Полный текст (84 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والذي يدل على أن من وما، وهو القبيل الثاني مما يفيد الشمول، يفيدان الشمول في الموضع الذي ذكرناه، وهو الإبهام في بابي الجزاء والاستفهام، أدلة مما استدللنا به في النوع الأول، أن المسؤول ملجأ في الجنس الذي سئل عنه إلى الجواب، حتَّى لا منزل له لتعلقه بأن لفظ السائل تناول كذا وكذا، دون كذا وكذا، وهنا الموضع يتبين بتأمل الدواعي التي دعت إلى وضع هذه الألفاظ، وهو أنهم نظروا فيما يسألون عنه من الأحوال والأوقات والمواضع والأعداد والأجناس والناطقين، فوجدوا أنفسهم مع المسؤولين على حالة أوجبت عليهم صياغة ألفاظ شاملة مستغرقة، وإلا كان للمسؤول أن يعدل عن الجواب عما يسأل عنه، وإن تكلف السائل أموراً كثيرة، وبسط من القول ما أتعبه وشق عليه.
ألا ترى أن السائل عن عدد معدود ما يتوهمه مع الغير من جنس لو قال له: أكذا عندك من هذا الجنس أم كذا أم كذا، حتَّى يكثر من أسماء الأعداد، وأفنى في ذلك أوقاتاً كان لا يأمن أن يكون ما معه منقوصاً عن الأعداد التي ذكرناها، أو زائداً عليها.
وكذلك هنا في الأحوال، أو عدّد أحوالاً كثيرة في مسؤول عنه بعينه، كان لا يأمن من أن يكون على غيرها. وكذلك في الأوقات، لو ذكرنا أوقاتاً كثيرة من الماضي والمستقبل، كان لا يأمن مع امتداد الأوقات أن يكون المسؤول عنه في غيرها، فلا يخرج جوابه على مراده. وكذلك في الناطقين لو ذكر أكثر من يعرفه، لكان لا يأمن أن يكون غيرهم.
هذا وقد سئل الإنسان عما لا يعرفه، كما يسأل عمن يعرفه، وذكر من يعرفه متعذر على الوجه الذي ذكرناه. فأما من لا يعرفه فمحال أن يذكره. فلما كان الأمر على هذا عمدوا إلى صياغة ألفاظ كافية من التطويل، شاملة للأجناس، ملجئة للمسؤولين حتَّى إن أرادوا الجواب لا الانتهاء إلى المراد، وفي ذلك من الدلالة على الموضع الذي يريد الدلالة عليه من شمول هذه الألفاظ لما وضعت له، واستغراقها ما لا خفاء به.
ومنها أن المسؤول متى سمع هذه الألفاظ، فإنه متى راعى، لم يجد في الأجناس التي يسأل بها عنها سبباً إلاّ ويصلح أن يكون جواباً للسائل، إذا قصده وجعله جواباً.
ولولا شمول هذه الألفاظ للأجناس التي صيغت لها استغراقها، لما صلح في كل وبعض منها أن تكون جواباً، فإن اعترض على هذه الدلالة بأن من قال: من دخل داري أكرمته، في الجزاء أن اللص لا يجوز أن يكون مراداً، ولو قال: من دخل داري أهنته، لا يجوز أن يكون الملك مراداً.
وكذلك ما يجري هذا المجرى، فالجواب عنه، أن اللفظ منتظم للكل في أصل الوضع، وما خرج منه بالعقل أو العرف أو الشرع، فهو كما أخرج منه بالاستثناء.
ألا ترى أنه لو قال: من دخل داري فهو محاسب، أو: من دخل داري فهو مثاب أو معاقب، وقال: خلق الله من في السموات والأرض، أو ما في السموات والأرض، لدخل تحت هذا كل متعبد وموجود من الجن والملك وغيرهم، إن كان المتكلم به ممن يعلم أن العبادة تشمل هذه الأجناس، كذلك الثواب والعقاب والخلق، فلولا أن اللفظ شامل، لكان يتغير أحكام الإخبار والعدَّات والمضمون لها، والإخبار في هذه الألفاظ التي تستعمل في هذه المواضع، وعلمت أن أصل الوضع فيها ما ذكرنا لا غير.
ومنها جواز استثناء المستثنى منها ما أراد، بالغاً ما بلغ في القلة والكثرة، فلولا شمول هذه الألفاظ واستغراقها، لما جاز الاستثناء منها على الحد الذي ذكرناه، ولا يقدح في هذا قول القائل: إنه مع الاستثناء كأنه صيغ لذلك الذي يدل عليه. ولا قوله: إنها ما أفادت الشمول على وجه، لأنها عندك لا تعرى من الاستثناء، أو ما يجري مجرى الاستثناء من العرف والعقل. لأن من راعى أن اللفظ في انفراده ماذا يفيد، وعند الاستثناء منه ماذا يفيد الاستثناء فيه، ولولا الاستثناء كان حال اللفظ: كيف يكون بأن له، إن هذا السؤال ساقط. وكذلك من راعى أن اللفظ ووضعه شيء، وتسلط العرف والعقل والشرع عليه شيء آخر، يجري عليه بعد التواضع به، كما أن الاستثناء منه باللفظ بعد التواضع به. اعلم أن قوله: إنه لم يفد الشمول قط، فاسد، لأن اللفظ لا بد أن يكون سابقاً لما وضع له للعرف والعقل جميعاً، لأن هذين يتسلطان عليه كتسلط اللفظ المخصص له من بعد.
стр. 37
فإن قيل: ما ينكر أن يكون العقل عند الوضع متسلطاً عليه كما يتسلط العرف واللفظ من بعد، قيل له: إن العقل إذا تسلط في الموضع الذي أشرت إليه، منع من وضع الاسم له رأساً، ومتى قصد القاصد إلى الوضع مع منع العقل منه، كان كمن يتعاطى محالاً، أو العبث بما يضعه، وإذا كان الأمر على هذا وكان العقل لا يمنع ولا يحظر، وضع له اسم مستغرق، بل كيف يحظر والحاجة تمس إليه كما بيناه، فيجب أن يكون التواضع قد حصل به، وأن يكون العقل تسلط من بعد الوضع فتخصص كما يتسلط العرف من بعده، وكما يتسلط اللفظ من بعده، وفي هذا لمن أنعم النظر كفاية.
ومنها أن الألفاظ إنما كانت توضع بحسب الحاجة إليها، فقد علمنا أن الواحد منا كما يقصد إلى الإخبار عن الأعيان المحسوسة، كذلك يقصد إلى الإخبار عن الأجناس المعلومة، ويعلق المقصود بها كما يعلقها بالمفردات.
وإذا كان الأمر على هذا، فلا بد من أن يكون في كلامهم ما يفيد الجنس مشتملاً عليه، مستغرقاً له، وإلا كان يظهر قصور لغة العرب عن المعاني الهاجسة في النفس.
وإن كان لا بد من أن تكون حاجتهم إلى ما يعبرون عنه كحاجتنا، ودواعيهم كدواعينا، وإذا كان الأمر على هذا، ويصح القصد منا إلى الإخبار عن الجنس بلفظ شامل لهم كلهم، فكذلك يجب أن يكون أمرهم كأمرنا، وإذا كان أمرهم كأمرنا، فلا بد من أن يكون في لغتهم ما يفيد ذلك حقيقة لا مجازاً، وهذه في الأسماء التي ذكرناها.
وبهذا الذي ذكرناه يسقط قول من يزعم أنه لا يمتنع من أن تكون الألفاظ مستصلحة للشمول من غير أن تكون مفيدة له على الحقيقة، مقصورة عليه، ويؤيده أنّا وجدنا هذه الأسماء تفيد هذه الأجناس في المواضع التي أشرنا إليها على سبيل اطِّراد فيها، ومن علامة ما يكون حقيقة في الشيء اطِّراده فيه واستمراره، وإذا كانت هذه الألفاظ مستمرة في إفادة هذه الأجناس على الوجوه التي ذكرناها، فيجب أن تكون حقيقة لها.
وهذه الأدلة التي ذكرناها فيها ما يدل على إفادة الشمول والعموم في من وما إذا انتقلا عن موضع الإبهام إلى باب الإيضاح والتبيين، وهو باب الخبر أيضاً، وذلك جواز الاستثناء منا على الوجه الذي بيناه، وجواز تعلق القصد منا بما يفيد الشمول والعموم إذا أردنا الإخبار عن جنس، وإن سبيلهم كسبيلنا، وإنه لا بد من أن يكون في كلامهم ما يفيد ذلك حقيقة، وإلا كانت اللغة قاصرة عما كانت تهجس في نفوسهم حينئذ، وفي نفوسنا الساعة، فهذا حال من وما وهما للاستغراق.
وأما أيُّ فهي لبعض من كل، وهو وإن كان لا يختص ببعض دون بعض، ولكن يصح كل منها على طريق البدل وعلى ما يقدر بعضاً من الجملة، فإنه لا يفيد الاستغراق. ولشدة إبهامه لزمته الإضافة، ومعنى الإبهام فيه أنه لا يختص بجنس دون جنس، كما اختص كل واحد من مَنْ ألا ترى أنك لا تقصد جنساً.
وأيُّ تستعمل في العام فهي أشمل من منْ وما في هذا الوجه، ودونهما فيما يفيد أنه من الاستغراق.
فأما ما الأولى به أن يفيد الوحدة والانفراد، ثم إذا اقترن به لفظ أو حال أفاد الشمول والعموم كقولهم: عشرون درهماً، وما جاءني من رجل، وهل جاءك من خبر، ولا رجل في الدار. وكقولك: كل إنسان، وأول فرس، وما أشبه هذا. فإن هذه النكرات تفيد الاستغراق بما اقترنت به من الألفاظ التي قبلها إذا كانت هي وأشباهها قد جعلها العرف والاستعمال بأن تفيد بمجردها الوحدة أولى، وإن كانت وضعت للآحاد فما فوقها، وهنا في هذه الأسماء كالعلامة والتغيير في أسماء الأحداث، ويدل على ذلك أن من في قولك: ما جاءني من رجل، وهل عندك من شيء، لا يجوز أن يدخل على مخصوص مفرد، لا تقول: ما جاءني من عند الله، فلولا أنه يفيد في رجل إذا اقترن به في قولك: ما جاءني من رجل، وهل جاءك من خبر، وهل عندك من شيء، للكثرة والشمول، كان لا يمتنع من دخوله على المفرد المخصوص أيضاً، وإذا قد امتنع منه، وكان قولك رجل لا يخلو من أن يفيد واحداً من قبيلة غير معين، أو القبيل كما هو.
стр. 38
وكنا قد علمنا من لغتهم وقصدهم أنهم لا يريدون نفي واحد غير معين في قولهم: ما جاءني من رجل، فما بقي إلاّ أن يكون مفيداً نفي القبيل كما هو مستغرق الأسماء، وأنت إذا قلت: ما جاءني رجل، من دون مِنْ فالأولى أن تريد به نفي واحد غير معين، وكذلك قولك: عشرون رجلاً، نبّه قولك: عشرون على أن يراد به الجنس كلهم، إذ كان لا يجوز أن يكون يفيد واحداً غير معين مع اقتران العشرين به لما يدخل المعنى من الفساد، ولأنه من الظاهر أن المراد ب عشرين رجلاً عشرون من الرجال، ومن القبيل الذين هو الرجال.
وكذلك إذا قلت: كل رجل، ف كل تبين أن رجلاً بعد عامّ للجنس. وكذلك قولك: هل عندك من أحد، أحد في معنى الجمع بدلالة أنه لا يجوز أن يقع في واحد، إذا كان القصد الذي يصح به في غير الواحد لا يصح في الواحد، إلاّ أن يكون موضع يحصل فيه قريب من الفائدة التي ذكرناها فيما ليست بواحد، كقول القائل: جاءني اليوم كل أحد، لأن هذا وإن أفاد الكثرة لا يفيد الاستغراق، فهو كما ذكرناه في كم إذا انتقل عن باب الاستفهام إلى باب الخبر.
فإن قيل: فلم لا تقول: جاءني عشرون واحداً، لأن الذي بعد العشرين لا يكون إلاّ في معنى الجمع بزعمك، قيل له من قبل: إن العشرين وما أشبهه، عدد مخصوص يحتاج إلى بيان المعدود الذي وقع عليه العدة، وذلك ما تفيده أسماء الأجناس وأحد ليس منها.
وقد بينَّا أن هذه الأسماء متى تعدّت الموضع الذي يفيد الوحدة فيه والانفراد، انصرف إلى الجنس، ولا بد من اقتران ما يفيد به.
فإن قيل قولك: كل رجل، وكل إنسان، هل يجوز أن يقع موقع المنكور هاهنا اسم الجنس المعرف بالألف واللام، لأن كلا منهما يفيد فائدة صاحبه بزعمك، ويكون مثل قولك: مائة درهم، ومائة الدرهم، إذا أردت التعريف، قيل: لا، ولكن إذا أريد التعريف في قولك: كل رجل، قلت: كل الرجال، وفي كل إنسان، كل الناس، ولا يجوز: كل إنسان، وكل الرجال، وذلك أن: كل رجل، في معنى: كل أحد، وتلخيصه: كل الرجال، إذا كانوا رجلاً رجلاً، على حد قولك: كل اثنين أي: كل الناس، إذا كانوا اثنين اثنين، وكقولك: هما خير اثنين في الناس، أي: هما خير الناس، إذا كانوا اثنين اثنين.
فإذا أردت التعريف خرج من هذا، لأن مثل هذا التقدير لا يتأتى فيه إلى قولك: كل الرجال، كل الناس، ولا يكون غيره، ومائة رجل، لا يقع موقعه أحد لما بيناه في قولنا: عشرين ونحوهما، فلما أضفت المائة إلى رجل، وكنت قد فرغت من العدد فاحتجت إلى الصنف، عرفت على ما كان نكرة، فقلت: مائة الدرهم. وفي هذا فصل ظاهر بين: مائة درهم، وقبيله، وبين كل أحد، وقبيله، فافهمه.
وإن قيل: لم امتنعت من كل الرجل، والله يقول:) كلُّ الطعامِ كان حلاَّ لبني إسرائيل (، قلت: إن هذا السؤال غلط أو مغالطة، لأن الطعام في شموله لأنواع كالناس في شموله لأنواع، وقد جوزنا أن يقال: كل الناس، وإنما امتنعنا من أن يقال: كل رجل، وكل الرجال، وقد دللنا عليه بما فيه كفاية، فاعلمه.
وأما قولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم، فليس هذا مما الاعتماد في إفادته الكثرة على شيء قبله، كما ذكرناه في النكرات، ولكن متى ما تعرَّى مما يخصصه فيجب أن يكون متناولاً للجنس، مستغرقاً له، ودالاً على أن الألف واللام من شأنهما التعريف والتخصيص.
والمعرَّف المخصص كما يكون محسوساً مدركاً معهوداً، يكون معلوماً معقولاً. فالألف واللام يشار به إلى تخصيص ذلك المعرف على ما يصح تخصيصه به، فإن كان معهوداً مدركاً محسوساً، فالإشارة بالألف واللام إلى تعريفه على ذلك الوجه.
وإن كان معلوماً معقولاً، فالإشارة به إلى تعريفه على ذلك الوجه. وقولنا: رجل لا يخلو من أن يكون المراد به واحداً من الجنس غير معين، والجنس كما هو، فكذلك إذا دخله الألف واللام ولم يقترن به ما يخصصه بمعين معهود، فيجب أن يفيد الموضع الثاني الذي له من الموضعين وهو الجنس كما هو، ويستدل على أن قولك: أهلك الناس الدينار والدرهم، وكثر الشاة والبعير. المراد به العموم والكثرة، مما تقدم من جواز استثناء الجماعة من هذا الاسم المفرد في اللفظ، وكذلك الدلالة الثانية من الحاجة إلى تعليق المقصود باسم الجنس مفيداً للعموم.
стр. 39
فإن قيل: إذا كان النكرة تفيد ذلك كما زعمت من قبل، فما فائدة هذا التعريف؟ قيل له: القصد فيه الإشارة إلى ما ثبت في النفس وعقل من معرفة الأنواع، وليس الدرهم في هذا أو نحوه كواحد عهدته وعلمته محسوساً، ثم أشرت إليه، لأن معرفة الأنواع من هذه الجهة ممتنعة، وغير مجوّز أن يعلم منا أحد هذه الأنواع محسوساً، كما يعلم بعض الأشخاص كذلك.
وإذا كان الأمر على هذا، وكان لا يمتنع في لغتهم أن تكون اللفظة المنكورة يستفاد منها ما يستفاد من المعرفة، ويستفاد من المعرفة مثل ما يستفاد من النكرة، فكذلك لا يمتنع في أسماء الأجناس ما ذكرناه من أن تكون نكرتها تفيد مثل ما تفيد معرفتها باقتران القرائن.
فإذا كان معرفة، فلفظه وفق مستفاده، وإذا كان نكرة فإنما تبين ما تبين منه ومن قرائنه التي بلَّغته ذلك الحد.
فأما قول من يقول: إن الألف واللام يفيدان الجنس، وتقديره أنه وضع في اللغة لذلك، فجعل باللغة والصناعة، لأن الألف واللام ليس فائدتهما إلاّ التعريف. وقولنا: الألف واللام مسامحة منا ومجرى على عادة النحويين، لأن اللام هي التي وضعت للتعريف فقط. والألف معها ألف الوصل، فاعلمه.
فإن قيل: كيف زعمت أن الألف واللام في نحو هذا التعريف، يدخل فيما يفيد التكثير دون الإفراد، وأنت قد تقول: خرجت فرأيت الأسد، وتعريفه ذلك التعريف، وأنت لا تريد تكثيراً ولا استغراقاً، وإنما المراد: خرجت فرأيت الواحد من هذا الجنس، من غير تعيين ولا تخصيص.
قلت: إنما جاز هذا في هذا النحو من المفردات لمشابهته النوع في أنه ليس بمعهود حسّاً، كما أن النوع ليس كذلك، وكأنك قد وضعت الجنس موضع المفرد لوقوع الاسم عليه كوقوعه على الجنس، ولأن العامّ يستعمل في موضع الخاص، كقولهم: أسيرَ عليه الأبدَ، وإنما يراد به: أسيرَ به، كثيراً.
وإذا كان الأمر على هذا، فهو كالشيء يستعار من بابه لغير بابه. ومثله ما يستعمل من لفظ الجمع في موضع المفرد. ألا ترى أنه يحسن أن تقول لمن ملك عبد، أو وهب ديناراً: صرت تملك العبيد وتهب الدنانير، وإن لم يكن ما ملكه أو وهبه إلاّ واحداً.
فكما تجوِّز بالجمع، كذلك تجوّز باسم الجنس، معرفاً في الواحد غير معين، وإن كان ذلك من فائدة النكرات.
ألا ترى أنه لا فصل بين قوله: خرجت فرأيت الأسد، وبين قوله: خرجت فرأيت أسداً، إلاّ ما تراه من التعريف. بلى، ممكن أن يقال: لو قيل: خرجت فرأيت أسداً، لكان السامع يجوز أن يتبع قوله أسداً صفة من الصفات، فإذا سكت المتكلم ولم يتبعه الصفة، بان له من بعد، أن قصده إلى واحد من الجنس غير معين ولا موصوف.
ولو قيل: خرجت فرأيت الأسد، كان السامع يعلم أن القصد إلى الواحد من الجنس ولا ينتظر الصفة التي تجوز مجيئها مع النكرة، فهذا يجوز أن يكون من فائدة ما فيه الألف واللام.
وعلى كل وجه، لم يزد التعريف اختصاصاً لم يكن في التنكير، والنكرة التي تفيد فائدة المعارف يشير به إلى النكرات المحدودة بالصفات وبالأحوال، حتَّى لا يجري مجرى الإشارة إلى المعنى كقولك: فينا رجل عليه درَّاعة شأنه كذا، وليس في القوم من عليه درّاعة غيره. والمعرفة التي تفيد النكرة غير قولك: مثلك شبهك، حسن الوجه، لأن هذا من حيث اللفظ، لا لما عرض من اللبس في الموضع.
فإن تقل بدل قولك: فينا رجل عليه درّاعة، فينا زيد أو أبو فلان أو غلامك، وفي الجماعة اسم كل واحد منهم أو صفته أو كنيته، مثل ذلك الاسم أو الصفة أو الكنية، كان فائدة المعرفة إذا كان الأمر على هذا فائدة النكرة.
стр. 40
فإن قيل له: زعمت أنه إذا دخل الألف واللام اسم الجنس، وتعرّى مما يخصصه، كان مستغرقاً شاملاً. وما تنكر أن يكون المراد به القبيل والجنس غير معين، كذلك يصح أن يقصد إلى الجنس من غير أن تريد الاستغراق، وإذا كان كذلك فانصرافه إلى الاستغراق يحتاج إلى دليل يقترن به يفيد فيه ذلك. وإلا كان لخلوه مما يفيد التخصيص فيه لا يخرج إلاّ إلى إفادته الجنس فحسب، قلت: إن من تأمل أسماء الأجناس كيف صيغت، ولماذا وضعت، استغنى بذلك عن هذا السؤال. وذاك أنهم إنما قصدوا إلى تمييز الأجناس بعضها عن بعض في وضع الأسماء لها، كما قصدوا إلى تمييز الآحاد وضعوا بشريطة أن يتناول الواحد إلى حيث انتهى وبلغ، واكتفوا له بذلك الاسم في تمييزه عما يخالفه. ولذلك لم يجمعوه ولم يثنوه، لأنهم صاغوه بشرط أن يفيد ما وضع هو له بالغاً ما بلغ، وكيف تزايد وتناقص.
والشيء إنما يصح التثنية والجمع عليه، إذا انحصر بدلالة أن التثنية ضم الشيء إلى مثله، والجمع ضم الشيء إلى مثليه أو أمثاله. وإذا كان هذا الضم الذي أشرنا إليه لا يصح إلاّ فيما قد وقف، فإذا لا يصح هذا المعنى في اسم الجنس.
وإذا كان حال اسم الجنس هذه الحالة، فمتى لم يقترن به ما يخصصه ببعض ما وضع له، فلا بد من أن يكون شاملاً له كله، مستغرقاً لأن موضوعه على ذلك، وكيف يفيد الجنس كما هو، ولا يكون مستغرقاً له.
وإذا كان ذلك على ما ذكرناه، فلا معنى لقول القائل: يفيد الجنس دون الاستغراق، لأن ذلك يتصور في الموضع الذي يقول فيه هذا. إن تعلق المعنى المقصود ببعض الجنس، ولغير ذلك البعض اسم الجنس. وذلك لا يعلم إلاّ بدلالة، كما يعلم الانفراد والتخصيص إلاّ بدلالة.
فإن قيل: ألست تجوز أن يقال: ضع هذا المال في هذا الجنس، ويشار به إلى الرجال، ولا يراد به الكل والاستغراق. وإذا كان في لفظه الجنس ذلك يجوز، فما ينكر أن يكون في اسم الجنس أيضاً يجوز.
قلت: إن قوله: ضع هذا المال في هذا الجنس مخصص بالعرف، ولهذا كان مأموراً بأن يصرفه إلى بعض الجنس لا كله. لأنه ليس في العرف أن يكون الواحد يعمّ الجنس، كما هو بصلة أو أمر.
وإذا كان كذلك، فلولا التخصص العرفي الذي ذكرناه، فكان قولهم: الجنس يشملهم كلهم.
وإذا كان حال لفظ الجنس هذه الحالة، فكذلك حال اسم الجنس هذه الحال، متى تجرد عما يخصصه من العرف أو الشرع أو العقل أو اللفظ، فلا يكون إلاّ شاملاً، فاعلمه.
ومن هذا القبيل قولهم: أول فارس، لأنه بدخول أول خرج فارس من أن يكون يفيد ما هو أولى به من الوحدة والانفراد، وصار يفيد الشمول والعموم. وعلى ذلك قوله :) ولا تكونوا أوَّل كافرٍ له (. ولهذا فسره الأخفش على أن معناه: أول من كفر به.
وقال غيره: إن معناه: أول فريق كافر به، والفصل بين الطريقين، أنه جعله الأخفش مستغرقاً، فوضع مكانه من كان المراد: ولا تكونوا أول الكافرين به إذا صار كافراً كافراً.
وجعله غيره على غير الوجه، فصرفه إلى فريق من القبيل غير معلوم، كأنه قال: أول الكافرين به إذا صاروا فريقاً فريقاً.
وأكثر أصحابنا البصريين على طريقة أبي الحسن الأخفش، وهو لا يصح، كما دللنا عليه وبيناه، لأن ادعاء حذف فريق وإقامة كافر الذي هو صفته مقامه، يحتاج إلى دلالة.
ومن هذا القبيل قولهم: رب رجل، وكم رجل لأن رجل بدخول كم ورب عليه صار مفيداً للكثرة ومستغرقاً، يدلك على ذلك أن كم يفيد التكثير مما يدخله بلا نهاية، ورب تفيد التقليل منه غير محصور.
ولكن على ما يراه المخبر من استقلال الشيء واستكثاره، فلولا أن رجل بعدهما للاستغراق، لم يكن يصلح دخول واحد منهما عليه.
وكيف يخرج الكثير الذي لا نهاية له معلومة، إلاّ من اللفظ الذي يفيد الاستغراق، وكذلك القليل الذي هو على الحد الذي ذكرناه. ومن هذا القبيل أسماء الفاعلين والمفعولين كقولهم: الكافر، السارق، الزاني، المسلم، المؤمن.
стр. 41
واعلم أن قولهم: الفاسق والزاني موضوع موضع: الذي فسق وزنى والألف واللام فيه بمعنى الذي، وهذا لأن الفعل لما لم يكن موضوعاً للتخصيص، بل كان موضوعاً لأن يكون خبراً مفيداً لا غير، امتنع مما يكون وروده للتخصيص كالإضافة والألف واللام، لكنهم كما جعلوه، أعني الفعل، من تمام الذي أحبوا أن يتناوله التخصيص أيضاً فنقلوه إلى اسم الفاعل، ونووا بالألف واللام فيه، وإن كان مجيئه في أصل الكلام التخصيص فقط، عنى الذي كان يحتمله الفعل في صلة الذي ليتم الألف واللام باسم الفاعل كما تم ذلك الفعل.
فكما أن الذي إذا لم يقترن به ما يخصصه بواحد بعينه، انصرف إلى الجنس، فيدل على استغراقه وشموله ما يدل في اسم الجنس لا فصل بينهما، ويقرب أمره تضمنه لمعنى الجزاء، حتَّى صار يجاب بما يجاب به الجزاء من الفاء. فكما أن الجزاء بالإبهام الذي صار حكم الاسم المستعمل فيه ما بيناه ودللنا عليه، وهو: من، وما، كذلك حكم اسم الفاعل والمفعول، بدلالة أن قوله تعالى:) السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (، بمثابة قوله لو قال: من سرق فاقطعوا يده.
وقد حكى أبو العباس المازني، أن اسم الفاعل يدخله الألف واللام مفيداً للتعريف فقط، يكون دخوله عليه كدخوله على اسم الجنس، إذا قلت: الرجل، وهذا وإن كان خلافاً من أصحابنا، فلا مدخل له فيما نحن فيه. فإن قيل: أراك تدير كلامك في الألف واللام على أن له موضعين: أحدهما تعريف العهد، والثاني تعريف الجنس، وأنت قد تقول: هذا الرجل فعل كذا أو كذا من غير أن يكون بينك وبين المخاطب عهد فيه.
فإذا كنت بقوله ولا عهد، ومن الظاهر أن قولك: هذا الرجل ليس يراد به الجنس، فهلا قلت: إن له موضعاً ثالثاً، وهو قولك: هذا الرجل، وتلك المرأة، وأنت تشير إلى حاضرين أحدهما بالبعد، والآخر بالقرب. قلت: إن الرجل والمرأة نقلهما ما صحبهما من اسم الإشارة إلى الحاضر، وهما في الأصل للجنس، ولا يمتنع ما يكون للجنس أن يقترن به ما يجعله لواحد من الجنس، لأن اسم الجنس ينتظم الواحد إلى ما لا نهاية، فاعلمه.
ومن هذا القبيل قولهم: نعم الرجل زيدٌ، وحبَّذا زيد لأن ذا كالرجل، والرجل اسم جنس، والمعنى: زيد محمود في قبيله، إلاّ أنه ليس بمستغرق، بدلالة أنه ثني وجمع، فقيل: نعم الرجلان الزيدان، نعم الرجال الزيدون، ولو كان مستغرقاً لما صح تثنيته، وليس قول القائل: زيد محمود في الرجال، وإذا صاروا رجلاً رجلاً بصواب. ولا قول: إنه لواحد بعينه بصواب، لأن وقوع رجل موقع أحد حتَّى يكون متناولاً لآحاد الجنس على طريق البدل، إنما يكون في النكرة، فأما إذا تعرف فإنه لا يفيد الاتحاد، ولهذا لم نقل: كل الرجل، ولا: كل الإنسان، وقد مضت الدلالة على ذلك.
ولا يجوز أن تكون لواحد بعينه، لأنه لو كان كذلك لما امتنع ما يفيد الاختصاص من الأعلام وغيرها من وقوعه موقعه، لتساويها كلها في إفادتها واحداً بعينه. وفي امتناع ذلك دلالة على أنه للجنس لا للواحد بعينه.
فإن قيل: فالرجل من قولك: نعم الرجل على أي وجه توجهه إذا لم تجعله مستغرقاً، قلت إن المادح كأنه عرف زيداً وأضرابه أو عرفه وقبيله الذي هو منه فأراد أن يتناوله المدح وهو مفضل عليهم، فاستعار لفظ الجنس لبعضهم، وصار تثنيته وجمعه له يدل على مراده، لأنه لما ذهب بالرجل إلى أن يكون مقصوراً على أضرابه أو قبيله الذي هو منه، صار مخصوصاً أو واقفاً على عدد، فصار يحتمل التثنية والجمع. فكأنّا إذا قلنا: نعم الرجلان الزيدان، قلنا: الزيدان محمودان في قبيلهما، وكل قبيل من القبيلين مخالف للآخر، ولو كان في وجه واحد، لأن تماثل شيئين كل واحد منهما للآخر من كل وجه، فاسد غير جائز.
وقد عرف من أصول اللغة وقول أصحابنا النحويين: أن أسماء الأجناس تثنى وتجمع إذا اختلفت، وقد حمل قوله تعالى:) بل يداهُ مبسوطتان (على أنه تثنية الجنس، كأنه جنسان من النعمة، نعمة الدنيا والآخرة، أو نعمة الدين والدنيا. ومن هذا القبيل قولهم: قلَّ رجل يقول ذاك، وأقل رجل يقول ذاك.
стр. 42
ألا ترى أنه ليس يجوز أن تريد واحداً غير معين من القبيل بقولك رجل، لأن واحداً لا يكون أقل من واحد عدداً، وليس قصد المتكلم بهذا إلى هذا الغرض، ولا أن يفيد أقل حقر وذل، لكن المراد: قل القائلون لذاك، أي: ما أحد يقول ذاك. فإذا كان الأمر على هذا فرجل يفيد الجنس، وليس سواه بمستغرق، بل هو على طريقة البدل، كأنه قال: قل القائلون لذاك إذا صاروا رجلاً رجلاً. ومعنى: قلّ رجل يقول ذاك، كمعنى: أقلّ رجل، وليس هنا موضع شرحه. والفصل بين الكلمتين أو التسوية إلاّ فيم ذكرناه من حال قولك: إن رجلاً واقع فيهما على حد واحد.
وقد تبين بما ذكرناه من حال قولك: درهماً من عشرين درهماً أن كل مميز في الموزون والممسوح والكيل، حاله حال هذا المميز به في المعدود، فاعلمه.
وليس كل ما يفيد الكثرة يفيد الاستغراق، وقد مضى بيان كل موضع من المواضع الذي تناوله كلامنا، فاعلمه.
وقد جاء ما يراد به الجنس مضافاً في كلامهم، فمن ذلك ما جاء في الحديث: ومنعت العراق درهمان وقفيزها، أي إخراجها وغلاتها. وقال الله :) وإن تعدُّوا نعمة الله لا تُحصوها (وروي عن ابن عباس ﵀ أنه قرأ:) وملائكته (، فإنه قال: كتابه أكثر من كتبه.
فأما ما يفيد الكثرة، ولفظه الواحد، وهي الأسماء المصوغة للجمع، فقد قسمته قسمين عند تفصيل الإجمال الذي صدر به هذا الكلام.
واعلم أن هذه الأسماء على اختلافها، لا تخلو من أحوال ثلاث: أما أن يكون الاسم منها صيغ للقليل خاصة، وأريد بالقليل أدنى العدد، وهي من الثلاثة إلى العشرة، كالنفر، والرهط، والذود، أو يراد به عدد معلوم، كقولهم: صِرْمة، وهجمة، وهُنيدة، وعرْج.
أو يراد به التكثير، وذلك: كقوم ونساء وكليب، وما جرى مجراه، وكل واحد من هذه الأنواع حكمه أن يفيد ما وضع له، فنقول: إن القائل إذا قال: مررت بنفر، أو رأيت رهطاً، أو جزت على ذَوْد، فكل عدد من الثلاثة إلى العشرة يمتُّ بماتَّة صاحبه في أن الاسم وضع له، وأنه يفيده إذا أفاده حقيقة.
فمتى اقترن به ما يخصصه ببعض ما وضع له، كان مفيداً لذلك على الحقيقة، وإن أطلق إطلاقاً فأول هذه الأعداد متيقن، والباقي ينتهي إليه بدلالة، وإنما قلنا هذا لأن اللفظ صيغ للتقليل، فلما كان مصوغاً للتقليل وكان له فيما يتناوله آخر معلوم، كما أن له أولاً معلوماً، حكم على المتيقن منه هو الأول دون الأوسط، والآخر، لأن الكل لم يخرج عما وضع له الكلمة من التقليل.
وكان الأول متيقناً، وما عداه ليس بمتيقن، والأخذ بالمتيقن أولى، وليس سبيل هذا سبيل الاسم الذي وضع لأشياء مختلفة، فلا يصرف إلى واحد منها إلاّ بدلالة. ألا ترى أنه ليس من شرط ما اشترك فيه عدة معان أن لا يوضع لواحد منها إلاّ وقد وضع للسائر، سواء حصل لها بواضع واحد أو بواضعين، وإن من شرط هذا تناول كل واحد من الأعداد التي يصلح لها بعد التواضع لواحد منها به لاشتراكها فيما وضع من أجله لذلك الواحد، فهذا سبيل هذه وأمثالها.
وأما إذا قال: مررت بهنيدة، وما يجري مجراها، ففائدته ما وضع له من العدد، لأن هنيدة اسم المائة وما داناها، والعرج اسم للخمس مائة والست مائة إلى الألف وكذلك ما يجري مجراه مما قصر به على عدد، أو على عدد وما يقاربه، وهذا أمره ظاهر.
فأما الجامل والباقر، والضَّئين، والكليب، ففائدته الكثرة، لأن هذه الأسماء وضعت للتكثير، فاعلمه. وكما ليس لها مبلغ تنتهي إليه، فليس لها ابتداء أيضاً. ولكن تتناول ما يكون كثيراً ولا تختص بعدد، وإن كان كثيراً إلاّ بدلالة.
وأما ما يفيد الكثرة ولفظه لفظ الجمع، فله أحكام، ونحن نبين القول فيه بما يحضر.
اعلم أن الجمع على ضربين: جمع سلامة، وجمع تكسير، فجمع السلامة هو الذي يسلم فيه لفظ الواحد، وله بناءان، أحدهما ما يكون بالواو والنون أو الياء والنون، والثاني: يكون بالألف والتاء.
وقال سيبويه: وهذا لفظه الجمع بالألف والتاء والواو والنون لتثليث أدنى العدد إلى تعشيره، وهو الواحد. كما صارت الألف والنون لتثنيته ومثناه أقل من مثلثه. ألا ترى أن جر التاء ونصبها سواء، وجر الاثنين والثلاثة الذين هم على التثنية ونصبهم سواء. فهذا يقرب أن الألف والتاء والواو والنون للأدنى لأنه وافق المثنى، انتهت الحكاية عنه.
стр. 43
واعلم أن فيما حكيناه من كلامه استدلالاً على شيئين من مذهبه: أحدهما: أن أول الجمع عند الثلاثة، ألا ترى أنه قال: التثليث أدنى العدد، يعني التثليث أو الأعداد لما حكم على الواو والنون، والألف والتاء.
والثاني: أنه قد صرح بأن الألف والتاء، والواو والنون للأدنى من الأعداد، لأنه وافق المثنى، ويعني بالموافقة أن المثنى في موضع النصب والجر، كما أن الجمع السالم في موضع النصب والجر بالياء. وكما أن الجمع بالألف والتاء في موضع النصب والجر بالكسرة، والكسرة أخت الياء، فلما توافقت هذه الأبنية فيما ذكرناه، وكان الجمع السالم على حد التثنية في سلامة لفظ الواحد فيه، صار كما ارتقى من الواحد إلى التثنية في الإفادة، ارتقى من التثنية إلى الثلاثة في الإفادة، ثم صار حكمه حكم الثلاثة في أنه من أدنى العدد متَّ إليه بماتَّة الثلاثة فصلح للكل.
فتقول: يقتضي مذهبه أن الجمع بالواو والنون، والألف والتاء الأولى فيما يفيده أدنى العدد، وهو من الثلاثة إلى العشرة، ويصلح للكثير من حيث لم يتناول هذا البناء بالجمع ثانياً. وليس نريد بقولنا: إنه يصلح له أنه إذا استعمل في الكثير كان مجازاً فيه، ولكن نريد أن الأولى به أدنى العدد ثم هو مستصلح للكثير أيضاً بالوضع. فمتى دلّ الدليل على أنه للكثير، صرف إليه.
ولا نقول: إنه مجاز فيه. والذي جعل حكم الأولى بأدنى العدد ما ذكره سيبويه من انبنائه على التثنية ومجيئه على حده، وموافقته له فيما ذكره. والذي سوغ أن يكون للكثير، ودل عليه، هو أن هذا البناء، أعني الجمع السالم لم يتناول بالجمع بناء كما تنوول الأبنية المصوغة لأدنى العدد، وهي أربعة: أفعال، وأفعلة، وأفعل، وفعلة، وكسرت تكسير الآحاد لمناسبتها لها في إفادتها القليل.
ألا ترى قولهم: أكرع وأكارع، وأبيات وأباييت وأنهم لا يفعلون ذلك بالجمع السالم، ومما يثبت ما ذكرناه ويؤيده أن الجمع السالم إذا صغِّر يصغر على لفظه، فنقول في مسلمين مسيلمون، وفي جعفرين جعيفرون، وفي مسلمات مسيلمات. كما أن ما وضع لأدنى العدد يصغر على لفظه وهي هذه الأبنية الأربعة.
وإنما صغرت على ألفاظها لأنها لما أفادت القليل أشبهت الواحد في إفادته لأدنى العدد على ألفاظها. والأبنية المفيدة للكثرة إذا صغرت ردت إلى أدنى عددها إن كان لها أدنى العدد، وإن لم يكن لها أدنى العدد ترد إلى واحدها فيصغر وتلحق فيه علامة الجمع. وإذا كان الأمر على هذا، تبين أن حكم مسلمات ومسلمون في أن الأولى به أدنى العدد، وحكم هذه الأبنية الأربعة سواء.
وإن كانت هذه الأبنية إذا استعملت في الكثير، كانت على طريق الاستعارة لأنهم كما يستعيرون الألفاظ يستعيرون البنى أيضاً.
وجمع السلامة، وإن كان الأولى به أدنى العدد فهو مستصلح للكثير أيضاً، مفيد له على الحقيقة إذا اقترنت به دلالة، فهذا حكم جمع السلامة. فإن قيل: إذا كان جمع السلامة وإن كان الأولى به أدنى العدد، قد وضع للكثير أيضاً، وينتهي به إليه إذا دلت الدلالة عليه، وذاك تغليب الأولى به لها، فلم أجري في التصغير على طريق ما وضع لأدنى العدد، وهو أنه يصغر على لفظه.
قيل له: إن الجمع الكثير متى لم يكن له أدنى العدد يرد إلى واحده، وإذا رد إلى واحده كان كجمع السلامة إذا صغر. ألا ترى أن مساجد إذا صغّرته قلت في تصغيره مسيجدات فهو على حد مسيلمات إذا صغرت مسلمات. وإذا كان كذلك فكأنهم في تصغيره على لفظه جمعوا له الحكمين جميعاً، أعني حكم أدنى العدد الذي يصغر على لفظه، وحكم الجمع الكثير إذا لم يكن له أدنى العدد فيرد إلى واحده من حيث كان موضوعاً لهما، أعني للقليل وللكثير. وإن كان متى تجرد كان الأولى به القليل للدلالة التي دلت، فقد حكي أن حسان بن ثابت لما أنشد النابغة كلمته التي فيها:
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافنا يقطرنَ من نجدةٍ دما
عاب عليه قوله الجفنات، وقال له: لم قللت جفانك، فهذا يؤيد ما ذكرنا، فافهم.
وأما القسم الثاني وهو الجمع المكسر، فله بناءان: أحدهما للقليل، وقد تقدم ذكره.
والثاني للكثير، ويتفق في الأكثر أن يكون الشيء يحصل له البناءان جميعاً، ويتفق أيضاً أن يقصر على أحدهما ثم يستعمل إن كان للقليل في الكثير أيضاً، وإن كان للكثير في القليل أيضاً.
стр. 44
ولما كان العدد عددين: عدد قليل، وعدد كثير، خص اسم العدد من الثلاثة إلى العشرة بأن يبنى بناء القليل فيضاف إليه دون بناء الكثير، لئلا يخرجوا عن التشاكل إلى التباين، فقيل: بُرْد وبردان، وثلاثة أبراد، وفلس وفلسان، وثلاثة أفلس، وجبل وجبلان، وثلاثة أجبال، وغلام وغلامان، وثلاثة غلمة، وغراب وغرابان، وثلاثة أغربة.
ولا يؤثر فيما له بناء القليل إذا أرادوا تبين العدد القليل استعمال بناء الكثير إلاّ في النادر، وأبنية الكثير أكثر من أن يتناوله العدّ إلاّ بعد تكلف، ثم لا يؤمن أن يسقط منه الكثير أيضاً، فلذلك لم أطَّلب حصرها.
واعلم أن الأبنية التي تفيد الكثرة، كالفُجَّار، والفسَّاق، والزُّناة، والغزاة، والبيوت، والمساجد، والغرف، والشرف، والغلمان، والسُّودان، والبيضان، وما جرى مجراها متى لم يقترن لها ما يخصصها بعدد بعينه، فحكمها حكم أسماء الأجناس.
إلاّ أن أسماء الأجناس ترتقي من الواحد، وهذه الأبنية ترتقي من الثلاثة. واتفاقهما في أن كل واحد منهما وضع لأن يتناول ذلك الذي يفيده بالغاً ما بلغ، ومتى لم يقترن به ما يخصصه فيجب أن يكون مفيداً للكثرة، وكل ما استدل به في أسماء الأجناس يمكن أن يستدل بها في هذه الأبنية على أنها وضعت للكثرة والشمول.
ونقول أيضاً: إن جمع السلامة متى اقترن به ما يخرجه عما هو أولى به من إفادة القليل لحق بهذا أيضاً، لأنه وإن كان الأولى به إفادته القليل، فهو من حيث الوضع يتناول الكثير أيضاً، وقد مرت الدلالة على هذا. وإذا كان كذلك فقوله تعالى:) وهم في الغرفاتِ آمنون (بما اقترن به ما نبهنا على أنه يريد أدنى العدد، لحق في إفادته الكثرة باسم الجنس، وبما وضع للكثير وخص به.
وكذلك قوله تعالى:) إنَّ المسلمين والمسلمات (وكل ما يجري مجراه.
فإن قيل: لمَ زعمت أنه يجب تبين العدد القليل ببناء الجمع القليل وإضافته إليه، وهلا أضيف إلى بناء الكثير كما يضاف البعض إلى الكل.
قلت: إنما أضيف إلى بناء القليل لقلة العدد المعدود، ولو أضيف إلى بناء الكثير لم يحسن لسقوط الموافقة والمشاكلة من بينهما، ودخول التباعد والتباين في حدهما. ألا ترى أنك لو قلت: خمسة جمال أو سبعة بغال لكنت مقللاً بقولك: خمسة وسبعة ومكثراً بقولك: جمال وبغال، وبينهما من التدافع ما لا يخفى. فإذا قلت: خمسة أجمال وسبعة أبغل تشاكل العدد والمبين له، وتعاونا فيما يفيد أنه من القلة واستدل كل واحد من المضاف والمضاف إليه على حال صاحبه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى:) والمطلّقات يتربصنَ بأنفسهنَّ ثلاثة قروء (، فعدل عن أقراء وهو لأدنى العدد إلى قروء وهو الكثير، وأنت زعمت أن ذلك لا يؤثر ولا يحسن.
فالجواب: أن أقراء لم يروه سيبويه، وواحده قرْء بفتح القاف، وقياس فعْل أن يكون على أفعُل وإن أثبتناه لما ورد في الخبر من قوله: أيام أقراء، بل هو مما شذ عن القياس، وإن ورد في الاستعمال كاستحوذ. فكما لا يجوز القياس على استحوذ فكذلك لا يجوز للقياس على ثلاثة قروء. وقد رد أصحابنا هذا التأويل إلى ما عليه، ونظروا فقالوا: تقديره ثلاثة أقراء من القروء.
وطريقة أخرى: وهو أنه لما كان بناء الكثير أكثر في الاستعمال وأشهر من بناء القليل بدلالة أن مثل سيبويه لم يجعل في جمع قَرْء غير قروء وصار في حكم ما لم يجيء فيه غير بناء الكثير، فكما قيل: ثلاثة رجال، وأربعة مساجد قيل: ثلاثة قروء إذا كان أقراء في حكم ما لم يجيء لقلته. ومما يكشف قبح إضافة القليل إلى الكثير وخروجه عن الملاءة إلى التدافع أنهم لم يحقروا أبنية الكثرة على ألفاظها من حيث كان التحقير تقليلاً.
وهذه الأبنية للتكثير، فكما رفضوا ذلك لزوال التشاكل منهما وحصول التباين فيهما، فكذلك يجب أن نرفض ما أنكرناه، وهذا بيِّن.
ومن تأمل هذه المواضع اتضح له أغراضهم في هذه الأبنية، وصحة ما بيناه في جميعها إن شاء الله.
стр. 45
واعلم أن ما يفيد الشمول في النفي خاصة ولا يستعمل في الإثبات، إنما هو في عدة أبواب منه، كأنها خصصت به لكثرة البلوى بها إذا كانوا يضيعون ما يضيعون بحسب الحاجة إليه، ولم يستعمل في الإثبات، لأن ما يفيد الشمول مثله على حده لا يصح في الإثبات، إذا كانت هنا الحكاية لم تجر به، وقد بينا ذلك. فمنها ما يتكلم به في نفي الناس نحو: ما بها دُعْويّ، وما بها تامور، وما بها شفر. ومنها ما هو في نفي المال نحو: ما له سم ولا خم، وما له قُذَعْملة. ومنها ما ينفي به الطعام نحو: ما ذقت علوسا. ومنها ما ينفي به النوم نحو: ما ذقت غِماضاً ولا حثاثاً. ومنها ما ينفي به الأوجاع نحو: ما به وَذِيَّة. ومنها ما ينفي به الحلي نحو: ما عليها خضاض. وهذه على اختلافها وأمثالها لا يستعمل شيء منها في الإثبات، وهي تفيد نفي قليل ما وضع له وكثيره، فافهم ذلك واعلمه، إن شاء الله.
المنتخبات الشعرية
محمد بن يزيد بن مسلمة
يا صاحبيَّ قفا عليَّ سويعةٍ ... كيما نلمَّ بقصرِ عبدِ القادرِ
عوجا معي لله درُّ أبيكُما ... نشفِ القلوبَ من الجوى المتخامرِ
أمَّا النزولُ فيائسٌ أنْ تفعلا ... لا تبخَلا عنِّي بموقفِ ناظرِ
كفَّا الملامَ ولاتَ حينَ ملامةٍ ... هذا أوانُ ترافدٍ وتناصرِ
أو فاصرِما حبلَ المودةِ بيننا ... هذا الطريقُ لمنجدٍ أو غائرِ
فتواقفا متشتِّتينَ هواهُما ... من مسعديَّ بالوفاءِ وغادرِ
فانقادَ لي هذا فأبصرَ رشدهُ ... وانحازَ ذاكَ إلى الطريقِ الجائرِ
لمَّا بدا وادي النُّويرةَ دوننا ... نرمي الفجاجَ بعنتريسٍ ضامرِ
رفعَ العقيرَةَ بالغناءِ فشاقني ... رجعٌ كحدرِ اللؤلؤِ المتناثرِ
رهبانُ مدينَ لو رأوْكِ تنازلوا ... والعصمِ من شغفِ العقول الفادرِ
فاغرورقتْ عينُ الفتى فزجرتهُ ... نهنهْ دموعكَ فارعوى للزاجرِ
حتّى إذا أرخى الظلامُ ستورهُ ... وتزاورَ العيّوقُ أيَّ تزاورِ
وتصوّبتْ أيدي النجومِ فغوَّرتْ ... وغوائرٌ منها أمامَ غوائرِ
عجنا بقصرِ بني شعيبٍ بعدَما ... سئمَ الخليطُ ونامَ كلُّ مسامرِ
ورمى الكرَى في الحارسينِ فهوَّموا ... من بعد ما بقيا بليل ساهرِ
قالَ ابنُ عمِّي ما ترى قلتُ اتئدْ ... ليس الجهولُ بخطِّةٍ كالخابرِ
اعقلْ قلوصاً جانبا لا ترعَها ... واقرنْ وظيفَ ذراعِها بالآخرِ
أمَّا الجوادُ فلم يبرحْ مكانتهُ ... بتقدِّمٍ منه ولا بتأخّرِ
عوّذتهُ فيما أزورُ حبائِبي ... إهمالهُ وكذاكَ كلُّ مخاطرِ
وإذا احتبَى قربوسهُ بعنانهِ ... علكَ الشَّكيمُ إلى انصرافِ الزَّائرِ
وعلمتُ أنَّ الأمرَ ليسَ دواؤهُ ... إلاّ الجسورُ ليسَ حينَ تجاسرِ
فخرجتُ أقدمُ صاحبي متوشِّحاً ... بحمائل الغصبِ الحسامِ الباترِ
أكزُ النيامَ ميامنا ومياسرا ... والقومُ نصبُ ميامنِي ومياسِري
ما راعني إلاّ نبيذُ وصيفةٍ ... بالسُّورِ تنبذُ بالحصى المتواترِ
مأمورةٍ لم تعدُ ما أُمرتْ به ... سقياً لمأمورٍ هناكَ وآمرِ
وأبهنَ فاستشرفنَ لي ... من بينِ مسدلةِ النقابِ وحاسرِ
أشرفنَ إشرافَ الظِّباءِ تشايمتْ ... برقاً تبوَّجَ في حبِيٍّ ماطرِ
بملاحفٍ مصقولةٍ قد وصِّلتْ ... ومآزرٍ عقَّدْنها بمآزرِ
تسعٌ حُشدنَ لعاشرٍ يُصعدنهُ ... يا ربِّ سلّمْ شخصهُ من عاشرِ
فسدلنَ أسباباً إليَّ ضعيفةً ... إمَّا وهتْ لم يلقَ لي من عاذرِ
فشددتُها في رسغِ أروعَ ماجدٍ ... ماضٍ على الأهوالِ غير مؤامرِ
وطليحهنَّ وساوسٌ قد قطَّعتْ ... قلبي مخافةَ نبأةٍ من سائرِ
فمطوتُ منكبَ صاحبي فأنافَ بي ... وجذبنَ بالأسبابِ بعدَ تشاورِ
فصبرنَ للأمرِ الذي حاولنهُ ... حتَّى ظفرنَ وبتنَ غيرَ صوابرِ
فلئنْ دخلتُ القصرَ مدخلَ فاتكٍ ... ما كنتُ في سترِ الحجالِ بفاجرِ
أمَّا الإزارُ وحوزهُ فمحرَّمٌ ... وليَ الوشاحُ وما خلا من ماطرِ
والشَّمُّ والتقبيلُ كانَ محلَّلاً ... واللَّمسُ إلاّ عن كثيبٍ مائرِ
стр. 46
ما ذاكَ إلاّ أنَّني متكرِّمٌ ... حرُّ الأرومةِ بتُّ بينَ حرائرِ
بينَ الرَّبابِ وبينَ أترابٍ لها ... بيضٍ غذاهنَّ النعيمُ عباهرِ
فتقاصرَ الليلُ الطويلُ ولم يكنْ ... من قبلُ ذاكَ عليَّ بالمتقاصرِ
هطلتْ علينا بالسُّرورِ سماؤهُ ... وجرتْ كواكبهُ بأسعدَ طائرِ
لمَّا بدا ضوءُ الصباحِ مبشِّراً ... أولاهُ أردافَ الدُّجى بأواخرِ
قالتْ ودمعُ العينِ يغسلُ كحلَها ... نفسي الفداءُ دنا الصباحُ فبادرِ
فخرجتُ في خمسٍ كواعبَ زرنَها ... ذاتَ العشاءِ خروجَ قدحِ الياسرِ
ما إنْ نمرُّ بحارسٍ إلاّ زوى ... عنَّا عرامةَ طرفهِ المتخازرِ
فمضينَ بي وقلوبهنَّ رواجفٌ ... يخفقنَ بينَ حشا وبينَ حناجرِ
لمَّا وقفنَ بالثَّنيَّة لم يكنْ ... إلاّ وداعُ مسلِّمٍ أو سائرِ
وإذا البلادُ بلاقعٌ من صاحبي ... لمحَ الصَّباحُ له لضوءٍ ناصرِ
هزمتْ عساكرُهُ دجى ظلمائها ... والليلُ منهزمٌ بغيرِ عساكرِ
خلَّفتهُ وفؤادهُ حذرَ العدى ... في مثلِ خافيةِ العقابِ الطَّائرِ
وإذا الجوادُ بموقفٍ أحرزتهُ ... لمَّا تحقَّقَ فيه قولُ الشاعرِ
قد ملَّ من علكِ الشَّكيمِ كأنَّه ... ناجٍ بصحراءِ المَعَى فقُراقرِ
قرَّبتهُ ثم استحلْتُ بمتنهِ ... وانقضَّ يهوي كالعقابِ الكاسرِ
فناقضه عبد القادر فقال:
يا قصرَ مسلمةَ الذي أهدَى لنا ... حورَ الظِّباءِ سُقيتَ صوبَ الماطرِ
قد كانَ يبلغُني فصرتُ مكذِّباً ... عن حسنِ أهلكِ في الزَّمانِ الغابرِ
حتَّى رأيتُ الشمسَ أشرقَ نورُها ... في ريطةٍ مصقولةٍ وقراقرِ
ورأيتُ غزلانَ الخدورِ سوافراً ... يبسمنَ عن كالأقحوانِ الزَّاهرِ
في مجلسٍ هطلتْ سماءُ سرورهِ ... درراً تساقطُ من مِفنٍّ ماهرِ
فجنيتُ من ثمر الصَّبابةِ والهوى ... وخبطتُ من ورقِ النَّعيمِ النَّاضرِ
وظللنَ يرمينَ القلوبَ بأسهمٍ ... سمَّتُ مشاقصها بطرفٍ فاترِ
وأصبنَ منِّي مقتلاً فقتلنني ... يا من رأى ليثاً قتيل جآذرِ
دعْ ذا ولكن هل سمعتَ مقالها ... والعينُ تسعدها بدمعٍ ماطرِ
في غفلةٍ من أهلها لِفتاتها ... ويلي غداً إن سارَ عبدُ القادرِ
قال عمرو بن قعاس المرادي:
ألا يا بيتُ بالعلياء بيتُ ... ولولا حبُّ أهلكِ ما أتيتُ
ألا يا بيتُ أهلكِ أوعدوني ... كأنِّي كلَّ ذنبهمُ جنيتُ
ألا بكرَ العواذلُ واستميتُ ... وهل أنا خالدٌ إمَّا صحوتُ
إذا ما فاتني لحمٌ غريضٌ ... ضربتُ ذراعَ بكري فاشتويتُ
وكنتُ إذا أرى زقَّا مريضاً ... يناحُ على جنازتهِ بكيتُ
أرجِّلُ لمَّتي وأجرُّ ذيلي ... وتحمل بزَّتي أفقٌ كميتُ
أمشِّي في ديار بني غطيفٍ ... إذا ما سامني ضيمٌ أبيتُ
وسوداءِ المحاجرِ إلفَ صخرٍ ... تلاحظني التَّطلُّعَ قد رميت
وغصنٍ ليِّنٍ غضرٍ رطيبٍ ... هصرتُ إليَّ منه فاجتنيتُ
وماءٍ ليسَ من عدٍّ رواءٍ ... ولا ماءِ السَّماء قد استقيتُ
وتامورٍ هرقتُ وليس خمراً ... وحبَّةِ غيرِ طاحنةٍ فليتُ
ولحمٍ لم يذقهُ الناسُ قبلي ... أكلتُ على خلاءٍ وانتقيتُ
وبركٍ قد أثرتُ بمشرفيٍّ ... إذا ما زلَّ عن عقرٍ رميتُ
وصادرةٍ معاً والوِردُ شتَّى ... على أدبارها أُصلاً حدوتُ
وعاديةٍ لها ذنبٌ طويلٌ ... رددتُ بمضغةٍ مما اشتهيتُ
ونارٍ أوقدت من غيرِ زندٍ ... أثرتُ جحيمها ثم اصطليتُ
أثبِّتُ باطلي فيكونُ حقّاً ... وحقّاً غيرَ دي شبهٍ لويتُ
فلم أدبرْ على الأدنينِ إنّي ... نماني الأكرمونَ وما نميتُ
متى ما يأتني أجلي يجدني ... شبعتُ من اللَّذاذةِ واشتفيتُ
وقال عروة بن حزام العذري:
ألا يا غرابيْ دمنةِ الدارِ بيّنا ... أبا الصِّرمِ من أسماءَ تنتجيانِ
فإنْ كانَ حقّاً ما تقولانِ فانهضا ... بجسمي إلى وكريكما فكلاني
ولا يدرينَّ الناسُ ما كان ميتني ... ولا يأكلنَّ الطَّيرُ ما تذرانِ
стр. 47
فإن تكشفا عنِّي القميصَ تبيَّنا ... بيَ السُّقمَ من عفراءَ ما تذرانِ
إذاً تجدا لحماً قليلاً وأعظماً ... بلينَ وقلباً دائمَ الخفقانِ
فعفراءُ أصفى الناس عندي مودَّةً ... وعفراءُ عنِّي المعرضُ المتواني
على كبدي من حبِّ عفراءَ وقرةٌ ... وعينايَ من وجدٍ بها تكفانِ
سجوماً وتذرافاً وسحّاً وديمةً ... وسكباً وإخضالا وتبتدرانِ
كأنَّهما وهيانِ في مستشنَّةٍ ... تسدَّانِ أحياناً وتنفجرانِ
فأقسمُ لولا حبُّ عفراءَ ما التقى ... عليَّ رواقا بيتكِ الخلقانِ
ولا حملتْ عنسي بأغبرَ طامسٍ ... ولا وكلتْ عيناي بالهملانِ
فويلي على عفراءَ ويلاً كأنَّهُ ... على الصَّدرِ والأحشاءِ حدُّ سنانِ
أعفراءُ كمن من ميتةٍ قد أمتِّني ... وحزنٍ ألحَّ العينَ بالهملانِ
لقد تركتْ عفراءُ قلبي كأنَّهُ ... جناحُ عقابٍ دائمُ الطَّيرانِ
فيا ليتنا نحيا جميعاً وليتنا ... إذا نحنُ متنا ضمَّنا كفنانِ
ويا ليتنا عفراءُ منن غيرِ ريبةٍ ... بعيرانِ نرعى القفرَ مؤتلفانِ
هوى ناقتي خلفي وقدَّاميَ الهوى ... وإنِّي وإيَّاها لمختلفانِ
فإنْ تحملي شوقي وشوقكِ تظلعي ... وما ليَ بالحملِ الثقيلِ يدانِ
ألا ليتَ عمِّي يومَ فرَّقَ بيننا ... سقي السُّمَّ ممزوجاً بشثِّ يمانِ
فيا عمِّ لا بلَّتكَ من ذي قرابةٍ ... بلالٌ وزلَّتْ تحتكَ القدمانِ
وذاكَ بما فرَّقتَ بيني وبينها ... ونحن بنيَّا العمِّ مؤتلفانِ
يكلِّفني عفراءُ ستينَ بكرةً ... وما ليَ يا عفراءُ غيرُ ثمانِ
يكلِّفني عفراءُ ما ليسَ لي به ... ولا بالجبالِ الراسياتِ يدانِ
فواللهِ ما حدَّثتُ سرَّكِ صاحباً ... نصيحاً ولا فاهتْ به الشَّفتانِ
سوى أنَّني قد قلتُ يوماً لصاحبي ... ضحى وقلوصانا بنا تخدانِ
ألا حبَّذا من حبِّ عفراءَ ملتقى ... نعامٍ وبركٍ حيثُ يلتقيانِ
جعلتُ لعرَّافِ اليمامةِ حكمهُ ... وعرَّافِ نجدٍ إن هما شفياني
فقالا نعمْ نشفي من الدَّاء كلِّهِ ... وقاما مع العوَّادِ يبتدرانِ
وما تركا من رقيةٍ يعلمانها ... ولا سلوةٍ إلاّ بها رقياني
فقالا شفاكَ اللهُ واللهِ ما لنا ... بما ضمِّنتْ منكَ الضُّلوعِ يدانِ
كأنَّ قطاةً علِّقتْ بجناحها ... على كبدي من شدَّةِ الخفقانِ
وقال حسان بن ثابت:
أسألتَ رسمَ الدَّارِ أم لم تسألِ ... بينَ الجوابي فالبضيعِ فحوملِ
فالمرجِ مرجِ الصُّفَّرينِ فجاسمٍ ... فديارِ تبنى درَّساً لم تحللِ
دارٌ لقومٍ قد أراهم مرَّةً ... فوقَ الأعزَّةِ عزُّهم لم ينقلِ
للهِ درُّ عصابةٍ نادمتهمْ ... يوماً بجلَّقَ في الزَّمانِ الأولِ
أولادُ جفنةَ حولَ قبرِ أبيهمِ ... قبر ابن ماريةَ الكريمِ المفضلِ
يسقونَ من وردَ البريصَ عليهم ... بردى يصفِّقُ بالرّحيقِ السَّلسلِ
يسْقونَ درْياقَ المدامِ ولم تكنْ ... تعدو ولائدهمْ لنقفِ الحنظلِ
يغشونَ حتَّى ما تهرُّ كلابهمْ ... لا يسألونَ عن السَّوادِ المقبلِ
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابهمْ ... شمُّ الأنوفِ من الطِّراز الأولِ
فلبثتُ أيَّاماً طوالا فيهمُ ... ثم ادَّكرتُ كأنني لم أفعلِ
إمَّا تريْ رأسي تغيَّر رأسي تغيَّر لونهُ ... شمطاً وأصبحَ كالثَّغامِ الممحلِ
فلقد يراني الموعديُّ كأنَّني ... في قصرِ دومةَ أو سواءِ الهيكلِ
ولقد شربتُ الخمرَ في حانوتها ... صهباءَ صافيةً كطعمِ الفلفلِ
يسعى عليَّ بكأسها متنطِّفٌ ... فيعلُّني منها ولو لم أنهلِ
إنَّ التي ناولتني فرددتها ... قُتلتْ قتلْتَ فهاتها لم تقتلِ
كلتاهما حلبُ العصير فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمفصلِ
بزجاجةٍ وقصتْ بما في جوفها ... رقصَ القلوصِ براكبٍ مستعجلِ
نسبي أصيلٌ في الكرام ومذوَدي ... تكوي مواسمهُ جنوبَ المصطلي
وفتىً يحبُّ المجدَ يجعلُ مالهُ ... من دونِ والده وإن لم يسألِ
стр. 48
ولقد تعمِّمنا العشيرةُ أمرها ... ويصيبُ قائلنا سواءَ المفصلِ
فتزورُ أبوابَ الملوكِ ركابنا ... ومتى نحكَّمُ في العشيرةِ نعدلِ
وقال الحارثي:
ألممْ بزينبَ جازَ منكَ بكورُ ... وغداً يجدُّ بمن تحبُّ مسيرُ
كيفَ اللِّقاءُ ومنْ نحبُّ لقاءه ... متنجِّدٌ بكراً وأنتَ تغورُ
كم حرَّةٍ ركدتْ عليَّ وزفرةٍ ... إذ قيلَ من تهوى غداً سيسيرُ
سقياً لمن ودَّعتهُ فكأنَّهُ ... مما يجنُّ من الفراقِ يهيرُ
إنّي غداةَ فراقهمْ إذ لم أمتْ ... كمداً غداةَ فراقهمْ لصبورُ
فيا مرابيضَ حمَّ يومُ فراقكمْ ... فهلِ اللِّقاءُ لعاشقٍ مقدورُ
قالت وشخص دمعها من عينها ... وهوى يجيشُ به حشىً وضميرُ
إنَّ الذي قدرَ الفراقَ على الذي ... تهوى النفوسُ من اللقاءِ قديرُ
قد ينزحُ الألاَّفُ ثم تكرهمْ ... مررٌ ويعتقبُ الأمورَ أمورُ
فوجمتُ من أسفٍ وقلتُ لعلَّهُ ... وعلمتُ أنَّ مقالها تصبيرُ
ما ضرَّ أهلكِ لو ينوَّلُ عاشقٌ ... أولم يسهَّلْ أذنهُ فيزورُ
نفسوا القليلَ عليهِ منكِ وعندهُ ... لو نالهُ منكِ القليلُ كثيرُ
لا شيءَ أيسرُ من زيارةِ طارقٍ ... يهوى لقائكِ واللّقاءُ يسيرُ
نفسي معلَّقةٌ بذكركَ والحشا ... قلقٌ إليكِ إذا ذكرتِ يطيرُ
لا تنكري قلقي إليكِ وصبوتي ... إنَّ المحبَّ بما أتى معذورُ
لو شئتِ لانتعشَ المحبُّ بزورةٍ ... يحيى لهُ طرفٌ بها مسرورُ
ولقد بسطتُ يدي لبذلِ نوالكمْ ... إنَّ المحبَّ إلى الحبيبِ فقيرُ
ولقد ذكرتكِ والجحيمُ معرَّفٌ ... وجداً بوجهكِ والمحبُّ ذكورُ
لولا الحياءُ وأن يقالَ شكا الهوى ... . . إلى من بهواك يجيرُ
لكن سترتكِ أن يشادَ بذكرنا ... وسترتُ نفسي والكريمُ ستورُ
قال العواذلُ قد كبرتَ عن الصِّبا ... صدقَ العواذلُ إنَّني لكبيرُ
إنْ يمسِ شيبٌ قد تفرَّعَ لمَّتي ... فالحبُّ مقتبلُ الشبابِ غديرُ
أبلى ويعقبه التَّقادمُ جِدَّةً ... إنَّ الهوي لمعمِّرٌ موفورُ
وقال مالك بن الريب يذكر غربته ومرضه ويرثي نفسه:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بجنبِ الغضى أزجي القلاصَ النَّواجيا
فليتَ الغضى لم يقطعِ الرَّكبُ عرضهُ ... وليتَ الغضى ماشى الرِّكابَ لياليا
أقولُ لزيدٍ وهو مثلي به جوى ... أرى الرأيَ منَّا أن نزورَ المعاويا
وكيفَ زيارٌ للمعاويّ بعدما ... وجدنا طبيبا دون ذاك مداويا
فباتَ يعلّلني بمن يسكنُ الغضى ... وإن لم يكنْ يا زيدُ إلاّ الأمانيا
أراني من حبِّ الغضى لاحقاً بهِ ... فيمسكهُ أهلي وراعيه ماليا
لقد كانَ في أهل الغضى لو دنا الغضى ... مزارٌ ولكنَّ الغضى ليسَ دانيا
خليليَّ من عليا ربيعةَ مازنٍ ... بسمنانَ هل يغنيكما ما غنانيا
حسبتُ الغضى يشفي الهيامَ فلم أجدْ ... شميمَ الغضى يشفي الهيام هياميا
وكنتُ حسبتُ الحنَّ قد مات فانقضى ... فقضَّيتُ عن حنِّ النّساءِ لياليا
فلمَّا هبطنا أرضَ عمرٍو من الغضى ... دماثِ الروابي والحقوقِ المخابيا
إذاً في الغضى يا سقيَ من يسكنُ الغضى ... شبيهةُ سوداءَ التي لستُ ناسيا
ألمْ ترني بعتُ الضَّلالةَ بالهدى ... وأصبحتُ في جيشِ ابنِ عفَّانَ غازيا
وأصبحتُ في أرضِ الأعاجمِ بعدما ... أرانيَ عن أرضِ الأعاجم قاصيا
دعاني الهوى من أهلِ أوْدَ وصحبتي ... بذي الطِّبسينِ فالتفتُّ ورائيا
أجبتُ الهوى لما دعاني بعبرةٍ ... تقنَّعتُ منها أن ألامَ ردائيا
أقولُ وقد حالتْ قرى الكردِ دوننا ... جزى الله عمراً خيرَ ما كانَ جازيا
إنِ اللهُ يرجعني من الغزو لا أرى ... وإن قلَّ مالي طالباً ما ورائيا
لعمري لئنْ غالتْ خراسان هامتي ... لقد كنتُ عن بابيْ خراسانَ نائيا
فلله درِّي يومَ أتركُ طائعا ... بنيَّ بأعلى الرَّقمتينِ وماليا
ودرُّ الظِّباءِ السَّانحاتِ عشيَّةً ... يخبِّرنَ أنّي هالكٌ من أماميا
стр. 49
ودرُّ كبيريَّ اللَّذيْن كلاهما ... عليَّ شفيقٌ ناصحٌ لو نهانيا
ودرُّ الرِّجالِ الشَّاهدينَ تفتُّكي ... بأمريَ ألاَّ يقصروا من وثاقيا
ودرُّ الهوى من حيثُ يدعو صحابهُ ... ودرٌّ لحاجاتي ودرُّ انتهائيا
تذكرتُ من يبكي عليَّ فلم أجدْ ... سوى السيفِ والرُّمحِ الرُّدينيِّ باكيا
وأشقرَ محذوفٍ يجرُّ عنانهُ ... إلى الماءِ لم يتركْ لهُ الدَّهرَ ساقيا
يقوِّدهُ قومٌ وقد ماتَ ربُّهُ ... يباعُ بوكسٍ بعدَ ما كان غاليا
ولكن بأكنافِ السُّمينةِ نسوةٌ ... عزيزٌ عليهنَّ العشيَّةَ ما بيا
عجوزي وبنتايَ اللَّتانِ هما ليا ... وبنتٌ لأيوبٍ تبكِّي البواكيا
صريعٌ على أيدي الرِّجالِ بقفرةٍ ... يسوُّونَ خدِّي حيثُ حمَّ قضائيا
ولمَّا تراءتْ عندَ مروَ منيَّتي ... وخلَّ بها جسمي وحانتْ وفاتيا
أقولُ لأصحابي ارقبوني فإنَّني ... يقرُّ بعيني أنْ سهيلٌ بدا ليا
فيا صاحبيْ رحلي دنا الموتُ وانزلا ... برابيةٍ إنِّي مقيمٌ لياليا
أقيما عليَّ اليومَ أو بعضَ ليلةٍ ... ولا تُعجلاني قد تبيَّنَ شانيا
وقوما إذا ما استلَّ روحي وهيِّئا ... ليَ السِّدرَ والأكفانَ عند فنائيا
وخُطَّا بأطرافِ الرّماحِ مضجعي ... وردَّا على عينيَّ فضلَ ردائيا
ولا تحسداني باركَ اللهُ فيكُما ... من الأرضِ ذاتِ العرضِ أنْ توسعا ليا
خُذاني فجرَّاني ببُردي إليكما ... فقد كنتُ قبلَ اليومِ صعباً قياديا
وقد كنتُ عطَّافاً إذا الخيلُ أدبرتْ ... سريعاً لدى الهيجا إلى ما دعانيا
وقد كنتُ محموداً لذي الزَّادِ والقرى ... ثقيلاً على الأعداءِ عضبٌ لسانيا
وقد كنتُ صبَّاراً على القرنِ في الوغى ... وعن شتمي ابنَ الغمِّ والجارِ وانيا
فطوْراً تراني في ظلالٍ ونعمةٍ ... ويوماً تراني والعتاقُ ركابيا
ويوماً تراني في رحاً مستديرةٍ ... تخرِّقُ أطرافَ الرِّماحِ ثيابيا
وقوماً على بئرِ السُّمينةِ أسمِعا ... بها الغرَّ والبيضَ الحسانَ الرَّوانيا
بأنَّكما خلَّفتماني بقفرةٍ ... تهيلُ عليَّ الرِّيحُ فيها السَّواقيا
ولا تنسيا عهدي خليليَّ بعدما ... تقطَّعُ أوصالي وتبلى عظاميا
ولنْ يعدمَ الوالونَ بثَّاً يصيبهمْ ... ولنْ يعدمَ الميراثَ منِّي المواليا
يقولونَ لا تبعدْ وهم يدفنونني ... وأينَ مكانُ البعدِ إلاّ مكانيا
غداةَ غدٍ يا لهفَ نفسي على غدٍ ... إذا أدلجوا عنِّي وأصبحتُ ثاويا
وأصبحَ مالي من طريفٍ وتالدٍ ... لغيري وكانَ المالُ بالأمسِ ماليا
أرجِّي شباباً مُطرهمَّاً وصحةً ... وكيفَ رجاءُ الشَّيخِ ما ليسَ لاقيا
عينية لقيط بن يعمر الإيادي:
يا دارَ عمرةَ من محتلِّها الجرعا ... هاجتْ ليَ الهمَّ والأحزانَ والوجعا
تامتْ فؤادي بذاتِ الجزعِ خرعبةٌ ... مرَّت تريدُ بذاتِ العذبةِ البيعَا
بمقلَتي خاذلٍ أدماءَ طاعَ لها ... نبتُ الرِّياضِ تزجِّي وسطهُ ذرعَا
وواضحٍ أشنبِ الأنيابِ ذي أُشرٍ ... كالأقحوانِ إذا ما نورهُ لمعَا
جرَّتْ لما بيننا حبلَ الشُّموسِ فلا ... يأساً مُبينا أرى منها ولا طمعَا
فما أزالُ على شحطٍ يؤرِّقني ... طيفٌ تعمَّدَ رحلي حيثُما وضعَا
إنِّي بعينيَ إذ أمَّتْ حمولهمُ ... بطنَ السَّلوطحِ لا ينظرنَ منْ تبعَا
طوراً أراهمْ وطوراً لا أبيِّنهمْ ... إذا تواضعَ خدرٌ ساعةَ لمعَا
بل أيُّها الرَّاكبُ المُزجي على عجلٍ ... نحوَ الجزيرةِ مرتاداً ومنتجعَا
أبلغْ إياداً وخلِّلْ في سراتهمُ ... إنِّي أرى الرأيَ إنْ لم أُعصَ قد نصعَا
يا لهفَ نفسيَ إنْ كانتْ أموركمُ ... شتَّى وأُحكمَ أمرَ النَّاسِ فاجتمعَا
ألا تخافونَ قوماً لا أبالكمُ ... أمسَوا إليكم كأمثالِ الدَّبا سرعَا
أيناءُ قومٍ تآووكمْ على حنقٍ ... لا يشعرونَ أضرَّ اللهُ أمْ نفعَا
أحرارُ فارسَ أبناءُ الملوكِ لهمْ ... من الجموعِ جموع تزدهي القلعَا
стр. 50
فهم سراعٌ إليكم بينَ ملتقطٍ ... شوكاً وآخرَ يجني الصَّابَ والسَّلعَا
لو أنَّ جمعهمُ راموا بهدَّتهِ ... شمَّ الشَّماريخِ من ثهلانَ لانْصدعَا
في كلِّ يومٍ يسنَّونَ الحرابَ لكمْ ... لا يهجعونَ إذا ما غافلٌ هجعَا
خزرٌ عيونُهم كأنَّ لحضهمُ ... حريقُ نارٍ ترى منهُ السَّنا قطعَا
لا الحرثُ يشغلهمْ بل لا يرونَ لهم ... من دون بيضتكمْ ريَّا ولا شبعَا
وأنتمْ تحرثونَ الأرضَ عن عرضٍ ... في كلِّ معتملٍ تبغونَ مزدرعَا
وتُلحقونَ حيالَ الشَّولِ آونةَ ... وتنتجونَ بذاتِ القلعةِ الرُّبعَا
وتلبسونَ ثيابَ الأمنِ ضاحيةَ ... لا تفزعونَ وهذا اللَّيثُ قد جمعَا
أنتمْ فريقانِ هذا لا يقومُ لهُ ... هصرُ اللّيوثِ وهذا هالكٌ صقعَا
وقد أظلَّكمُ من شطرِ ثغرِكم ... هولٌ ظلمٌ تغشاكمُ قطعَا
مالي أراكمْ نياماً في بلهنيةٍ ... وقد ترونَ شهابَ الحربِ قد سطعَا
فاشفوا غليلي برأيٍ منكمُ حسنٍ ... يضحِ فؤادي له ريَّانَ قد نقعَا
ولا تكونوا كمنْ قد باتَ مكتنعاً ... إذ يقالُ له افرُجْ غمَّةً كنعَا
قوموا قياماً على أمشاطِ أرجلكمْ ... ثم افزعوا قد ينالُ الأمرَ من فزعَا
صونوا خيولَكم واجْلوا سيوفكمُ ... وجدِّدوا للقسيِّ النَّبعَ والشَّرعَا
واشروا تلادكمُ في حرزِ أنفسكمْ ... وحرزِ نسوتكمْ لا تهلكوا هلعَا
ولا يدعُ بعضكمْ بعضاً لنائبةٍ ... كما تركتمْ بأعلى بيشةَ النَّخعَا
اذكوا العيونَ وراءَ السَّرحِ واحترسوا ... حتَّى ترى الخيلَ من تعدائها وجعَا
فإنْ غلبتمْ على ضنٍّ بداركمُ ... فقد لقيتُم بأمرِ حازمٍ فزعَا
لا تلهكمْ إبلٌ ليستْ لكم إبلٌ ... إنَّ العدوَّ بعظمٍ منكمُ فزعَا
هيهاتَ لا مالَ من زرعٍ ولا إبلٍ ... يرجى لغابركمْ إنْ أنفكم جُدعَا
لا تثمروا المالَ للأعداءِ إنَّهمُ ... إنْ يظفروا يحتووكمْ والتلادَ معَا
واللهِ ما انفكَّتِ الأموالُ مذْ أبدٍ ... لأهلها إنْ أُصيبوا مرةً تبعَا
يا قومُ إنَّ لكمْ من أرثِ أوَّلكمْ ... عزّاً قد أشفقتُ أن يودي فينقطعَا
وما يردُّ عليكمْ عزُّ أوَّلكمْ ... إنْ ضاعَ آخرهُ أو ذلَّ واتَّضعَا
ولا يغرَّنكمْ دنيا ولا طمعٌ ... أنْ تنعشوا بزماعٍ ذلك الطَّمعَا
يا قومُ بيضتكمْ لا تفجعنَّ بها ... إنِّي أخافُ عليها الأزلمَ الجدعَا
يا قومْ لا تأمنوا إن كنتمُ غيُراً ... على نسائكمُ كسرى وما جمعَا
هو الجلاءُ الذي تبقى مذلَّتهُ ... إنْ طارَ طائركمْ يوماً وإنْ وقعَا
هو الفناءُ الذي يجتثُّ أصلكمُ ... فشمِّروا واستعدُّوا للحروبِ معَا
وقلِّدوا أمركُم لله درُّكمُ ... رحبَ الذِّراعِ بأمرِ الحربِ مضطلعَا
لا مترفاً إنْ رخاءُ العيشِ ساعدهُ ... ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خشعَا
لا يطعمُ النَّومَ إلاَّ ريثَ يبعثهُ ... همٌّ يكادُ أذاهُ يحطمُ الضّلعَا
مسهَّدَ النَّوم تعنيه أموركمُ ... يؤمُّ منها إلى الأعداءِ مطَّلعَا
ما زالَ يجلبُ درَّ الدَّهرِ أشطرهُ ... يكونُ متَّبعاً يوماً ومتَّبعَا
وليسَ يشغلهُ مالٌ يثمِّرهُ ... عنكم ولا ولدٌ يبغي له الرِّفعَا
حتَّى استمرَّتْ على شزرٍ مريرتهُ ... مستحكم السِّنِّ لا قمحا ولا ضرعَا
كمالكِ بن قنانٍ أو كصاحبهِ ... زيدِ القنا يومَ لاقى الحارثينِ معَا
إذ عابهُ عائبٌ يوماً فقالَ لهُ ... دمِّثْ لنفسكَ قبلَ اليومِ مضطجعَا
فساورهُ فألفَوهُ أخا عللِ ... في الحربِ يختبلُ الرِّئبالَ والسَّبعَا
مستنجداً يتحدَّى النَّاسَ كلّهمُ ... لو قارعَ النَّاسَ عن أحسابهم قرعَا
هذا كتابي إليكم والنَّذيرُ لكمْ ... فمن رأى مثلَ ذا رأياً ومن سمعَا
لقد بذلتُ لكم نُصحي بلا دخلٍ ... فاستيقظوا إنَّ خيرَ القولِ ما نفعَا
وقالت الخنساء بنت عمرو ترثي أخاها صخراً
أقذى بعينكِ أمْ بالعينِ عوَّارُ ... لا بلْ بكيتَ لمن أقوتْ لهُ الدَّارُ
стр. 51
تبكي لصخرٍ هي العبرَى وقد عبرتْ ... ودونهُ من ترابِ الأرضِ أستارُ
كأنَّ عيني لذكراهُ إذا خطرتْ ... فيضٌ يسيلُ على الخدَّينِ مدرارُ
تبكي خناسُ على صخرٍ وحقَّ لها ... أودى بهِ الدَّهرُ إنَّ الدَّهرَ عثّارُ
في جوفِ رمسٍ مقيماً قد تضمَّنه ... في قبرهِ مقمطرَّاتٌ وأحجارُ
يا صخرُ ورَّادُ ماءٍ لقد تناذرهُ ... أهلُ المواردِ ما في وردهِ عارُ
مشيَ السَّبنتى إلى هيجاءَ معضلةٍ ... لهُ سلاحانِ أنيابٌ وأظفارُ
مثلَ الرُّدينيّ لم تدنسْ شبيبتهُ ... كأنَّهُ تحتَ طيِّ البُردِ أسوارُ
جهمُ المحيَّا تضيءُ اللَّيلَ صورتهُ ... آباؤهُ من طوالِ السَّمكِ أحرارُ
رحبُ اليدينِ بفعلِ الخيرِ ذو فجرٍ ... ضخمُ الدَّسيعةِ بالخيراتِ أمَّارُ
جلدٌ مخيلٌ وهوبٌ بارعٌ يسرٌ ... وفي الحروبِ إذا لاقيتَ مسعارُ
حامي الحقيقةَ مهديُّ الطريقة ... ممحوضُ الخليقة نفَّاعٌ وضرَّارُ
حوَّاطُ قاصيةٍ قوَّالُ عاصيةٍ ... جزَّارُ قاصيةٍ للجيشِ جرَّارُ
فلتبكِ ناعيةٌ بالفجعِ داعيةٌ ... في يومِ واعيةٍ ما فيهِ إسرارُ
فعَّالُ ساميةٍ ورَّادُ طاميةٍ ... للمجدِ ناميةٍ تعنيهِ أسفارُ
حلوٌ حلاوتهُ فصلٌ مقالتهُ ... ماضٍ مريرتهُ في الهيجِ مغوارُ
فليبكِه مقترٌ وافى حريبتهُ ... دهرٌ وحالفهُ بؤسٌ وإقتارُ
أو رفقةٌ حارَ حاديهمْ بمظلمةٍ ... كأنَّ ظلمتَها في الطِّخيةِ القارُ
لم ترهْ جارةٌ يمشي بساحتِها ... لريبةٍ حينَ يُخلي بيتهُ الجارُ
ولا تراهُ لما في البيتِ يأكلهُ ... لكنَّه بارزٌ في الصُّبحِ مهمارُ
وإنَّ صخراً لمولانا وسيِّدُنا ... وإنَّ صخراً إذا نشْتو لنحَّارُ
وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداةُ بهِ ... كأنَّهُ علمٌ في رأسهِ نارُ
فقلت لمَّا رأيتُ الدَّهرَ ليسَ له ... معاتبٌ دائبٌ يُسدي ونيّارُ
لقد نعى ابنُ نهيكٍ أخا ثقةٍ ... كانتْ ترجَّمُ عنهُ قبلُ أخبارُ
فبتُّ ساهرةً للنَّجمِ أرقبهُ ... حتَّى أتى دونَ غورِ النَّجمِ أستارُ
فما عجولٌ لذي بوٍّ تطيفُ به ... قد ساعدتَها على التَّحنانِ أظآرُ
أودى بهُ الدَّهرُ عنها فهيَ مزرمةٌ ... لها حنينانِ إصغارٌ وإكبارُ
ترتعُ ما غفلتْ حتَّى إذا ادَّكرتْ ... فإنَّما هي إقبالٌ وإدبارُ
يوماً بأوجعَ منِّي يومَ فارقَني ... صخرٌ وللدَّهرِ إحلاءٌ وإمرارُ
لا بدَّ من ميتةٍ في صرفِها غيرٌ ... والدَّهرُ في صرْفه حولٌ وأطوارُ
وقال قيس بن الخطيم:
أتعرفُ رسماً كاطِّرادِ المذاهبِ ... لعمرةَ وحشاً غيرَ موقفِ راكبِ
ديارُ التي كادتْ ونحنُ على مِنى ... تحلُّ بنا لولا نجاءُ الرَّكائبِ
تبدَّتْ لنا كالشَّمسِ تحتَ غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ
ولم أرَها إلاَّ ثلاثاً على مِنى ... وعهدي بها عذراءَ ذاتَ ذوائبِ
ومثلكِ قد أصبيتُ ليستْ بكنَّةٍ ... ولا جارةٍ ولا حليلةِ صاحبِ
دعوتُ بني عوفٍ لحقْنِ دمائهمْ ... فلما أبَوا سامحتُ في حربِ حاطبِ
وكنتُ أمرأ لا أبعثُ الحربَ ظالماً ... فلمَّا أبَوا أشعلتُها كلَّ جانبِ
أربتُ بدفعِ الحربِ حتَّى رأيتُها ... عد الدفعِ لا تزدادُ غيرَ تقاربِ
فإذْ لم يكنْ من غايةِ الموتِ مدفعٌ ... فأهلاً بها إذا لم تزلْ في المراحبِ
فلمَّا رأيتُ الحربَ حرباً تجرَّدتْ ... لبستُ مع البردينِ ثوبَ المحاربِ
مضاعفةً يغشى الأناملَ فضلُها ... كأنَّ قتيريْها عيونُ الجنادبِ
أتتْ عصبٌ مِ الكاهنينِ ومالكٍ ... وثعلبةَ الأثرينَ رهطِ ابنِ غالبِ
رجالٌ متى يدعوا إلى الرَّوعِ يُرقلوا ... إليهِ كإرقالِ الجِمالِ المصاعبِ
إذا فزعوا مدُّوا إلى الرَّوعِ صارخاً ... كموجِ الآتيِّ المزبدِ المتراكبِ
ترى قصدَ المرَّانِ تهوي كأنَّها ... تذرُّعُ خرصانٍ بأيدي الشَّواطبِ
صحبْنا بها الآطامَ حولَ مزاحمٍ ... قوانسُ أُولى بيضِنا كالكوكبِ
стр. 52
لوَ انَّكَ تُلقي حنظلاً فوقَ بيضِنا ... تدحرجَ عن ذي سامهِ المتقاربِ
إذا ما فررْنا كانَ أسْوا فرارنا ... صدودُ الخدودِ وازورارَ المناكبِ
إذا قصرتْ أسيافَنا كانَ وصلُها ... خُطانا إلى أعدائنا بالتَّقاربِ
أُجالدهمْ يومَ الحديقةِ حاسراً ... كأنَّ يدِي بالسَّيفِ مخراقُ لاعبِ
ويومَ بعاثٍ أسلمتْنا سيوفُنا ... إلى نسبٍ في جذمِ غسَّانَ ثاقبِ
يعرِّينَ بيضاً حين نلقى عدوَّنا ... ويغمدنَ حمراً ناحلاتِ المضاربِ
أطاعتْ بنا بنو عوفٍ أميراً نهاهمُ ... عن السِّلمِ حتَّى كانَ أوَّلَ واجبِ
عجبتُ لعوفٍ إذ تقولُ نساؤهمْ ... ويرمينَ دفعاً ليتَنا لم نحاربِ
صحبناهمُ شهباءَ يبرقُ بيضُها ... تبينُ خلاخيلَ النِّساءِ الهواربِ
أصابتْ سراةً مِ الأغرِّ سيوفُنا ... وغودرَ أولادُ الإماءِ الحواطبِ
ومنَّا الذي آلى ثلاثينَ ليلةً ... عن الخمرِ حتَّى زاركمْ بالكتائبِ
رضيتُ لهم ألاّ يريمونَ قعرَها ... إلى عازبِ الأموالِ إلاَّ بصاحبِ
فلولا ذُرى الآطامِ قد تعلمونهُ ... وتركُ الفضا شوركتمُ في الكواعبِ
فلا تمنعوا منَّا مكاناً نريدهُ ... لكم محرزاً إلاَّ ظهورَ المشاربِ
فهلاَّ لدى الحربِ العوانِ صبرتمُ ... لوقعتِنا والبأسُ صعبُ المراكبِ
ظآرناكمُ بالبيضِ حتَّى لأنتمُ ... أذلُّ من السُّقبانِ بينَ الحلائبِ
ولمَّا هبطنا الحرثَ قالَ أميرُنا ... حرامٌ علينا الخمرُ ما لمْ نضاربِ
فسامحهُ منَّا رجالٌ أعزَّةٌ ... فما برحوا حتَّى أُحلَّت لشاربِ
فليتَ سويداً راءَ منْ خرَّ منكمُ ... ومنْ فرَّ إذ يحدونهمْ كالجلائبِ
فأبْنا إلى أبنائنا ونسائنا ... وما منْ تركنا في بعاثٍ بآئبِ
وغيِّبتْ عن يومٍ كفتْني عشيرتي ... ويوم بعاثٍ كانَ يومَ التَّغالبِ
وقال أيضاً:
ردَّ الخليطُ الجِمالَ وانصرفوا ... ماذا عليهم لو أنَّهم وقفوا
لو وقفوا ساعةً نسائلهمْ ... ريثَ يضحِّي جمالهُ السَّلفُ
فيهمْ لعوبُ العشاءِ آنسةُ ال ... دَّلِّ عروبٌ يسوؤها الخلفُ
بينَ شكولِ النِّساءِ خلقتُها ... قصدٌ فلا جبلةٌ ولا قضفُ
تغترقُ الطَّرفَ وهي لاهيةٌ ... كأنَّما شفَّ وجهها نزفُ
قضى لها اللهُ حينَ يخلقُها ال ... خالقُ ألاَّ يكنَّها سدفُ
تنامُ عن كبرِ شأنِها فإذا ... قامتْ رويداً تكادُ تنغرفُ
حوراءُ جيداءُ يستضاءُ بها ... كأنَّها خوطُ بانةٍ قصفُ
تمشي كمشيِ الزَّهراءِ في دمثِ ال ... رَّملِ إلى السَّهلِ دونهُ الجرفُ
ولا يغثُّ الحديثُ ما نطقتْ ... وهو بفيها ذو لذَّةٍ طرفُ
تحزنهُ وهو مشتهًى حسنٌ ... وهو إذا ما تكلَّمت أنفُ
كأنَّ لبَّاتها تبدَّدها ... هزلى جرادٍ أجوازهُ جلفُ
كأنَّها درَّةٌ أحاطَ بها ال ... غوَّاصُ يجلو عن وجهها الصَّدفُ
وللهِ ذي المسجدِ الحرامِ وما ... جلِّلَ من يمنةٍ لها خنفُ
إنِّي لأهواكِ غيرَ ذي كذبٍ ... قد شفَّ منِّي الأحشاءُ والشَّغفُ
بل ليتَ أهلي وأهلَ أثلةَ في ... دارِ قريبٍ من حيثُ يختلفُ
أيهاتَ من أهلهُ بيثربَ قد ... أمسى ومنْ دونَ أهلهِ سرفُ
يا ربِّ لا تبعدنْ ديارَ بني ... عذرةَ حيث انصرفتُ وانصرفوا
أبلغْ بني جحجبى وقومهمُ ... خطمةَ أنَّا وراءهم أُنفُ
وأنَّنا دونَ ما يسومهمُ الأع ... داءُ من ضيمِ خطَّةٍ نكفُ
إنَّا ولو قدَّموا التي علموا ... أكبادُنا من ورائهم تجفُ
نفلي بحدِّ الصَّفيحِ هامهمُ ... وفليُنا هامهمْ بنا عنفُ
لمَّا بدتْ غدوةً جباههمُ ... حنَّتْ إلينا الأرحامُ والصُّحفُ
فقولُنا للمقدَّمينَ قفوا ... عن شأوِكم والحروبُ تختلفُ
يتبعُ آثارَها إذا اختلجتْ ... سخنٌ عبيطٌ عروقهُ تكفُ
قالَ لنا النَّاسُ معشرٌ ظفروا ... قلنا فإنَّا لقومنا خافُ
إنَّ لنا حوزة وحومتها ... بين ذُراها مخارفٌ دلفُ
стр. 53
يذبُّ عنهنَّ سامرٌ مصعٌ ... سودَ الغاشي كأنَّها عرفُ
وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
أتعرفُ أطلالاً ونؤياً مهدَّما ... كخطِّكَ في رقّ كتاباً منمنما
إذاعتْ بهِ الأرواحُ بعدَ أنيسِها ... شهوراً وأيَّاماً وحولاً وجرَّما
فأصبحنَ قدْ غيَّرنَ ظاهرَ تربهِ ... وبدَّلتِ الأنواءُ ما كانَ معلما
وغيَّرها طولُ التَّقادمِ والبلى ... فما أعرفُ الأطلالَ إلاَّ توهُّما
ديارُ التي قامتْ تريكَ وقد عفتْ ... وأقوتْ من الزُّوَّارِ كفّاً ومعصما
تهادى عليها حليُها ذاتَ بهجةٍ ... وكشحاً كطيِّ السَّابريةِ أهضما
ونحراً كفاثورِ اللُّجينِ يزينهُ ... توقُّدُ ياقوتٍ وشذراً منظَّما
كجمرِ الغضى هبَّتْ له بعدَ هجعةٍ ... من اللَّيلِ أرواحُ الصَّبا فتبسَّما
تضيءُ لنا البيتَ الكليلَ خصاصهُ ... إذا هي ليلاً حاولتْ أن تنسَّما
إذا انصرفتْ فوقَ الحشيَّةِ مرَّةً ... ترنَّمَ وسواسُ الحليّ ترنّما
فبانتْ لطيَّاتٍ لها وتبدَّلتْ ... به بدلاً مرَّتْ له الطَّيرُ أشأما
وعاذلتينِ هبَّتا بعدَ هجعةٍ ... تلومانِ مِتلافا مُفيدا ملوَّما
تلومانِ لمَّا غوَّرَ النَّجمُ ضلَّةً ... فتًى لا يرى الإنفاقَ في الحقِّ مغرما
ألا لا تلوماني على ما تقدَّما ... كفى بصروفِ الدَّهرِ للمرءِ محكما
فقلتُ وقد طالَ العتابُ عليهما ... وأوعدَتاني أن تبيتا وتصرما
فإنَّكما لا ما مضى تُدركانهِ ... ولستُ على ما فاتني متندِّما
فنفسكَ أكرمْها فإنَّكَ إنْ تهنْ ... عليكَ فلنْ تلقى لها الدَّهرَ مكرما
أهنْ في الذي تهوى التِّلادَ فإنَّه ... إذا متُّ كانَ المالُ نهباً مقسَّما
ولا تشقينْ فيهِ فيسعدَ وارثٌ ... به حينَ تُحشى أغبرَ الجوفِ مظلما
يقسِّمهُ غنماً ويشري كرامةً ... وقد صرتَ في خطٍّ من الأرضِ أعظما
تحلَّمْ عن الأذنينِ واستبقِ ودَّهمْ ... فلستَ مصيبَ الحلمِ حتَّى تحلَّما
متى تلقَ أضغانَ العشيرةِ بالأنى ... وكفِّ الأذى يحسمْ لكَ الدَّاءَ محسما
وما ابتعثتْني في هوايَ لجاجةٌ ... إذا لم أجدْ فيما أمامي مقدما
إذا شئتُ نازيتُ امرأَ السُّوءِ ما نزا ... إليك ولا طمتَ اللَّئيمَ الملطَّما
رأى اللَّيلَ قد غالتْ نجومٌ تقودهُ ... وقد يكرهُ السَّاري البخيلَ المذمَّما
وكنتُ امرأً من معشرٍ عادةٌ لهم ... منًى أن يبيتَ الضَّيفُ ريَّانَ مطعما
ويحمدُ جاديهم ويرضَى صديقُهم ... إذا أخطأ القطرُ الجنابَ فأقتما
وعوراءُ قد أعرضتُ عنها فلم تضرْ ... وذي أودٍ قوَّمتُه فتقوَّما
وأغفرُ عوراءَ الكريمِ ادِّخارهُ ... وأُعرضُ عن شتمِ اللَّئيمِ تكرُّما
ولا أخذلُ المولى وإن كانَ خاذلاً ... ولا أشتمُ ابنَ العمِّ إنْ كانَ مفحما
ولا زادني عنهُ غنايَ تباعداً ... وإنْ كانَ ذا نقصٍ من المالِ مصرما
وليلٍ بهيمٍ قد تسربلتُ هولهُ ... إذا اللَّيلُ بالنَّكسِ الضَّعيفِ تجهَّما
ولن يكسبَ الصُّعلوكُ حمداً ولا غنى ... إذا هو لم يركبْ من الأمرِ معظما
ولم يشهدِ الخيلَ المغيرةَ بالضُّحى ... يثرنَ عجاجاً بالسَّنابكِ أقتما
لحى اللهُ صعلوكاً مناهُ وهمُّهُ ... من العيشِ أنْ يلقى لبوساً ومطعما
يرى الخمصَ تعذيباً وإنْ يلقَ شبعةً ... يبتْ قلبهُ من قلَّةِ الهمِّ مبهما
مقيماً مع المثرينَ ليس ببارحٍ ... إذا نالَ جدوى من طعامٍ ومجثما
ينامُ الضُّحى حتَّى إذا نومهُ استوى ... تنبَّه مثلوجَ الفؤادِ مورَّما
ولكنَّ صعلوكاً يساورُ همَّمُ ... ويمضي على الأيَّامِ والدَّهرِ مُقدما
فتى طلباتٍ لا يرى الخمصَ ترحةً ... ولا أكلةً إنْ نالها عدَّ مغنما
إذا ما رأى يوماً مكارمَ أعرضتْ ... تيمَّمَ كبراهنَّ ثمَّتَ صمَّما
ترى رمحهُ ونبلهُ ومجنَّهُ ... وذا شطبٍ عضب الضريبةِ مخذما
وأحناءَ سرجٍ قاترٍ ولجامهُ ... عتادَ أخي هيجا وطرفاً مسوَّما
стр. 54
فذلكَ إنْ يهلكْ فحسنٌ ثناؤهُ ... وإنْ يحيى لا يقعدْ ضعيفاً مذمَّما
وقال أيضاً:
أماويَّ قد طالَ التَّجنُّبُ والهجرُ ... وقد عذرتني في طلابكمُ العذرُ
أماويَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ ... ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ
أماويَّ إنِّي لا أقولُ لسائلٍ ... إذا جاءَ يوماً حلَّ في مالنا نذرُ
أماويَّ إمَّا مانعٌ فممنَّعٌ ... وإمَّا عطاءٌ لا ينهنههُ الزَّجرُ
وقدْ علمَ الأقوامُ لو أنَّ حاتماً ... أرادَ ثراءَ المالِ كانَ لهُ وفرُ
إذا منَّ بالمالِ البخيلُ فإنَّني ... أجودُ فلا قلٌّ عطائي ولا نزرُ
أفكُّ بهِ العاني ويؤكلُ طيِّباً ... فما إنْ تعرِّيهِ القداحُ ولا الخمرُ
أماويَّ إنْ يصبحْ صدايَ بقفرةٍ ... من الأرضِ لا ماءٌ لديَّ ولا خمرُ
ترَي أنَّ ما أفنيتُ لم يكُ ضرَّني ... وأنَّ يدي ممَّا بخلتُ به صفرُ
أماويَّ إنِّي ربُّ واحدِ أمِّهِ ... أجرتُ فلا قتلٌ عليهِ ولا أسرُ
ولا ألطمُ ابنَ العمِّ إنْ كانَ إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوتهِ الدَّهرُ
ولا أخذلُ المولى بسوءِ بلائهِ ... وإنْ كانَ محنوَّ الضُّلوعِ بها غمرُ
غُنينا زماناً بالتَّصعلكِ والغنى ... وكلاّ سقاناهُ بكأسيهما الدَّهرُ
فما زادَنا بغياً على ذي قرابةٍ ... غنانا ولا أزرى بإحساننا الفقرُ
إذا المرءُ أثرى ثم لم يكُ مالهُ ... نوالاً لدى البؤسى فحالفهُ العسرُ
فأعطِ ولا تمسكْ مخافةَ فاقةٍ ... وإنَّ وراءَ العسرِ إنْ خفتهُ اليسرُ
وما ضرَّ جاراً يا ابنةَ القومِ فاعلَمي ... يُجاورني ألاَّ يكونَ له سترُ
لجاريَ حقٌّ قدْ رأى ذاكَ واجباً ... وقبلي لهُ ماويَّ ما تنزلُ القدرُ
بعينيَّ عن عوراتِ جاريَ غفلةٌ ... وفي السَّمعِ منِّي من حديثهما وقرُ
متى ينأَ جاريَ لا يراني لعرسهِ ... بنفسي وصولاً ما أرى أنَّه سفرُ
سأرعاهُ جهدي إنَّ للجارِ حرمةٌ ... ويرجعُ لمْ يرسلْ عليَّ لها حذرُ
لعمركَ لا أخشى بقولِ مُجاوري ... إذا متُّ ماتَ الجبنُ والبخلُ والغدرُ
لحا اللهُ من يُبقي من المالِ بعدهُ ... لوارثهِ شيئاً ويتبعهُ الوزرُ
فلا تمنَعي راجي نوالكِ إنَّهُ ... الذِّكرُ في الدُّنيا ويلحقُك الأجرُ
أأتركُ مالي إن هلكتُ لوارثٍ ... تتبَّعهُ عيني إذا ضمَّني القبرُ
أماويَّ ما يُغني الثَّراءُ عن الفتى ... إذا حشرجتْ نفسي وضاقَ بها صدري
إذا أنا دلاّني الذينَ أحبُّهمْ ... بملحودةٍ زلجٍ جوانبُها غبرُ
وقاموا على أرجائِها يدفنونَني ... يقولونَ قد أودى السَّماحةُ والفخرُ
وأُسلمتُ فيها غيرَ بارحِ قعرِها ... فلا عجبٌ ممَّا ترينَ ولا سخرُ
وراحوا سراعاً ينفضونَ أكفَّهمْ ... يقولونَ قد دمَّى أظافيرنا الحفرُ
هنالكَ لا آلو لنفسي صنيعةً ... فأولُهُ زادٌ وآخرهُ ذخرُ
وقال أيضاً:
ألا أرقتْ عيني فبتُّ أديرُها ... حذارَ غدٍ أحجى بأنْ لا يضيرُها
إذا النَّجمُ مغربَ الشَّمسِ رانياً ... ولم يكُ في الآفاقِ برقٌ ينيرُها
إذا ما السَّماءُ لم تكنْ غيرَ حلبةٍ ... كجدَّةِ بيتِ العنكبوتِ ينيرُها
فقد علمتْ غوثٌ بأنَّا سراتَنا ... إذا أعلنتْ بعدَ النَّجيِّ أمورها
وإنَّا نهينُ المالَ في غيرِ ضنَّةٍ ... وما يشتكينا في السّنينَ ضريرُها
إذا ما بخيلُ النَّاسِ هرَّتْ كلابهُ ... واشتقَّ على الضَّيفِ الغريبِ عقورُها
فإنِّي جبانُ الكلبِ بيتي موطَّأٌ ... جوادٌ إذا ما النَّفسُ شحَّ ضميرُها
فإنَّ كلابي قد أُقرَّتْ وغودرتْ ... قليلٌ على من يعتريني هريرُها
وأُبرزُ قدري بالفناءِ قليلُها ... يُرى غيرَ مضنونٍ به وكثيرُها
وليسَ على ناري حجابٌ يكنّها ... لمستقْبسٍ ليلاً ولكنْ أشيرُها
ولا وأبيكَ ما يظلُّ ابنُ جارتي ... يطوفُ حواليْ قدرنا لا يطورُها
وما تشتكيني جارتي غيرَ أنَّني ... إذا غابَ عنها بعلُها لا أزورُها
стр. 55
سيبلغُها خيري ويرجعُ بعلُها ... إليه ولم يقصرْ عليَّ ستورُها
وخيلٍ تعادى بالطِّعانِ شهدتُها ... ولو لم أكنْ فيها لساءَ عذيرُها
وعرجلةٍ شعثِ الرّؤوسِ كأنَّهم ... بنو الجنِّ لم تطبخْ بقدرٍ جزورُها
شهدتُ ودعْوانا أُميمةَ إنَّنا ... بنو الحربِ نصلاها إذا شبَّ نورُها
على مُهرةٍ كبداءَ جرداءَ ضامرٍ ... أمينٍ شظاها مطمئنٍّ نسورُها
وغمرةِ موتٍ ليسَ فيها هوادةٌ ... حدادُ السّيوفِ المشرفيِّ جسورُها
صبرْنا لها في نهكِنا ومضائنا ... بأسيافنا حتَّى يبوخَ سعيرُها
وخوصٍ دقاقٍ قد حدوتُ بفتيةٍ ... عليهنَّ إحداهنَّ قد حلَّ كورُها
وتأبى اهتِضامي أسرةٌ ثعليَّةٌ ... كريمٌ غناها مستعفٌّ فقيرُها
وأقسمتُ لا أُعطي مليكاً ظلامةً ... وحولي عديٌّ كهلُها وغريرُها
وقال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي:
إمَّا ترَي رأسي حاكَى لونهُ ... طرَّةَ صبحٍ تحتَ أذيالِ الدُّجى
واشتعلَ المبيضُّ في مسودّهِ ... مثلَ اشتعالِ النَّارِ في جزلِ الغضى
وغاضَ ماءَ شرَّتي دهرٌ رمَى ... خواطرَ القلبِ بتبريحِ الجوى
وآضَ روضُ اللَّهوِ يبساً ذاوياً ... منْ بعدِ ما قد كانَ مجَّاجَ الثَّرى
وضرَّمَ النَّأيُ المشتُّ جذوة ... ما تأتلي تسفعُ أثناءَ الحشا
واتَّخذَ التَّسهيدُ عيني مألفاً ... لمَّا جفا أجفانَها طيفُ الكرى
فكلُّ ما لاقيتهُ مغتفرٌ ... في جنبِ ما أسأرهُ شحطُ النَّوى
لو لابسَ الصَّخرَ الأصمَّ بعضُ ما ... يلقاهُ قلبي فضَّ أصلادَ الصَّفا
إذا ذوى الغصنُ الرَّطيبُ فاعلمنْ ... إن قصاراهُ نفاذٌ وتوى
شجيتُ لا بل أجرَضتني غصَّةٌ ... عنودُها أقتلُ لي من الشَّجى
إنْ يحمِ عن عيني البُكا تجلُّدي ... والقلبُ موقوفٌ على سبلِ البكا
لو كانت الأحلامُ ناجتْني بما ... ألقاهُ يقظانَ لأصماني الرَّدى
منزلةٌ ما خلتُها يرضى بها ... لنفسهِ ذو أزلٍ ولا حِجى
شيمُ سحابٍ خلَّبٍ بارقهُ ... وموقفٌ بينَ ارتجاءٍ ومنى
في كلِّ يومٍ منزلٌ مستوبلٌ ... يشتفُّ ماءَ مهجَتي ومُجتوى
ما خلتُ أنَّ الدَّهرَ يثنيني على ... ضرَّاءَ لا يرضى بها ضبُّ الكُدى
أُرمِّقُ العيشَ على برضٍ فإنْ ... رمتُ ارتشافاً رمتُ صعبَ المنتشى
أراجعٌ ليَ الدَّهرُ حولاً كاملاً ... إلى الذي عوَّدَ أم لا يرتجى
يا دهرُ إنْ لم تكُ عُتبى فاتَّئدْ ... فإنَّ أروادكَ والعُتبى سوا
رفِّهْ عليَّ طالما أنضيتَني ... واستبقِ بعضَ ماءِ غصنٍ ملتحى
لا تحسبنْ يا دهرُ أنِّي ضارعٌ ... لنكبةٍ تعرقُني عرقَ المُدى
مارستُ منْ لو هوتِ الأفلاكُ من ... جوانبِ الجوِّ عليهِ ما اشتكى
لكنَّها نفثةُ مصدورٍ إذا ... جاشَ لغامٌ من نواحيها عمَى
رضيتُ قسراً وعلى القسرِ رضى ... منْ كانَ ذا سخطٍ على صرفِ القضا
إنَّ الجديدينِ إذا ما اسْتوليا ... على جديدٍ أدنياهُ للبِلى
ما كنتُ أدري والزَّمانُ مولعٌ ... بشتِّ ملمومٍ وتنكيثِ قُوى
إنَّ القضاءَ قاذِفي في هوَّةٍ ... لا تستبلُّ نفسُ منْ فيها هوَى
فإنْ عثرتُ بعدَها إنْ وألتْ ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا
وإنْ تكنْ مدَّتها موصولةً ... بالحتفِ سلَّطتُ الأُسا على الأسى
إنَّ امرأ القيسِ جرى إلى مدَى ... فاعْتاقهُ حِمامهُ دونَ المدى
وخامرتْ نفسُ أبي الجيرِ الهوى ... حتَّى حواهُ الحتفُ فيما قد حوى
وابنُ الأشجِّ القيلُ ساقَ نفسهُ ... إلى الرَّدى حذارَ إشماتِ العدى
واخْترم الوضَّاحَ من دونِ التي ... أمَّلها سيفُ الحِمامِ المنتضى
وقد سما قبْلي يزيدُ طالباً ... شأوَ العُلى فما وهي ولاونى
فاعْترضتْ دونَ التي رامَ وقدْ ... جدَّ بهِ الجدُّ اللُّهيمُ الأربى
هل أنا بدع من عرانين على ... جار عليهم صرف دهر واعتدى
وإنْ أنالتْني المقاديرُ الذي ... أكيدهُ لهم آلُ في رأبِ الثَّأى
стр. 56
وقد سمَا عمرٌو إلى أوتارهِ ... فاحتطَّ منها كلَّ عالي المستمى
فاستنزلَ الزَّباءَ قسراً وهي من ... عقابِ لوحِ الجوِّ أعلى منتمى
وسيفٌ استعْلتْ به همَّتهِ ... حتَّى رمى أبعدَ شأوِ المرتمى
فجرَّع الأُحبوشَ موتاً ناقعاً ... واحتلَّ من غُمدانَ محرابَ الدُّمى
ثم ابنُ هندٍ باشرتْ نيرانهُ ... يومَ أوراتَ تميماً بالصَّلى
ما اعتنَّ لي يأسٌ يُناجي همَّتي ... إلاَّ تحدَّاهُ رجاءٌ فاكْتمى
إليَّةً باليعملاتِ يرتَمي ... بها النَّجاءُ بينَ أجوازِ الفلا
خوصٍ كأشباحِ الحنايا ضمَّرٍ ... يرعفنَ بالأمشاجِ من جذبْ البُرى
يرسبنَ في بحرِ الدُّجى وبالضُّحى ... يطفونَ في الآلِ إذا الآلُ طفا
أخفافهنَّ من حفا ومن وجَى ... مرثومةٌ تخضبُ مبيضَّ الحصا
يحملنَ كلَّ شاحبٍ محقوقفٍ ... منْ طولِ تدآبِ الغدوِّ والسُّرى
برٍّ برى طولُ الطَّوى جثمانهُ ... فهو كقدحِ النَّبعِ محنيُّ القَرا
ينوي التي فضَّلها ربُّ العُلى ... لما دحَا تربتَها على البنى
حتَّى إذا قابلَها استعبرَ لا ... يملكُ دمعَ العينِ من حيثُ جرَى
ثمَّتَ طافَ وانثنى مُستلماً ... ثمَّتَ جاءَ المروتَينِ فسعى
وأوجبَ الحجَّ وثنَّى عمرةً ... من بعدِ ما عجَّ ولبَّى ودعَا
ثمَّتَ راحَ في الملبِّينَ إلى ... حيثُ تحجَّى المأزِمانِ ومنى
ثم أتى التَّعريفَ يقرُوا مُخبتاً ... موافقاً بينَ إلالٍ والنَّقا
واستأنفَ السَّبعَ وسبعاً بعدَها ... والسَّبعَ ما بينَ العقابِ والصُّوى
وراحَ للتَّوديعِ ممَّنْ راحَ قد ... أحرزَ أجراً وقلى هجرَ اللَّغا
بذاكَ أم بالخيلِ تعدُو المرطى ... ناشزةً أكتادُها قبَّ الكُلى
يحملنَ كلّ ذي شمَّريٍّ باسلٍ ... شهمِ الجنانِ خائضٍ غمرَ الوغى
يغشى صلى الموتِ بخدَّيهِ إذا ... كانَ لظى الموتِ كريهَ المصطلى
لو مثِّلَ الحتفُ لهِ قرناً لمَا ... صدَّتهِ عنهُ هيبةٌ ولا انثنى
ولو حمى المقدارُ عنهُ مهجةٌ ... لرامَها أو تستبيحَ ما حمَى
تغدُو المنايا طائعاتٍ أمرهُ ... ترضَى الذي يرضى وتأبى ما أبى
بلْ قسماً بالشُّمِّ من يعربَ هل ... لمقسمٍ من بعدِ هذا منتهى
همُ الأُلى إنْ فاخروا قالَ الأُلى ... بفي امرئٍ فاخركمْ عفرَ البرى
همُ الأُلى أجرَوا ينابيعَ النَّدى ... هاميةً لمنْ عرَا أو اعتفَى
همُ الذينَ دوَّخوا من انتحى ... وقوَّموا من صعرٍ ومن صغا
همُ الذينَ جرَّعوا منْ ماحَلوا ... أفاوقَ الضَّيمِ ممرَّاتِ الحُسا
أزالَ حشْو نثرةٍ موضونةٍ ... حتَّى أوارى بينَ أحشاءِ الجُثى
وصاحبايَ صارمٌ في متنهِ ... مثلُ مدبِّ النَّملِ يعلو في الرُّبى
كأنَّ بينَ عيرهِ وغربهِ ... مفتأداً تأكَّلتْ فيه الجُذى
يُري المنونَ حينَ يقفُو إثرهُ ... في ظلمِ الأكبادِ سبلاً لا تُرى
إذا هوَى في جثَّةٍ غادرَها ... من بعدِ ما كانتْ خسَا وهي زكَا
ومشرفُ الأقطارِ خاظٍ نحضهُ ... حابِي القُصيرى جرشعٌ عردُ النَّسى
قريبُ ما بينَ القطاةِ والقرا ... بعيدُ ما بينَ القذالِ والصَّلا
سامي التَّليلِ في دسيعٍ مفعمٍ ... رحبُ الذِّراعِ في أميناتِ العُجى
ركِّبنَ في حواشبٍ مكتنَّةٍ ... إلى نسورٍ مثلِ ملفوظ النَّوى
يديرُ إعليطَيْنِ في ملمومةٍ ... إلى لموحينِ بألحاظِ اللأى
مداخلُ الخلقِ رحيبٌ نحرهُ ... مخلولقُ الصَّهوةِ ممسودٌ وأى
لا صككٌ يشينهُ ولا فجَا ... ولا دخيسٌ واهنٌ ولا شظَا
يجري فتكبُو الرِّيحُ في غاياتهِ ... حسرى تلوذُ بجراثيم السَّحا
إذا اجتهدتَ نظراً في إثرهِ ... قلتَ سناً أومضَ أو برقٌ خفَا
كأنَّما الجوزاءُ في أرساغهِ ... والنَّجمُ في جبهتهِ إذا بدَا
هُما عتادي الكافيانِ فقدْ مَنْ ... أعددتهُ فلينْأَ عنِّي منْ نأى
فإنْ سمعتَ برحَى منصوبةً ... للحربِ فاعلمْ أنَّني قطبُ الرَّحى
стр. 57
وإنْ رأيتَ نارَ موتٍ تلتَظي ... فاعلمْ بأنِّي مسعرٌ ذاكَ اللَّظى
خيرُ النّفوسِ السّائلاتِ جهرةً ... على ظُباتِ المرهفاتِ والقنَا
إنَّ العراقَ لمْ أُفارقْ أهلهُ ... عن شنأٍ أصدَّني ولا قلَى
لا أطَّبي عينيَ مذْ فارقتهمْ ... شيءٌ يروقُ الطَّرفَ منْ هذا الورى
همُ الشَّناخيبُ المنيفاتُ الذُّرى ... والنَّاسُ أدحالٌ سواهمْ وهُوى
همُ البحورُ زاخرٌ آذيُّها ... والنَّاسُ ضحضاحٌ ثغابٌ وأضى
إنْ كنتُ أبصرتُ لهم من بعدِهمْ ... مثلاً وأغضيتُ على وخزِ السَّفا
حاشا الأميرينِ اللَّذينِ أوفدا ... عليَّ ظلاًّ من نعيمٍ قد ضفَا
هما اللَّذانِ ابتنيا لي أملاً ... قد وقفَ اليأسُ به على شفَى
تلافَيا العيشَ الذي رنَّقهُ ... صرفُ الزَّمانِ فاستساغَ وصفَا
وأجريَا ماءَ الحيا لي رغداً ... فاهتزَّ غُصني بعدَ ما كانَ ذوى
هُما اللَّذانِ سمَوا بناظري ... من بعدِ إغضائي على لذعِ القذى
هُما اللَّذانِ عمَرا لي جانباً ... من الرَّخاءِ كانَ قدماً قد عفَا
وقلَّداني منَّةً لو قُرنتْ ... بشكرِ أهلِ الأرضِ طرّاً ما وفى
بالعشرِ من معشارِها وكانَ كال ... حسوةِ في آذيِّ بحرٍ قد طمَا
إن ابنَ ميكالَ الأميرَ انتاشَني ... منْ بعدِ ما قد كنتُ كالشَّيءِ اللَّقى
ومدَّ ضبعيَّ أبو العبَّاسِ من ... بعدَ انقباضِ الذَّرعِ والباعِ الوزى
نفسي الفداءُ لأميريَّ ومنْ ... تحتَ السَّماءِ لأميريَّ الفدَا
لا زالَ شكري لهُما مواصلاً ... لفظي أو يعتاقَني صرفُ المنى
إنَّ الأُلى فارقتُ من غيرِ قِلى ... ما زاغَ قلبي عنهمُ ولا هفَا
لكنَّ لي عزماً إذا انتضيتهُ ... لمبهمِ الخطبِ فآهُ فانفأى
ولو أشاءُ ضمَّ قطريهِ الصِّبا ... عليَّ في ظلِّ نعيمٍ وغنى
ولاعبتْني غادةٌ وهنانةٌ ... تُضني وفي ترشافِها برءُ الضَّنى
أو ناجتِ الأعصَم لانحطَّ لها ... طوعَ القيادِ من شماريخِ الذُّرى
أو صِابًتِ القانِتَ في مُخْلولقٍ ... مستصعبِ المسلكِ وعْرِ المرتقَى
ألهاهُ عن تسبيحهِ ودينهِ ... تأنيسُها حتَّى تراهُ قد صبَا
كأنَّما الصَّهباءُ مقطوبٌ بها ... ماءُ جنى وردٍ إذا اللَّيلُ عسَا
يمتاحهُ راشفُ بردِ ريقِها ... بينَ بياضِ الظَّلمِ منها واللَّمى
سقى العقيقَ فالحُزيزُ فالملا ... إلى النُحيتِ فالقريَّاتِ الدُّنا
فالمربدِ الأعلى الذي تلقَى بهِ ... مصارعَ الأُسدِ بألحاظِ المهَا
محلُّ كلِّ مقرمٍ سمتْ بهِ ... مآثرُ الآباء في فرعِ العلى
من الأُلى جوهرهمْ إذا اعتزَوا ... من جوهرٍ منهُ النَّبيُّ المصطفى
جونٌ أعارتْهُ الجنوبُ جانباً ... منها وواصتْ صوبهُ يدُ الصَّبا
نأى يمانيّاً فلمَّا انتشرتْ ... أحضانهُ وامتدَّ كسراهُ غطَا
فجلَّلَ الأفقَ فكلّ جانبٍ ... منها كأنْ من قطرهِ المزنُ حيَا
إذا خبتْ بروقُه عنَّتْ لهُ ... ريحُ الصَّبا تشبُّ منه ما خبَا
وإنْ ونتْ رعودهُ حدَا بها ... راعي الجنوبِ فحدتْ كما حدَا
كأنَّ في أحضانهِ وبركهِ ... بركاً تداعى بين سجرٍ ووحى
لم ترَ كالمزنِ سواماً بُهَّلاً ... تحسبهُ مرعيَّةً وهي سدى
فطبَّقَ الأرضَ فكلُّ بقعةٍ ... منها تقولُ الغيثُ في هاتَا ثوى
تقولُ للأجرازِ لمَّا استوسقتْ ... بسوقهِ ثِقي بريٍّ وحيَا
فأوسعَ الأحدابَ سيباً مُحسبا ... وطبَّقَ البُطنان بالماءِ الرِّوى
كأنَّما البيداءُ غبَّ صوبهِ ... بحرٌ طما تيَّارهُ ثم سجَا
ذاكَ الجِدا لا زالَ مخصوصاً به ... قومٌ همُ للأرضِ غيثٌ وجدَا
لستُ إذا ما بهظتْني غمرةٌ ... ممَّنْ يقولُ بلغَ السَّيلُ الزُّبى
وإنْ ثوتْ بينَ ضُلوعي زفرةٌ ... تملأ ما بينَ الرَّجا إلى الرَّجا
نهنهتُها مكظومةً حتَّى يُرى ... مخضوضعاً منها الذي كانَ طغَا
ولا أقولُ إنْ عرتَني نكبةٌ ... قولَ القنوطِ انقدَّ في الجوفِ السَّلى
стр. 58
قدْ مارستْ من الخطوبِ مرِسا ... يساورُ الهولَ إذا الهولُ علا
لي التواءٌ إنْ معاديَّ التوى ... ولي استواءٌ إنْ مواليَّ استوى
طعمِي شريٌّ للعدوِّ تارةً ... والأري بالرَّاحِ لمن ودّي ابتغى
لدنٌ إذا لُوينتْ سهلٌ معطفي ... ألوى إذا خوشنتُ مرهوبَ الشَّذَا
يعتصمُ الحلمُ بجنبيْ حبوَتي ... إذا رياحُ الطَّيشِ طارتْ بالحُبى
لا يطَّبيني طمعٌ مدنِّسٌ ... إنْ استمالَ طمعٌ أو اطَّبى
وقد علتْ بي رتباً تجاربِي ... أشفينَ بي منها على سبلِ النُّهى
إذا امرؤٌ خيفَ لإفراطِ الأذى ... لم يخشَ منِّي نزقٌ ولا أذى
من غيرِ ما وهنٍ ولكنِّي امرؤٌ ... أصونُ عرضاً لم يدنِّسهُ الطَّخا
وصونُ عرضِ المرءِ أنْ يبذلَ ما ... ضنَّ بهِ ممَّا حواهُ وانتصى
والحمدُ خيرُ ما اتَّخذتَ جنَّةً ... وأنفسُ الأذخارِ من بعدِ التُّقى
وكلُّ قرنٍ ناجمٍ في زمنٍ ... فهو شبيهُ زمن فيهِ بدَا
والنَّاسُ كالنَّبتِ فمنهُ رائقٌ ... غضٌّ نضيرٌ عودهُ مرُّ الجنى
ومنهُ ما تقتحمُ العينُ وإنْ ... ذقتَ جناهُ انساغَ عذباً في اللَّها
يقوَّمُ الشَّارخُ من زيغانهِ ... فيستوي ما انعاجَ منه وانحنَى
والشَّيخُ إنْ قوَّمتهُ من زيغهِ ... لم يقفِ التثقيفُ منهُ ما التوى
كذلكَ الغصنُ يسيرٌ عطفهُ ... لدناً شديدٌ غمزهُ إذا عسَا
منْ ظلمَ النَّاسَ تحامَوا ظلمهُ ... وعزَّ عنهمْ جانباهُ واحتمى
وهمْ لمنْ لانَ لهمْ جانبهُ ... أظلمُ من حيَّاتِ أنباتِ السَّفا
عبيدُ ذي المالِ وإنْ لم يطعَموا ... من غمرهِ في جرعةٍ تشفي الصَّدى
وهمْ لمنْ أملقَ أعداءٌ وإنْ ... شاركهمْ فيما أفادَ وحوى
عاجمتُ أيَّامي وما الغرُّ كمنْ ... تأزَّرَ الدَّهرُ عليه وارتدى
لا يرفعُ اللُّبُّ بلا جدٍّ ولا ... يحطُّكَ الجهلُ إذا الجدُّ علا
منْ لم يعظْهُ الدَّهرُ لم ينفعهُ ما ... راحَ بهِ الواعظُ يوماً أو غدَا
منْ لم تفدْهُ عبراً أيَّامهُ ... كانَ العمى أولى بهِ من الهُدى
مَنْ قاسَ ما لم يرهُ بما رأى ... أراهُ ما يدنو إليه ما نأى
مَنْ ملَّكَ الحرصَ القيادَ لم يزلْ ... يكرعُ في ماءٍ من الذُّلِّ صرى
مَنْ عارضَ الأطماعَ باليأسِ رنتْ ... إليه عينُ العزِّ من حيثُ رنَا
مَنْ عطفَ النَّفسَ على مكروهِها ... كانَ الغنى قرينهُ حيثُ انتوى
مَنْ لم يقفْ عندَ انتهاءِ قدرهِ ... تقاصرتْ عنهُ فسيحاتُ الخُطا
مَنْ ضيَّعَ الحزمَ جنى لنفسهِ ... ندامةً ألذعَ من سفعِ الذَّكا
مَنْ ناطَ بالعجبِ عُرى أخلاقهِ ... نِيطتْ عُرى المقتِ إلى تلكَ العُرى
مَنْ طالَ فوقَ منتَهى بسطتهِ ... أعجزهُ نيلُ الدُّنا بلْهَ القُصا
مَنْ رامَ ما يعجزُ عنهُ طوقهُ ... مِ العبءِ يوماً آلَ مجزولَ المطَا
والنَّاسُ ألفٌ منهمُ كواحدٍ ... وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عنَا
وللفتى منْ مالهِ ما قدَّمتْ ... يداهُ قبلَ موتهِ لا ما اقتنى
وإنَّما المرءُ حديثٌ حسنٌ ... فكنْ حديثاً حسناً لمنْ وعى
إنِّي جلبتُ الدَّهرَ شطرَيهِ فقد ... أمرَّ لي حيناً وأحياناً حلا
وفرَّ عن تجربةٍ نابي فقلْ ... في بازلٍ راضَ الخطوبَ وامتطى
والنَّاسُ للموتِ خلاً يلسُّهمْ ... وقلَّما يبقى على اللَّسِّ الخلا
عجبتُ من مستيقنٍ أنَّ الرَّدى ... إذا أتاهُ لا يُداوى بالرُّقى
وهوَ من الفغلةِ في أهويةٍ ... بخابطٍ بينَ ظلامٍ وعشَى
نحنُ ولا كفرانَ للهِ كما ... قد قيلَ في السَّاربِ أخلى فارتعى
إذا أحسَّ نبأةً ريعَ لها ... تطامنتْ عنهُ تمادى ولهَا
نهالُ للشَّيءِ الذي يروعُنا ... ونرتعي في غفلةٍ إذا انقضَى
إنَّ الشَّقاءَ بالشَّقيِّ موزعٌ ... لا يملكُ الرَّدَّ لهُ إذا أتى
واللَّومُ للحرِّ مقيمٌ رادعٌ ... والعبدُ لا يردعهُ إلاَّ العصَا
وآفةُ العقلِ الهوى فمنْ علا ... على هواهُ عقلهُ فقدْ نجَا
стр. 59
كم منْ أخٍ مسخوطةٍ أخلاقهُ ... أصفيتُهُ الودَّ بخلقٍ مرتضى
إذا بلوتَ السَّيفَ محموداً فلا ... تذممْهُ يوماً أنْ تراهُ قد نبَا
والطّرفُ يجتازُ المدى وربَّما ... عنَّ لمعداهُ عثارٌ فكبَا
من لكَ بالمهذَّبِ النَّدبِ الذي ... لا يجدُ العيبَ إليه مختطى
إذا تصفَّحتَ أمورَ النَّاسِ لم ... تلفِ امرءاً حازَ الكمالَ فاكتفى
إنَّ نجومَ المجدِ أمستْ أُفَّلاً ... وظلُّهُ القالصُ أضحى قدْ أزى
إلاَّ بقايا من أُناسٍ بهمُ ... إلى سبيلِ المكرماتِ يُقتدى
إذا الأحاديثُ انتضتْ أنباءهمْ ... كانتْ كنشرِ الرَّوضِ غاداهُ السَّدى
ما أنعمَ العيشةَ لو أنَّ الفتى ... يقبلُ منه الموتُ أسناءَ الرُّشَا
أو لوْ تحلَّى بالشَّبابِ دهرهُ ... لم يستلِبهُ الشَّيبُ هاتيكَ الحلى
هيهاتَ مهما يُستمرْ مسترجعٌ ... وفي خطوبِ الدَّهرِ للنَّاسِ أُسى
وفتيةٍ ساراهمُ طيفُ الكرى ... فسامروا النَّومَ وهمْ غيدُ الطُّلى
واللَّيلُ ملقٍ بالموامِي بركهُ ... والعيسُ ينبثنَ أفاحيصَ القطَا
بحيثُ لا يهدي لسمعٍ نبأةٌ ... إلاَّ نئيمَ البومِ أو صوتَ الصَّدى
شايعتُهمْ على السُّرى حتَّى إذا ... مالتْ أداةُ الرَّحلِ بالجبسِ الدَّوى
قلتُ لهمْ إنَّ الهُوينا غبُّها ... وهنٌ فجدُّوا تحمَدوا غبَّ السُّرى
وموحشُ الأرجاءِ طامٍ ماؤهُ ... مدعثرِ الأعضادِ مهدومِ الجبَا
كأنَّما الرِّيشُ على أرجائهِ ... زرقُ نصالٍ أُرهفتْ لتُمتهى
وردْتهُ والذِّئبُ يعوي حولهُ ... مستكَّ سمِّ السَّمعِ من طولِ الطَّوى
ومنتجٍ أمُّ أبيهِ أمُّهُ ... لم يتخوَّنْ جسمهُ مسُّ الضَّوى
أفرشتهُ بنتَ أخيهِ فانثنتْ ... عن ولدٍ يورى بهِ ويُشتوى
ومرقبٍ مخلولقٍ أرجاؤهُ ... مستصعبِ الأقذافِ وعرِ المُرتقى
أوفيتُ والشَّمسُ تمجُّ ريقَها ... والظِّلُّ من تحتِ الحذاءِ مُحتذى
وطارقٍ يؤنسهُ الذِّئبُ إذا ... تضوَّرَ الذِّئبُ عشاءً وعوى
آوى إلى نارِي وهيَ مألفٌ ... يدعو العفاةَ ضوؤها إلى القِرى
للهِ ما طيفُ خيالٍ زائرٍ ... تزفُّهُ للقلبِ أحلامُ الرؤى
يجوبُ أجوازَ الفلا محتقراً ... هولَ دُجى اللَّيلِ إذا اللَّيلُ انبرى
سائلهُ إنْ أفصحَ عنْ أنبائهِ ... أنَّى تسدَّى اللَّيلَ أمْ أنَّى اهتدى
لو كانَ يدري قبلَها ما فارسٌ ... وما مواميها القفارُ والقُرى
وسائلٍ بمُزعجي عن وطني ... ما ضاقَ بي جنابهُ ولا نبَا
قلتُ القضاءُ مالكٌ أمرَ الفتى ... من حيثُ لا يدري ومنْ حيثُ درى
لا تسألنِّي واسألِ المقدارَ هلْ ... يعصمُ منهُ وزرٌ ومذَّرى
لا بدَّ أنْ يلقى امرؤٌ ما خطَّهُ ... ذو العرشِ ممَّا هو لاقٍ ووحى
لا غروَ أنْ لجَّ زمانٌ جائرٌ ... فاعترقَ العظمَ الممخّ وانتقى
فقدْ ترى القاحلَ مخضرّاً وقدْ ... تلقى أخا الإقتارِ يوماً قد نمَى
يا هؤلَيَّا هل نشدتنَّ لنا ... ثاقبةَ البرقعِ عن عينيْ طلا
ما أنصفتْ أمُّ الصَّبيَّينِ التي ... أصبتْ أخا الحلمِ ولمَّا تُصطبى
إستحِ بِيضا بينَ أفوادكَ أنْ ... تقتادكَ البيضُ اقتيادَ المُهتدى
هيهاتَ ما أشنعَ هاتَا زلَّةٍ ... أطرَباً بعدَ المشيبِ والجلا
بلْ ربَّ ليلٍ جمعتْ قطريهِ لي ... بنتُ ثمانينَ عروساً تُجتلى
لمْ يملكُ الماءُ عليها أمرَها ... ولمْ يدنِّسها الضَّرامُ المُختضى
كأنَّ قرنَ الشَّمسِ في ذرورِها ... بفعلِها في الصَّحنِ والكأسِ اقْتدى
نازعتُها أروعَ لا تسطُوا على ... نديمةِ شرَّتهِ إذا انْتشى
كأنَّ نورَ الرَّوضِ نظمُ لفظهِ ... مُرتجلاً أو مُنشداً أو إنْ شدَا
من كلِّ ما نالَ الفتى قدْ نلتهُ ... والمرءُ يبقَى بعدهُ حسنُ الثَّنا
فإنْ أمتْ فقد تناهتْ لذَّتي ... وكلّ شيءٍ بلغَ الحدَّ انتهى
وإنْ أعشْ صاحبتُ دهرِي عالماً ... بما انْطوى من صرفهِ وما انْسرى
стр. 60
حاشَا لمنْ أسأرهُ في الحِجا ... والحلمُ أنْ أتبعَ روَّادَ الخنَا
أو أنْ أُرى مختضعاً لنكبةٍ ... أو لابتهاجٍ فرجاً أو مُزدهى
منْ أطعمَ اليتيمَ والمِسكينَ وال ... أسيرَ حبّاً للإلهِ ذي العُلى
ومنْ أقامَ خاشعاً لصلاتَهُ ... يُؤتى الزَّكاةَ راكعاً لمنْ أتى
ومنْ مشى جبريلُ معَ ميكالهِ ... عن جانبيهِ في الحروبِ إذا مشى
ومنْ يُنادي جبرئيلَ مُعلناً ... والحربُ قدْ قامتْ على ساقِ الردى
لا سيفَ إلاَّ ذو الفقارِ فاعْلموا ... ولا فتى إلاَّ عليٌّ في الوغى
منْ ذا لهُ حمدٌ تعالى ذكرهُ ... باللهِ مقرونٌ إذا قامَ البرى
لك النّبيُّ والوصيُّ والدٌ ... وزوجهُ وأبناءُ أصحابِ العبَا
يا أيُّها الدَّاعي إلى الحقِّ الذي ... أحيا لنا ميتَ الأمانِي باللُّها
في معدنِ الحكمةِ رُبِّيتَ وفي ... بيتِ السَّدادِ والرَّشادِ والتُّقى
محمَّداكَ أحرزا حمداً لكا ... والحسنانِ حسنُ مجدٍ وسنَا
وزادك الزيدانِ فخراً عاليا ... فوقَ الثُّريَّا والسّماك قد سمَا
ومجدُ إسماعيلَ بذاك قد ذرَا ... من المعالي قصَّرتْ عنها الذُّرا
أُبوَّةٌ لو لفَّها كواكبٌ ... لأظلمتْ من دونِها شمسُ الضُّحى
يا جبلَ اللهِ المنيفَ والذي ... يأوي إليه في الملمَّاتِ العُرى
يؤمُّ أبوابكَ طلاَّبَ الغِنى ... كما يؤمُّ البيتَ حجَّاجُ مِنى
فكلُّهم من طالبٍ وراغبٍ ... يؤوبُ عنكَ بالمرادِ والرِّضى
عشتَ رويداً وابنكَ المهديُّ في ... ظلِّ السُّرورِ والنَّعيمِ والرَّخا
يُجبى لك الأرض جميعاً حزنُها ... وسهلُها وأهلُها لك الفِدا
نعمَ النَّصورُ عمركم ونعمَ ما ... أنتَ له ذخرٌ ونعمَ المُقتقى
فاشْددْ به يداً فإنَّه لكمْ ... قصاقصٌ ضُبارمٌ عندَ الحِمى
عمَّا قليلٍ ستراهُ معلِنا ... في كلِّ منْ ناواكمْ سيفَ الفنَا
هاكَ عروساً جُليتْ شهيَّةً ... ذاتَ معانٍ نُظمتْ نظمَ الحُلى
غرَّاءَ كالماءِ الزُّلالِ رقَّةً ... وطعمُها طعمُ شهادٍ تُجتبى
عروضُ منْ أمسى يقولُ عاتباً ... أمَا صحا أمَا انتهى أمَا ارْعوى
وقال بعض بني أسد: ويقال: إنه النَّظَّار الفقعسي، وصف الحية والحمامة والصقر والقطا والفرس. أنشده الأصمعي:
نأتْ دارُ ليلى فشطَّ المزارُ ... فعيناكَ لا تطعمانِ الكرَى
ومرَّ بفرقتِها بارحٌ ... فصدَّقَ ذاكَ غرابُ النَّوى
وأضحتْ ببغدانَ في منزلٍ ... لهُ شرفاتٌ دُوينَ السَّما
وجيشٌ ورابطةٌ حولهُ ... غلاظُ الرِّقابِ كأُسدِ الشَّرى
بأيديهمُ مُحدثاتِ الصّقالِ ... سُريجيَّةٌ يختلينَ الطُّلى
ومن دونِها بلدٌ نازحٌ ... يُجيبُ به البومُ رجعُ الصَّدى
وكم دونَ بيتكَ من ضعَّفٌ ... ومن أسْودٍ حاجرٍ في مكَا
ومنْ منهلٍ آجنٍ ماؤهُ ... سدًى لا يُعاجُ به قدْ طمَا
ومن حنشٍ لا يجيبُ الرُّقا ... ةَ أسمرَ ذي حمَةٍ كالرّشا
أصمَّ صموتٍ طويلِ السُّبا ... تِ منهرتِ الشّدقِ عاري القرَى
لهُ في اليبيسِ نٌفاثٌ يطيرُ ... على جانبيهِ كجمرِ الغضَى
وعينانِ حمٌّ مآقيهما ... تبصَّانِ في هامةٍ كالرَّحا
إذا ما تثاءبَ أبدى لهُ ... مذرَّبةً عصلاً كالمُدى
كأنَّ حفيفَ الرَّحا جرسهُ ... إذا اصطكَّ أنيابهُ في الصَّفا
ولو عضَّ حرفيْ صفاةٍ إذاً ... لأنشبَ أنيابهُ في الصَّفا
كأنَّ مزاحفهُ أنسغٌ ... حُززنَ فُرادى ومنها ثُنى
وقد شاقَني نوحُ قمريَّةٍ ... طروبُ العشيِّ هتوفِ الضُّحى
من الورقِ نوَّاحةٍ باكرتْ ... عسيبَ أشاءٍ بذاتِ الغضَى
تغنَّتْ عليه بلحنٍ لها ... تهيِّجُ للصب ما قد مضَى
مطوَّقةٍ كُسيتْ زينةً ... بدعوةِ نوحٍ لها إذا دعَا
فلم أرَ باكيةً مثلَها ... تبكِّي ودمعتُها لا تُرى
أضلَّتْ فُريخاً فطافتْ لهُ ... وقد علِقتهُ حبالُ الرَّدى
فلمَّا بدا اليأسُ منهُ بكتْ ... عليهِ وماذا يردُّ البُكا
стр. 61
وقدْ صادهُ ضرمٌ مُلحمٌ ... خفوقُ الجناحِ حثيثُ النَّجا
حديدُ المخالبِ عاري الوظي ... فِ ضارٍ من الزُّرقِ فيهِ قنَا
ترى الوحشَ والطَّيرَ من خوفهِ ... جواحرَ منهُ إذا ما اغْتدى
فباتَ عذوباً على مرقبٍ ... بشاهقةٍ صعبةِ المُرتقى
فلمَّا أضاءَ لهُ صبحهُ ... ونكَّبَ عن منكبيهِ النَّدى
وحتَّ بمخلبهِ قارتاً ... على خطمهِ منْ دماءِ القطَا
فصعَّدَ في الجوِّ ثم اسْتدا ... رَ ضارٍ حثيثٌ إذا ما انْصمى
فآنسَ سربَ قطَا قاربٍ ... جبَا منهلٍ لم تمِحْه الدَّلا
غدونَ بأسقيةٍ يرتوينَ ... لزغبٍ مطرَّحةٍ بالفلا
يُبادرنَ ورداً فلمْ يرعوينَ ... على ما تخلَّفَ أو ما ونَى
تذكَّرنَ ذا عرمضٍ طامياً ... يجولُ على حافتيهِ الغُثا
بهِ رفقةٌ من قطاً واردٍ ... وأُخرى صوادرَ عنهُ رِوا
فملأنَ أسقيةً لم يُشنْ ... بخرزٍ وقد شدَّ منها العرَا
فأقعصَ منهنَّ كدريَّةً ... فمزَّقَ حيزومَها والحشَا
تخالُ حفيفَ جناحيهِ إذْ ... تدلَّى من الجوِّ برقاً سنَا
فولَّينَ مجتهداتِ النَّجا ... جوافلَ في طامساتِ الصّوى
فاُبنَ عطاشاً فسقَّينهنَّ ... مُجاجاتهنَّ كماءِ السَّلى
فبتنَ يُراطنَّ رقشَ الظُّهو ... رِ حمرَ الحواصلِ صفرَ اللَّها
فذاكَ وقد أغتدي في الصَّباحِ ... بأجردَ كالسِّيدِ عبلِ الشَّوى
له كفلٌ أيِّدٌ مشرفٌ ... وأعمدةٌ لا تشكَّى الوجَى
وأُذنٌ مؤلَّلةٌ حشرةٌ ... وشِقٌّ رحابٌ وجوفٌ هوَا
ولحيانُ شدَّا إلى منخرٍ ... رحيبٍ وعوجٌ طوالُ الخُطا
لهُ سبعةٌ طلنَ من بعدِ أنْ ... قصرنَ له سبعةٌ فاسْتوى
وسبعٌ عرينَ وسبعٌ كُسينَ ... وخمسٌ رواءٌ وخمسٌ ظمَا
وسبعٌ قربنَ وسبعٌ بعدْ ... نَ منهُ فما فيهِ عيبٌ يُرى
وسبعٌ غلاظٌ وسبعٌ رقاقٌ ... وصهوةُ عيرٍ ومتنُ خطَا
حديدُ الثّمانِ عريضُ الثّمانِ ... شديدُ الصِّفاقِ شديدُ المطَا
وفيهِ منَ الطَّيرُ خمسٌ فمنْ ... رأى فرساً مثلهُ يُقتنى
غُرابانِ فوقَ قطاةٍ لهُ ... ونسرٌ ويعسوبهُ قد بدَا
ويؤثرُ بالزَّادِ قبلَ العيالِ ... وفي كلِّ مشتاتهِ يُقتفى
قصرْنا لهُ منَ جيادِ اللَّقا ... حِ خمساً مجاليحَ كومَ الذُّرى
يُفادى بعضٍّ لهُ دائباً ... ونُقفيهِ من حلبٍ ما اشْتهى
فقاظَ صنيعاً فلمَّا شتَا ... أخذْناهُ بالقودِ حتَّى انْطوى
فهِجنا بهِ عانةً في الغطاطِ ... خماصَ البطونِ صحاحَ العُجى
فولَّينَ كالبرقِ في نفرهنَّ ... جوافلَ يكسرنَ صمَّ الصَّفا
فصوَّبهُ العبدُ في إثرِها ... فطوراً يغيبُ وطوراً يُرى
فجدَّلَ خمساً فمنْ مقعصٍ ... وشاصٍ كراعاهُ دامِي الكُلى
وثِنتانِ خضخضنَ قُصيبهُما ... وثالثةٌ نشجتْ بالدِّما
فرُحنا بصيدٍ إلى أهلِنا ... وقد جلَّلَ الأرضَ ثوبُ الدُّجى
وبتْنا نقسِّمُ أعضاءهُ ... لجارٍ ويأكلهُ منْ عفَا
ورحْنا مثلَ وقفِ العرُو ... سِ أهيفَ لا يتشكَّى الوجَى
وباتَ النِّساءُ يعوِّذنهُ ... ويأكلنَ من صيدهِ المُشتوى
عبد الله بن عباس
خبر عبد الله بن عباس ونافع بن الأزرق وقصيدة عمر بن أبي ربيعة
حدَّث الرواة: أن نافع بن الأرق الخارجي، أتى عبد الله بن عباس، ﵁ يوماً فطفق، حتَّى تبرم وجعل يعرض عنه ضجراً، فطلع عمر بن عبد الله ابن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو يومئذ غلام، فسلّم على عبد الله وجلس، فقال عبد الله: أنشدنا شيئاً، فأنشده: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر، حتَّى انتهى إلى آخرها، وهي نحو من ثمانين بيتاً. فقال ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس، أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين، فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه؟ تالله ما سمعت سفهاً، فقال: أما أنشدك:
رأتْ رجلاً أمَّا إذا الشَّمسُ عارضتْ ... فيخزى وأمَّا بالعشيِّ فيخسرُ
стр. 62
فقال ابن عباس: ما هكذا أنشدنا، إنما قال: فيضحى، وأما بالعشيِّ فيخصر. فقال ابن الأزرق: أو حفظت ما قال؟ فقال: والله ما سمعتها إلاَّ ساعتي، ولو شئت أن أروها أرددتها، قال: فارددها. فأنشده إياها، فقال ابن الأزرق: ما رأيت أروى منك قط. فقال عبد الله: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من عليّ، ﵄.
والقصيدة:
أمنْ آلِ نعمٍ أنتَ غادٍ فمبكرُ ... غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجِّرُ
لحاجةِ نفسٍ لم تقلْ في جوابِها ... فتبلغَ عذراً والمقالةُ تعذرُ
تهيمُ إلى نعمٍ فلا الشَّملُ جامعٌ ... ولا الحبلُ موصولٌ ولا القلبُ مقصرُ
ولا قربُ نعمٍ إنْ دنتْ لكَ نافعٌ ... ولا نأيُها يسلي ولا أنتَ تصبرُ
وأخرى أتتْ من دونِ نعمٍ ومثلُها ... نهى ذا النُّهى لو ترعوي أو تفكِّرُ
إذا زرتُ نعماً لم يزلْ ذو قرابةٍ ... لها كلَّما لاقيتُهُ يتنمَّرُ
عزيزٌ عليهُ أنْ ألمَّ ببيتها ... يسرُّ ليَ الشَّحناءَ للبغضِ مظهرُ
إلكْني إليها بالسَّلامِ فإنَّهُ ... ينكَّرُ إلمامي بها ويشهَّرُ
بآيةِ ما قالتْ غداةَ لقيتُها ... بمدفعِ ركبانٍ أهذا المشَّهرُ
قفي فانظُري يا اسمُ هل تعرفينهُ ... أهذا المغيريُّ الذي كانَ يذكرُ
أهذا الذي أطريتِ نعتاً فلم أكنْ ... وعيشكِ أنساهُ إلى يومِ أُقبرُ
فقالتْ نعم لا شكَّ غيَّر لونهُ ... سُرى اللَّيلِ يُحيي نصَّه والتَّهجُّرُ
لئنْ كانَ إيَّاهُ لقد حالَ بعدَنا ... عن العهدِ والإنسانُ قد يتغيَّرُ
تغيَّرَ جسمي والخليقةُ كالتي ... عهدتُ ولم يُخبرْ بسرِّكَ مخبرُ
رأتْ رجلاً أمَّا إذا الشَّمسُ عارضتْ ... فيضحى وأمَّا بالعشيِّ فيخصرُ
أخا سفرٍ جوَّابَ أرضٍ تقاذفتْ ... بهِ فلواتٌ فهو أشعثُ أغبرُ
قليلٌ على ظهرِ المطيَّةِ ظلُّهُ ... وريَّانُ ما نفى عنهُ الرِّداءُ المحبَّرُ
وأعجبَها من عيشِها ظلُّ غرفةٍ ... وريَّانُ ملتفُّ الحدائقِ أخضرُ
ووالٍ كفاها كلَّ شيءٍ يهمُّها ... فليستْ لشيءٍ أخرَ اللَّيلِ تسهرُ
وليلةِ ذي دوْرانَ جشَّمني السُّرى ... وقد يجشمُ الهولُ المحبُّ المغرّرُ
فبتُّ رقيباً للرِّفاقِ على شفا ... أُراقبُ منهمْ من يطوفُ وأنظرُ
إليهمْ متى يأخذُ النومُ منهمُ ... ولي مجلسٌ لولا اللُّبانةُ أوعرُ
وباتتْ قلوصِي بالعراءِ ورحلُها ... لطارقِ ليلٍ أو لمنْ جاءَ معورُ
وبتُّ أناجي النَّفسَ أينَ خباؤها ... وأنَّى لما آتي من الأمرِ مصدرُ
فدلَّ عليها القلبَ ريَّا عرفتُها ... لها وهوى النَّفسِ الذي كانَ يظهرُ
فلمَّا فقدتُ الصَّوتَ منهم وأُطفئتْ ... مصابيحُ شبَّتْ بالعشاءِ وأنورُ
وغابَ قُميرٌ كنتُ أرجو غيوبهُ ... وروَّحَ رعيانٌ ونوَّمَ سمَّرُ
وخفِّضَ عنِّي الصَّوتُ أقبلتُ مشيةَ ال ... حبابِ ورُكني خيفةَ القومِ أزورُ
فحيَّيتُ إذ فاجأتُها فتولَّهتْ ... وكادتْ بمرجوع التحيّةِ تجهرُ
فقالتْ وعضَّتْ بالبنانِ فضحتْني ... وأنتَ امرؤٌ ميسورُ أمركَ أعسرُ
أريتكَ إذ هنَّا عليكَ ألمْ تخفْ ... رقيباً وحولي من عدوِّكَ حضَّرُ
فواللهِ ما أدري أتعجيلٌ حاجةٍ ... سرتْ بكَ أم قد نامَ من كنتَ تحذرُ
فقلتُ لها بلْ قادني الحبُّ والهوى ... إليكِ وما نفسٌ من النَّاسِ تشعرُ
فقالت وقد لانتْ وأفرخ روعها ... كلاك بحفظ ربّك المتكبرُ
فأنتَ أبا الخطَّابِ غيرَ منازعٌ ... عليَّ أمينٌ ما مكثتَ مؤمَّرُ
فيالكَ من ليلٍ تقاصرَ طولهُ ... وما كانَ ليلي قبلَ ذلكَ يقصرُ
ويالكَ من ملهى هناكَ ومجلسٍ ... لنا لم يكدِّرهُ علينا مكدِّرُ
يرفُّ إذا تفترُّ عنهُ كأنَّهُ ... حصى بردٍ أو أقحوانٌ منوَّرُ
وترنو بعينيها إليَّ كما رنا ... إلى ظبيةٍ وسطَ الخميلةِ جؤذرُ
فلمَّا تقضَّى اللَّيلُ إلاّ أقلَّهُ ... وكادتْ توالي نجمهِ تتغوَّرُ
أشارتْ بأنَّ الحيَّ قد حانَ منهمُ ... هبوبٌ ولكنْ موعدٌ منك عزورُ
стр. 63
فما راعني إلاّ منادٍ ترحَّلوا ... وقد لاحَ معروفٌ من الصّبحِ أشقرُ
ولمَّا رأتْ من قد تثوَّرَ منهمُ ... وأيقاظهمُ قالتْ أشرْ كيفَ تأمرُ
فقلتُ أباديهمْ فإمَّا أفوتُهم ... وإمَّا ينالُ السَّيفُ ثأراً فأثأرُ
فقالتْ أتحقيقٌ لما قالَ كاشحٌ ... علينا وتصديقٌ لما كانَ يؤثرُ
فإنْ كانَ ما لا بدَّ منهُ فغيرهُ ... من الأمرِ أهدى للخفاءِ وأسترُ
أقصُّ على أُختيَّ بدءَ حديثِنا ... وما ليَ من أن تعلما متأخّرُ
لعلَّهما أنْ تجعلا لكَ مخرجاً ... وأنْ ترحُبا سرباً بما كنتُ أحصرُ
فقامتْ كئيباً ليس في وجهها دمٌ ... من الحزنِ تُذري دمعةً تتحدَّرُ
فقالتْ لأختيْها أعِينا على فتًى ... أتى زائراً والأمرُ للأمرِ يقدرُ
فقامتْ إليها حرَّتانِ عليهما ... كِساآنِ من خزٍّ بنفس وأخضرُ
فأقبلتا فارْتاعتا ثمَّ قالتا ... أقلِّي عليكِ اللَّومَ فالخطبُ أيسرُ
فقالتْ لها الصُّغرى سأُعطيهِ مطرَفي ... وبُردي وهذا الدِّرعُ إنْ كانَ يحذرُ
يقومُ فيمشي بيننا متنكِّراً ... فلا سرُّنا يفشو ولا نحنُ نذكرُ
ويروى:
ونخرجهُ من بيننا ساتراتهِ ... فلا سرُّنا يبدو ولا هو يظهرُ
فكانَ من مجَنِّي دونَ من كنتُ أتَّقي ... ثلاثُ شخوصٍ كاعبانِ ومعصرُ
فلما أجزْنا ساحةَ الحيِّ قلنَ لي ... ألمْ تتَّقي الأعداءَ واللَّيلُ مقمرُ
وقلنَ أهذا دأبكَ الدَّهرَ سادراً ... أما تستحي أو ترعوي أو تفكِّرُ
إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينكَ غيرَنا ... لكي يحسَبوا أنَّ الهوى حيثُ تنظرُ
فآخرُ عهدٍ لي بها حيثُ أعرضتْ ... ولاحَ لها خدٌّ نقيٌّ ومحجرُ
سوى أنَّني قد قلتُ يا نعمُ قولةً ... لها والرِّكابُ الأرحبيَّةُ تزجرُ
هنيئاً لبعلِ العامريَّةِ نشرُها ال ... لذيذُ وريَّاها الذي أتذكَّرُ
فقمتُ إلي حرفٍ تخوَّنَ نيّها ... سُرى اللَّيلِ حتَّى لحمُها متحسِّرُ
وحبسي على الحاجاتِ حتَّى كأنَّها ... بليَّةُ لوحٍ أو شجارٌ مؤسَّرُ
وماءٍ بموماةٍ قليلٌ أنيسهُ ... بسابسَ لم يحدثْ له الصيفُ محضرُ
بهِ مُبتنى للعنكبوتِ كأنَّهُ ... على طرفِ الأرجاءِ خامٌ منشَّرُ
وردتُ وما أدري أمَا بعدَ موردي ... من اللَّيلِ أم ما قد مضى منه أكثرُ
فطافتْ بهِ مغلاةُ أرضٍ كأنَّها ... إذا التفتتْ مجنونةً حينَ تنظرُ
تنازعُني حرصاً على الماءِ رأسَها ... ومن دونِ ما تهوى قليبٌ معوَّرُ
محاولةً للوردِ لولا زمامُها ... وجذبي بهِ كادتْ مراراً تكسَّرُ
فلمَّا رأيتُ الضُّرَّ منها وأنَّني ... ببلدةِ أرضٍ ليسَ فيها معصَّرُ
قطعتُ لها من جانبِ الحوضِ مشرباً ... صغيراً كقيدِ الشِّبرِ أو هو أصغرُ
إذا شرعتْ فيه فليسَ لملتقى ... مشافرِها منه قِدى الشَّبرِ مشبرُ
ولا دلوَ إلاّ العقبُ كانَ رشاءهُ ... إلى الماءِ نسعٌ والجديلُ المضفَّرُ
فسافتْ وما عافتْ وما صدَّ شربَها ... عن الرِّيِّ مطروقٌ من الماءِ أكدرُ
قصيدة كثير عزة
وحدث الرواة أن كثيِّر بن عبد الرحمن الخزاعي، دخل على عبد الملك بن مروان، وعنده الأخطل، فأنشده، فالتفت عبد الملك إلى الأخطل فقال: كيف ترى؟ فقال: حجازي مجدع مغرور، دعني أصفحه لك يا أمير المؤمنين، فقال كثيّر: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الأخطل، فقال له كثيّر: فهلا صفحت الذي يقول:
لا تطلبنَّ خؤولةً في تغلبٍ ... فالزّنجُ أكرمُ منهمُ أخوالا
والتغلبيُّ إذا تنحنحَ للقِرى ... حكَّ استَه وتمثَّل الأمثالا
فسكت الأخطل وما أجاب بحرف.
قالوا: إن عبد الملك ذكر الشعر يوماً، فقال: لو كان قول كثيّر بن عبد الرحمن:
فقلتُ لها يا عزُّ كلُّ مصيبةٍ ... إذا وُطِّنتْ يوماً لها النَّفسُ ذلَّتِ
في الحرب، لكان أشعر الناس، ولو أن بيت القطامي:
يمشينَ رهواً فلا الأعجازُ خاذلةٌ
في وصف النساء لكان أشعر الناس.
стр. 64
وقالوا: إن كثيراً سئل ذات يوم، أنت أشعر أم جميل؟ فقال: بل أنا، فقيل: أتقول هذا وأنت راويته؟ قال: أجل، لأنه يقول:
رمى اللهُ في عينَيْ بثينة بالقذى ... وفي الغرِّ من أنيابِها بالقوادحِ
وأنا أقول:
هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مخامرٍ ... لعزَّةَ من أعراضِنا ما استحلَّتِ
وهذه قصيدة البيت:
خليليَّ هذا رسمُ عزَّةَ فاعقِلا ... قلوصيكُما ثمَّ ابكيا حيثُ حلَّتِ
ومسَّا تراباً كانَ قد مسَّ جلدَها ... وظلاَّ وبيتاً حيثُ باتتْ وظلَّتِ
ولا تيأسا أن يغفرَ اللهُ منكُما ... ذنوباً إذا صلَّيتُما حيثُ صلَّتِ
فقد حلفتْ جهداً بما نحرتْ لهُ ... قريشٌ غداةَ المأزمينِ ولبَّتِ
أُناديكَ ما حجَّ الحجيجُ وكبَّرتْ ... بفيفَا غزالٍ رفقةٌ وأهلَّتِ
وكانتْ لقطعِ الحبلِ بيني وبينَها ... كناذرةٍ نذراً وفتْ فأحلَّتِ
فقلتُ لها يا عزُّ كلُّ مصيبةٍ ... إذا وطِّنتْ يوماً لها النَّفسُ ذلَّتِ
ولم يلقَ إنسانٌ من الحبِّ ميعةً ... تعمُّ ولا عمياءَ إلاّ تجلَّتِ
كأنّي أُنادي صخرةً حين أعرضتْ ... من الصُّمِّ لو تمشي بها العصمُ زلَّتِ
ووجدي بكمْ يا عزُّ لو تعلمينهُ ... كما وجدِ ملواحٍ عن الماءِ ضلَّتِ
صفوحٌ فما تلقاكَ إلاّ بخيلةً ... فمنْ ملَّ ذلك الوصلَ ملَّتِ
أباحتْ حمًى لم يرعهُ النَّاسُ قبلَها ... وحلَّتْ تلاعاً لم تكنْ قبلُ حلَّتِ
فليتَ قلوصي عندَ عزَّةَ قيِّدتْ ... بحبلٍ ضعيفٍ غرَّ منها فندَّتِ
وغودرَ في الحيِّ المقيمينَ رحلُها ... وكانَ لها باغٍ سوايَ فبلَّتِ
فيا منْ لعينٍ لا ترى قللَ الحمى ... ولا جبلَ الأوشالِ إلاّ استهلَّتِ
لجوجٌ إذا همَت عصيٌّ إذا بكتْ ... سواءٌ أدقَّتْ في البكا أم أجلَّتِ
ولمَّا ارتقينا في صعودٍ من الصِّبا ... على رتبٍ منها شنئتُ وكلَّتِ
فكنتُ كذاتِ الدَّاءِ راجعَ داؤها ... على حينِ قالَ الداعيانِ أبلَّتِ
وكنتُ كذي رجلينِ رجلٍ صحيحةٍ ... ورجلٍ رمى فيها الزَّمانُ فشلَّتِ
وكنتُ كذاتِ الضَّلعِ لمَّا تحمَّلتْ ... على ضلعِها بعدَ العثارِ استقلَّتِ
أُريدُ الثَّواءَ عندها وأظنُّها ... إذا ما أطلْنا عندها المكثَ ملَّتِ
تمنَّيتها حتَّى إذا ما رأيتُها ... رأيتُ المنايا مترعاً قد أظلَّتِ
وما غرَّني إلاّ كتابٌ كتبتهُ ... فليتَ يميني قبلَ ذلكَ شلَّتِ
يكلِّفها الخنزيرُ شتمي وما بها ... هواني ولكنْ للمليكِ استذلَّتِ
هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مخامرٍ ... لعزَّةَ من أعراضِنا ما استحلَّتِ
فواللهِ ما قاربتُ إلاّ تباعدتْ ... لصرمٍ ولا أكثرتُ إلاّ أقلَّتِ
فإنْ تكنِ العتبى فأهلاً ومرحباً ... وحقَّتْ لها العتبى لدينا وقلَّتِ
وإنْ تكنِ الأخرى فإنَّ وراءنا ... بلاداً إذا كلفتُها العيسَ كلَّتِ
خليليَّ إنَّ الحاجبيَّةَ طلَّحتْ ... قلوصيكُما وناقتي قد أكلَّتِ
فلا يبعدنَ وصلٌ لعزَّةَ أصبحتْ ... بعاقبةٍ أسبابهُ قد تولَّتِ
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةً ... لدينا ولا مقليَّةً إنْ تقلَّتِ
ولكنْ أنيلي واذكُري من مودَّةٍ ... لنا خلَّةٌ كانت لديكمْ فظلَّتِ
فإنِّي وإنْ صدَّتْ لمثنٍ وصادقٌ ... عليها بما كانتْ إلينا أزلَّتِ
وما أنا بالدَّاعي لعزَّةَ بالرَّدى ... ولا شامتٍ إنْ نعلُ عزَّةَ زلَّتِ
أصابَ الرَّدى من كانَ يهوى لكِ الرَّدى ... وجنَّ اللَّواتي قلنَ عزَّةُ جنَّتِ
فلا يحسبِ الواشونَ أنَّ صبابتي ... بعزَّةَ كانتْ غمرةً فتجلَّتِ
وأصبحتُ قد أبللتُ من دنفٍ بها ... كما أُدنفتْ هيماءُ ثمَّ استبلَّتِ
فواللهِ ثمَّ اللهِ لا حلَّ بعدَها ... ولا قبلَها من خلَّةٍ حيثُ حلَّتِ
وما مرَّ من يومٍ عليَّ كيومِها ... وإنْ عظمتْ أيَّامُ أخرى وجلَّتِ
فواعجبا للقلبِ كيفَ اعترافهُ ... وللنَّفسِ لمَّا وطِّنتْ كيفَ ذلَّتِ
وللعينِ أسرابٌ إذا ما ذكرتُها ... وللقلبِ بلبالٌ إذا العينُ ملَّتِ
стр. 65
وإنِّي وتهْيامي بعزَّةَ بعدما ... تخلَّيتُ ممَّا بيننا وتخلَّتِ
لكالمرتَجي ظلَّ الغمامةِ كلَّما ... تبوَّأ منها للمقيلِ اضمحلَّتِ
كأنّي وإيَّاها سحابةُ ممحلٍ ... رجاها فلمَّا جاوزتْها استهلَّتِ
قصيدة جميل بثينة
وذكروا أن كثير بن عبد الرحمن قال: قال لي جميل بن عبد الله بن معمر وهو أبو عمير: انطلق إلى بثينة وخذ لي وعدَّ منها، فقلت: فمتى عهدك بها، وهل بينك وبينها علامة؟ قال: آخر عهد لي بهم وهم بوادي الدَّوم يرحضون ثيابهم. قال: فأتيتهم فأجد أباها قاعداً بالفناء، فسلمت فرد، وحادثته ساعة حتَّى استنشدني، فأنشدته وقلت:
فقلتُ لها يا عزُّ أرسلَ صاحبي ... على نأي دارٍ والموكَّلُ يرسلُ
بأنْ تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأنْ تأمريني بالذي فيه أفعلُ
وآخرُ عهدٍ منكِ يومَ لقيتني ... بأسفلَ وادي الدَّومِ والثوبُ يغسلُ
قال: فلما سمعت بثينة، وهي وراء أبيها في خدرها ذلك، ضربت كسير الخباء بكفها، وقالت: اخسأ، فقال لها أبوها: مهيم يا بثينة، مالك؟ قالت: كلب يأتينا إذا نوَّم الناس من وراء هذه الرابية. قال كثير: فانقلبت إلى جميل، فأخبرته أنها واعدته وراء الرابية إذا نوّم الناس. وإنما احتاج جميل إلى من يبلغ عنه، لما حكاه أبو عبيدة قال: شكا قوم بثينة جميلاً إلى معاوية، فأحماهم حمى وقال: إن ثقفتموه دونه، فقد أهدرت لكم دمه، فحذِّر جميل ولزم السلام، وجعل يبعث بالآية مع الأمة والراعي والراكي الذي يثق به، ولذلك يقول:
قالت بثينةُ لا تُبالي صرمَنا ... وبلى وجدِّكَ إنَّني لأُبالي
أوَ ما تراني من جريرةِ حبِّها ... أمشي الدِّلاصَ مقلِّصاً سربالي
والقصيدة
ما هاجَ شوقكَ من بِلى الأطلالِ ... بالبرقِ مرَّا صبا ومرَّا شمالِ
لعبتْ بجدَّتها الشَّمالُ وصابَها ... نوء السَّماكِ بمسبلٍ هطَّالِ
جرَّتْ بها هوجُ الرِّياحِ ذيولَها ... جرَّ النِّساءِ فواضل الأذيالِ
فحسرنَ عن دُهمٍ تقادمُ عهدُها ... وبقينَ في حقبٍ من الأحوالِ
وذكرتُ ربعاً حلَّ أهلونا بهِ ... إذ نحنُ في حلقٍ هناكَ حِلالِ
نقفُ الحديثَ إذا خشينا كاشحاً ... ونلطُّ حينَ نخافُ بالأمثالِ
حتَّى تفرَّقَ أهلُنا عن نيَّةٍ ... قذفٍ وآذنَ أهلُنا بزوالِ
بانوا فبانَ نواعمٌ مثلُ الدُّمى ... بيضُ الوجوهِ يمسنَ في الأغيالِ
حفدُ الولائدِ حولهنَّ وأسلمتْ ... بأكفِّهنَّ أزمَّةَ الأجمالِ
راحوا معَ البلقاءِ يشكو غيرهمْ ... عنفُ السِّياقِ مرفَّعَ الأذيالِ
جعلوا أقارحَ كلَّها بيمينهمْ ... وهضابَ برقةَ عسعسٍ بشمالِ
ولقد نظرتُ ففاضَ دمعي بعدَ منا ... مضتِ الظَّعائنُ واحتجبنَ بآلِ
عرضَ الجباجبِ من أُثالَ كما غدتْ ... رجحُ السَّفينِ دفعنَ بالأثقالِ
أفكلّ ذي شجوٍ علمتَ مكانهُ ... تسلو مودَّتهُ ولستُ بسالِ
من غيرِ إصقابٍ يكونُ في النَّوى ... إلاّ اللِّمامَ ولا كبيرَ وصالِ
قالتْ بثينةُ لا تبالي صرمَنا ... جهلتْ بثينةُ أنَّني لأبالي
والمجرمينَ مخافةً وتعبُّداً ... يحدونَ كلَّ نجيبةٍ شملالِ
غصباً كأنَّ عيونهنَّ من السّرى ... ومن الكلالِ مدافعُ الأوشالِ
إنِّي لأكتمُ حبَّها إذ بعضهمْ ... فيمنْ يحبُّ كناشدِ الأغفالِ
أبثينَ هل تدرينَ كمْ جشَّمتِني ... من عقرِ ناجيةٍ وحربِ موَالِ
وتعسُّف الموماةِ تعزفُ جنُّها ... بعدَ الهدوءِ بعرمسٍ مرقالِ
ولقد أشرت على ابنِ عمِّكِ لاقحاً ... من حربِنا جرباءَ ذاتَ غلالِ
حرباً يشمِّصُ بالضعيفِ مراسُها ... لقحتْ على عقرٍ وطولِ حيالِ
أوَ لا تراني من جريرةِ حبِّها ... أمشي الدِّلاصَ مقلِّصاً سربالي
صدأُ الحديدِ بمنكبيَّ كأنَّني ... جونٌ يغشِّيهِ العنيَّةَ طالِ
يا ليتَ لذَّةَ عيشنا رجعتْ لنا ... في مثلِ عصرٍ قد تجرَّمَ خالِ
فنبيعُ أياماً خلتْ فيما مضى ... قصرتْ بأيامٍ عقبنَ طوالِ
وإذا العدوُّ مكذَّبٌ أنباؤهُ ... وإذا النَّصيحُ مصدَّقُ الأقوالِ
стр. 66
من كلِّ آنسةٍ كأنَّ نيوبَها ... بردُ مسقطِ روضةٍ محلالِ
هطلٌ كغادي السّلمِ يجري صعده ... فوق الرّجاجةِ عن أجبَّ ثقالِ
من تؤتهِ أشفى على ما فاتهُ ... منها وإنْ لم تجزِه بنوالِ
ومعاكبٌ عرضتْ وكشحٌ مضمرٌ ... جالَ الوشاحُ عليهِ كلَّ مجالِ
وعجيزةٌ ريَّا وساقٌ خدلةٌ ... بيضاءُ تسكتُ منطقَ الخلخالِ
حتَّى إذا ملثَ الظَّلامُ وفِتنني ... غلبَ العزاءُ وهنَّ غيرُ أوالِ
خبر مجنون ليلى
ذكروا أن كثيّراً دخل على عبد الملك فقال له: أنشدني شيئاً قلته في عزة، فقال: بل أنشدك ما امتدحتك به، فقال: أسألك بحق أبي تراب، ألا أنشدتني شعرك في عزة، فقال: سألتني بحقٍ عليّ عظيم، فجعل ينشده وعيناه تهملان، فقال عبد الملك: ما أشد حبك لعزة، فهل رأيت قط أحداً كان أشد حباً منك؟ قال: أخبرك يا أمير المؤمنين: خرجت، وقد هاج بي الشوق، وذكر عزة، وكانوا قد انتجعوا نجعة قريباً من الحي، حيناً، فمررت برجل قد نصب شركاً له وهو منعزب عن الحي، فملت إليه، وقلت: هل من قِرى؟ فقال: أنا عازب عن الحي، وقد نصبت حبائلي، فاصبر قليلاً أحش عليك الظباء، فإن وقع في الحبال شيء أكلنا جميعاً، فإني لما أطعم شيئاً منذ ثلاث، فمضى يحوش، فوقعت في شركه أدماء عوهج فأسرع نحوها، وأنا منه حيث أرى وأسمع، فطفق يمسح التراب منها، ثمَّ أطلقها وأعاد الحبالة وأقبل إلي، فقلت: يا هذا، هل رأيت أحداً صنع صنيعك، إنا جميعاً نشكو الغرث، حتَّى إذا أتى الله بالفرج أرملتنا من زادنا؟ قال: ويحك، إني نظرت إليها وإلى عينيها فشبهتها بمن أهوى، فهل رأيت من يأكل شبه حبه، وأنشأ يقول:
أيا شبهَ ليلى لا تُراعي فإنَّني ... لكِ اليومَ من بين الوحوشِ صديقُ
أقولُ وقد أطلقتُها من وثاقِها ... لأنتِ لليلى إنْ شكرتِ طليقُ
ثمَّ قال: أقم، فإن وقع شيء أكلنا، فأقمت طمعاً في أن يمنعه الجوع من أن يعود لمثل فعله، فوقع في شركه ظبي، فسعى نحوه، وأطلقه فعدا، وأنشأ يقول:
أيا شبهَ ليلى لو تلبَّثْتَ ساعةً ... لعلَّ فؤادي من جواه يفيقُ
وما إنْ أشبهتَها ثمَّ لم تؤبْ ... سليما عليها في الحياةِ شفيقُ
فقلت: ويحك، أجهدنا الجوع، وتركته، علماً بأنه مجنون من الحب، ثمَّ مررت على ظباء ترعى فقلت: إن دللته عليها رجوت أن يحوشها، ويمنعه من إطلاق ما تقع في حبالته منها علمه بأنها طريدتي فيأكل ويطعمني، فرجعت إليه وقلت: ألا ترى إلى تلك الظباء ساكنة ترتعي؟ فقال: هيهات، إني رأيت ليلى ترتع في هذه الروضة وتلعب وإني قلت:
رأيتُ ظباءً ترتعي وسطَ روضةٍ ... وكنتُ أرى ليلى فلنتُ لها دهرا
فيا ظبيُ كلْ رغداً هنيئاً ولا تخفْ ... فإنِّي لكم جارٌ وإنْ خفتمُ دهرا
ثمَّ مضى وتركني، فهذا يا أمير المؤمنين أعشق عاشق رأيت. قال: فمن تراه؟ قال: المجنون قيس بن الملوح، وهو من بني عامر بن صعصعة، ومما قصد من شعره في التياث عقله كلمته.
قصيدة مجنون ليلى
تذكَّرتُ ليلى والسّنينُ الخوالِيا ... وأيامَ لا نعدَى على اللَّهوِ عادِيا
فقلتُ ولم أملكْ أكعبَ بنَ عامرٍ ... لحبٍّ بذاتِ الرَّقمتينِ بدالِيا
إذا نحنُ أدلجْنا وأنتِ أمامِنا ... كفى لمطايانا بذكراكِ هادِيا
ذكتْ نارُ شوقٍ في فؤادي فأصبحتْ ... لها لعبٌ مستضرمٌ في فؤادِيا
هي السِّحرُ إلاّ أنَّ للسِّحرِ رُقيةً ... ومثلي لا أُلفي لما بي راقِيا
وحدَّثتُماني أنَّ تيماءَ منزلٌ ... لليلى إذا ما الصَّيفُ ألقى المراسِيا
فهذي شهورُ الصَّيفِ أمستْ قدْ انقضتْ ... فما للنَّوى ترمي بليلى المرامِيا
يلومكَ فيها ابْنا كليبٍ سفاهةً ... فليتَ الهوى يابْنيْ كليبٍ مكانِيا
ولو كانَ واشٍ باليمامةِ دارهُ ... وداري بأعلى حضرموتَ اهتدى لِيا
وماذا لهمْ لا حسَّنَ اللهُ حفظهمْ ... من الحظِّ في تصريمِ ليلى حبالِيا
فلو كنتُ أعمى أخبطُ الأرضَ بالعصا ... أصمَّ فنادتْني أجبتُ المنادِيا
وأخرجُ من بين الجلوسِ لعلَّني ... أحدِّثُ عنكِ النَّفسَ يا ليلُ خالِيا
стр. 67
وأنتِ التي إنْ شئتِ أشقيتِ عيشتي ... وإنْ شئتِ بعدَ اللهِ أنعمتِ بالِيا
وإنِّي لأستغشي وما بيَ نعسةٌ ... لعلَّ خيالاً منكِ يلقى خيالِيا
إذا اكتحلتْ عيني بعينكِ لم أزلْ ... بخرٍ وجلَّتْ غمرةً عن فؤادِيا
إذا سرتُ بالأرضِ الفضاءِ رأيتني ... أُصانعُ رحلي أنْ يميلَ حيالِيا
سقى اللهُ جيراناً لليلى تقاذفتْ ... بهنَّ النَّوى حتَّى اختللنَ المطالِيا
تبدَّلتُ من جدواكِ يا أمَّ مالكٍ ... وساوسَ همٍّ يحتضرنَ وسادِيا
فإنَّ الذي أمَّلتُ يا أمَّ مالكٍ ... أشابَ قَذالي واستهامَ فؤادِيا
فيومانِ يومٌ في الأنيسِ مرنَّقٌ ... ويومٌ أجاري في الرِّياحِ الجوارِيا
أعدُّ اللَّيالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد كنتُ دهراً لا أعدُّ اللَّيالِيا
إذا ما طواكِ الدَّهرُ يا أمَّ مالكٍ ... فشأنُ المنايا القاضياتِ وشانِيا
خليليَّ إنْ دارتْ على أمِّ مالكٍ ... صروفُ اللَّيالي فابغيا ليَ ناعِيا
ولا تترُكاني لا لحينٍ معجَّلٍ ... ولا لبقاءٍ تنظرانِ بقائِيا
خليليَّ لا واللهِ لا أملكُ البكا ... إذا علمٌ من آلِ ليلى بدالِيا
خليليَّ لا واللهِ لا أملكُ الذي ... قضى اللهُ في ليلى ولا ما قضى لِيا
قضاها لغيري وابْتلاني بحبِّها ... فهلاَّ بشيءٍ غيرِ ليلى ابْتلانِيا
خليليَّ إنْ بانوا بليلى فهيّئا ... ليَ النَّعشَ والأكفانَ واستغفرا لِيا
فأشهدُ عندَ اللهِ أنِّي أُحبُّها ... فهذا لها عندي فما عندها لِيا
أمضروبةٌ ليلى على أن أزورُها ... ومتَّخذٌ ذنباً لها أنْ ترانِيا
يميناً إذا كانتْ يميناً وإن تكنْ ... شمالاً ينازعُني الهوى عن شمالِيا
أراني إذا صلَّيتُ وجَّهتُ نحوَها ... بوجهي وإنْ كانَ المصلَّى ورائِيا
وما بيَ إشراكٌ ولكنَّ حبَّها ... مكانَ الشَّجى أعيا الطبيبَ المداوِيا
أُحبُّ من الأسماءِ ما وافقَ اسمها ... وأشبههُ أو كانَ منهُ مُدانِيا
وما ذكرتْ عندي لها من سميَّةٍ ... من النَّاسِ إلاّ بلَّ دمعي ردائِيا
خبر ليلى الأخيلية وتوبة بن الحميِّر
وذكروا أن توبة الحميِّر العامري وهو أحد المشهورين من عشاق العرب، وكان شجاعاً مغواراً، وصاحبته ليلى الأخيلية الشاعرة، وفي توبة تقول:
أقسمتُ أبكي بعدَ توبةَ هالكاً ... وأحفلُ من دارتْ عليهِ الدوائرُ
لعمركَ ما بالموتِ عارٌ على الفتى ... إذا لم تصبهُ في الحياةِ المعايرُ
ودخلت على عبد الملك بعد إسنانها، فقال لها: ما رأى توبة فيك حين عشقك؟ فقالت: ما رآه الناس فيك حين ولوك، فضحك عبد الملك حتَّى بدت له سن سوداء كان يخفيها.
ذكروا أن توبة رحل إلى الشام، فمر ببني عذرة فرأته بثينة، فجعلت تنظر إليه، فشق ذلك على جميل، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا توبة بن الحميّر، فقال: هل لك في الصراع؟ فقال: ذلك إليك، فنبذت إليه بثينة ملحفة مورسة، فاتزر بها، ثمَّ صارعه فصرعه جميل، ثمَّ سابقه فسبقه جميل، فقال: يا هذا، إنما تفعل هذا بريح هذه، ولكن اهبط بنا الوادي، فهبطا فصرعه توبة وسبقه.
وكان توبة يرى ليلى متبرقعة، ثمّ إن أخوتها أمروها أن تعلمهم بمجيئه ليقتلوه، فسفرت لتنذره، فلما رآها سافراً علم أن ذلك من حدث، فانحاز، وفي ذلك يقول:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تبرقعتْ ... فقدْ رابَني منها الغداةَ سفورُها
والقصيدة التي لتوبة بن الحميّر
نأتكَ بليلى دارُها لا تزورُها ... وشطَّتْ نواها واستمرَّ مريرُها
وخفَّتْ نواها من جنوبِ عُنيزةٍ ... كما خفَّ من نبلِ المرامي جفيرُها
وقالَ رجالٌ لا يضيركَ نأيُها ... بلى كلُّ ما شفَّ النّفوسَ يضيرُها
أليسَ يضيرُ العينَ أن تردَ البُكى ... ويمنعَ منها نومُها وسرورُها
أرى اليومَ يأتي دونَ ليلى كأنَّما ... أتى دونَ ليلى حجَّةٌ وشهورُها
لكلِّ لقاءٍ نلتقيهِ بشاشةٌ ... وإنْ كانَ حولاً كلّ يوم أزورها
خليليَّ روحَا راشدينَ فقد أتتْ ... ضريَّةٌ من دونِ الحبيبِ ونيرُها
стр. 68
خليليَّ ما منْ ساعةٍ تربعانِها ... من الليلِ إلاّ مثلُ أُخرى نسيرُها
وقد تذهبُ الحاجاتُ يطلبُها الفتى ... شعاعاً وتخشى النَّفسُ ما لا يضيرُها
وكنتُ إذا ما زرتُ ليلى تبرقعتْ ... فقد رابَني منها الغداةَ سفورُها
وقد رابَني منها صدودٌ رأيتهُ ... وإعراضُها عن حاجتي وبسورُها
ولو أنَّ ليلى في ذُرى متمنّعٍ ... بنجرانَ لا التفَّتْ عليَّ قصورُها
يقرُّ بعيني أن أرى العيسَ تغتلي ... بنا نحو ليلى وهي تجري ضفورُها
أرتْنا حياضَ الموتِ ليلى وراقَنا ... عيونٌ نقيَّاتُ الحواشي تديرُها
ألا يا صفيَّ النَّفسِ كيفَ تقولُها ... لوَ انَّ طريداً خائفاً يستجيرُها
أظنُّ بها خيراً وأعلمُ أنَّها ... ستنعمُ يوماً أو يُفادى أسيرُها
وقالتْ أراكَ اليومَ أسودَ شاحبا ... وأنَّى بياضُ الوجهِ جرَّتْ حَرورُها
وغيَّرني إنْ كنتِ لمَّا تغيَّري ... هواجرُ لا أكتنُّها وأسيرُها
إذا كانَ يومٌ من سمومٍ أسيرهُ ... وتقصرُ من دونِ السَّمومِ ستورُها
حمامةَ بطنِ الواديينِ ترنَّمي ... سقاكِ من الغرِّ الغوادي مطيرُها
أبيني لنا لا أزالَ ريشكِ ناعماً ... ولا زلتِ في خضراءَ جمٍّ نضيرُها
وقد زعمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ ... لنفسي تُقاها أو عليَّ فجورُها
فقلْ لعقيلٍ ما حديثُ عصابةٍ ... تكنَّفها الأعداءُ ناءٍ نصيرُها
فإلاّ تناهَوا تركب الخيلُ بيننا ... وتُركضُ برجلٍ أو جناحٍ يطيرُها
لعلَّك يا تيساً نزَا في مريرةٍ ... معاقبُ ليلى أن تراني أزورُها
وأدماءَ من سرِّ المهارى كأنّها ... مهاةُ صوارٍ غيرَ ما مُسَّ كورُها
من النَّعباتِ المشي نعباً كأنَّما ... يناطُ بجذعٍ من أراكٍ جريرُها
من العركْركيَّاتِ حرفٌ كأنَّها ... مريرةُ ليفٍ شدَّ شزراً مغيرُها
قطعتُ بها أجوازَ كلِّ تنوفةٍ ... مخوفٍ رداها حينَ يستنُّ مورُها
يرى ضعفاءُ القومِ فيها كأنَّهمْ ... دعاميصُ ماءٍ نشَّ عنها غديرُها
وقَسورةُ اللَّيلِ التي بينَ نصفهِ ... وبينَ العشا قد ريبَ منها أسيرُها
أبتْ كثرةُ الأعداءِ أنْ يتجنَّبوا ... كلابي حتَّى يُستثارُ عقورُها
وما يشتكي جهلي ولكنَّ عدَّتي ... تراها بأعدائي بطيئاً طرورُها
أمُخترمي ريبُ المنونِ ولم أزرْ ... عذارى من همدانَ بيضاً نحورُها
ينؤنَ بأعجازٍ ثقالٍ وأسوقٍ ... خدالٍ وأقدامٍ لطافٍ خصورُها
خبر سحيم عبد بني الحسحاس
وحدثوا أن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي كتب إلى عثمان بن عفان ﵁: أني قد اشتريت لك غلاماً حبشياً شاعراً فانظر هل تريده، فعرض عليه، فقال: إنه عبد بني الحسحاس هو ابن نفاثة بن سعد بن أسد من أسد بن خزيمة بن مدركة، واسم العبد سحيم، فقالوا: نعم هو شاعر يرغب فيه، فقال: لا حاجة لي فيه، لأن الشاعر لا حريم له، حظ العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم، ورده.
قالوا: فاشتراه رجل، فلما رحل به أنشأ يقول:
أشوقاً ولمَّا يمضِ في غيرِ ليلةٍ ... فكيفَ إذا سارَ المطيُّ بنا شهرا
وما كنتُ أخشى مالكاً أن يبيعني ... بشيءٍ وإن أضحتْ أناملهُ صفرا
أخوكم ومولى مالكمْ وحليفكم ... ومن قد قوى فيكم وعاشركم دهرا
فلما بلغهم هذا الشعر ردوه وأكرموه وبقي فيهم مدة، حتَّى وجدوه يشبِّب بنسائهم، فأجمعوا قتله، فأخذوه وهو شارب ثمل، فهزئت به امرأة منهم وهو على تلك الحال شماتة به، فقال:
فإنْ تهزئي منِّي فيا ربَّ ليلةٍ ... جعلتكِ فيها كالقباءِ المفرَّجِ
قالوا: ومرَّت التي اتهموه بها، فأهوى لها يده فضربوه، فقال:
فإنْ تقتلوني تقتلوني وقد جرى ... لها عرقٌ فوقَ الفراشِ وماءُ
فشدوا وثاق العبد للقتل، فقال:
شدُّوا وثاقَ العبدِ لا يفلتكمُ ... إنَّ الحياةَ من المماتِ قريبُ
ولقدْ تحدَّرَ من جبينِ فتاتكمْ ... عرقٌ على ظهرِ الفراشِ وطيبُ
فقتل.
قالوا: وقد كان أنشد عمر بن الخطاب ﵁:
стр. 69
عميرةَ ودِّع إن تجهَّزتَ غاديا ... كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
فقال له عمر: لو قدَّمت الإسلام لأجزتك، فقال: والله ما سعرت. يريد: ما شعرت. وقال له أيضاً: لو كان شعرك كله هكذا لأحسنت جائزتك، فلما بلغ قوله:
وبتنا وسادانا إلى علجانةٍ ... وحقفٍ تهاداهُ الرِّياحُ تهاديا
قال: إنك مقتول، فقتل.
والقصيدة:
عميرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا ... كفى الشَّيبُ والإسلامُ ناهيا
جنوناً بها فيما اعتشرْنا علاقةً ... علاقةَ حبٍّ مستسرّاً وباديا
لياليَ تصطادُ القلوبَ بفاحمٍ ... تراهُ أثيثاً ناعمَ النَّبتِ عافيا
وجيدٍ كجيدِ الرِّئم ليسَ بعاطلٍ ... من الدُّرِّ والياقوتِ والشَّذرِ حاليا
كأنّ الثُّريَّا علِّقتْ فوقَ نحرها ... وجمرَ غضًى هبَّت لهُ الرِّيحُ ذاكيا
إذا اندفعتْ في ريطةٍ وخميصةٍ ... ولاثتْ بأعلى الرأسِ برداً يمانيا
تريكَ غداةَ البينِ كفَّاً ومعصماً ... ووجهاً كدينارِ الأعزَّةِ صافيا
وما بيضةٌ باتَ الظَّليمِ يحفُّها ... ويرفعُ عنها جؤجؤاً متجافيا
ويجعلها بينَ الجناحِ ودفِّهِ ... وتفرشها وحفاً من الزَّفِّ وافيا
ويرفعُ عنها وهيَ بيضاءُ طلَّةٌ ... وقد واجهتْ قرناً من الشَّمسِ ضاحيا
بأحسنَ منها يومَ قالتْ أرائحٌ ... مع الرَّكبِ أم ثاوٍ لدينا لياليا
فإن تثوِ لا تملكْ وإنْ تضحِ غاديا ... تزوَّدْ وترحل عن عميرةَ راضيا
ومن يكُ لا يبقى على النأيِ ودُّهُ ... فقد زوَّدت ودَّاً عميرةُ باقيا
ألكني إليها عمركَ الله يا فتى ... بآيةِ ما جاءتْ إلينا تهاديا
تهاديَ سيلٍ في أباطحَ سهلةٍ ... إذا ما علا صمداً تفرَّعَ واديا
وبتنا وسادانا إلى علجانةٍ ... وحقفٍ تهاداهُ الرِّياحُ تهاديا
توسِّدني كفَّا وتثني بمعصمٍ ... عليَّ وتحنو رجلها من ورائيا
ففاءتْ ولم تقضِ الذي أقبلتْ لهُ ... ومن حاجةِ الإنسانِ ما ليس قاضيا
فما زالَ بردي طيِّبا من ثيابها ... إلى الحولِ حتَّى أنهجَ البردُ باليا
أقلِّبها للجانبينِ وأتَّقي ... بها الرِّيحَ والشَّفَّان من عن شماليا
وهبَّتْ لنا ريحُ الشَّمالِ بقرَّةٍ ... ولا ثوبَ إلاّ ردعها وردائيا
سقتني على لوحٍ من الماءِ شربةً ... سقاها بها الله الذِّهابَ الغواديا
ألا أيُّها الوادي الذي ضمَّ سيلهُ ... إلينا نوى الحسناءِ حيِّيتَ واديا
فيا ليتنا والعامريَّةَ نلتقي ... نرودُ لأهلينا الرِّياضَ الخواليا
وما برحتْ بالدَّيرِ منها أثارةٌ ... وبالجوِّ حتَّى دمَّنتهُ لياليا
فإنْ تقبلي بالودِّ أقبل بمثلهِ ... وإن تدبري أذهبْ إلى حالِ باليا
ألم تعلمي أنِّي قليلٌ لبانتي ... إذا لم يكنْ شيءٌ لشيءٍ مواقيا
وما جئتها أبغي الشِّفاءَ بنظرةٍ ... فأبصرتها إلاّ رجعتُ بدائيا
ولا طلعَ النَّجمُ الذي يهتدى به ... ولا الصُّبحُ حتَّى هيَّجا ذكرَ ماليا
إلاّ لسافي الرَّائحاتِ عشيةً ... إلى الحشرِ أستنجي الحسانَ الغوانيا
أخذنَ على المقراةِ أو عن يمينها ... إذا قلتُ قد ورَّعنَ أنزلنَ حاديا
أشوقاً ولمَّا يمضِ في غيرِ ليلةٍ ... رويدَ الهوى حتَّى يغبَّ لياليا
وما جئنَ حتَّى حلَّ من شاءَ وابتنى ... وقلنَ سرفناكمْ وكنَّ هواديا
وأقبلن من أقصى البيوتِ يعدنني ... ألا إنَّما بعضُ العوائدِ دائيا
تجمَّعنَ من شتَّى ثلاثاً وأربعاً ... وواحدةَ حتَّى كملنَ ثمانيا
وقلنَ ألا يا العبنَ ما لم يرنْ بنا ... نعاسٌ فإنَّا قد أطلنا التَّنائيا
لعبنَ بدكداكٍ خصيبٍ جنابهُ ... وألقينَ عن أعطافهنَّ المراديا
وقلنَ لمثلِ الرِّيمِ أنتِ أحقُّنا ... بنزعِ الخمارِ إذ أردنَ التَّجاليا
فقامتْ وألقتْ بالخمارِ مدلَّةً ... تفادي القصارُ السُّودُ منها تفاديا
تأطَّرنَ حتَّى قلتُ لسنَ بوارحاً ... وخفَّضنَ جأشي ثمَّ أصبحَ ثاويا
стр. 70
وما رمنَ حتَّى أرسلَ الحيُّ داعياً ... وحتى بدا الصُّبحُ الذي كان تاليا
وحتى استبانَ الفجرُ أبيضَ ساطعاً ... كأنَّ على أعلاهُ ريطاً شآميا
فأدبرنَ يخفضنَ الشُّخوصَ كأنَّما ... قتلنَ قتيلاً أو أتينَ دواهيا
وأصبحنَ صرعى في البيوتِ كأنَّما ... شربنَ مداما لا يجبنَ المناديا
ألا نادِ في آثارهنَّ الغوانيا ... سقينَ سماماً ما لهنَّ وما ليا
وراهنَّ ربِّي مثلَ ما قد ورَينني ... وأحمى على أكبادهنَّ المكاويا
وقائلةٍ والدَّمعُ يحدرُ كحلها ... أهذا الذي وجداً يبكِّي الغوانيا
أشارتْ بمدراها وقالت لتربها ... أعبد بني الحسحاسِ يزجي القوافيا
رأتْ قتباً رثَّاً وسحقَ عباءةٍ ... وأسودَ مما يملكُ النَّاسُ عانيا
يرجِّلنَ أقواماً ويتركنَ لمَّتي ... وذاكَ هوانٌ ظاهرٌ قد بدا ليا
فلو كنتُ ورداً لونهُ لعشقنني ... ولكنَّ ربّي شانني بسواديا
وما ضرَّني إن كانتْ أمِّي وليدةً ... تصرُّ وتبري للِّقاحِ التَّواديا
ذهبنَ بمسواكي وألقينَ مذهباً ... من الصَّوغِ في صغرى بنانِ شماليا
فعزَّيتُ نفسي واجتنبتُ غوايتي ... وقرَّبتُ حرْجوجاً من العيسِ ناجيا
مروحاً إذا صام النهارُ كأنَّما ... كسوتُ قتودي ناصعَ اللَّونِ طاويا
شبوباً تحاماهُ الكلابُ تحامياً ... هو اللَّيثُ معدوّاً عليه وعاديا
حمتهُ العشاءَ ليلةٌ ذاتُ قرَّةٍ ... بوعساءَ رملٍ أو بعرنانَ خاليا
يثيرُ ويبدي عن عروقٍ كأنَّها ... إعنَّةُ خرَّازٍ جديدا وباليا
ينحِّي ترابا عن مبيتٍ ومكنسٍ ... ركاماً كبيتِ الصَّيدناني دانيا
فصبَّحهُ الرَّامي من الغوثِ غدوةً ... بأكلبهِ يغري الكلابَ الضَّواريا
فجالَ على وحشيِّهِ وتخالهُ ... على متنهِ سبَّاً جديدا يمانيا
يذودُ ذيادَ الخامساتِ وقد بدتْ ... سوابقها من الكلابِ غواشيا
فدعْ ذا ولكن هل ترى ضوءَ بارقٍ ... يضيءُ حبيَّاً منجداً متعاليا
يضيءُ سناهُ الهضبَ هضبَ متالعٍ ... وحبَّ بذاكَ البرقِ لو كان دانيا
نعمتُ بهِ بالا وأيقنتُ أنَّهُ ... يحطُّ الوعولَ والصُّخورَ الرَّواسيا
فما حرَّكتهُ الرِّيحُ حتَّى حسبتهُ ... بحرَّةِ ليلى أو بنخلةَ ثاويا
فمرَّ على الأنهاءِ فالتجَّ مزنهُ ... فعقَّ طويلاً يسكبُ الماءَ ساجيا
ركاما يسحُّ الماءَ عن كلِّ فيقةٍ ... كما سقتَ منكوبَ الدَّوابرِ حافيا
فمرَّ على الأجبالِ أجبال طيِّءٍ ... فغادرَ بالقعيانِ رنقاً وصافيا
أجشَّ هزيماً سيلهُ متدافعٌ ... ترى خشبَ الغلاَّنِ فيه طوافيا
له فرَّقٌ يُنتَّجنَ حولهُ ... يُفقِّئنَ بالميثِ الدِّماثِ السَّوابيا
فلما تدلَّى للجبالِ وأهلها ... وأهلِ الفراتِ قاطعَ البحرَ ماضيا
شكا شجوهُ واغتاظَ حتَّى حسبته ... من البعدِ لمَّا جلجلَ الرَّعدُ حاديا
فأصبحتِ الثِّيرانُ غرقى وأصبحت ... نساءُ تميمٍ يلتقطنَ الصَّياصيا
غزلية جران العود النميري
قالوا: ومن الغزليات المختارة المقدمة قصيدة جران العود النميري، وإنما لقب بجران العود لقوله لامرأتيه:
خذا حذرا يا جارتيَّ فإنَّني ... رأيتُ جرانَ العودِ قد كادَ يصلحُ
يعني سوطاً قده من جران جمل مسن، وكان جران العود غزلا وصافا، يصف ويفرط في نسيبه، ومما كذب فيه قوله:
فأصبحَ من حيثُ التقينا غنيمةً ... سوارٌ وخلخالٌ ومرطٌ ومُطرفُ
ومنقطعاتٌ من عقودٍ تركنها ... كجمرِ الغضا في بعضِ ما يُتخطرفُ
والقصيدة
ذكرتُ الصِّبا فانهلَّتْ العينُ تذرفُ ... وراجعكَ الشَّوقُ الذي كنتَ تعرفُ
وكانَ فؤادي قد صحا ثمَّ حاجهُ ... حمائمُ ورقٌ بالمدينةِ هتَّفُ
كأنَّ الهديلَ الظالعَ الرِّجلِ وسطَها ... من البغي شرِّيبٌ يغرِّدُ منزفُ
يذكِّرننا أيامنا بسويقةٍ ... وهضبيْ قساسٍ والتَّذكُّرُ يشعفُ
وبيضاً يُصلصلنَ الحجولَ كأنَّها ... ربائبُ أبكارِ المها المتألِّفُ
стр. 71
فبتُّ كأنَّ العينَ أفنانُ سدْرةٍ ... عليها سقيطٌ من ندى اللَّيلِ ينطفُ
أراقبُ لمحاً من سهيلٍ كأنَّهُ ... إذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ يطرفُ
بدا لجرانِ العودِ والبحرُ دونهُ ... وذو حدبٍ من سروِ حميرَ مشرفُ
ولا مثلَ وجدٍ إلاّ مثلَ يومٍ تلاحقتْ ... بنا العيسُ والحادي يشلُّ ويعنفُ
لحقنَ وقد كانَ اللُّغامُ كأنَّهُ ... بأيدي المهارى والخراطيمِ كرسفُ
وما لحقتنا العيسُ حتَّى تناسلتْ ... بنا وتلانا الأخرُ المتخلِّفُ
وكانَ الهجانُ الأرحبيُّ كأنهُ ... براكبهِ جونٌ من الجهدِ أكلفُ
وفي الحيِّ ميلاءُ الخمارِ كأنَّها ... مهاةٌ بهجلٍ من أديمَ تعطَّفُ
شموسُ الصِّبا والأنسِ محطوطةُ الحشا ... قتولُ الهوى لو كانتِ الدَّارُ تسعفُ
كأنَّ ثناياها العذابَ وريقها ... ونشوةَ فيها خالطتْهنَّ قرْقفُ
تهيمُ جليدَ القومِ حتَّى كأنّهُ ... دوٍ يئستْ منهُ العوايلُ مدنفُ
وليستْ بأدنى من صبيرٍ غمامةٌ ... بنجدٍ عليها لامعٌ يتكشَّفُ
يشبِّهها الرَّائي المشبِّهُ بيضةً ... غدا في النَّدى عنها الظَّليمُ الهِجنَّفُ
بوعساءَ من ذاتِ السلاسلِ يلتقي ... عليها من العلقى نباتٌ مؤنَّفُ
وقالت لنا والعيسُ صغرٌ من البرى ... وأخفافها بالجندلِ الصُّمِّ تقذفُ
وهنَّ جنوحٌ مصغياتٍ كأنَّما ... براهنَّ من جذبِ الأزمَّةِ علَّفُ
حُمدتَ لنا حتَّى تمنَّاكَ بعضنا ... وأنتَ امرؤٌ يعروكَ حمدٌ وتُعرفُ
رفيعُ العلا في كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... وقولكَ ذاكَ الآبدُ المتلقَّفُ
وفيكَ إذا لاقيتنا عجرفيَّةٌ ... مراراً ولا تسْتيعُ من يتعجرفُ
تميلُ بكَ الدنيا ويغلبكَ الهوى ... كما مالَ خوَّارُ النَّقا المتقصِّفُِ
ونُلقى كأنَّا مغنمٌ قد حويتهُ ... وترغبُ عن جزلِ العطاءِ فتُسرفُ
فموعدكَ الشَّطُّ الذي بينَ أهلنا ... وأهلك حتَّى تسمع الديك يهتف
وتكفيكَ آثاراً لنا حيثُ نلتقي ... ذيولٌ نُعفِّيها بهنَّ ومطرفُ
ومسحبُ ريطٍ فوقَ ذاكَ ويُمنةٍ ... يسوقُ الحصا منها حواشٍ ورفرفُ
فنصبحُ لم يُشعرْ بنا غيرَ أنَّهم ... على كلِّ ظنٍّ يحلفونَ ونحلفُ
وقالت لهم أمُّ التي أدلجتْ بنا ... لهنَّ على الإدلاجِ آنى وأضعفُ
ولو شهدتْنا أمُّنا ليلةَ النَّقا ... وليلةَ رمحٍ أرجفتْ حين نرجفُ
فلمَّا علانا اللَّيلُ أقبلتُ خفيةً ... لموعدها أعلو الأكامَ وأخلفُ
فجئتُ من الشِّقِّ الذي لم يخفنهُ ... وجانبيَ الأقصى من الخوفِ أجنفُ
وأقبلنَ يمشينَ الهُوينا تهادياً ... قصارَ الخطا منهنَّ رابٍ ومُزحفُ
فلمَّا التقينا قلنَ أمسى مسلَّطاً ... فلا يسرفنْ ذا الزائرُ المتلطِّفُ
وقلنَ تمتَّعْ ليلةَ الله هذه ... فإنَّك مرجومٌ غدا أو مسيَّفُ
وأحرزنَ منِّي كلُّ حجزةِ مئزرٍ ... لهنَّ وطاحَ النَّوفليُّ المزخرفُ
فبتنا قعوداً والقلوبُ كأنَّها ... قطا شُرَّع الأشراكِ مما تخوَّفُ
علينا النَّدى طوراً وطوراً يرشُّنا ... رذاذٌ سرى من آخرِ اللَّيلِ أوطفُ
وبتنا كأنَّا بيَّتتْنا لطيمةٌ ... من المسكِ أو خوَّارةُ الرِّيحِ قرقفُ
يُنازعننا لذَّاً رخيما كأنَّهُ ... عوائرُ من قطرٍ حداهنَّ صيِّفُ
رقيقُ النَّواحي لو تسمَّعَ راهبٌ ... ببُطنانَ قولاً مثلهُ ظلَّ يرجفُ
حديثاً لو أنَّ البقلَ يولى بمثلهِ ... ربا البقلُ واخضرَّ العضاهُ المنصِّفُ
هو الخلدُ في الدنيا لمنْ يستطيعهُ ... وقتلٌ لأصحابِ الصَّبابةِ مذعفُ
ولمَّا رأينَ الصُّبحَ بادرنَ ضوءهُ ... رسيمَ قطا البطحاءِ أو هنَّ أقطفُ
فأدركنَ أعجازاً من اللَّيلِ بعدما ... أقامَ الصَّلاةِ العابدُ المتحرِّفُ
وما ابنَ حتَّى قلنَ يا ليتَ أنَّنا ... ترابٌ وليتَ الأرضَ بالناسِ تخسفُ
فإن ننجُ من هذي ولم يشعروا بنا ... فقد كانَ بعضُ الخيرِ يدنو فيُصرفُ
فأصبحْنَ صرعى في الحجالِ وبيننا ... رماحُ العدا والجانبُ المتخوَّفُ
стр. 72
يبلِّغهنَّ الحاجَ كلُّ مكاتبٍ ... طويلُ العصا أو مُقعدٌ يتزحَّفُ
ومكنونةٌ رمداءُ لا يَحدرونها ... مكاتبةٌ ترمي الكلابَ وتحذفُ
رأتْ ورقاً بيضاً فشدَّتْ حزيمها ... لها فهي أمضى من سُليكٍ وألطفُ
ولن يستهيمَ الخُرَّدَ البيضَ كالدُّمى ... هدانٌ وهلْباجةُ الليلِ مقرفُ
ولا جَبلٌ ترعيَّةٌ أحبنُ النَّسا ... أغمُّ القفا ضخمُ الهِراوةِ أغضفُ
حليفٌ لوَطبيْ علبةٍ بقريَّةٍ ... عظيمُ سوادِ الشَّخصِ والعودُ أجوفُ
ولكن رفيقٌ بالصِّبا متبطرقٌ ... خفيفٌ ذفيفٌ سابغُ الذَّيلِ أهيفُ
فتى الحيِّ والأضيافِ إن نزلوا به ... حذورُ الضُّحى تِلْعابةٌ متغطرفُ
يرى الليلَ في حاجاتهنَّ غنيمةً ... إذا نامَ عنهنَّ الهِدانُ المزيَّفُ
يلمُّ كإلمامِ القُطاميِّ بالقطا ... وأسرعُ منه خطفةً حينَ يخطفُ
وأصبحَ في حيثُ التقينا غُديَّةً ... سوارٌ وخلخالٌ وبردٌ مفوَّفُ
ومنقطعاتٌ من عقودٍ تركنها ... كجمرِ الغضا في بعض ما يُتخطرفُ
وأصبحتُ غرِّيدَ الضُّحى قد ومقْنني ... بشوقٍ ولمَّاتُ المحبِّينَ تشعفُ
خبر الكميت بن زيد ونُصيب القرشي
وحدثوا أن الكميت بن زيد أنشد نصيباً القرشي يوماً وهو يستمع له، حتَّى أنشده:
وقد رأينا بها حوراً منعَّمةً ... بيضا تكامل فيها الدَّلُّ والشَّنبُ
فثنى نصيب خنصره، فقال له الكميت: ما تصنع؟ فقال: أحصي عليك خطأك، أما ترى كيف تباعدت في قولك: تكامل فيها الدل والشنب، هلا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياءُ في شفتيها حوَّةٌ لَعسٌ ... وفي اللِّثاثِ وفي أنيابها شنبُ
ثمَّ أنشد في قصيدة أخرى:
كأنَّ الغطامطُ من جريها ... أراجيزُ أسلمَ تهجو غفارا
فقال نصيب: ما هجت أسلم غفارا قط، فاستحيا الكميت وسكت.
قصيدة ذي الرمة
وهو غيلان بن عقبة بن بهيش
ما بالُ عينك منها الماءُ ينسكبُ ... كأنَّهُ من كُلىً مفريَّةٍ سربُ
وفراءَ غرفيَّةٍ أثأى خوارزها ... مشلشلٌ ضيَّعتهُ بينها الكتبُ
أستحدث الركبُ عن أشياعهم خبراً ... أم راجعَ القلبَ من أطرابهِ طربُ
من دمنةٍ نسفتْ عنها الصَّبا سعفا ... كما تنشَّرُ بعد الطَّيَّةِ الكتبُ
سيلاً من الدِّعصِ أغشتهُ معارفها ... نكباءَ تسحبُ أعلاهُ فينسحبُ
لا بل هو الشَّوقُ من دارٍ تخوَّنها ... مرَّا سحابٌ ومرَّا بارحٍ تربُ
يبدو لعينيكَ منها وهي مزمنةٌ ... نُؤُيٌ ومستوقدٌ بالٍ ومحتطبُ
إلى لوائحَ من أطلالِ أحويةٍ ... كأنَّها خللٌ موشيَّةٌ قشبُ
بجانب الزُّرقِ لم يطمسْ معالمها ... دوارجُ المورِ والأمطارِ والحقبُ
ديارُ ميَّةَ إذ ميٌّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجمٌ ولا عربُ
برَّاقةُ الجيدِ واللَّباتِ واضحةٌ ... كأنَّها ظبيةٌ أفضى بها لببُ
بينَ النهارِ وبينَ الليلِ من عقدٍ ... على جوانبهِ الأسباطُ والهدبُ
عجزاءُ ممكورةٌ خمْصانةٌ قلقٌ ... عنها الوشاحُ وتمَّ الحسنُ والقصبُ
زينُ الثيابِ وإن أثوابها استُلبتْ ... فوقَ الحشيةِ يوماً زانها السَّلبُ
تريكَ سنَّةَ وجهٍ غيرَ مقرفةٍ ... ملساءَ ليس بها خالٌ ولا ندبُ
إذا أخو لذَّةِ الدنيا تبطَّنها ... والبيتُ فوقهما باللَّيلِ محتجبُ
سافتْ بطيِّبةِ العرنينِ مارنُها ... بالمسلكِ والعنبر الهنديِّ مختضبُ
تزدادُ للعينِ إبهاجا إذا سفرتْ ... وتحرجُ العينُ فيها حينَ تنتقبُ
لمياءُ في شفتيْها حوَّةٌ لعسٌ ... وفي اللِّثاثِ وفي أنيابها شنبُ
كحلاءُ في برجٍ صفراءُ في نعجٍ ... كأنَّها فضَّةٌ قد مسَّها ذهبُ
والقرطُ في حرَّةِ الذِّفْرى معلَّقةٌ ... تباعدَ الحبلُ منه فهو يضطربُ
تلك الفتاة التي علِّقتها عرضا ... إنَّ الكريمَ وذا الإسلامِ يختلبُ
لياليَ اللَّهوُ يطبيني فأتبعهُ ... كأنَّني ضاربٌ في غمرةٍ لعبُ
لا أحسبُ الدَّهرَ يبلي جدَّةً أبداً ... ولا تقسِّمُ شعباً واحداً شُعبُ
стр. 73
زارَ الخيالُ لميٍّ هاجعا لعبتْ ... به التَّنائفُ والمُهريَّةُ النُّجبُ
معرِّساً في بياض الصُّبحِ وقعتهُ ... وسائرُ السَّيرِ إلاّ ذاكَ منجذبُ
أخا تنائفَ أغفى عندَ ساهمةٍ ... بأخلقِ الدَّفِّ من تصديرها جلبُ
تشكو الخشاشَ ومجرى النِّسعتينِ كما ... أنَّ المريضُ عوَّادهِ الوصبُ
كأنَّها جملٌ وهمٌ وما بقيتْ ... إلاّ النَّحيزةُ والألواحُ والعصبُ
لا تشتكي سقطةً منها وقد رقصتْ ... بها المفاوزُ حتَّى ظهرُها حدِبُ
تخدي بمُنخرقِ السِّربالِ منصلتٍ ... مثلِ الحسامِ إذا أصحابهُ شحبوا
والعيسُ من عاسجٍ أو واسجٍ خببا ... يُنحزنَ من جانبيها وهيَ تنسلبُ
تصغي إذا شدَّها بالكورِ جانحةً ... حتَّى إذا استوى في غرزها تثبُ
وثبَ المسحَّجِ من عاناتِ معلُقةٍ ... كأنَّهُ مستبانُ الشَّكِّ أو جنبُ
يحدو نحائصَ أشباهاً محملجةً ... ورْقَ السَّراويلِ في ألوانها خطبُ
لهُ عليهنَّ بالخلصاءِ مربعةٌ ... فالفودجاتِ فجنبيْ واحفٍ صخبُ
حتَّى إذا معمعانُ الصَّيفِ هبَّ له ... بأجَّةٍ نشَّ الماءُ والرُّطبُ
وصوَّحَ البقلَ نأَّاجٌ تجيء به ... هيفٌ يمانيةٌ في مرِّها نكبُ
وأدركَ المتبقَّى من ثميلتهِ ... ومن ثمائلها واستنشيء الغربُ
تنصَّبتْ حولهُ يوماً تراقبهُ ... صحرٌ سماحيجُ في أحشائها قببُ
حتَّى إذا اصفرَّ قرنُ الشَّمسِ أو كربت ... أمسى وقد جدَّ في حوبائه القربُ
فراحَ منصلتاً يحدو حلائلهُ ... أدنى تقاذفهِ التَّقريبُ والخببُ
يعلو الحزونَ بها طوراً ليتعبها ... شبهَ الضَّرارِ فما يزري به التَّعبُ
كأنَّهُ كلَّما ارفضَّتْ حزيقتها ... بالصُّلبِ من نهسه أكفالها كلبُ
كأنها إبلٌ ينجو بها نفرٌ ... من آخرينَ أغاروا غارةً جلبُ
والهمُّ عينُ أُثالٍ ما ينازعهُ ... من نفسهِ لسواها مورداً أربُ
فغلَّستْ وعمودُ الصبح منصدعٌ ... عنها وسائرهُ بالليلِ محتجبُ
عيناً مطحلبةَ الأرجاءِ طاميةً ... فيها الضَّفادعُ والحيتانُ تصطخبُ
يستهلُّها جدولٌ كالسَّيفِ منصلتٌ ... بين الأشاءِ تسامى حولهُ العسبُ
وبالشمائلِ من جلاَّنَ مُقتنصٌ ... رذلُ الثِّيابِ خفيُّ الشخصِ منزربُ
معدُّ زرقٍ هدتْ قضباً مصدَّرةً ... ملسَ المتونِ حداها الريشُ والعقبُ
كانتْ إذا وذقتْ أمثالهنّ له ... فبعضهنَّ عن الألاَّفِ مشتعبُ
حتَّى إذا الوحشُ في أهضامِ موردها ... تغيَّبتْ رابها من خيفةٍ ريبُ
فعرَّضتْ طلقا أعناقها فرقاً ... ثمَّ اطَّباها خريرُ الماء ينسكبُ
فأقبلَ الحقبُ والأكبادُ ناشزةً ... فوقَ الشَّراسيفِ من أحشائها تجبُ
حتَّى إذا أزلَجتْ عن كل حُنجرةٍ ... إلى الغليلِ ولم يقصعْنهُ نُغبُ
رمى فأخطأ والأقدارُ غالبةٌ ... فانصعنَ والويلُ هجِّيراهُ والحربُ
يقعنَ بالسَّفحِ مما قد رأينَ به ... وقعاً يكادُ حصى المعزاءِ يلتهبُ
كأنَّهنَّ خوافي أجدلٍ قرمٍ ... ولَّى ليسبقهُ بالأمعزِ الخربُ
أذاكَ أم نمشٌ بالوشي أكرعهُ ... مسفَّعُ الخدِّ غادٍ ناشطٍ شببُ
تقيَّظَ الرَّملَ حتَّى هزَّ خِلفتهُ ... تروُّحُ البرد ما في عيشهِ رتبُ
ربلاً وأرطى نفتْ عنهُ ذوائبهُ ... كواكبَ الحرِّ حتَّى ماتتِ الشُّهبُ
أمسى بوهبينِ مجتازاً لمرتعه ... من ذي الفوارسِ تدعو أنفهُ الرِّببُ
حتَّى إذا جعلتْهُ بينَ أظهُرها ... من عجمةِ الرَّملِ أثباجٌ لها حببُ
ضمَّ الظلامُ على الوحشيِّ شملتهُ ... ورائحٌ من نشاصِ الدَّلوِ منسكبُ
فباتَ ضيفاً إلى أرطاةِ مرتَكمٍ ... من الكثيبِ لها دفءٌ ومحتجبُ
ميلاءَ من معدنِ الصِّيرانِ قاصية ... أبعارهنَّ على أهدافها كثبُ
وحائلٌ من سفير الحولِ جائلهُ ... حولَ الجراثيمِ في ألوانهِ شهبُ
كأنَّما نفضَ الأحمال داويةً ... على جوانبهِ الفرْصادُ والعنبُ
كأنَّهُ بيت عطَّارٍ يُضمِّنهُ ... لطائمَ المسكِ يحويها وتنتهبُ
стр. 74
إذا استهلَّتْ عليه غبْيةٌ أرجتْ ... مرابضَ العينِ حتَّى يأرجَ الخشبُ
تجلو البوارقُ من مجرَنمزٍ لهقٍ ... كأنَّهُ متقبِّي يلمقٍ عزبُ
والودقُ يستنُّ عن أعلى طريقته ... جولَ الجمانِ جرى في سلكهِ الثُّقبُ
يغشى الكناسَ بروْقيْهِ ويهدمهُ ... من هائلِ الرَّملِ منقاضٌ ومنكثبُ
إذا أرادَ انكراساً فيه عنَّ له ... دون الأُرومةِ من أطنابها طنبُ
وقد توجَّسَ ركزاً مقفرٌ ندسٌ ... بنبأةِ الصوتِ ما في سمعه كذبُ
فباتَ يُشئزهُ ثأدٌ ويُسهرهُ ... تذؤبُ الرِّيحِ والوسواسُ والهضبُ
حتَّى إذا ما انجلى عن وجهه فلقٌ ... هاديهِ في أخرياتِ اللَّيلِ منتصبُ
أغباشَ ليلٍ تمامٍ كان طارقهُ ... تطخطخُ الغيمِ حتَّى مالهُ جوبُ
غدا كأنَّ به جِنَّاً تذأبهُ ... من كلِّ أقطارهِ يخشى ويرتقبُ
حتَّى إذا ما لها في الجدرِ واتَّخذت ... شمسُ النَّهارِ شعاعا بينهُ طِببُ
ولاحَ أزهرُ مشهورٌ بنقبته ... كأنه حين يعلو عاقراً لهبُ
هاجتْ له جوَّعٌ زرقٌ مخضرَّةٌ ... شوازبٌ لاحها التَّغريثُ والجنبُ
غضفٌ مُهرَّتهُ الأشداقِ ضاريةٌ ... مثلُ السَّراحينِ في أعناقها العذبُ
ومطعمُ الصَّيدِ هبَّالٌ لبغيته ... ألفى أباهُ بذاك الكسبِ يكتسبُ
مقزَّعٌ أطلسُ الأطمارِ ليس لهُ ... إلاّ الضِّراء وإلا صيدها نشبُ
فانصاعَ جانبهُ الوحشيَّ وانكدرتْ ... يلحبنَ لا يأتلي المطلوبُ والطَّلبُ
حتَّى إذا دوَّمتْ في الأرضُ راجعهُ ... كبرٌ ولو شاءَ نجَّى نفسهُ الهربُ
خزايةً أدركتهُ بعد جولتهِ ... من جانبِ الحبلِ مخلوطاً بها غضبُ
فكفَّ من غربهِ والغضفُ يسمعها ... خلفَ السَّبيبِ من الإجهادِ تنتحبُ
بلَّتْ به غيرَ طياشٍ ولا رعشٍ ... إذ جلنَ في معركٍ يُخشى به العطبُ
فكرَّ يمشقُ طعناً في جواشنها ... كأنه الأجرَ في الأقبالِ يحتسبُ
فتارةً يخضُ الأعناقَ عن عرضٍ ... وخضاً وتُتنظمُ الأسحارُ والحببُ
يُنحي لها حدَّ مدريٍّ يجوفُ به ... حالاً ويصردُ حالاً لهْذمٌ سلبُ
حتَّى إذا كنَّ محجوزاً بنافذةٍ ... وزاهقاً وكلا روقيهِ مختضبُ
ولَّى يهزُّ انهزاماً وسطها زعلاً ... جذلانَ قد أفرختْ عن روعهِ الكربُ
كأنه كوكبٌ في إثرِ عفريةٍ ... مسوَّمٌ في سوادِ الليل منقضبُ
وهنَّ من واطيء يثني حويَّته ... وناشجٍ وعواصي الجوفِ تنشخبُ
أذاكَ أم خاضبٌ بالسيِّ مرتعهُ ... أبو ثلاثينَ أمسى وهو منقلبُ
شختُ الجُزازةِ مثلُ البيتِ سائره ... من المسوح خدبٌّ شوْقبٌ خشبُ
كأنَّ رجليهِ مسماكانِ من عشرٍ ... صقبانِ لم يتقشَّرْ عنهما النَّجبُ
ألهاهُ آءٌ وتنُّومٌ وعقبتهُ ... من لائحِ المروِ والمرعى له عقبُ
فظلَّ مختضعاً يبدو فتنكرْهُ ... حالا ويسطعُ أحيانا فينتسبُ
كأنه حبشيُّ يبتغي أثراً ... أو من معاشرَ في آذانها الخُربُ
هجنَّعٌ راحَ في سوداءَ مُخملةٍ ... من القطائفِ أعلى ثوبهِ الهدبُ
أو مقحمٌ أضعفَ الأبطانِ حادجهُ ... بالأمسِ فاستأخرَ العدلانِ والقتبُ
أضلَّهُ راعيا كلبيَّةٍ صدرا ... من مُطلبٍ وطلى الأعناقِ تضطربُ
فأصبحَ البكرُ فرداً من صواحبه ... مرتادَ أحليةٍ أعجازها شذبُ
عليه زادٌ وأهدامٌ وأخفيةٌ ... قد كاد يجتزُّها عن ظهرهِ الحقبُ
كلٌّ من المنظر الأعلى له شبهٌ ... هذا وهذان قدُّ الجسمِ والنُّقبُ
حتَّى إذا الهيقُ أمسى شامَ أفرخهُ ... وهنَّ لا مؤيسٌ نأيا ولا كثبُ
يرقدُّ في ظلِّ عرَّاصٍ ويطردهُ ... حفيفُ نافجةٍ عثْنونها حصبُ
تبري له صلعةٌ خرُجاءُ خاضعةٌ ... فالخرقُ دونَ بناتِ البيضِ منتهبُ
كأنَّها دلو بئرٍ جدَّ ماتحها ... حتَّى إذا ما رآها خانها الكربُ
ويلمَّها روحةً والريحُ معصفةٌ ... والغيثُ مرتجزٌ والليلُ مقتربُ
لا يذخرانِ من الإيغالِ باقيةً ... حتَّى تكادُ تفرَّى عنهما الأهبُ
стр. 75
فكلما هبطا من شأوٍ شوطهما ... من الأماكنِ مفعولٌ به العجبُ
لا يأمنانِ سباعَ الأرضِ أو بردا ... إن أظلما دون أطفالِ لها لجبُ
جاءت من البيضِ زعراً لا لباسَ لها ... إلاّ الدَّهاسُ وأمٌّ برَّةٌ وأبُ
فكأنَّما فلقتْ عنها ببلقعةٍ ... جماجمٌ يبَّسٌ أو حنُظلٌ خربُ
مما تقيِّضَ عن عوجٍ معطَّفةٍ ... كأنَّها شاملٌ أبشارها جربُ
أشداقها كصدوعِ النَّبعِ في قللٍ ... مثل الدَّحاريج لم ينبتْ بها الزَّغبُ
كأنَّ أعناقها كرَّاثُ سائفةٍ ... طارتْ لفائفهُ أو هيشرٌ سلبُ
خبر الفرزدق والغلام الأنصاري
وحدثوا عن إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: قدم الفرزدق بن غالب بن صعصعة المدينة، قال: فإني والفرزدق وكثيِّر عزة لجلوس في المسجد نتناشد الأشعار وتذكر أيام العرب، إذ طلع غلام شخت آدم في ثوبين ممصرين، ثمَّ قصد نحونا حتَّى انتهى إلينا، فلم يسلم وقال: أيكم الفرزدق؟ قال إبراهيم: فقلت له مخافة أن يكون من قريش، وهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها، قال: لو كان كذلك لم أقل له هذا، قال له الفرزدق: من أنت لا أم لك؟ قال: رجل من الأنصار، ثمَّ من بني النجار، ثمَّ أنا ابن أبي بكر بن حزم. قال: أنا الفرزدق فما حاجتك لا أم لك؟ قال: بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب، وتزعمه مضر، وقد قال صاحبنا حسان بن ثابت شعراً فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك فيه سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، وإلا فأنت كذاب متنحل. قال الفرزدق: هات ويلك، فأنشده قول حسان:
ألمْ تسألِ الرَّبعَ الجديدَ التكلُّما ... بمدفع أشداخِ فبرقةَ أظلما
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافنا يقطرْنَ من نجدةٍ دما
متى ما تزنَّا من معدِّ بعصبةٍ ... وغسَّانَ نمنعْ حوضنا أن يهدَّما
أبى فعلنا المعروفَ أن ننطقَ الخنا ... وقائلنا بالعرفِ إلاّ تكرُّما
ولدنا بني العنقاءِ وابنيْ محرَّقٍ ... فأكرمْ بنا خالاً وأكرمْ بذا ابنما
حتَّى أتى على آخر القصيدة، وقال: إني أجلتك فيها حولاً، ثمَّ انصرف، وقام الفرزدق مغضباً يسحب رداءه لا يدري أين طرفه، حتَّى خرج من المسجد، وأقبل على كثير عزة فقال: قاتل الله الأنصاري، ما أفصح لهجته وأوضح حجته. قال: فلم نزل في حديثهما بقية يومنا، حتَّى إذا كان الغد خرجت من منزلي إلى المسجد، فجلست في المجلس الذي كنت فيه بالأمس، وأتاني كثير فجلس معي فإنا لنتذاكر الفرزدق ونقول: ليت شعري ما فعل الفرزدق، إذ طلع علينا في حلة أفواف، له غديرتان حتَّى جلس في مجلسه بالأمس، ثمَّ قال: ما فعل الأنصاري؟ فنلنا منه وشتمناه، فقال: قاتله الله، ما رميت بمثله، ولا سمعت بمثل شعره قط، فارقتكما فأتيت منزلي، وأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعراً قط، حتَّى إذا نادى المؤذن بالفجر، رحلت ناقتي، ثمَّ أخذت بزمامها فقدتها حتَّى أتيت ذباباً، ثمَّ ناديت بأعلى صوتي: أجيبوا أخاكم أبا لبينى، فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي، ثمَّ توسدت ذراعها، فلما قمت حتَّى قلت مائة وثلاثة عشر بيتاً، فبينا الفرزدق ينشد إذ طلع الأنصاري، فأقبل نحونا حتَّى إذا انتهى إلينا سلم ثمَّ قال: أما إني لم آتك لأعجلك عن العجل الذي وقت لك، ولكني أحببت ألا أراك إلاّ سألتك ما صنعت، فقال له الفرزدق: اجلس لا أم لك، ثمَّ أنشده:
عزفتَ بأعشاشٍ وما كدتَ تعزفُ
فلما فرغ منها قال له: قد سمعت، لا أم لك، فأنت وما سمعت، فقام الأنصاري كئيباً. فلما توارى طلع علينا أبوه، أبو بكر بن حزم في مشيخة من الأنصار، فسلموا علينا فقالوا: يا أبا فراس، إنك قد عرفت حالنا ومكاننا من رسول الله ﷺ ، ووصيته بنا، وقد بلغنا أن سفيهاً من سفهائنا تعرض لك بما نحن والله له كارهون، وبك وعنه متنزهون، فنحن نسألك بالله لما حفظت وصية رسول الله ﷺ ، فينا ووهبتنا له، ولم يكن منك مالا يجمل بك.
قال إبراهيم: فأقبلت أنا وكثير نكلمه، وتكلم الناس من نواحي المسجد: يا أبا فراس، فلما أكثرنا عليه قال: فإني وهبتكم لهذا القرشي، يعني إبراهيم بن محمد.
والقصيدة قصيدة الفرزدق
следующие страницы →