← Сира

Сира · id 7233

المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي

ابن حديدة

Полный текст (601 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عابوا عَلَيْهِم فأسلمهم إِلَيْهِمَا فليرداهم إِلَى بِلَادهمْ وقومهم قَالَت فَغَضب النَّجَاشِيّ ثمَّ قَالَ لَا هَا الله إِذا لَا أسلمهم إِلَيْهِمَا وَلَا يكَاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حَتَّى أدعوهم فأسألهم عَمَّا يَقُول هَذَانِ فِي أَمرهم فَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أسلمتهم إِلَيْهِمَا ورددتهم إِلَى قَومهمْ وَإِن كَانُوا على غير ذَلِك منعتهم مِنْهُم وأحسنت جوارهم مَا جاوروني قَالَت ثمَّ أرسل إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُم رَسُوله اجْتَمعُوا ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض مَا تَقولُونَ للرجل إِذا جئتموه قَالُوا نقُول وَالله مَا علمنَا وَمَا أمرنَا بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن فَلَمَّا جَاءُوا وَقد دَعَا النَّجَاشِيّ أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُم مَا هَذَا الَّذين الَّذِي فارقتم فِيهِ قومكم وَلم تدْخلُوا فِي ديني وَلَا فِي دين أحد من هَذِه الْملَل قَالَت فَكَانَ الَّذِي كَلمه جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْملك كُنَّا قوما أهل جَاهِلِيَّة نعْبد الْأَصْنَام وَنَأْكُل الْميتَة ونأتي الْفَوَاحِش ونقطع الْأَرْحَام ونسيء الْجوَار وَيَأْكُل الْقوي الضَّعِيف فَكُنَّا على ذَلِك حَتَّى

стр. 282

بعث الله سُبْحَانَهُ إِلَيْنَا رَسُولا منا نَعْرِف نسبه وَصدقه وأمانته وعفافه فَدَعَانَا إِلَى الله لنوحده ونعبده ونخلع مَا كُنَّا نعْبد نَحن وآباؤنا من دونه من الْحِجَارَة والأوثان وأمرنا بِصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وصلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار والكف عَن الْمَحَارِم والدماء ونهانا عَن الْفَوَاحِش وَقَول الزُّور وَأكل مَال الْيَتِيم وَقذف الْمُحْصنَات وأمرنا أَن نعْبد الله لَا نشْرك بِهِ شَيْئا وأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام قَالَت فعدد عَلَيْهِ أُمُور الْإِسْلَام فصدقنا وآمنا بِهِ واتبعناه على مَا جَاءَ بِهِ من الله فعبدنا الله وَحده وَلم نشْرك بِهِ شَيْئا وحرمنا مَا حرم علينا وأحللنا مَا أحل لنا فَعدا علينا قَومنَا فعذبونا وفتنونا عَن ديننَا ليردونا إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان من عبَادَة الله وَأَن نستحل مَا كُنَّا نستحل من الْخَبَائِث فَلَمَّا قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بَيْننَا وَبَين ديننَا خرجنَا إِلَى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا فِي جوارك ورجونا أَن لَا نظلم عنْدك أَيهَا الْملك قَالَت فَقَالَ النَّجَاشِيّ هَل مَعَك مِمَّا جَاءَ بِهِ عَن الله من شَيْء قَالَت فَقَالَ لَهُ جَعْفَر نعم فَقَالَ النَّجَاشِيّ فاقرأه عَليّ قَالَت فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدرا من ﴿كهيعص﴾ قَالَت فَبكى وَالله النَّجَاشِيّ حَتَّى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حَتَّى أخضلوا مصاحفهم

стр. 283

حِين سمعُوا مَا تَلا عَلَيْهِم قَالَ الْجَوْهَرِي اخضل مَعْنَاهُ بل ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيّ إِن هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ليخرج من مشكاة وَاحِدَة قَالَ الواحدي الْمشكاة كوَّة غير نَافِذَة انْطَلقَا فوَاللَّه لَا أسلمهم إلَيْكُمَا وَلَا نكاد قَالَت فَلَمَّا خرجا من عِنْده قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَالله لَآتِيَنه غَدا عَنْهُم بِمَا أستأصل بِهِ خضراءهم قَالَ الْجَوْهَرِي خضراءهم يَعْنِي سوادهم ومعظمهم وَأنْكرهُ الْأَصْمَعِي وَقَالَ إِنَّمَا يُقَال غضراءهم أَي خَيرهمْ وغضارتهم قَالَت فَقَالَ عبد الله بن أبي ربيعَة وَكَانَ أبقى الرجلَيْن فِينَا لَا تفعل فَإِن لَهُم أرحاما وَإِن كَانُوا قد خالفونا قَالَ وَالله لأخبرنه أَنهم يَزْعمُونَ أَن عِيسَى بن مَرْيَم عبد قَالَت ثمَّ غَدا عَلَيْهِ من الْغَد فَقَالَ أَيهَا الْملك إِنَّهُم يَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قولا عَظِيما فَأرْسل إِلَيْهِم فسلهم عَمَّا

стр. 284

يَقُولُونَ فِيهِ قَالَت فَأرْسل إِلَيْهِم ليسألهم عَنهُ قَالَت وَلم ينزل بِنَا مثلهَا قطّ فَاجْتمع الْقَوْم ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض مَاذَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قَالَت فَقَالَ جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن قَالَت فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُم مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قَالَت فَقَالَ جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبينَا نقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله وروحه وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول قَالَ الْجَوْهَرِي الْعَذْرَاء الْبكر والبتول المنقطعة من الزواج وَقيل المنقطعة إِلَى الله تَعَالَى عَن الدُّنْيَا قَالَت فَضرب النَّجَاشِيّ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض فَأخذ مِنْهَا عودا ثمَّ قَالَ مَا عدا عِيسَى بن مَرْيَم مِمَّا قلت هَذَا الْعود قَالَت فتناخرت بطارقته حوله حِين قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ وَإِن نخرتم وَالله اذْهَبُوا فَأنْتم شيوم بأرضي والشيوم الآمنون من سبكم غرم ثمَّ

стр. 285

قَالَ من سبكم غرم مَا أحب أَن لي دبرا من ذهب قَالَ ابْن هِشَام وَيُقَال ديرا وَيُقَال فَأنْتم سيوم وَأَنِّي آذيت رجلا مِنْكُم والدبر بِلِسَان الْحَبَشَة الْجَبَل ردوا عَلَيْهِمَا هداياهما فَلَا حَاجَة لي بهَا فوَاللَّه مَا أَخذ الله مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ وَمَا أطَاع النَّاس فِي فأطيعهم فِيهِ قَالَت فَخَرَجَا من عِنْده مقبوحين مردودا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وأقمنا عِنْده بِخَير دَار مَعَ خير جَار قَالَت فوَاللَّه إِنَّا لعلى ذَلِك إِذْ نزل بِهِ رجل من الْحَبَشَة ينازعه فِي ملكه قَالَت فوَاللَّه مَا علمتنا حزنا قطّ كَانَ أَشد من حزن حزناه عِنْد ذَلِك تخوفا أَن يظْهر ذَلِك الرجل على النَّجَاشِيّ فَيَأْتِي رجل لَا يعرف من حَقنا مَا كَانَ النَّجَاشِيّ يعرف مِنْهُ قَالَت وَسَار إِلَيْهِ النَّجَاشِيّ وَبَينهمَا عرض النّيل قَالَت فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من رجل يخرج حَتَّى يحضر وقيعة الْقَوْم ثمَّ يأتينا بالْخبر قَالَت فَقَالَ الزبير بن الْعَوام أَنا قَالُوا فَأَنت وَكَانَ من أحدث الْقَوْم سنا قَالَت فنفخوا لَهُ قربَة فَجَعلهَا فِي صَدره ثمَّ سبح عَلَيْهَا حَتَّى خرج إِلَى نَاحيَة النّيل الَّتِي بهَا ملتقى الْقَوْم ثمَّ انْطلق حَتَّى حضرهم قَالَت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه

стр. 286

والتمكين لَهُ فِي بِلَاده قَالَت فوَاللَّه إِنَّا لعلى ذَلِك متوقعون لَهُ مَا هُوَ كَائِن إِذْ طلع الزبير بن الْعَوام يسْعَى فلمع بِثَوْبِهِ أَلا فأبشروا فقد ظفر النَّجَاشِيّ وَأهْلك الله عدوه قَالَت فوَاللَّه مَا علمتنا فرحنا فرحة قطّ مثلهَا قَالَت وَرجع النَّجَاشِيّ وَقد أهلك الله عدوه وَمكن لَهُ فِي بِلَاده واستوسق عَلَيْهِ أَمر الْحَبَشَة فَكُنَّا عِنْده فِي خير منزل حَتَّى قدمنَا على رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة قَالَ وَأما قَول النَّجَاشِيّ مَا أَخذ الله مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ فَقَالَت عَائِشَة ﵂ إِن أَبَاهُ ملك قومه وَلم يكن لَهُ ولد إِلَّا النَّجَاشِيّ وَكَانَ للنجاشي عَم لَهُ من صلبه اثْنَا عشر ولدا وَكَانُوا أهل بَيت مملكة الْحَبَشَة فَقَالَت الْحَبَشَة بَينهَا لَو أَنا قتلنَا أَبَا النَّجَاشِيّ وملكنا أَخَاهُ فَإِنَّهُ لَا ولد لَهُ غير هَذَا الْغُلَام وَإِن لِأَخِيهِ من صلبه اثْنَي عشر رجلا فتوارثوا الْملك من بعده بقيت الْحَبَشَة بعده دهرا فعدوا على أبي النَّجَاشِيّ فَقَتَلُوهُ وملكوا أَخَاهُ فَمَكَثُوا على ذَلِك حينا وَنَشَأ النَّجَاشِيّ مَعَ عَمه وَكَانَ لبيبا حازما فغلب على أَمر عَمه وَنزل مِنْهُ كل منزلَة فَلَمَّا رَأَتْ الْحَبَشَة مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَت بَينهَا وَالله لقد غلب هَذَا الْفَتى على أَمر عَمه وَإِنَّا لنتخوف أَن يملكهُ علينا فَإِن ملكه علينا ليقتلنا أَجْمَعِينَ وَلَقَد عرف أَنا نَحن

стр. 287

قتلنَا أَبَاهُ فَمَشَوْا إِلَى عَمه فَقَالُوا إِمَّا أَن تقتل هَذَا الْفَتى وَإِمَّا أَن نخرجهُ من بَين أظهرنَا فَإنَّا قد خفناه على أَنْفُسنَا قَالَ وَيْلكُمْ قتلت أَبَاهُ بالْأَمْس وأقتله الْيَوْم بل أخرجه عَنْكُم قَالَت فَخَرجُوا بِهِ إِلَى السُّوق فباعوه من رجل من التُّجَّار بستمائة دِرْهَم فقذفه فِي سفينته فَانْطَلق بِهِ حَتَّى إِذا كَانَ الْعشي من ذَلِك الْيَوْم هَاجَتْ سَحَابَة من سحائب الخريف فَخرج عَمه يستمطر تحتهَا فأصابته صَاعِقَة فَقتلته قَالَت فَفَزِعت الْحَبَشَة إِلَى وَلَده فَإِذا هُوَ محمق لَيْسَ فِي وَلَده خير فمرج على الْحَبَشَة أَمرهم يَعْنِي اخْتَلَط واضطرب قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء وَبِفَتْحِهَا عَكسه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مرج الْبَحْرين﴾ أَي خلاهما لَا يلتبسان قَالَت فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ من ذَلِك قَالَ بَعضهم لبَعض تعلمُوا وَالله إِن ملككم الَّذِي لَا يُقيم أَمركُم غَيره للَّذي بعتموه غدْوَة فَإِن كَانَ لكم بِأَمْر الْحَبَشَة حَاجَة فأدركوه قَالَت فَخَرجُوا فِي طلبه وَطلب الرجل الَّذِي باعوه مِنْهُ حَتَّى أدركوه فَأَخَذُوهُ مِنْهُ ثمَّ جَاءُوا بِهِ فعقدوا عَلَيْهِ التَّاج وأقعدوه على سَرِير الْملك فملكوه فَجَاءَهُمْ التَّاجِر الَّذِي كَانُوا باعوه مِنْهُ فَقَالَ إِمَّا أَن تعطوني مَالِي وَإِمَّا أَن ُأكَلِّمهُ فِي ذَلِك فَقَالُوا لَا نعطيك شَيْئا

стр. 288

قَالَ إِذا وَالله ُأكَلِّمهُ قَالُوا فدونك قَالَ فجَاء فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ وَقَالَ أَيهَا الْملك ابتعت غُلَاما من قوم بِالسوقِ بستمائة دِرْهَم فأسلموا إِلَيّ غلامي وَأخذُوا دراهمي حَتَّى إِذا سرت بغلامي أدركوني فَأخذُوا غلامي ومنعوني دراهمي قَالَت فَقَالَ لَهُم النَّجَاشِيّ لتعطنه دَرَاهِمه أَو ليضعن يَد غُلَامه فِي يَده فليذهبن بِهِ حَيْثُ شَاءَ قَالُوا بل نُعْطِيه دَرَاهِمه قَالَت فَلذَلِك قَالَ مَا أَخذ الله مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ قَالَت وَكَانَ ذَلِك أول مَا خبر من صلابته فِي دينه وعدله فِي حكمه قَالَ السُّهيْلي وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنهم أَخَذُوهُ مِنْهُ قبل أَن يَأْتِي بِهِ بِلَاده لقَوْله خَرجُوا فِي طلبه فأدركوه وَقد بَين فِي حَدِيث آخر أَن سَيّده كَانَ من الْعَرَب وَأَنه استعبده طَويلا وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْله فَلَمَّا مرج على الْحَبَشَة أَمرهم وضاق عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ وَهَذَا يدل على طول الْمدَّة فِي مغيبه عَنْهُم وَقد رُوِيَ أَن وقْعَة بدر حِين انْتهى خَبَرهَا إِلَى النَّجَاشِيّ ﵀ علم بهَا قبل من عِنْده من الْمُسلمين فَأرْسل إِلَيْهِم فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ إِذا هُوَ قد

стр. 289

لبس مسحا وَقعد على التُّرَاب والرماد فَقَالُوا لَهُ مَا هَذَا أَيهَا الْملك فَقَالَ إِنَّا نجد فِي الْإِنْجِيل أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا أحدث بِعَبْدِهِ نعْمَة وَجب على العَبْد أَن يحدث لله تواضعا وَأَن الله قد أحدث إِلَيْنَا وإليكم نعْمَة عَظِيمَة وَهِي أَن النَّبِي مُحَمَّدًا ﷺ بَلغنِي أَنه التقى هُوَ وأعداؤه بواد يُقَال لَهُ بدر كثير الْأَرَاك كنت أرعى فِيهِ الْغنم على سَيِّدي وَهُوَ من بني ضَمرَة وَأَن الله تَعَالَى قد هزم أعداءه فِيهِ وَنصر دينه فَدلَّ هَذَا الْخَبَر على طول مكثه فِي بِلَاد الْعَرَب فَمن هُنَا وَالله أعلم تعلم من لِسَان الْعَرَب مَا فهم بِهِ سُورَة مَرْيَم حِين تليت عَلَيْهِ حَتَّى بَكَى واخضلت لحيته وَذكر أَن جعفرا ﵁ ولد لَهُ بِأَرْض الْحَبَشَة ثَلَاثَة أَوْلَاد مُحَمَّد وَعون وَعبد الله وَكَانَ النَّجَاشِيّ قد ولد لَهُ مَوْلُود يَوْم ولد عبد الله فَأرْسل إِلَى جَعْفَر يسْأَله كَيفَ أسميت ابْنك فَقَالَ عبد الله فَسمى النَّجَاشِيّ ابْنه عبد الله وأرضعته أَسمَاء بنت عُمَيْس امْرَأَة جَعْفَر مَعَ ابْنهَا عبد الله فَكَانَا يتواصلان بِتِلْكَ الْأُخوة قَالَ السُّهيْلي وَمن رِوَايَة يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق أَن أَبَا نيزر مولى عَليّ بن أبي طَالب ﵇ كَانَ ابْنا للنجاشي نَفسه

стр. 290

وَأَن عليا ﵇ وجده عِنْد تَاجر بِمَكَّة فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأعْتقهُ مُكَافَأَة لما صنع أَبوهُ مَعَ الْمُسلمين وَذكر أَن الْحَبَشَة مرج عَلَيْهَا أمرهَا بعد موت النَّجَاشِيّ ﵀ وَأَنَّهُمْ أرْسلُوا وَفْدًا مِنْهُم إِلَى أبي نيزر وَهُوَ مَعَ عَليّ ﵇ ليملكوه ويتوجوه وَلم يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَأبى وَقَالَ مَا كنت لأطلب الْملك بعد أَن من الله عَليّ بِالْإِسْلَامِ قَالَ وَكَانَ أَبُو نيزر من أطول النَّاس قامة وَأَحْسَنهمْ وَجها قَالَ وَلم يكن لَونه كلون الْحَبَشَة وَلَكِن إِذا رَأَيْته قلت رجل من الْعَرَب وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ اجْتمعت الْحَبَشَة فَقَالُوا للنجاشي إِنَّك فَارَقت ديننَا وَخَرجُوا عَلَيْهِ قَالَ فَأرْسل إِلَى جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه فَهَيَّأَ لَهُم سفنا وَقَالَ اركبوا فِيهَا وَكُونُوا كَمَا أَنْتُم فَإِن هزمت فامضوا حَتَّى تلحقوا بِحَيْثُ شِئْتُم وَإِن ظَفرت فاثبتوا ثمَّ عمد إِلَى كتاب فِيهِ هُوَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَيشْهد أَن عِيسَى بن مَرْيَم عبد الله وَرَسُوله وروحه وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم ثمَّ جعله فِي قبائه عِنْد الْمنْكب الْأَيْمن وَخرج إِلَى الْحَبَشَة وَقد صفوا لَهُ فَقَالَ يَا معشر الْحَبَشَة أَلَسْت

стр. 291

أَحَق النَّاس بكم قَالُوا بلَى قَالَ فَكيف رَأَيْتُمْ سيرتي فِيكُم قَالُوا خير سيرة قَالَ فمالكم قَالُوا فَارَقت ديننَا وَزَعَمت أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم عبد قَالَ فَمَا تَقولُونَ أَنْتُم فِي عِيسَى قَالُوا نقُول ابْن الله فَقَالَ النَّجَاشِيّ وَوضع يَده على قبائه وَهُوَ يشْهد أَن عِيسَى بن مَرْيَم لم يزدْ على هَذَا شَيْئا وَإِنَّمَا يَعْنِي مَا كتب فرضوا وَانْصَرفُوا فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَلَمَّا مَاتَ صلى عَلَيْهِ واستغفر لَهُ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ نعى لنا رَسُول الله ﷺ النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَخرج إِلَى الْمصلى فَصف أَصْحَابه خَلفه فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا وَتُوفِّي ﵀ فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة وَفِي رِوَايَة صلى عَلَيْهِ بِالبَقِيعِ رفع إِلَيْهِ سَرِيره بِالْحَبَشَةِ حَتَّى رَآهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فصلى عَلَيْهِ وَتكلم المُنَافِقُونَ فَقَالُوا يُصَلِّي على هَذَا العلج فَأنْزل الله تَعَالَى وَإِن من أهل الْكتب لمن يُؤمن بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْكُم وَمَا أنزل إِلَيْهِم خشعين لله لَا يشْتَرونَ بايت الله ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم قلت وَهُوَ من الَّذين يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ كَمَا ورد فِي الصَّحِيح رجل من أهل الْكتاب آمن بِمَا جِئْت بِهِ وَصدق الْمُرْسلين قَالَت عَائِشَة ﵂ وَكَانَ يتحدث أَنه

стр. 292

لَا يزَال يرى على قَبره نور يَعْنِي النَّجَاشِيّ ﵀ روينَاهُ عَن ابْن إِسْحَاق فصل فِي ذكر كِتَابيه ﷺ إِلَى النَّجَاشِيّ قَالَ ابْن إِسْحَاق بعث النَّبِي ﷺ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي وَكَانَ أول رَسُول وَكتب إِلَيْهِ كتابين يَدعُوهُ فِي أَحدهمَا إِلَى الْإِسْلَام وَفِي الآخر يَأْمُرهُ أَن يُزَوجهُ أم حَبِيبَة رَملَة بنت أبي سُفْيَان فَأخذ الْكتاب فَوَضعه على عَيْنَيْهِ وَنزل عَن سَرِيره تواضعا ثمَّ أسلم وَشهد شَهَادَة الْحق ودعا بِحَق عاج فَجعل فِيهِ كتابي رَسُول الله ﷺ وَقَالَ لن تزَال الْحَبَشَة بِخَير مَا كَانَ هَذَانِ الكتابان بَين أظهرها ذكره عبد الْكَرِيم قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكتب مَعَ عَمْرو بن أُميَّة فِي شَأْن جَعْفَر وَأَصْحَابه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى

стр. 293

النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة إِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن وَأشْهد أَن عِيسَى بن مَرْيَم روح الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم البتول الطّيبَة الحصينة فَحملت بِعِيسَى خلقه من روحه ونفخه كَمَا خلق آدم بِيَدِهِ وَقد بلغت وَنَصَحْت فاقبلوا نصحي وَإِنِّي أَدْعُوك إِلَى الله وَحده لَا شريك لَهُ والموالاة على طَاعَته وَأَن تتبعني وتؤمن بِالَّذِي جَاءَنِي فَإِنِّي رَسُول الله وَإِنِّي أَدْعُوك وجنودك إِلَى الله وَقد بعثت إِلَيْكُم ابْن عمي جعفرا وَمَعَهُ نفر من الْمُسلمين وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى فَكتب النَّجَاشِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَى مُحَمَّد رَسُول الله من النَّجَاشِيّ

стр. 294

أَصْحَمَة سَلام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته من الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَام أما بعد فقد بَلغنِي كتابك يَا رَسُول الله فِيمَا ذكرت من أَمر عِيسَى فو رب السَّمَاء وَالْأَرْض أَن عِيسَى ﵇ مَا يزِيد على مَا ذكرت ثفروقا الثفروق بِالْمُثَلثَةِ علاقَة بَين القمع وَالتَّمْرَة وَقيل هُوَ القمع قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره إِنَّه لَكمَا قلت وَقد عرفنَا مَا بعثت بِهِ إِلَيْنَا وَقدم ابْن عمك وَفِي رِوَايَة وَقد قربنا ابْن عمك وَأسْلمت على يَدَيْهِ لله رب الْعَالمين وَقد بعثت إِلَيْك بِابْني وَإِن شِئْت آتِيك بنفسي فعلت يَا رَسُول الله فَإِنِّي أشهد أَن مَا تَقول حق وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته

стр. 295

ثمَّ بعث ابْنه كَمَا سَنذكرُهُ بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم إِن النَّجَاشِيّ أسلم وَبعث إِلَى النَّبِي ﷺ بكسوة فَقَالَ ﷺ اتْرُكُوا الْحَبَشَة مَا تركوكم قَالَ وَأمره رَسُول الله ﷺ أَن يُزَوجهُ أم حَبِيبَة وَيبْعَث إِلَيْهِ بِمن قبله من أَصْحَابه ويحملهم فَفعل وروى عبد الْكَرِيم الْحلَبِي عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أهْدى النَّجَاشِيّ للنَّبِي ﷺ بغلة وَكَانَ يركبهَا وَقَالَ قَالَ شَيخنَا الدمياطي فَهِيَ خمس بغال وَعَن أبي قَتَادَة قَالَ لما قدم وَفد النَّجَاشِيّ على رَسُول الله ﷺ فَكَانَ يخدمهم بِنَفسِهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه نَحن نكفيك فَقَالَ إِنَّهُم كَانُوا يكرمون أَصْحَابِي وَأحب أَن أكافيهم وَرُوِيَ أَن النَّجَاشِيّ الَّذِي كتب إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ بالنجاشي الَّذِي صلى عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسلم وروى أنس مثله قَالَ السُّهيْلي فِي مُخَاطبَة عَمْرو بن أُميَّة للنجاشي قَالَ لَهُ يَا أَصْحَمَة إِن عَليّ القَوْل وَعَلَيْك الِاسْتِمَاع إِنَّك كَأَنَّك فِي الرقة علينا

стр. 296

منا وكأنا بالثقة بك مِنْك لأَنا لم نظن بك خيرا قطّ إِلَّا نلناه وَلم نخفك على شَيْء قطّ إِلَّا أمناه وَقد أَخذنَا بِالْحجَّةِ عَلَيْهِ من قبل الْإِنْجِيل بَيْننَا وَبَيْنك شَاهد لَا يرد وقاض لَا يجور وَفِي ذَلِك موقع الْخَيْر وإصابة الْفَصْل وَإِلَّا فَأَنت فِي هَذَا النَّبِي الْأُمِّي كاليهود فِي عِيسَى بن مَرْيَم وَقد فرق النَّبِي ﷺ رسله إِلَى النَّاس فرجاك لما لم يرجهم لَهُ وأمنك على مَا خافهم عَلَيْهِ لخير سالف وَأجر ينْتَظر فَقَالَ النَّجَاشِيّ أشهد بِاللَّه أَنه النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي ينتظره أهل الْكتاب وَأَن بِشَارَة مُوسَى بِرَاكِب الْحمار كبشارة عِيسَى بِرَاكِب الْجمل وَأَن العيان لَيْسَ بأشفى من الْخَبَر عَنهُ وَلَكِن أعواني من الْحَبَش قَلِيل فأنظرني حَتَّى أَكثر الأعوان وألين الْقُلُوب فصل فِي زواج أم حَبِيبَة لرَسُول الله ﷺ بِأَرْض الْحَبَشَة وَكَانَت هَاجَرت مَعَ زَوجهَا عبيد الله بن جحش الْأَسدي إِلَى

стр. 297

أَرض الْحَبَشَة فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ وَمَات قَالَت أم حَبِيبَة ﵂ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن عبيد الله بن جحش زَوجي بِأَسْوَأ صُورَة وأشوهه فَفَزِعت فَقلت تَغَيَّرت وَالله حَاله فَإِذا هُوَ يَقُول حِين أصبح يَا أم حَبِيبَة إِنِّي نظرت فِي الدّين فَلم أر دينا خيرا من النَّصْرَانِيَّة وَكنت قد دنت بهَا ثمَّ دخلت فِي دين مُحَمَّد ﷺ ثمَّ رجعت إِلَى النَّصْرَانِيَّة فَقلت وَالله مَا هُوَ خير لَك وأخبرته بالرؤيا الَّتِي رَأَيْت فَلم يحفل بهَا وأكب على الْخمر حَتَّى مَاتَ فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن قَائِلا يَقُول يَا أم الْمُؤمنِينَ فَفَزِعت فَأَوَّلتهَا أَن رَسُول الله ﷺ يَتَزَوَّجنِي قَالَت فَمَا هُوَ إِلَّا أَن انْقَضتْ عدتي فَمَا شَعرت إِلَّا برَسُول النَّجَاشِيّ على بِأبي يسْتَأْذن فَإِذا جَارِيَة لَهُ يُقَال لَهَا أَبْرَهَة كَانَت تقوم على ثِيَابه ودهنه فَدخلت عَليّ فَقَالَت إِن الْملك يَقُول لَك إِن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَيّ أَن أزوجكه فَقلت بشرك الله بِخَير قَالَت يَقُول لَك الْملك وكلي من يزوجك فَأرْسلت إِلَى خَالِد بن سعيد فَوَكَّلَتْهُ وَأعْطيت أَبْرَهَة سِوَارَيْنِ من فضَّة وخدمتين كَانَتَا فِي رجْلي وخواتيم من فضَّة فِي أَصَابِع رجْلي سُرُورًا بِمَا بشرت وَفِي رِوَايَة فأعطيتها أَوْضَاحًا لي قَالَ الْجَوْهَرِي الأوضاح

стр. 298

حلى من الدَّرَاهِم كَانَ الْعشي أَمر النَّجَاشِيّ جَعْفَر بن أبي طَالب وَمن هُنَاكَ من الْمُسلمين فَحَضَرُوا وخطب فَقَالَ الْحَمد لله الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَنه الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى بن مَرْيَم ﷺ أما بعد فَإِن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَيّ أَن أزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان فأجبت إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَقد أَصدقتهَا أَرْبَعمِائَة دِينَار وسكب الدَّنَانِير بَين يَدي الْقَوْم فَتكلم خَالِد بن سعيد فَقَالَ الْحَمد لله أَحْمَده وَأَسْتَعِينهُ وأستغفره وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ أما بعد فقد أجبْت إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَزَوجته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان فَبَارك الله لرَسُول الله ﷺ ثمَّ دفع الدَّنَانِير إِلَى خَالِد بن سعيد فقبضها ثمَّ أَرَادوا أَن يقومُوا فَقَالَ اجلسوا فَإِن سنة الْأَنْبِيَاء إِذا تزوجوا أَن يُؤْكَل طَعَام على التَّزْوِيج فَدَعَا بِطَعَام فَأَكَلُوا ثمَّ تفَرقُوا قَالَت أم حَبِيبَة فَلَمَّا وصل إِلَيّ المَال أرْسلت إِلَى أَبْرَهَة الَّتِي بشرتني فَقلت لَهَا إِنِّي كنت أَعطيتك مَا أَعطيتك يَوْمئِذٍ وَلَا مَال بيَدي فَهَذِهِ خَمْسُونَ مِثْقَالا فخذيها فاستعيني بهَا فَأَبت فأخرجت حَقًا فِيهِ كل مَا أعطيتهَا فَردته عَليّ وَقَالَت عزم عَليّ الْملك أَن لَا أرزأك شَيْئا قَالَ عِيَاض ﵀ لَا أرزأ مَعْنَاهُ النَّقْص

стр. 299

رزأته ورزئته إِذا نقصته وَفِي الحَدِيث لَا أرزأ بعْدك أحدا أَي آخذ مِنْهُ وَأَنا الَّتِي أقوم على ثِيَابه ودهنه وَقد اتبعت دين مُحَمَّد ﷺ وَأسْلمت لله وَقد أَمر الْملك نِسَاءَهُ أَن يبْعَثْنَ إِلَيْك بِكُل مَا عِنْدهن من الْعطر قَالَت فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَتْنِي بِعُود وَوَرس وَعَنْبَر وَزَباد كثير فَقدمت بذلك كُله على رَسُول الله ﷺ وَكَانَ يرَاهُ عَليّ وَعِنْدِي فَلَا يُنكره ثمَّ قَالَت أَبْرَهَة حَاجَتي إِلَيْك أَن تقرئي على رَسُول الله ﷺ مني السَّلَام وتعلميه أَنِّي قد اتبعت دينه قَالَت فَكَانَت الَّتِي جَهَّزْتنِي وَكَانَت كلما دخلت عَليّ تَقول لَا تنسى حَاجَتي إِلَيْك فَلَمَّا قدمت على رَسُول الله ﷺ أخْبرته كَيفَ كَانَت الْخطْبَة وَمَا فعلت أَبْرَهَة فَتَبَسَّمَ وَأَقْرَأْته مِنْهَا السَّلَام فَقَالَ وَعَلَيْهَا السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَكَانَ ذَلِك فِي سنة سبع قَالَ الزُّهْرِيّ وجهزها النَّجَاشِيّ مَعَ شُرَحْبِيل بن حَسَنَة قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب تنوير الغبش فِي مدح السودَان والحبش

стр. 300

وَفِي رِوَايَة قَالَت فخرجنا إِلَى الْمَدِينَة وَرَسُول الله بِخَيْبَر فَخرج من خرج إِلَيْهِ وأقمت بِالْمَدِينَةِ حَتَّى قدم فَدخلت عَلَيْهِ وَكَانَ يسألني عَن النَّجَاشِيّ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَلما بلغ أَبَا سُفْيَان تَزْوِيج رَسُول الله ﷺ أم حَبِيبَة قَالَ ذَلِك الْفَحْل لَا يقرع أَنفه تَفْسِير وناهيك بِهَذَا القَوْل من أبي سُفْيَان وَوَصفه لَهُ ﷺ بالسؤدد وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء فَإِنَّهُ كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت من أكبر الْأَعْدَاء لَهُ ﷺ ثمَّ قَالَ هَذِه الْمقَالة قَالَ الْجَوْهَرِي القريع الْفَحْل لِأَنَّهُ مقترع من الْإِبِل أَي مُخْتَار أَو أَنه يقرع النَّاقة قَالَ ذُو الرمة (وَقد لَاحَ للساري سُهَيْل كَأَنَّهُ ... قريع هجان عَارض الشول جافر) قَالَ والقريع السَّيِّد يُقَال فلَان قريع دهره والقراع الضراب وقرع الْفَحْل النَّاقة يقرعها قرعا وقراعا واستقرعني فلَان فحلي فأقرعته أَي أَعْطيته ليقرع إبِله أَي يضْربهَا واستقرعت الْبَقَرَة أَي أَرَادَت الْفَحْل والمقروع الْمُخْتَار للفحلة والمقروع

стр. 301

السَّيِّد والقراع الصلب الشَّديد فَهَذَا مثل ضربه أَبُو سُفْيَان لرَسُول الله ﷺ كالفحل بَين الْإِبِل إِذا كَانَ عَزِيزًا كَرِيمًا على أَهله لَا يقرع أَنفه أَي لَا يضْرب أَنفه يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ الَّذِي يظْهر أَن يقرع بالراء تَصْحِيف وَصَوَابه يُقْدَع بِالدَّال الْمُهْملَة قَالَ الْجَوْهَرِي قدعت فرسي أقدعه قدعا كبحته وكففته ليكف بعض جريه وَهَذَا فَحل لَا يُقْدَع أَي لَا يضْرب أَنفه وَذَلِكَ إِذا كَانَ كَرِيمًا وقدعت الرجل عَنْك أَي كففته قَالَ وَلما قدم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب الْمَدِينَة جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَكَلمهُ أَن يزِيد فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة فَلم يقبل عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَقَامَ فَدخل على ابْنَته أم حَبِيبَة فَلَمَّا ذهب ليجلس على فرَاش رَسُول الله ﷺ طوته دونه فَقَالَ أرغبت بِهَذَا الْفراش عني أم بِي عَنهُ فَقَالَت بل هُوَ فرَاش رَسُول الله ﷺ وَأَنت امْرُؤ نجس مُشْرك فَقَالَ يَا بنية لقد أَصَابَك بعدِي شَرّ قَالَ غَيره وَأنزل الله ﴿عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم﴾ يَعْنِي أَبَا سُفْيَان ﴿مَوَدَّة﴾ يَعْنِي بتزويج أم حَبِيبَة

стр. 302

قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ قَالَت عَائِشَة ﵂ دعتني أم حَبِيبَة عِنْد مَوتهَا فَقَالَت قد كَانَ يكون بَيْننَا مَا يكون بَين الضرائر فغفر الله لي وَلَك فَقلت غفر الله لَك ذَلِك كُله وَتجَاوز وحللك من ذَلِك فَقَالَت سررتني سرك الله وَأرْسلت إِلَى أم سَلمَة فَقَالَت لَهَا مثل ذَلِك وَتوفيت سنة أَربع وَأَرْبَعين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة قَالَ ابْن عبد الْبر أمهَا صَفِيَّة بنت أبي الْعَاصِ عمَّة عُثْمَان بن عَفَّان ﵃ فصل فِي إرْسَال النَّجَاشِيّ وَلَده أرها وغرقه قَالَ السُّهيْلي وَبعث النَّجَاشِيّ بعد قدوم جَعْفَر إِلَى رَسُول الله ﷺ أرها بن أَصْحَمَة بن أبحر وَفِي رِوَايَة بِالْجِيم فِي سِتِّينَ رجلا من الْحَبَشَة وَكتب إِلَيْهِ يَا رَسُول الله أشهد أَنَّك رَسُول الله صلى الله عَلَيْك وَسلم صَادِقا مُصدقا فَرَكبُوا سفينة فِي أثر جَعْفَر وَأَصْحَابه حَتَّى إِذا كَانُوا فِي وسط الْبَحْر غرقوا ووافى جَعْفَر وَأَصْحَابه رَسُول الله

стр. 303

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سبعين رجلا عَلَيْهِم ثِيَاب الصُّوف مِنْهُم اثْنَان وَسِتُّونَ من الْحَبَشَة وَثَمَانِية من أهل الشَّام فَقَرَأَ عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ سُورَة يس إِلَى آخرهَا فبكوا حِين سمعُوا الْقُرْآن وآمنوا وَقَالُوا مَا أشبه هَذَا بِمَا كَانَ ينزل على عِيسَى ﵇ فَأنْزل الله تَعَالَى ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نصرى يَعْنِي وَفد النَّجَاشِيّ الَّذين قدمُوا مَعَ جَعْفَر وَكَانُوا أَصْحَاب الصوامع ﵃ فصل فِي فضل الْحَبَشَة روى ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّنْوِير عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ لما قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة لعبت الْحَبَشَة لقدومه بِحِرَابِهِمْ فَرحا بذلك وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ عِنْدِي رَسُول الله ﷺ يَوْم لعب السودَان بالدرق والحراب فَأَما سَأَلت رَسُول الله ﷺ وَإِمَّا قَالَ لي تشتهين تنظرين فَقلت نعم فأقامني وَرَاءه خدي عَليّ خَدّه

стр. 304

وَهُوَ يَقُول دونكم يَا بني أرفدة حَتَّى إِذا مللت قَالَ حَسبك قلت نعم قَالَ فاذهبي وعنها قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ جَالِسا فسمعنا لَغطا وَصَوت صبيان فَقَامَ فَإِذا حبشية تزفن وَفِي رِوَايَة فِي الْمَسْجِد وَالصبيان حولهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا عَائِشَة تعالي فانظري فَجئْت فَوضعت ذقني على منْكب رَسُول الله ﷺ فَجعلت أنظر إِلَيْهَا مَا بَين مَنْكِبَيْه إِلَى رَأسه فَقَالَ لي أما شبعت فَقلت لَا لأنظر منزلتي عِنْده وروى عَن أبي بشر أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر مرا بِالْحَبَشَةِ وهم يَلْعَبُونَ وَيَقُولُونَ (يَا أَيهَا الضَّيْف المعرج طَارِقًا ... لَوْلَا مَرَرْت بآل عبد الدَّار) (لَوْلَا مَرَرْت بهم تُرِيدُ قراهم ... منعوك من جهد وَمن إقتار) وَمِمَّا جَاءَ فِي الْقُرْآن مُوَافقا للغة الْحَبَشَة قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ﴿يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ قَالَ ضعفين وَهُوَ بِلِسَان الْحَبَشَة والمشكاة الكوة بلسانهم وَقد تقدم وَقَوله

стр. 305

تَعَالَى ﴿طه﴾ بِلِسَان الْحَبَشَة يَا رجل وَقيل ﴿إِن ناشئة اللَّيْل﴾ بِلِسَان الْحَبَشَة إِذا نَشأ قَامَ قَالَ ابْن مَسْعُود هِيَ قيام اللَّيْل بِلِسَان الْحَبَشَة ﴿إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ الأواه الْمُؤمن وَهِي بِالْحَبَشَةِ وَمِمَّا سَمعه ﷺ من كَلَامهم فأعجبه ونطق بِهِ قَوْله سناه والسناه الْحسن بِلِسَان الْحَبَشَة روينَاهُ فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَفَسرهُ وروى ابْن الْجَوْزِيّ فِي تنوير الغبش عَن جَابر ﵁ قَالَ لما رجعت مهاجرة الْحَبَشَة إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا تحدثوني بِأَعْجَب شَيْء رَأَيْتُمْ بِأَرْض الْحَبَشَة قَالَ فتية مِنْهُم يَا رَسُول الله بَيْنَمَا نَحن جُلُوس إِذْ مرت علينا عَجُوز من عجائزهم تحمل على رَأسهَا قلَّة من مَاء فمرت بفتى مِنْهُم فَجعل إِحْدَى يَدَيْهِ بَين كتفيها

стр. 306

ثمَّ دَفعهَا على ركبتيها فَانْكَسَرت قلتهَا فَلَمَّا ارْتَفَعت التفتت إِلَيْهِ فَقَالَت سَوف تعلم يَا غدر إِذا وضع الله الْكُرْسِيّ وَجمع الْأَوَّلين والآخرين وتكلمت الْأَيْدِي والأرجل بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ تعلم أَمْرِي وأمرك عِنْده فَقَالَ رَسُول الله ﷺ صدقت كَيفَ يقدس الله قوما لايؤخذ لضعيفهم من قويهم فصل فِي إرْسَال قُرَيْش إِلَى النَّجَاشِيّ عَمْرو بن العَاصِي وَعمارَة بن الْوَلِيد الْمرة الثَّانِيَة بعد وقْعَة بدر ذكر الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي﴾ الْآيَة قَالَ لما هَاجر جَعْفَر بن أبي طَالب وَالصَّحَابَة ﵃ إِلَى الْحَبَشَة واستقرت بهم الدَّار وَهَاجَر النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ من أَمر بدر مَا كَانَ اجْتمعت قُرَيْش فِي دَار الندوة وَقَالُوا إِن لنا فِي الَّذِي عِنْد النَّجَاشِيّ من أَصْحَاب مُحَمَّد ثأرا مِمَّن قتل مِنْكُم ببدر فاجمعوا مَالا واهدوه إِلَى النَّجَاشِيّ لَعَلَّه يدْفع

стр. 307

إِلَيْكُم من عِنْده من قومكم ولينتدب لذَلِك رجلَانِ من ذَوي رَأْيكُمْ فبعثوا عَمْرو بن الْعَاصِ وَعمارَة بن الْوَلِيد مَعَ الْهَدَايَا الْأدم وَغَيره فركبا الْبَحْر وَأَتيا الْحَبَشَة فَلَمَّا دخلا على النَّجَاشِيّ سجدا لَهُ وسلما عَلَيْهِ وَقَالا لَهُ إِن قَومنَا لَك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون وَإِنَّهُم بعثونا إِلَيْك لنحذرك هَؤُلَاءِ الَّذين قدمُوا عَلَيْك لأَنهم قوم أَتَاهُم رجل كَذَّاب خرج فِينَا يزْعم أَنه رَسُول الله وَلم يُتَابِعه أحد منا إِلَّا السُّفَهَاء وَإِنَّا كُنَّا قد ضيقنا عَلَيْهِم الْأَمر وألجأناهم إِلَى شعب بأرضنا لَا يدْخل عَلَيْهِم أحد وَلَا يخرج مِنْهُم أحد قد قَتلهمْ الْجُوع والعطش فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمر بعث إِلَيْك ابْن عَمه ليفسد عَلَيْك دينك وملكك ورعيتك فَاحْذَرْهُمْ وادفعهم إِلَيْنَا لنكفيكهم قَالَا وَآيَة ذَلِك أَنهم إِذا دخلُوا عَلَيْك لَا يَسْجُدُونَ لَك وَلَا يحيونك بالتحية الَّتِي يُحْيِيك بهَا النَّاس رَغْبَة عَن دينك وسنتك قَالَ فَدَعَاهُمْ النَّجَاشِيّ فَلَمَّا حَضَرُوا صَاح جَعْفَر بِالْبَابِ يسْتَأْذن عَلَيْك حزب الله فَقَالَ النَّجَاشِيّ مروا هَذَا الصائح فليعد كَلَامه فَفعل جَعْفَر فَقَالَ النَّجَاشِيّ نعم فليدخلوا بِأَمَان الله وذمته فَنظر عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى صَاحبه فَقَالَ أَلا تسمع كَيفَ يرطنون بحزب الله وَمَا أجابهم بِهِ

стр. 308

النَّجَاشِيّ فساءهما ذَلِك ثمَّ دخلُوا عَلَيْهِ فَلم يسجدوا لَهُ فَقَالَ عَمْرو ابْن الْعَاصِ ألم تَرَ أَنهم يَسْتَكْبِرُونَ أَن يسجدوا لَك فَقَالَ لَهُم النَّجَاشِيّ مَا منعكم أَن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية الَّتِي يحييني بهَا من أَتَى من الْآفَاق قَالُوا نسجد لله الَّذِي خلقك وملكك وَإِنَّمَا كَانَت تِلْكَ التَّحِيَّة لنا وَنحن نعْبد الْأَوْثَان فَبعث الله فِينَا نَبيا صَادِقا وأمرنا بالتحية الَّتِي رضيها الله وَهِي السَّلَام تَحِيَّة أهل الْجنَّة فَعرف النَّجَاشِيّ أَن ذَلِك حق وَأَنه فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل قَالَ أَيّكُم الْهَاتِف يسْتَأْذن عَلَيْك حزب الله قَالَ جَعْفَر أَنا قَالَ فَتكلم قَالَ إِنَّك ملك من مُلُوك أهل الأَرْض وَمن أهل الْكتاب وَلَا يصلح عنْدك كَثْرَة الْكَلَام وَلَا الظُّلم وَأَنا أحب أَن أُجِيب عَن أَصْحَابِي فَمر هذَيْن الرجلَيْن فَلْيَتَكَلَّمْ أَحدهمَا ولينصت الآخر فَتسمع محاورتنا قَالَ الْجَوْهَرِي المحاورة المجاوبة فَقَالَ عَمْرو لجَعْفَر تكلم فَقَالَ جَعْفَر للنجاشي سل هذَيْن الرجلَيْن أعبيد نَحن أم أَحْرَار فَأن كُنَّا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إِلَيْهِم فَقَالَ النَّجَاشِيّ أعبيد هم أم أَحْرَار فَقَالَ بل أَحْرَار كرام فَقَالَ النَّجَاشِيّ نَجوا من الْعُبُودِيَّة ثمَّ قَالَ جَعْفَر سلهما هَل أهرقنا دَمًا بِغَيْر حق فيقتص منا فَقَالَ عَمْرو لَا

стр. 309

وَلَا قَطْرَة قَالَ جَعْفَر سلهما هَل أَخذنَا أَمْوَال النَّاس بِغَيْر حق فعلينا قضاءها قَالَ النَّجَاشِيّ إِن كَانَ قِنْطَارًا فعلي قَضَاءَهُ فَقَالَ عَمْرو لَا وَلَا قيراطا قَالَ النَّجَاشِيّ فَمَا تطلبون مِنْهُم قَالَ عَمْرو كُنَّا وهم على دين وَاحِد على دين آبَائِنَا فتركوا ذَلِك وَاتبعُوا غَيره فَبَعَثنَا إِلَيْك قَومنَا لتدفعهم إِلَيْنَا فَقَالَ النَّجَاشِيّ مَا هَذَا الَّذِي كُنْتُم عَلَيْهِ وَالدّين الَّذِي اتبعتموه اصدقني قَالَ جَعْفَر أما الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ فتركناه فَهُوَ دين الشَّيْطَان كُنَّا نكفر بِاللَّه ونعبد الْحِجَارَة وَأما الَّذِي تَحَوَّلْنَا إِلَيْهِ فدين الله الْإِسْلَام جَاءَنَا بِهِ من الله رَسُول وَكتاب مثل كتاب ابْن مَرْيَم مُوَافقا لَهُ فَقَالَ النَّجَاشِيّ يَا جَعْفَر تَكَلَّمت بِأَمْر عَظِيم فعلى رسلك ثمَّ أَمر النَّجَاشِيّ فَضرب بالناقوس فَاجْتمع إِلَيْهِ كل قسيس وراهب فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْده قَالَ النَّجَاشِيّ أنْشدكُمْ الله الَّذِي أنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى هَل تَجِدُونَ بَين عِيسَى وَبَين يَوْم الْقِيَامَة نَبيا مُرْسلا فَقَالُوا اللَّهُمَّ نعم قد بشرنا بِهِ عِيسَى وَقَالَ من آمن بِهِ فقد آمن بِي وَمن كفر بِهِ فقد كفر بِي فَقَالَ النَّجَاشِيّ لجَعْفَر مَاذَا يَقُول لكم هَذَا الرجل وَمَا يَأْمُركُمْ بِهِ وَمَا يَنْهَاكُم عَنهُ فَقَالَ يقْرَأ علينا كتاب الله وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر ويأمرنا بِحسن

стр. 310

الْجوَار وصلَة الرَّحِم وبر الْيَتِيم ويأمرنا بِأَن نعْبد الله وَحده لَا شريك لَهُ فَقَالَ اقْرَأ عَليّ مِمَّا يقْرَأ عَلَيْكُم فَقَرَأَ عَلَيْهِ سُورَة العنكبوت وَالروم فَفَاضَتْ عينا النَّجَاشِيّ وَأَصْحَابه بالدمع فَقَالُوا زِدْنَا يَا جَعْفَر من هَذَا الحَدِيث الطّيب فَقَرَأَ عَلَيْهِم سُورَة الْكَهْف فَأَرَادَ عَمْرو أَن يغْضب النَّجَاشِيّ فَقَالَ إِنَّهُم يشتمون عِيسَى وَأمه فَقَالَ النَّجَاشِيّ مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى وَأمه فَقَرَأَ عَلَيْهِم جَعْفَر سُورَة مَرْيَم فَلَمَّا أَتَى على ذكر مَرْيَم وَعِيسَى رفع النَّجَاشِيّ نفثة من سواكه قدر مَا يقذى الْعين قَالَ وَالله مَا زَاد الْمَسِيح على مَا تَقولُونَ هَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي النفاثة مَا بَقِي فِي فِيك من السِّوَاك فنفثته مضموم الأول ثمَّ أقبل على جَعْفَر وَأَصْحَابه فَقَالَ اذْهَبُوا فَأنْتم شيوم بأرضي يَقُول آمنون من سبكم أَو إِذا كم غرم ثمَّ قَالَ أَبْشِرُوا وَلَا تخافوا فَلَا دهورة الْيَوْم على حزب إِبْرَاهِيم قَالَ عَمْرو يَا نجاشي وَمن حزب إِبْرَاهِيم قَالَ هَؤُلَاءِ الرَّهْط وصاحبهم الَّذِي جَاءُوا من عِنْده وَمن تَبِعَهُمْ فَأنْكر ذَلِك الْمُشْركُونَ وَادعوا دين إِبْرَاهِيم ثمَّ رد النَّجَاشِيّ على عَمْرو وَصَاحبه المَال الَّذِي حملوه وَقَالَ إِنَّمَا هديتكم إِلَيّ رشوة فاقبضوها فَإِن الله ملكني وَلم يَأْخُذ مني رشوة قَالَ الْجَوْهَرِي رشوة بِضَم الرَّاء وَكسرهَا يُقَال ترشيت الرجل إِذا لاينته واسترشى فِي حكمه طلب الرِّشْوَة عَلَيْهِ قَالَ جَعْفَر فانصرفنا فَكُنَّا فِي خير دَار

стр. 311

وَأكْرم جوَار وَأنزل الله ذَلِك الْيَوْم على رَسُوله ﷺ فِي خصومتهم فِي إِبْرَاهِيم وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ قَوْله إِن أولى النَّاس بإبرهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي وَالَّذين آمنُوا وَالله ولي الْمُؤمنِينَ فصل فِي خبر عمَارَة بن الْوَلِيد مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ وسحره حَتَّى مَاتَ مَعَ الْوَحْش فِي الْبَريَّة روى ابْن الْجَوْزِيّ بِسَنَدِهِ فِي تنوير الغبش عَن مُصعب بن عبد الله قَالَ لما أرسلهما قومهما إِلَى النَّجَاشِيّ يَعْنِي عمرا وَعمارَة راسل عمَارَة جَارِيَة لعَمْرو كَانَت مَعَه حَتَّى صغت إِلَيْهِ فَاطلع على ذَلِك عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَ (تعلم عمار أَن من شَرّ شِيمَة ... لمثلك أَن يدعى ابْن عَم لَهُ ابْن مَا) (أإن كنت ذَا بردين أحوى مرجلا ... فلست تراني لِابْنِ عمك محرما)

стр. 312

بعلامة أستدل بهَا على مَا ذكرت فَعَاد عمَارَة وَأخْبر عمرا بأَمْره وَأمر زَوْجَة النَّجَاشِيّ فَقَالَ لَهُ عَمْرو لَا أقبل هَذَا مِنْك إِلَّا بِأَن لَا ترْضى مِنْهَا إِلَّا بِأَن تعطيك من دهن الْملك الَّذِي لَا يدهن بِهِ غَيره فكلمها عمَارَة فِي الدّهن فَقَالَت أَخَاف من الْملك فَأبى أَن يرضى عَنْهَا حَتَّى تعطيه من ذَلِك الدّهن فَأَعْطَتْهُ مِنْهُ فَأعْطَاهُ عمرا فجَاء بِهِ إِلَى النَّجَاشِيّ فَدَعَا بسحرة فسحروه ونفخوا فِي إحليله فَذهب مَعَ الْوَحْش وَلزِمَ الْبَريَّة وَفَارق الْإِنْس وهام فَلم يزل متوحشا يرد مَاء فِي جَزِيرَة بِأَرْض الْحَبَشَة حَتَّى خرج إِلَيْهِ عبد الله بن أبي ربيعَة فِي جمَاعَة من أَصْحَابه فرصده على المَاء فَأَخذه فَجعل يَصِيح أَرْسلنِي فَإِنِّي أَمُوت إِن أمسكتني فأمسكه فَمَاتَ فِي يَده أوردهُ السُّهيْلي وَزَاد فِيهِ أَيْضا قَالَ وَمِمَّنْ ذكر قصَّة عمَارَة بِطُولِهَا أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ وَذكر أَن عَمْرو بن الْعَاصِ سَافر بامرأته فَلَمَّا ركبُوا الْبَحْر وَكَانَ عمَارَة قد هوى امْرَأَة عَمْرو وهويته فعزم على دفع عَمْرو فِي الْبَحْر أَو كَانَ ذَلِك من عمَارَة عَن غير قصد

стр. 313

فَسقط فِي الْبَحْر فسبح عَمْرو ونادى أَصْحَاب السَّفِينَة فَأَخَذُوهُ ورفعوه إِلَى السَّفِينَة فأضمرها عَمْرو فِي نَفسه وَلم يبدها لعمارة بل قَالَ لامْرَأَته قبلي ابْن عمك عمَارَة لتطيب بذلك نَفسه فَلَمَّا أَتَيَا أَرض الْحَبَشَة مكر بِهِ عَمْرو وَقَالَ لَهُ إِنِّي قد كتبت إِلَى بني سهم ليبرؤا من دمي لَك فَاكْتُبْ أَنْت لبني مَخْزُوم ليبرؤا من دمك لي حَتَّى تعلم قُرَيْش أَنا قد تصافينا فَلَمَّا كتب عمَارَة إِلَى بني مَخْزُوم وتبرؤا من دَمه لبني سهم قَالَ شيخ من قُرَيْش قتل عمَارَة وَالله وَعلم أَنه مكر من عَمْرو ثمَّ أَخذ عَمْرو يحرض عمَارَة على التَّعَرُّض لامْرَأَة النَّجَاشِيّ وَقَالَ لَهُ أَنْت امْرُؤ جميل وَهن النِّسَاء يحببن الْجمال من الرِّجَال فلعلها أَن تشفع لنا عِنْد الْملك فِي قَضَاء حاجتنا فَفعل عمَارَة فَلَمَّا رأى عَمْرو ذَلِك وتكرر عمَارَة على امْرَأَة الْملك وَرَأى بانابتها إِلَيْهِ أَتَى الْملك متنصحا وجاءه بأمارة عرفهَا الْملك قد كَانَ عمَارَة أطلع عمرا عَلَيْهَا فَأَدْرَكته غيرَة الْملك وَقَالَ لَوْلَا أَنه جاري لقتلته وَلَكِن سأفعل بِهِ مَا هُوَ شَرّ من الْقَتْل فَدَعَا بالسواحر فأمرهن أَن يسحرنه فنفخن فِي إحليله نفخة طَار مِنْهَا هائما على وَجهه حَتَّى لحق بالوحش فِي الْجبَال وَكَانَ يرى آدَمِيًّا فيفر مِنْهُ وَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بِهِ إِلَى زمن عمر بن الْخطاب ﵁ فجَاء ابْن عَمه عبد الله بن

стр. 314

أبي ربيعَة إِلَى عمر واستأذنه فِي الْمسير إِلَيْهِ لَعَلَّه يجده فَأذن لَهُ عمر ﵁ فَسَار عبد الله إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَأكْثر النِّشْدَة عَنهُ والفحص عَن أمره حَتَّى أخبر أَنه فِي جبل يرد مَعَ الْوَحْش إِذا وَردت ويصدر مَعهَا إِذا صدرت فَسَار إِلَيْهِ حَتَّى كمن لَهُ فِي طَرِيقه إِلَى المَاء فَإِذا هُوَ قد غطاه شعره وطالت أَظْفَاره وتمزقت عَلَيْهِ ثِيَابه كَأَنَّهُ شَيْطَان فَقبض عَلَيْهِ عبد الله وَجعل يذكرهُ بالرحم ويستعطفه وَهُوَ ينتفض مِنْهُ وَيَقُول أَرْسلنِي يَا بحير وَكَانَ اسْم عبد الله فِي الْجَاهِلِيَّة بحيرا فَسَماهُ النَّبِي ﷺ عبد الله قَالَ وَأبي عبد الله أَن يُرْسِلهُ حَتَّى مَاتَ بَين يَدَيْهِ فصل فِي ذكر توجه عَمْرو بن الْعَاصِ فِي الْمرة الثَّانِيَة إِلَى النَّجَاشِيّ وإسلامه عِنْده ورجوعه إِلَى الْمَدِينَة ولقائه خَالِد بن الْوَلِيد وَعُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي وإسلامهم قَالَ الْوَاقِدِيّ فِي الْمَغَازِي قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ كنت لِلْإِسْلَامِ

стр. 315

مجانبا معاندا فَحَضَرت بَدْرًا مَعَ الْمُشْركين فنجوت ثمَّ حضرت أحدا فنجوت ثمَّ حضرت الخَنْدَق فَقلت فِي نَفسِي كم أوضع وَالله لَيظْهرَن مُحَمَّد على قُرَيْش فلحقت بِمَالي بالوهط قَالَ الْبكْرِيّ فِي المعجم الوهط بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه بعده طاء مُهْملَة هُوَ الْمَكَان المطمئن وَبِذَلِك سمي مَال عَمْرو بن الْعَاصِ بِالطَّائِف وَحدث سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن مولى لعَمْرو بن الْعَاصِ أَن عمرا أَدخل فِي تعريش الوهط ألف ألف عود قَامَ كل عود بدرهم فَقَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو من يَأْخُذ مَال مصرين يَجعله فِي وهطين وَيُصلي سعير نارين قَالَ عَمْرو وأفلت يَعْنِي من النَّاس فَلم أحضر الْحُدَيْبِيَة وَلَا صلحها وَانْصَرف رَسُول الله ﷺ بِالصُّلْحِ وَرجعت قُرَيْش إِلَى مَكَّة فَجعلت أَقُول يدْخل مُحَمَّد ﷺ قَابلا مَكَّة بِأَصْحَابِهِ مَا مَكَّة بمنزل وَلَا الطَّائِف وَمَا شَيْء خير من الْخُرُوج وَأَنا بعد ناء عَن الْإِسْلَام أرى لَو أسلمت قُرَيْش كلهَا لم أسلم فَقدمت مَكَّة فَجمعت رجَالًا من قومِي كَانُوا يرَوْنَ رَأْيِي ويسمعون مني ويقدموني فِيمَا نابهم فَقلت لَهُم كَيفَ أَنا فِيكُم قَالُوا ذُو رَأينَا ومدرهنا المدره لِسَان الْقَوْم والمتكلم عَنهُ قَالَه ابْن فَارس مَعَ يمن نفس وبركة

стр. 316

أَمر فَقلت تعلمن وَالله إِنِّي لأرى أَمر مُحَمَّد ﷺ أمرا يَعْلُو الْأُمُور علوا مُنْكرا وَإِنِّي قد رَأَيْت رَأيا قَالُوا مَا هُوَ قلت نلحق بالنجاشي فنكون عِنْده فَإِن كَانَ يظْهر مُحَمَّد كُنَّا عِنْد النَّجَاشِيّ فنكون تَحت يَده أحب إِلَيْنَا من أَن نَكُون تَحت يَد مُحَمَّد ﷺ فَإِن تظهر قُرَيْش فَنحْن من قد عرفُوا قَالُوا هَذَا الرَّأْي قَالَ فاجمعوا مَا تهدونه لَهُ وَكَانَ أحب مَا يهدي إِلَيْهِ من أَرْضنَا الْأدم قَالَ فجمعنا أدما كثيرا ثمَّ خرجنَا حَتَّى قدمنَا على النَّجَاشِيّ فوَاللَّه إِنَّا لعنده إِذْ جَاءَهُ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي وَكَانَ رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَيْهِ بِكِتَاب كتبه إِلَيْهِ فَدخل عَلَيْهِ ثمَّ خرج من عِنْده فَقلت لِأَصْحَابِي هَذَا عَمْرو بن أُميَّة وَلَو قد دخلت على النَّجَاشِيّ فأعطانيه فَضربت عُنُقه فَإِذا فعلت ذَلِك سررت قُريْشًا وَكنت قد أَجْزَأت عَنْهَا حِين قتلت رَسُول مُحَمَّد ﷺ قَالَ فَدخلت على النَّجَاشِيّ فسجدت لَهُ كَمَا كنت أصنع فَقَالَ مرْحَبًا بصديقي أهديت لي من بلادك شَيْئا فَقلت نعم أهديت لَك أدما

стр. 317

كثيرا فقربته إِلَيْهِ فأعجبه وَفرق مِنْهُ أَشْيَاء بَين بطارقته وَأمر بسائره فَأدْخل فِي مَوضِع وَأمر أَن يكْتب وَأَن يحْتَفظ بِهِ قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت طيب نَفسه قلت أَيهَا الْملك إِنِّي قد رَأَيْت رجلا خرج من عنْدك وَهُوَ رَسُول رجل عَدو لنا قد وترنا وَقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فَأَقْتُلهُ فَرفع يَده فَضرب بهَا أنفي ضَرْبَة ظَنَنْت أَنه كَسره وابتدر الدَّم من منخري فَجعلت أتلقى الدَّم بثيابي وأصابني من الذل مَا لَو انشقت الأَرْض دخلت فِيهَا فرقا مِنْهُ ثمَّ قلت لَهُ أَيهَا الْملك لَو ظَنَنْت أَنَّك تكره مَا قلت مَا سَأَلتك قَالَ واستحيى وَقَالَ يَا عَمْرو تَسْأَلنِي أُعْطِيك رَسُول رَسُول الله من يَأْتِيهِ الناموس الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَعِيسَى بن مَرْيَم لتقتله الناموس عِنْد أهل الْكتاب جِبْرِيل قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ عَمْرو وَغير الله قلبِي عَمَّا كنت عَلَيْهِ وَقلت فِي نَفسِي عرف هَذَا الْحق الْعَرَب والعجم وتخالف أَنْت ثمَّ قلت وَتشهد أَيهَا الْملك بِهَذَا قَالَ نعم أشهد بِهِ عِنْد الله يَا عَمْرو فأطعني وَاتبعهُ وَالله إِنَّه لعلى الْحق وليظهرن على كل من خَالفه كَمَا ظهر مُوسَى على فِرْعَوْن وَجُنُوده قلت أفتبايعني

стр. 318

على الْإِسْلَام قَالَ نعم فَبسط يَده فَبَايَعته على الْإِسْلَام ودعا لي بطست فَغسل عني الدَّم وكساني ثيابًا وَكَانَت ثِيَابِي قد امْتَلَأت من الدَّم فألقيتها ثمَّ خرجت إِلَى أَصْحَابِي فَلَمَّا رَأَوْا كسْوَة الْملك سروا بذلك وَقَالُوا هَل أدْركْت من صَاحبك مَا أردْت فَقلت لَهُم كرهت أَن ُأكَلِّمهُ فِي أول مرّة وَقلت أَعُود إِلَيْهِ قَالُوا الرَّأْي مَا رَأَيْت وفارقتهم كَأَنِّي أعمد لحَاجَة فعمدت إِلَى مَوضِع السفن فأجد سفينة قد شحنت تدفع فركبت مَعَهم ودفعوها حَتَّى انْتَهوا إِلَى الشعيبة وَخرجت من السَّفِينَة وَمَعِي نَفَقَة فابتعت بَعِيرًا وَخرجت أُرِيد الْمَدِينَة حَتَّى خرجت على مر الظهْرَان ثمَّ مضيت حَتَّى إِذا كنت بالهدأة إِذا رجلَانِ قد سبقاني بِغَيْر كثير يُريدَان منزلا وَأَحَدهمَا دَاخل فِي خيمة وَالْآخر قَائِم يمسك الراحلتين فَنَظَرت فَإِذا خَالِد بن الْوَلِيد فَقلت أَبَا سُلَيْمَان قَالَ نعم قلت أَيْن تُرِيدُ قَالَ مُحَمَّدًا ﷺ دخل النَّاس فِي الْإِسْلَام فَلم يبْق أحد بِهِ طمع وَالله لَو أَقَمْنَا لأخذ برقابنا كَمَا يُؤْخَذ بِرَقَبَة الضبع فِي مغارتها قلت وَأَنا وَالله قد أردْت مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 319

وَأَرَدْت الْإِسْلَام وَخرج عُثْمَان بن طَلْحَة فَرَحَّبَ بِي فنزلنا جَمِيعًا فِي الْمنزل ثمَّ ترافقنا حَتَّى قدمنَا الْمَدِينَة وَفِي رِوَايَة فَلَقِيت خَالِدا قبيل الْفَتْح وَهُوَ مقبل من مَكَّة فَقلت إِلَى أَيْن يَا أَبَا سُلَيْمَان قَالَ لقد استقام المنسم وَإِن الرجل لنَبِيّ اذْهَبْ وَالله وَأسلم فحتى مَتى المنسم بِفَتْح الْمِيم وبالنون وَكسر السِّين مقدم خف الْبَعِير وَفِي النعامة أَيْضا كنى بِهِ عَن الطَّرِيق المتوجه بِهِ فِيهِ يُقَال من أَيْن منسمك أَي من أَيْن وجهتك وبكسر الْمِيم وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الْعَلامَة قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ ابْن عبد الْبر فِي تَرْجَمَة الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَكَانَ أسلم قبل أَخِيه خَالِد وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ عمْرَة الْقَضِيَّة وَكتب إِلَى أَخِيه خَالِد وَكَانَ خَالِد خرج من مَكَّة فَارًّا لِئَلَّا يرى رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه بِمَكَّة كَرَاهَة الْإِسْلَام فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ الْوَلِيد عَنهُ وَقَالَ لَو أَتَانَا لأكرمناه وَمَا مثله سقط عَلَيْهِ الْإِسْلَام فِي عقله فَكتب بذلك الْوَلِيد إِلَى أَخِيه خَالِد فَوَقع الْإِسْلَام فِي قلبه وَكَانَ سَبَب هجرته

стр. 320

قَالَ الْوَاقِدِيّ قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة مَا أنسى قَول رجل لَقينَا ببئر أبي عنبة يَصِيح يَا رَبَاح يَا رَبَاح فتفاءلنا بقوله وسررنا ثمَّ نظر إِلَيْنَا فأسمعه يَقُول قد أَعْطَتْ مَكَّة المقادة بعد هذَيْن فَظَنَنْت أَنه يعنيني وَيَعْنِي خَالِد بن الْوَلِيد ثمَّ ولى مُدبرا إِلَى الْمَسْجِد سَرِيعا فَظَنَنْت أَنه يبشر رَسُول الله ﷺ بقدومنا فَكَانَ كَمَا ظَنَنْت وأنخنا بِالْحرَّةِ فلبسنا من صَالح ثيابنا وَنُودِيَ بالعصر فَانْطَلَقْنَا جَمِيعًا حَتَّى طلعنا عَلَيْهِ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه وَإِن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ قد رمتكم مَكَّة بأفلاذ كَبِدهَا قَالَ الْجَوْهَرِي الفلد كبد الْبَعِير وَالْجمع أفلاذ والفلذة الْقطعَة من الكبد وَاللَّحم وَالْمَال وَغَيرهَا وَتقدم خَالِد بن الْوَلِيد فَبَايع ثمَّ تقدم عُثْمَان بن طَلْحَة فَبَايع ثمَّ تقدّمت فوَاللَّه مَا هُوَ إِلَّا أَن جَلَست بَين يَدَيْهِ ﷺ فَمَا اسْتَطَعْت أَن أرفع طرفِي إِلَيْهِ حَيَاء مِنْهُ فَبَايَعته على أَن يغْفر لي مَا تقدم من ذَنبي وَلم يحضرني مَا تَأَخّر
следующие страницы →