Полный текст (601 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فَخرجت عَلَيْهَا حَتَّى جِئْت الْأَرَاك فَقلت لعَلي أجد بعض الحطابة أَو صَاحب لبن أَو ذَا حَاجَة يَأْتِي مَكَّة فيخبرهم بمَكَان رَسُول الله ﷺ لِيخْرجُوا إِلَيْهِ فيستأمنوه قبل أَن يدخلهَا عَلَيْهِم عنْوَة قَالَ فوَاللَّه إِنِّي لأسير عَلَيْهَا وَالْتمس مَا خرجت لَهُ إِذْ سَمِعت كَلَام أبي سُفْيَان وَبُدَيْل ابْن وَرْقَاء وَحَكِيم بن حزَام وهم يتراجعون وَأَبُو سُفْيَان يَقُول مَا رَأَيْت كالليلة نيرانا قطّ وَلَا عسكرا قَالَ يَقُول بديل هَذِه وَالله خُزَاعَة حمشتها الْحَرْب
قَالَ يَقُول أَبُو سُفْيَان خُزَاعَة أذلّ وَأَقل من أَن تكون هَذِه نيرانها وعسكرها
قَالَ فَعرفت صَوته فَقلت يَا أَبَا حَنْظَلَة فَعرف صوتي فَقَالَ أَبُو الْفضل قَالَ قلت نعم قَالَ مَا لَك فدَاك أبي وَأمي قَالَ قلت وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان هَذَا رَسُول الله ﷺ فِي النَّاس وَا صباح قُرَيْش وَالله قَالَ فَمَا الْحِيلَة فدَاك أبي وَأمي قَالَ قلت فَأسلم ثكلتك أمك وَالله لَئِن ظفر بك ليضربن عُنُقك إِن لم تسلم اركب فِي عجز هَذِه البغلة حَتَّى أُتِي بك رَسُول الله ﷺ فأستأمنه لَك فَركب خَلْفي وَرجع صَاحِبَاه قَالَ وَذكر الْوَاقِدِيّ أَنه جَاءَ بهم إِلَى رَسُول الله ﷺ فأسلموا
قَالَ الْعَبَّاس
стр. 107
فَجئْت بِهِ فَكلما مَرَرْت بِنَار من نيران الْمُسلمين قَالُوا عَم رَسُول الله ﷺ على بغلته حَتَّى مَرَرْت بِنَار عمر فَقَالَ من هَذَا وَقَامَ إِلَيّ فَلَمَّا رأى أَبَا سُفْيَان على عجز الدَّابَّة قَالَ أَبُو سُفْيَان عَدو الله الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك بِغَيْر عقد وَلَا عهد ثمَّ خرج يشْتَد نَحْو رَسُول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بِمَا تسبق الدَّابَّة البطيئة الرجل البطيء فَاقْتَحَمت عَن البغلة فَدخلت على رَسُول الله ﷺ وَدخل عَلَيْهِ عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا أَبُو سُفْيَان قد أمكن الله مِنْهُ بِغَيْر عقد وَلَا عهد فَدَعْنِي فلأضرب عُنُقه قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي قد أجرته ثمَّ جَلَست إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخذت بِرَأْسِهِ فَقلت وَالله لَا يناجيه اللَّيْلَة دوني رجل
قَالَ فَلَمَّا أَكثر عمر فِي شَأْنه قلت مهلا يَا عمر فوَاللَّه أَن لَو كَانَ من رجال عدي بن كَعْب مَا قلت هَذَا وَلَكِنَّك قد عرفت أَنه من رجال بني عبد منَاف فَقَالَ مهلا يَا عَبَّاس فوَاللَّه لإسلامك يَوْم أسلمت كَانَ أحب إِلَيّ من إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قد عرفت أَن إسلامك كَانَ أحب إِلَى رَسُول الله ﷺ من إِسْلَام الْخطاب
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اذْهَبْ بِهِ إِلَى رحلك يَا عَبَّاس فَإِذا أَصبَحت فأتني بِهِ قَالَ فَذَهَبت إِلَى رحلي فَبَاتَ عِنْدِي
стр. 108
وروينا عَن السُّهيْلي عَن عبد بن حميد قَالَ لما احتمله الْعَبَّاس مَعَه إِلَى قُبَّته فَأصْبح عِنْده رأى النَّاس وَقد ثَارُوا إِلَى ظُهُورهمْ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان يَا أَبَا الْفضل مَا للنَّاس أأمروا فِي بِشَيْء قَالَ لَا وَلَكنهُمْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاة فَأمره الْعَبَّاس فَتَوَضَّأ ثمَّ انْطلق بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا دخل النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة كبر فَكبر النَّاس بتكبيره ثمَّ ركع فركعوا ثمَّ رفع فَرفعُوا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ طَاعَة قوم جمعهم من هَهُنَا وَهَهُنَا وَلَا فَارس الأكارم وَلَا الرّوم ذَات الْقُرُون بأطوع مِنْهُم لَهُ
قَالَ أَبُو الْخطاب ابْن ذِي النسبين دحْيَة وَالْحُسَيْن فِي كتاب مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين الرّوم ذَات الْقُرُون فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا الشُّعُور لأَنهم أَصْحَاب الجمم الطَّوِيلَة
الثَّانِي أَنَّهَا الْحُصُون
الثَّالِث وَهُوَ الصَّحِيح أَنه كلما هلك قرن خلف مَكَانَهُ قرن
وَذكر فِي امتداد قامة الْعَبَّاس وَطوله أَنه كَانَ يقبل الظعن وَهِي الْمَرْأَة تكون فِي الهودج على ظهر الْبَعِير وَكَانَ يقل من الأَرْض فِيمَا زَعَمُوا الْجمل إِذا برك بِحمْلِهِ
قَالَ ابْن هِشَام فَلَمَّا أصبح غَدَوْت بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا
стр. 109
رَآهُ قَالَ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأكرمك وأوصلك وَالله لقد ظَنَنْت أَن لَو كَانَ مَعَ الله إِلَه غَيره لقد أغْنى شَيْئا بعد قَالَ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَنِّي رَسُول الله قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأوصلك أما وَالله هَذِه فَفِي النَّفس مِنْهَا حَتَّى الْآن شَيْء
قَالَ السُّهيْلي عَن عبد بن حميد إِن أَبَا سُفْيَان قَالَ للنَّبِي ﷺ كَيفَ أصنع بالعزى يَعْنِي الصَّنَم الَّذِي كَانَ يعبده فَسَمعهُ عمر من وَرَاء الْقبَّة فَقَالَ تخرأ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان وَيحك يَا عمر إِنَّك رجل فَاحش دَعْنِي مَعَ ابْن عمي فإياه أكلم
وَرُوِيَ عَن يزِيد الرقاشِي قَالَ لما أُتِي رَسُول الله ﷺ بِأبي سُفْيَان عرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان على أَن تحملنِي على بغلتك وتكسوني بردتك وتتخذ مُعَاوِيَة كَاتبا وَأرَاهُ قَالَ وتتزوج أم حَبِيبَة وَمن دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن كل ذَلِك يَقُول رَسُول الله ﷺ نعم
قَالَ ابْن هِشَام فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس وَيحك أسلم وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله
стр. 110
وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قبل أَن يضْرب عُنُقك فَشهد شَهَادَة الْحق وَأسلم
قَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل يحب هَذَا الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا قَالَ نعم من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن أغلق بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن
وَأمر رَسُول الله ﷺ الْعَبَّاس أَن يحبس أَبَا سُفْيَان بمضيق الْوَادي عِنْد خطم الْجَبَل حَتَّى تمر بِهِ جنود الله فيراها فَفعل
قَالَ القَاضِي عِيَاض خطم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة والجبل بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء بِوَاحِدَة بعْدهَا لَام هُوَ طرفه وَأَنْفه السَّائِل وَهُوَ الكراع وَقيل غَيره وَهَذَا أشهر
قَالَ ابْن هِشَام فمرت الْقَبَائِل على راياتها كلما مرت قَبيلَة قَالَ يَا عَبَّاس من هَذِه فَأَقُول هَذِه سليم فَيَقُول مَا لي ولسليم ثمَّ تمر قَبيلَة فَيَقُول يَا عَبَّاس من هَؤُلَاءِ فَأَقُول مزينة فَيَقُول مَا لي ولمزينة حَتَّى نفذت الْقَبَائِل لَا تمر قَبيلَة إِلَّا سَأَلَني عَنْهَا حَتَّى مر رَسُول الله ﷺ فِي كتيبته الخضراء فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار لَا يرى مِنْهُم إِلَّا الحدق من الْحَدِيد وَرَسُول الله ﷺ على نَاقَته الْقَصْوَاء بَين أبي بكر وَأسيد بن حضير وكتيبة الْأَنْصَار مَعَ سعد بن عبَادَة وَمَعَهُ الرَّايَة وَرَايَة النَّبِي ﷺ مَعَ الزبير فَقَالَ أَبُو سُفْيَان سُبْحَانَ الله يَا عَبَّاس من هَؤُلَاءِ قَالَ قلت هَذَا رَسُول الله ﷺ فِي الْمُهَاجِرين
стр. 111
وَالْأَنْصَار قَالَ مَا لأحد بهؤلاء قبل وَلَا طَاقَة وَالله يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك الْغَدَاة عَظِيما قَالَ قلت يَا أَبَا سُفْيَان إِنَّهَا النُّبُوَّة قَالَ فَنعم إِذا
وَفِي رِوَايَة قَالَ وَكَانَت راية رَسُول الله ﷺ مَعَ سعد بن عبَادَة فَلَمَّا مر بهَا على أبي سُفْيَان وَنظر إِلَيْهِ فَقَالَ الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة الْيَوْم أذلّ الله قُريْشًا فَلَمَّا حَاذَى رَسُول الله ﷺ أَبَا سُفْيَان ناداه يَا رَسُول الله أمرت بقتل قَوْمك فانه زعم سعد وَمن مَعَه حِين مر بِنَا أَنه قاتلنا وَقَالَ الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة الْيَوْم أذلّ الله قُريْشًا وَإِنِّي أنْشدك الله فِي قَوْمك وَأَنت أبر النَّاس وأرحمهم وأوصلهم وَقَالَ عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف يَا رَسُول الله مَا نَأْمَن سَعْدا أَن تكون مِنْهُ فِي قُرَيْش صولة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا سُفْيَان الْيَوْم يَوْم المرحمة الْيَوْم أعز الله قُريْشًا قَالَ وَأمر رَسُول الله ﷺ سَعْدا أَن يُعْطي الرَّايَة لوَلَده قيس بن سعد حَتَّى لَا تخرج عَنهُ
قَالَ ابْن هِشَام قَالَ الْعَبَّاس فَقلت لأبي سُفْيَان النَّجَاء إِلَى قَوْمك حَتَّى إِذا جَاءَهُم صرخَ بِأَعْلَى صَوته يَا معشر قُرَيْش هَذَا مُحَمَّد قد جَاءَكُم فِيمَا لَا قبل لكم بِهِ فَمن دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن فَقَامَتْ إِلَيْهِ هِنْد بنت عتبَة قد أخذت بشاربه فَقَالَت اقْتُلُوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طَلِيعَة قوم
стр. 112
قَالَ السُّهيْلي الحميت الزق نسبته إِلَى الضخم وَالسمن والأحمس الَّذِي لَا خير عِنْده من قَوْلهم أعام أحمس إِذا لم يكن فِيهِ مطر
وَزَاد عبد بن حميد إِنَّهَا قَالَت يَا آل غَالب اقْتُلُوا الأحمق فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَان وَالله لتسلمن أَو لَأَضرِبَن عُنُقك
قَالَ ابْن هِشَام قَالَ أَبُو سُفْيَان وَيْلكُمْ لَا تغرنكم هَذِه من أَنفسكُم فَإِنَّهُ قد جَاءَكُم مَا لَا قبل لكم بِهِ من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن قَالُوا قَاتلك الله فَمَا تغني عَنَّا دَارك
قَالَ وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن
قَالَ فَتفرق النَّاس إِلَى دُورهمْ وَإِلَى الْمَسْجِد
قَالَ فَلَمَّا انْتهى رَسُول الله ﷺ إِلَى ذِي طوى وقف على رَاحِلَته معتجرا بشق برد حبرَة حَمْرَاء وَإنَّهُ ليضع رَأسه تواضعا لله حِين رأى مَا أكْرمه الله بِهِ من الْفَتْح حَتَّى إِن عثنونه ليكاد يمس وَاسِطَة الرحل
قَالَ الْجَوْهَرِي الإعتجار لف الْعِمَامَة على الرَّأْس
والعثنون شعيرات طوال تَحت الحنك
وروينا عَن الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخ مَكَّة حماها الله وشرفها الله وعظمها قَالَ أصعد عمر بن الْخطاب المعلاة فِي بعض حَاجته
стр. 113
يَعْنِي إِذْ كَانَ خَليفَة فَمر بِأبي سُفْيَان بن حَرْب يهنئ جملا لَهُ فَنظر إِلَى أَحْجَار قد بناها أَبُو سُفْيَان شبه الدّكان فِي وَجه دَاره يجلس عَلَيْهِ فِي فَيْء الْغَدَاة فَقَالَ عمر لَا أرجع من وَجْهي هَذَا حَتَّى تقلعه وترفعه
فَبلغ عمر ﵁ الرّوم فجَاء والدكان على حَاله فَقَالَ لَهُ عمر ألم أقل لَك لَا أرجع حَتَّى تقلعه قَالَ أَبُو سُفْيَان انتظرت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ يأتينا بعض أهل مهنتنا فيقلعه وَيَرْفَعهُ فَقَالَ عمر عزمت عَلَيْك لتقلعنه بِيَدِك ولتنقلنه على عُنُقك فَلم يُرَاجِعهُ أَبُو سُفْيَان حَتَّى قلعه بِيَدِهِ وَنقل الْحِجَارَة على عُنُقه وَجعل يَطْرَحهَا فِي الدَّار فَخرجت إِلَيْهِ هِنْد ابْنة عتبَة فَقَالَت يَا عمر أمثل أبي سُفْيَان تكلفه هَذَا كُله وتعجله عَن أَن يَأْتِيهِ بعض أهل مهنته فطعن عمر بمخصرة كَانَت فِي يَده فِي خمارها فَقَالَت هِنْد ونفحتها بِيَدِهَا إِلَيْك عني يَا ابْن الْخطاب فَلَو فِي غير هَذَا الْيَوْم تفعل هَذَا لاضطمت عَلَيْك الأخاشب قَالَ فَلَمَّا قلع أَبُو سُفْيَان الْأَحْجَار ونقلها اسْتقْبل عمر الْقبْلَة وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أعز الْإِسْلَام وَأَهله عمر بن الْخطاب رجل من بني عدى بن كَعْب يَأْمر أَبَا سُفْيَان بن حَرْب سيد بني عبد منَاف بِمَكَّة فيطيعه ثمَّ ولى
стр. 114
تَفْسِير
قَالَ الْجَوْهَرِي هنأت الْبَعِير إِذا طليته بالهناء وَهُوَ القطران
والمهنة بِفَتْح الْمِيم الْخدمَة وَحكى فِيهِ الْكسر والماهن الْخَادِم
والمخصرة كالسوط وكل مَا اختصر الْإِنْسَان بِيَدِهِ فأمسكه من عَصا وَنَحْوهَا
ونفحتها أَي ضربتها ونحتها
والأخاشب جمع أخشب وَهُوَ الْجَبَل الخشن الْعَظِيم والأخشبان جبلان بِمَكَّة
قلت وَدَار أبي سُفْيَان الْيَوْم مجزرة يذبح فِيهَا الجزارون بِمَكَّة مَعْرُوفَة على يسرة المصعد إِلَى الْمُعَلَّى من الْمَسْجِد فسبحان الْخَافِض الرافع الْمعز المذل يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
قَالَ ابْن مُنِير الْحلَبِي وَذكر شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد الدمياطي فِي جملَة كِتَابه ﷺ أَبَا سُفْيَان بن حَرْب ذكره ابْن مسكويه وَذكره ابْن سعد فِيمَن شهد فِي كتاب رَسُول الله ﷺ لنجران ولبني جعيل من بلي
فصل فِي إِسْلَام هِنْد ومبايعتها لرَسُول الله ﷺ
قَالَ ابْن عبد الله الْبر هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس
стр. 115
ابْن عبد منَاف أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا فأقرهما رَسُول الله ﷺ على نِكَاحهمَا وَكَانَت امْرَأَة فِيهَا ذكرة لَهَا نفس وأنفة شهِدت أحدا كَافِرَة مَعَ زَوجهَا أبي سُفْيَان وَكَانَت تَقول يَوْم أحد وَهِي تحرض الْمُشْركين على الْقِتَال
(نَحن بَنَات طَارق ... نمشي على النمارق)
والمسك فِي المفارق ... والدر فِي المخانق)
(إِن تقبلُوا نعانق ... ونفرش النمارق)
(أَو تدبروا نفارق ... فِرَاق غير وامق)
وروى السُّهيْلي فِيهِ بعد قَوْلهَا نمشي على النمارق فَقَالَ مَشى القطا النوازق النزق الخفة
فَلَمَّا قتل حَمْزَة وَثَبت عَلَيْهِ فمثلت بِهِ وَشقت بَطْنه واستخرجت كبده فشوت مِنْهُ وأكلت لِأَنَّهُ كَانَ قد قتل أَبَاهَا يَوْم بدر
وَقيل فعل ذَلِك غَيرهَا
ثمَّ ختم الله لَهَا بِالْإِسْلَامِ
وروينا عَن ابْن هِشَام قَالَ قتل عتبَة بن ربيعَة أَبُو هِنْد وَكَانَ
стр. 116
رَأس الْكفْر وَمن أَصْحَاب القليب ببدر وَأَخُوهُ شيبَة والوليد بن عتبَة وحَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان وَكَانُوا أَعدَاء رَسُول الله ﷺ ودعا عَلَيْهِم وَأخْبر بمصارعهم يَوْم بدر قبل الْوَقْعَة فَلم يعد أحد مِنْهُم مصرعه
اشْترك فِي قَتلهمْ عَليّ وَحَمْزَة وَزيد بن حَارِثَة
فَلَمَّا كَانَت وقْعَة أحد وَجمع أَبُو سُفْيَان نَحوا من ثَلَاثَة آلَاف وأتى بهم إِلَى أحد قتل حَمْزَة ﵁ قَتله وَحشِي غُلَام جُبَير بن مطعم وَمثل النِّسَاء بالقتلى من جدع الآذان والأنوف حَتَّى اتَّخذت هِنْد من آذان الرِّجَال خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا وبقرت عَن كبد حَمْزَة فلاكتها فَلم تستطع أَن تسيغها فلفظتها ثمَّ علت على صَخْرَة مشرفة على الْمُسلمين وَقَالَت
(نَحن جزيناكم بِيَوْم بدر ... وَالْحَرب بعد الْحَرْب ذَات سعر)
(مَا كَانَ لي عَن عتبَة من صَبر ... وَلَا أخي وَعَمه وبكري)
(شفيت نَفسِي وقضيت نذري ... شفيت وَحشِي غليل صَدْرِي)
(فَشكر وَحشِي عَليّ عمري ... حَتَّى ترم أعظمي فِي قَبْرِي)
فأجابتها هِنْد بنت أَثَاثَة بن عباد بن الْمطلب فَقَالَت
стр. 117
(خزيت فِي بدر وَبعد بدر ... يَا بنت وقاع عَظِيم الْكفْر)
(صبحك الله غَدَاة الْفجْر ... م الهاشميين الطوَال الغر)
(بِكُل قطاع حسام يفري ... حَمْزَة ليثي وَعلي صقري)
(إِذا رام شيب وَأَبُوك غدري ... فخضبا مِنْهُ ضواحي النَّحْر)
(ونذرك السوء فشر نذر ... )
وَقَالَت هِنْد بنت عتبَة أَيْضا
(شفيت من حَمْزَة نَفسِي بِأحد ... حَتَّى بقرت بَطْنه عَن الكبد)
(أذهب عني ذَاك مَا كنت أجد ... من لذعة الْحزن الشَّديد الْمُعْتَمد)
(وَالْحَرب تعلوكم بشؤبوب برد ... نقدم أقداما عَلَيْكُم كالأسد)
تَفْسِير غَرِيبه
قَوْلهَا ذَات سعر أَي ذَات هيجان والمسعر الْخشب الَّذِي
стр. 118
يسعر بِهِ النَّار وَمِنْه قيل للرجل مسعر حَرْب يوقدها
وَعتبَة أَبوهَا وأخوها الْوَلِيد وعمها شيبَة وبكرها حَنْظَلَة قتلوا ببدر
قَوْلهَا حَتَّى ترم تَقول رم الْعظم يرم بِالْكَسْرِ رمه أَي بلي فَهُوَ رَمِيم
والوقاع الَّذِي يغتاب النَّاس وَيَقَع فيهم
قَوْلهَا م الهاشميين بِحَذْف النُّون من حرف من لالتقاء الساكنين وَلَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي من وَحدهَا لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا قَالَه السُّهيْلي
والشؤبوب شدَّة الدّفع من الْمَطَر
وَقَوْلها برد
تعنى كثير الْبرد وَهُوَ حب الْغَمَام قَالَ الشَّاعِر والمرهفات البوارد أَي السيوف القواتل كَأَنَّهَا شبهت الْحَرْب بِدفع الْمَطَر إِذا كَانَ كثير الْبرد قَالَه الْجَوْهَرِي
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَوْم فتح مَكَّة أهْدر دَمهَا وَأمر بقتلها فاختفت ثمَّ أَتَت رَسُول الله ﷺ فتسترت بِالْإِسْلَامِ وَكَانَ بَينهَا وَبَين زَوجهَا فِي الْإِسْلَام لَيْلَة وَاحِدَة
ذكر الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى يأيها النَّبِي إِذا جَاءَك المؤمنت يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا الْآيَة وَذَلِكَ يَوْم فتح مَكَّة قَالَ لما فرغ رَسُول الله ﷺ من بيعَة الرِّجَال وَهُوَ على الصَّفَا وَعمر بن الْخطاب أَسْفَل مِنْهُ وَهُوَ يُبَايع النِّسَاء بِأَمْر رَسُول الله
стр. 119
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويبلغهن عَنهُ وَهِنْد ابْنة عتبَة متنقبة مُتَنَكِّرَة مَعَ النِّسَاء خوفًا من رَسُول الله ﷺ أَن يعرفهَا وَذَلِكَ لما فعلت فِي حَمْزَة عَم النَّبِي ﷺ وَغير ذَلِك من هجائها وتأليبها على النَّبِي ﷺ هِيَ وَأَبُو سُفْيَان زَوجهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ أبايعهن على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا فَرفعت رَأسهَا وَقَالَت وَالله إِنَّك لتأْخذ علينا أمرا مَا رَأَيْنَاك أَخَذته على الرِّجَال وَبَايع الرِّجَال يَوْمئِذٍ على الْإِسْلَام وَالْجهَاد فَقَط فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَلَا يَسْرِقن فَقَالَت هِنْد إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح وَإِنِّي أصبت من مَاله هَنَات تَعْنِي أَشْيَاء والهن الشَّيْء قَالَه الْجَوْهَرِي
فَلَا أَدْرِي أتحل لي أم لَا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان مَا أصبت من شَيْء فِيمَا مضى وَفِيمَا غبر فَهُوَ لَك حَلَال غبر يَعْنِي بَقِي وَيُرَاد بِهِ الْمَاضِي أَيْضا وَهُوَ من الأضداد قَالَه الْجَوْهَرِي أَيْضا
فَضَحِك رَسُول الله ﷺ وَعرفهَا فَقَالَ لَهَا وَإنَّك لهِنْد بنت عتبَة قَالَت نعم فَاعْفُ عَمَّا سلف عَفا الله عَنْك فَقَالَ وَلَا يَزْنِين فَقَالَت هِنْد أَو تَزني الْحرَّة فَقَالَ وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ فَقَالَت هِنْد رَبَّيْنَاهُمْ صغَارًا وَقَتَلْتُمُوهُمْ كبارًا فَأنْتم وهم أعلم وَكَانَ ابْنهَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان قد قتل يَوْم بدر فَضَحِك عمر حَتَّى اسْتلْقى وَتَبَسم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ
стр. 120
وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَهُوَ أَن تقذف ولدا على زَوجهَا لَيْسَ مِنْهُ قَالَت هِنْد وَالله إِن الْبُهْتَان لقبيح وَمَا تَأْمُرنَا إِلَّا بِالرشد وَمَكَارِم الْأَخْلَاق قَالَ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف قَالَت هِنْد مَا جلسنا مَجْلِسنَا هَذَا وَفِي أَنْفُسنَا أَن نَعْصِيك فَأقر النسْوَة بِمَا أَخذ عَلَيْهِنَّ
روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت جَاءَت هِنْد بنت عتبَة قَالَت يَا رَسُول الله مَا كَانَ على ظهر الأَرْض من أهل خباء أحب إِلَيّ أَن يذلوا من أهل خبائك ثمَّ مَا أصبح الْيَوْم على ظهر الأَرْض أهل خباء أحب إِلَيّ أَن يعزوا من أهل خبائك رَوَاهُ فِي الْفَضَائِل
قَالَ القَاضِي عِيَاض خباء أَو أخباء على الشَّك
كَذَا فِي كتاب مُسلم فِي كتاب الْإِيمَان وَهُوَ من خبأت الأَرْض لِأَنَّهُ يستر فِيهِ والأخباء جمع خباء وَهُوَ من بيُوت الْأَعْرَاب من وبر أَو صوف وَلَا يكون من شعر ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيرهَا من مَنَازِلهمْ ومساكنهم
قَالَ الْوَاقِدِيّ وَذكر يَوْم السلَاسِل من أَيَّام اليرموك وقتال النِّسَاء
стр. 121
ومجاوبتهن بالأشعار قَالَ وَخرجت هِنْد بنت عتبَة ﵂ وبيدها مزهر والمزهر عود يضْرب بِهِ قَالَه الْجَوْهَرِي وَمن خلفهَا النِّسَاء من الْمُهَاجِرَات وَهِي تَقول الشّعْر الَّذِي قالته يَوْم أحد تحرض بِهِ الْمُشْركين نَحن بَنَات طَارق الأبيات تَعْنِي بقولِهَا بَنَات طَارق النَّجْم زهل ثمَّ اسْتقْبلت خيل ميمنة الْمُسلمين فرأتهم منهزمين فصاحت إِلَى أَيْن تفرون من الله وَمن جنته وَهُوَ مطلع عَلَيْكُم وَنظرت إِلَى أبي سُفْيَان مُنْهَزِمًا فَضربت وَجه حصانه بعمودها وَقَالَت إِلَى أَيْن يَا ابْن حَرْب ارْجع إِلَى الْقِتَال وابذل مهجتك حَتَّى تمحص عَنْك مَا قد سلف مِنْك من تحريضك على رَسُول الله ﷺ
قَالَ الزبير بن الْعَوام لما سَمِعت كَلَام هِنْد لأبي سُفْيَان ذكرت يَوْم أحد وَنحن بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَهِي تحرض الْمُشْركين بِهَذَا الشّعْر على قتال الْمُسلمين فتعجبت من ذَلِك وَقلت لَك الْحَمد يَا رباه تفعل مَا تشَاء سبق عدلك فِي
стр. 122
خلقك وَلَا يعلم الْغَيْب غَيْرك
قَالَ فعطف أَبُو سُفْيَان عِنْدَمَا سمع كَلَامهَا وَعطف الْمُسلمُونَ مَعَه وَنظرت إِلَى النِّسَاء وَقد حملن مَعَهم وَهن يسابقن الْمُسلمين وَهن بَين أرجل الْخَيل وَرَأَيْت الْمَرْأَة مِنْهُنَّ تقبل إِلَى العلج الْعَظِيم وَهُوَ على فرسه فتتعلق بِهِ فَلَا تُفَارِقهُ حَتَّى تنكسه عَن الْجواد ثمَّ تقتله وَتقول هَذَا بَيَان نصر الله
توفيت هِنْد وَهِي وَأَبُو قُحَافَة وَالِد أبي بكر الصّديق ﵃ فِي يَوْم وَاحِد فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَه ابْن عبد الْبر وَغَيره
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْآجُرِيّ ﵀ فِي كتاب الشَّرِيعَة لَهُ بَاب تَزْوِيج أبي سُفْيَان بهند أم مُعَاوِيَة ﵃ قَالَ أَنا أَبُو عبيد عَليّ بن الْحُسَيْن بن حَرْب القَاضِي أَنا أَبُو السكين زَكَرِيَّا بن يحيى بن عمر ابْن حصن ابْن حميد بن منْهب بن حَارِثَة بن خريم بن أَوْس بن حَارِثَة بن لَام الْكُوفِي قَالَ حَدثنِي عَم أبي زحر بن حصن عَن جده حميد بن منْهب قَالَ كَانَت
стр. 123
هِنْد بنت عتبَة عِنْد الْفَاكِه بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَكَانَ الْفَاكِه من فتيَان قُرَيْش وَكَانَ لَهُ بَيت الضِّيَافَة يَغْشَاهُ النَّاس على غير إِذن فخلي ذَلِك الْبَيْت يَوْمًا فاضطجع الْفَاكِه وَهِنْد فِيهِ فِي وَقت القائلة ثمَّ خرج الْفَاكِه لبَعض حَاجته وَأَقْبل رجل كَانَ يَغْشَاهُ فولج الْبَيْت فَلَمَّا رأى الْمَرْأَة يَعْنِي هندا ولى هَارِبا وأبصره الْفَاكِه وَهُوَ خَارج من الْبَيْت فَأقبل إِلَى هِنْد فضربها بِرجلِهِ وَقَالَ لَهَا من هَذَا الَّذِي كَانَ عنْدك قَالَت مَا رَأَيْت أحدا وَلَا انْتَبَهت حَتَّى أنبهتني قَالَ لَهَا الحقي بأبيك وَتكلم فِيهَا النَّاس فَقَالَ لَهَا أَبوهَا يَا بنية إِن النَّاس قد أَكْثرُوا فِيك فأنبئيني نبأك فَإِن يكن الرجل عَلَيْك صَادِقا دسست إِلَيْهِ من يقْتله فَيَنْقَطِع عَنْك القالة وَإِن يَك كَاذِبًا حاكمته إِلَى بعض كهان الْيمن فَحَلَفت لَهُ بِمَا كَانُوا يحلفُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة أَنه لَكَاذِب عَلَيْهَا
فَقَالَ عتبَة للفاكه يَا هَذَا إِنَّك قد رميت ابْنَتي بِأَمْر عَظِيم فحاكمني إِلَى بعض كهان الْيمن فَخرج الْفَاكِه فِي جمَاعَة من بني مَخْزُوم وَخرج عتبَة فِي جمَاعَة من بني عبد منَاف وَخَرجُوا مَعَهم بهند ونسوة مَعهَا فَلَمَّا شارفوا الْبِلَاد وَقَالُوا غَدا نرد على الكاهن تنكر حَال هِنْد وَتغَير وَجههَا فَقَالَ لَهَا أَبوهَا إِنِّي قد أرى مَا بك من تنكر الْحَال وَمَا ذَاك إِلَّا لمكروه عنْدك أَفلا كَانَ هَذَا قبل أَن يشْهد النَّاس مسيرنا قَالَت لَا وَالله يَا أبتاه مَا ذَاك لمكروه وَلَكِنِّي أعرف أَنكُمْ تأتون بشرا يُخطئ ويصيب وَلَا آمنهُ أَن يسمني بسمة تكون عَليّ سبة فِي
стр. 124
الْعَرَب قَالَ إِنِّي سَوف أختبره من قبل أَن ينظر فِي أَمرك فصفر بفرس حَتَّى أدلي ثمَّ أَخذ حَبَّة من حِنْطَة فَأدْخلهَا فِي إحليلة وأوكأ عَلَيْهَا بسير
فَلَمَّا وردوا على الكاهن أكْرمهم وَنحر لَهُم فَلَمَّا تغدوا قَالَ لَهُ عتبَة إِنَّا قد جئْنَاك فِي أَمر وَإِنِّي قد خبأت لَك خبيئا أختبرك بِهِ فَانْظُر مَا هُوَ قَالَ تَمْرَة فِي كمرة قَالَ أُرِيد أبين من هَذَا قَالَ حَبَّة من بر فِي إحليل مهر قَالَ صدقت انْظُر فِي أَمر هَؤُلَاءِ النسْوَة فَجعل يدنو من إِحْدَاهُنَّ فَيضْرب كتفها وَيَقُول انهضي حَتَّى دنا من هِنْد فَضرب كتفها وَقَالَ انهضي غير وسخاء وَلَا زَانِيَة ولتلدن ملكا يُقَال لَهُ مُعَاوِيَة فَوَثَبَ إِلَيْهَا الْفَاكِه فَأخذ بِيَدِهَا فَنثرَتْ يَدهَا من يَده وَقَالَت إِلَيْك فوَاللَّه لأحرصن على أَن يكون ذَلِك من غَيْرك فَتَزَوجهَا أَبُو سُفْيَان فَجَاءَت بِمُعَاوِيَة ﵃
وَأَنا أَبُو مُحَمَّد بن نَاجِية نَا أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم ثَنَا أَبُو غَسَّان مَالك بن إِسْمَاعِيل النَّهْدِيّ نَا عمر بن زِيَاد الْهِلَالِي عَن عبد الْملك بن نَوْفَل بن مساحق الْمدنِي من بني عَامر بن لؤَي قَالَ قَالَت هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة لأَبِيهَا يَا أَبَت إِنِّي قد ملكت أَمْرِي قَالَ وَذَاكَ حِين فَارقهَا الْفَاكِه بن الْمُغيرَة فَلَا تزَوجنِي رجلا حَتَّى تعرضه عَليّ قَالَ ذَلِك لَك
قَالَ فَقَالَ لَهَا ذَات يَوْم يَا بنية قد
стр. 125
خَطبك رجلَانِ من قَوْمك وَلست بمسم لَك وَاحِدًا مِنْهُمَا حَتَّى أصفه لَك أما الأول فَفِي الشّرف الصميم والحسب الْكَرِيم تخالين بِهِ هوجا من غفلته وَذَلِكَ إسجاح من شيمته حسن الصَّحَابَة سريع الْإِجَابَة إِن تابعتيه تابعك وَإِن ملت بِهِ كَانَ مَعَك تقضين عَلَيْهِ فِي مَاله وتكتفين بِرَأْيِك عَن رَأْيه
وَأما الآخر فَفِي الْحسب الحسيب والرأي الأريب بدر أرومته وَعز عشيرته يُؤَدب أَهله وَلَا يؤدبونه إِن اتَّبعُوهُ أسهل بهم وَإِن جانبوه توعربهم شَدِيد الْغيرَة سريع الطَّيرَة صَعب حجاب الْقبَّة إِن حَاج فَغير منزور وَإِن نوزع فَغير مَقْصُور
قد بيّنت لَك أَمرهمَا كليهمَا
قَالَت أما الأول فسيد مُطَاع لكريمته مؤات لَهَا فِيمَا عَسى إِن لم تعصم أَن تبين بعد إبائها وتضيع تَحت جنائها وَإِن جَاءَت لَهُ بِولد أحمقت وَإِن أنجبت فَعَن خطأ أنجبت اطو ذكر هَذَا عني فَلَا تسمه لي
وَأما الآخر فبعل الْحرَّة الْكَرِيمَة وَإِنِّي لأخلاق هَذَا لوامقه وَإِنِّي لَهُ لموافقة وَإِنِّي لآخذ بأدب البعل مَعَ لزومي لقبتي وَقلة تلفتي وَإِن السَّلِيل بيني وَبَينه لحري أَن يكون المدافع عَن حَرِيم عشيرته الزَّائِد عَن كتيبتها المحامي عَن حفيظتها الزائن لأرومتها غير مواكل وَلَا زميل عِنْد صعصعة الْحَوَادِث فَمن قَالَ ذَاك أَبُو سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة
قَالَت
стр. 126
زَوجنِي مِنْهُ وَلَا تلقني إِلَيْهِ إِلْقَاء المستسلس السلس وَلَا تسمه بِي سوم المعاطس الضرس واستخر الله فِي السَّمَاء يخر لَك بِعِلْمِهِ فِي الْقَضَاء
وَرُوِيَ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ قَالَ مُعَاوِيَة مَا زلت فِي طمع من الْخلَافَة مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَا مُعَاوِيَة إِن ملكت فَأحْسن
وَرُوِيَ عَن خَالِد بن يزِيد بن صبيح عَن أَبِيه عَن مُعَاوِيَة قَالَ كنت أوضئ رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم أفرغ عَلَيْهِ من إِنَاء فِي يَدي فَنظر إِلَيّ نظرة شَدِيدَة فَفَزِعت وَسقط الْإِنَاء من يَدي فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة إِن وليت شَيْئا من أُمُور أمتِي فَاتق الله واعدل قَالَ فَمَا زلت أطمع فِيهَا مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم فأسأل الله أَن يَرْزُقنِي الْعدْل فِيكُم
وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن جده قَالَ كَانَت أداوة يحملهَا أَبُو هُرَيْرَة مَعَ رَسُول الله ﷺ لوضوئه فاشتكى أَبُو هُرَيْرَة فحملها مُعَاوِيَة فَبَيْنَمَا هُوَ يوضئ النَّبِي ﷺ مِنْهَا رفع النَّبِي ﷺ رَأسه فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة إِن وليت من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فَاتق الله واعدل فَمَا زلت أَظن أَنِّي مبتلى بذلك لقَوْل رَسُول الله ﷺ حَتَّى وليت
تَفْسِير غَرِيبه
قَوْله كتاب الشَّرِيعَة قَالَ الْجَوْهَرِي الشَّرِيعَة مَا شرع الله لِعِبَادِهِ
стр. 127
من الدّين أَي سنّ والشارع الطَّرِيق والشرعة بِالْكَسْرِ الشَّرِيعَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾
قَوْله فِي الشّرف الصميم صميم الشَّيْء خالصه يُقَال هُوَ فِي صميم قومه
قَوْله تخالين بِهِ هوجا يُقَال خلت الشَّيْء خيلا وخيلة ومخيلة وخيلولة أَي ظننته وَهُوَ من بَاب ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا الَّتِي تدخل على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر فَإِن ابتدأت بهَا أعملت وَإِن وسطتها أَو أخرتها فَأَنت بِالْخِيَارِ بَين الإعمال والإلغاء وَتقول فِي مستقبله إخال بِكَسْر الْألف وَهُوَ الْأَفْصَح وَبَنُو أَسد بِفَتْح الْألف وَهُوَ الْقيَاس
قَوْله هوجا هُوَ الرجل الطَّوِيل الَّذِي فِيهِ تسرع وحمق والهوجاء النَّاقة السريعة والهوجاء الرّيح الَّتِي تقلع الْبيُوت فَلذَلِك قَالَت هِنْد إِن جَاءَت لَهُ بِولد أحمقت
قَوْله وَذَلِكَ إسجاح من شيمته الإسجاح حسن الْعَفو يُقَال ملكت فَأَسْجِحْ وَإِذا سَأَلت فَأَسْجِحْ أَي سهل ألفاظك وارفق
قَوْله من شيمته الشيمة الْخلق
قَوْله حسن الصَّحَابَة سريع الْإِجَابَة وَصفه بِحسن الْعشْرَة ولين الْجَانِب مَعَ الهوج وَالْحق الَّذِي ذكر فِيهِ
قَوْله والرأي الأريب هُوَ الرجل الْعَاقِل الداهية
قَوْله بدر أرومته وَعز عشيرته الأروم بِفَتْح الْهمزَة أصل الشَّجَرَة والقرن اسْتِعَارَة هُنَا لأصالته لِأَنَّهُ من بني عبد منَاف
قَوْله يُؤَدب أَهله وَلَا يؤدبونه وَصفه بالشدة والغيرة إِذا كَانَ فيهم كَمَا قَالَت فِي حَدِيث أم زرع إِن دخل فَهد وَإِن خرج أَسد
قَوْله إِن حَاج فَغير منزور مَعْنَاهُ لَا يُرَاجع بِمَا يكره لشدَّة وقاره وهيبته
قَوْله وَإِن نوزع فَغير مَقْصُور يُقَال أقصر عَنهُ إِذا تركته عَن قدره وَقصر عَنهُ ضعف وكل شَيْء حَبسته فقد
стр. 128
قصرته
قَوْلهَا فِيمَا عَسى إِن لم تعصم فضل الْعِصْمَة الْحِفْظ يُقَال اعتصمت بِاللَّه إِذا امْتنعت بِلُطْفِهِ من الْمعْصِيَة والعصمة الْمَنْع أَيْضا يُقَال عصمه الطَّعَام أَي مَنعه من الْجُوع
وَأَبُو عَاصِم كنية السويق
قَوْلهَا إِنِّي لأخلاق هَذَا لوامقة المقة الْمحبَّة وَالْهَاء عوض من الْوَاو وَقد ومقه يمقه بِالْكَسْرِ فيهمَا أَي أحبه فَهُوَ وامق
قَوْلهَا وَإِن السَّلِيل بيني وَبَينه تَعْنِي الْوَلَد
قَوْلهَا المحامي عَن حفيظتها الحفيظة الْغَضَب وَالْحمية وَقَوْلهمْ وَإِن الحفائظ تنقض الأحقاد أَي إِذا رَأَيْت حميمك يظلم حميت لَهُ وَإِن كَانَ فِي قَلْبك عَلَيْهِ حقد
قَوْلهَا غير مواكل وَلَا زميل عِنْد صعصعة الْحَوَادِث المواكل الْعَاجِز يكل أمره إِلَى غَيره ويتكل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الدَّابَّة تتكل على صَاحبهَا فِي الْعَدو حَتَّى يضْربهَا
والزميل الجبان الضَّعِيف
والصعصعة التَّفَرُّق يُقَال ذهبت الْإِبِل صعاصع أَي مُتَفَرِّقَة
قَوْلهَا المستسلس السلس هُوَ اللين المنقاد
قَوْلهَا وَلَا تسمه بِي سوم المعاطس الضرس وَيُقَال ظَبْي عاطس وَهُوَ الَّذِي يستقبلك من أمامك والضرس أكمة خشنة وناقة ضروس سَيِّئَة الْخلق
وَكَأَنَّهَا أَرَادَت بالسوم فِي حَال الْخطْبَة أَن لَا تلين لَهُ وَلَا تشدد عَلَيْهِ فِيمَا يَقع بَيْنكُمَا الِاتِّفَاق عَلَيْهِ من أَمر الصَدَاق وَغَيره مِمَّا كَانُوا يتفقون عَلَيْهِ عِنْد التَّزْوِيج فِي جاهليتهم
٢٦ - طَلْحَة بن عبيد الله
ابْن عُثْمَان بن عَمْرو ابْن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن
стр. 129
كَعْب بن لؤَي الْقرشِي التَّيْمِيّ وَأمه الحضرمية اسْمهَا الصعبة بنت عبد الله بن عماد أُخْت الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ يَأْتِي بِشَيْء من ذكرهَا فِي تَرْجَمَة أَخِيهَا يكنى طَلْحَة أَبَا مُحَمَّد وَيعرف بطلحة الْخَيْر وَطَلْحَة الْفَيَّاض وَذَلِكَ أَنه اشْترى مَالا بِموضع يُقَال لَهُ بيسان قَالَ أَبُو عبيد عبد الله بن عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ فِي كتاب مُعْجم مَا استعجم من حرف الْبَاء بيسان بِفَتْح أَوله وسين مُهْملَة موضعان أَحدهمَا بِالشَّام وَالثَّانِي بالحجاز وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث
قَالَ وَذكر الزبير أَن رَسُول الله ﷺ مر بِمَاء يُقَال لَهُ بيسان فِي غَزْوَة ذِي قرد فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل اسْمه بيسان وَهُوَ ملح فَقَالَ بل هُوَ نعْمَان وَهُوَ طيب فَغير رَسُول الله ﷺ اسْمه وَغير الله المَاء فَاشْتَرَاهُ طَلْحَة ثمَّ تصدق بِهِ فَأخْبر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا أَنْت يَا طَلْحَة إِلَّا فياض فَسُمي بذلك
وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين وَأحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ وَأحد الثَّمَانِية السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام وَأحد الْخَمْسَة الَّذين أَسْلمُوا على يَد أبي بكر ﵁ وَأحد السِّتَّة الَّذين جعل عمر فيهم الشورى وَأخْبر أَن رَسُول الله ﷺ توفّي وَهُوَ عَنْهُم رَاض
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ قبل أَن يخرج من الْمَدِينَة إِلَى بدر هُوَ
стр. 130
وَسَعِيد بن زيد إِلَى طَرِيق الشَّام يتجسسان الْأَخْبَار يَعْنِي خبر عير أهل مَكَّة الَّتِي قدم بهَا أَبُو سُفْيَان ثمَّ رجعا إِلَى الْمَدِينَة فقدماها يَوْم وقْعَة بدر فَضرب لَهُ رَسُول الله ﷺ بسهمه فَلَمَّا قدم قَالَ وَأجْرِي يَا رَسُول الله قَالَ وأجرك
وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا وأبلى يَوْم أحد بلَاء حسنا وَوقى رَسُول الله ﷺ وَاتَّقَى عَنهُ النبل بِيَدِهِ حَتَّى شلت إصبعه وَضرب ضَرْبَة فِي رَأسه وَحمل رَسُول الله ﷺ على ظَهره حَتَّى اسْتَقل على الصَّخْرَة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْيَوْم أوجب طَلْحَة يَا أَبَا بكر فَقَالَ أَبُو بكر يَوْم أحد كُله لطلْحَة
ويروى أَن رَسُول الله ﷺ نَهَضَ يَوْم أحد ليصعد على صَخْرَة وَكَانَ ظَاهر بَين درعين فَلم يسْتَطع النهوض فاحتمله طَلْحَة بن عبيد الله فأنهضه حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا
وَرُوِيَ أَنه نظر إِلَيْهِ فَقَالَ من أحب أَن ينظر إِلَى شَهِيد يمشي على وَجه الأَرْض فَلْينْظر إِلَى طَلْحَة
ثمَّ شهد الْجمل مُحَاربًا لعَلي ﵁ فَدَعَاهُ وَذكره أَشْيَاء من سوابقه وفضله فَرجع طَلْحَة عَن قِتَاله على نَحْو مَا صنع الزبير بن الْعَوام وَاعْتَزل فِي بعض الصُّفُوف فَرمي بِسَهْم فَقطع من رجله عرق النسا فَلم يزل دَمه ينزف حَتَّى مَاتَ
وَيُقَال أصَاب ثغرة نَحره فدفناه على شاطئ الكلا فَرَآهُ بعض أَهله فِي الْمَنَام فَقَالَ أَلا تريحوني من هَذَا المَاء فَإِنِّي قد غرقت ثَلَاث مَرَّات يَقُولهَا
قَالَ فنبشوه فَإِذا هُوَ أَخْضَر كَأَنَّهُ السلق فنزفوا عَنهُ المَاء ثمَّ استخرجوه فَإِذا مَا يَلِي الأَرْض من لحيته وَوَجهه قد أَكلته الأَرْض فاشتروا لَهُ دَارا فدفنوه فِيهَا
قتل وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة يَوْم الْجمل لعشر
стр. 131
خلون من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقيل غير ذَلِك
وَسمع عَليّ رَضِي الله عَن رجلا ينشد
(فَتى كَانَ يدينه الْغنى من صديقه ... إِذا مَا هُوَ اسْتغنى ويبعده الْفقر)
(كَأَن الثريا علقت فِي جَبينه ... وَفِي خَدّه الشعرى وفى الآخر الْبَدْر)
هَذَا الْبَيْت ذكره المَسْعُودِيّ فِي المروج فَقَالَ ذَاك أَبُو مُحَمَّد طَلْحَة بن عبيد الله ﵁
وَرُوِيَ أَن عليا ﵁ قَالَ فِي خطْبَة خطبهَا حِين نهوضه إِلَى الْجمل إِنِّي بليت بأَرْبعَة أدهى النَّاس وأسخاهم طَلْحَة وَأَشْجَع النَّاس الزبير وأطوع النَّاس فِي النَّاس عَائِشَة وأسرع النَّاس إِلَى فتْنَة يعلى بن أُميَّة
وَرُوِيَ عَنهُ ﵁ أَنه قَالَ إِنِّي وَالله لأرجو أَن أكون أَنا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مِمَّن قَالَ الله تَعَالَى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا على سرد متقبلين قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ عَليّ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول طَلْحَة وَالزُّبَيْر جاراي
стр. 132
فِي الْجنَّة
قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد
ذكره عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَقَالَ وَأما مَا وَقع لي مِمَّن كتب لَهُ ﷺ فطلحة ذكره عَليّ بن مُحَمَّد بن مسكويه فِي كتاب تجارب الْأُمَم
٢٧ - عَامر بن فهَيْرَة
مولى أبي بكر الصّديق ﵄ كنيته أَبُو عمر
وَكَانَ مولدا من مولدِي الأزد أسود اللَّوْن مَمْلُوكا للطفيل بن عبد الله بن سَخْبَرَة أخي عَائِشَة ﵂ لأمها
أسلم وَهُوَ مَمْلُوك فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر من الطُّفَيْل وَأعْتقهُ
وَكَانَ من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام أسلم قبل أَن يدْخل رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم وعذب فِي الله كَانَ يرْعَى الْغنم فِي ثَوْر ثمَّ يروح بهَا على رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وهما فِي الْغَار شهد بَدْرًا وَاحِدًا وَقتل يَوْم بِئْر مَعُونَة فِي صفر سنة أَربع من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة قَتله عَامر بن الطُّفَيْل
ويروى عَن عَامر لما أسلم قَالَ رَأَيْت أول طعنة طعنتها عَامر بن فهَيْرَة نورا خرج مِنْهَا
وَلما قدم عَامر بن الطُّفَيْل على رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ من الرجل الَّذِي رَأَيْته لما قتل رفع بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى رَأَيْت
стр. 133
السَّمَاء دونه فَقَالَ النَّبِي ﷺ ذَاك عَامر بن فهَيْرَة قَالَه ابْن عبد الْبر
وَذكره البُخَارِيّ فِي غَزْوَة الرجيع وَطلب فِي الْقَتْلَى فَلم يُوجد فيرون أَن الْمَلَائِكَة رفعته
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شَرحه للسيرة الشَّرِيفَة عَامر بن فهَيْرَة ذكره أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَغَيره
وَذكره ابْن إِسْحَاق فِي حَدِيث الْهِجْرَة فَقَالَ كَانَ مخرج رَسُول الله ﷺ بعد بيعَة الْعقبَة بِليَال وَهِي بيعَة الْأَنْصَار خرج هُوَ وَأَبُو بكر لَيْلًا فمضيا وَخرج رَسُول الله ﷺ من خوخة فِي طرف دَار أبي بكر الَّتِي فِي بني جمح ونهضا إِلَى غَار ثَوْر وَضرب العنكبوت على بَابه وَطلبت قُرَيْش رَسُول الله ﷺ أَشد الطّلب حَتَّى انْتَهوا إِلَى بَاب الْغَار فَقَالَ بَعضهم إِن عَلَيْهِ العنكبوت قبل مِيلَاد مُحَمَّد ﷺ وَفِي رِوَايَة أَمر الله شَجَرَة فَنَبَتَتْ فِي وَجه النَّبِي ﷺ فَسترته وَأمر الله حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فوقفتا بِفَم الْغَار وَأَقْبل فتيَان قُرَيْش حَتَّى كَانُوا من النَّبِي ﷺ قدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا فَرَأَوْا الحمامتين فعرفوا أَنه لَيْسَ فِيهِ أحد
وَكَانَ لأبي بكر منحة غنم يرعاها عَامر بن فهَيْرَة ﵁ وَكَانَ يَأْتِيهم بهَا لَيْلًا فيحتلبون فَإِذا كَانَ سحر سرح مَعَ النَّاس
قَالَت عَائِشَة ﵂ وجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لَهما سفرة من جراب فَقطعت أَسمَاء بنت أبي بكر قِطْعَة من نطاقها فأوكت بِهِ الجراب فبذلك سميت ذَات النطاقين
وَمكث رَسُول الله ﷺ وَهُوَ وَأَبُو بكر فِي الْغَار ثَلَاث لَيَال وَكَانَ يبيت عِنْدهمَا عبد الله بن أبي بكر يتسمع الْأَخْبَار بِالنَّهَارِ
واستأجر أَبُو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا والخريت الماهر بِالطَّرِيقِ يُقَال
стр. 134
لَهُ عبد الله بن أريقط وَهُوَ على دين الْكفْر ولكنهما أمناه ودفعا إِلَيْهِ راحلتيهما وواعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صبح ثَلَاث لَيَال فارتحلا ومعهما عَامر بن فهَيْرَة فَأخذ بهم ابْن أريقط على طَرِيق السَّاحِل
فَلَمَّا رحلوا من قديد عرض لَهما سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَهُوَ على فرس لَهُ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فرسخت قَوَائِم فرسه فَقَالَ يَا مُحَمَّد ادْع الله أَن يُطلق فرسي وأرجع عَنْك وأرد من ورائي فَفعل فَأطلق وَرجع فَوجدَ النَّاس يَلْتَمِسُونَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ارْجعُوا فقد استبرأت لكم مَا هَهُنَا وَقد عَرَفْتُمْ بَصرِي بالأثر فَرَجَعُوا عَنهُ
وَفِي رِوَايَة فَعرض سراقَة عَلَيْهِم الزَّاد وَالْمَتَاع والحملان فَقَالَا أكفنا نَفسك وأخف عَنَّا
وَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ أَن يكْتب لَهُ كتاب أَمن فَأمر ابْن فهَيْرَة فَكتب فِي رقْعَة من أَدَم
ثمَّ مضى رَسُول الله ﷺ وَذكر تَمام الحَدِيث
٢٨ - عبد الله بن الأرقم
قَالَ ابْن عبد الْبر عبد الله بن الأرقم بن عبد يَغُوث بن وهب
стр. 135
ابْن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب الْقرشِي الزُّهْرِيّ أسلم عَام الْفَتْح كَانَ من المواظبين على كتاب الرسائل عَن رَسُول الله ﷺ وَكتب لأبي بكر واستكتبه عمر وَاسْتَعْملهُ على بَيت المَال وَعُثْمَان بعده وَلم يزل على بَيت المَال خلَافَة عمر كلهَا وسنتين من خلَافَة عُثْمَان حَتَّى استعفاه من ذَلِك فأعفاه
وَكَانَ يُجيب الْمُلُوك عَن رَسُول الله ﷺ وَبلغ من أَمَانَته عِنْده أَنه كَانَ يَأْمُرهُ أَن يكْتب إِلَى بعض الْمُلُوك فَيكْتب ويأمره أَن يطينه ويختمه وَمَا يقرأه لأمانته عِنْده
قَالَ الْجَوْهَرِي طان فلَان الْكتاب يطينه إِذا خَتمه
قَالَ وَكَانَ إِذا غَابَ عبد الله أَمر من حضر أَن يكْتب لَهُ
قَالَ وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك قَالَ بَلغنِي أَنه ورد على رَسُول الله ﷺ كتاب فَقَالَ من يُجيب عني فَقَالَ عبد الله بن الأرقم أَنا فَأجَاب عَنهُ وأتى بِهِ إِلَيْهِ فأعجبه وأنفذه وَكَانَ عمر حَاضرا فأعجبه ذَلِك من عبد الله بن الأرقم وَلم يزل فِي نَفسه يَقُول أصَاب مَا أَرَادَ رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا ولي عمر اسْتَعْملهُ على بَيت المَال
قَالَ وروى ابْن وهب عَن مَالك أَن عُثْمَان أجَازه وَكَانَ لَهُ على بَيت المَال ثَلَاثُونَ ألفا فَأبى أَن يقبلهَا
وروى سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن
стр. 136
عَمْرو بن دِينَار أَن عُثْمَان اسْتَعْملهُ على بَيت المَال وَأَعْطَاهُ ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَأبى عبد الله أَن يَأْخُذهَا وَقَالَ إِنَّمَا عملت لله وَإِنَّمَا أجري على الله
وروى أَشهب عَن مَالك أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يَقُول مَا رَأَيْت أحدا أخْشَى لله من عبد الله بن الأرقم قَالَ وَقَالَ لَهُ لَو كَانَ لَك سَابِقَة مَا قدمت عَلَيْك أحدا وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
٢٩ - عبد الله بن عبد الله بن أبي ابْن سلول
وسلول امْرَأَة عرف بهَا وَهِي من خُزَاعَة أم أبي وَأبي بن مَالك بن سَالم بن غنم بن عَوْف بن الْخَزْرَج وَسَالم يعرف بالحبلى لعظم بَطْنه ولبني الحبلى شرف فِي الْأَنْصَار كَانَ اسْمه الْحباب فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ عبد الله وَكَانَ أَبوهُ عبد الله رَأس الْمُنَافِقين وَمِمَّنْ تولى
стр. 137
الْإِفْك فِي عَائِشَة ﵂ وَابْنه عبد الله من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم شهد بَدْرًا وَاحِدًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَكَانَ أَبوهُ من أَشْرَاف الْخَزْرَج وَكَانُوا اجْتَمعُوا على أَن يُتَوِّجُوهُ ويسندوا إِلَيْهِ أَمرهم قبل مبعث النَّبِي ﷺ فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ نفس على رَسُول الله ﷺ النُّبُوَّة وأخذته الْعِزَّة فَلم يخلص الْإِسْلَام وأضمر النِّفَاق حسدا وبغيا
وَقَالَ فِي غَزْوَة تَبُوك لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل هَكَذَا ذكر ابْن عبد الْبر وسَاق الحَدِيث
وَالَّذِي ذكره الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة
وروينا عَن ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة الشَّرِيفَة أَن قصَّة ابْن أبي ونزول هَذِه الْآيَة كَانَ فِي غَزْوَة بني المصطلق على مَاء من مِيَاههمْ يُقَال لَهُ الْمُريْسِيع من نَاحيَة قديد إِلَى السَّاحِل روى الْبَغَوِيّ وَاللَّفْظ لِابْنِ إِسْحَاق قَالَ فَهزمَ الله بني المصطلق فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك المَاء وَردت وَارِدَة النَّاس وَمَعَ عمر بن الْخطاب أجِير لَهُ من بني غفار يُقَال لَهُ جَهْجَاه بن سعيد يَقُود فرسه فازدحم جَهْجَاه وَسنَان بن وبر الْجُهَنِيّ حَلِيف بني عَوْف بن الْخَزْرَج على المَاء فاقتتلا فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ يَا معشر الْأَنْصَار وصرخ جَهْجَاه يَا معشر الْمُهَاجِرين وأعان جهجاها الْغِفَارِيّ رجل من
стр. 138
الْمُهَاجِرين يُقَال لَهُ جِعَال وَكَانَ فَقِيرا قَالَ السُّهيْلي مَاتَ جَهْجَاه بعد قتل عُثْمَان بالأكلة فِي ركبته الَّتِي كسر عَلَيْهَا عَصا رَسُول الله ﷺ الَّتِي كَانَ يخْطب بهَا وَكَانَ أَخذهَا من يَد عُثْمَان وَكسرهَا قَالَ ابْن إِسْحَاق فَغَضب عبد الله بن أبي ابْن سلول وَعِنْده رَهْط من قومه فيهم زيد ابْن أَرقم غُلَام حدث فَقَالَ افعلوها قد نافرونا وكاثرونا فِي بِلَادنَا وَالله مَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَانَ قَالَ الْقَائِل سمن كلبك يَأْكُلك أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل يَعْنِي بالأعز نَفسه وَبِالْأَذَلِّ من يجله عَن الْوَصْف بِهَذِهِ الصّفة ﷺ ثمَّ أقبل على من حَضَره من قومه وَقَالَ هَذَا مَا فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُم بِلَادكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالكُم أما وَالله لَو أَمْسَكْتُم عَن جِعَال وَذَوِيهِ فضل الطَّعَام لم يركبُوا رِقَابكُمْ ولتحولوا إِلَى غير بِلَادكُمْ فَلَا تنفقوا عَلَيْهِم حَتَّى يَنْفضوا من حول مُحَمَّد ﷺ
فَقَالَ زيد بن أَرقم أَنْت وَالله الذَّلِيل الْقَلِيل الْمُبْغض فِي قَوْمك وَمُحَمّد ﷺ فِي عز من الرَّحْمَن ومودة من الْمُسلمين
فَقَالَ عبد الله بن أبي اسْكُتْ إِنَّمَا كنت أَلعَب
فَمشى زيد بن أَرقم إِلَى رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ بعد فَرَاغه من الْغَزْو فَأخْبرهُ الْخَبَر وَعِنْده عمر بن الْخطاب فَقَالَ دَعْنِي أضْرب عُنُقه يَا رَسُول الله قَالَ فَكيف يَا عمر إِذا تحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَلَكِن أذن بالرحيل فارتحل النَّاس
وَأرْسل رَسُول الله ﷺ إِلَى عبد الله بن أبي فَأَتَاهُ فَقَالَ أَنْت صَاحب هَذَا الْكَلَام الَّذِي بَلغنِي فَقَالَ عبد الله وَالَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مَا قلت شَيْئا
стр. 139
من ذَلِك وَإِن زيدا لَكَاذِب وَكَانَ عبد الله فِي قومه شريفا عَظِيما فَقَالَ من حضر من الْأَنْصَار من أَصْحَابه يَا رَسُول الله عَسى أَن يكون الْغُلَام أوهم فِي حَدِيثه وَلم يحفظ مَا قَالَه فعذره النَّبِي ﷺ
وفشت الْمَلَامَة فِي الْأَنْصَار لزيد وكذبوه وَقَالَ لَهُ عَمه وَكَانَ زيد مَعَه مَا أردْت إِلَى أَن كَذبك رَسُول الله ﷺ وَالنَّاس مقتوك وَكَانَ زيد يُسَايِر النَّبِي ﷺ فاستحيي بعد ذَلِك أَن يدنو من النَّبِي ﷺ فَلَمَّا اسْتَقل رَسُول الله ﷺ وَسَار لقِيه أسيد بن حضير فحياه بِتَحِيَّة النُّبُوَّة وَسلم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله لقد رحت فِي سَاعَة مُنكرَة مَا كنت تروح فِيهَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أَو مَا بلغك مَا قَالَ صَاحبكُم عبد الله بن أبي قَالَ وَمَا قَالَ قَالَ زعم أَنه إِن رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة أخرج الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَقَالَ أسيد فَأَنت وَالله تخرجه إِن شِئْت هُوَ وَالله الذَّلِيل وَأَنت الْعَزِيز ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله ارْفُقْ بِهِ فوَاللَّه لقد جَاءَ الله بك وَإِن قومه لينظمون لَهُ الخرز ليتوجوه فَإِنَّهُ ليرى أَنَّك قد استلبته ملكا
وَبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي مَا كَانَ من أَمر أَبِيه فَأتى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّه بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عَنهُ فَإِن كنت فَاعِلا فمرني بِهِ فَأَنا أحمل إِلَيْك رَأسه فوَاللَّه لقد علمت الْخَزْرَج مَا كَانَ بهَا رجل أبر بِوَالِديهِ مني وَإِنِّي
стр. 140
أخْشَى أَن تَأمر بِهِ غَيْرِي فيقتله فَلَا تدعني نَفسِي أَن أنظر إِلَى قَاتل عبد الله بن أبي يمشي فِي النَّاس فأقتل مُؤمنا بِكَافِر فَأدْخل النَّار فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (بل ترفق بِهِ وتحسن صحبته مَا بَقِي مَعنا)
وَجعل بعد ذَلِك إِذا أحدث الْحَدث كَانَ قومه هم الَّذين يعاتبونه ويعنفونه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لعمر بن الْخطاب حِين بلغه ذَلِك من شَأْنهمْ (كَيفَ ترى يَا عمر لَو قتلته يَوْم قلت لي أَقتلهُ لأرعدت لَهُ أنف لَو أَمَرتهَا الْيَوْم بقتْله لقتلته) قَالَ قَالَ عمر قد وَالله علمت لأمر رَسُول الله ﷺ أعظم بركَة من أَمْرِي
فصل
قَالَ السُّهيْلي وروى الدَّارَقُطْنِيّ مُسْندًا أَن رَسُول الله ﷺ مر على جمَاعَة فيهم عبد الله بن أبي فَسلم عَلَيْهِم ثمَّ ولى فَقَالَ عبد الله لقد عتا ابْن أبي كَبْشَة فِي هَذِه الْبِلَاد فَسَمعَهَا ابْنه عبد الله فَاسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي أَن يَأْتِيهِ برأَ س أَبِيه قَالَ (لَا وَلَكِن بر
стр. 141
أَبَاك)
قَالَ السُّهيْلي فِي هَذَا علم عَظِيم وبرهان نير من أَعْلَام نبوته فَإِن الْعَرَب كَانَت أَشد خلق الله حمية وتعصبا فَبلغ الْإِيمَان مِنْهُم وَنور الْيَقِين من قُلُوبهم إِلَى أَن يرغب الرجل مِنْهُم فِي قتل أَبِيه وَولده تقربا إِلَى الله تَعَالَى وتزلفا إِلَيْهِ وَإِلَى رَسُول الله ﷺ مَعَ أَن الرَّسُول ﷺ أبعد النَّاس نسبا مِنْهُم وَمَا تَأَخّر إِسْلَام قومه وَبني عَمه وَسبق إِلَى الْإِيمَان بِهِ الأباعد إِلَّا لحكمة عَظِيمَة إِذْ لَو بَادر أَهله وأقربوه إِلَى الْإِيمَان بِهِ لقيل قوم أَرَادوا الْفَخر بِرَجُل مِنْهُم وتعصبوا لَهُ فَلَمَّا بَادر إِلَيْهِ الأباعد وقاتلوا على حبه من كَانَ مِنْهُم أَو من غَيرهم علم أَن ذَلِك على بَصِيرَة صَادِقَة ويقين قد تغلغل فِي قُلُوبهم وَرَهْبَة من الله أزالت صفة قد كَانَت سدكت يَعْنِي لَزِمت فِي نُفُوسهم من أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة لَا يَسْتَطِيع إِزَالَتهَا إِلَّا الَّذِي خلقهمْ فَلذَلِك كَانَ أحدهم يقتل أَبَاهُ وأخاه وأقرباءه فِي حبه ﷺ
قَالَ الْبَغَوِيّ وَسَار رَسُول الله ﷺ يومهم ذَلِك حَتَّى أَمْسَى وليلتهم حَتَّى أصبح وَصدر يومهم حَتَّى آذتهم الشَّمْس ثمَّ نزل
стр. 142
بِالنَّاسِ فَلم يكن إِلَّا أَن وجدوا مس الأَرْض فوقعوا نياما وَإِنَّمَا فعل ذَلِك ليشغل النَّاس عَن الحَدِيث الَّذِي كَانَ بالْأَمْس من حَدِيث عبد الله بن أبي
فَلَمَّا وافى رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة قَالَ زيد بن أَرقم جَلَست فِي الْبَيْت لما بِي من الْهم وَالْحيَاء فَأنْزل الله تَعَالَى سُورَة الْمُنَافِقين فِي تَصْدِيق زيد وَتَكْذيب عبد الله
فَلَمَّا نزلت أَخذ رَسُول الله ﷺ بأذن زيد وَقَالَ يَا زيد إِن الله صدقك وأوفى بأذنك
وَكَانَ عبد الله بن أبي بِقرب الْمَدِينَة فَلَمَّا أَرَادَ أَن يدخلهَا جَاءَهُ ابْنه عبد الله بن عبد الله بن أبي حَتَّى أَنَاخَ على مجامع طَرِيق الْمَدِينَة فَلَمَّا جَاءَ عبد الله بن أبي قَالَ وَرَاءَك قَالَ مَا لَك وَيلك قَالَ لَا وَالله لَا تدْخلهَا أبدا إِلَّا بِإِذن رَسُول الله ﷺ ولتعلمن الْيَوْم من الْأَعَز من الْأَذَل فَشكى عبد الله إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا صنع ابْنه فَأرْسل إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن خل عَنهُ حَتَّى يدْخل فَقَالَ أما إِذْ جَاءَ أَمر رَسُول الله ﷺ فَنعم فَدخل فَلم يلبث إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِل حَتَّى اشْتَكَى وَمَات
قَالَ فَلَمَّا نزلت الْآيَة وَبَان كذب عبد الله بن أبي قيل لَهُ يَا أَبَا حباب إِنَّه قد نزل فِيك آي شَدَّاد فَاذْهَبْ إِلَى رَسُول الله ﷺ يسْتَغْفر لَك فَلوى رَأسه ثمَّ قَالَ أَمرْتُمُونِي أَن أُؤْمِن فآمنت وَأَمَرْتُمُونِي أَن
стр. 143
أعطي زَكَاة مَالِي لمُحَمد فقد أَعْطَيْت فَمَا بَقِي إِلَّا أَن أَسجد لَهُ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا يسْتَغْفر لكم رَسُول الله لووا رؤوسهم﴾ الْآيَات
قَالَ ابْن عبد الْبر فَلَمَّا مَاتَ أَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فَجَذَبَهُ عمر وَقَالَ أَلَيْسَ قد نهى الله أَن تصلي على الْمُنَافِقين فَقَالَ ﷺ (أَنا بَين خيرتين) ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم﴾ فصلى عَلَيْهِ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ الْآيَة
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يثني على وَلَده عبد الله وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة
عده السُّهيْلي فِي كِتَابه ﷺ فِيمَا ذكره عَن ابْن شبة وَقَالَ ابْن مُنِير الْحلَبِي ذكره ابْن عبد الْبر وَابْن الْأَثِير وَأَبُو مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي فِي كِتَابه أَيْضا
стр. 144
٣٠ - عبد الله بن رَوَاحَة
ابْن ثَعْلَبَة بن امْرِئ الْقَيْس بن عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس الْأَكْبَر ابْن مَالك الْأَغَر بن ثَعْلَبَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ قَالَ السُّهيْلي الْخَزْرَج الرّيح الْبَارِدَة
يكنى أَبَا مُحَمَّد أحد النُّقَبَاء شهد الْعقبَة وبدرا وأحدا وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة وَعمرَة الْقَضَاء والمشاهد كلهَا إِلَّا الْفَتْح وَمَا بعده لِأَنَّهُ قتل يَوْم مُؤْتَة شَهِيدا وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء فِيهَا وَأحد الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ الَّذين كَانُوا يردون الْأَذَى عَن رَسُول الله ﷺ
وَفِيه وَفِي صَاحِبيهِ حسان وَكَعب بن مَالك نزلت ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا﴾ الْآيَة
وَكَانَت غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي من أَعمال الكرك الَّتِي اسْتشْهد فِيهَا عبد الله ابْن رَوَاحَة فِي جُمَادَى سنة ثَمَان بِأَرْض الشَّام
وروى عَنهُ من الصَّحَابَة ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة
وَكَانَ أول خَارج إِلَى الْغَزْو ودعا لَهُ الْمُسلمُونَ أَن يردهُ الله سالما فَقَالَ
(لكنني أسأَل الرَّحْمَن مغْفرَة ... وضربة ذَات فرغ تقذف الزبدا)
стр. 145
(أَو طعنة بيَدي حران مجهزة ... بِحَرْبَة تنفذ الأحشاء والكبدا)
(حَتَّى يُقَال إِذا مروا على جدثي ... يَا أرشد الله من غاز وَقد رشدا)
الطعنة الفرغاء الواسعة قَالَ الْجَوْهَرِي والحران العطشان وَهُوَ هُنَا المحزون على قتلاه
فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْقِتَال قَالَ
(يَا نفس إِن لم تقتلي تموتي ... هَذَا حمام الْمَوْت قد صليت)
(وَمَا تمنيت فقد أَعْطَيْت ... إِن تفعلي فعلهمَا هديت)
يَعْنِي صَاحِبيهِ زيدا وجعفرا
ثمَّ قَاتل حينا ثمَّ نزل فَأَتَاهُ ابْن عَم لَهُ بعرق من لحم فَقَالَ شدّ بِهَذَا ظهرك فانك قد لقِيت فِي أيامك هَذِه مَا لقِيت فَأَخذه من يَده فانتهش مِنْهُ نهشة ثمَّ سمع الحطمة فِي النَّاس فَقَالَ وَأَنت فِي الدُّنْيَا فَأَلْقَاهُ من يَده ثمَّ أَخذ سَيْفه فقاتل حَتَّى قتل ﵀
وَرُوِيَ هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَنه قَالَ مَا سَمِعت أحدا أجرأ وَلَا أسْرع شعرًا من عبد الله بن رَوَاحَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَهُ يَوْمًا (قل شعرًا تَقْتَضِيه السَّاعَة وَأَنا أنظر إِلَيْك) فانبعث مَكَانَهُ فَقَالَ
следующие страницы →