Полный текст (560 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَكَانَ يُقَال الْهوى كالنار إِذا استحكم إيقادها عسر إخمادها وكالسيل إِذا اتَّصل مده تعذر صده
قَالَ الْمَأْمُون الْهوى ينْتج من الْأَخْلَاق قبائحها وَيظْهر من الْأَفْعَال فضائحها أَنْشدني بعض أهل الْعلم
(إِذا مَا رَأَيْت الْمَرْء يقتاده الْهوى ... فقد ثكلته عِنْد ذَاك ثواكله)
(وَقد أشمت الْأَعْدَاء جهلا بِنَفسِهِ ... وَقد وجدت فِيهِ مقَالا عواذله)
(وَمَا يردع النَّفس الحرون عَن الْهوى ... من النَّاس إِلَّا حَازِم الرَّأْي كَامِله)
стр. 37
وَقَالَ أردشير مَا اسْتَعَانَ ملك على عدل فِي رَعيته بِمثل مجانبة الْهوى وَقَالَ أَيْضا الزلل مَعَ اتِّبَاع الْهوى
وَأوصى رجل وَلَده فَقَالَ يَا بني أعص هَوَاك وَالنِّسَاء واصنع مَا شِئْت
وَكَانَ يُقَال إِذا غلب عَلَيْك عقلك فَهُوَ لَك وَإِذا غلب عَلَيْك هَوَاك فَهُوَ لعدوك
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أَكثر مُخَالفَة الْهوى فَإِن النَّفس أَمارَة
стр. 38
بالسوء تكره مَا لَهَا وتحب مَا عَلَيْهَا وَلنْ يحور عَن الْقَصْد من ائْتمن عقله واتهم هَوَاهُ واستغش الْعقل وأنشدني بَعضهم
(إِذا أَنْت لم تعص الْهوى قادك الْهوى ... إِلَى بعض مَا فِيهِ عَلَيْك مقَال)
وَقَالَ سَابق الْبَرْبَرِي
(اعص الْهوى حِين لَا ترْضى معاذره ... وَقد تبينت مَا تَأتي وَمَا تذر)
стр. 39
وَأوصى ملك من مُلُوك حمير أَخَاهُ فَقَالَ لَا يكون الإفراط من شَأْنك فِي نكال وَلَا نوال فَإِنَّهُ فِي النوال يجحفك وَفِي النكال يؤثمك ويحنق عَلَيْك وَإِذا أنْكرت نَفسك فامسك وغالب هَوَاك فَإِنَّهُ أضرّ مَا اتبعت واعمل بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَا يضيق مَعَه شَيْء وَلَا يتعب فِيهِ عَاقل وَلَا يعقبك فِيهِ تبعة وَليكن خوف بطانتك لَك أَشد من أنسهم بك
وَأوصى ملك من الْعَرَب ولي عَهده فَقَالَ كن بِالْحَقِّ عمولا وَعَما جهلت سئولا وَأول شَيْء تؤدب بِهِ نَفسك قمعها عَن شهواتها وردعها عَن هَواهَا فَلَا شَيْء أضرّ بالمملكة من اتِّبَاع الْهوى وافحص عَن الْأُمُور تظهر
стр. 40
لَك حقائقها واستبطن أهل التَّقْوَى وَذَوي الأحساب تزين نَفسك وتحكم أَمرك وَإِيَّاك وَقبُول التَّزْكِيَة فِيمَا لَا تشك أَنَّك مَكْذُوب فِيهِ فَإِنَّهَا خدعة يتبعهَا صرعة وَلَا تحصن سرك إِلَّا عِنْد من يَكْتُمهُ وَلَا تثق بِرَجُل تتهمه وَلَا تعود لسَانك الْخَنَا وَلَا تكلّف نَفسك مَا لَا تقوى عَلَيْهِ وَإِذا هَمَمْت بِخَير فعجله وَإِذا هَمَمْت بِخِلَافِهِ فتأن فِيهِ وَإِيَّاك وَكَثْرَة التألي فَمن تألى على الله أكذبه وأرحم ترحم
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(قد يدْرك الحازم ذُو الرَّأْي المنى ... بِطَاعَة الحزم وعصيان الْهوى)
стр. 41
الْبَاب الرَّابِع فِي معرفَة أَرْكَان المملكة وقاعدتها
إعلم أَن أَرْكَان المملكة تبنى على قَاعِدَة كُلية لَا قوام لَهَا بِدُونِهَا وَلَا تثبت إِلَّا عَلَيْهَا وَهِي مِنْهَا بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد فَكَمَا لَا بَقَاء للجسد بعد قطع الرَّأْس كَذَلِك لَا بَقَاء للمملكة بِدُونِ هَذِه الْقَاعِدَة وَهَذِه الْقَاعِدَة يقلها أَرْكَان خَمْسَة بهَا قوام الْقَاعِدَة فَإِذا انْتقض مِنْهَا ركن أوهن الْقَاعِدَة وأفضى إِلَى اضطرابها فتختل المملكة
стр. 42
فَكَمَا أَن النَّفس يقوم بهَا أَرْكَان خَمْسَة وَهِي الْغذَاء والشحم وَالدَّم والمخ والعظم فَإِذا انْتقض مِنْهَا ركن أوهن النَّفس وأفضى إِلَى ذهَاب الْقُوَّة وَكَذَلِكَ دين الْإِسْلَام أَرْكَانه خَمْسَة فَإِذا انْتقض مِنْهَا ركن فِي شخص بَطل عَنهُ الْبَوَاقِي وَخرج عَنهُ الْإِسْلَام
وَهَذِه الْقَاعِدَة أَرْكَانهَا الْخَمْسَة يقلها أساس بَاطِن لَا تثبت إِلَّا عَلَيْهِ فَإِذا انشعث هَذَا الأساس اختلت الْأَركان واضطربت الْقَاعِدَة وأفضى الْأَمر إِلَى هدم الْجَمِيع وسنوضح ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
أما الْقَاعِدَة الَّتِي تبتنى عَلَيْهَا المملكة فَهِيَ الْملك المنتصب لتدبير الرّعية وسياسة المملكة ويقيمه أَوْصَاف أَرْبَعَة لَا يَنْفَكّ عَنهُ وَاحِدَة
стр. 43
مِنْهُنَّ وَهِي أدبه وعقله وعدله وإقدامه فَإِذا عرى عَن شَيْء من ذَلِك ذهبت قوته وَضعف عَن حمل المملكة كالطبائع الْأَرْبَع المركبة فِي جَسَد الْإِنْسَان لَا قوام لَهُ إِلَّا بهَا فَإِذا خلا عَن وَاحِد مِنْهُنَّ انحل تركيب الْجَسَد وزهقت مِنْهُ النَّفس فَإِذا استقام الْملك بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْأَرْبَعَة قَامَت بِهِ مَمْلَكَته
وَأما الرُّكْن الأول من أَرْكَان المملكة فَهُوَ الوزارة
стр. 44
وَهِي على ضَرْبَيْنِ وزارة تَفْوِيض ووزارة تَنْفِيذ
стр. 45
فَأَما وزارة التَّفْوِيض فَهُوَ أَن يستووزر الْملك من يُفَوض إِلَيْهِ تَدْبِير الْأُمُور بِرَأْيهِ
стр. 46
لِأَن مَا وكل إِلَى الْملك من تَدْبِير الرّعية لَا يقدر على مُبَاشرَة جَمِيعه إِلَّا بالاستنابة
وَأما وزارة التَّنْفِيذ فالنظر فِيهَا مَقْصُور على رَأْي الْملك وتدبيره وَهَذَا الْوَزير وَاسِطَة بَين الْملك وَبَين الرّعية يُؤَدِّي عَنهُ مَا أَمر بِهِ
стр. 47
وَينفذ مَا ذكر ويمضي مَا حكم ويخبر عَنهُ بتقليد الْوُلَاة وتجهيز الجيوش ويعرض عَلَيْهِ مَا ورد من أَمر مُهِمّ وَمَا تجدّد من حدث ملم وَلَا مندوحة للْملك عَن نظر الْوَزير وَاسْتِعْمَال رَأْيه فِيمَا يجهله من أُمُور التَّدْبِير
стр. 48
والوقائع الْحَادِثَة وَقد رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ = قَالَ من اسْتعْمل على عمل وَأَرَادَ الله بِهِ خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ
وَقد يثب المصروع من الْمُلُوك بِرَأْي وزيره حَتَّى
стр. 49
يَعْلُو من صرعته بِقُوَّة رَأْيه ولطف حيلته وَإِن كَانَ ضَعِيفا والصارع قَوِيا كَالْمَاءِ الَّذِي هُوَ أقوى من النَّار فَإِنَّهُ يحتال فِيهِ الْمُحْتَال حَتَّى تنفذ مِنْهُ النَّار وَهُوَ فِي الْقدر وَلَا يضر النَّار بل يَنْقَلِب الضَّرَر على المَاء الَّذِي هُوَ أقوى حَتَّى تنفذ من الْقدر بلطف الْحِيلَة
وَاعْلَم أَنه لَا بُد أَن يعْتَبر فِي الْوَزير عشرَة أَوْصَاف
أَحدهَا الْعلم لِأَن تَدْبِير الْجَاهِل يَقع مُخَالفا للشَّرْع فَيكون وبالا
الثَّانِي السن لِأَن الشَّيْخ حنكته التجارب وعركته النوائب وَشَاهد من
стр. 50
اخْتِلَاف الدول ونزول الْحَوَادِث مَا أوضح لعقله صَوَاب الرَّأْي فِي التَّدْبِير
الثَّالِث الْأَمَانَة حَتَّى لَا يخون فِيمَا ائْتمن عَلَيْهِ وَلَا يغش فِيمَا استنصح فِيهِ
الرَّابِع صدق اللهجة حَتَّى يوثق بِخَبَرِهِ فِيمَا يُؤَدِّيه وَيعْمل بقوله فِيمَا ينهيه
الْخَامِس قلَّة الطمع حَتَّى لَا يرتشي وَلَا ينخدع
السَّادِس أَن يسلم فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس من عَدَاوَة أَو شحنا لِأَن الْعَدَاوَة تصد عَن التناصف وتمنع من التعاطف
стр. 51
السَّابِع أَن يكون ذُكُورا لما يُؤَدِّيه إِلَى الْملك أَو يَنْقُلهُ عَنهُ لِأَنَّهُ شَاهد لَهُ وَعَلِيهِ
الثَّامِن الذكاء والفطنة لِئَلَّا تدلس عَلَيْهِ الْأُمُور فتشتبه وَلَا تموه عَلَيْهِ الْأَحْوَال فتلتبس لِأَن الْأُمُور لَا يَصح مَعَ اشتباهها عزم وَلَا يتم مَعَ التباسها حزم
التَّاسِع أَن لَا يكون من أهل الْأَهْوَاء فيخرجه الْهوى من الْحق الْبَاطِل ويتدلس عَلَيْهِ المحق من الْمُبْطل لِأَن الْهوى خَادع الْأَلْبَاب وصارف عَن الصَّوَاب
الْعَاشِر أَن يكون من أهل الْكِفَايَة فِيمَا وكل إِلَيْهِ من أَمر
стр. 52
الْحَرْب وَالْخَرَاج خَبِيرا بهما عَارِفًا بتفصيلهما لِأَنَّهُ يكون مباشرا لَهما تَارَة ومستنيبا فيهمَا تَارَة أُخْرَى وعَلى هَذَا الْوَصْف مدَار الوزارة وَبِه يَنْتَظِم أُمُور السياسة وَمَتى لم تَجْتَمِع فِي الْوَزير هَذِه الْأَوْصَاف الْعشْرَة كَانَ تَدْبيره نَاقِصا بِقدر مَا نقض مِنْهَا
وَحكي أَن الْمَأْمُون كتب فِي اخْتِيَار وَزِير إِنِّي التمست لنَفْسي
стр. 53
وتدبير أموري رجلا جَامعا لخصال الْخَيْر ذَا عفة فِي خلائقه قد هذبته الْآدَاب وأحكمته التجارب إِن ائْتمن على الْأَسْرَار قَامَ بهَا وَإِن قلد مهمات الْأُمُور نَهَضَ فِيهَا يسكته الْحلم وينطقه الْعلم وَتَكْفِيه اللحظة وتغنيه اللمحة لَهُ صولة الْأُمَرَاء وأناة الْحُكَمَاء وتواضع الْعلمَاء وَفهم الْفُقَهَاء إِن أحسن إِلَيْهِ شكر وَإِن ابْتُلِيَ بالإساءة صَبر لَا يَبِيع نصيب يَوْمه بحرمان غده يسترق قُلُوب الرِّجَال بخلابة لِسَانه وَحسن بَيَانه
قَالَ عبد الرحمن وَهَذِه الْأَوْصَاف إِن كملت فِي الْوَزير وَقل مَا تكمل فالصلاح بنظره عَام وبتدبيره تَامّ وَإِن اختلت فالصلاح بِحَسب نَقصهَا مختل وَالتَّدْبِير على قدرهَا معتل
وَقد كَانَ الْفضل بن سهل وَزِير الْمَأْمُون يبْعَث أَصْحَابه إِلَى
стр. 54
الْبِلَاد عيُونا ليسمعوا مَا تَقول النَّاس فِيهِ من خير أَو شَرّ فيطالعونه بذلك فَمَا سمع من خير ازْدَادَ مِنْهُ وَمَا سمع من عيب فِيهِ أزاله
وَإِن وَفْدًا قدمُوا على الْمَأْمُون من بِلَاد الرّوم فأكرمهم فَلَمَّا رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ قَالَ عقلاؤهم مَا رَأينَا مثل الْمَأْمُون جلالة وعظمة وعقلا وَلَا رَأينَا مثل وزيره فِي حسن سمته وَكَمَال أَوْصَافه لَوْلَا أَنه حَدِيث السن وَمن شَأْن الْمُلُوك أَن يستوزروا الْمَشَايِخ الَّذين اجْتمعت لَهُم الْحِيلَة والرياسة وَالْعلم والتجربة فَأخْبرهُ أَصْحَابه بذلك قَالَ فاحتجب ثَلَاثَة أَيَّام فِي دَاره يعالج لحيته حَتَّى ظهر للنَّاس وَهِي بَيْضَاء وَلَا يجوز أَن يكون الْوَزير امْرَأَة لقَوْله ﷺ = مَا أَفْلح قوم أسندوا أَمرهم إِلَى امْرَأَة
стр. 55
الرُّكْن الثَّانِي من أَرْكَان المملكة
الرّعية
إعلم أَن الرّعية ركن شَدِيد من أَرْكَان المملكة وَهِي قِسْمَانِ خَاصَّة وَعَامة والخاصة قِسْمَانِ متضع فِي خدمَة الْملك ومطبوع على الإنكماش وَالْقِيَام بِحُقُوق الْخدمَة فليعرف الْملك المتضع مِنْهُم والمطبوع فَإِن العون من الْخَاصَّة المتضع فِي خدمته يكون فِي أول ذَلِك نشيطا مواظبا للْخدمَة ثمَّ يُدْرِكهُ خور الطبيعة وقصور الهمة فيفتر
стр. 56
عَمَّا تعاطاه أَولا وَيذْهب تَصنعهُ والمطبوع على الإنكماش فِي الْخدمَة يكون نشيطا فِي كل وَقت مثل نشاطه فِي أول خدمته وَأما الْعَامَّة فهم ثَلَاث طَبَقَات أخيار وأشرار ومتوسطون بَين ذَلِك وَلكُل طبقَة مِنْهُم سياسة سنذكرها فِي موضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْمَطْلُوب من الرّعية طَاعَة الْملك وذل الْجَانِب وَعمارَة الْبِلَاد وَأَدَاء الْحُقُوق وَإِنَّمَا يحصل
стр. 57
مِنْهُم ذَلِك بنشر الْعدْل عَلَيْهِم على مَا سَنذكرُهُ فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 58
الرُّكْن الثَّالِث من أَرْكَان المملكة
الْقُوَّة
فقوة الْملك تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع
أَحدهَا قُوَّة رتبته فِي النَّاس وهيبته عَلَيْهِم وَمَا يَقع فِي نُفُوسهم من عزه وسطوته واستعلائه وَقدرته
الثَّانِي قُوَّة احْتِمَاله بِنَفسِهِ لما يرد عَلَيْهِ من الْأُمُور واستقلاله بذلك
الثَّالِث قُوَّة التَّدْبِير لأمور المملكة والنفاذ فِيهَا بِحسن نظر العواقب بالأمور
أما الْقُوَّة الأولى فَتحصل بِحسن السياسة على مَا سَنذكرُهُ فِي مَوْضِعه
وَالْقُوَّة الثَّانِيَة تحصل بأدب النَّفس كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب الَّذِي قبله
الْقُوَّة الثَّالِثَة تَنْقَسِم إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا تَدْبِير وإبرام
стр. 59
الْأُمُور بِلَا احتيال قبل التَّدْبِير بل بِالنّظرِ وَالْقِيَاس من الْمُدبر لَهَا
الثَّانِي تَدْبِير وإبرام الْأُمُور بعد الإحتيال فِيهَا وَوضع الْأُصُول لَهَا الثَّالِث تَدْبِير معرفَة الْوُقُوف على الْأَمر الَّذِي لَا يُوجد فِيهِ للتدبير حِيلَة حَتَّى يصير إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ ثمَّ يطْلب الْحِيلَة فِيهِ بعد ذَلِك
الرَّابِع تَدْبِير مَا لَا حِيلَة فِيهِ وَاعْلَم أَن أفضل هَذِه القوات قُوَّة التَّدْبِير فَأَما الْأَمر الَّذِي لَا حِيلَة فِيهِ وَلَا رفق فَالْحِيلَةُ فِيهِ الصَّبْر واللين لِأَن متعاطي الشدَّة فِيهِ يَنْقَلِب الضَّرَر عَلَيْهِ إِذا لم يرفق
أَلا ترى أَن ذَا الْقُوَّة بقوته لَو حاول سباحة فِي المَاء على لينه لم يقطعهُ بقوته حَتَّى يبهره
стр. 60
فَإِذا رفق بِهِ سهل عَلَيْهِ عبوره وَأمكنهُ قطعه وَكَذَلِكَ من حاول أَن يعْقد بكفه على الْهَوَاء لم يجد إِلَى ذَلِك سَبِيلا وَلَو أَن الْفِيل بقوته تعاطى ثلم الْجَبَل بنابه انْكَسَرَ نابه وَلم يقْدَح فِي صِفَاته شَيْئا
وَالرجل على ضعف بنيته يتَّخذ برفقه من الْجَبَل الصلد مسكنا وَقد يذيب الْحَدِيد الشَّديد برفقه فِي حيلته
وَاعْلَم أَن الْملك الْقوي قد ينبو حد قوته إِذا لم يقم رفق التَّدْبِير كَمَا ينبو حد السَّيْف عَن ضَربته وَإِن كَانَ من الْحَدِيد الشَّديد حَتَّى يسقى من المَاء الَّذِي هُوَ لين سيال فيحشد مضاربه حَتَّى إِذا حمل
стр. 61
على الْحَدِيد الَّذِي هُوَ من جنسه قطعه وكل ذَلِك إِنَّمَا يحصل بالرفق دون الْخرق وسنوضح كَيْفيَّة التَّدْبِير فِي موَاضعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 62
الرُّكْن الرَّابِع من أَرْكَان المملكة
المَال
إعلم أَن بَيت المَال ركن عَظِيم للمملكة
стр. 63
يتَعَلَّق بِهِ الْمصَالح الْكُلية من أرزاق الْمُقَاتلَة والولاة وأعوانهم
стр. 64
وتجهيز الجيوش وأرزاق الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَأهل الْعلم وسد الثغور وَبِنَاء المعاقل والحصون وَغير ذَلِك مِمَّا يقوم بِهِ مصَالح الرّعية وبقدر زِيَادَته ونقصانه يكون حَال المملكة
وناموس الْملك عِنْد نظرائه وخاصته وأعوانه لِأَنَّهُ ذخيرة يرجع إِلَيْهَا الْملك والأعوان والرعية عِنْد نزُول الْحَوَادِث فَإِذا اشْتهر بِكَثْرَة أَنْوَاع الْأَمْوَال وَاخْتِلَاف أَجنَاس الْجَوَاهِر اشْتَدَّ أزر الرّعية وقويت نفوس الْجند وَعظم قدر الْملك عِنْد نظرائه وَإِذا اشْتهر بالنفاد والقلة صغر قدر الْملك واختلت أُمُور المملكة وطمع فِيهِ أعداؤه فَيجب
стр. 65
حفظه وَالِاحْتِيَاط عَلَيْهِ بتولية الثِّقَات وَأهل الْأَمَانَة ويتوقى الْإِسْرَاف فِي بذله وَصَرفه إِلَى غير أَهله وَلَا يمنعهُ أهل الْحُقُوق فَيحصل بذلك الزلل ويتطرق إِلَيْهِ الْخلَل
سِيمَا الْجند وَأَعْوَان المملكة فَإِن
стр. 66
تقتير الأرزاق عَلَيْهِم يُفْضِي بِالْملكِ إِلَى المهالك وَقد كَانَ يُقَال المَال ناموس الْملك بِهِ تظهر هيبته وتقوى أبهته
حُكيَ أَن سَابُور ملك الْفرس اتخذ أعمدة وقواعد من الذَّهَب وَجعلهَا على بَاب خزانَة مَاله يجلس عَلَيْهَا الخزنة وَغَيرهم فَعظم بذلك عِنْد نظرائه وَأهل مَمْلَكَته فَلَمَّا أفضت المملكة إِلَى ولد وَلَده جعل يغدق
стр. 67
الْأَمْوَال ويسرف فِي العطايا فَلَمَّا نفدت تِلْكَ الْأَمْوَال أَخذ تِلْكَ الأعمدة وسكبها فَوَجَدَهَا مجوفة وَقد ملئت رملا فَذهب حِينَئِذٍ ناموسه وتظاهرت أعداؤه وَقلت هيبته عِنْد أهل مَمْلَكَته حِين علمُوا سر هَذِه الأعمدة
وَحكي أَن بعض مُلُوك مصر أَخذ حبابا من الخزف وملأها ذَهَبا ثمَّ سكبه فِيهَا ثمَّ كسر الخزف وأزاله فَبَقيت كَهَيئَةِ الْحباب ثمَّ جعلهَا على بَاب قصره يجلس عَلَيْهَا النَّاس وسماها الحسرات وَإِنَّمَا قصد بذلك أَيْضا لإِقَامَة ناموس مَمْلَكَته وتقوية لنفوس جنده فلهذه الْمعَانِي يجب حفظه وَالِاحْتِيَاط عَلَيْهِ
стр. 68
الرُّكْن الْخَامِس من أَرْكَان المملكة
الْحُصُون
اعْلَم أَن الْحُصُون الَّتِي يتحصن بهَا الْمُلُوك وَيمْتَنع بهَا جانبهم تَنْقَسِم إِلَى خَمْسَة أَنْوَاع كل نوع مِنْهَا يحصل بِهِ التحصن وَامْتِنَاع الْجَانِب وَهِي المَاء وَالْجِبَال والمفاوز والقلاع وَالرِّجَال
وَأحْصن هَذِه الْحُصُون الرِّجَال ثمَّ القلاع وتحصين القلاع وتحصين القلاع
بِالرِّجَالِ وتحصين الرِّجَال بالأموال وَأفضل الْأَمْوَال الْأَطْعِمَة وَجمع الْأَطْعِمَة وتحصيلها إِنَّمَا يتَحَقَّق بِالْعَدْلِ
قيل كَانَ مَكْتُوبًا على منْطقَة بعض مُلُوك الْفرس لَا ملك إِلَّا
стр. 69
بِالرِّجَالِ وتحصين الرِّجَال بالأموال وَأفضل الْأَمْوَال الْأَطْعِمَة وَجمع الْأَطْعِمَة وتحصيلها إِنَّمَا يتَحَقَّق بِالْعَدْلِ
قيل كَانَ مَكْتُوبًا على منْطقَة بعض مُلُوك الْفرس لَا ملك إِلَّا
стр. 70
بِرِجَال وَلَا رجال إِلَّا بِمَال وَلَا مَال إِلَّا برعية وَلَا رعية إِلَّا بِعدْل
وَقَالَت أم جبفويه ملك طبرستان لنصر بن سيار الْملك الحازم من اتخذ لنَفسِهِ سَبْعَة أَشْيَاء حصن يلجأ إِلَيْهِ إِذا تظاهر عَلَيْهِ نظراؤه ووزير صَالح يَثِق بِرَأْيهِ ويفضي بسره إِلَيْهِ وذخيرة خَفِيفَة الْمحمل يرجع إِلَيْهَا عِنْد النوائب وَفرس يَثِق بجريه إِذا دهمته الْأَعْدَاء
стр. 71
وَسيف إِذا نَازل الأقران لم يخف أَن يخونه وَامْرَأَة حسناء إِذا دخل عَلَيْهَا ذهب همه وطباخ إِذا لم يشته الطَّعَام صنع لَهُ مَا يشتهيه
وَكتب ملك إِلَى حَكِيم فَقَالَ دلَّنِي على مَا تبقى بِهِ المملكة وَاخْتصرَ فِي ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ بأَرْبعَة أَشْيَاء حصن شَاهِق ووزير حاذق وَمَال وافر وَعدل عَامر
وَبلغ بعض الْمُلُوك حسن سياسة ملك فَكتب إِلَيْهِ قد بلغت من السياسة مالم يبلغهُ ملك قبلك فأفدني ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي تحصنت بِالرِّجَالِ وحصنت الرِّجَال بالأموال وَلم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي وَلَا وعد
стр. 72
وَلَا وَعِيد وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشبها مقت وودا لم يشبه كذب وعممت بالقوت ومنعت الفضول
وَسَأَلَ ملك من مُلُوك الْفرس حكيما من حكمائهم فَقَالَ مَا عز الْملك قَالَ الطَّاعَة قَالَ فَمَا سَبَب الطَّاعَة قَالَ التودد إِلَى الْخَاصَّة وَالْعدْل على الْعَامَّة قَالَ فَمَا حصن الْملك قَالَ وزراؤه وأعوانه فَإِنَّهُم إِذا صلحوا صلح الْملك وَإِذا فسدوا فسد الْملك قَالَ فَمَا سَبَب صَلَاحهمْ قَالَ الْبَذْل والإنعام وَالْإِحْسَان الشَّامِل قَالَ فَأَي الْأُمُور أَحْمد للْملك قَالَ الرِّفْق بالرعية وَأخذ الْأَمْوَال مِنْهُم من غير مشقة وأداؤه إِلَيْهِم عِنْد أَوَانه وسد الثغور وَأمن السبل وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم وزجر الْقوي عَن الضَّعِيف قَالَ فَأَي خصْلَة تكون فِي الْملك أَنْفَع قَالَ الصدْق فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأما الأساس للمملكة وأركانها فَهُوَ الدّين
стр. 73
اعْلَم أَن الدّين أساس المملكة لَا قوام لَهَا إِلَّا بِهِ وَلَا تثبت أَرْكَانهَا إِلَّا عَلَيْهِ وَهُوَ إِقَامَة منار الْإِسْلَام وَإِظْهَار شَعَائِر الْحق وَاتِّبَاع أَحْكَام الشَّرْع وَالْعَمَل بالفرائض وَالسّنَن ومندوبات الشَّرِيعَة وَإِقَامَة الْحُدُود وامتثال أَمر الشَّارِع والانتهاء عَن نواهيه وإيصال الْحُقُوق الْوَاجِبَة إِلَى أَرْبَابهَا وَالْعَمَل بِمَا يُرْضِي الله تَعَالَى سرا وَعَلَانِيَة فَإِنَّهُ لَا دوَام للْملك بِغَيْر هَذِه الْأَشْيَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ = من أصلح سَرِيرَته
стр. 74
أصلح الله عَلَانِيَته وَمن أصلح فِيمَا بَينه وَبَين الله أصلح الله فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس
وَحكي أَن أردشير قَالَ لوَلَده يَا بني إِن الْملك وَالدّين أَخَوان لَا غنى لأَحَدهمَا عَن الآخر وَلَا قوام لَهُ إِلَّا بِهِ
الدّين أس وَالْملك حارس فَمَا لم يكن لَهُ أس فمهدوم وَمَا لم يكن لَهُ حارس فضائع يابني اجْعَل مرتبتك مَعَ أهل الْمَرَاتِب وعطيتك لأهل الْجِهَاد وبشرك لأهل الدّين وسرك لمن يعنيه مَا عناك ولتكن من أهل الْعقل
стр. 75
وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس من هدم دينه كَانَ لمجده أهدم وَمن ظلم نَفسه كَانَ لغيره أظلم وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الدولة بِلَا دين كالبناء على الثَّلج
следующие страницы →