Полный текст (560 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الْمنْهَج المسلوك فِي سياسة الْمُلُوك
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه أَثِق وَعَلِيهِ أتوكل
مُقَدّمَة الْكتاب وتراجم أبوابه
الحمدلله الَّذِي عجزت الْعُقُول عَن معرفَة ذَاته وَقصرت الأفكار عَن الْإِحَاطَة بكنه صِفَاته وتحيرت الْأَبْصَار فِي بَدَائِع مصنوعاته وَشهِدت لَهُ بالوحدانية عجائب أرضه وسماواته أَحْمَده على مِنْهُ الْعِظَام وأياديه الحسان حمد معترف بسوابغ الإنعام وَأشْهد ان لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الها لم يزل منعوتا بالجلال مَوْصُوفا
стр. 2
بالكمال منزها عَن الْحَرَكَة والسكون والإنتقال مقدسا عَن الْجِسْم والشبح والخيال وَأشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ ببرهان لامع الْمنَار وَقُرْآن سَاطِع الْأَنْوَار قَاطع بإعجازه حجج الْكفَّار والطغاة المعاندين أولي الْإِنْكَار
وَصلى الله وَسلم عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الْأَبْرَار صَلَاة دائمة بالْعَشي وَالْإِبْكَار
قَالَ عبد الرَّحْمَن بن نصر بن عبد الله لما كَانَ الْمولى الْملك النَّاصِر
стр. 3
صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين أَبُو المظفر
стр. 4
يُوسُف بن أَيُّوب بن شادي محيي
стр. 5
دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أدام الله دولته وحرس على الْإِسْلَام مهجته مِمَّن أَتَاهُ الله ملكه الْعَظِيم وهداه صراطه الْمُسْتَقيم وأورثه مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وأوطأه من الْمُلُوك رقابها ومناكبها وَكَانَ مِمَّن يرى الْأَدَب وفضله ويؤثر الْعلم واهله جمعت لخزانة علومه هَذَا الْكتاب وَهُوَ يحتوي على ظرائف من الْحِكْمَة وجواهر من الْأَدَب وأصول
стр. 6
فِي السياسة وتدبير الرّعية وَمَعْرِفَة أَرْكَان المملكة وقواعد التَّدْبِير وَقِسْمَة الْفَيْء وَالْغنيمَة على الأجناد وَمَا يلْزم اهل الْجَيْش من حُقُوق الْجِهَاد ونبهت فِيهِ على الشيم الْكَرِيمَة والأخلاق الذميمة وأشرت فِيهِ إِلَى فضل المشورة والحث عَلَيْهَا وَكَيْفِيَّة مصابرة الْأَعْدَاء وسياسة الْجَيْش وأودعته من الْأَمْثَال مَا يسْبق إِلَى الذِّهْن شَوَاهِد صِحَّتهَا ومعالم أدلتها مَعَ نَوَادِر من الْأَخْبَار وشواهد من الْأَشْعَار وفصلته أبوابا تَتَضَمَّن حكايات لائقة ومواعظ شافية وَحكما بَالِغَة وسلكت فِي ذَلِك كُله طَرِيق الإختصار وَمذهب الإيجاز لِئَلَّا تمجه الخواطر وترفضه الأسماع وسميته الْمنْهَج المسلوك فِي سياسة الْمُلُوك.
стр. 7
وَكنت فِي أيداعه خزانَة علومه كمهدي التَّمْر إِلَى هجر أَو الكافور إِلَى قيصور وَلَكِنِّي قصدت بذلك إِيصَال الْحِكْمَة أَهلهَا وَأَن أضعها محلهَا وَبِاللَّهِ اعْتصمَ وَعَلِيهِ أتوكل وَهُوَ عشرُون بَابا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل.
الْبَاب الأول فِي بَيَان افتقار الرّعية إِلَى ملك عَادل
الْبَاب الثَّانِي فِي بَيَان فضل الْأَدَب وافتقار الْملك إِلَيْهِ
стр. 8
الْبَاب الثَّالِث فِي معرفَة قَوَاعِد الْأَدَب
الْبَاب الرَّابِع فِي معرفَة أَرْكَان المملكة
الْبَاب الْخَامِس فِي معرفَة أَوْصَاف الْكَرِيمَة والحث عَلَيْهَا
الْبَاب السَّادِس فِي معرفَة الْأَوْصَاف الذميمة وَالنَّهْي عَنْهَا
الْبَاب السَّابِع فِي كَيْفيَّة رُتْبَة الْملك مَعَ اوليائه فِي حَال جُلُوسه وركوبه
الْبَاب الثَّامِن فِي بَيَان فضل المشورة والحث عَلَيْهَا
الْبَاب التَّاسِع فِي بَيَان أَوْصَاف أهل المشورة وحكايات لائقة
الْبَاب الْعَاشِر فِي معرفَة أصُول السياسة وَالتَّدْبِير
الْبَاب الْحَادِي عشر فِي الْجُلُوس لكشف الْمَظَالِم
الْبَاب الثَّانِي عشر فِي ذكر أدب صُحْبَة الْمُلُوك
الْبَاب الثَّالِث عشر فِي معرفَة مَا تكَاد بِهِ الْمُلُوك فِي غَالب الْأَحْوَال
الْبَاب الرَّابِع عشر فِيمَا يَنْبَغِي للْملك من سياسة الْجَيْش وتدبير الْجنُود
الْبَاب الْخَامِس عشر فِيمَا يلْزم أهل الْجَيْش من حُقُوق الْجِهَاد
الْبَاب السَّادِس عشر فِي مصابرة الْمُشْركين
الْبَاب السَّابِع عشر فِي معرفَة قتال قطاع الطَّرِيق واهل الرِّدَّة وَالْبَغي
стр. 9
الْبَاب الثَّامِن عشر فِي معرفَة قسْمَة الْغَنِيمَة والفيء
الْبَاب التَّاسِع عشر فِيمَا يَنْبَغِي للْملك فعله عِنْد قفوله بالجيش
الْبَاب الْعشْرُونَ فِي الْحَث على اسْتِمَاع المواعظ وقبولها من النساك
الْبَاب الخاتمة
стр. 10
الْبَاب الأول فِي بَيَان إفتقار الرّعية إِلَى ملك عَادل
قَالَ عبد الرَّحْمَن لما كَانَت الرّعية ضروبا مُخْتَلفَة وشعوبا مُخْتَلفَة متباينة الْأَغْرَاض والمقاصد مفترقة الْأَوْصَاف والطبائع افْتَقَرت ضَرُورَة إِلَى ملك عَادل يقوم
стр. 11
أودها وَيُقِيم عمدها وَيمْنَع ضررها وَيَأْخُذ حَقّهَا ويذب عَنْهَا مَا أشقها وَمَتى خلت من سياسة تَدْبِير الْملك كَانَت كسفينة فِي الْبَحْر اكتنفتها الرِّيَاح المتواترة والأمواج المتظاهرة قد أسلمها الملاحون واستسلم أَهلهَا إِلَى الْمنون.
وَاعْلَم أَن الرّعية تستظمىء إِلَى عدل الْملك وتدبيره استظماء أهل الجدب إِلَى الْغَيْث الوابل وينتعشون بطلعته عَلَيْهِم كانتعاش النبت بِمَا يَنَالهُ من ذَلِك الْقطر بل الرّعية بِالْملكِ أعظم انتفاعا مِنْهَا.
стр. 12
بالغيث لِأَن للغيث وقتا مَعْلُوما وسياسة الْملك دائمة لَا حد لَهَا وَلَا وَقت
والرعية فِي تبَاين أوصافها كنبت الأَرْض فَمِنْهُ الطّيب المثمر وَمِنْه الْخَبيث الْقَاتِل فَمن كَانَ مِنْهُ طيبا فَإِنَّهُ لَا تزكي أُصُوله فِي أرضه وَلَا تنمى فروعه إِذا جاوره الْخَبيث فِيهَا لَان الْخَبيث يسْبق إِلَى مَا دونه فِي الْقَرار فَيَشْرَبهَا ويكثف فروعه فِي الفضاء فَلَا يصل إِلَيْهِ حَظه من النسيم فَإِذا أصلحت الأَرْض فأسدها وَأخرج مَا فِيهَا من النبت الْخَبيث انْتَعش نبتها الطّيب وقوى أَصله ونما فَرعه وطاب ثمره وَكَذَلِكَ الرّعية لما جاور الْخَبيث طيبها افْتَقَرت ضَرُورَة إِلَى ملك يصلح فاسدها ويقمع صائلها وَيكسر شَوْكَة أهل التَّعَدِّي عَلَيْهَا لتنتعش أحوالها وتزكي أموالها وَيكثر خَيرهَا وَتصْلح
стр. 13
أمورها وَقد قيل الرّعية بِلَا وَال كالأنعام بِلَا رَاع فَانْظُر سَائِمَة الانعام فِي مراعيها إِذا خلت من راعيها مَا أَشد اختلال حَالهَا وَاخْتِلَاف افعالها بل الرّعية أَشد اختلالا وَأكْثر اخْتِلَافا فَلَا بُد من زعيم يمنعهُم من الْمَظَالِم ويفضل بَينهم فِي التَّنَازُع والتخاصم ولولاه لكانوا فوضى مهملين وهمجا مضاعين
قَالَ الأفوه الأودي
стр. 14
(لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم ... وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا)
(وَالْبَيْت لَا يبتنى إِلَّا باعمدة ... وَلَا عماد إِذا لم ترس أوتاد)
(فَإِن تجمع أوتاد واعمدة ... وَسَاكن بلغُوا الْأَمر الَّذِي رادوا)
стр. 15
فِي فضل الْأَدَب وافتقار الْملك إِلَيْهِ
قَالَ عبد الرَّحْمَن لما افْتَقَرت الرّعية فِي أمورها إِلَى تَدْبِير الْملك وَكَانَ الْأَدَب مَجْمُوع خلال حميدة وخصال جميلَة افْتقر إِلَيْهِ الْملك ضَرُورَة لتصدر عَنهُ تصاريف التَّدْبِير فِي الرّعية على قانون الْعدْل الَّذِي بِهِ دوَام المملكة فقد قيل من حسنت سياسته دَامَت رياسته
وَاعْلَم أَن الْأَدَب أحد الْأَوْصَاف الْأَرْبَعَة الَّتِي يشْتَرط قِيَامهَا بِالْملكِ فِي تَدْبِير المملكة على مَا سنوضحه فَإِذا عرى الْملك ١٧٠
عَنهُ اختلت سياسة وتدبيره وَقد قيل الْأَدَب صُورَة الْعقل فَمن لَا أدب لَهُ لَا عقل لَهُ وَمن لَا عقل لَهُ لَا سياسة لَهُ وَمن لَا سياسة لَا ملك لَهُ
وَقَالَ بَعضهم قَرَأت فِي التورة إِن أحسن الْحِلْية الْحسب وَلَا حسب لمن لَا مُرُوءَة لَهُ وَمن لَا مُرُوءَة لمن لَا عقل لَهُ وَلَا عقل لمن لَا أدب لَهُ.
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْأَدَب عصمَة الْمُلُوك لِأَنَّهُ يمنعهُم من الظُّلم ويردهم إِلَى الْحلم ويصدهم عَن الأذية ويعطفهم على الرّعية فَمن حَقهم أَن يعرفوا فَضله ويعظموا أَهله.
стр. 16
عَنهُ اختلت سياسته وتدبيره وَقد قيل الْأَدَب صُورَة الْعقل فَمن لَا أدب لَهُ لَا عقل لَهُ وَمن لَا عقل لَهُ لَا سياسة لَهُ وَمن لَا سياسة لَا ملك لَهُ
وَقَالَ بَعضهم قَرَأت فِي التَّوْرَاة إِن أحسن الْحِلْية الْحسب وَلَا حسب لمن لَا مُرُوءَة لَهُ وَلَا مُرُوءَة لمن لَا عقل لَهُ وَلَا عقل لمن لَا أدب لَهُ.
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْأَدَب عصمَة الْمُلُوك لِأَنَّهُ يمنعهُم من الظُّلم ويردهم إِلَى الْحلم ويصدهم عَن الأذية ويعطفهم على الرّعية فَمن حَقهم أَن يعرفوا فَضله ويعظموا أَهله.
стр. 17
وَقَالَ بعض الْعلمَاء لَيْسَ للمرء أَن يتبجح بِحَالَة جليلة نالها بِغَيْر عقل أَو منزلَة رفيعة نالها بِغَيْر أدب فَإِن الْجَهْل ينزله مِنْهَا ويزيله عَنْهَا ويحطه إِلَى رتبته وَيَردهُ إِلَى قِيمَته بعد أَن تظهر عيوبه وتكثر ذنُوبه وَيصير مادحه هاجيا ووليه معاديا.
وَكَانَ يُقَال عقل الأديب أبدا فِي إرشاد ورأيه أبدا فِي سداد فَقَوله سديد وَفعله حميد.
وَقَالَ رجل من قيس لسَيِّد من قُرَيْش يَا أَخا قُرَيْش أطلب الْأَدَب
стр. 18
فَإِنَّهُ زِيَادَة فِي الْعقل وَكَمَال فِي المنصب وَدَلِيل على الْمُرُوءَة وَصَاحب فِي الغربة وصلَة فِي الْمجَالِس وَمَا أحسن قَول الَّذِي يَقُول
(أدب الْمَرْء كلحم وَدم ... مَا حواه أحد إِلَّا صلح
(لَو وزنا رجلا ذَا أدب ... بألوف من ذَوي الْجَهْل رجح
وَكَانَ يُقَال الْأَدَب مَال واستعماله كَمَال وَأوصى ملك وَلَده فَقَالَ يَا بني خصلتان يسود بهما الْمَرْء وَإِن كَانَ غير ذِي مَال الْعلم وَالْأَدب يَا بني جَالس الكبراء وناطق الْعلمَاء فَإِن مؤاخاتهم كَرِيمَة ومجالستهم غنيمَة وصحبتهم سليمَة
وَأوصى رجل وَلَده فَقَالَ يَا بني عَلَيْك بالأدب فَإنَّك إِن كنت غَنِيا
стр. 19
كنت شرِيف قَوْمك وَإِن كنت مكتفيا كنت سري قَوْمك وَإِن كنت مُحْتَاجا لم يسْتَغْن عَنْك ويحتاجك رُؤَسَاء الْبِلَاد وأشرافهم
وَقيل من قعد بِهِ نسبه نَهَضَ بِهِ أدبه وَقَالَ بزر جمهر مَا أورثت الْآبَاء أبناءها أفضل من الْأَدَب لِأَنَّهَا إِذا أورثتها الْأَدَب اكْتسبت بِهِ الْأَمْوَال ونالت بِهِ أَعلَى الْمَرَاتِب وَإِذا أورثتها الْأَمْوَال أضاعتها وَبقيت عدما من الْأَدَب وَكَانَ يُقَال الْأَدَب خير مِيرَاث وَحسن
стр. 20
الْخلق خير قرين والتوفيق خير قَائِد وَالِاجْتِهَاد أربح تِجَارَة وَلَا مَال أَعُود من الْعقل وَلَا عقل أوثق من المشورة وَلَا فقر أَشد من الْجَهْل
وَقيل الْأَدَب ثوب جَدِيد لَا يبْلى / وَالْعلم كنز عَظِيم لَا يفنى وَقيل من أدب ابْنه أرْغم عدوه وَقيل ثَلَاثَة لَيْسَ مَعَهُنَّ غربَة حسن الْأَدَب ومجانبة الريب وكف الأذية وَقَالَ نصر بن سيار كل شَيْء
стр. 21
يَبْدُو صَغِيرا ثمَّ يكبر إِلَّا الْمُصِيبَة فَإِنَّهَا تبدو كَبِيرَة ثمَّ تصغر وكل شَيْء يرخص إِذا كثر إِلَّا الْأَدَب فَإِنَّهُ إِذا كثر غلا وَاعْلَم أَن فضل الْأَدَب أشهر من أَن يسطر وَفِي النَّفس الأبية باعث عَلَيْهِ إِذا كَانَت تأبى ضِدّه وَتكره مُخَالفَته وَله قَوَاعِد تبتنى عَلَيْهِ أَرْكَانه سنذكرها إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 22
الْبَاب الثَّالِث فِي معرفَة قَوَاعِد الْأَدَب
لما كَانَ الْأَدَب وَصفا مَشْرُوطًا للْملك فِي تَدْبِير المملكة افْتقر فِي ذَلِك إِلَى معرفَة قَوَاعِده الَّتِي لَا يتَحَقَّق بِدُونِهَا وَلَا يبتنى إِلَّا عَلَيْهَا وهما قاعدتان لَا يسع الْملك تَركهمَا إِذْ هما أصلان فِي السياسة وَالتَّدْبِير
الْقَاعِدَة الأولى الْعلم
إعلم أَن الْعلم بِأَحْكَام الدّين وَضبط أصُول الشَّرِيعَة وَاجِب على كل مُسلم وعَلى الْمُلُوك أَشد وجوبا لافتقارهم إِلَى إِقَامَة الْحُدُود
стр. 23
الشَّرْعِيَّة بِمَا يسْتَحق كل جَان مِنْهُم على الْوَجْه الشَّرْعِيّ وَأخذ الْحُقُوق من وجوهها وصرفها فِي أَرْبَابهَا وجهاتها ليتَحَقَّق مِنْهُم الْعدْل الَّذِي قَامَت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَتى كَانَ الْملك جَاهِلا كَانَ تَدْبيره هدما لقواعد
стр. 24
المملكة قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ من عمل بِغَيْر علم كَانَ مَا يهدم أَكثر مِمَّا يَبْنِي
قَالَ عبد الرَّحْمَن وَلَا محَالة أَن الْملك إِذا كَانَ خَالِيا من الْعلم ركب هَوَاهُ وتخبط مَا يَلِيهِ إِذْ لَا تحجبه فكرة سليمَة وَلَا تَمنعهُ حجَّة صَحِيحَة وَيكون كالفيل الهائج فِي الْبَلَد القفر لَا يمر بِشَيْء إِلَّا تخبطه وَإِذا كَانَ الْملك عَالما كَانَ لَهُ من علمه وازع يقمع هَوَاهُ ويميل بِهِ إِلَى سنَن الْحق كالفيل الهائج إِذا خرج من الْبَلَد القفر إِلَى الأنيس ذللته السلسلة وقهره الكلوب حَتَّى يحمل عَلَيْهِ الأثقال
стр. 25
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك إِذا لم يوطده علم كَانَ مذلة اجلة وَالْعلم إِذا لم يُؤَيّدهُ عقل كَانَ مضلة عاجلة
وَكَانَ يُقَال إِذا أَرَادَ الله بِالنَّاسِ خيرا جعل الْعلم فِي مُلُوكهمْ وَالْملك فِي عُلَمَائهمْ وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعلم عصمَة الْمُلُوك لِأَنَّهُ يمنعهُم من الظُّلم ويردهم إِلَى الْحلم ويصدهم عَن الأذية ويعطفهم على الرّعية
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ خَيره الله تَعَالَى بَين الْعلم وَالْملك فَاخْتَارَ الْعلم فَأعْطَاهُ الله
стр. 26
تَعَالَى الْعلم وَالْملك جَمِيعًا
وَأوصى ملك من مُلُوك الْيمن ولي عَهده فَقَالَ اتَّقِ من فَوْقك يتقيك من تَحْتك وكما تحب أَن يفعل بك فافعل برعيتك وَانْظُر كل حسن فافعله واستكثر من مثله وكل قَبِيح فارفضه وبالنصحاء يستبين لَك ذَلِك وَخَيرهمْ أهل الدّين وَأهل النّظر فِي العواقب واستكثر من الْعلم فَإِنَّهُ أساس التَّدْبِير وَمَا لَيْسَ لَهُ أساس فمهدوم وَإِنَّمَا رَأَيْت الْمُلُوك تولي من ثَلَاثَة أُمُور فاحسم عَنْك وَاحِدًا وَأحكم اثْنَيْنِ وَهِي اتِّبَاع الْهوى وتولية من يسْتَحق وكشف أُمُور الرّعية فَإنَّك إِن ملكت هَوَاك
стр. 27
لم تستأثر وَلم تعْمل إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِن وليت الْمُسْتَحق كَانَ عونا لَك على مَا تحب وَلم تضع على يَدَيْهِ الْأُمُور وَإِذا تناهت إِلَيْك أُمُور رعيتك عَاشَ الوضيع وحذر الرفيع وَأمْسك الظَّالِم وَأمن الْمَظْلُوم وَالسَّلَام
وَحكي أَن عبد الله بن صَالح بن
стр. 28
عَليّ دخل بَغْدَاد على بعض شُبَّان بني الْعَبَّاس فحادثه فَوَجَدَهُ على خلاف مَا عهد عَلَيْهِ أسلافه فساءه ذَلِك فَلَمَّا خرج من عِنْده قَالَ إِن الْجَهْل يحط أولى الْمَرَاتِب ويصغر ذَوي المناصب ثمَّ أنْشد متمثلا
(تعلم فَلَيْسَ الْمَرْء يُولد عَالما ... وَلَيْسَ أَخُو علم كمن هُوَ جَاهِل)
(وَإِن كَبِير الْقَوْم لَا علم عِنْده ... صَغِير إِذا الْتفت عَلَيْهِ المحافل)
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْجَهْل مَطِيَّة من ركبهَا زل وَمن صحبها ضل
стр. 29
وأنشدني بعض أهل الْعلم
(احفظ الْعلم مَا اسْتَطَعْت ... فَإنَّك إِن كنت خاملا رفعك)
(واترك الْجَهْل مَا اسْتَطَعْت ... فَإنَّك إِن كنت عَالِيا وضعك)
وَقَالَ بعض الْعلمَاء من غرس الْعلم اجتنى النباهة وَمن غرس الزّهْد اجتنى الْعِزَّة وَمن غرس الْإِحْسَان اجتنى الْمحبَّة وَمن غرس الفكرة اجتنى الْحِكْمَة وَمن غرس الْوَقار اجتنى المهابة وَمن غرس المداراة اجتنى السَّلامَة وَمن غرس الْكبر اجتنى المقت وَمن غرس الْحِرْص اجتنى الذلة وَمن غرس الطمع اجتنى الخزي وَمن غرس الْحَسَد اجتنى الكمد
стр. 30
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة من قَوَاعِد الْأَدَب نهي النَّفس عَن الْهوى
وَذَلِكَ لَازم للْملك فِي التَّدْبِير لِأَن صَوَاب الرَّأْي وَخَطأَهُ إِنَّمَا يكون بِحَسب قُوَّة التخيل الفكري وَضَعفه فَمن قوى تخيل فكره كَانَ فِي سُلْطَان الْهوى غَالِبا وَمن ضعف تخيل فكره كَانَ فِي سُلْطَان الْهوى مَغْلُوبًا وَإِنَّمَا يضعف التخيل الفكري إِذا استولت على النَّفس الشَّهَوَات
стр. 31
فيحتجب الْعقل عَن صَوَاب الرَّأْي فَإِذا قهر الْملك نَفسه عَن هَواهَا ومنعها شهواتها الصائرة بهَا ونهاها ظهر لَهُ صَوَاب التَّدْبِير فِي مرْآة الْعقل وَمَتى لم يملك الْملك ضبط نَفسه عَن هَواهَا وَهِي وَاحِدَة لم يملك ضبط حواسه وَهِي خمس وَإِذا لم يملك ضبط حواسه مَعَ قلتهَا وذلتها صَعب عَلَيْهِ ضبط خاصته من أعوانه وعامته مَعَ كَثْرَة جمعهم وخشونة جانبهم وَمن لم يضْبط خاصته من أعوانه وهم نصب عَيْنَيْهِ لم يضْبط عامته من رَعيته فِي أقاصي بِلَاده وأطراف مَمْلَكَته فَلَيْسَ من عَدو بعد قهر النَّفس أَحَق بالقهر من الْحَواس الْخمس لِأَنَّهُنَّ أعوان النَّفس ودليلها إِلَى الشَّهَوَات الموبقة وَقد رَأينَا قُوَّة الحاسة الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ على انفرادها إِذا أَتَت على نفس من النُّفُوس القوية الحذرة ألهتها عَن مصلحتها حَتَّى توردها حِيَاض الْمَوْت فَكيف بهَا إِذا اجْتمعت خمْسا
стр. 32
على نفس وَاحِدَة فَمن ذَلِك أَن الظبي مَعَ شدَّة نفوره إِذا سمع صَوت أواني الصفر مَعَ تَوَاتر النقرات واصطخابها الهاه سَماع ذَلِك عَمَّا يُرَاد بِهِ فيلبث فِي كِنَانَته حَتَّى يَأْتِيهِ الصياد فيقتنصه
والفيل مَعَ عظم جِسْمه وَشدَّة قوته يلهيه لين اللَّمْس ويذهله عَن نَفسه حَتَّى تنصب لَهُ المصائد فيصاد ويذل ويركب عُنُقه
والفراش الَّذِي يسكن
стр. 33
من حر الشَّمْس إِذا رأى ضوء النَّار أعجبه نورها وَحسن منظرها فيلهيه ذَلِك حَتَّى يلقى نَفسه فِيهَا فتحرقه
وذباب الْورْد المتتبع لطيب الأوائح يطْلب مَا يقطر من أصل أذن الْفِيل عِنْد هيجانه فَإِنَّهُ يكون فِي طيب رَائِحَة الْمسك وَلَا يهوله تَحْرِيك أذن الْفِيل بل يلهيه شم ذَلِك القاطر عَن الإحتراس حَتَّى يلج فِي أصل أُذُنه فَيَقَع عَلَيْهِ ضَرْبَة الْأذن فتقتله
والسمك فِي الْبَحْر يسليه ذوق الطّعْم ويلهيه ويذهله عَن
стр. 34
الشص الَّذِي فِيهِ اللَّحْم فيبتلعه فَيكون فِيهِ حتفه فَمن ملك هَذِه الْحَواس الْخمس فقد ملك نَفسه وَمن ملك نَفسه حسنت سياسته وَمن حسنت سياسته دَامَت رياسته
وَمن أعْطى نَفسه هَواهَا بِاتِّبَاع ملاذ شهواته اشْتغل عَن تَدْبِير مهماته فتختل أُمُور دولته وتنحل عرى مَمْلَكَته
وَقد سُئِلَ رجل من بني أُميَّة عَن سَبَب زَوَال
стр. 35
دولتهم فَقَالَ مثله مَا قَالَ بزرجمهر شَغَلَتْنَا لذاتنا عَن مهماتنا وَقل عطاؤنا لجندنا فَقل ناصرنا وجرنا على أهل خراجنا فدعوا علينا وطلبوا الرَّاحَة منا وَأَشد من ذَلِك أَنا استعملنا صغَار الْعمَّال على كبار الْأَعْمَال فآل ملكنا إِلَى مَا آل
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعقل كالزوج وَالنَّفس كَالزَّوْجَةِ والجسم كالبيت لَهما فَإِذا كَانَ سُلْطَان الْعقل غَالِبا قاهرا للنَّفس اشتغلت النَّفس بمصالح الْجِسْم إِمَّا لمَنْفَعَة تجلبها أَو لمضرة تجتنبها كَمَا تشتغل الزَّوْجَة الَّتِي قهرها زَوجهَا بمصالح بَيتهَا العائدة عَلَيْهَا وعَلى زَوجهَا وَإِن كَانَ سُلْطَان النَّفس على الْعقل غَالِبا كَانَ سعي النَّفس فَاسِدا ونزعاتها مذمومة كَفعل الزَّوْجَة الَّتِي قهرت زَوجهَا
وَكَانَ يُقَال لَا يزَال الْملك الحازم يخَاف ظُهُور عدوه عَلَيْهِ حَتَّى يُجَاوز عدوه قضايا الْعقل إِلَى قضايا الْهوى فَحِينَئِذٍ يبشر بالغلب ويثق بِحسن المنقلب
стр. 36
وَكَانَ يُقَال الْهوى كالنار إِذا استحكم إيقادها عسر إخمادها وكالسيل إِذا اتَّصل مده تعذر صده
قَالَ الْمَأْمُون الْهوى ينْتج من الْأَخْلَاق قبائحها وَيظْهر من الْأَفْعَال فضائحها أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(إِذا مَا رَأَيْت الْمَرْء يقتاده الْهوى ... فقد ثكلته عِنْد ذَاك ثواكله)
(وَقد أشمت الْأَعْدَاء جهلا بِنَفسِهِ ... وَقد وجدت فِيهِ مقَالا عواذله)
(وَمَا يردع النَّفس الحرون عَن الْهوى ... من النَّاس إِلَّا حَازِم الرَّأْي كَامِله)
стр. 37
وَقَالَ أردشير مَا اسْتَعَانَ ملك على عدل فِي رَعيته بِمثل مجانبة الْهوى وَقَالَ أَيْضا الزلل مَعَ اتِّبَاع الْهوى
وَأوصى رجل وَلَده فَقَالَ يَا بني أعص هَوَاك وَالنِّسَاء واصنع مَا شِئْت
وَكَانَ يُقَال إِذا غلب عَلَيْك عقلك فَهُوَ لَك وَإِذا غلب عَلَيْك هَوَاك فَهُوَ لعدوك
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أَكثر مُخَالفَة الْهوى فَإِن النَّفس أَمارَة
стр. 38
بالسوء تكره مَا لَهَا وتحب مَا عَلَيْهَا وَلنْ يحور عَن الْقَصْد من ائْتمن عقله واتهم هَوَاهُ واستغش الْعقل وأنشدني بَعضهم
(إِذا أَنْت لم تعص الْهوى قادك الْهوى ... إِلَى بعض مَا فِيهِ عَلَيْك مقَال)
وَقَالَ سَابق الْبَرْبَرِي
(اعص الْهوى حِين لَا ترْضى معاذره ... وَقد تبينت مَا تَأتي وَمَا تذر)
стр. 39
وَأوصى ملك من مُلُوك حمير أَخَاهُ فَقَالَ لَا يكون الإفراط من شَأْنك فِي نكال وَلَا نوال فَإِنَّهُ فِي النوال يجحفك وَفِي النكال يؤثمك ويحنق عَلَيْك وَإِذا أنْكرت نَفسك فامسك وغالب هَوَاك فَإِنَّهُ أضرّ مَا اتبعت واعمل بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَا يضيق مَعَه شَيْء وَلَا يتعب فِيهِ عَاقل وَلَا يعقبك فِيهِ تبعة وَليكن خوف بطانتك لَك أَشد من أنسهم بك
وَأوصى ملك من الْعَرَب ولي عَهده فَقَالَ كن بِالْحَقِّ عمولا وَعَما جهلت سئولا وَأول شَيْء تؤدب بِهِ نَفسك قمعها عَن شهواتها وردعها عَن هَواهَا فَلَا شَيْء أضرّ بالمملكة من اتِّبَاع الْهوى وافحص عَن الْأُمُور تظهر
стр. 40
لَك حقائقها واستبطن أهل التَّقْوَى وَذَوي الأحساب تزين نَفسك وتحكم أَمرك وَإِيَّاك وَقبُول التَّزْكِيَة فِيمَا لَا تشك أَنَّك مَكْذُوب فِيهِ فَإِنَّهَا خدعة يتبعهَا صرعة وَلَا تحصن سرك إِلَّا عِنْد من يَكْتُمهُ وَلَا تثق بِرَجُل تتهمه وَلَا تعود لسَانك الْخَنَا وَلَا تكلّف نَفسك مَا لَا تقوى عَلَيْهِ وَإِذا هَمَمْت بِخَير فعجله وَإِذا هَمَمْت بِخِلَافِهِ فتأن فِيهِ وَإِيَّاك وَكَثْرَة التألي فَمن تألى على الله أكذبه وأرحم ترحم
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(قد يدْرك الحازم ذُو الرَّأْي المنى ... بِطَاعَة الحزم وعصيان الْهوى)
следующие страницы →