← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7235

المنهج المسلوك في سياسة الملوك

عبد الرحمن بن نصر الشيرزي

Полный текст (560 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَسيف إِذا نَازل الأقران لم يخف أَن يخونه وَامْرَأَة حسناء إِذا دخل عَلَيْهَا ذهب همه وطباخ إِذا لم يشته الطَّعَام صنع لَهُ مَا يشتهيه وَكتب ملك إِلَى حَكِيم فَقَالَ دلَّنِي على مَا تبقى بِهِ المملكة وَاخْتصرَ فِي ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ بأَرْبعَة أَشْيَاء حصن شَاهِق ووزير حاذق وَمَال وافر وَعدل عَامر وَبلغ بعض الْمُلُوك حسن سياسة ملك فَكتب إِلَيْهِ قد بلغت من السياسة مالم يبلغهُ ملك قبلك فأفدني ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي تحصنت بِالرِّجَالِ وحصنت الرِّجَال بالأموال وَلم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي وَلَا وعد

стр. 72

وَلَا وَعِيد وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشبها مقت وودا لم يشبه كذب وعممت بالقوت ومنعت الفضول وَسَأَلَ ملك من مُلُوك الْفرس حكيما من حكمائهم فَقَالَ مَا عز الْملك قَالَ الطَّاعَة قَالَ فَمَا سَبَب الطَّاعَة قَالَ التودد إِلَى الْخَاصَّة وَالْعدْل على الْعَامَّة قَالَ فَمَا حصن الْملك قَالَ وزراؤه وأعوانه فَإِنَّهُم إِذا صلحوا صلح الْملك وَإِذا فسدوا فسد الْملك قَالَ فَمَا سَبَب صَلَاحهمْ قَالَ الْبَذْل والإنعام وَالْإِحْسَان الشَّامِل قَالَ فَأَي الْأُمُور أَحْمد للْملك قَالَ الرِّفْق بالرعية وَأخذ الْأَمْوَال مِنْهُم من غير مشقة وأداؤه إِلَيْهِم عِنْد أَوَانه وسد الثغور وَأمن السبل وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم وزجر الْقوي عَن الضَّعِيف قَالَ فَأَي خصْلَة تكون فِي الْملك أَنْفَع قَالَ الصدْق فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأما الأساس للمملكة وأركانها فَهُوَ الدّين

стр. 73

اعْلَم أَن الدّين أساس المملكة لَا قوام لَهَا إِلَّا بِهِ وَلَا تثبت أَرْكَانهَا إِلَّا عَلَيْهِ وَهُوَ إِقَامَة منار الْإِسْلَام وَإِظْهَار شَعَائِر الْحق وَاتِّبَاع أَحْكَام الشَّرْع وَالْعَمَل بالفرائض وَالسّنَن ومندوبات الشَّرِيعَة وَإِقَامَة الْحُدُود وامتثال أَمر الشَّارِع والانتهاء عَن نواهيه وإيصال الْحُقُوق الْوَاجِبَة إِلَى أَرْبَابهَا وَالْعَمَل بِمَا يُرْضِي الله تَعَالَى سرا وَعَلَانِيَة فَإِنَّهُ لَا دوَام للْملك بِغَيْر هَذِه الْأَشْيَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ = من أصلح سَرِيرَته

стр. 74

أصلح الله عَلَانِيَته وَمن أصلح فِيمَا بَينه وَبَين الله أصلح الله فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس وَحكي أَن أردشير قَالَ لوَلَده يَا بني إِن الْملك وَالدّين أَخَوان لَا غنى لأَحَدهمَا عَن الآخر وَلَا قوام لَهُ إِلَّا بِهِ الدّين أس وَالْملك حارس فَمَا لم يكن لَهُ أس فمهدوم وَمَا لم يكن لَهُ حارس فضائع يابني اجْعَل مرتبتك مَعَ أهل الْمَرَاتِب وعطيتك لأهل الْجِهَاد وبشرك لأهل الدّين وسرك لمن يعنيه مَا عناك ولتكن من أهل الْعقل

стр. 75

وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس من هدم دينه كَانَ لمجده أهدم وَمن ظلم نَفسه كَانَ لغيره أظلم وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الدولة بِلَا دين كالبناء على الثَّلج

стр. 76

الْبَاب الْخَامِس فِي معرفَة الْأَوْصَاف الْكَرِيمَة وفضلها وحث الْملك عَلَيْهَا يَنْبَغِي للْملك المنتصب لتدبير الرّعية أَن يَتَّصِف بالأوصاف الْكَرِيمَة ويتلبس بهَا ويجعلها لَهُ خلقا مطبوعا وَلَا يهمل مِنْهَا وَصفا وَاحِدًا إِذْ بهَا قوام دولته ودوام مَمْلَكَته وَهِي خَمْسَة عشر وَصفا الْعدْل وَالْعقل والشجاعة والسخاء والرفق وَالْوَفَاء والصدق والرأفة وَالصَّبْر وَالْعَفو وَالشُّكْر والأناة والحلم والعفاف وَالْوَقار وسنشرح فضل هَذِه الْأَوْصَاف وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الْمصَالح الْكُلية فِي تَدْبِير المملكة

стр. 77

الْوَصْف الأول الْعدْل إعلم أَن الْعدْل أشرف أَوْصَاف الْملك وأقوم لدولته لِأَنَّهُ يبْعَث على الطَّاعَة ويدعوا إِلَى الألفة وَبِه تصلح الْأَعْمَال وتنمو الْأَمْوَال

стр. 78

وتنتعش الرّعية وتكمل المزية وَقد ندب الله الْخلق إِلَيْهِ وحثهم عَلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ قَالَ الْحسن إِن الله تَعَالَى جمع الْخَيْر كُله وَالشَّر كُله فِي إِن الْآيَة وَقَالَ إِن استقامة الْملك بِالثَّلَاثَةِ الْمَأْمُور بهَا فِي الْآيَة واضطرابه بِالثَّلَاثَةِ الْمنْهِي عَنْهَا فِيهَا

стр. 79

وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ = ثَلَاث منجيات وَثَلَاث مهلكات فَأَما المنجيات فالعدل فِي الْغَضَب والرضاء

стр. 80

وخشية الله تَعَالَى فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْقَصْد فِي الْغنى والفقر وَأما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ وَحكي أَن الْإِسْكَنْدَر قَالَ لحكماء الْهِنْد وَقد رأى قلَّة الشَّرَائِع فِي بِلَادهمْ لم صَارَت سنَن بِلَادكُمْ قَليلَة قَالُوا لإعطائنا الْحق من أَنْفُسنَا ولعدل مُلُوكنَا فِينَا فَقَالَ لَهُم أَيّمَا أفضل الْعدْل أم الشجَاعَة قَالُوا إِذا اسْتعْمل الْعدْل استغني عَن الشجَاعَة وَقَالَ أردشير إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة (وَعُوتِبَ كسْرَى أنوشروان ... على ترك عِقَاب المذنبين)

стр. 81

فَقَالَ هم المرضى فَإِذا لم نداوهم بِالْعَدْلِ فَمن لَهُم وَقَالَ أفلاطون بِالْعَدْلِ ثبات الْأَشْيَاء وبالجوز زَوَالهَا وَقيل لأردشير من الَّذِي لايخاف أحدا قَالَ من عدل فِي حكمه وكف عَن ظلمه نَصره الْحق وأطاعه الْخلق وصفت لَهُ النِّعْمَة وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فهنىء بالعيش وَاسْتغْنى عَن الْجَيْش وَملك الْقُلُوب وَأمن الحروب وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن أَيدي الرّعية تبع لألسنتها فَمَتَى قدرت أَن

стр. 82

تَقول قدرت أَن تصول وَلنْ يملك الْملك ألسنتها حَتَّى يملك جسومها وَلنْ يملك جسومها حَتَّى يملك قلوبها فتحبه وَلنْ تحبه حَتَّى يعدل عَلَيْهَا عدلا يتساوى فِيهِ الْخَاصَّة والعامة

стр. 83

وَقَالَ كسْرَى أنو شرْوَان لبزرجمهر ابْن لي قبَّة واكتب عَلَيْهَا كَلِمَات انْتفع بهَا فِي بَقَاء الدولة فبناها وَكتب فِي طرازها الْعَالم بُسْتَان سياجه الدولة والدولة ولَايَة تحرسها الشَّرِيعَة والشريعة سنة يستنها الْملك وَالْملك رَاع يعضده الْجَيْش والجيش أعوان يكفلهم المَال وَالْمَال رزق تجمعه الرّعية والرعية عبيد يستعبدهم الْعدْل وَالْعدْل مألوف بِهِ قوام الْعَالم وَقَالَ الْوَلِيد بن هِشَام إِن الرّعية لتفسد بِفساد الْملك وَتصْلح بصلاحه

стр. 84

وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ للمنصور إِنِّي لأعرف رجلا إِن صلح صلحت الْأمة قَالَ وَمن هوقال أَنْت وَاعْلَم أَن الْعدْل لايتحقق من الْملك إِلَّا بِلُزُوم عشر خِصَال أَحدهَا إِقَامَة منار الدّين وَحفظ

стр. 85

شعائره والحث على الْعَمَل بِهِ من غير إهمال لَهُ وَلَا تَفْرِيط بحقوقه الثَّانِي حراسة الْبَيْضَة والذب عَن الرّعية من عَدو فِي الدّين أَو بَاغ فِي النَّفس وَالْمَال الثَّالِث عمَارَة الْبلدَانِ باعتماد الْمصَالح وتهذيب السبل

стр. 86

والمسالك الرَّابِع النّظر فِي تعدِي الْوُلَاة وَأهل الْعِزّ من الأعوان على الرّعية لِأَن تعديهم مَنْسُوب إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِر (وَمن يرْبط الْكَلْب الْعَقُور بِبَابِهِ ... فعقر جَمِيع النَّاس من رابط الْكَلْب) (كَذَلِك من ولى ابْنه وَهُوَ ظَالِم ... فظلم جَمِيع النَّاس من قبل الْأَب) الْخَامِس النّظر فِي أَحْوَال الْجند وَغَيرهم من أهل الرزق لِئَلَّا تبخسهم الْعمَّال أَرْزَاقهم أَو يؤخرون الْعَطاء فيجحف الِانْتِظَار بهم

стр. 87

السَّادِس الْجُلُوس لكشف الْمَظَالِم وَالنَّظَر بَين المتشاجرين من الرّعية والفصل بَينهم بالنصفة على وَجه الشَّرْع السَّابِع تَقْدِير مَا يخرج من بَيت المَال على طَبَقَات أربابه من غير إِسْرَاف وَلَا إقتار الثَّامِن إِقَامَة الْحُدُود على أهل الجرائم بِالشَّرْعِ المطهر على قدر الجريمة

стр. 88

التَّاسِع اخْتِيَار خلفائه فِي الْأُمُور وولاته وقضاته وعماله بِأَن يَكُونُوا من أهل الْكِفَايَة وَالْأَمَانَة والحذق والدراية فِيمَا هم بصدده الْعَاشِر تَنْفِيذ مَا وقف من أَحْكَام الْقُضَاة وَأهل الْحِسْبَة وَمَا عجزوا عَن تنفيذه لقُوَّة يَد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وتعززه فَينفذ الْملك مَا حكموه عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ

стр. 89

فَإِذا فعل الْملك هَذِه الْعشْر خِصَال كَانَ مُؤديا لحق الله تَعَالَى فِي الرّعية بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمر الله تَعَالَى بِهِ وَكَانَ مستوجبا لطاعتهم ومستحقا لمناصحتهم وَإِن ترك شَيْئا من ذَلِك كَانَ عَن الْعدْل ناكبا وَفِي الْجور رَاغِبًا

стр. 90

وأنشدني بَعضهم (إختم وطينك رطب إِن قدرت فكم ... قد أمكن الْخَتْم أَقْوَامًا فَمَا ختموا) (ولوا فَمَا عدلوا أَيَّام دولتهم ... حَتَّى إِذا عزلوا ذلوا فَمَا رحموا)

стр. 91

الْوَصْف الثَّانِي الْعقل إعلم أَن الْعقل وصف شرِيف وَخلق عَظِيم لايبطل حَقًا ولايحق بَاطِلا وَهُوَ عبارَة عَمَّا يُسْتَفَاد من التجارب بمجاري الْأَحْوَال وَقيل هُوَ الْعلم بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَمن نتائجه

стр. 92

الفكرة السليمة وَالنَّظَر الثاقب فِي حقائق الْأُمُور ومصالح التَّدْبِير وَسُئِلَ بعض الْحُكَمَاء عَن الْعقل فَقَالَ الْإِصَابَة بِالنّظرِ وَمَعْرِفَة مَا لم يكن بِمَا كَانَ وَقَالَ ابْن المعتز الْعقل غريزة تربَتهَا النوائب وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء خير مواهب الْملك الْعقل وَشر مصائبه الْجَهْل وَكَانَ يُقَال الْجَاهِل يعْتَمد على أمله والعاقل يعْتَمد على عمله

стр. 93

وَقيل نظر الْعَاقِل بِقَلْبِه وخاطره وَنظر الْجَاهِل بِعَيْنِه وناظره وَقَالَ ابْن المعتز بأيدي الْعُقُول تمسك أَعِنَّة النُّفُوس عَن اتِّبَاع الْهوى وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعَاقِل من نَفسه فِي تَعب وَالنَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة والأحمق من نَفسه فِي رَاحَة وَالنَّاس مِنْهُ فِي تَعب أَنْشدني بعض أهل الْعَام

стр. 94

(وَأفضل قسم الله للمرء عقله ... وَلَيْسَ من الْأَشْيَاء شَيْء يقادبه) (إِذا أكمل الرَّحْمَن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومناقبه) وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعلم قَائِد وَالْعقل سائق وَالنَّفس حرون فَإِذا كَانَ قَائِد بِلَا سائق أحجمت النَّفس وَإِذا كَانَ سائق بِلَا قَائِد عدلت يَمِينا وَشمَالًا فَإِذا اجْتمع الْقَائِد والسائق سَارَتْ طَوْعًا أَو كرها وَقَالَ بَعضهم شعرًا (تَأمل بِعَيْنَيْك هَذَا الْأَنَام ... وَكن مثل من صانه عقله) (فحلية كل فَتى فَضله ... وَقِيمَة كل امرىء نبله) (وَلَا تتكل فِي طلاب الْعلَا ... على نسب ثَابت أَصله) (فَهَل من فَتى زانه قَوْله ... بِشَيْء يُخَالِفهُ فعله)

стр. 95

وَقَالَ بَعضهم يعرف الْعَاقِل بِحسن سمته وَطول صمته وَصِحَّة تصرفه وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَيْسَ للمرء أَن يتبجج بِحَالَة جليلة نالها بِغَيْر عقل أَو منزلَة رفيعة حلهَا بِغَيْر فضل فالجهل ينزله مِنْهَا ويزيله عَنْهَا ويحطه إِلَى رتبته وَيَردهُ إِلَى قِيمَته بعد أَن تظهر عيوبه وتكثر ذنُوبه وَيصير مادحه هاجيا ووليه معاديا وَكَانَ يُقَال النَّاس ثَلَاثَة عَاقل واحمق وَفَاجِر فَأَما الْعَاقِل فَإِن الدّين شَرِيعَته والحلم طَبِيعَته والرأي الْحسن سجيته إِن كلم أجَاب وَإِن نطق أصَاب وَإِن سمع الْعلم وعى وَإِن حدث الْفِقْه روى

стр. 96

وَأما الأحمق فَإِن تكلم عجل وَإِن حدث وَهل وَإِن استنزل عَن رَأْيه نزل وَأما الْفَاجِر فَإِن أمنته خانك وَإِن حدثته شانك وَإِن استكتم أمرا لم يكتم وَإِن علم علما لم يعلم وَكَانَ يُقَال لَا عَطِيَّة أعظم من عقل وَلَا دَاء أدوى من جهل وَقَالَ الْمُبَارك الطَّبَرِيّ لَيْسَ الْعَاقِل

стр. 97

الَّذِي يحتال لِلْأَمْرِ الَّذِي غشيه حَتَّى لَا يَقع فِيهِ بل الْعَاقِل الَّذِي يتحذر الشدائد قبل الْوُقُوع فِيهَا حَتَّى لَا يَقع وَقَالَ فَيْرُوز حُصَيْن إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يزِيل عَن عبد نعْمَة كَانَ أول مَا يُغير مِنْهُ عقله أَنْشدني بَعضهم (يعد رفيع الْقَوْم من كَانَ عَاقِلا ... وَإِن لم يكن فِي قومه بحسيب) (إِذا حل أَرضًا عَاشَ فِيهَا بعقله ... وَمَا عَاقل فِي بَلْدَة بغريب)

стр. 98

الْوَصْف الثَّالِث الشجَاعَة إعلم أَن الشجَاعَة من أَحْمد الْأَوْصَاف الَّتِي تلْزم الْملك أَن يَتَّصِف بهَا ضَرُورَة وَإِن لم تكن لَهُ طبعا فيتطبع بهَا ليحسم بهيبته مواد

стр. 99

الأطماع الْمُتَعَلّقَة بقلوب نظرائه وَيحصل مِنْهُ حماية الْبَيْضَة ورعاية المملكة والذب عَن الرّعية وَحَقِيقَة الشجَاعَة ثبات الجأش وَذَهَاب الرعب وَزَوَال هَيْبَة الْخصم أَو استصغاره عِنْد لِقَائِه وَلَا بُد أَن يتَقَدَّم هَذَا رَأْي ثاقب وَنظر صائب وحيلة فِي التَّدْبِير وخداع فِي الممارسة فقد قَالَ ص = الْحَرْب خدعة

стр. 100

قَالَ أَبُو الطّيب المتنبي (الرَّأْي قبل شجاعة الشجعان ... هُوَ أول وَهِي الْمحل الثَّانِي) (فَإِذا هما اجْتمعَا فِي النَّفس مرّة ... بلغت من العلياء كل مَكَان) (ولربما قتل الْفَتى أقرانه ... بِالرَّأْيِ قبل تطاعن الفرسان) وَاعْلَم أَن ثَمَرَة الشجَاعَة من الْجند الْكر والفر وثمرتها من الْمُلُوك الثَّبَات

стр. 101

حَتَّى يكون قطبا يدورون عَلَيْهِ ومعقلا يلجأون إِلَيْهِ هَذَا إِذا كَانَ بِحَضْرَتِهِ من يذب عَنهُ من أعوانه الَّذين يَثِق بهم فَإِذا لم يكن بِحَضْرَتِهِ من يذب عَنهُ حسن مِنْهُ حِينَئِذٍ أَن يذب عَن نَفسه إِمَّا بالإقدام وَإِمَّا بالانهزام حِيلَة وَلَقَد حُكيَ أَن فيلا اغتلم فَدخل قصر كسْرَى أنوشروان والفيل

стр. 102

إِذا اغتلم أنكر سايسه وَلَا يمر بِشَيْء إِلَّا حطمه وَإِن ذَلِك الْفِيل قصد الإيوان الَّذِي فِيهِ كسْرَى وَعِنْده جمَاعَة من كفاته أَو ثقاته فَلَمَّا نظرُوا إِلَى الْفِيل مُقبلا إِلَيْهِم فروا من حول كسْرَى وَثَبت كسْرَى على سَرِيره وَلم يتَغَيَّر عَن سَرِيره وَلَا عَن هَيئته وَثَبت عِنْده وَاحِد من الرِّجَال بِيَدِهِ طبر فَقَامَ ذَلِك الرجل أما سَرِير كسْرَى وقصده الْفِيل فَثَبت لَهُ فَلَمَّا غشيه ضربه بالطبر على خرطومه فَقده فولى الْفِيل رَاجعا وكسرى فِي هَذَا كُله لم يَتَحَلْحَل عَن سَرِيره وَلَا تغير لَونه وَلَا فارقته أبهته وَهَذِه غَايَة الشجَاعَة الْمَطْلُوبَة من الْمُلُوك وَكَذَلِكَ حكى أَن مُوسَى الْهَادِي كَانَ يَوْمًا فِي بُسْتَان على حمَار لَهُ

стр. 103

وَلَيْسَ مَعَه سلَاح وبحضرته جمَاعَة من أهل بَيته وبطانته فَدخل عَلَيْهِ حَاجِبه وَأخْبرهُ عَن رجل من الْخَوَارِج كَانَ ذَا بَأْس شَدِيد ونكاية فِي النَّاس وَأَنه قد ظفر بِهِ بعض القواد وَهُوَ مَعَه على الْبَاب فَأمر الْهَادِي بإدخاله عَلَيْهِ فَأدْخل بَين رجلَيْنِ قد قبضا على يَدَيْهِ فَلَمَّا نظر الْخَارِجِي إِلَى الْهَادِي جذب يَدَيْهِ من الرجلَيْن وَاخْتَرَطَ سيف أَحدهمَا وَقصد الْهَادِي ففر عَنهُ كل من كَانَ بِحَضْرَتِهِ من اهله وبطانته وَبَقِي الْهَادِي وَحده على حمَار بمكانه ذَلِك حَتَّى قرب الْخَارِجِي مِنْهُ وَرفع يَده بِالسَّيْفِ ليعلوه بِهِ فَقَالَ ياغلام اضْرِب عُنُقه فَالْتَفت الْخَارِجِي ينظر من خَلفه فَوَثَبَ الْهَادِي من سرج حِمَاره فَإِذا هُوَ على الْخَارِجِي فَقبض عَلَيْهِ وانتزع السَّيْف من يَده فذبحه ثمَّ عَاد إِلَى ظهر حِمَاره من فوره وتراجع إِلَيْهِ خاصته يَتَسَلَّلُونَ وَقد ملئوا مِنْهُ رعْبًا وحياء فَمَا خاطبهم بِشَيْء من ذَلِك وَلم يكن بعد ذَلِك يُفَارِقهُ السِّلَاح

стр. 104

وَلم يركب إِلَّا جوادا من الْخَيل وَهَذَا أعجب مَا يكون من الشجَاعَة وثبات الجأش فِي الْمُلُوك

стр. 105

الْوَصْف الرَّابِع السخاء إعلم ان السخاء عماد الْبر الَّذِي هُوَ سَبَب الألفة لما يُوصل إِلَى الْقُلُوب من الرَّاحَة والألطاف وَلذَلِك ندب الشَّرْع إِلَيْهِ وحث الْخلق عَلَيْهِ لما فِيهِ عُمُوم الْمصلحَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَن فِي السخاء

стр. 106

رضَا الله ورضا النَّاس جَمِيعًا قَالَ رَسُول الله ص = السخي قريب من الله قريب من النَّاس قريب من الْجنَّة بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من النَّاس بعيد من الْجنَّة قريب من النَّار

стр. 107

وَقَالَ رَسُول الله ص = تجافوا عَن ذَنْب الْكَرِيم فَإِن الله يَأْخُذ بِيَدِهِ كلما عتر وَقَالَت السيدة عَائِشَة ﵂ الْجنَّة دَار الأسخياء وَالنَّار دَار البخلاء

стр. 108

وَقيل اوحى الله إِلَى مُوسَى ﵇ أَلا تقتل السامري فَإِنَّهُ كريم وَحدث أَبُو قَاسم قَالَ حضرت الحكم بن الْمطلب لما

стр. 109

مَاتَ بِمَدِينَة منبج فَلَمَّا أَخذ فِي النزع وأشخص ببصره قَالَ أَبُو معيوف الْحِمصِي اللَّهُمَّ أرْفق بِهِ فقد كَانَ جوادا شجاعا صواما قواما قَالَ فأفاق من غَشيته ثمَّ نظر إِلَيْنَا وَقَالَ من الْمُتَكَلّم فَقَالَ أَبُو معيوف أَنا قَالَ إِن ملك الْمَوْت يسلم وَيَقُول لَك إِن الله تَعَالَى أَمرنِي أَن أرْفق بِقَبض روح كل كريم ثمَّ اضْطجع فَكَأَنَّهُ كَانَ فَتِيلَة طفئت ﵀ وَكَانَ يُقَال سؤدد بِلَا جود كملك بِلَا جنود وَقيل من جاد سَاد وَمن أَضْعَف ازْدَادَ وَكَانَ يُقَال جود الرجل يحببه إِلَى أضداده وبخله يبغضه إِلَى أَوْلَاده

стр. 110

وَاعْلَم أَن السخاء على نَوْعَيْنِ النَّوْع الأول هُوَ أَن يَبْتَدِئ بِهِ الْإِنْسَان من غير سُؤال وَهَذَا أطبع السخاء وأشرف الْعَطاء لِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ سُئِلَ عَن السخاء فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهُ ابْتِدَاء فَأَما مَا كَانَ مِنْهُ عَن مَسْأَلَة فحياء وتكريم وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أجل النوال مَا كَانَ قبل السُّؤَال وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
следующие страницы →