Полный текст (601 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وعدادهم فِي بني سَلمَة وَكَانَ آخر من بَقِي مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن معَاذ بن جبل مَاتَ بِالشَّام فِي الطَّاعُون فانقرضوا
شهد الْعقبَة وبدرا والمشاهد كلهَا وَكَانَ عمره لما أسلم ثَمَانِي عشرَة سنة
بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى جملَة الْيمن دَاعيا إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم عَامَّة أهل الْيمن مُلُوكهمْ وعامتهم طَوْعًا من غير قتال
وَذكر ابْن الْحذاء فِي التَّعْرِيف أَن رَسُول الله ﷺ بعث معَاذًا إِلَى الْيمن فِي شهر ربيع الأول سنة عشر وَقدم فِي خلَافَة أبي بكر فِي الْحجَّة الَّتِي حج فِيهَا عمر
قَالَ الْحَاكِم فِي الإكليل بَعثه وَأَبا مُوسَى إِلَى الْيمن عِنْد انْصِرَافه من تَبُوك سنة تسع
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ بَاب بعث أبي مُوسَى ومعاذ إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع
قَالَ ابْن عبد الْبر وَقَالَ ابْن إِسْحَاق إِن رَسُول الله ﷺ بعث معَاذًا إِلَى الْجند من الْيمن يعلم النَّاس الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام وَيَقْضِي بَينهم وَجعل إِلَيْهِ قبض الصَّدقَات من الْعمَّال الَّذين بِالْيمن وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد قسم الْيمن على خَمْسَة رجال خَالِد بن سعيد على صنعاء وَالْمُهَاجِر بن أبي أُميَّة على كِنْدَة وَزِيَاد بن لبيد على
стр. 247
حَضرمَوْت ومعاذ بن جبل على الْجند وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ على زبيد وَزَمعَة وعدن والساحل وَقَالَ لِمعَاذ بن جبل حِين وَجهه بِمَا تقضي قَالَ بِمَا فِي كتاب الله تَعَالَى قَالَ فَإِن لم تَجِد قَالَ بِمَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ قَالَ فَإِن لم تَجِد قَالَ أجتهد رَأْيِي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله لما يحب رَسُول الله ﷺ
قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم الْجند مَفْتُوح الْحُرُوف مَوضِع بِالْيمن قَالَ الراجز
(تنقلا من بلد إِلَى بلد ... يَوْمًا بِصَنْعَاء وَيَوْما بالجند)
وجند بِضَم أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه وبالدال الْمُهْملَة جبل بِالْيمن أَيْضا
قَالَ وَزَمعَة بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه وَعين مُهْملَة من منَازِل حمير بِالْيمن وَذكره
قَالَ الْحَاكِم وَرُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ شيع معَاذًا فِي جمَاعَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِلَى أَن ركب معَاذ وَرَسُول الله ﷺ يمشي ويوصيه
وَكَانَ أحد الْأَنْصَار الثَّلَاثَة الَّذين كَانُوا يفتون على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 248
وهم أبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وَزيد بن ثَابت وَثَلَاثَة من الْمُهَاجِرين عَمْرو عُثْمَان وَعلي ﵃
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أعلمهم بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل
يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة أَمَام الْعلمَاء برتوة أَو رتوتين بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق أَي برمية سهم وَقيل بميل وَقيل بمدى الْبَصَر
قَالَ ابْن عبد الْبر وَكَانَ شَابًّا جميلا من أفضل شباب قومه سَمحا لَا يمسك
قَالَ الْمَدَائِنِي مَاتَ معَاذ بِنَاحِيَة الْأُرْدُن فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَلَاثِينَ سنة قَالَ وَلم يُولد لَهُ قطّ كَمَا قَالَ الْوَاقِدِيّ
وَذكر أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ أَنه مَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَعشْرين سنة
وَعند سعيد بن الْمسيب قَالَ قبض معَاذ وَهُوَ ابْن ثَلَاث أَو أَربع وَثَلَاثِينَ سنة
قَالَ زرْعَة قَالَ لي أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَفِيه مَاتَ معَاذ وَأَبُو عُبَيْدَة
قَالَ وَكَانَ الطَّاعُون سنة سبع عشرَة وثمان عشرَة وَفِي سنة سبع عشرَة رَجَعَ عمر من سرغ بِجَيْش الْمُسلمين لِئَلَّا يقدمهم على الطَّاعُون
عمواس قَرْيَة بَين الرملة وَبَيت الْمُقَدّس بِفَتْح أَوله وثانية وَبعده وَاو
стр. 249
وَألف وسين مُهْملَة قَالَ وَذكر الْأَصْمَعِي أَنه إِنَّمَا سمي الطَّاعُون بذلك لقَولهم عَم وآسى وَمَات فِيهِ نَحْو خَمْسَة وَعشْرين ألفا قَالَه الْبكْرِيّ
وَقَالَ سرغ بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه بعده غين مُعْجمَة مَدِينَة بِالشَّام افتتحها أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح
وَذكر ابْن عبد الْبر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أصَاب النَّاس طاعون بالجابية فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ تفَرقُوا عَنهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة النَّار فَقَامَ معَاذ بن جبل فَقَالَ لقد كنت فِينَا ولأنت أضلّ من حمَار أهلك سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول هُوَ رَحْمَة لهَذِهِ الْأمة اللَّهُمَّ فاذكرمعاذا وَآل معَاذ فِيمَن تذكره بِهَذِهِ الرَّحْمَة
روى عَنهُ من الصَّحَابَة عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن أبي أوفى وَأنس بن مَالك وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ فِي جمَاعَة ﵃
كَانَ عبد الله بن عمر يَقُول حَدثنَا عَن العاقلين الْعَالمين قيل من هما قَالَ معَاذ وَأَبُو الدَّرْدَاء ﵄
وَعَن فَرْوَة الْأَشْجَعِيّ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله
стр. 250
عَنهُ فَقَالَ إِن معادا كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا وَلم يَك من الْمُشْركين فَقلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِنَّمَا قَالَ الله إِن إِبْرَهِيمُ كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا فَأَعَادَ قَوْله إِن معَاذًا فَلَمَّا رَأَيْته أعَاد عرفت أَنه تعمد الْأَمر فَسكت فَقَالَ أَتَدْرِي مَا الْأمة وَمَا القانت قلت الله أعلم قَالَ الْأمة الَّذِي يعلم الْخَيْر ويؤتم بِهِ ويقتدى وَالْقَانِت الْمُطِيع لله وَكَذَلِكَ كَانَ معَاذ بن جبل معلما للخير مُطيعًا لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ
يَقُول مُؤَلفه أَبُو عبد الله مُحَمَّد عَفا الله عَنهُ زرت قبر معَاذ ﵁ وقبر وَلَده عبد الرَّحْمَن إِلَى جَانِبه بِنَاحِيَة بيسان الْغَوْر على شاطئ الشَّرِيعَة وَهِي نهر الْأُرْدُن على يمنة الطَّرِيق المصعد فِي ذيل عقبَة الْقصير قصير الْغَوْر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وزرت أَيْضا قبر أبي عُبَيْدَة ﵁ أَسْفَل مِنْهُ وَأَنت منحدر مَعَ نهر الشَّرِيعَة من شرقيها أَيْضا إِلَى جَانب قَرْيَة تسمى عمتا تصعد مِنْهَا إِلَى مَدِينَة عجلون ونهر اليرموك مَنْصُوب إِلَى الشَّرِيعَة من أَرض اليرموك بَين قبريهما والمدى بَينهمَا غير بعيد رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 251
٣٩ - مَالك بن مرَارَة
قَالَ ابْن عبد الْبر وَيُقَال مَالك بن فَزَارَة وَالصَّحِيح ابْن مرَارَة وَقَالَ بَعضهم الرهاوي
وروى عَطاء بن ميسرَة عَن الثِّقَة عِنْده عَن مَالك بن مرَارَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من كبر)
وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد وَكتب رَسُول الله ﷺ إِلَى أهل الْيمن كتابا يُخْبِرهُمْ فِيهِ بشرائع الْإِسْلَام وفرائض الصَّدَقَة فِي الْمَوَاشِي وَالْأَمْوَال ويوصيهم بِأَصْحَابِهِ وَرُسُله خيرا وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهِم معَاذ بن جبل وَمَالك بن مرَارَة ويخبرهم بوصول رسولهم إِلَيْهِ وَمَا بلغ عَنْهُم
قَالَ ابْن عبد الْبر وَلَيْسَ مَالك بن مرَارَة مَشْهُورا فِي الصَّحَابَة
قَالَ ابْن سعد وَكَانَ مَالك بن مرَارَة رَسُول أهل الْيمن إِلَى النَّبِي ﷺ بِإِسْلَامِهِمْ وطاعتهم وَكتب إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ أَن مَالك بن مرَارَة قد بلغ الْخَبَر وَحفظ الْغَيْب
стр. 252
٤٠ - مَالك بن عقبَة
قَالَ ابْن عبد الْبر مَالك بن عقبَة أَو عقبَة بن مَالك هَكَذَا جرى ذكره على الشَّك هُوَ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة روى عَنهُ بشر بن عَاصِم
ذكره ابْن عبد الْبر وَلم يرفع لَهُ نسبا
وَذكره ابْن إِسْحَاق فِي الْوُفُود مَعَ معَاذ بن جبل وَعبد الله بن زيد وَمَالك ابْن عبَادَة وَعقبَة بن نمر وَقد ذكرت إرسالهم فِي تَرْجَمته فِي حرف الْعين
٤١ - مَالك بن عبَادَة
قَالَ ابْن عبد الْبر مَالك بن عبَادَة الغافقي وغافق هُوَ ابْن الْعَاصِ بن عَمْرو بن مَازِن بن الأزد بن الْغَوْث أَبُو مُوسَى مصري وَيُقَال شَامي لَهُ صُحْبَة مَاتَ سنة ثَمَان وَخمسين
وَذكره ابْن إِسْحَاق مَعَ رسله ﷺ فِي الْوُفُود أَيْضا كَمَا تقدم
٤٢ - المُهَاجر بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي
وَاسم أبي أُميَّة حُذَيْفَة وَقيل سهل وَقيل هَاشم وَالْمَشْهُور حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر ابْن مَخْزُوم الْقرشِي
هُوَ أَخُو أم
стр. 253
سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ شقيقها كَانَ اسْمه الْوَلِيد فَلَمَّا قدم قَالَت أخي الْوَلِيد قدم مُهَاجرا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هُوَ المُهَاجر فَعرفت أم سَلمَة مَا أَرَادَ من تَحْويل اسْمه وَأَنه كره فَقَالَت هُوَ المُهَاجر يَا رَسُول الله فِي خبر فِيهِ طول وَفِيه عيب اسْم الْوَلِيد
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى الْحَارِث بن عبد كلال الْحِمْيَرِي أحد مقاولة الْيمن وَاسْتَعْملهُ على صدقَات كِنْدَة والصدف فَتوفي رَسُول الله ﷺ وَلم يسر إِلَيْهَا قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ عبد الْكَرِيم فَبَعثه أَبُو بكر إِلَى قتال أهل الرِّدَّة بِالْيمن وَله فِيهَا أثر كَبِير وافتتح حصن النُّجَيْر بِضَم النُّون وَفتح الْجِيم ثمَّ يَاء مثناة من تَحت وَرَاء حصن لَجأ إِلَيْهِ أهل الرِّدَّة فِي أَيَّام أبي بكر وَهُوَ بحضرموت وَكَانَ مَعَه زِيَاد بن لبيد الْأنْصَارِيّ فبعثا بالأشعث بن قيس أَسِيرًا فَمن عَلَيْهِ أَبُو بكر وحقن دَمه
٤٣ - نمير بن خَرشَة
قَالَ ابْن عبد الْبر نمير بن خَرشَة بن ربيعَة الثَّقَفِيّ حَلِيف لَهُم من بني الْحَارِث بن كَعْب
كَانَ أحد الَّذين قدمُوا مَعَ عبد يَا ليل بِإِسْلَام ثَقِيف
стр. 254
قَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَكتب رَسُول الله ﷺ لثقيف كتابا أَن لَهُم ذمَّة الله وَذمَّة مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ على مَا كتب لَهُم وَكتب خَالِد بن سعيد وَشهد الْحسن وَالْحُسَيْن وَدفع الْكتاب إِلَى نمير بن خَرشَة
٤٤ - نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر جده عَامر هَاجر إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَى الخَنْدَق وَهُوَ الَّذِي خذل الْمُشْركين وَبني قُرَيْظَة حَتَّى صرف الله الْمُشْركين بعد أَن أرسل الله عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم يروها وَخَبره فِي تخذيل بني قُرَيْظَة وَالْمُشْرِكين فِي السّير خبر عَجِيب وَنزلت فِيهِ ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ كني عَنهُ وَحده بِالنَّاسِ
سكن نعيم الْمَدِينَة وَمَات فِي خلَافَة عُثْمَان وَقيل قتل فِي الْجمل قبل قدوم عَليّ ﵁
وَذكر سيف بن عمر فِي كتاب الرِّدَّة أَنه كَانَ رَسُول رَسُول الله ﷺ إِلَى ابْن ذِي اللِّحْيَة وَابْن مشيمصة الجبيري
стр. 255
٤٥ - وَاثِلَة بن الْأَسْقَع
ابْن عبد الْعُزَّى بن عبد يَا ليل بن ناشب بن غيرَة بن سعد ابْن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة اللَّيْثِيّ
أسلم وَالنَّبِيّ ﷺ يتجهز إِلَى تَبُوك
وَيُقَال إِنَّه خدم النَّبِي ﷺ ثَلَاث سِنِين وَكَانَ من أهل الصّفة
نزل الْبَصْرَة ثمَّ سكن الشَّام وَشهد الْمَغَازِي بِدِمَشْق وحمص ثمَّ تحول إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَمَات بهَا وَقيل بِدِمَشْق فِي آخر خلَافَة عبد الْملك سنة خمس أَو سِتّ وَثَمَانِينَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَتِسْعين سنة وَقيل مائَة سنة
يكنى أَبَا الْأَسْقَع وَقيل أَبَا مُحَمَّد وَقَالَ ابْن معِين أَبَا قرصافة
روى عَنهُ من الشاميين مَكْحُول وَغَيره قَالَه ابْن عبد الْبر
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي الْوُفُود وَفد وَاثِلَة بن الْأَسْقَع على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يتجهز إِلَى تَبُوك فَأسلم وَبَايع وَرجع إِلَى أَهله فَأخْبرهُم فَقَالَ لَهُ أَبوهُ لَا أُكَلِّمك كلمة أبدا وَسمعت أُخْته كَلَامه فَأسْلمت وجهزته فَرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ فَوَجَدَهُ قد سَار إِلَى تَبُوك فَقَالَ من يحملني عقبه وَله سهمي فَحَمله كَعْب بن عجْرَة حَتَّى لحق برَسُول الله ﷺ وَشهد مَعَه تَبُوك
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر فغنم فجَاء بسهمه إِلَى كَعْب بن عجْرَة فَأبى أَن يقبله وَقَالَ إِنَّمَا حَملتك لله
стр. 256
٤٦ - الْوَلِيد بن بَحر الجرهمي
بَعثه إِلَى الْأَقْيَال من أهل حَضرمَوْت قَالَه القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلامَة الْقُضَاعِي فِي عُيُون المعارف وفنون أَخْبَار الخلائف وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي بَابه
٤٧ - وبرة
وَقيل وبر بن يحنس
قَالَ ابْن عبد الْبر وَيُقَال ابْن مُحصن الْخُزَاعِيّ لَهُ صُحْبَة وَهُوَ الَّذِي بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى داذويه وفيروز الديلمي وجشيش الديلمي بِالْيمن ليقتلوا الْأسود الْكذَّاب الْعَنسِي الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة
روى سيف بن عمر فِي كتاب الرِّدَّة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَاتل النَّبِي ﷺ مُسَيْلمَة وَالْأسود وطليحة بالرسل وَلم يشْغلهُ مَا كَانَ فِيهِ من الوجع عَن أَمر الله تَعَالَى فَبعث وبر بن يحنس الْأَزْدِيّ إِلَى فَيْرُوز وجشيش الديلميين وداذويه الْإِصْطَخْرِي وَكَانَت هَذِه الْحِكَايَة فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 257
٤٨ - يزِيد بن شهَاب يَعْفُور
وَله ﷺ رَسُول عَجِيب ذكرته لما فِيهِ من المعجزة الغريبة وَهُوَ يزِيد بن شهَاب يَعْفُور حِمَاره ﷺ
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَذكر أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي تَارِيخه يسْندهُ إِلَى أبي مَنْظُور قَالَ لما فتح رَسُول الله ﷺ خَيْبَر أصَاب حمارا أسود قَالَ فَكلم رَسُول الله ﷺ الْحمار فَكَلمهُ الْحمار فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (مَا اسْمك) قَالَ اسْمِي يزِيد بن شهَاب قَالَ السُّهيْلي زِيَاد أخرج الله من نسل جدي سِتِّينَ حمارا كلهم لم يركبهم إِلَّا نَبِي قد كنت أتوقعك لتركبني لم يبْق من نسل جدي غَيْرِي وَلَا من الْأَنْبِيَاء غَيْرك قد كنت قبلك لرجل يَهُودِيّ وَكنت أتعثر بِهِ عمدا وَكَانَ يجيع بَطْني وَيضْرب ظَهْري فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (فَأَنت يَعْفُور يَا يَعْفُور تشْتَهي الْإِنَاث) قَالَ لَا
فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يركبه فِي حَاجته فَإِذا نزل عَنهُ بعث بِهِ إِلَى بَاب الرجل فَيَأْتِي الْبَاب فيقرعه بِرَأْسِهِ فَإِذا خرج إِلَيْهِ صَاحب الدَّار أَوْمَأ إِلَيْهِ فَيعلم أَن رَسُول الله ﷺ أرْسلهُ إِلَيْهِ فَيَأْتِي النَّبِي ﷺ
فَلَمَّا قبض رَسُول الله ﷺ جَاءَ إِلَى بِئْر كَانَت لأبي الْهَيْثَم بن التيهَان فتردى فِيهَا جزعا على رَسُول الله ﷺ فَصَارَت قَبره
وَقَالَ هَذَا // حَدِيث غَرِيب // وَفِي إِسْنَاده غير وَاحِد من المجهولين
وَذكر السُّهيْلي أَن ابْن فورك ذكر فِي كتاب الْفُصُول أَنه كَانَ من غَنَائِم خَيْبَر وَأَنه طرح نَفسه فِي بِئْر يَوْم مَاتَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 258
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا // حَدِيث مَوْضُوع //
وَقَالَ قَالَ ابْن حبَان لَا أصل لَهُ وَإِسْنَاده لَيْسَ بِشَيْء وَذكر من وَضعه
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ نفق يَعْفُور منصرف رَسُول الله ﷺ من حجَّة الْوَدَاع
وَقَالَ ابْن عَبدُوس يَعْفُور كَانَ أَخْضَر مَأْخُوذ من العفرة وَهُوَ لون التُّرَاب وَقيل سمي بِهِ تَشْبِيها فِي عدوه باليعفور وَهُوَ الظبي وَقيل الخشف وَقيل ولد الْبَقَرَة الوحشية
والعفر من الظباء الَّتِي تعلو بياضها حمرَة
يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَهَذَا علم من أَعْلَام نبوته ﷺ فليتني كنت شَعْرَة فِي جلد هَذَا الْحمار الْمُبَارك الَّذِي كَانَ فِي كل وَقت يلامس جلده جلد سيد الْبشر وَيسمع لَهُ ويطيعه ويخاطبه وَيفهم عَنهُ وناهيك بِهِ معْجزَة من بعض معجزاته ﷺ
سُؤال
مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله ﷺ يَا يَعْفُور تشْتَهي الْإِنَاث قَالَ لَا وترديه فِي الْبِئْر يَوْم قبض ﷺ وَكَانَ لَهُ ﷺ دَوَاب غَيره لم يفعل ذَلِك وَاحِد مِنْهُم بل الدلْدل وَهِي بغلته الْبَيْضَاء بقيت إِلَى خلَافَة مُعَاوِيَة وركبها عَليّ ﵁ فِي صفّين
стр. 259
فَالْجَوَاب عَن ذَلِك
وَالْحكمَة فِيهِ وَالله أعلم أَن يَعْفُور قَالَ أخرج الله من نسل جدي سِتِّينَ حمارا لم يركبهم إِلَّا نَبِي ثمَّ قَالَ وَلم يبْق من نسل جدي غَيْرِي وَلَا من الْأَنْبِيَاء غَيْرك وتردى فِي الْبِئْر وَلم يشته الْإِنَاث حَتَّى لَا يبْقى لَهُ نسل فَإِنَّهُ آخِرهم كَمَا أَن النَّبِي ﷺ آخر الْأَنْبِيَاء كَمَا قَالَ لِئَلَّا يركبه أحد بعده إِذْ هُوَ مركوب الْأَنْبِيَاء وَأَيْضًا جزعا عَلَيْهِ وتحزنا ويحق لَهُ أَن يجزع ويحزن عَلَيْهِ ﷺ
وَهَذَا مَا بلغ إِلَيْهِ علمي من رسله ﷺ
ولنختم بوفود السبَاع إِلَيْهِ ﷺ وإرسالهم إِلَيْهِ ورده عَلَيْهِم
فصل
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شرح السِّيرَة إِن السبَاع وفدت عَلَيْهِ ﷺ تسأله أَن يفْرض لَهَا مَا تَأْكُله
قَالَ ابْن سعد عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب قَالَ بَينا رَسُول الله ﷺ جَالس بِالْمَدِينَةِ فِي أَصْحَابه أقبل ذِئْب فَوقف بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فعوى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا وَافد السبَاع إِلَيْكُم فَإِن أَحْبَبْتُم أَن تفرضوا لَهُ شَيْئا لَا يعدوه
стр. 260
إِلَى غَيره وَإِن أَحْبَبْتُم تَرَكْتُمُوهُ وتحرزتم مِنْهُ فَمَا أَخذ فَهُوَ رزقه فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا تطيب أَنْفُسنَا لَهُ بِشَيْء فَأَوْمأ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بأصابعه أَي خالسهم فولى وَله عسلان
قَالَ الْجَوْهَرِي العسلان الخبب يُقَال عسل الذِّئْب عسلانا إِذا أعنق وأسرع قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي
(عسلان الذِّئْب أَمْسَى قاربا ... برد اللَّيْل عَلَيْهِ فنسل)
وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَ ذِئْب إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ جعل يبصبص بِذَنبِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا وَافد الذئاب جَاءَ يسألكم أَن تجْعَلُوا لَهُ شَيْئا من أَمْوَالكُم فَقَالُوا
стр. 261
(إِذا الْمَرْء لم يتْرك طَعَاما يُحِبهُ ... وَلم ينْه قلبا غاويا حَيْثُ يمما)
(قضى وطرا مِنْهُ وغادر سبة ... إِذا كرت أَمْثَالهَا تملا الفما)
قَالَ السُّهيْلي وَزَاد فِي هَذَا الْخَبَر قَالَ وَإِن عمَارَة بن الْوَلِيد هُوَ الَّذِي قَالَت قُرَيْش لأبي طَالب هَذَا عمَارَة أنهد فَتى فِي قُرَيْش وأجمله فَخذه مَكَان ابْن أَخِيك مُحَمَّد ﷺ وبدلا مِنْهُ وادفعه إِلَيْنَا حَتَّى نَقْتُلهُ فَإِنَّهُ سفه آلِهَتنَا وَبدل ديننَا فَقَالَ لَهُم أَبُو طَالب أَرَأَيْتُم نَاقَة تحن إِلَى غير فصيلها وترأمه قَالَ الْجَوْهَرِي رئمت النَّاقة وَلَدهَا إِذا أحبته والرؤوم من الشَّاء الَّتِي تلحس ثِيَاب من مر بهَا وكل من أحب شَيْئا وألفه فقد رئمه لَا أُعْطِيكُم ابْني تَقْتُلُونَهُ أبدا وآخذ ابنكم أكفله وأغذوه قلت وَعمارَة هُوَ أَخُو خَالِد بن الْوَلِيد ﵁
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَقد كَانَ عمَارَة اخبر عمرا أَن زَوْجَة النَّجَاشِيّ علقته وأدخلته بَيتهَا فَلَمَّا أيس عَمْرو من أَمر الْمُهَاجِرين عِنْد النَّجَاشِيّ نكل بعمارة عِنْده وَأخْبرهُ خَبره وَخبر زوجه فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيّ ائْتِنِي
стр. 262
الْمِصْبَاح المضيء ٢
стр. 263
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
بَاب فِي مكاتباته ﷺ ومراسلاته إِلَى مُلُوك الأَرْض من الْعَرَب والعجم وَغَيرهم دَاعيا لَهُم إِلَى الْإِسْلَام وأجوبتهم لَهُ وَمن أسلم مِنْهُم أَو أقرّ بالرسالة وَلم يسلم وَمن أسلم ثمَّ ارْتَدَّ وَمن أقرّ بنبوته قبل مولده وآمن بِهِ وَلم يُدْرِكهُ أَو بشر بِهِ وَمَا يتَعَلَّق بذلك من نادرة تقع أَو غَرِيب لُغَة وَغير ذَلِك من الْفَوَائِد
ولنبدأ بِأول كتاب كتبه ﷺ حِين هَاجر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَالْكَلَام عَلَيْهِ ثمَّ نذْكر الْمُلُوك على مَرَاتِبهمْ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
فِي كِتَابه ﷺ بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وموادعة الْيَهُود حِين
стр. 264
هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَأول خطْبَة خطبهَا وَهُوَ أول كتاب كتبه لما قدم الْمَدِينَة فِيمَا علمت
قَالَ ابْن إِسْحَاق أَقَامَ رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ إِذْ قدمهَا شهر ربيع الأول إِلَى صفر من السّنة الدَّاخِلَة حَتَّى بنى لَهُ فِيهَا مَسْجده ومساكنه فَاسْتَجْمَعَ لَهُ إِسْلَام هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار فَلم يبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا أسلم أَهلهَا إِلَّا قَلِيل من الْأَوْس وَكَانَت أول خطْبَة خطبهَا رَسُول الله ﷺ أَنه قَامَ فيهم فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ أما بعد أَيهَا النَّاس فقدموا لأنفسكم تعلمن وَالله ليصعقن أحدكُم ثمَّ لَيَدَعَن غنمه لَيْسَ لَهَا رَاع ثمَّ ليَقُولن لَهُ ربه لَيْسَ لَهُ ترجمان وَلَا حَاجِب يَحْجُبهُ دونه ألم يأتك رَسُولي فبلغك وآتيتك مَالا وأفضلت عَلَيْك فَمَا قدمت لنَفسك فلينظرن يَمِينا وَشمَالًا فَلَا يرى شَيْئا ثمَّ لينظرن قدامه فَلَا يرى شَيْئا غير جَهَنَّم فَمن اسْتَطَاعَ أَن يقي وَجهه من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَلْيفْعَل وَمن لم يجد فبكلمة طيبَة فَإِن بهَا تجزى
стр. 265
الْحَسَنَة عشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف وَالسَّلَام على رَسُول الله
ذكر الْكتاب
قَالَ وَكتب رَسُول الله ﷺ كتابا بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وادع فِيهِ يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وَأَمْوَالهمْ وَاشْترط عَلَيْهِم وَشرط لَهُم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَذَا كتاب من مُحَمَّد النَّبِي ﷺ بَين الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين من قُرَيْش ويثرب وَمن تَبِعَهُمْ فلحق بهم وجاهد مَعَهم أَنهم أمة وَاحِدَة من دون النَّاس الْمُهَاجِرُونَ من قُرَيْش على ربعتهم يتعاقلون بَينهم وهم يفدون عانيهم بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو عَوْف عل
стр. 266
ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو سَاعِدَة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو سَاعِدَة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة تفدى عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة مِنْهُم تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة مِنْهُم تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو عَمْرو بن عَوْف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَبَنُو الْأَوْس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طَائِفَة تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ والقسط بَين الْمُؤمنِينَ وَأَن الْمُؤمنِينَ لَا يتركون مفرحا بَينهم أَن يعطوه بِالْمَعْرُوفِ فِي فدَاء أَو عقل وَلَا يحالف مُؤمن مولى مُؤمن دونه وَأَن الْمُؤمنِينَ الْمُتَّقِينَ على من بغي مِنْهُم أَو ابْتغى دسيعة ظلم أَو إِثْم أَو عدوان أَو فَسَاد بَين الْمُؤمنِينَ وَأَن أَيْديهم عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَو كَانَ ولد أحدهم وَلَا يقتل مُؤمن مُؤمنا فِي كَافِر وَلَا ينصر كَافِر
стр. 267
على مُؤمن وَأَن ذمَّة الله وَاحِدَة يجير عَلَيْهِم أَدْنَاهُم وَأَن الْمُؤمنِينَ بَعضهم موَالِي بعض دون النَّاس وَأَنه من تبعنا من يهود فَإِن لَهُ النَّصْر والأسوة غير مظلومين وَلَا متناصر عَلَيْهِم وَأَن سلم الْمُؤمنِينَ وَاحِدَة لَا يسالم مُؤمن من دون مُؤمن فِي قتال فِي سَبِيل الله إِلَّا عَن سَوَاء وَعدل بَينهم وَأَن كل غَازِيَة غزت مَعنا يعقب بَعْضهَا بَعْضًا وَأَن الْمُؤمنِينَ يبئ بَعضهم عَن بعض بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيل الله وَأَن الْمُؤمنِينَ الْمُتَّقِينَ على أحسن هدى وأقومه وَأَنه لَا يجير مُشْرك مَالا لقريش وَلَا نفسا وَلَا يحول دونه على مُؤمن وَأَنه من اعتبط مُؤمنا قتلا عَن بَيِّنَة فَإِنَّهُ قَود بِهِ إِلَّا أَن يرضى ولي الْمَقْتُول وَأَن الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ كَافَّة وَلَا يحل لَهُم إِلَّا قيام عَلَيْهِ وَأَنه لَا يحل لمُؤْمِن أقرّ بِمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة وآمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن ينصر مُحدثا وَلَا يؤويه وَأَنه من نَصره أَو آواه فَإِن عَلَيْهِ لعنة الله وغضبه يَوْم الْقيمَة وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ صرف وَلَا عدل وأنكم مهما اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَإِن مرده إِلَى الله وَإِلَى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 268
وَأَن الْيَهُود يُنْفقُونَ مَعَ الْمُؤمنِينَ مَا داموا محاربين وَأَن يهود بني عَوْف أمة مَعَ الْمُؤمنِينَ للْيَهُود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إِلَّا من ظلم وأثم فَإِنَّهُ لَا يوتغ إِلَّا نَفسه وَأهل بَيته وَأَن ليهود بني النجار مثل مَا ليهود بني عَوْف وَأَن ليهود بني الْحَارِث مثل مَا ليهود بني عَوْف وَأَن ليهود بني سَاعِدَة مثل مَا ليهود بني عَوْف وَأَن ليهود بني جشم مثل مَا ليهود بني عَوْف وَأَن ليهود بني الْأَوْس مثل مَا ليهود بني عَوْف وَأَن ليهود بني ثَعْلَبَة مثل مَا ليهود بني عَوْف إِلَّا من ظلم وأثم فَإِنَّهُ لَا يوتغ إِلَّا نَفسه وَأهل بَيته وَأَن جَفْنَة بطن من ثَعْلَبَة كأنفسهم وَأَن لبني الشطبة مثل مَا ليهود بني عَوْف وَأَن الْبر دون الْإِثْم وَأَن موَالِي ثَعْلَبَة كأنفسهم وَأَن بطانة يهود كأنفسهم وَأَنه لَا يخرج مِنْهُم أحد إِلَّا بِإِذن مُحَمَّد ﷺ وَأَنه لَا ينحجز على ثأر جرح وَأَنه من فتك فبنفسه إِلَّا من ظلم وَأَن الله على أبر هَذَا وَأَن على الْيَهُود نَفَقَتهم وعَلى الْمُسلمين نَفَقَتهم وَأَن بَينهم النَّصْر على من حَارب أهل هَذِه الصَّحِيفَة وَأَن بَينهم النصح والنصيحة وَالْبر دون الْإِثْم وَأَنه لم يَأْثَم امْرُؤ بحليفه وَأَن النَّصْر للمظلوم وَأَن الْيَهُود
стр. 269
يُنْفقُونَ مَعَ الْمُؤمنِينَ مَا داموا محاربين وَأَن يثرب حرَام جوفها لأهل هَذِه الصَّحِيفَة وَأَن الْجَار كالنفس غير مضار وَلَا آثم وَأَنه لَا تجار حرمه إِلَّا بِإِذن أَهلهَا وَأَنه مَا كَانَ بَين أهل هَذِه الصَّحِيفَة من حدث أَو اشتجار يخَاف فَسَاده فَإِن مرده إِلَى الله وَإِلَى مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وَأَن الله على أتقى مَا فِي هَذَا الصَّحِيفَة وأبره وَأَنه لَا تجار قُرَيْش وَلَا من نصرها وَأَن بَينهم النَّصْر على من دهم يثرب وَإِذا دعوا إِلَى صلح يصالحونه ويلبسونه فَإِنَّهُم يصالحونه ويلبسونه وَأَنَّهُمْ إِذا دعوا إِلَى مثل ذَلِك فَإِنَّهُ لَهُم على الْمُؤمنِينَ إِلَّا من حَارب فِي الدّين على كل أنَاس حصتهم من جانبهم الَّذِي قبلهم وَأَن يهود الْأَوْس مواليهم وأنفسهم على مثل مَا لأهل هَذِه الصَّحِيفَة من الْبر الْمَحْض من أهل هَذِه الصَّحِيفَة قَالَ ابْن هِشَام وَيُقَال مَعَ الْبر المحسن من أهل هَذِه الصَّحِيفَة قَالَ ابْن إِسْحَاق وَأَن الْبر دون الْإِثْم لَا يكْسب كاسب إِلَّا على نَفسه وَأَن الله على أصدق مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة وأبره وَأَنه لَا يحول هَذَا الْكتاب دون ظَالِم أَو آثم وَأَنه
стр. 270
من خرج آمن وَمن قعد آمن بِالْمَدِينَةِ إِلَّا من ظلم أَو أَثم وَأَن الله جَار لمن بر وَاتَّقَى وَمُحَمّد رَسُول الله ﷺ
تَفْسِير غَرِيب مَا فِي هَذَا الْكتاب
قَالَ السُّهيْلي قَوْله على ربعتهم الربعة والرباعة الْحَال الَّتِي جَاءَ الْإِسْلَام وهم عَلَيْهَا يُقَال فلَان على رباعة قومه إِذا كَانَ قيمهم ووافدهم قَالَ وَكسر الرَّاء فِيهِ هُوَ الْقيَاس على هَذَا الْمَعْنى لِأَنَّهَا ولَايَة وَإِن جعلت الرباعة مصدرا فَالْقِيَاس فتح الرَّاء على شَأْنهمْ وعادتهم من أَحْكَام الدِّيات والدماء يتعاقلون معاقلهم الأولى جمع معقلة ومعقلة من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة
وَقَوله مفرح قَالَ ابْن هِشَام المفرح المخذول المثقل من الدّين والعيال قَالَ الشَّاعِر
стр. 271
(إِذا أَنْت لم تَبْرَح تُؤدِّي أَمَانَة ... وَتحمل أُخْرَى أفرحتك الودائع)
وَقَالَ السُّهيْلي يجوز أَن يكون من أَفعَال السَّلب أَي سلبتك الْفَرح كَمَا قيل أقسط الرجل إِذا عدل أَي أَزَال الْقسْط وَهُوَ الأعوجاج وَيجوز أَن تكون الْفَاء مبدلة من بَاء فَيكون من البرح وَهُوَ الشدَّة يُقَال لقِيت من فلَان برحا أَي شدَّة وَذكر رِوَايَة أُخْرَى مفرج بِالْجِيم وَذكر فِي مَعْنَاهُ أقوالا مِنْهَا أَنه الَّذِي لَا ديوَان لَهُ وَمِنْهَا أَنه الْقَتِيل بَين القريتين لَا يدْرِي من قَتله وَمِنْهَا أَنه فِي معنى المفرح بِالْحَاء وَهُوَ الَّذِي لَا شَيْء لَهُ وَقد أثقله الدّين فَيقْضى عَنهُ من بَيت المَال
وَقَوله العاني وَهُوَ الْأَسير والمخذول الَّذِي تَركه قومه وَلم يؤاسوه
وَقَوله الدسيعة وَهِي الْعَطِيَّة وَهُوَ مَا يخرج من حلق الْبَعِير إِذا رغا فاستعاره هُنَا للعطية وَأَرَادَ بِهِ هَهُنَا مَا ينَال مِنْهُم من ظلم
وَقَوله يبئ بَعضهم على بعض يمْنَع ويكف قَالَه أَبُو ذَر قَالَ السُّهيْلي هُوَ من البواء أَي الْمُسَاوَاة وَمِنْه قَول مهلهل حِين قتل
стр. 272
ابْنا لِلْحَارِثِ بن عباد بؤبشسع نعل كُلَيْب
قَوْله وَمن اعتبط مُؤمنا اعتبطه إِذا قَتله عَن غير شَيْء يُوجب قَتله قَالَه أَبُو ذَر
قَوْله فَإِنَّهُ لَا يوتغ إِلَّا نَفسه أَي لَا يوبق وَلَا يهْلك يُقَال وتغ الرجل وأوتغه غَيره أهلكه قَالَه السُّهيْلي
قَوْله وَأَن بطانة يهود بطانة الرجل خاصته وَأهل سره قَالَه أَبُو ذَر
وَقَالَ الفتك الْقَتْل والاشتجار الِاخْتِلَاف يُقَال اشتجر الْقَوْم إِذا اخْتلفُوا
وَقَوله من دهم يُرِيد من فاجأهم يُقَال دهمتهم الْخَيل تدهمهم
قَالَ السُّهيْلي وَقَوله أَن الْبر دون الْإِثْم أَي أَن الْبر وَالْوَفَاء يَنْبَغِي أَن يكون حاجزا عَن الْإِثْم
وَقَوله أَن الله على أتقى مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة وأبره أَي أَن الله
стр. 273
وَحزبه الْمُؤمنِينَ على الرضى بِهِ
ثمَّ قَالَ يَعْنِي السُّهيْلي هَذَا كتاب رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَينه وَبَين الْيَهُود حِين قدم الْمَدِينَة شَرط لَهُم فِيهِ وَشرط عَلَيْهِم وأمنهم فِيهِ على أنفسهم وأهليهم وَأَمْوَالهمْ وَكَانَت أَرض يثرب لَهُم قبل نزُول الْأَنْصَار فَلَمَّا كَانَ سيل العرم وَتَفَرَّقَتْ سبا نزلت الْأَوْس والخزرج بِأَمْر طريفة الكاهنة وَأمر عمرَان بن عَامر فَإِنَّهُ كَانَ كَاهِنًا وَبِمَا سجعت بِهِ لكل قَبيلَة من سبا فسجعت لبني حَارِثَة بن ثَعْلَبَة وهم الْأَوْس والخزرج أَن ينزلُوا يثرب ذَات النّخل فنزلوها على يهود وحالفوهم وَأَقَامُوا مَعَهم وَكَانَت الدَّار وَاحِدَة وَالسَّبَب فِي كَون الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ وَهِي وسط أَرض الْعَرَب مَعَ أَن الْيَهُود أصلهم من أَرض كنعان أَن بني إِسْرَائِيل كَانَت تغير عَلَيْهِم العماليق من أَرض الْحجاز وَكَانَت مَنَازِلهمْ يثرب والجحفة إِلَى مَكَّة فشكت بَنو إِسْرَائِيل ذَلِك إِلَى مُوسَى ﵇ فَوجه إِلَيْهِم جَيْشًا وَأمرهمْ أَن يقتلوهم وَلَا يبقوا مِنْهُم أحدا فَفَعَلُوا وَتركُوا مِنْهُم ابْن ملك لَهُم كَانَ غُلَاما حسنا فرقوا لَهُ وَيُقَال للْملك الأرقم بن الأرقم فِيمَا ذكر الزبير
стр. 274
ثمَّ رجعُوا إِلَى الشَّام ومُوسَى ﵇ قد مَاتَ فَقَالَت بَنو إِسْرَائِيل لَهُم قد عصيتم وخالفتم فَلَا نؤويكم فَقَالُوا نرْجِع إِلَى الْبِلَاد الَّتِي غلبنا عَلَيْهَا فنكون بهَا فَرَجَعُوا إِلَى يثرب فاستوطنوها وتناسلوا بهَا إِلَى أَن نزلت عَلَيْهِم الْأَوْس والخزرج بعد سيل العرم
وَقيل إِن طَائِفَة من بني إِسْرَائِيل لحقت بِأَرْض الْحجاز حِين دوخ بخت نصر البابلي بِلَادهمْ وجاس خلال دِيَارهمْ لحق من لحق مِنْهُم بالحجاز كقريظة وَالنضير وَسَكنُوا خَيْبَر وَالْمَدينَة وَالله أعلم
وَأما يثرب فاسم رجل من العماليق نزل بهَا فَعرفت باسمه وَهُوَ يثرب بن قاين بن عبيل وَبَنُو عبيل هم الَّذين سكنوا الْجحْفَة فأحجفت بهم السُّيُول وَبِذَلِك سميت الْجحْفَة فَلَمَّا احتلها رَسُول الله ﷺ كره لَهَا هَذَا الِاسْم لما فِيهِ من لفظ التثريب وسماها طيبَة وطابة وَالْمَدينَة
стр. 275
وروى عَن كَعْب وَغَيره أَن لَهَا فِي التَّوْرَاة أحد عشر اسْما ذكرهَا السُّهيْلي قَالَ وروى فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَقل رب أدخلني مدْخل صدق﴾ أَنَّهَا الْمَدِينَة ﴿وأخرجني مخرج صدق﴾ أَنَّهَا أَنَّهَا مَكَّة و ﴿سُلْطَانا نَصِيرًا﴾ الْأَنْصَار ﵃
قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام إِنَّمَا كتب رَسُول الله ﷺ هَذَا الْكتاب قبل أَن تفرض الْجِزْيَة وَإِذا كَانَ الْإِسْلَام ضَعِيفا وَكَانَ للْيَهُود إِذْ ذَاك نصيب من الْمغنم إِذا قَاتلُوا مَعَ الْمُسلمين كَمَا شَرط عَلَيْهِم فِي هَذَا الْكتاب النَّفَقَة مَعَهم فِي الحروب
قَالَ السُّهيْلي ثمَّ آخى رَسُول الله ﷺ بَين أَصْحَابه حِين نزلُوا الْمَدِينَة ليذْهب عَنْهُم وَحْشَة الغربة ويؤنسهم من مُفَارقَة الْأَهْل وَالْعشيرَة ويشد أزر بَعضهم بِبَعْض فَلَمَّا عز الْإِسْلَام وَاجْتمعَ الشمل وَذَهَبت الوحشة أنزل الله سُبْحَانَهُ وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتب الله يَعْنِي الْمِيرَاث ثمَّ جعل الْمُؤمنِينَ كلهم إخْوَة فَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ يَعْنِي فِي التواد وشمول الدعْوَة
стр. 276
بَاب فِي ذكر النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة وَخبر إِسْلَامه ومكاتباته لَهُ ﷺ وَمَا يتَعَلَّق بذلك
روينَا عَن أنس ﵁ أَن نَبِي الله ﷺ كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَإِلَى النَّجَاشِيّ وَإِلَى كل جَبَّار يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى فَدلَّ على أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين عينهم أكبر مُلُوك الأَرْض وَبَقِيَّة الْمُلُوك تبع لَهُم فِي زَمَانه ﷺ وَلذَلِك كَانُوا يدعونَ كسْرَى شاهان شاه يَعْنِي ملك الْمُلُوك وَقد كره رَسُول الله ﷺ أَن يتسمى الرجل بِهَذَا الِاسْم وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
стр. 277
فَبَدَأت بالنجاشي ﵀ لسرعة إجَابَته لدَعْوَة رَسُول الله ﷺ وإسلامه وتواضعه وَعدم توقفه عِنْد سَماع التَّنْزِيل واتباعه الْحق وَلم يَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم ولكونه ﷺ صلى عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَظُهُور المعجزة فِي ذَلِك وتتبعت جَمِيع مَا رُوِيَ فِي ذَلِك حسب الِاسْتِطَاعَة فَأَقُول قَالَ ابْن دحْيَة فِي فضل الْأَيَّام والشهور النَّجَاشِيّ بِفَتْح النُّون وَكسرهَا واسْمه أَصْحَمَة قَالَ ابْن زبر فِي وفياته وروى مصحمة بِالْمِيم بدل الْهمزَة بن أبجر وَمن كتاب نَوَادِر التَّفْسِير لمقاتل بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي قَالَ اسْم النَّجَاشِيّ مَكْحُول بن صصه وكل من ملك الْحَبَشَة يُقَال لَهُ النَّجَاشِيّ وَهُوَ من النجش وَهُوَ كشفك عَن الشَّيْء وبحثك عَنهُ قَالَ الرشاطي الْحَبَشَة من ولد حبش بن كوش ابْن حام وَهُوَ أكبر مُلُوك السودَان وَجَمِيع ممالك السودَان يُعْطون الطَّاعَة للحبشة
أسلم النَّجَاشِيّ وَحسن إِسْلَامه روينَا عَن عبد الْملك بن هِشَام
стр. 278
عَن زِيَاد البكائي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَن رَسُول الله ﷺ لما رأى مَا يُصِيب أَصْحَابه من الْبلَاء من أهل مَكَّة وتعذيبهم عِنْد مَا أظهرُوا الْإِسْلَام قَالَ لَهُم لَو خَرجْتُمْ إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَإِن بهَا ملكا عَظِيما لَا يظلم عِنْده أحد وَهِي أَرض صدق حَتَّى يَجْعَل الله لكم فرجا مِمَّا أَنْتُم فِيهِ فَخرج قوم وَستر الْبَاقُونَ إسْلَامهمْ وَكَانَت أَرض الْحَبَشَة متجرا لقريش فَخرج عِنْد ذَلِك أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَخَافَة الْفِتْنَة وفرارا إِلَى الله بدينهم فَكَانَت أول هِجْرَة فِي الْإِسْلَام وَكَانُوا أحد عشر نَفرا وَأَرْبع نسْوَة متسللين سرا فصادف وصولهم إِلَى الْبَحْر سفينتين للتجار فحملوهم فيهمَا إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَكَانَ مخرجهم فِي رَجَب من السّنة الْخَامِسَة من النُّبُوَّة وَخرجت قُرَيْش فِي آثَارهم فقاتلوهم
وَكَانَ أول من خرج عُثْمَان بن عَفَّان مَعَه امْرَأَته رقية بنت رَسُول الله ﷺ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وجعفر بن أبي طَالب وَأَبُو سَلمَة وَامْرَأَته أم سَلمَة وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة وَعبد الله بن مَسْعُود فِيمَن خرج مَعَهم ﵃ فأقاموا عِنْد النَّجَاشِيّ شعْبَان ورمضان وَقدمُوا فِي شَوَّال وَلم يدْخل أحدهم مَكَّة فآذوهم عَشَائِرهمْ فَأذن لَهُم رَسُول الله ﷺ فِي الْخُرُوج مرّة أُخْرَى فَخَرجُوا فِي جمَاعَة من رجال وَنسَاء وَكَانَ جَمِيع من لحق بِأَرْض
стр. 279
الْحَبَشَة سوى من ولد بهَا وَأَبْنَائِهِمْ الَّذين خَرجُوا بهم صغَارًا نيفا وَثَمَانِينَ رجلا وَإِحْدَى عشرَة امْرَأَة وَلما سمعُوا بمهاجرة النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة رَجَعَ مِنْهُم ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ رجلا وثمان نسْوَة فَمَاتَ مِنْهُم رجل بِمَكَّة وَحبس سَبْعَة وَشهد بَدْرًا مِنْهُم أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ
وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت لما نزلنَا أَرض الْحَبَشَة جاورنا بهَا خير جَار النَّجَاشِيّ أمنا أمنا على ديننَا وعبدنا الله لَا نؤذى وَلَا نسْمع شَيْئا نكرهه فَلَمَّا بلغ ذَلِك قُريْشًا ائْتَمرُوا بَينهم أَن يبعثوا إِلَى النَّجَاشِيّ فِينَا رجلَيْنِ جلدين وَأَن يهدوا لَهُ هَدَايَا مِمَّا يستطرف من مَتَاع مَكَّة وَكَانَ من أعجب مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأدم فَجمعُوا لَهُ أدما كثيرا وَلم يتْركُوا من بطارقته بطريقا إِلَّا أهدوا لَهُ هَدِيَّة ثمَّ بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ وأمروهما بأمرهم وَقَالُوا لَهما ادفعا إِلَى كل بطرِيق هديته قبل أَن تكلما النَّجَاشِيّ فيهم ثمَّ قدما إِلَى النَّجَاشِيّ هداياه ثمَّ سلاه أَن يسلمهم إلَيْكُمَا قبل أَن يكلمهم
قَالَت أم سَلمَة فَخَرَجَا حَتَّى قدما على النَّجَاشِيّ وَنحن عِنْدهم بِخَير دَار عِنْد خير جَار فَلم يبْق من بطارقته بطرِيق إِلَّا دفعا إِلَيْهِ هديته
стр. 280
قبل أَن يكلما النَّجَاشِيّ وَقَالا لكل بطرِيق مِنْهُم إِنَّه قد ضوى إِلَى بِلَاد الْملك يَعْنِي أَوَى وانضم إِلَيْهِ قَالَه الْجَوْهَرِي منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ وَلم يدخلُوا فِي دينكُمْ وَجَاءُوا بدين مُبْتَدع لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْتُم وَقد بعثنَا إِلَى الْملك فيهم أَشْرَاف قَومهمْ ليردهم إِلَيْهِم فَإِذا كلمنا الْملك فيهم فأشيروا عَلَيْهِ بِأَن يسلمهم إِلَيْنَا وَلَا يكلمهم فَإِن قَومهمْ أَعلَى بهم عينا وَأعلم بِمَا كَانُوا عابوا عَلَيْهِم فَقَالُوا لَهما نعم
ثمَّ إنَّهُمَا قربا هداياهما إِلَى النَّجَاشِيّ قبلهَا مِنْهُمَا ثمَّ كلماه فَقَالَا لَهُ أَيهَا الْملك إِنَّه قد ضوى إِلَى بلدك منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ وَلم يدخلُوا فِي دينك وَجَاءُوا بدين ابتدعوه لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْت وَقد بعثنَا إِلَيْك فيهم أَشْرَاف قَومهمْ من آبَائِهِم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عَلَيْهِم فهم أَعلَى بهم عينا وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم وعاتبوهم فِيهِ قَالَت وَلم يكن شَيْء أبْغض إِلَى عبد الله بن أبي ربيعَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ من أَن يسمع كَلَامهم النَّجَاشِيّ قَالَت فَقَالَت بطارقته حوله صدقا أَيهَا الْملك قَومهمْ أَعلَى بهم عينا وَأعلم بِمَا
стр. 281
عابوا عَلَيْهِم فأسلمهم إِلَيْهِمَا فليرداهم إِلَى بِلَادهمْ وقومهم قَالَت فَغَضب النَّجَاشِيّ ثمَّ قَالَ لَا هَا الله إِذا لَا أسلمهم إِلَيْهِمَا وَلَا يكَاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حَتَّى أدعوهم فأسألهم عَمَّا يَقُول هَذَانِ فِي أَمرهم فَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أسلمتهم إِلَيْهِمَا ورددتهم إِلَى قَومهمْ وَإِن كَانُوا على غير ذَلِك منعتهم مِنْهُم وأحسنت جوارهم مَا جاوروني
قَالَت ثمَّ أرسل إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُم رَسُوله اجْتَمعُوا ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض مَا تَقولُونَ للرجل إِذا جئتموه قَالُوا نقُول وَالله مَا علمنَا وَمَا أمرنَا بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن
فَلَمَّا جَاءُوا وَقد دَعَا النَّجَاشِيّ أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُم مَا هَذَا الَّذين الَّذِي فارقتم فِيهِ قومكم وَلم تدْخلُوا فِي ديني وَلَا فِي دين أحد من هَذِه الْملَل قَالَت فَكَانَ الَّذِي كَلمه جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْملك كُنَّا قوما أهل جَاهِلِيَّة نعْبد الْأَصْنَام وَنَأْكُل الْميتَة ونأتي الْفَوَاحِش ونقطع الْأَرْحَام ونسيء الْجوَار وَيَأْكُل الْقوي الضَّعِيف فَكُنَّا على ذَلِك حَتَّى
стр. 282
بعث الله سُبْحَانَهُ إِلَيْنَا رَسُولا منا نَعْرِف نسبه وَصدقه وأمانته وعفافه فَدَعَانَا إِلَى الله لنوحده ونعبده ونخلع مَا كُنَّا نعْبد نَحن وآباؤنا من دونه من الْحِجَارَة والأوثان وأمرنا بِصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وصلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار والكف عَن الْمَحَارِم والدماء ونهانا عَن الْفَوَاحِش وَقَول الزُّور وَأكل مَال الْيَتِيم وَقذف الْمُحْصنَات وأمرنا أَن نعْبد الله لَا نشْرك بِهِ شَيْئا وأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام قَالَت فعدد عَلَيْهِ أُمُور الْإِسْلَام فصدقنا وآمنا بِهِ واتبعناه على مَا جَاءَ بِهِ من الله فعبدنا الله وَحده وَلم نشْرك بِهِ شَيْئا وحرمنا مَا حرم علينا وأحللنا مَا أحل لنا فَعدا علينا قَومنَا فعذبونا وفتنونا عَن ديننَا ليردونا إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان من عبَادَة الله وَأَن نستحل مَا كُنَّا نستحل من الْخَبَائِث فَلَمَّا قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بَيْننَا وَبَين ديننَا خرجنَا إِلَى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا فِي جوارك ورجونا أَن لَا نظلم عنْدك أَيهَا الْملك قَالَت فَقَالَ النَّجَاشِيّ هَل مَعَك مِمَّا جَاءَ بِهِ عَن الله من شَيْء قَالَت فَقَالَ لَهُ جَعْفَر نعم فَقَالَ النَّجَاشِيّ فاقرأه عَليّ قَالَت فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدرا من ﴿كهيعص﴾ قَالَت فَبكى وَالله النَّجَاشِيّ حَتَّى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حَتَّى أخضلوا مصاحفهم
стр. 283
حِين سمعُوا مَا تَلا عَلَيْهِم قَالَ الْجَوْهَرِي اخضل مَعْنَاهُ بل ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيّ إِن هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ليخرج من مشكاة وَاحِدَة قَالَ الواحدي الْمشكاة كوَّة غير نَافِذَة انْطَلقَا فوَاللَّه لَا أسلمهم إلَيْكُمَا وَلَا نكاد
قَالَت فَلَمَّا خرجا من عِنْده قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَالله لَآتِيَنه غَدا عَنْهُم بِمَا أستأصل بِهِ خضراءهم قَالَ الْجَوْهَرِي خضراءهم يَعْنِي سوادهم ومعظمهم وَأنْكرهُ الْأَصْمَعِي وَقَالَ إِنَّمَا يُقَال غضراءهم أَي خَيرهمْ وغضارتهم قَالَت فَقَالَ عبد الله بن أبي ربيعَة وَكَانَ أبقى الرجلَيْن فِينَا لَا تفعل فَإِن لَهُم أرحاما وَإِن كَانُوا قد خالفونا قَالَ وَالله لأخبرنه أَنهم يَزْعمُونَ أَن عِيسَى بن مَرْيَم عبد قَالَت ثمَّ غَدا عَلَيْهِ من الْغَد فَقَالَ أَيهَا الْملك إِنَّهُم يَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قولا عَظِيما فَأرْسل إِلَيْهِم فسلهم عَمَّا
стр. 284
يَقُولُونَ فِيهِ قَالَت فَأرْسل إِلَيْهِم ليسألهم عَنهُ قَالَت وَلم ينزل بِنَا مثلهَا قطّ فَاجْتمع الْقَوْم ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض مَاذَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قَالَت فَقَالَ جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن
قَالَت فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُم مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قَالَت فَقَالَ جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبينَا نقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله وروحه وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول قَالَ الْجَوْهَرِي الْعَذْرَاء الْبكر والبتول المنقطعة من الزواج وَقيل المنقطعة إِلَى الله تَعَالَى عَن الدُّنْيَا قَالَت فَضرب النَّجَاشِيّ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض فَأخذ مِنْهَا عودا ثمَّ قَالَ مَا عدا عِيسَى بن مَرْيَم مِمَّا قلت هَذَا الْعود قَالَت فتناخرت بطارقته حوله حِين قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ وَإِن نخرتم وَالله اذْهَبُوا فَأنْتم شيوم بأرضي والشيوم الآمنون من سبكم غرم ثمَّ
стр. 285
قَالَ من سبكم غرم مَا أحب أَن لي دبرا من ذهب قَالَ ابْن هِشَام وَيُقَال ديرا وَيُقَال فَأنْتم سيوم وَأَنِّي آذيت رجلا مِنْكُم والدبر بِلِسَان الْحَبَشَة الْجَبَل ردوا عَلَيْهِمَا هداياهما فَلَا حَاجَة لي بهَا فوَاللَّه مَا أَخذ الله مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ وَمَا أطَاع النَّاس فِي فأطيعهم فِيهِ
قَالَت فَخَرَجَا من عِنْده مقبوحين مردودا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وأقمنا عِنْده بِخَير دَار مَعَ خير جَار قَالَت فوَاللَّه إِنَّا لعلى ذَلِك إِذْ نزل بِهِ رجل من الْحَبَشَة ينازعه فِي ملكه قَالَت فوَاللَّه مَا علمتنا حزنا قطّ كَانَ أَشد من حزن حزناه عِنْد ذَلِك تخوفا أَن يظْهر ذَلِك الرجل على النَّجَاشِيّ فَيَأْتِي رجل لَا يعرف من حَقنا مَا كَانَ النَّجَاشِيّ يعرف مِنْهُ قَالَت وَسَار إِلَيْهِ النَّجَاشِيّ وَبَينهمَا عرض النّيل قَالَت فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من رجل يخرج حَتَّى يحضر وقيعة الْقَوْم ثمَّ يأتينا بالْخبر قَالَت فَقَالَ الزبير بن الْعَوام أَنا قَالُوا فَأَنت وَكَانَ من أحدث الْقَوْم سنا قَالَت فنفخوا لَهُ قربَة فَجَعلهَا فِي صَدره ثمَّ سبح عَلَيْهَا حَتَّى خرج إِلَى نَاحيَة النّيل الَّتِي بهَا ملتقى الْقَوْم ثمَّ انْطلق حَتَّى حضرهم قَالَت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه
следующие страницы →