← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

القرآن على الأكبر دون الأصغر، ومن شواهد ذلك، قوله -جل وعلا-: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، فقوله في الآية: يشرك هو- أيضًا-: فعل داخل في سياق الشرط، فيكون عامًّا. لكن هل يدخل فيه الشرك الأصغر والخفي؟ الجواب: أنه لا يدخل بالإجماع؛ لأنه تحريم الجنة، وإدخال النار، والتخليد فيها، إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر، فدلنا ذلك على أن المراد بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] أهل الإشراك بالله الشرك الأكبر، فلم يدخل فيه الأصغر، ولم يدخل ما دونه من أنواع الأصغر، فيكون المفهوم- إذًا- من آيتي سورة النساء كالمفهوم من آية سورة المائدة، ونحوها، وهذا كقوله تَعَالَى في سورة الحج ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. فهذا ونحوه وارد في الشرك الأكبر، ويكون- على هذا القول- المراد بما نفي هنا في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ﴾ [النساء: ٤٨] الشرك الأكبر. ولما كان اختيار إمام الدعوة، كما هو اختيار عدد من المحققين: كشيخ الإسلام: ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما أن العموم هنا شامل لأنواع الشرك: الأكبر، والأصغر، والخفي؛ كان الاستدلال بهذه الآية صحيحًا؛ لأن الشرك أنواع، وإذا كان الشرك بأنواعه لا يغفر، فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف، فإذا كان الشرك الأصغر: كالحلف بغير الله، وتعليق التميمة،

стр. 737

والحلقة، والخيط، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر، كقولك: ما شاء الله وشئت، ونسبة النعم إلى غير الله، إذا كان ذلك لا يغفر فإنه يوجب أعظم الخوف كالشرك الأكبر. وإذا كان كذلك، فيقع في الخوف من الشرك من هم على غير التوحيد، كمن يعبدون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوجهون إلى غيره، ويذبحون وينذرون لغيره، ويحبون غير الله محبة العبادة، ويرجون غير الله رجاء العبادة، ويخافون خوف السر من غير الله، إلى غير ذلك من ألوان الشرك، فيكون هؤلاء أولى بالخوف من الشرك؛ لأنهم وقعوا فيما اتفق عليه: أنه لا يغفر. كما يقع في الخوف من الشرك أهل الإسلام الذين قد يقعون في بعض أنواع الشرك الخفي، أو الشرك الأصغر بأنواعه، وهم لا يشعرون أو وهم لا يحذرون» (١). الأثر الثالث: الأنبياء يطلبون المغفرة من الغفور سُبْحَانَهُ: من تأمل سيرة صفوة الخلق وهم الأنبياء، وجدهم أكثر الناس توبة واستغفارًا، سواء لأنفسهم أولأممهم، ومن أمثلة ذلك وشواهده: قول الله على لسان آدم وزوجه ﵉: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. قول الله على لسان نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وكان من دعائه أيضًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].

стр. 738

قول الله على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]. قول الله على لسان موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [طه: ١٥١]، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] قول الله على لسان داود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥]. قول الله على لسان سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] قول النبي ﷺ : «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١)، وكانت عائشة ﵂ تصف حال النبي ﷺ ، فتقول: «ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه قوله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: سَبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٢)، وكان من دعائه ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٣).

стр. 739

فإن كان هؤلاء الكرام الأصفياء يتضرعون إلى الله بخالص الدعاء، ويستغفرونه ويتوبون إليه؛ فحري بكل عبد دونهم أن يقتدي بهديهم، وأن يستن بسنتهم. ومن أدعية الاستغفار الجامعة دعاء سيد الاستغفار، وهو مارواه شداد بن أوس ﵁: عن النبي ﷺ ، أنه قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قال: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (١). الأثر الرابع: محبة الغفور الغفار سُبْحَانَهُ: فالغفور الغفار سُبْحَانَهُ هو من أسدل الستر على الذنوب في الدنيا، وتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، فأظهر الجميل وستر القبيح بكرمه وجوده وفضله، ومن هذه صفاته فهو أحق بالمحبة الكاملة التامة. الأثر الخامس: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾: إن المغفرة الواسعة صفة اتصف بها الغفور ، وأودع شيئًا منها في قلوب من يشاء من عباده، بل أمرهم بالتأدب بها، فقال تَعَالَى مخاطبًا نبيه ﷺ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤].

стр. 740

يقول السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: «يأمر تَعَالَى عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تَعَالَى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون، فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابًا جزيلًا» (١). لذلك يجب أن يتصف الإنسان بالمغفرة للعباد، والصفح عنهم الصفح الجميل، ومن غفر للناس غفر الله له، ومن تجاوز عنهم تجاوز الله عنه، والجزاء من جنس العمل، يقول ﷺ : «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ الله لَكُمْ … » (٢). وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ «أَنَّهُ حَرَسَ لَيْلَةً مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٍ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَدْرِي بَيْتَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الْآنَ شَرْبٌ فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، نَهَانَا اللهُ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فَقَدْ تَجَسَّسْنَا فَانْصَرَفَ عُمَرُ عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ» (٣)، وهذا يدل على وجوب الستر، وترك التتبع.

стр. 741

الأثر السادس: التعرض لأسباب المغفرة: فقد جعل الله سُبْحَانَهُ للمغفرة علامات ومبشرات، فمن رزقها يرجى أن يكون قد غفر له، ومن هذه الأسباب: الإسلام، فهو يكفر كل ما سبق من السيئات، يقول ﷺ : «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ القَصَاصِ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، والسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا» (١). الموت على التوحيد، يقول رسول الله ﷺ : قال الله : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (٢). طاعة الله واتباع رسوله ﷺ ، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤]. الأذان، يقول رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ» (٣).

стр. 742

الذكر عند الأذان، فيقول رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤُذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا- غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» (١). إحسان الوضوء، فيقول رسول الله ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظَفاِرِهِ» (٢). الصلاة، بقول رسول الله ﷺ : «أَرَأَيْتُم لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؛ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» (٣). صلاة ركعتين بعد الوضوء، قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٤) زاد أحمد: «وَغُفِرَ لَهُ» (٥). من وافق تأمينه تأمين الملائكة، يقول رسول الله ﷺ : «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٦).

стр. 743

الذكر دبر كل صلاة، يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُر كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّر اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَام المائَةِ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (١). قيام الليل، يقول رسول الله ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ» (٢). الصدقة، يقول رسول الله ﷺ : «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (٣). صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وكذا قيامه، يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٤)، ويقول: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٥).

стр. 744

قيام ليلة القدر، يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). صيام أيام خاصة تطوعًا، كصيام يوم عرفة، فيقول فيه رسول الله ﷺ وقد سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ-: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» (٢)، كذلك صيام يوم عاشوراء، يقول فيه رسول الله ﷺ وقد سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ -: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» (٣). الحج المبرور، فيقول رسول الله ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٤). العمرة، يقول رسول الله ﷺ : «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (٥). قول سبحان الله وبحمده، يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (٦).

стр. 745

الصلاة على النبي ﷺ ، يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» (١). كفارة المجلس، يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَقَالَهَا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ كَانَتْ كَالطَّابَعِ يُطْبَعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَهَا فِي مَجْلِسِ لَغْوٍ كَانَتْ كَفَّارَتَهُ» (٢). عيادة المريض، يقول رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (٣). الأثر السابع: ثمرات الاستغفار: إن العبد إن تاب إلى ربه، واستغفره وأناب إليه؛ أكرمه الله بكرامات عديدة، ومنحه عطايا جليلة، وأغدق عليه الثمرات النافعة في الدنيا والآخرة، ومنها:

стр. 746

انشراح الصدر، يقول ﷺ : «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١)، وقال ﷺ : «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ الله لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (٢). دواء شافي من الذنوب، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. رحمة الله للمستغفرين، يقول تَعَالَى على لسان شعيب ﵇: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. جلب النعم عامة، يقول تَعَالَى على لسان نوح ﵇: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ٩ - ١٢]. ويقول تَعَالَى على لسان هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. دفع العقوبة عن المستغفرين، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. حل المشاكل الصعبة والعويصة، يقول ابن القيم ﵀: «وشهدت شيخ الإسلام إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار،

стр. 747

والاستغاثة بالله واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق هذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومن حُرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» (١). ويمكن إيجاز كل هذه الثمرات بقول: إن المستغفرين وعدوا بالمتاع الحسن في الدنيا، والفضل العظيم في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك، ونتوب إليك، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لنا مغفرة من عندك، وارحمنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 748

الغَنِيُّ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «غنى فهو غَنِيٌّ، وتغنى الرجل: أي استغنى وأغناه الله، وتغانَوا: أي استغنى بعضهم عن بعض» (١). قال ابن فارس ﵀: «الغين والنون والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على الكفاية، والآخر: صوت؛ فالأول الغنى في المال، يقال: غني يغنى غنى، والغَنَاء- بفتح الغين مع المد: الكفاية، يقال: لا يغني فلان غناء فلان، أي: لا يكفي كفايته، وغني عن كذا فهو غانٍ، وغني القوم في دارهم: أقاموا، كأنهم استغنوا بها» (٢). ورود اسم الله (الغني) في القرآن الكريم: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغني) في كتاب الله ثماني عشرة مرة، ومن وروده ما يلي: قول الله : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].

стр. 749

قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٦]. ورود اسم الله (الغني) في السنة النبوية: ورد اسم الله الغني في السنة النبوية، ومن وروده فيها ما يلي: - عن عائشة ﵂ أنها قالت: «شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللهَ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثم قال: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللهِ فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» (١).

стр. 750

معنى اسم الله (الغني) في حقه سُبْحَانَهُ: قال الزجاج ﵀: «الغني- في كلام العرب-: الذي ليس بمحتاج إلى غيره، وكذلك الله ليس بمحتاج إلى أحد، -جل وعلا- عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، فالله ليس بمحتاج إلى أحد فيما خلق ويخلق، ودبر ويدبر، ويعطي ويرزق، ويقضي ويمضي، لا رادَّ لأمره، وهو على ما يشاء قدير» (١). قال الخطابي ﵀: «الغني هو الذي استغنى عن الخلق، وعن نصرتهم وتأييدهم لملكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون، كما وصف نفسه تَعَالَى، فقال- عز من قائل-: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]». (٢) قال الحليمي ﵀: «إنه الكامل بما له وعنده، فلا يحتاج معه إلى غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة؛ لأن الحاجة نقص، والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغه ويدركه، وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج، فالنقص منفي عن القديم بكل حال، والعجز غير جائز عليه، ولا يمكن أن يكون لأحد عليه فضل؛ إذ كل شيء سواه خلق له، وبدع أبدعه لا يملك من أمره شيئًا، وإنما يكون كما يريد الله ، ويدبره عليه، فلا يتوهم أن يكون له مع هذا اتساع لفضل عليه» (٣).

стр. 751

قال السعدي ﵀: «الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات؛ لكماله وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًّا؛ لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا قادرًا رازقًا محسنًا، فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المغني جميع خلقه غنى عامًّا، والمغني لخواص خلقه مما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية» (١). قال ابن القيم ﵀ في نونيته: وَهوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا … تِيٌّ لَهُ كَالجُودِ والإِحْسَانِ اقتران اسم الله (الغني) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: أولًا: اقتران اسم الله (الغني) باسم الله (الحليم): تقدم بيانه في اسم الله (الحليم). ثانيًا: اقتران اسم الله (الغني) باسم الله (الحميد): تقدم بيانه في اسم الله (الحميد). ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغني) باسمه سُبْحَانَهُ (الكريم): جاء هذا الاقتران مرة واحده في القرآن الكريم، وهو قول الله : ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].

стр. 752

وجه الاقتران: أن الله غني عن الشكر، كريم يعطي عن كرم، لا عن ارتقاب للشكر على العطاء، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: «الله سُبْحَانَهُ غني كريم، عزيز رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانًا» (١). الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغني): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الغني) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له: الغني سُبْحَانَهُ هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه، والخلق جميعًا فقراء إلى إنعامه وإحسانه، فهو سُبْحَانَهُ لم يخلق خلقه ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه، ولا ليستأنس بهم من وحشة، ولا ليستكثر بهم من قلة، ولا لينصروه على عدو، ولكن خلقهم ليذكروه كثيرًا، ويعبدوه طويلًا، ويسبحوه بكرة وأصيلًا، فهو الذي لا يحتاج لأحد في شيء؛ لأنه المالك لكل شيء، المتصرف بمشيئته في خلقه أجمعين، خزائنه لا تنقص ولا تنفد، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه في رزقه، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر الغفاري ﵁، أن النبي ﷺ قال - فيما روى عن الله أنه قال-: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ

стр. 753

الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (١). فالله غني بذاته عن كل ما سواه، ومن علامات ذلك الغنى: غناه سُبْحَانَهُ عن الطعام والشراب، وهي دلالة الاستغناء الذاتي، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. غناه سُبْحَانَهُ عن الزوجة والولد، وهذا يعني وحدانية الله المطلقة؛ ليس كما يسبه الكفار أصحاب عقيدة التثليث؛ فإن الحاجة إلى الزوجة والولد ضعف وافتقار، تَعَالَى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]. غناه سُبْحَانَهُ عن خلقه، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته، فهو الغني عن عباداتهم، ومن ذلك: أ- غناه عن إيمانهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. ب- غناه عن شكرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. جـ- غناه عن جهادهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].

стр. 754

ويذكر الشيخ السعدي ﵀ من مظاهر غنى الله ، فيقول: «ومن كمال غناه وكرمه: أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم، وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه، وما لم يسألوه. ومن كمال غناه: أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًّا منهم ما سأله، وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة. ومن كمال غناه وسعة عطاياه: ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم، واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ومن كمال غناه: أنه لم يتخذ صاحبًا ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًّا من الذل، وهو الغني الذي كمل بنعوته، وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته» (١). وحري بمن عرف اسم الله (الغني) ومظاهر غناه وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده رزقه وبره وغناه.

стр. 755

الأثر الثاني: ليس كمثله سُبْحَانَهُ شيء في الغِنى: الله ﵎ له صفات الكمال والجلال، ليس كمثله شيء في غناه: وهذا من وجوه: الأول: كثرة ما عند الله: قال تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]. قال ابن كثير ﵀ في هذه الآية-: «أي: هو الخالق للأشياء المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره، وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه» (١). الثاني: غناه دائم: فما من مخلوق أصبح غنيًّا إلا بعد فقر، أو تكون عاقبته إلى فقر، أو يفني المال وصاحبه، أما الله ﷻ فغناه دائم لا يفنى أبدًا، قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. الثالث: غناه ذاتي: أي: أن غنى الله في ذاته، وليس فيما يراه الناس من الملك في السماوات والأرض، فإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، ولكن غنى الخلق إنما يكون بما يمتلكون من ثروات وأموال، فكل من وُصف بالغنى من الخلق فإنما يحتاج إلى ما يملك، أما الله ﷻ فإنما يحتاج كل ملكه وكل خلقه إليه،

стр. 756

فلا يحتاج الله إلى العرش ولا حملته، ولا الكرسي وعظمته، ولا يحتاج إلى ميكائيل ليرزق الخلق، ولا إلى جبريل لتبليغ رسالته، بل كل هؤلاء وغيرهم من خلق الله يحتاجون إليه من كل الوجوه، وهو غني عنهم من كل الوجوه. الرابع: غناه مطلق: فإن الخلق يحتاجون إلى ما تقوم به أبدانهم وأرواحهم، وهذا يجعلهم فقراء إلى رزق الله من كل الوجوه؛ فإنهم فقراء إلى الطعام وإلى الشراب، والنفس والروح والسعادة والزوجة والولد، والسمع والبصر … هذا فقر مطلق إلى الله الذي بيده هذه النعم وغيرها مما لا غنى عنه للخلق، أما الله ﷻ فإنه غني عن ذلك كله، بل وعن كل ما سواه؛ لذلك فإن غنى الله غنًى مطلق، وكل العباد فقرهم إلى الله فقر مطلق. الأثر الثالث: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾: إن الفقر إلى الله سُبْحَانَهُ هو عين الغنى به، فأفقر الناس إلى الله أغناهم به، وأذلهم له أعزهم به، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله، والغنى بالله مع الفقر إليه متلازمان متناسبان، فالغنى على الحقيقة لا يكون إلا بالله الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر، كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع (١). يقول ابن القيم ﵀: «إن الله هو الغني المطلق، والخلق فقراء محتاجون إليه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، بين سُبْحَانَهُ في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم

стр. 757

لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيًّا حميدًا ذاتي له، فغناه وحمده ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سُبْحَانَهُ لذاته لا لأمر أوجب غناه، وفقر العباد إلى ربهم فقران: الأول: فقر اضطراري، وهو فقر عام، لا خروج لبر ولا فاجر عنه، وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا، ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا، ومصنوعًا. الفقر الثاني: فقر اختياري، وهو فقر الخشية والطاعة وذلة العبودية، وهو نتيجة علمين شريفين؛ أحدهما: معرفة العبد لربه، والثاني: معرفته بنفسه، فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقرًا هو عين غناه، وعنوان فلاحه وسعادته، وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة، عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام، عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومَن عرف ربه بالعلم التام والحكمة التامة، عرف نفسه بالجهل. فإن الله تَعَالَى قد أخرج العبد من بطن أمه ضعيفًا مسكينًا، جاهلًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وسخر له ما في البر والبحر مما يصلحه ويعينه على أمر دينه ودنياه، فلما شعر بأن له قدرة على السعي، واستطاعة على التدبير ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك، وادعى لنفسه ملكًا مع الله سُبْحَانَهُ، ورأى نفسه بغير هذا الضعف

стр. 758

الأول الذي كان عليه، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة؛ حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخص غيره، كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي (أن النبي ﷺ بَزَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللهُ: ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدلْتُكَ، مَشيتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي، قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ) (١). ومن هنا خُذِل مَن خُذِل، ووُفِّقَ مَن وُفِّقَ، فحُجِبَ المخذول عن حقيقته ونسي نفسه، فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وعتا؛ فحقت عليه الشقوة، قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ١٠]، فأكملُ الخلق أكملُهم عبودية، وأعظمهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين» (٢). فالله ﷻ غني عن العلائق والروابط والصلات، فصلته بخلقه صلة رب رزاق لعباد محتاجين، وصلته بهم صلة عطاء وتفضل بعد خلق وإيجاد، أما صلة الخلق به سُبْحَانَهُ فصلة افتقار لرزقه وانتفاع بما عنده، فالعبد يدعو والله يجيب، والخلق يحتاجون والرزاق يعطيهم، والعباد يفتقرون والغني

стр. 759

يغنيهم، وإذا قدموا شيئًا من أموالهم فإنما هم الذين ينتفعون بها، ويجازيهم بأضعاف ما عملوا، ويزيدهم من فضله. الأثر الرابع: محبة الغني سُبْحَانَهُ: الله هو الغني غنًى كاملًا مطلقًا من كل الوجوه، فهو المستغني عن العالمين، وجابر حاجة الفقراء والمساكين، لا يترك من تعلق ببابه ووقف بجنابه بدون غنى، فهو مع غناه وعزته ذو رحمة بالغة، والنفس بطبيعتها تحب صفات الكمال والجلال في الصفات، ولذا فإن العبد المسلم يتعلق ويزداد محبة للغني كلما زادت معرفته له سُبْحَانَهُ. الأثر الخامس: افتقار رسول الله ﷺ إلى ربه: لقد كان النبي ﷺ أعظم الناس افتقارًا إلى ربه، وكان يقول: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (١). فهو يعلم أن قلبه الذي بين جنبيه بيد الرحمن لا يملك منه شيئًا، وأن الله سُبْحَانَهُ يصرفه كما يشاء، وكان يدعو: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ» (٢)، بدلالة قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]؛ فضرورته إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وحسب قربه منه ومنزلته عنده.

стр. 760

فأصبح - بهذا النوع من الافتقار- سيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد، وأول من تفتح له الجنة، وصاحب المقام المحمود، وأسري به في السماوات السبع؛ لأنه كان كامل العبودية، وكامل الافتقار لربه، قال تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، واستحق أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ففي حديث الشفاعة: «أن المسيح يقول لهم: ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ : عَبْدًا غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (١) (٢). الأثر السادس: الغنى غنى النفس: فمن أغناه الله من فضله، ووهبه الغنى الحقيقي بأن يخضع لربه، ويتواضع لخلقه، ويعلم أنه مستخلَف في أرضه، مبتلى في ملكه، فرد الفضل لربه، وشكره على نعمه؛ لعلمه بأن الغنى غنى النفس، يقول ﷺ : «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (٣)، ويقول أيضًا: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» (٤)، وفي صحيح البخاري من حديث الحسن أنه قال: «حدثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله ﷺ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ

стр. 761

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ والهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والخَيْرِ، فَيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ» (١). ولا يمنع ذلك الأخذ بالأسباب طلبًا للغنى والفضل، والتقوي على طاعة الله، وحفظ النعمة، وإغناء الفقراء من فضل الله، مع ملازمة الاعتقاد بأن في القلب فاقة عظيمة، وضرورة تامة وحاجة شديدة، لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى القلبي، الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، فكما أنه سُبْحَانَهُ الغنى على الحقيقة ولا غنى سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة، فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة، وحَضَرَهُ كل سرور وفرح. فما أسعد من تعفف عن الناس واستغنى بربه سُبْحَانَهُ في قضاء حوائجه وطلب رزقه، قال ﷺ : «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِي أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (٢). الأثر السابع: للغنى أسباب تطلب: الغنى والعطاء بيد من له ملك الأرض والسماء، فلا يغتني أحد إلا بإذنه، ولا يُرزق أحد إلا من عطائه، أمر عباده بصدق التوكل عليه واليقين بما لديه، مع تمام بذل أسباب الغنى والعطاء، ومن أسباب نيل الغنى ما يلي:

стр. 762

١ - التفرغ للعبادة: يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى» (١)، والمراد من التفرغ للعبادة: «إيثارها على حظوظ الدنيا والإتيان بما أمر به منها، فلا تلهيه عن ذكر الله، لا أنه لا يفعل إلا العبادة» (٢). ومن هنا يفهم أن الشرع ينهى عن انقطاع العبد عن طلب أسباب رزقه بحجة الاعتكاف في مصلاه، وإنما المراد: ألا يلهيه طلب الرزق عن عبادة الله، بل إن من اعظم أسباب الرزق والغنى الإقبال على عبادة الله، يقول السعدي ﵀ في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]: «وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه، لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على ﴿ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾، بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه» (٣). ٢ - تقوى الله : يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ

стр. 763

بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، ويقول النبي ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخرة هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، … » (١)، وكان أصحاب النبي ﷺ ينصح بعضهم بعضًا بثلاثة أمور، فيقولون: «من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله الذي بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن اهتم بآخرته كفاه الله أمر دنياه» (٢). ٣ - الاستغفار: يقول تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (٣). ٤ - إنزال الفاقة بالله تعالى: يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ ، أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالغِنَى، إِمَّا أَجَلٌ عَاجِلٌ، أَوْ غِنًى عَاجِلٌ» (٤).

стр. 764

٥ - المتابعة بين الحج والعمرة: يقول النبي ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإِنَّهُما يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ … » (١). ٦ - إرادة الزواج تعففًا: يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، قال أبو بكر الصديق ﵁: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم من الغنى» (٢)، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «التمسوا الغنى في النكاح» (٣). ٧ - الاستغناء بالله عن الخلق: يقول النبي ﷺ : « … مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» (٤)، وقال النبي ﷺ : «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (٥).

стр. 765

٨ - صلة الرحم: يقول رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١). ٩ - الزكاة والصدقة: يقول رسول الله ﷺ : «مَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ لِصَدَقَةٍ أَوْ صِلَةٍ إِلَّا زَادَهُ الله بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ الله بِهَا قِلَّةً» (٢). ١٠ - الدعاء: عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول: «إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ» (٣)، وعن سلمان ﵁، قال: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ ﵇ قَالَ: وَاحِدَةٌ لِي وَوَاحِدَةٌ لَكَ وَوَاحِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لِي فَتَعْبَدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَكَ فَمَا عَمِلْتَ مِنْ شَيْءٍ جَزَيْتُكَ بِهِ، وَأَنْ أَغْفِرَ فَأَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ؛ وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي

стр. 766

وَبَيْنَكَ فَمِنْكَ الْمَسْأَلَةُ وَالدُّعَاءُ وَمِنِّي الْإِجَابَةُ وَالْعَطَاءُ» (١). ١١ - السعي لطلب الرزق: قال النبي ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (٢) الأثر الثامن: للفقر أسباب تجتنب: كما أن هناك أسبابًا للعطاء والغني، فكذلك توجد أسباب أخرى من تعرض لها حُرِم العطاء، ومن هذه الأسباب: ١ - معصية الله تعالى: جاء في الأثر: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (٣). وقد قال النبي ﷺ : «إِنَّ رُوحُ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (٤).

стр. 767

٢ - سؤال الناس: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قال: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» (١). وقال ﷺ : «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا باللهِ ، أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالغِنَى، إِمَّا أَجَلٌ عَاجِلٌ، أَوْ غِنًى عَاجِلٌ» (٢). ٣ - أكل الربا: قال تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. قال ابن كثير ﵀: «يخبر الله تَعَالَى أنه يمحق الربا يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعدمه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ) (٣)» (٤). ٤ - الكذب: عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا

стр. 768

مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (١). ٥ - الحلف في البيع: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (٢)، وعن أبي قتادة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ» (٣). ٦ - منع الزكاة: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَمْ يَمْنَعْ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (٤). ٧ - ترك الحكم بما أنزل الله: فإن من فعل ذلك فقد خالف الغني في حكمه فأفقرهم؛ عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَمْسُ بِخَمْسٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قال: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، وَلَا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْفَاحِشَةُ إِلَّا فَشَا

стр. 769

فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا طفَّفُوا الْمِكْيَالَ إِلَّا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا حُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ» (١). ٨ - الاهتمام بالدنيا دون الآخرة: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ الله عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الآخرة نِيَّتَهُ، جَمَعَ الله لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (٢)، وعليه فإن غض الطرف عن زينة الدنيا من أسباب الرزق ودوامه، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، ويروى أن عروة بن الزبير ﵁ أنه كان إذا رأى شيئًا من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] … الآية ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله، ويصلي (٣). اللهم إنا نعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة، رب قنعنا بما رزقتنا، وبارك لنا فيه، واخلف علينا كل غائبة لنا بخير.

стр. 770

فاطرُ السماواتِ والأرض ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «والفطر أيضًا: الشق، يقال: فطرته فانفطر، … وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار، أي: فيه تشقق … ، والفطر: الابتداء والاختراع، قال ابن عباس ﵄: كنت لا أدرى ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ حتى أتانى أعربيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها» (١). قال ابن فارس ﵀: «الفاء والطاء والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، من ذلك الفطر: من الصوم .... » (٢). ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في القرآن الكريم: ورد اسم الله (فاطر السماوات والأرض) ست مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي: ١ - قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. ٢ - قوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]. ٣ - قوله : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ

стр. 771

فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في السنة النبوية: ورد اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵀، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللهمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: «قُلْ: اللهمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قال: قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (٢).

стр. 772

٣ - عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «اللهمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي، تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا، تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، إِلَّا قَالَ الله لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ، فَيُدْخِلُهُ الله الْجَنَّةَ» (١)، قال أحمد شاكر: إسناده ضعيف (٢). معنى اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في حقه سُبْحَانَهُ: قال السدي وقتادة -رحمهما الله-، وغيرهما في قوله تَعَالَى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]: «خالق السماوات والأرض» (٣). قال الطبري ﵀: «﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما» (٤). وقال الحليمي ﵀ في معنى الفاطر: «إنه فاتق المرتتق من السماء والأرض، قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]» (٥).

стр. 773

قال الخطابي ﵀: «الفاطر: هو الذي فطر الخلق: أي: ابتدأ خلقهم، كقوله تَعَالَى: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، ومن هذا قولهم: فطر ناب البعير، وهو أول ما يطلع» (١). قال ابن كثير ﵀ في قوله تَعَالَى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] «الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه» (٢). قال السعدي ﵀ في قوله تَعَالَى: «﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته» (٣). اقتران اسم الله (فاطر السماوات والأرض) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: لم يقترن اسم الله فاطر السموات والأرض بأي اسم من أسماء الله تعالى. الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (فاطر السماوات والأرض): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (فاطر السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ: الله فاطر السموات والأرض الذي خلقها وأبدعها على غير مثال

стр. 774

سابق، يقول تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، وفي بيان مظاهر ذلك ما يلي: أنه سُبْحَانَهُ فطر السماء والأرض في ستة أيام، وفطر الأرض الكثيفة العظيمة، في يومين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ثم بسطها في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل، فكمل خلقها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك قوله تَعَالَى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]، ثم بعد أن خلق الأرض خلق السماء ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر في يومين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] (١). كل ذلك من غير تعب، ولا نصب، ولا إعياء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. (٢) فطر الأرض وبسطها، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩ - ٢٠] فسهلها غاية التسهيل؛ ليستقر الخلائق على ظهرها، وأودع فيها من المنافع والمصالح لهم ما أودع، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، فأخرج منها الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع الصنائع والتجارات، وشق فيها الأنهار

стр. 775

والعيون، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، وأنواع الحيوانات، وسخر ذلك كله لبني آدم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] (١). وفطر السموات «السبع على عظمها، وسعتها، وكثافتها، وارتفاعها الهائل، قال تَعَالَى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] أي: ليس لها عمد، ولو كان لها عمد لرئيت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة الله تَعَالَى» (٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]. فطر السموات وزينها «بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة» (٣)، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]. فطر السموات قال تَعَالَى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ [النازعات: ٢٩] أي: أظلمه، فعمت الظلمة جميع أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩] أي: أظهر فيه النور العظيم، حينما أتى بالشمس التي جعلها ضياء، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] (٤) فـ «جعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كما قال تَعَالَى:
следующие страницы →