Полный текст (84 стр.). Показаны 71–84 · переход к 76.
стр. 71
فبتُّ كأنَّ العينَ أفنانُ سدْرةٍ ... عليها سقيطٌ من ندى اللَّيلِ ينطفُ
أراقبُ لمحاً من سهيلٍ كأنَّهُ ... إذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ يطرفُ
بدا لجرانِ العودِ والبحرُ دونهُ ... وذو حدبٍ من سروِ حميرَ مشرفُ
ولا مثلَ وجدٍ إلاّ مثلَ يومٍ تلاحقتْ ... بنا العيسُ والحادي يشلُّ ويعنفُ
لحقنَ وقد كانَ اللُّغامُ كأنَّهُ ... بأيدي المهارى والخراطيمِ كرسفُ
وما لحقتنا العيسُ حتَّى تناسلتْ ... بنا وتلانا الأخرُ المتخلِّفُ
وكانَ الهجانُ الأرحبيُّ كأنهُ ... براكبهِ جونٌ من الجهدِ أكلفُ
وفي الحيِّ ميلاءُ الخمارِ كأنَّها ... مهاةٌ بهجلٍ من أديمَ تعطَّفُ
شموسُ الصِّبا والأنسِ محطوطةُ الحشا ... قتولُ الهوى لو كانتِ الدَّارُ تسعفُ
كأنَّ ثناياها العذابَ وريقها ... ونشوةَ فيها خالطتْهنَّ قرْقفُ
تهيمُ جليدَ القومِ حتَّى كأنّهُ ... دوٍ يئستْ منهُ العوايلُ مدنفُ
وليستْ بأدنى من صبيرٍ غمامةٌ ... بنجدٍ عليها لامعٌ يتكشَّفُ
يشبِّهها الرَّائي المشبِّهُ بيضةً ... غدا في النَّدى عنها الظَّليمُ الهِجنَّفُ
بوعساءَ من ذاتِ السلاسلِ يلتقي ... عليها من العلقى نباتٌ مؤنَّفُ
وقالت لنا والعيسُ صغرٌ من البرى ... وأخفافها بالجندلِ الصُّمِّ تقذفُ
وهنَّ جنوحٌ مصغياتٍ كأنَّما ... براهنَّ من جذبِ الأزمَّةِ علَّفُ
حُمدتَ لنا حتَّى تمنَّاكَ بعضنا ... وأنتَ امرؤٌ يعروكَ حمدٌ وتُعرفُ
رفيعُ العلا في كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... وقولكَ ذاكَ الآبدُ المتلقَّفُ
وفيكَ إذا لاقيتنا عجرفيَّةٌ ... مراراً ولا تسْتيعُ من يتعجرفُ
تميلُ بكَ الدنيا ويغلبكَ الهوى ... كما مالَ خوَّارُ النَّقا المتقصِّفُِ
ونُلقى كأنَّا مغنمٌ قد حويتهُ ... وترغبُ عن جزلِ العطاءِ فتُسرفُ
فموعدكَ الشَّطُّ الذي بينَ أهلنا ... وأهلك حتَّى تسمع الديك يهتف
وتكفيكَ آثاراً لنا حيثُ نلتقي ... ذيولٌ نُعفِّيها بهنَّ ومطرفُ
ومسحبُ ريطٍ فوقَ ذاكَ ويُمنةٍ ... يسوقُ الحصا منها حواشٍ ورفرفُ
فنصبحُ لم يُشعرْ بنا غيرَ أنَّهم ... على كلِّ ظنٍّ يحلفونَ ونحلفُ
وقالت لهم أمُّ التي أدلجتْ بنا ... لهنَّ على الإدلاجِ آنى وأضعفُ
ولو شهدتْنا أمُّنا ليلةَ النَّقا ... وليلةَ رمحٍ أرجفتْ حين نرجفُ
فلمَّا علانا اللَّيلُ أقبلتُ خفيةً ... لموعدها أعلو الأكامَ وأخلفُ
فجئتُ من الشِّقِّ الذي لم يخفنهُ ... وجانبيَ الأقصى من الخوفِ أجنفُ
وأقبلنَ يمشينَ الهُوينا تهادياً ... قصارَ الخطا منهنَّ رابٍ ومُزحفُ
فلمَّا التقينا قلنَ أمسى مسلَّطاً ... فلا يسرفنْ ذا الزائرُ المتلطِّفُ
وقلنَ تمتَّعْ ليلةَ الله هذه ... فإنَّك مرجومٌ غدا أو مسيَّفُ
وأحرزنَ منِّي كلُّ حجزةِ مئزرٍ ... لهنَّ وطاحَ النَّوفليُّ المزخرفُ
فبتنا قعوداً والقلوبُ كأنَّها ... قطا شُرَّع الأشراكِ مما تخوَّفُ
علينا النَّدى طوراً وطوراً يرشُّنا ... رذاذٌ سرى من آخرِ اللَّيلِ أوطفُ
وبتنا كأنَّا بيَّتتْنا لطيمةٌ ... من المسكِ أو خوَّارةُ الرِّيحِ قرقفُ
يُنازعننا لذَّاً رخيما كأنَّهُ ... عوائرُ من قطرٍ حداهنَّ صيِّفُ
رقيقُ النَّواحي لو تسمَّعَ راهبٌ ... ببُطنانَ قولاً مثلهُ ظلَّ يرجفُ
حديثاً لو أنَّ البقلَ يولى بمثلهِ ... ربا البقلُ واخضرَّ العضاهُ المنصِّفُ
هو الخلدُ في الدنيا لمنْ يستطيعهُ ... وقتلٌ لأصحابِ الصَّبابةِ مذعفُ
ولمَّا رأينَ الصُّبحَ بادرنَ ضوءهُ ... رسيمَ قطا البطحاءِ أو هنَّ أقطفُ
فأدركنَ أعجازاً من اللَّيلِ بعدما ... أقامَ الصَّلاةِ العابدُ المتحرِّفُ
وما ابنَ حتَّى قلنَ يا ليتَ أنَّنا ... ترابٌ وليتَ الأرضَ بالناسِ تخسفُ
فإن ننجُ من هذي ولم يشعروا بنا ... فقد كانَ بعضُ الخيرِ يدنو فيُصرفُ
فأصبحْنَ صرعى في الحجالِ وبيننا ... رماحُ العدا والجانبُ المتخوَّفُ
стр. 72
يبلِّغهنَّ الحاجَ كلُّ مكاتبٍ ... طويلُ العصا أو مُقعدٌ يتزحَّفُ
ومكنونةٌ رمداءُ لا يَحدرونها ... مكاتبةٌ ترمي الكلابَ وتحذفُ
رأتْ ورقاً بيضاً فشدَّتْ حزيمها ... لها فهي أمضى من سُليكٍ وألطفُ
ولن يستهيمَ الخُرَّدَ البيضَ كالدُّمى ... هدانٌ وهلْباجةُ الليلِ مقرفُ
ولا جَبلٌ ترعيَّةٌ أحبنُ النَّسا ... أغمُّ القفا ضخمُ الهِراوةِ أغضفُ
حليفٌ لوَطبيْ علبةٍ بقريَّةٍ ... عظيمُ سوادِ الشَّخصِ والعودُ أجوفُ
ولكن رفيقٌ بالصِّبا متبطرقٌ ... خفيفٌ ذفيفٌ سابغُ الذَّيلِ أهيفُ
فتى الحيِّ والأضيافِ إن نزلوا به ... حذورُ الضُّحى تِلْعابةٌ متغطرفُ
يرى الليلَ في حاجاتهنَّ غنيمةً ... إذا نامَ عنهنَّ الهِدانُ المزيَّفُ
يلمُّ كإلمامِ القُطاميِّ بالقطا ... وأسرعُ منه خطفةً حينَ يخطفُ
وأصبحَ في حيثُ التقينا غُديَّةً ... سوارٌ وخلخالٌ وبردٌ مفوَّفُ
ومنقطعاتٌ من عقودٍ تركنها ... كجمرِ الغضا في بعض ما يُتخطرفُ
وأصبحتُ غرِّيدَ الضُّحى قد ومقْنني ... بشوقٍ ولمَّاتُ المحبِّينَ تشعفُ
خبر الكميت بن زيد ونُصيب القرشي
وحدثوا أن الكميت بن زيد أنشد نصيباً القرشي يوماً وهو يستمع له، حتَّى أنشده:
وقد رأينا بها حوراً منعَّمةً ... بيضا تكامل فيها الدَّلُّ والشَّنبُ
فثنى نصيب خنصره، فقال له الكميت: ما تصنع؟ فقال: أحصي عليك خطأك، أما ترى كيف تباعدت في قولك: تكامل فيها الدل والشنب، هلا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياءُ في شفتيها حوَّةٌ لَعسٌ ... وفي اللِّثاثِ وفي أنيابها شنبُ
ثمَّ أنشد في قصيدة أخرى:
كأنَّ الغطامطُ من جريها ... أراجيزُ أسلمَ تهجو غفارا
فقال نصيب: ما هجت أسلم غفارا قط، فاستحيا الكميت وسكت.
قصيدة ذي الرمة
وهو غيلان بن عقبة بن بهيش
ما بالُ عينك منها الماءُ ينسكبُ ... كأنَّهُ من كُلىً مفريَّةٍ سربُ
وفراءَ غرفيَّةٍ أثأى خوارزها ... مشلشلٌ ضيَّعتهُ بينها الكتبُ
أستحدث الركبُ عن أشياعهم خبراً ... أم راجعَ القلبَ من أطرابهِ طربُ
من دمنةٍ نسفتْ عنها الصَّبا سعفا ... كما تنشَّرُ بعد الطَّيَّةِ الكتبُ
سيلاً من الدِّعصِ أغشتهُ معارفها ... نكباءَ تسحبُ أعلاهُ فينسحبُ
لا بل هو الشَّوقُ من دارٍ تخوَّنها ... مرَّا سحابٌ ومرَّا بارحٍ تربُ
يبدو لعينيكَ منها وهي مزمنةٌ ... نُؤُيٌ ومستوقدٌ بالٍ ومحتطبُ
إلى لوائحَ من أطلالِ أحويةٍ ... كأنَّها خللٌ موشيَّةٌ قشبُ
بجانب الزُّرقِ لم يطمسْ معالمها ... دوارجُ المورِ والأمطارِ والحقبُ
ديارُ ميَّةَ إذ ميٌّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجمٌ ولا عربُ
برَّاقةُ الجيدِ واللَّباتِ واضحةٌ ... كأنَّها ظبيةٌ أفضى بها لببُ
بينَ النهارِ وبينَ الليلِ من عقدٍ ... على جوانبهِ الأسباطُ والهدبُ
عجزاءُ ممكورةٌ خمْصانةٌ قلقٌ ... عنها الوشاحُ وتمَّ الحسنُ والقصبُ
زينُ الثيابِ وإن أثوابها استُلبتْ ... فوقَ الحشيةِ يوماً زانها السَّلبُ
تريكَ سنَّةَ وجهٍ غيرَ مقرفةٍ ... ملساءَ ليس بها خالٌ ولا ندبُ
إذا أخو لذَّةِ الدنيا تبطَّنها ... والبيتُ فوقهما باللَّيلِ محتجبُ
سافتْ بطيِّبةِ العرنينِ مارنُها ... بالمسلكِ والعنبر الهنديِّ مختضبُ
تزدادُ للعينِ إبهاجا إذا سفرتْ ... وتحرجُ العينُ فيها حينَ تنتقبُ
لمياءُ في شفتيْها حوَّةٌ لعسٌ ... وفي اللِّثاثِ وفي أنيابها شنبُ
كحلاءُ في برجٍ صفراءُ في نعجٍ ... كأنَّها فضَّةٌ قد مسَّها ذهبُ
والقرطُ في حرَّةِ الذِّفْرى معلَّقةٌ ... تباعدَ الحبلُ منه فهو يضطربُ
تلك الفتاة التي علِّقتها عرضا ... إنَّ الكريمَ وذا الإسلامِ يختلبُ
لياليَ اللَّهوُ يطبيني فأتبعهُ ... كأنَّني ضاربٌ في غمرةٍ لعبُ
لا أحسبُ الدَّهرَ يبلي جدَّةً أبداً ... ولا تقسِّمُ شعباً واحداً شُعبُ
стр. 73
زارَ الخيالُ لميٍّ هاجعا لعبتْ ... به التَّنائفُ والمُهريَّةُ النُّجبُ
معرِّساً في بياض الصُّبحِ وقعتهُ ... وسائرُ السَّيرِ إلاّ ذاكَ منجذبُ
أخا تنائفَ أغفى عندَ ساهمةٍ ... بأخلقِ الدَّفِّ من تصديرها جلبُ
تشكو الخشاشَ ومجرى النِّسعتينِ كما ... أنَّ المريضُ عوَّادهِ الوصبُ
كأنَّها جملٌ وهمٌ وما بقيتْ ... إلاّ النَّحيزةُ والألواحُ والعصبُ
لا تشتكي سقطةً منها وقد رقصتْ ... بها المفاوزُ حتَّى ظهرُها حدِبُ
تخدي بمُنخرقِ السِّربالِ منصلتٍ ... مثلِ الحسامِ إذا أصحابهُ شحبوا
والعيسُ من عاسجٍ أو واسجٍ خببا ... يُنحزنَ من جانبيها وهيَ تنسلبُ
تصغي إذا شدَّها بالكورِ جانحةً ... حتَّى إذا استوى في غرزها تثبُ
وثبَ المسحَّجِ من عاناتِ معلُقةٍ ... كأنَّهُ مستبانُ الشَّكِّ أو جنبُ
يحدو نحائصَ أشباهاً محملجةً ... ورْقَ السَّراويلِ في ألوانها خطبُ
لهُ عليهنَّ بالخلصاءِ مربعةٌ ... فالفودجاتِ فجنبيْ واحفٍ صخبُ
حتَّى إذا معمعانُ الصَّيفِ هبَّ له ... بأجَّةٍ نشَّ الماءُ والرُّطبُ
وصوَّحَ البقلَ نأَّاجٌ تجيء به ... هيفٌ يمانيةٌ في مرِّها نكبُ
وأدركَ المتبقَّى من ثميلتهِ ... ومن ثمائلها واستنشيء الغربُ
تنصَّبتْ حولهُ يوماً تراقبهُ ... صحرٌ سماحيجُ في أحشائها قببُ
حتَّى إذا اصفرَّ قرنُ الشَّمسِ أو كربت ... أمسى وقد جدَّ في حوبائه القربُ
فراحَ منصلتاً يحدو حلائلهُ ... أدنى تقاذفهِ التَّقريبُ والخببُ
يعلو الحزونَ بها طوراً ليتعبها ... شبهَ الضَّرارِ فما يزري به التَّعبُ
كأنَّهُ كلَّما ارفضَّتْ حزيقتها ... بالصُّلبِ من نهسه أكفالها كلبُ
كأنها إبلٌ ينجو بها نفرٌ ... من آخرينَ أغاروا غارةً جلبُ
والهمُّ عينُ أُثالٍ ما ينازعهُ ... من نفسهِ لسواها مورداً أربُ
فغلَّستْ وعمودُ الصبح منصدعٌ ... عنها وسائرهُ بالليلِ محتجبُ
عيناً مطحلبةَ الأرجاءِ طاميةً ... فيها الضَّفادعُ والحيتانُ تصطخبُ
يستهلُّها جدولٌ كالسَّيفِ منصلتٌ ... بين الأشاءِ تسامى حولهُ العسبُ
وبالشمائلِ من جلاَّنَ مُقتنصٌ ... رذلُ الثِّيابِ خفيُّ الشخصِ منزربُ
معدُّ زرقٍ هدتْ قضباً مصدَّرةً ... ملسَ المتونِ حداها الريشُ والعقبُ
كانتْ إذا وذقتْ أمثالهنّ له ... فبعضهنَّ عن الألاَّفِ مشتعبُ
حتَّى إذا الوحشُ في أهضامِ موردها ... تغيَّبتْ رابها من خيفةٍ ريبُ
فعرَّضتْ طلقا أعناقها فرقاً ... ثمَّ اطَّباها خريرُ الماء ينسكبُ
فأقبلَ الحقبُ والأكبادُ ناشزةً ... فوقَ الشَّراسيفِ من أحشائها تجبُ
حتَّى إذا أزلَجتْ عن كل حُنجرةٍ ... إلى الغليلِ ولم يقصعْنهُ نُغبُ
رمى فأخطأ والأقدارُ غالبةٌ ... فانصعنَ والويلُ هجِّيراهُ والحربُ
يقعنَ بالسَّفحِ مما قد رأينَ به ... وقعاً يكادُ حصى المعزاءِ يلتهبُ
كأنَّهنَّ خوافي أجدلٍ قرمٍ ... ولَّى ليسبقهُ بالأمعزِ الخربُ
أذاكَ أم نمشٌ بالوشي أكرعهُ ... مسفَّعُ الخدِّ غادٍ ناشطٍ شببُ
تقيَّظَ الرَّملَ حتَّى هزَّ خِلفتهُ ... تروُّحُ البرد ما في عيشهِ رتبُ
ربلاً وأرطى نفتْ عنهُ ذوائبهُ ... كواكبَ الحرِّ حتَّى ماتتِ الشُّهبُ
أمسى بوهبينِ مجتازاً لمرتعه ... من ذي الفوارسِ تدعو أنفهُ الرِّببُ
حتَّى إذا جعلتْهُ بينَ أظهُرها ... من عجمةِ الرَّملِ أثباجٌ لها حببُ
ضمَّ الظلامُ على الوحشيِّ شملتهُ ... ورائحٌ من نشاصِ الدَّلوِ منسكبُ
فباتَ ضيفاً إلى أرطاةِ مرتَكمٍ ... من الكثيبِ لها دفءٌ ومحتجبُ
ميلاءَ من معدنِ الصِّيرانِ قاصية ... أبعارهنَّ على أهدافها كثبُ
وحائلٌ من سفير الحولِ جائلهُ ... حولَ الجراثيمِ في ألوانهِ شهبُ
كأنَّما نفضَ الأحمال داويةً ... على جوانبهِ الفرْصادُ والعنبُ
كأنَّهُ بيت عطَّارٍ يُضمِّنهُ ... لطائمَ المسكِ يحويها وتنتهبُ
стр. 74
إذا استهلَّتْ عليه غبْيةٌ أرجتْ ... مرابضَ العينِ حتَّى يأرجَ الخشبُ
تجلو البوارقُ من مجرَنمزٍ لهقٍ ... كأنَّهُ متقبِّي يلمقٍ عزبُ
والودقُ يستنُّ عن أعلى طريقته ... جولَ الجمانِ جرى في سلكهِ الثُّقبُ
يغشى الكناسَ بروْقيْهِ ويهدمهُ ... من هائلِ الرَّملِ منقاضٌ ومنكثبُ
إذا أرادَ انكراساً فيه عنَّ له ... دون الأُرومةِ من أطنابها طنبُ
وقد توجَّسَ ركزاً مقفرٌ ندسٌ ... بنبأةِ الصوتِ ما في سمعه كذبُ
فباتَ يُشئزهُ ثأدٌ ويُسهرهُ ... تذؤبُ الرِّيحِ والوسواسُ والهضبُ
حتَّى إذا ما انجلى عن وجهه فلقٌ ... هاديهِ في أخرياتِ اللَّيلِ منتصبُ
أغباشَ ليلٍ تمامٍ كان طارقهُ ... تطخطخُ الغيمِ حتَّى مالهُ جوبُ
غدا كأنَّ به جِنَّاً تذأبهُ ... من كلِّ أقطارهِ يخشى ويرتقبُ
حتَّى إذا ما لها في الجدرِ واتَّخذت ... شمسُ النَّهارِ شعاعا بينهُ طِببُ
ولاحَ أزهرُ مشهورٌ بنقبته ... كأنه حين يعلو عاقراً لهبُ
هاجتْ له جوَّعٌ زرقٌ مخضرَّةٌ ... شوازبٌ لاحها التَّغريثُ والجنبُ
غضفٌ مُهرَّتهُ الأشداقِ ضاريةٌ ... مثلُ السَّراحينِ في أعناقها العذبُ
ومطعمُ الصَّيدِ هبَّالٌ لبغيته ... ألفى أباهُ بذاك الكسبِ يكتسبُ
مقزَّعٌ أطلسُ الأطمارِ ليس لهُ ... إلاّ الضِّراء وإلا صيدها نشبُ
فانصاعَ جانبهُ الوحشيَّ وانكدرتْ ... يلحبنَ لا يأتلي المطلوبُ والطَّلبُ
حتَّى إذا دوَّمتْ في الأرضُ راجعهُ ... كبرٌ ولو شاءَ نجَّى نفسهُ الهربُ
خزايةً أدركتهُ بعد جولتهِ ... من جانبِ الحبلِ مخلوطاً بها غضبُ
فكفَّ من غربهِ والغضفُ يسمعها ... خلفَ السَّبيبِ من الإجهادِ تنتحبُ
بلَّتْ به غيرَ طياشٍ ولا رعشٍ ... إذ جلنَ في معركٍ يُخشى به العطبُ
فكرَّ يمشقُ طعناً في جواشنها ... كأنه الأجرَ في الأقبالِ يحتسبُ
فتارةً يخضُ الأعناقَ عن عرضٍ ... وخضاً وتُتنظمُ الأسحارُ والحببُ
يُنحي لها حدَّ مدريٍّ يجوفُ به ... حالاً ويصردُ حالاً لهْذمٌ سلبُ
حتَّى إذا كنَّ محجوزاً بنافذةٍ ... وزاهقاً وكلا روقيهِ مختضبُ
ولَّى يهزُّ انهزاماً وسطها زعلاً ... جذلانَ قد أفرختْ عن روعهِ الكربُ
كأنه كوكبٌ في إثرِ عفريةٍ ... مسوَّمٌ في سوادِ الليل منقضبُ
وهنَّ من واطيء يثني حويَّته ... وناشجٍ وعواصي الجوفِ تنشخبُ
أذاكَ أم خاضبٌ بالسيِّ مرتعهُ ... أبو ثلاثينَ أمسى وهو منقلبُ
شختُ الجُزازةِ مثلُ البيتِ سائره ... من المسوح خدبٌّ شوْقبٌ خشبُ
كأنَّ رجليهِ مسماكانِ من عشرٍ ... صقبانِ لم يتقشَّرْ عنهما النَّجبُ
ألهاهُ آءٌ وتنُّومٌ وعقبتهُ ... من لائحِ المروِ والمرعى له عقبُ
فظلَّ مختضعاً يبدو فتنكرْهُ ... حالا ويسطعُ أحيانا فينتسبُ
كأنه حبشيُّ يبتغي أثراً ... أو من معاشرَ في آذانها الخُربُ
هجنَّعٌ راحَ في سوداءَ مُخملةٍ ... من القطائفِ أعلى ثوبهِ الهدبُ
أو مقحمٌ أضعفَ الأبطانِ حادجهُ ... بالأمسِ فاستأخرَ العدلانِ والقتبُ
أضلَّهُ راعيا كلبيَّةٍ صدرا ... من مُطلبٍ وطلى الأعناقِ تضطربُ
فأصبحَ البكرُ فرداً من صواحبه ... مرتادَ أحليةٍ أعجازها شذبُ
عليه زادٌ وأهدامٌ وأخفيةٌ ... قد كاد يجتزُّها عن ظهرهِ الحقبُ
كلٌّ من المنظر الأعلى له شبهٌ ... هذا وهذان قدُّ الجسمِ والنُّقبُ
حتَّى إذا الهيقُ أمسى شامَ أفرخهُ ... وهنَّ لا مؤيسٌ نأيا ولا كثبُ
يرقدُّ في ظلِّ عرَّاصٍ ويطردهُ ... حفيفُ نافجةٍ عثْنونها حصبُ
تبري له صلعةٌ خرُجاءُ خاضعةٌ ... فالخرقُ دونَ بناتِ البيضِ منتهبُ
كأنَّها دلو بئرٍ جدَّ ماتحها ... حتَّى إذا ما رآها خانها الكربُ
ويلمَّها روحةً والريحُ معصفةٌ ... والغيثُ مرتجزٌ والليلُ مقتربُ
لا يذخرانِ من الإيغالِ باقيةً ... حتَّى تكادُ تفرَّى عنهما الأهبُ
стр. 75
فكلما هبطا من شأوٍ شوطهما ... من الأماكنِ مفعولٌ به العجبُ
لا يأمنانِ سباعَ الأرضِ أو بردا ... إن أظلما دون أطفالِ لها لجبُ
جاءت من البيضِ زعراً لا لباسَ لها ... إلاّ الدَّهاسُ وأمٌّ برَّةٌ وأبُ
فكأنَّما فلقتْ عنها ببلقعةٍ ... جماجمٌ يبَّسٌ أو حنُظلٌ خربُ
مما تقيِّضَ عن عوجٍ معطَّفةٍ ... كأنَّها شاملٌ أبشارها جربُ
أشداقها كصدوعِ النَّبعِ في قللٍ ... مثل الدَّحاريج لم ينبتْ بها الزَّغبُ
كأنَّ أعناقها كرَّاثُ سائفةٍ ... طارتْ لفائفهُ أو هيشرٌ سلبُ
خبر الفرزدق والغلام الأنصاري
وحدثوا عن إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: قدم الفرزدق بن غالب بن صعصعة المدينة، قال: فإني والفرزدق وكثيِّر عزة لجلوس في المسجد نتناشد الأشعار وتذكر أيام العرب، إذ طلع غلام شخت آدم في ثوبين ممصرين، ثمَّ قصد نحونا حتَّى انتهى إلينا، فلم يسلم وقال: أيكم الفرزدق؟ قال إبراهيم: فقلت له مخافة أن يكون من قريش، وهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها، قال: لو كان كذلك لم أقل له هذا، قال له الفرزدق: من أنت لا أم لك؟ قال: رجل من الأنصار، ثمَّ من بني النجار، ثمَّ أنا ابن أبي بكر بن حزم. قال: أنا الفرزدق فما حاجتك لا أم لك؟ قال: بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب، وتزعمه مضر، وقد قال صاحبنا حسان بن ثابت شعراً فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك فيه سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، وإلا فأنت كذاب متنحل. قال الفرزدق: هات ويلك، فأنشده قول حسان:
ألمْ تسألِ الرَّبعَ الجديدَ التكلُّما ... بمدفع أشداخِ فبرقةَ أظلما
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافنا يقطرْنَ من نجدةٍ دما
متى ما تزنَّا من معدِّ بعصبةٍ ... وغسَّانَ نمنعْ حوضنا أن يهدَّما
أبى فعلنا المعروفَ أن ننطقَ الخنا ... وقائلنا بالعرفِ إلاّ تكرُّما
ولدنا بني العنقاءِ وابنيْ محرَّقٍ ... فأكرمْ بنا خالاً وأكرمْ بذا ابنما
حتَّى أتى على آخر القصيدة، وقال: إني أجلتك فيها حولاً، ثمَّ انصرف، وقام الفرزدق مغضباً يسحب رداءه لا يدري أين طرفه، حتَّى خرج من المسجد، وأقبل على كثير عزة فقال: قاتل الله الأنصاري، ما أفصح لهجته وأوضح حجته. قال: فلم نزل في حديثهما بقية يومنا، حتَّى إذا كان الغد خرجت من منزلي إلى المسجد، فجلست في المجلس الذي كنت فيه بالأمس، وأتاني كثير فجلس معي فإنا لنتذاكر الفرزدق ونقول: ليت شعري ما فعل الفرزدق، إذ طلع علينا في حلة أفواف، له غديرتان حتَّى جلس في مجلسه بالأمس، ثمَّ قال: ما فعل الأنصاري؟ فنلنا منه وشتمناه، فقال: قاتله الله، ما رميت بمثله، ولا سمعت بمثل شعره قط، فارقتكما فأتيت منزلي، وأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعراً قط، حتَّى إذا نادى المؤذن بالفجر، رحلت ناقتي، ثمَّ أخذت بزمامها فقدتها حتَّى أتيت ذباباً، ثمَّ ناديت بأعلى صوتي: أجيبوا أخاكم أبا لبينى، فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي، ثمَّ توسدت ذراعها، فلما قمت حتَّى قلت مائة وثلاثة عشر بيتاً، فبينا الفرزدق ينشد إذ طلع الأنصاري، فأقبل نحونا حتَّى إذا انتهى إلينا سلم ثمَّ قال: أما إني لم آتك لأعجلك عن العجل الذي وقت لك، ولكني أحببت ألا أراك إلاّ سألتك ما صنعت، فقال له الفرزدق: اجلس لا أم لك، ثمَّ أنشده:
عزفتَ بأعشاشٍ وما كدتَ تعزفُ
فلما فرغ منها قال له: قد سمعت، لا أم لك، فأنت وما سمعت، فقام الأنصاري كئيباً. فلما توارى طلع علينا أبوه، أبو بكر بن حزم في مشيخة من الأنصار، فسلموا علينا فقالوا: يا أبا فراس، إنك قد عرفت حالنا ومكاننا من رسول الله ﷺ ، ووصيته بنا، وقد بلغنا أن سفيهاً من سفهائنا تعرض لك بما نحن والله له كارهون، وبك وعنه متنزهون، فنحن نسألك بالله لما حفظت وصية رسول الله ﷺ ، فينا ووهبتنا له، ولم يكن منك مالا يجمل بك.
قال إبراهيم: فأقبلت أنا وكثير نكلمه، وتكلم الناس من نواحي المسجد: يا أبا فراس، فلما أكثرنا عليه قال: فإني وهبتكم لهذا القرشي، يعني إبراهيم بن محمد.
والقصيدة قصيدة الفرزدق
стр. 76
عزفتَ بأعشاشٍ وما كدتَ تعزفُ ... وأنكرتَ من حدراءَ ما كنتَ تعرفُ
ولجَّ بك الهجرانُ حتَّى كأنَّما ... ترى الموتَ في البيتِ الذي كنتَ تألفُ
لجاجةَ صرم ليس بالوصل إنَّما ... أخو الوصل من يدنو ومن يتلطَّفُ
إذا انتبهتْ حدراءُ من نومةِ الضُّحى ... دعتْ وعليها درعُ خزٍّ ومطرفُ
بأخضرَ من نعمانَ ثمَّ جلتْ به ... دعت الثنايا طيِّبا حينَ يرشفُ
ومستنفراتٍ للقلوبِ كأنَّها ... مهاً حولَ منتوجاته يتصرَّفُ
تراهنَّ من فرطِ الحياءِ كأنَّها ... مراضُ سلالٍ أو هوالكُ نزَّفُ
إذا هنَّ ساقطنَ الحديثَ كأنَّهُ ... جنى النَّحلِ أو أبكارُ كرمٍ يُقطَّفُ
موانعُ للأسرارِ إلاّ لأهلها ... ويُخلفنَ ما ظنَّ الغيورُ المشفشفُ
ويبذلنَ بعدَ اليأسِ من غير ريبةٍ ... أحاديثَ تشفي المدنفينَ وتشغفُ
إذا القُنبضاتُ السُّودُ طوَّفنَ بالضحى ... رقدنَ عليهنَّ الحجالُ المسجَّفُ
وإن نبَّهتهنَّ الولائدُ بعدما ... تصعَّدَ يومُ الصيفِ أو كاد ينصفُ
دعونَ بقضبانِ الأراكِ التي جنى ... لها الرَّكبُ من نعمانَ أيامَ عرَّفوا
فمحنَ به عذبَ الرضابِ غروبهُ ... رقاقٌ وأعلى حيثُ ركِّبَ أعجفُ
لبسنَ الفرنْدَ الخسروانيَّ تحتهُ ... مشاعرَ من خزِّ العراقِ المفوَّفُ
فكيفَ بمحبوسٍ دعاني ودونه ... دروبٌ وأبوابٌ وقصرٌ مشرَّفُ
وصهبٌ لِحاهمْ راكزون رماحهمْ ... لهم درقٌ تحت العوالي مصفَّفُ
وضاريةٌ ما مرَّ إلاّ اقتسمنهُ ... عليهنَّ خوَّاضٌ إلى الطِّنئ مخشفُ
يبلِّغنا عنها بغيرِ كلامها ... إلينا من القصر البنانُ المطرَّفُ
دعوتُ الذي سوَّى السماوات أيدهُ ... والله أدني من وريدي وألطفُ
ليشغلَ عنِّي بعلها بزمانةٍ ... تدلِّههُ عنِّي وعنها فتسعفُ
بما في فؤادينا من الهمِّ والهوى ... فيبرأُ منهاضُ الفؤادِ المسقَّفُ
فأرسلَ في عينيهِ ماءً علاهما ... وقد علموا أنِّي أطبُّ وأعرفُ
فداويتهُ عامينِ وهيَ قريبةٌ ... أراها وتدنو لي مراراً فأرشفُ
سلافةَ جفنٍ خالطتْها تريكةٌ ... على شفتيها والذَّكيُّ المسوَّفُ
ألا ليتنا كنَّا بعيرينِ لا نردُ ... على حاضرٍ إلاّ نُشلُّ ونقذفُ
كلانا به عرٌّ يخافُ قرافهُ ... على النَّاس مطليِّ المساعرِ أخشفُ
بأرضٍ خلاءٍ وحدنا وثيابنا ... من الرَّيطِ والدِّيباجِ درعٌ وملحفُ
ولا زادَ إلاّ فضلتانِ سلافةٌ ... وأبيضُ من ماءِ الغمامةِ قرقفُ
وأشلاءُ لحمٍ من حبارى يصيدها ... إذا نحنُ شئنا صاحبٌ متألِّفُ
لنا ما تمنَّينا من العيشِ ما دعتْ ... هديلاً حماماتٌ بنعمان هتَّفُ
إليكَ أميرَ المؤمنين رمى بنا ... همومُ المنى والهوجلُ المتعسَّفُ
وعضَّ زمانٌ يا ابن مروانَ لم يدعْ ... من المال إلاّ مسْحتٌ أو مجرَّفُ
ومائرةِ الأعضادِ صهبٍ كأنَّما ... عليها من الأينِ الجسادُ المدوَّفُ
نهضنَ بنا من سيفِ رملِ كُهيلةٍ ... وفيها بقايا من نشاطٍ وعجرفُ
فما بلغتْ حتَّى تقاربَ خطوُها ... وبادت ذراها والمناسمُ رعَّفُ
وحتى مشى الحادي البطيءُ يسوقها ... لها بخصٌ دامٍ ودأيٌ مجلَّفُ
وحتى قتلنا الجهلَ عنها وغوِّرتْ ... إذا ما أنيختْ والمدامعُ ذرَّفُ
وحتى بعثناها وما في يدٍ لها ... إذا حُلَّ عنها رمَّةٌ وهي رسَّفُ
إذا ما أريناها الأزمَّةَ أقبلتْ ... إلينا بحرَّاتِ الخدودِ تصدَّفُ
إذا حلَّ عنها قاتلت عن ظهورها ... حراجيجُ أمثالَ الأهلَّةِ شسَّفُ
ذرعنَ بنا ما بين يبريْنَ عرضهُ ... إلى الشامِ تلقاها رعانٌ وصفصفُ
فأفنى مراحَ الدَّاعريَّةِ خوضها ... بنا الليلَ إذ نامَ الدَّثورُ الملفَّفُ
إذا اغبرَّ آفاقُ السَّماءِ وهتَّكتْ ... كسورَ بيوتِ الحيِّ نكباءُ حرجفُ
وجاءَ قريعُ الشَّولِ قبلَ إفالها ... يزفُّ وراحت بعدهُ وهي زفَّفُ
وهتَّكتِ الأطنابَ كلُّ ذفرَّةٍ ... لها تامكٌ من عاتقِ النَّيِّ أعرفُ
стр. 77
وباشرَ راعيها الصَّلى بلبانه ... وكفَّيهِ حرُّ النَّارِ ما يتحرَّفُ
وقاتلَ كلبُ الحيِّ عن نارِ أهلهِ ... ليربضَ فيها والصّلا متكنّفُ
وأصبحَ مبيضُّ الصقيعِ كأنهُ ... على سرواتِ النِّيبِ قطنٌ مندّفُ
وأوقدتِ الشّعرى مع الليلِ نارها ... وأمستْ محولاً جلدها يتوسّفُ
وجدتُ الثّرى فينا إذا يبسَ الثّرى ... ومن هو يرجو فضلهُ المتضيّفُ
ترى جارنا فينا يجيرُ وإن جنى ... فلا هو مما ينطفُ الجارَ ينطفُ
ويمنع مولانا وإن كا نائياً ... بنا جارهُ مما يخافُ ويأنفُ
وكنا إذا نامتْ كليبٌ عن القِرى ... إلى الضّيفِ نمشي بالعبيطِ ونلحفُ
وقد علم الجيرانُ أنّ قدورنا ... ضوامنُ للأرزاقِ والرّيحُ زفزفُ
نعجّلُ للضيفانِ في المحلِ بالقرى ... قدورا بمعبوطٍ تمدُّ وتغرفُ
تفرِّغُ في شِيزى كأنَّ جفانَها ... حياضُ الجبى منها ملاءٌ ونصَّفُ
ترى حولهنَّ المعتفينَ كأنَّهم ... على صنمٍ في الجاهليةِ عكَّفُ
قعوداً وخلفَ القاعدينَ شطورهمْ ... قياماً وأيديهمْ جموسٌ ونطَّفُ
وما حلَّ من جهلٍ حُبى حلمائنا ... ولا قائلُ المعروفِ فينا يعنَّفُ
وما قامَ منَّا قائمٌ في نديِّنا ... فينطقُ إلاّ بالتي هي أعرفُ
وإنِّي لمنْ قومٍ بهمْ يتَّقى العِدى ... ورأبُ الثَّأى والجانبُ المتخوّفُ
وأضيافُ ليلٍ قدْ نقلنا قراهمُ ... إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا
قريناهُم والمأثورةَ البيضَ قبلَها ... يثجُّ العروقَ الأيزَني والمثقَّفُ
ومسروحةً مثلَ الجرادِ يسوقُها ... ممرٌّ قواهُ السَّراءُ المعطَّفُ
فأصبحَ في حيثُ التقينا شريدهمْ ... قتيلٌ ومكتوفُ اليدينِ ومزعفُ
وكنَّا إذا ما استكرهَ الضيفُ بالقِرى ... أتتهُ العوالي وهي بالسمّ ترعفُ
ولا نستجمُّ الخيلَ حتَّى نعيدَها ... فيعرفها أعداؤُنا وهي عطَّفُ
كذلكَ كانتْ خيلُنا مرَّةً تُرى ... سماناً وأحياناً تقادُ فتعجفُ
عليهنَّ منَّا الناقضونَ ذحولُهمْ ... وهنَّ بأعباءِ المنيَّةِ كتَّفُ
مذاليقُ حتَّى تأتيَ الصَّارخَ الذي ... دعا وهو بالثَّغرِ الذي هو أخوفُ
وقدرٍ فثأنا غليَها بعد ما غلتْ ... وأُخرى حششنا بالعوالي تؤثَّفُ
وكلُّ قِرى الأضيافِ نقري من القنا ... ومغتبطٍ منه السَّنامُ المسدَّفُ
وجدْنا أعزَّ الناسِ أكثرهمْ حصى ... وأكرمهم منْ بالمكارمِ يعرفُ
وكلتاهُما فينا لنا حينَ نلتقي ... عصائبُ لاقى بينهنَّ المعرَّفُ
منازيلُ عن ظهرِ القليلِ كثيرُنا ... إذا ما دعا ذو الثروةِ المتردَّفُ
قلِفنا الحصى عنهُ الذي فوقَ ظهرهِ ... بأحلامِ جهَّالٍ إذا ما تغضَّفوا
على ثورةٍ حتَّى كأنَّ عزيزَها ... ترامى بهِ من بين نيقَينِ نفنفُ
وجهلٍ بحلم قد رفعْنا جنونهُ ... وما كانَ لولا عزّنا يتزحلفُ
رجحْنا بهم حتَّى استثابوا حلومهمْ ... بنا بعدَ ما كانَ القنا يتقصَّفُ
ومُّدتْ بأيديها النساءُ ولم يكنْ ... لذي حسبٍ عن قومهِ متخلَّفُ
كفيناهمُ ما نابهمْ بحلومِنا ... وأموالِنا والقومُ بالبيضِ دلَّفُ
وقد سدَّدَ الأوتارَ أفواقَ نبلهمْ ... وأنيابُ نُوكاهمْ من الحردِ تصرفُ
فما أحدٌ في النَّاسِ يعدلُ درأنا ... بعزٍّ ولا عزٌّ له حينَ نجنفُ
تثاقلُ أركانٌ عليهِ ثقيلةٌ ... كأركانِ سلمى أو أعزُّ وأكثفُ
لنا العزَّةُ القعساءُ والعددُ الذي ... عليهِ إذا عدَّ الحصى يتحلَّفُ
من الفائقِ المحجوبِ عنهُ لسانهُ ... يفوقُ وقوهُ المدنفُ المتكنَّفُ
ولو شربَ الكلبى المراضُ دماءَنا ... شفتها وذا الخبلِ الذي هو أدنفُ
سيعلمُ من سامى تميماً إذا هوتْ ... قوائمهُ في البحرِ من يتخلَّفُ
فسعدٌ جبالُ العزِّ والبحرُ مالكٌ ... فلا حضَنٌ يبلى ولا البحرُ يُنزفُ
لنا حيثُ آفاقُ البريةِ تلتقي ... عديدُ الحصى والقسوريُّ المخندفُ
ومنَّا الذي لا ينطقُ النَّاسُ عنده ... ولكن هو المستأذنُ المتنصَّفُ
стр. 78
تراهم قعوداً حوله وعيونهم ... مكسَّرةٌ أبصارها ما تصرَّفُ
وبيتانِ بيتُ الله نحنُ ولاتهُ ... وبيتٌ بأعلى إيلياءَ مشرَّفُ
إذا هبطَ الناسُ المحصَّبُ من منى ... عشيَّةَ يومِ النَّحرِ من حيثُ عرَّفوا
ترى الناسَ ما سرنا يسيرونَ خلفنا ... وإن نحنُ أومأنا إلى الناسِ وقَّفوا
ولا عزَّ إلاّ عزُّنا قاهرٌ لهُ ... ويسألنا النِّصفُ الذَّليلُ فينصفُ
ألوفُ ألوفٍ من رجالٍ ومن قناً ... وخيلٌ كريعانِ الجرادِ وحرشفُ
إذا ما احتبتْ لي دارمٌ عندَ غايةٍ ... جريتُ إليها جريَ من يتغطرفُ
وإن فتنوا يوماً ضربنا رؤوسهمْ ... على الدِّين حتَّى يُقبلَ المتألَّفُ
فإنَّكَ إذ تسعى لتدركَ دارماً ... لأنتَ المعنَّى يا جريرُ المكلَّفُ
أتطلبُ من عند السَّماءِ مكانهُ ... بريقٍ وعيرٍ ظهرهُ متقرِّفُ
وشيخينِ قد ناكا ثمانينَ حجَّةً ... أتانيهما هذا كبيرٌ وأعجفُ
أبى لجريرٍ رهطُ سوءٍ أذلَّةٌ ... وعرضٌ لئيمٌ للمخازي موقَّفُ
وأمٌّ أقَّرتْ من عطيَّةَ رِحمها ... بالأمر ما كانت له الرِّحمُ تنشفُ
عطفتُ عليكَ الحربَ إنِّي إذا ونى ... أخو الحربِ كرَّارٌ على القِرنِ معطفُ
إذا سلختْ عنها أمامةُ درعها ... وأعجبها رابٍ إلى البطنِ مهدفُ
قصيرٌ كأنَّ التُّركَ فيهِ وجوههم ... خنوقٌ لأعناقِ الجرادينِ أكشفُ
تقولُ وصكَّتْ حرَّ خدَّيْ مغيظةٍ ... على الزَّوجِ حرى ما تزالُ تلهَّفُ
أما من كُليبي إذا لم تكن لهُ ... أتانانِ يستغني ولا يتعفَّفُ
إذا ذهبتْ منِّي بزوجي حمارةٌ ... فليسَ على ريحِ الكُليْبيِّ مأسفُ
على ريحِ عبدٍ ما أتى مثلَ ما أتى ... مصلٍّ ولا من أهلِ ميسانَ أقلفُ
تبكِّي على سعدٍ وسعدٌ مقيمةٌ ... بيبْرينَ قد كادتْ على الناسِ تضعفُ
وسعدٌ كأهلِ الرَّدمِ لو فضَّ عنهم ... لماجوا كما ماجَ الجرادُ وطوَّفوا
فهم يعدلونَ الأرضَ لولاهمُ التقتْ ... على الناسِ أو كادتْ تسيرُ فتُنسفُ
ولو أنَّ سعداً أقبلتْ من بلادها ... لجاءتْ بيبرينَ اللَّياليَ تزحفُ
جواب جرير
فأجابه عنها جرير بن عطية بن الخطفى، ويقال إن جريراً هو البادئ، والأول أشبه، لما كان جرير يقوله من أنه لم يهج قط إلاّ مجيباً منتصراً.
ذكر الرواة أن جريراً قدم البصرة في إمرة الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، خليفة الحجاج، فقال يمدح الحكم:
أقبلتَ من نجرانَ أو جنبَيْ خيمْ ... على قلاصٍ مثلِ خيطانِ السَّلمْ
قد طُويتْ بطونها طيَّ الأدمْ ... يبحثنَ بحثاً كمضلاَّتِ الخدمْ
إذا قطعنَ علماً بدا علمْ ... حتَّى تناهينا إلى بابِ الحكمْ
خليفةَ الحجَّاجِ غيرَ المتَّهمُ ... في معدنِ العزِّ وبحبوحِ الكرمْ
فأنشده إياها وتحدث عنه فأعجبه ظرفه وشعره، فكتب إلى الحجاج: أنه قدم علي أعرابي باقعة شيطان من الشياطين. فكتب أن أرسل به إليَّ، فقدم عليه فأكرمه وكساه وأنزله، فمكث أياماً ثمَّ أرسل إليه بعد نومه، فقال الرسول: أجب الأمير، فقال: ألبس ثيابي، فقالوا: أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها، فذهب عقله، وعليه قميص غليظ وملاءة مورسة. فلما رأى رجل من الرسل ما به قال: لا بأس عليك، إنما دعاك الأمير للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدو الله، تشتم أعراض الناس، فقلت: أصلح الله الأمير، إني والله ما أظلمهم، ولكنهم يظلمونني فأنتصر، ما لي، أصلح الله الأمير ولابن أم غسان، ومالي وللبعيث، ومالي وللفرزدق، ومالي وللأخطل، ومالي وللتيمي، قال: ما أدري مالك ولهم، وقلت: وأخبر الأمير، أما غسان بن ذهيل فإنه رجل من قومي، هجاني وعشيرتي، وكان شاعراً. قال: فما قال لك، قلت: قال لي:
لَعمري لئنْ كانتْ بجيلةُ زانها ... جريرٌ لقد أخزى كُليبا جريرها
قال: فما قلت له، قال: قلت:
ألا ليتَ شعري عن سُليطٍ ألمْ تجدْ ... سُليطٌ سوى غسَّانَ جارا يجيرها
стр. 79
قال: ثمَّ البعيث، مالك وله، قلت: اعترض دون غسان يفضله علي، قال: ثمَّ الفرزدق، مالك وله، قلت: أعان علي البعيث، قال: فما قلت له، فقال قلت:
تمنَّى رجالٌ من تميمٍ ليَ الرَّدى ... وما ذاد عن أحسابهم ذائدٌ مثلي
كأنَّهم لا يعلمونَ مواطني ... وقد جرَّبوا أنِّي أنا السَّابقُ المبلي
فلو شاءَ قومي كانَ حلمي فيهمُ ... وكانَ على جهَّالِ أعدائهم جهلي
وقد زعموا أنَّ الفرزدق حيَّةٌ ... وما قتلَ الحيَّاتِ من أحدٍ قتلي
قال: فما زال يقول: ثمَّ من، فأخبره وأنشده حتَّى بزغ الصبح، ونهضنا. فأخبرني من كان معه قاعداً. أنه قال: قاتله الله أعرابياً إنه لجرو حراش.
وقصيدته المناقضة
ألا أيُّها القلبُ الطَّروبُ المكلَّفُ ... أفقْ ربَّما ينأى هواكَ ويُسعفُ
ظللتُ وقد أخبرتَ أن لستُ جازعاً ... لربعٍ بسلْمانينِ عينكَ تذرفُ
بأهليَ أهلُ الدَّارِ إذ يسكنوها ... وجادكَ من دارٍ ربيعٌ وصيِّفُ
سمعتُ الحمامَ الوُرقَ في رونقِ الضُّحى ... بذي الرِّمثِ من وادي المراضينِ تهتفُ
فكنتُ كذاتِ البَو تعرفُ ريحهُ ... وتحنو عليهِ تارةً ثمَّ تصدفُ
أتزعمُ أنَّ البينَ لا يشعفُ الفتى ... بلى مثلَ بيني يومَ لُبنانَ يشعفُ
وطالَ حذاري غُربةَ البينِ في النَّوى ... وأحدوثةٌ من كاشحٍ يتقوَّفُ
ولو علمتْ علمي أمامةُ كذَّبتْ ... مقالةَ من يبغي عليَّ ويعنفُ
نظرتُ أمامي نظرةً قادها الهوى ... وألحى المهارى يومَ عُسفانَ ترجفُ
ترى العرمسَ الوجناءَ يدمى أظلُّها ... وتُحذى نعالاً والمناسمُ ترعفُ
مددنا لذاتِ البغيِ حتَّى تقطَّعتْ ... أزابيُّها والشَّدقميُّ المعلَّفُ
ضرحنَ حصى الموماةِ حتَّى عيونها ... مهجِّجةٌ أبصارهنَّ وذرَّفُ
كأنَّ دياراً بينَ أسنمةِ النَّقا ... وبينَ هذاليلِ النَّحيزةِ مصحفُ
ولستُ بناسٍ ما تغنَّتْ حمامةٌ ... ولا ما ثوى بينَ الجناحين زفزفُ
ديارا من الحيِّ الذين بحبِّهمْ ... زمانَ القرى والصَّارخُ المتلهَّفُ
عليهم من الماذيّ كلُّ مفاضةٍ ... دلاصٍ لها ذيلٌ حصينٌ ورفرفُ
وما شهدتْ يومَ الغبيطِ مجاشعٌ ... وذا نجبٍ يومَ الأسنَّةِ ترعفُ
ألمْ ترَ أنَّ الله أخزى مجاشعاً ... إذا ضمَّ أفواجَ الحجيجِ المعرَّفُ
تحدَّثَ ركبانُ الحجيجِ بجارهم ... إذا انحدروا من نخلتينِ وأوجفوا
فإنَّ الحواريَّ الذي غرَّ حبلكمْ ... له البدرُ كابٍ والكواكبُ كسَّفُ
ويومَ مِنى نادتْ قريشٌ بجاركمْ ... ويومَ الهدايا بالمشاعرِ عكَّفُ
وقائلةٍ ما للفرزدقِ لا يُرى ... على السِّنِّ يستغني ولا يتعفّفُ
وما زلتَ موقوفاً على كلِّ خزيةٍ ... وأنت بدارِ المخزياتِ موقَّفُ
ألم ترَ أنَّ النَّبعَ يصلبُ عودهُ ... ولا يستوي والخِروعُ المتقصِّفُ
ولا يستوي عقرُ الكزومِ بصوأرٍ ... وذو التَّاجِ تحتَ الرايةِ المتسيِّفُ
عرفتمْ لنا الغرَّ السَّوابقَ قبلكم ... وكان لقيْنَيكَ السُّكيْتُ المخلَّفُ
فوارسنا الحوَّاطُ والثَّغرُ دونهم ... وأردافنا المحبوُّ والمتنصَّفُ
أتعدلُ كهفاً لا ترامُ حصونهُ ... بهاري المراقي جوله يتقصَّفُ
عجبتُ لصهرٍ ساقكم آلَ درهم ... إلى صهر أقيانٍ يلامُ ويصلفُ
لئيمانِ هذي يدَّعيها ابن درهمٍ ... وهذا ابن قينٍ جلدهُ يتوسَّفُ
وخالفتهمُ للُّؤمِ يا آلَ درهمٍ ... خلافَ النَّصارى دينَ من يتحنَّفُ
يقولونَ كلاَّ ليسَ للقينِ غالبٍ ... بلى إنَّ ضربَ القينِ بالقينِ يعرفُ
ترفَّقتَ بالكيرينِ قينَ مجاشعٍ ... وأنتَ بهزِّ المشرفيَّةِ أعنفُ
ويذكرُ هزَّ السَّيفِ قينُ مجاشعٍ ... ويعرفُ كفَّيهِ الإناءُ المكتَّفُ
لحى الله من ينبو الحسامُ بكفِّهِ ... ومن يدخل الماخورَ في الحجلِ يرسفُ
فلو كنتَ منَّا يا فرزدقُ ما نبا ... ولكن مضى صافي الحديدةِ مرهفُ
فأنتمْ بنو الخوَّارِ يعرفُ ضربكمْ ... وأمَّاتكمْ فُتخُ القدامِ وخيضفُ
стр. 80
أخو اللُّؤمِ ما دامَ الغضا حولَ عجلزٍ ... وما دامَ يُسقى في رمادينِ أحقفُ
ألؤْماً وإسكاتاً على كلِّ خزيةٍ ... وما للمخازي عن قفيزةَ مصرفُ
لحى الله ليلى عرسَ صعصعةَ التي ... تحبُّ بشارَ القينِ والقينُ مغدفُ
أنا ابن بني عمروٍ وسعدٍ ومالكٍ ... أنا ابن صميمٍ لا وشيظٍ تحلَّفوا
إذا خطرتْ عمروٌ ورائيَ والتقتْ ... قرومُ بني زيدٍ تسامى وتصرفُ
تحوطُ تميمٌ من يحوطُ لها الحمى ... ويحمي تميماً من له ذاكَ يعرفُ
فمولى تميمٍ حين يأوي إليهمُ ... وإن كان فيهمْ ثروةُ العزِّ منصفُ
بني مالكٍ جاء القيونُ بمقرفٍ ... إلى سابقٍ يجري ولا يتكلَّفُ
ولم أنسَ من سعدٍ بقُصوانَ مشهداً ... ولا الأدمى ما دامتِ العينُ تطرفُ
ديار بني سعدٍ ولا سعدَ بعدهمْ ... عفتْ غيرَ أنقاءٍ بيبرينَ تعزفُ
وسعدٌ إذا صاحَ العدوُّ بسربهمْ ... أبَوا أن يهدُّوا للصياحِ فأزحفوا
أتمدحُ سعداً حينَ أخزتْ مجاشعاً ... عقيرةُ سعدٍ والخباءُ مكثَّفُ
إذا ركبتْ سلاَّفُ سعدٍ خيولهمْ ... وفرسانُ سعدٍ ظلَّتْ الأرضُ ترجفُ
إذا ذقتَ منَّا طعمَ حربٍ مريرةٍ ... عطفنا عليكَ الحربَ والحرب تعطفُ
تروغُ وقد أخزوكَ في كلِّ موطن ... كما راغَ قردُ الحرَّةِ المتحذَّفُ
وقد علمَ الأقيانُ أنَّ فتاتهمْ ... أُذلَّتْ ردافاً كلَّ حالٍ تصرَّفُ
فلست بموفٍ بالزُّبيرِ ورحلهِ ... ولا أنت بالسّيدانِ في الحيِّ منصفُ
ويبغضُ سترُ البيتِ قينَ مجاشعٍ ... وحجَّابهُ والطَّائفُ المتعكِّفُ
وقد مدَّ للقينِ الرَّهانُ فردَّهُ ... عن المجدِ كابٍ من قُفيرةَ مقرفُ
وما يحمدُ الأضيافُ رفدُ مجاشعِ ... إذا روَّحتْ حنَّانةُ اللَّيلِ حرجفُ
إذا الشَّولُ جاءتْ والقريعُ أمامها ... وهنَّ ضئيلاتُ العرائكِ شسَّفُ
نعضُّ الملوكَ الدَّارعينَ سيوفنا ... ودفُّكَ من نفَّاخةِ الكيرِ أجنفُ
أتمدحُ سعداً بعدما بتَّ عائذاً ... وجعْثنُ باتتْ بالنَّياطلِ تدلفُ
وباتت ردافى منقرٍ يركضونها ... فضيِّعَ فيهم عقرها المتردَّفُ
وهم كلَّفوها الرَّملَ رملَ معبِّرٍ ... تقولُ أهذا مشيُ حُردٍ تلقُّفُ
وهمْ رجعوها مسحرينَ كأنَّما ... بجعثنَ من حمَّى المدينةِ قرقفُ
وهمْ سلخوا بالدَّعْسِ جلدَ عجانها ... فما كادَ قرحٌ باسْتها يتقرَّفُ
وتشهدُ ما أدموا لجعثنَ مثبراً ... ويشهدُ حوقُ المنقريِّ المقرَّفُ
وقد كان فيما سالَ من عرقِ اسْتها ... بيانٌ ورضفُ الرُّكبتينِ المجلَّفُ
ألم ترَ تيمٌ كيفَ يرمي مجاشعاً ... شديدُ حبالِ المنجنيقينِ مقذفُ
نفاكَ حجيجُ البيتِ عن كلِّ مشعرٍ ... كما ردَّ ذو النُّمِّيتَينِ المزيَّفُ
ولمَّا رأوا عينيْ جبيرٍ لغالبٍ ... أبانَ جبيرُ الزَّنية المتعرِّفُ
لجعثنَ بالسّيدانِ قد يعرفونهُ ... مساحجُ منها لا تبيدُ ومزحفُ
ولو في بني سعدٍ يحلُّ لما عصتْ ... عواندُ من جوفِ الحواريِّ نزَّفُ
بنو منقرٍ جرُّوا فتاة مجاشعٍ ... وشدَّ ابنُ ذيَّالٍ وخيلكَ وقَّفُ
فهلاَّ زجرتمْ يا بني زبدِ اسْتها ... نسوراً رأتْ أوصالهُ فهي وقَّفُ
وهمْ تركوا بنتَ القيونِ كأنَّما ... بقيَّةُ ما أبقوا وجارٌ مجوَّفُ
وباتتْ تنادي غالباً وكأنَّها ... بذي الرَّضفِ من جمرِ الكوانينَ تُرضفُ
خبر الراعي النميري
وذكروا أن الراعي، وهو عبيد بن حصين بن جندلة بن قطن النميري، وفد على عبد الملك يشكو إليه عمال الصدقة، فأنشده:
فادفعْ مظالمَ عيَّلتْ أبناءنا ... عنَّا وأنقذْ شِلونا المأكولا
ولئنْ بقيتُ لأدعونَّ بطعنةٍ ... تدعُ الفرائضَ بالشُّرَيفِ قليلا
стр. 81
فقال عبد الملك: وأين من الله والسلطان لا أمَّ لك، فقال: يا أمير المؤمنين، من عامل إلى عاجل، ومصدِّق إلى مصدق. فلم يحظ منه بشيء، إذ كان عبد الملك ثقيل النفس عليه لما كان من تزبُّر قومه وكانت قيس كلها زبيرية، وكان يقال إن عند الراعي من إبل عثمان لإبلاً، فعاوده من قابل فأنشده:
أمَّا الفقيرُ الذي كانتْ حلوبتهُ ... وفقَ العيالِ فلم يتركْ له سبدُ
واختلَّ ذو المالِ والمثرونَ قد بقيتْ ... على التَّلاتلِ من أموالهمْ عقدُ
فإن رفعتَ بهم رأساً نعشتهمُ ... وإن لقوا مثلها من قابلٍ فسدوا
فقال عبد الملك: أنت العام أعقل منك عاماً أول.
والقصيدة الأولى
ما بالُ دفُّكِ بالفراشِ مذيلا ... أقذًى بعينكَ أمْ أردتَ رحيلا
لما رأتْ أرقي وطولَ تقلُّبي ... ذاتَ العشاءِ وليليَ الموصولا
قالتْ خليدةُ ما عراكَ ولم تكنْ ... بعد الرُّقادِ على الشُّؤونِ سؤولا
أخُليدَ إنَّ أباكِ ضافَ وسادهُ ... همَّانِ باتا جنبةً ودخيلا
طرقا فتلكَ هماهمي أقريهما ... قلصاً لواقحَ كالقسيِّ وحولا
شمُّ الحواركِ جنَّحاً أعضادها ... صهباً تناسبُ شدقماً وجديلا
حوزيَّةً طويتْ على زفراتها ... طيِّ القناطرِ قد بزلنَ بزولا
بُنيتْ مرافقهنَّ فوقَ مزلَّةٍ ... لا يستطيعُ بها القرادُ مقيلا
كانت نجائبَ منذرٍ ومحرِّقٍ ... أمَّاتهنَّ وطرقهنَّ فحيلا
فكأنَّ ريِّضها إذا ياسرتها ... كانت معاودةَ الرَّحيلِ ذلولا
وكأنَّما انتطحتْ على أثباجها ... فُدرٌ بشابةَ قد تممنَ وعولا
قذفَ الغدوِّ إذا غدونَ لحاجةً ... دلفَ الرَّواحِ إذا أردنَ قفولا
قوداً تذارعُ غولَ كلِّ تنوفةٍ ... ذرعَ النَّواسجِ مبرما وسحيلا
في مهمهٍ قلقتْ به هاماتها ... قلقَ الفؤوسِ إذا أردنَ نصولا
فإذا تعرَّضتْ المفازةُ غادرتْ ... ربداً يبغِّلُ خلفها تبغيلا
زجلَ الحداءِ كأنَّ في حيزومهِ ... قصباً ومقنعةَ الحنينِ عجولا
وإذا ترجَّلتِ الضُّحى قذفتْ به ... فشأونَ عقبتهُ فظلَّ ذميلا
يتبعنَ مائرةَ اليدينِ شملَّةً ... ألقتْ بمُخترقِ الرياحِ سليلا
جاءتْ بذي رمقٍ لستَّةِ أشهرٍ ... قد ماتَ أو جرضَ الحياةَ قليلا
نفضتْ بأسحمَ للرواحِ شليلها ... نفضَ النَّعامةِ زفَّها المبلولا
لا يتَّخذنَ إذا علونَ مفازةً ... إلاّ بياضَ الفرقدينِ دليلا
حتَّى وردنَ لتمِّ خمسٍ بائصٍ ... جُدّاً توارثهُ الرِّماحُ وبيلا
سدماً إذا التمسَ الدِّلاءُ نطافهُ ... صادفنَ مشرفةَ المثابِ دحولا
جمعوا قوًى مما تضمُّ رحالهمْ ... شتَّى النَّجارِ ترى بهنَّ وصولا
فسقوا صواديَ يسمعونَ عشيَّةً ... للماءِ في أجوافهنَّ صليلا
حتَّى إذا بردَ السِّجالُ لُهاثها ... وجعلنَ تحتَ غروضهنَّ ثميلا
وأفضن بعدَ كظومهنَّ بجرَّةٍ ... من ذي الأبارقِ إذ رعينَ حقيلا
جلسوا على أكوارها فترادفتْ ... صخبَ الصَّدى جدع الرِّعانِ رجيلا
ملسَ الحصى باتتْ توجَّسُ فوقهُ ... لغطَ القطا بالجلهتينِ نزولا
حتَّى إذا انجلتِ الدجى وتلفَّتتْ ... فرأتْ أوابدَ يرتعينَ هجولا
وجرى السَّرابُ وألحقتْ أعجازها ... مقطٌ يكونُ وقوعها تحليلا
وجرى على حدبِ الصُّوى فطردْنهُ ... طردَ الوسيقةِ بالسَّماوةِ طولا
أبلغ أميرَ المؤمنينَ رسالةً ... شكوى إليكَ مطلَّةً وعويلا
من نازحٍ كثرتْ عليه همومهُ ... لو يستطيعُ إلى اللِّقاءِ سبيلا
طالَ التقلُّبُ والزَّمانُ ورابهُ ... كسلٌ ويكرهُ أن يكونَ كسولا
ضافَ الهمومَ وسادهُ وتجنَّبتْ ... ريَّانَ يصبحُ في المنامِ ثقيلا
فطوى الفؤادَ على قضاءِ صريمةٍ ... حذَّاءَ واتَّخذَ الزَّماعَ خليلا
وعلا المشيبُ لداته ولقد مضتْ ... حقبٌ نقضنَ مريرهُ المجدولا
فكأنَّ أعظمهُ محاجنَ نبعةٍ ... عوجٌ قدُمنَ فقد أردنَ نحولا
كحديدةِ الهنديِّ أمسى جفنهُ ... خلقاً ولم يكُ في العظامِ نكولا
стр. 82
تُغلى حديدتهُ وتنكرُ لونه ... عينٌ رأتهُ في الشَّبابِ صقيلا
إنِّي حلفتُ على يمينٍ برَّةٍ ... لا أكذبُ اليومَ الخليفةَ قيلا
ما زرتُ آلَ أبي خُبيبٍ طائعاً ... يوماً أريد لبيعتي تبديلا
ولا أتيتُ نُجيدةَ بن عويمرٍ ... أرجو الهدى فيزيدني تضليلا
من نعمةِ الرَّحمنِ لا من حيلتي ... إنِّي أعدُّ له عليَّ فضولا
وشنئتُ كلَّ منافقٍ متقلِّبٍ ... وجدَ الزلازلَ دينهُ مدخولا
واهي الأمانةِ ما تزالُ قلوصهُ ... بينَ الخوارجِ هزَّةً وذميلا
من كلِّهم أمسى ألمَّ ببيعةٍ ... مسحَ الأُكفِّ تعاورُ المنديلا
أخليفةَ الرحمنِ إنَّا معشرٌ ... حنفاءُ نسجدُ بكرةً وأصيلا
عربٌ نرى لله في أموالنا ... حقَّ الزَّكاةِ منزَّلاً تنزيلا
إنَّ السُّعاةَ عصوْكَ حينَ بعثتهم ... وأتوا دواهيَ لو علمتَ وغولا
كتبوا الدُّهيمَ من العداءِ لمشرفٍ ... عادٍ يريد خيانةً وغلولا
ذخرَ الحقيبةِ لو أحطتِ بخُبرهِ ... لتركتَ منه طابقاً مفصولا
أخذوا العريفَ فقطَّعوا حيزومهُ ... بالأصبحيَّةِ قائماً مغلولا
حتَّى إذا لم يتركوا لعظامهِ ... لحماً ولا لفؤاده معقولا
جاؤوا بصكِّهمُ وأحدبَ أسأرتْ ... منه السِّياطُ يراعةً إجفيلا
نسيَ الأمانةَ من مخافةِ لقَّحٍ ... شُمسٍ تركنَ بضيعهُ مجزولا
أخذوا حمولتهُ فأصبحَ قاعداً ... لا يستطيعُ عن الدِّيارِ حويلا
يدعو أميرَ المؤمنينَ ودونهُ ... خرقٌ تجرُّ به الرِّياحُ ذيولا
كهداهدٍ كسرَ الرُّماةُ جناحهُ ... يدعو بقارعةِ الطَّريقِ هديلا
وقعَ الرَّبيعُ وقد تقاربَ خطوهُ ... ورأى بعقوته أزلَّ نسولا
كدخانِ مرتجلٍ بأعلى تلعةٍ ... غرثانَ ضرَّمَ عرفجا مبلولا
متوضِّحَ الأقرابِ فيه شبهةٌ ... نهشَ اللَّبانِ تخاله مشكولا
أخليفة الرحمن إنَّ عشيرتي ... أمسى سوامهمُ عزينَ فلولا
قومُ على الإسلامِ لما يمنعوا ... ما عونهم ويضيِّعوا التَّهليلا
وردوا اليمامةَ يطردونَ كأنَّهمْ ... قومٌ أصابوا ظالمينَ قتيلا
يحدون حدْباً ميَّلاً أشرافها ... في كلِّ مقربةٍ يدعنَ رعيلا
حتَّى إذا حبستْ تُنقِّي طِرقها ... وثنى الرِّعاءُ شكيرها المنخولا
شهريْ ربيع لا تذوقُ حلوبهم ... إلاّ حموضاً وخمةً ودويلا
وأتاهمُ يحيى فشدَّ عليهمُ ... عهدا يراهُ المسلمونَ ثقيلا
كتباً تركنَ غنيَّهمْ ذا خلَّةٍ ... بعد الغنى وفقيرهم مهزولا
فتركتُ قومي يقسمونَ أمورهمْ ... أإليكَ أم يتربَّصونَ قليلا
أنتَ الخليفةُ عدلهُ وقضاؤهُ ... وإذا أردتَ بظالمٍ تنكيلا
فادفع مظالمَ عيَّلتْ أبناءنا ... عنَّا وأنقذ شلونا المأكولا
فترى عطيَّةَ ذاكَ إن أعطيتهُ ... من ربِّنا فضلاً ومنكَ جزيلا
إنَّ الذينَ أمرتهمْ أن يعدلوا ... لم يأخذوا مما أمرتَ فتيلا
أخذوا المخاضَ من القلاصِ غلبّةً ... ظلما وتُكتبْ للأميرِ أفيلا
ولئنْ سلمتُ لأدعونَّ بطعنةٍ ... تدعُ الفرائضَ بالشُّريفِ قليلا
وإذا قريشٌ أوقدتْ نيرانها ... وثنتْ ضغائنَ بينها وذحولا
فأبوكَ سيِّدها وأنتَ أشدُّها ... زمنَ الزَّلازلِ في الزلازلِ جولا
وأبوكَ ضاربَ بالمدينةِ وحدهُ ... قوماً همُ تركوا الجميعَ شكولا
قتلوا ابنَ عفَّانَ الخليفةَ محرماً ... ودعا فلم أرَ مثلهُ مخذولا
فتصدَّعتْ من يوم ذاكَ عصاهمُ ... شققاً وأصبح سيفهمْ مسلولا
حتَّى إذا نزلتْ عجاجةُ فتنةٍ ... عمياءَ كان كتابها مفعولا
وزنت أميَّةُ أمرها فدعتْ لهُ ... من لم يكن غمراً ولا مجهولا
مروانُ أحزمهم إذا حلَّتْ به ... حدبُ الأمورِ وخيرهمْ مسؤولا
أيَّامَ رفَّعَ بالمدينةِ ذيلهُ ... ولقد يرى زرعاً بها ونخيلا
وديارَ ملكٍ خرِّبتْها فتنةٌ ... ومشيَّداً فيه الحمامُ ظليلا
أزمانَ قومي والجماعةَ كالذي ... لزمَ الرَّحالةَ أن تميلَ مميلا
خبر كعب بن زهير
стр. 83
وحدثوا أن كعب بن زهير بن أبي سلمى المزنيّ، كتب إلى أخيه بجير، وكان بالمدينة مع رسول الله ﷺ ، سابقاً بإسلامه ورشده كعباً بهذه الأبيات:
من مبلغٌ عنِّي بُجيراً رسالةً ... فهل لك فيما قلتُ ويحكَ هل لكا
شربتَ بكأسٍ عند آلِ محمدٍ ... فأنهلكَ المأمونُ منها وعلَّكا
فخالفتَ أسبابَ الهدى وتركتهُ ... على أيِّ شيءٍ ويبَ غيركَ دلَّكا
على خلقٍ لم تُلفِ أمّاً ولا أبا ... عليه ولم يوجد عليه أبٌ لكا
قالوا: فقال رسول الله ﷺ : أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه. وأجابه بجير فقال:
من مبلغٌ كعباً فهل لك في التي ... تلومُ عليها باطلاً وهي أحزمُ
إلى الله لا العزَّى ولا اللاتِ وحدهُ ... فتنجو إذا كان النَّجاءُ وتسلم
لدى يومِ لا ينجو وليسَ بمفلتٍ ... من النَّارِ إلاّ طاهرُ القلبُ مسلمُ
فدين زهيرٍ وهو لا شيءَ غيرهُ ... ودينُ أبي سلمى عليَّ محرَّمُ
وكان كعب قد نال من رسول الله ﷺ في بعض شعره، فلما انصرف ﷺ من فتح الطائف. همَّ بقتل من كان يؤذيه من شعراء المشركين: أمية بن خلف، وابن الزبعري، وكعب بن زهير، فبعث بجير إليه أن خذ حذرك وانج إلى نجائك من الأرض، فإنه قد همَّ بقتل من كان يؤذيه من شعره، إلاّ أن تأتيه مسلماً تائباً، فأتى كعب مزينة فأبت أن تؤويه، وأقبل حتَّى أتى المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة، فمرَّ رسول الله ﷺ فقال الرجل: هذا رسول الله، فقم إليه واستأمنه، فقام إليه حتَّى جلس بين يديه، ووضع يده في يده، وكان ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله: إنَّ كعب بن زهير قد جاء يستأمنك مسلماً تائباً فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال: نعم، قال: فأنا يا رسول الله كعب بن زهير وأنشده.
قصيدة كعب بن زهير
بانتْ سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ ... متيَّمٌ إثرها لم يُفدَ مكبولُ
وما سعادُ غداةَ البينِ إذ رحلوا ... إلاّ أغنَّ غضيضُ الطَّرفِ مكحولُ
تجلو عوارضَ ذي ظلمٍ إذا ابتسمتْ ... كأنَّهُ منهلٌ بالرَّاحِ معلولُ
شُجَّتْ بذي شبمٍ من ماءِ محنيةٍ ... صافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمولُ
تنفي الرِّياحُ القذى عنه وأفرطه ... من صوبِ ساريةٍ بيضٌ يعاليلُ
فيا لها خلَّةً لو أنَّها صدقتْ ... ميعادها أو لو أنَّ النُّصحَ مقبولُ
لكنَّها خلَّةٌ قد سيطَ من دمها ... فجعٌ وولعٌ وإخلافٌ وتبديلُ
فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها ... كما تلوُّنُ في أثوابها الغولُ
وما تمسَّكُ بالعهدِ الذي زعمتْ ... إلاّ كما يمسكُ الماءَ الغرابيلُ
فلا يغرَّنكَ ما منَّتْ وما وعدتْ ... إنَّ الأمانيَّ والأحلامَ تضليلُ
كانتْ عواقبُ عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدهُ إلاّ الأباطيلُ
أرجو وآملُ أن تدنو مودَّتها ... وما لهنَّ طوالَ الدَّهرِ تنويلُ
أمستْ سعادُ بأرضٍ لا يبلِّغها ... إلاّ العتاقُ النجيباتُ المراسيلُ
ولن يبلِّغها إلاّ عذافرةٌ ... منها على الأينِ إرقالٌ وتبغيلُ
من كلِّ نضَّاخةِ الذِّفرى إذا عرقتْ ... عرضتها طامسُ الأعلامِ مجهولُ
يرمي الغيوبَ بعينيْ مفردٍ لهقٍ ... إذا توقَّدتِ الحزَّانُ والميلُ
ضخمٌ مقلَّدها فعمٌ مقيَّدها ... في خلقها عن بناتِ الفحلِ تفضيلُ
حرفٌ أخوها أبوها من مهجَّنةٍ ... وعمُّها خالها قوداءُ شمليلُ
يمشي القرادُ عليها ثمَّ يزلقهُ ... عنها لبانٌ وأقرابٌ زهاليلُ
عيرانةٌ قذفتْ باللَّحمِ عن عُرضٍ ... مرفقها عن بناتِ الزَّورِ مفتولُ
كأنَّ ما فاتَ عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللَّحيينِ برطيلُ
تمرُّ مثل عسيبِ النَّخلِ ذا خصلٍ ... في غارزٍ لم تخوَّنهُ الأحاليلُ
قنواءُ في حرَّتيها للبصيرِ بها ... عتقٌ مبينٌ وفي الخدَّينِ تسهيلُ
تخدي على يسراتٍ وهي لاحقةٌ ... ذوابلٍ مسَّهنَّ الأرضَ تحليلُ
سمرُ العُجاياتِ يتركنَ الحصى زيماً ... بأربعٍ لا تعيها الأكمُ تنعيلُ
стр. 84
يوماً يظلُّ به الحرباءُ مصطخما ... كأنَّ ضاحيةُ بالنارِ مملولُ
كأنَّ أوبَ ذراعيها إذا عرقتْ ... وقد تلفَّعَ بالقورِ العساقيلُ
وقال للقومِ حاديهم وقد جعلتْ ... ورقُ الجنادبِ يركضنَ الحصى قيلوا
أوبُ يديْ فاقدٍ شمطاءَ معولةٍ ... قامتْ فجاوبها نكدٌ مثاكيلُ
نوَّاحةٌ رخوة الضَّبعينِ ليس لها ... لما نعى بكرها النَّاعونَ معقولُ
تفري اللَّبانَ بكفَّيها ومدرعها ... مشقَّقٌ عن تراقيها رعابيلُ
يسعى الوشاةُ بجنبيها وقولهمُ ... إنَّكَ يا ابنَ أبي سلمى لمقتولُ
وقالَ كلُّ خليلٍ كنتُ آملهُ ... لا ألهينَّك إني عنك مشغولُ
فقلتُ خلُّوا سبيلي لا أبا لكمُ ... فكلُّ ما قدَّرَ الرحمنُ مفعولُ
كلُّ ابن أنثى وإن طالتْ سلامتهُ ... يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ
أُنبئتُ أنَّ رسول الله أوعدني ... والعفوُ عند رسول الله مأمولُ
مهلاً هداكَ الذي أعطاكَ نافلةَ ال ... قرآنِ فيها مواعيظٌ وتفصيلُ
لا تأخذنِّي بأقوالِ الوشاةِ ولم ... أذنبْ ولو كثرتْ عنِّي الأقاويلُ
لقد أقومُ مقاماً لو يقومُ به ... أرى وأسمعُ ما لو يسمعُ الفيلُ
لظلَّ يرعدُ إلاّ أن يكونَ له ... من الرسولِ بإذن الله تنويلُ
حتَّى وضعتُ يميني لا أنازعهُ ... في كفِّ ذي نقماتٍ قيلهُ القيلُ
لذاكَ أهيبُ عندي إذ أكلِّمهُ ... وقيلَ إنَّك مسبورٌ ومسؤولُ
من ضيغمٍ من ضراءِ الأُسدِ مخدرهُ ... ببطنِ عثَّرَ غيلٌ دونهُ غيلُ
يغدو فيلحمُ ضرغامينِ عيشُهما ... لحمٌ من القومِ معفورٌ خراذيلُ
إذا يساورُ قرناً لا يحلُّ لهُ ... أن يتركَ القرنَ إلاّ وهو مفلولُ
منه تظلُّ حميرُ الوحشِ ضامزةً ... ولا تمشِّي بواديه الأراجيلُ
ولا يزالُ بواديهِ أخو ثقةٍ ... مطرَّحِ البزِّ والدِّرسانِ مأكولُ
إنَّ الرسولَ لسيفٌ يُستضاءُ بهِ ... مهنَّدٌ من سيوفِ الله مسلولُ
في عصبةٍ من قريشٍ قال قائلهمْ ... ببطنِ مكَّةَ لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كشفٌ ... عندَ اللِّقاءِ ولا ميلٌ معازيلُ
شمُّ العرانينَ أبطالٌ لبوسهمُ ... من نسجِ داودَ في الهيجا سرابيلُ
بيضٌ سوابغُ قد شكَّتْ لها حلقٌ ... كأنَّها حلقُ القفعاءِ مجدولُ
يمشونَ مشيَ الجِمالِ الزُّهرِ يعصمهمْ ... ضربٌ إذا عرَّدَ السُّودُ التَّنابيلُ
لا يفرحونَ إذا نالتْ رماحهمُ ... قوماً وليسو مجازيعاً إذا نيلوا
لا يقعُ الطَّعنُ إلاّ في نحورهمُ ... ما إنْ لهمْ عن حياضِ الموتِ تهليلُ