانَهُ، كما في قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢].
وإن من التسليم لقدر الله واختياره المبني على علم «دعاء الاستخارة»؛ إذ فيه التسليم لله وتفويض الحكم والاختيار إليه؛ لتمام علمه وخبرته وقدرته.
стр. 718
قال ابن القيم ﵀: «ولما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من المصلحة، وقدره عليه وتيسره له، وليس له من نفسه شيء من ذلك، بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم وقدرته منه، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، وتيسيره منه، فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد أقداره؛ أرشده النبي ﷺ إلى محض العبودية، وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه؛ فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه، فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه.
ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله؛ فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به، فإنه قد يهيء له ما يكرهه؛ فيظل ساخطًا، ويكون قد فضّله الله به.
قال عبد الله بن عمران ﵀: الرجل ليستخير الله، فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خار له …
قال الحسن ﵀: لا تكرهوا النقمات الواقعة، والبلايا الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك» (١).
كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ولكن كثير من
стр. 719
الناس على خلاف هذا، فتجد الواحد منهم يستخير ثم يحدث المقدور على خلاف ما يحب ويشتهي، فيسخط على ربه، ولا يرضى بحكمه، مع أن مقتضى الاستخارة التي لهج بها خلاف ذلك؛ إذ هي توكيل لله العليم الخبير بالأمر؛ ومن ثم الرضى بحكمه والتسليم إليه.
الأثر الخامس: التسليم لشريعة العليم العالم علام الغيوب، والرضى بها:
إذا تيقن العبد اسم ربه العليم العالم علام الغيوب، وما فيه من تمام العلم بالخلق، وتمام الخبرة بما يصلح لهم من الأحكام والشرائع، كما قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]، وختم كثير من آيات الأحكام باسمه «العليم الحيكم» كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، وقوله سُبْحَانَهُ بعد أن ذكر أحكام الاستئذان: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨]، وقوله تَعَالَى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]؛ دفعه هذا إلى التسليم والرضى بحكم الله الشرعي، سواء كان أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، بل ويدعوه- أيضًا- إلى الفرح والاغتباط بحكمه؛ لأنه من لدن حكيم عليم.
ثم إن التسليم لحكم الله الشرعي والفرح به يقتضي الحكم به، والتحاكم إليه، وسلامة القلب من الحرج منه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
стр. 720
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، بل ويقتضي- أيضًا- رفض ما سواها من السياسات الجائرة، والأقيسة الفاسدة، والأحكام الجاهلية، والسعي بالدعوة والجهاد في سبيل الله لإقامتها حتى يكون الدين كله لله، وينعم الناس بشريعة الله المبرأة من الجهل، والظلم، والهوى، والنقص؛ لأنها من لدن حكيم عليم.
الأثر السادس: الثقة بكفاية العليم العالم علام الغيوب شر الأعداء:
إذا تأمل المسلم في اسم الله العليم العالم علام الغيوب، ثم نظر إلى أعداء الإسلام وتكالبهم، وعظم مكرهم وكيدهم، حتى أنهم يعملون الليل والنهار، وينفقون الأموال الطوال؛ حربًا على الإسلام وأهله- بعثت هذه الأسماء الكريمة في نفسه شعورًا بالاطمئنان واستقرار القلب، وثبوت القدم، والإقدام على مواجهة الاعداء ومقارعتهم من غير مهابة ولا وجل، وإنما ذلك لعلمه بأن المسلمين وإن قصر علمهم عن كيد عدوهم ومكرهم، إلا أن ربهم العليم القوي العزيز لا يخفى عليه من أمرهم خافية، وهو من ورائهم محيط وعليهم قدير، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، وقال تَعَالَى عن المنافقين: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ
стр. 721
عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٦ - ٧٧].
فسيكفي أهل الإسلام مكر عدوهم، كما كفى نبيه صالح ﵇ مكر قومه إذ قال الأشقياء منهم: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]، فكانت صيحة العذاب أسرع نزولًا عليهم من تنفيذ مكرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢] (١).
وسيكفيهم العليم، كما كفى عيسى ﵇ مكر اليهود، حينما خططوا ودبروا لقتله، بل مكر بهم سُبْحَانَهُ كما قال جل في علاه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥]. (٢)
وسيكفيهم كما كفى عبده ورسوله محمدًا ﷺ مكر كفار قريش، حينما تشاوروا في دار الندوة فيما يصنعون به ﷺ من الحبس والإيثاق، أو القتل، أو الإخراج من دارهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، حتى إذا اتفقوا على
стр. 722
قتله وترصدوا به ﷺ في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه؛ كادهم الله وكفى رسوله ﷺ مكرهم، فخرج من بين أظهرهم يذر التراب على رؤوسهم، بعد أن أعمى الله أبصارهم، قال تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (١).
وكفاه مكر يهود بني النضير، حينما خرج ﷺ إليهم في نفر من أصحابه يكلمهم في إعانته بالدية، إلا أن نفوسهم الخبيثة سولت لهم قتله ﷺ ، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى، ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فجاء الوحي رسول الله ﷺ فقام من فوره وتوجه إلى المدينة، ثم أحاط مكرهم به وذاقوا عاقبته، فأجلوا من المدينة إلى الشام، ليس معهم من متاعهم إلا ما تحمله رواحلهم من غير السلاح، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٢ - ٣] (٢).
الأثر السابع: إصلاح الباطن للعليم العالم علام الغيوب:
اسم الله العليم العالم علام الغيوب وما فيه من علم الله بالبواطن وما تخفيه الصدور، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]،
وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] يدفع العبد إلى
стр. 723
الاهتمام بباطنه وإصلاحه بالتخلية والتحلية، فيخليه ويخلصه من آفات القلوب التي تخفى على الناس، ولكنها لا تخفى على الله كالرياء، والنفاق، والشبه، والشكوك، والحسد، والغل، والعجب، والكبر، و الخواطر الرديئة والوساوس الشيطانية، ونحو ذلك.
قال ابن القيم ﵀: «فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سُبْحَانَهُ ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك.
الثاني: حياؤك منه.
الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.
الرابع: خوفك أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.
الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته … » (١).
ثم بعد هذه التخلية يحلي قلبه بالعبادات القلبية التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها من المحبة، والرجاء، والخوف، والخشية، والتعظيم، والمراقبة ونحوها من أعمال القلوب.
الأثر الثامن: محبة العليم والعالم وعلام الغيوب:
فإن العبد إذا تيقن علم الله الشامل لكل شيء على وجه لا نقص فيه، ولا عيب معه؛ أثمر ذلك في قلبه حبًّا للعليم العالم علام الغيوب؛ إذ النفوس
стр. 724
جبلت على حب من له صفات الكمال، فكيف إذا كان كماله لا نقص فيه البتة، سُبْحَانَهُ.
الأثر التاسع: اتصاف العبد بطلب العلم:
إن اسم الله العليم العالم علام الغيوب يقتضي حب الله ﵎ للعلم والعلماء، كما قال ابن القيم ﵀: «أحب الخلق إليه: من اتصف بمقتضيات صفاته، … عالم يحب العلماء وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال» (١)
وهذا يدفع العبد إلى طلب العلم وسلوك طريقه؛ إذ هو من أهم الواجبات على العبد، فلا يمكن أن يعبد الرب بما شرع إلا بعد معرفته، ومعرفة دينه، ومعرفة ما يحبه ويرضاه، ومعرفة ما يكرهه ويسخطه.
ومن هنا كان للعلم وأهله المكانة العظيمة والمنزلة الشريفة التي يطول ذكرها، إلا أن منها على وجه الإيجاز:
- رفعة الدرجة في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وعن عامر بن واثلة ﵁ أن: نافع بن عبد الحارث لقي عمر ﵁ بعسفان- وكان عمر ﵁ يستعمله على مكة فقال-: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (٢).
стр. 725
- تفضيل العالم على العابد؛ فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: «ذُكر لرسول الله ﷺ رجلان؛ أحدهما: عابد، والآخر: عالم، فقال رسول الله: فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثم قال رسول الله ﷺ : إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (٢).
- طلب المزيد منه دون غيره، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
- تفضيل العلم على نوافل العبادات، قال ابن القيم ﵀: «فإنه إذا كان كل من العلم والعمل فرضًا، فلا بد منهما كالصوم والصلاة، فإذا كانا فضلين- وهما النفلان المتطوع بهما- ففضل العلم ونفله خير من فضل العبادة ونفلها؛ لأن العلم يعم نفعه صاحبه والناس معه، والعبادة يختص نفعها بصاحبها، ولأن العلم تبقى فائدته وعلمه بعد موته، والعبادة تنقطع عنه» (٣).
وإنما هذه الفضائل لمن طلب العلم فعمل به ودعا إليه، وازداد به خشية، وتواضع له وللخلق، لا من طلبه فأداه علمه للكبر والفخر والمباهاة دون العمل والخشية.
ثم إن العلم ربما حمل صاحبه على الكبر والتعالي، إلا أن مما يعين على التواضع أن يتذكر العالم وطالب العلم أن علمه إنما هو بتعليم الله له، لا بحوله وقوته، قال تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال
стр. 726
سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥].
ويتذكر- أيضًا- أن ما أوتيه من العلم إنما هو قطرة من بحر علم الله، قال تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال الخضر لموسى ﵉ عندما رأى عصفورًا ينقر بمنقاره في البحر: «يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ» (١).
فاللهم يا عليم يا عالم يا علام الغيوب، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا.
стр. 727
الغفورُ الغفَّارُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الغفر: التغطية، والغفر: الغفران، وغفرت المتاع: جعلته في الوعاء» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الغين والفاء والراء، عظم بابه الستر، ثم يشذ عنه ما يذكر، فالغفر: الستر، والغفران والغفر، يقال: غفر الله ذنبه غفرًا ومغفرة وغفرانًا … » (٢).
ورود اسم الله (الغفور و الغفار) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) في القرآن الكريم في إحدى وتسعين آية في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩].
قوله : ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].
قوله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].
стр. 728
وأما اسمه سُبْحَانَهُ (الغفار) فقد ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].
قوله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].
قوله : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].
ورود اسم الله (الغفور- الغفار) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الغفور) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال- لرسول الله ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ ﷺ : «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحيِمُ» (١).
وعن محجن بن الأدرع ﵁، «أن رسول الله ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ،: فقال: قَدْ غُفِرَ له، قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (٢).
стр. 729
عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللهمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١).
وورد اسم الله (الغفار) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (٢).
معنى اسم الله (الغفور- الغفار) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله الغفور الغفار- في حقه تَعَالَى- حول ستر الذنوب.
قال الزجاج ﵀: «معنى الغفر- في حق الله سُبْحَانَهُ-: هو الذي يستر ذنوب عباده ويغطيهم بستره» (٣).
قال الخطابي ﵀: «الغفار: الستير لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته، ومعنى الستر في هذا: أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا
стр. 730
يهتك ستره بالعقوبة التى تشهره في عيونهم» (١).
قال الحليمي ﵀: «الغافر: وهو الذي يستر على المذنب ولا يؤاخذه به فيشهره ويفضحه، ومنها الغفار: وهو المبالغ في الستر، فلا يشهر المذنب لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومنها الغفور: وهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته» (٢).
قال السعدي ﵀: «(العفو- الغفور- الغفار): الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]» (٣).
قال ابن القيم ﵀ في النونية:
وَهوَ الغَفُورُ فَلَوْ أَتَى بِقُرَابِهَا … مِنْ غَيْرِ شِرْكٍ بَلْ مِنَ العِصْيَانِ
لَأَتَاهُ بِالغُفْرَانِ مِلْءَ قُرَابِهَا … سُبْحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفْرَانِ (٤)
الفرق بين اسم الله الغفور، واسمه الغفار:
«أن الغفور الذي يغفر الذنوب العظيمة، والغفار الذي يغفر الذنوب الكثيرة» (٥)، وقيل: «الغفار: هو المبالغ في الستر، فلا يشهر المذنب لا في الدنيا
стр. 731
ولا في الآخرة، والغفور: هو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته» (١).
اقتران اسم الله (الغفور - الغفار) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله الغفور باسم الله الرحيم:
تقدم بيانه في اسم الله (الرحيم).
ثانيًا: اقتران اسم الله (الغفور- الغفار) باسم الله (العزيز):
تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
ثالثًا: اقتران اسم الله (الغفور) باسم الله (العفو):
تقدم بيانه في اسم الله (العفو).
رابعًا: اقتران اسم الله (الغفور) باسم الله (الشكور):
تقدم بيانه في شرح اسم الله (الشكور).
خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم).
سادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) باسمه سُبْحَانَهُ (الودود):
ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٤].
стр. 732
يقول ابن القيم ﵀ في مناسبة هذا الاقتران: «وما ألطف اقتران اسم (الودود) بـ (الرحيم)؛ وبـ (الغفور)؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب تَعَالَى يغفر لعبده إذا تاب إليه؛ ويرحمه ويحبه مع ذلك» (١)، وقال في موضع آخر: «إن الله تَعَالَى يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه، كما قال: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين»، فالتائب حبيب الله، والود أصفى الحب» (٢).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغفور والغفار):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الغفور والغفار) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الغفور سُبْحَانَهُ يرخي ستره على عباده، ويغفر لهم، ويعفو عنهم، ويرحمهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وهو سُبْحَانَهُ الذي يفتح للعصاة من خلقه باب التوبة، ويدعوهم إلى الولوج فيه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وهو الذي يغفر الذنب مهما عظم إن تاب صاحبه منه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وفي هذه الآية بشارة ربانية عظيمة، مفادها: أنه مهما كان الذنب عظيمًا، ومهما كانت الخطيئة كبيرة لا تيأس ولا تقنط، بل أقبل على الغفور الغفار فهو
يقول علي بن أبي طالب ﵁: «ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال عبد الله بن عمر ﵄: وهذه أرجى آية في القرآن، فرد عليهم ابن عباس ﵄، وقال: أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾» (١)،
بل من فضله وجوده وكرمه: أن وعد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
فحري بالقلب أن يتعلق بالغفور الغفار سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، وينظر باستحياء لمظاهر مغفرته وعفوه، ويدعوه تضرعًا وخفية بأن يغفر الذنب ويقبل التوب.
وكما أن اسم الله الغفور الغفار دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله العفو، والرؤوف، والرحمن، والرحيم، والمنان، والكريم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾:
كل الذنوب تحت المشيئة في الآخرة، إن شاء الله غفر لأصحابها، وإن شاء عذبهم، إلا الشرك به سُبْحَانَهُ، فإنه لا يغفره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
«وهذا وعيد بأنهتَعَالَى لم يجعل مغفرته لمن أشرك به، وقد قال العلماء في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]: إن في هذه الآية دليلًا
стр. 735
على أن المغفرة لا تكون لمن أشرك شركًا أكبر، أو أشرك شركًا أصغر؛ فإن الشرك لا يدخل تحت المغفرة، بل يكون بالموازنة، فهو لا يغفر إلا بالتوبة، فمن مات على ذلك غير تائب فهو غير مغفور له ما فعله من الشرك، وقد يغفر اللهتَعَالَى غير الشرك، كما قال تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجعلوا الآية دليلًا على أن الشرك الأكبر والأصغر لا يدخل تحت المشيئة.
ووجه الاستدلال من الآية: أن (أن) في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] موصول حرفي، فتؤول مع الفعل الذي بعدها وهو يشرك بمصدر- كما هو معلوم-، والمصدر نكرة وقع في سياق النفي، وإذا وقعت النكرة في سياق النفي عمت، قالوا: فهذا يدل على أن الشرك الذي نفي هنا يعم الأكبر والأصغر، والخفي، فكل أنواع الشرك لا يغفرها الله -جل وعلا- وذلك لعظم خطيئة الشرك؛ لأن الله -جل وعلا- هو الذي خلق، ورزق، وأعطى، وهو الذي تفضل، فكيف يتوجه القلب عنه إلى غيره؟! لا شك أن هذا ظلم في حق الله -جل وعلا- ولذلك لم يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر علماء الدعوة.
وقال آخرون من أهل العلم: إن قوله تَعَالَى هنا: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾
[النساء: ٤٨] دال على العموم، لكنه عموم مراد به خصوص الشرك الأكبر، فالمقصود بالشرك في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] هو: الشرك الأكبر فقط دون غيره، وأما ما دون الشرك الأكبر فإنه يكون داخلًا تحت المشيئة، فيكون بالعموم في الآية مرادًا به الخصوص؛ لأنه غالبًا ما يرد في القرآن هذا اللفظ: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ونحو ذلك، ويراد به الشرك الأكبر دون الأصغر، وهذا في الغالب- كما سبق- فالشرك غالبًا ما يطلق في
стр. 736
القرآن على الأكبر دون الأصغر، ومن شواهد ذلك، قوله -جل وعلا-: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، فقوله في الآية: يشرك هو- أيضًا-: فعل داخل في سياق الشرط، فيكون عامًّا.
لكن هل يدخل فيه الشرك الأصغر والخفي؟ الجواب: أنه لا يدخل بالإجماع؛ لأنه تحريم الجنة، وإدخال النار، والتخليد فيها، إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر، فدلنا ذلك على أن المراد بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]
أهل الإشراك بالله الشرك الأكبر، فلم يدخل فيه الأصغر، ولم يدخل ما دونه من أنواع الأصغر، فيكون المفهوم- إذًا- من آيتي سورة النساء كالمفهوم من آية سورة المائدة، ونحوها، وهذا كقوله تَعَالَى في سورة الحج ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ
فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
فهذا ونحوه وارد في الشرك الأكبر، ويكون- على هذا القول- المراد بما نفي هنا في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ﴾ [النساء: ٤٨] الشرك الأكبر.
ولما كان اختيار إمام الدعوة، كما هو اختيار عدد من المحققين: كشيخ الإسلام: ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما أن العموم هنا شامل لأنواع الشرك: الأكبر، والأصغر، والخفي؛ كان الاستدلال بهذه الآية صحيحًا؛ لأن الشرك أنواع، وإذا كان الشرك بأنواعه لا يغفر، فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف، فإذا كان الشرك الأصغر: كالحلف بغير الله، وتعليق التميمة،
стр. 737
والحلقة، والخيط، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر، كقولك: ما شاء الله وشئت، ونسبة النعم إلى غير الله، إذا كان ذلك لا يغفر فإنه يوجب أعظم الخوف كالشرك الأكبر.
وإذا كان كذلك، فيقع في الخوف من الشرك من هم على غير التوحيد، كمن يعبدون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوجهون إلى غيره، ويذبحون وينذرون لغيره، ويحبون غير الله محبة العبادة، ويرجون غير الله رجاء العبادة، ويخافون خوف السر من غير الله، إلى غير ذلك من ألوان الشرك، فيكون هؤلاء أولى بالخوف من الشرك؛ لأنهم وقعوا فيما اتفق عليه: أنه لا يغفر.
كما يقع في الخوف من الشرك أهل الإسلام الذين قد يقعون في بعض أنواع الشرك الخفي، أو الشرك الأصغر بأنواعه، وهم لا يشعرون أو وهم لا يحذرون» (١).
الأثر الثالث: الأنبياء يطلبون المغفرة من الغفور سُبْحَانَهُ:
من تأمل سيرة صفوة الخلق وهم الأنبياء، وجدهم أكثر الناس توبة واستغفارًا، سواء لأنفسهم أولأممهم، ومن أمثلة ذلك وشواهده:
قول الله على لسان آدم وزوجه ﵉: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
قول الله على لسان نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وكان من دعائه أيضًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].
стр. 738
قول الله على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
قول الله على لسان موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [طه: ١٥١]، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]
قول الله على لسان داود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥].
قول الله على لسان سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]
قول النبي ﷺ : «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١)، وكانت عائشة ﵂ تصف حال النبي ﷺ ، فتقول: «ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه قوله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: سَبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٢)، وكان من دعائه ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٣).
стр. 739
فإن كان هؤلاء الكرام الأصفياء يتضرعون إلى الله بخالص الدعاء، ويستغفرونه ويتوبون إليه؛ فحري بكل عبد دونهم أن يقتدي بهديهم، وأن يستن بسنتهم.
ومن أدعية الاستغفار الجامعة دعاء سيد الاستغفار، وهو مارواه شداد بن أوس ﵁: عن النبي ﷺ ، أنه قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قال: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (١).
الأثر الرابع: محبة الغفور الغفار سُبْحَانَهُ:
فالغفور الغفار سُبْحَانَهُ هو من أسدل الستر على الذنوب في الدنيا، وتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، فأظهر الجميل وستر القبيح بكرمه وجوده وفضله، ومن هذه صفاته فهو أحق بالمحبة الكاملة التامة.
الأثر الخامس: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾:
إن المغفرة الواسعة صفة اتصف بها الغفور ، وأودع شيئًا منها في قلوب من يشاء من عباده، بل أمرهم بالتأدب بها، فقال تَعَالَى مخاطبًا نبيه ﷺ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤].
стр. 740
يقول السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: «يأمر تَعَالَى عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تَعَالَى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون، فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابًا جزيلًا» (١).
لذلك يجب أن يتصف الإنسان بالمغفرة للعباد، والصفح عنهم الصفح الجميل، ومن غفر للناس غفر الله له، ومن تجاوز عنهم تجاوز الله عنه، والجزاء من جنس العمل، يقول ﷺ : «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ الله لَكُمْ … » (٢).
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ «أَنَّهُ حَرَسَ لَيْلَةً مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٍ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَدْرِي بَيْتَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الْآنَ شَرْبٌ فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، نَهَانَا اللهُ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فَقَدْ تَجَسَّسْنَا فَانْصَرَفَ عُمَرُ عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ» (٣)، وهذا يدل على وجوب الستر، وترك التتبع.