Полный текст (560 стр.). Показаны 526–560 · переход к 531.
стр. 526
وَهَذِه حكايات الطَّبَقَة الثَّانِيَة من الْمُلُوك وَهِي خمس روضات أَيْضا
الرَّوْضَة الأولى
مَا حَكَاهُ مَالك بن أنس ﵁ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لما ولي الْخلَافَة دخل عَلَيْهِ مُحَمَّد بن كَعْب عِنْده هِشَام بن مصاد وَقد وعظه فأبكاه فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد مَا الَّذِي أبكاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أبكاني هِشَام حِين ذَكرنِي وُقُوفِي بَين يَدي رَبِّي فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد يَا امير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا الدُّنْيَا سوق من الْأَسْوَاق فَمِنْهَا خرج النَّاس بِمَا نفعهم وَمِنْهَا خَرجُوا بِمَا ضرهم فَلَا تكن من قوم قد غرهم مِنْهَا مثل الَّذِي أَصْبَحْنَا
стр. 527
فِيهِ حَتَّى أَتَاهُم الْمَوْت فاستوعبهم فَخَرجُوا مِنْهَا ملومين لم يَأْخُذُوا لما أحبوه من الْآخِرَة عدَّة وَلَا لما كَرهُوا جنَّة فاقتسم مَا جمعُوا من لَا يحمدهم وصاروا إِلَى من لَا يعذرهم فَانْظُر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَال الَّتِي تغيظهم بهَا فاخلفهم فِيهَا وَإِلَى الْأَعْمَال الَّتِي تتخوف عَلَيْهِم مِنْهَا فَكف عَنْهَا وَانْظُر إِلَى الَّذِي تحب أَن يكون مَعَك إِذا قدمت على رَبك فَاصْنَعْ مِنْهُ وابدل حَيْثُ يُوجد الْبَدَل وَلَا تذهبن إِلَى سلْعَة قد بارت على من كَانَ قبلك ترجو أَن تجوز عَنْك فَاتق الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَافْتَحْ الْبَاب وَسَهل الْحجاب وانصر الْمَظْلُوم واردع الظَّالِم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَلَاث من كن فِيهِ اسْتكْمل الْإِيمَان من إِذا رَضِي لم يدْخلهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِل وَإِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه من الْحق وَإِذا قدر لم يتَنَاوَل مَا لَيْسَ لَهُ قَالَ فَاشْتَدَّ بكاء عمر بن عبد الْعَزِيز وَعلا نحيبه قَالَ
стр. 528
اللَّهُمَّ أَعنِي على مَا ابتليتني بِهِ من أَمر عِبَادك وبلادك وارزقني فيهم الْعَمَل بطاعتك وَاخْتِمْ لي بِخَير مِنْك وعافية مِنْهُ
стр. 529
الرَّوْضَة الثَّانِيَة
مَا حُكيَ أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك لما قدم الْمَدِينَة أَقَامَ بهَا ثَلَاثًا فَقَالَ مَا هَا هُنَا رجل مِمَّن أدْرك الصَّحَابَة يحدثنا فَقيل لَهُ إِن هَا هُنَا رجلا عابدا من التَّابِعين اسْمه أَبُو حَازِم أدْرك جمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَنقل عَنْهُم الْأَحَادِيث فَبعث إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ وَاسْتقر بِهِ الْمجْلس قَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم مَا لنا نكره الْمَوْت
стр. 530
قَالَ لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فَأنْتم تَكْرَهُونَ النقلَة من الْعمرَان إِلَى الخراب قَالَ صدقت يَا أَبَا حَازِم فَكيف الْقدوم على الله تَعَالَى قَالَ أما المحسن فكغائب يقدم على أَهله وَأما الْمُسِيء فكالعبد الْآبِق يقدم على مَوْلَاهُ قَالَ فَبكى سُلَيْمَان وَقَالَ لَيْت شعري مَا لنا عِنْد الله يَا أَبَا حَازِم فَقَالَ إعرض نَفسك على كتاب الله تَعَالَى فَإنَّك تعلم مَالك وَمَا عَلَيْك قَالَ وَأَيْنَ أُصِيب ذَلِك من كتاب الله قَالَ عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ قَالَ يَا أَبَا حَازِم فَأَيْنَ رَحْمَة الله تَعَالَى قَالَ ﴿قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ فَبكى سُلَيْمَان وأطرق سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أَبَا حَازِم من أَعقل النَّاس قَالَ من تعلم الْحِكْمَة وَعلمهَا النَّاس قَالَ فَمن أَحمَق النَّاس قَالَ من دخل فِي هوى رجل ظَالِم
стр. 531
فَبَاعَ آخرته بدنيا غَيره قَالَ فَمَا تَقول فِيمَا نَحن فِيهِ فَقَالَ أعفني من هَذَا السُّؤَال قَالَ سُلَيْمَان إِنَّمَا هِيَ نصيحة بلغتهَا فَقَالَ إِن نَاسا أخذُوا هَذَا الْأَمر من غير مشورة من الْمُسلمين وَلَا إِجْمَاع من رَأْيهمْ فسفكوا الدِّمَاء على طلب الدُّنْيَا ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا فليت شعري مَا قَالُوا وَمَا قيل لَهُم فَقَالَ رجل من جُلَسَائِهِ بئس مَا قلت يَا شيخ قَالَ أَبُو حَازِم كذبت وَالله يَا جليس السوء إِن الله تَعَالَى أَخذ الْمِيثَاق على الْعلمَاء ليبينه للنَّاس وَلَا يكتمونه فَقَالَ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم كَيفَ لنا على الصّلاح قَالَ تدع التَّكَلُّف وتتمسك بالنصفة قَالَ فَكيف طَرِيق المأخذ لذَلِك قَالَ تَأْخُذ المَال من حلّه وتضعفه فِي أَهله قَالَ وَمن يقدر على ذَلِك
стр. 532
قَالَ من قَلّدهُ الله تَعَالَى من الأَرْض مَا قلدك
قَالَ أصحلبنا يَا أَبَا حَازِم تصيب منا وَنصِيب مِنْك قَالَ أعوذ بِاللَّه من ذَلِك قَالَ وَلم ذَاك قَالَ أَخَاف أَن أركن إِلَيْكُم شَيْئا قَلِيلا فيذقني ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات قَالَ يَا أَبَا حَازِم فدلني على مَا أصنع قَالَ اتَّقِ الله أَن يراك حَيْثُ نهاك أَو يفقدك حَيْثُ أَمرك قَالَ ادْع لنا يَا أَبَا حَازِم قَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ سُلَيْمَان وليك فيسره لخير الدُّنْيَا والآخره وَإِن كَانَ عَدوك فَخذ بناصيته إِلَى فعل الْخَيْر واصلحه فِي الدُّنْيَا والآخره فَقَالَ سُلَيْمَان يَا غُلَام أعْط أَبَا حَازِم مائَة دِينَار ليقضي بهَا دينه قَالَ لاحاجة بِي إِلَيْهَا فَإِنِّي أَخَاف أَن تكون عوضا عَن كَلَامي فَيكون أكل الْميتَة أحب إِلَيّ من أَخذهَا ثمَّ نَهَضَ فَخرج من عِنْده فَلَمَّا كَانَ من الْغَد بعث إِلَيْهِ
стр. 533
فَأحْضرهُ عِنْده فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ يَا أَبَا حَازِم عظنا عظة ننتفع بهَا قَالَ إِن هَذَا الْأَمر لم يصر إِلَيْك إِلَّا بِمَوْت من كَانَ قبلك وَهُوَ خَارج من يدك بِمثل مَا صَار إِلَيْك فَبكى سُلَيْمَان وَكَانَ يسْقط على جنبه فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَبُو حَازِم إِنَّمَا أَنْت سوق فَمَا نفق عنْدك حمل إِلَيْك من خير أَو شَرّ فاختر لنَفسك أَيهمَا شِئْت قَالَ سُلَيْمَان إرفع إِلَيّ حوائجك يَا أَبَا حَازِم قَالَ هَيْهَات فَإِنِّي قد رفعتها إِلَى من لَا تحتجب دونه الْحَوَائِج فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قنعت وَمَا مَنَعَنِي مِنْهَا رضيت وَذَلِكَ أَنِّي نظرت فِي هَذَا الْأَمر فَإِذا هُوَ على قسمَيْنِ أَحدهمَا لي وَالْآخر لغيري أما مَا كَانَ لي فَلَو أَنِّي احتلت فِيهِ بِكُل
стр. 534
حِيلَة مَا وصلت إِلَيْهِ قبل أَوَانه الَّذِي قدر لي فِيهِ وَأما الَّذِي لغيري فَذَلِك الَّذِي لاتطمع نَفسِي فِيهِ وكما منع غَيْرِي من رِزْقِي كَذَلِك منعت أَنا من رزق غَيْرِي ثمَّ تَركه وَانْصَرف قَالَ فَمَا برح سُلَيْمَان بعد ذَلِك متواضعا حَتَّى مَاتَ
стр. 535
الرَّوْضَة الثَّالِثَة
مَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن حسن بِإِسْنَادِهِ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بعث إِلَى الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ بالسَّاحل فَأحْضرهُ عِنْده فَلَمَّا اسْتَقر
стр. 536
بِهِ الْمجْلس فَالله الْمَنْصُور مَا الَّذِي أَبْطَأَ بك عَنَّا يَا أوزاعي قَالَ وَمَا الَّذِي تُرِيدُ مني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أُرِيد الْأَخْذ عَنْك والاقتباس مِنْك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تجْهَل شَيْئا مِمَّا أقوله لَك قَالَ وَكَيف لَا أجهله وَأَنا أَسأَلك عَنهُ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تسمعه وَلَا تعْمل بِهِ قَالَ فصاح بِهِ الرّبيع وأهوى إِلَيْهِ بِيَدِهِ إِلَى السَّيْف فانتهره الْمَنْصُور وَقَالَ هَذَا مجْلِس مثوبة لَا مجْلِس عُقُوبَة فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ ﵀ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنَا مَكْحُول عَن عَطِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
стр. 537
وَسلم أَيّمَا عبد جَاءَتْهُ موعظة من الله فِي دينه فَإِنَّهَا نعْمَة من الله تَعَالَى سيقت إِلَيْهِ فَإِن قبلهَا بشكر وَإِلَّا كَانَت حجَّة من الله عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ بهَا إِثْمًا ويزداد الله بهَا عَلَيْهِ سخطا وَقد بَلغنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَيّمَا وَال بَات غاشا لرعيته حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من كره الْحق فقد كره الله تَعَالَى لِأَن الله هُوَ الْحق الْمُبين
стр. 538
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الَّذِي لين لَك قُلُوب الْأمة حَتَّى ولاك أُمُورهم لقرابتك من نبيه ص = لحقيق أَن يقوم لَهُم فيهم بِالْحَقِّ وَأَن يكون بِالْقِسْطِ فيهم قَائِما ولعوراتهم ساترا فَلَا تغلق عَلَيْك دونهم الْأَبْوَاب وَلَا تقيم عَلَيْك دونهم الْحجاب وابتهج بِالنعْمَةِ عِنْدهم وابتئس لما أَصَابَهُم من مَكْرُوه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد كنت فِي شغل شاغل من خَاصَّة نَفسك عَن عَامَّة النَّاس الَّذين أَصبَحت تملك أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل لَهُ عَلَيْك نصيب من الْعدْل فَكيف بك إِذا بَعثك الله يَوْم القيامه وَلَيْسَ مِنْهُم أحد إِلَّا وَهُوَ يشكو بلية أدخلتها عَلَيْهِ أوظلامة سقتها إِلَيْهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنِي مَكْحُول قَالَ كَانَت بيد رَسُول الله ﷺ جَرِيدَة يستاك بهَا ويروع بهَا الْمُنَافِقين فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد مَا هَذِه الجريدة الَّتِي كسرت بهَا قُلُوب أمتك وملأت قُلُوبهم بهَا رعْبًا فَكيف بِمن شقق أستارهم وَسَفك دِمَاءَهُمْ وَخرب دِيَارهمْ وَأخذ أَمْوَالهم وأجلاهم عَن بِلَادهمْ وأذاقهم الْخَوْف يَا أَمِير
стр. 539
الْمُؤمنِينَ حَدثنِي مَكْحُول عَن زِيَاد بن جَارِيَة عَن حبيب بن مسلمة أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا إِلَى الْقصاص من نَفسه من خدشه أَعْرَابِيًا لم يتعمده فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله تَعَالَى لم يَبْعَثك جبارا وَلَا متكبرا فدعى رَسُول الله ﷺ الْأَعرَابِي فَقَالَ اقْتصّ مني فَقَالَ الْأَعرَابِي إِنِّي قد أحللتك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي وَمَا كنت لأَفْعَل ذَلِك أبدا فدعى رَسُول الله ﷺ لَهُ بِالْخَيرِ
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رض نَفسك بِنَفْسِك وَخذ لَهَا الْأمان من رَبك وارغب فِي جنَّة السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّتِي يَقُول فِيهَا رَسُول الله ص =
стр. 540
لَقَاب قَوس أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
يَا امير الْمُؤمنِينَ إِن الْملك لَو بَقِي لمن كَانَ قبلك لم يصل إِلَيْك وَكَذَا لَا يبْقى لَك كَمَا لم يبْق لغيرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتَدْرِي مَا جَاءَ فِي تَأْوِيل قَول الله تَعَالَى ﴿مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها﴾ قَالَ رَسُول الله ص = الصَّغِيرَة التبسم والكبيرة الضحك
فَكيف بِمَا عملته الْأَيْدِي وحصدته الألسن يَا امير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لَو مَاتَت سخلة على الشاطئ الْفُرَات ضَيْعَة لَخَشِيت أَن أسأَل عَنْهَا فَكيف بِمن حرم عدلك وَهُوَ على بساطك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتَدْرِي مَا جَاءَ فِي تَأْوِيل هَذِه الْآيَة عَن جدك عبد الله بن عَبَّاس ﵄ ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس﴾
стр. 541
بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله) قَالَ يَا دَاوُد إِذا جعلناك خَليفَة وَقعد الخصمان بَين يَديك وَكَانَ لَك فِي احدهما هوى فَلَا تميز أَن يكون الْحق لَهُ فيفلج على صَاحبه فأمحوك من نبوتي يَا دَاوُد إِنَّمَا جعلت رُسُلِي إِلَى عبَادي رُعَاة كرعاة الْإِبِل لعلمهم بالرعية ورفقهم بالسياسة الَّذين يجبرون الكسير ويرعون الهزيل على الْكلأ وَالْمَاء
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك قد بليت بِأَمْر لَو عرض على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال لأبين أَن يحملنه وأشفقن مِنْهُ وَقد حَدثنِي يزِيد بن جَابر عَن عبد الرَّحْمَن بن عمْرَة الْأنْصَارِيّ أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ
стр. 542
اسْتعْمل رجلا من الْأَنْصَار على الصَّدَقَة فَرَآهُ بعد أَيَّام مُقيما فَقَالَ لَهُ مَا مَنعك من الْخُرُوج إِلَى عَمَلك أما علمت أَن لَك فِيهِ مثل أجر الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله قَالَ لَا قَالَ فَكيف ذَاك قَالَ لِأَنَّهُ بَلغنِي أَن رَسُول الله ص = قَالَ
مَا من وَال يَلِي شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين إِلَّا اتى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَده إِلَى عُنُقه فَيُوقف على جسر من النَّار فينتفض بِهِ الجسر انتفاضة يزِيل بهَا كل عُضْو مِنْهُ عَن مَوْضِعه ثمَّ يُعَاد فيحاسب فَإِن كَانَ محسنا نجا بإحسانه وَإِن كَانَ مسيئا انخرق بِهِ ذَلِك الجسر فهوى فِيهِ فِي النَّار سبعين خَرِيفًا فَقَالَ لَهُ عمر مِمَّن سَمِعت هَذَا قَالَ من أبي ذَر
стр. 543
وسلمان فَأرْسل إِلَيْهِمَا عمر ﵁ فَقَالَا نعم سمعنَا من رَسُول الله ص = فَبكى عمر ﵁ فَقَالَ واعمراه من يتولاها بِمَا فِيهَا فَقَالَ أَبُو ذَر من جدع الله أَنفه والصق خَدّه بِالْأَرْضِ قَالَ فَبكى الْمَنْصُور وَأخذ المنديل فَوَضعه على وَجهه وَجعل ينتحب فِي بكائه حَتَّى أبكى الْحَاضِرين فَأمْسك الْأَوْزَاعِيّ سَاعَة ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن جدك الْعَبَّاس سَأَلَ رَسُول الله ص = إِمَارَة على مَكَّة والطائف واليمن فَقَالَ رَسُول الله ص = يَا عَم النَّبِي نفس تحييها خير لَك من إِمَارَة لَا تحصيها وَهَذِه نصيحة مِنْهُ لِعَمِّهِ وشفقة مِنْهُ عَلَيْهِ يَا أَمِير الؤمنين بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ
стр. 544
الْأُمَرَاء أَرْبَعَة أَمِير ظلف نَفسه وعماله فَذَلِك كمالمجاهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى يَد الله باسطة عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وأمير فِيهِ ضعف ظلف نَفسه وارتع عماله بضعفة فَهُوَ على شفا هَلَاك إِلَّا أَن يرحمه الله تَعَالَى وأمير ظلف عماله وأرتع نَفسه فَذَلِك هُوَ الحطمة الَّذِي قَالَ رَسُول الله ص = شَرّ الرُّعَاة الحطمة الْهَالِك وحدة وأمير أرتع نَفسه وعماله فهلكوا جَمِيعًا
وَقد بَلغنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ
стр. 545
اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم اني أُبَالِي إِذا قعد الخصمان بَين يَدي على من كَانَ الْحق مَعَه من قريب أَو بعيد فَلَا تهملني طرفَة عين
يَا امير الْمُؤمنِينَ إِن أَشد الشدَّة الْقيام لله تَعَالَى بِحقِّهِ وَإِن أكْرم الْكَرم عِنْد الله التَّقْوَى وَإنَّهُ من طلب الْعِزّ بِطَاعَة الله رَفعه الله وأعزه وَمن طلبه بِمَعْصِيَة الله وَضعه الله تَعَالَى وأذله وَهَذِه نصيحتي إِلَيْك وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله فَلَمَّا سكن عَن الْمَنْصُور الْبكاء رفع رَأسه إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أوزاعي أَنْت المقبول القَوْل غير مُتَّهم فِي النَّصِيحَة وَقد سمعناها مِنْك فصادفت
стр. 546
قبولا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله الْمُوفق للخير والمعين عَلَيْهِ يَا ربيع إدفع إِلَى الْأَوْزَاعِيّ مَا يَسْتَعِين بِهِ على زَمَانه قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي فِي غَنِي عَن ذَلِك مَا كنت أبيع نصيحتي بِشَيْء من عرض الدُّنْيَا ثمَّ إِنَّه ودع الْمَنْصُور وَانْصَرف
стр. 547
٧٣٤ -
الرَّوْضَة الرَّابِعَة
مَا حَكَاهُ ابْن عبد ربه قَالَ قدم أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور مَكَّة حَاجا فَنزل فِي دَار الندوة وَكَانَ يخرج فِي آخر اللَّيْل إِلَى الطّواف فيطوف وَيُصلي وَلَا يعلم بِهِ اُحْدُ من النَّاس فَإِذا طلع الْفجْر رَجَعَ إِلَى دَار الندوة وَجَاء المؤذنون فَسَلمُوا عَلَيْهِ ثمَّ تُقَام الصَّلَاة فَيصَلي بِالنَّاسِ قَالَ فَخرج ذَات لَيْلَة حِين أَسحر فَبَيْنَمَا هُوَ يطوف إِذْ سمع رجلا عِنْد الْمُلْتَزم وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ أَشْكُو إِلَيْك ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يحول
стр. 548
بَين الْحق واهله من الظُّلم والطمع قَالَ فأسرع الْمَنْصُور فِي مَشْيه حَتَّى مَلأ مسامعه من قَوْله فَرجع فَجَلَسَ نَاحيَة من الْمَسْجِد وَأرْسل إِلَيْهِ فَدَعَاهُ فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ الْمَنْصُور مَا هَذَا الَّذِي سَمِعتك تَقول من ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يحول بَين الْحق واهله من الطمع
فَقَالَ الرجل إِن أمنتني على نَفسِي أَنْبَأتك بالأمور من أَصْلهَا قَالَ لَهُ الْمَنْصُور أَنْت آمن على نَفسك فَقَالَ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى استرعاك أُمُور الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ فأهملت أُمُورهم واهتممت بِجمع أَمْوَالهم وَجعلت بَيْنك وَبينهمْ حجاجا من الجص والآجر وأبوابا من الْحَدِيد وحجبة مَعَهم السِّلَاح ثمَّ سجنت نَفسك فِيهَا وَبعثت عمالك فِي جمع الْأَمْوَال وجبايتها واتخذت وزراء ظلمَة وأعوانا غشمة إِن
стр. 549
نسيت لم يذكروك وَإِن أَحْسَنت لم يعينوك ثمَّ قويتهم على ظلم النَّاس إِلَّا فلَان وَفُلَان نفر سميتهم وَلم تَأمر بِإِدْخَال الْمَظْلُوم وَلَا الملهوف وَلَا الجائع وَلَا العاري وَلَا الضَّعِيف الْفَقِير وَلَا أحد إِلَّا وَله فِي هَذَا المَال حق فَلَمَّا رآك هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذين استخلصتهم لنَفسك وآثرتهم على رعيتك قد صنعت هَذَا كُله قَالُوا هَذَا قد خَان الله فَمَا بالنا لَا نخونه وَقد سَخَّرَهُ الله لنا فائتمروا على أَن لَا يوصلوا من أَخْبَار رعيتك إِلَّا مَا أَرَادوا وَمَتى أخرجت عَاملا فخالفهم فِي أَمر أقصوه وأبعدوه وبلغوك عَنهُ الْمَكْرُوه حَتَّى يسْقط من عَيْنك فَلَمَّا اشْتهر ذَلِك عَنْهُم أعظمهم النَّاس وهابوهم فَكَانَ أول من صانعهم بالهدايا وَالْأَمْوَال عمالك ليتفقوا على ظلم الرّعية ثمَّ فعل ذَلِك أهل الْقُدْرَة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من هودونهم من الرّعية فامتلأت بِلَاد الله بالطمع بغيا وَفَسَادًا وَصَارَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم شركاؤك فِي سلطانك وَأَنت غافل فَإِن جَاءَ متظلم حيل بَينه وَبَين الدُّخُول إِلَيْك وَإِن أَرَادَ قصَّة إِلَيْك عِنْد ظهورك لم يَأْخُذهَا أحد وَإِن أَخذهَا لم يوصلها إِلَيْك وَإِذا اسْتَغَاثَ بك مظلوم بأعلا صَوته ضربوه ضربا شَدِيدا فَمَا بَقَاء الْإِسْلَام بعد ذَلِك وَلَقَد كَانَ بنوا أُميَّة لَا يَنْتَهِي
стр. 550
إِلَيْهِم الْمَظْلُوم إِلَّا رفعت ظلامته وَكَانَ الرجل يَأْتِي من أقْصَى الْبِلَاد حَتَّى يبلغ بَاب سلطانهم فيتنادى بأعلا صَوته يَا أهل الأسلام فيبتدرون إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ مَالك مَالك فيدفعون ظلامته إِلَى سلطانهم فينصف بَينه وَبَين ظالمه
وَلَقَد كنت يَا امير الْمُؤمنِينَ أسافر إِلَى بِلَاد الصين وَبهَا ملك قد ذهب سَمعه فَجعل يبكي فَقَالَ لَهُ وزراؤه لابكت عَيْنَاك أَيهَا الْملك مِم بكاؤك فَقَالَ لست أبْكِي على ذهَاب سَمْعِي وأنما أبْكِي لِأَن الْمَظْلُوم يقف بِالْبَابِ يصْرخ فَلَا أسمعهُ ثمَّ قَالَ لَئِن كَانَ ذهب سَمْعِي فَمَا ذهب بَصرِي نادوا فِي النَّاس لَا يلبس ثوبا أَحْمَر إِلَّا مظلوم وَكَانَ يركب فِي كل يَوْم فيله وَيخرج لَعَلَّه يرى مَظْلُوما هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُشْرك بِاللَّه تَعَالَى قد غلبت عَلَيْهِ الرأفه على الْمُشْركين وَأَنت مُؤمن بِاللَّه تَعَالَى وَابْن عَم نبيه لاتغلبنك رأفتك بِالْمُسْلِمين على شح نَفسك فَمَا تَقول إِذا نزع الله مِنْك ملك الدُّنْيَا ودعاك إِلَى الْحساب هَل ينفعك النَّدَم إِذا زلت بك الْقدَم قَالَ فَبكى الْمَنْصُور وأعلن بالنحيب ثمَّ قَالَ يَا لَيْتَني لم أخلق ثمَّ قَالَ كَيفَ احتيالي وَلم أر من النَّاس إِلَّا خائنا فَقَالَ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك بالأئمة المرشدين قَالَ وَمن هم قَالَ الْعلمَاء قَالَ فقد فروا عني وهربوا مني قَالَ إِنَّمَا فروا عَنْك وهربوا مَخَافَة أَن تحملهم على ماظهر مِنْك من قبل عمالك
стр. 551
وَلَكِن افْتَحْ الْبَاب وَسَهل الْحجاب وانصر الْمَظْلُوم وَخذ االمال من حلّه واقسمه فِي أَهله وَأَنا ضَامِن لَك أَن من هرب مِنْك يَأْتِيك فيعاونك على صَلَاح أَمرك
فَقَالَ الْمَنْصُور اللَّهُمَّ وفقني أَن أعمل بِمَا قَالَ هَذَا الرجل ثمَّ جَاءَ المؤذنون فَسَلمُوا عَلَيْهِ وأقيمت الصَّلَاة فَخرج يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَقَالَ للحرس عَلَيْك بِحِفْظ هَذَا الرجل حَتَّى أفرغ من الصَّلَاة فَلَمَّا فرغت الصَّلَاة الْتفت الحرس يطْلب الرجل فِي مَوْضِعه فَلم يره فَأخْبر الْمَنْصُور بذلك فَاشْتَدَّ غَضَبه على الحرس وَقَالَ لَئِن لم يأتني بِهِ لَأَضرِبَن عُنُقك فَخرج الحرس يطوف عَلَيْهِ وَإِذا بِهِ فِي بعض الشعاب قَائِم يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ لَهُ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَيْسَ إِلَى ذَلِك من سَبِيل قَالَ لِأَنَّهُ قد زعم ليضربن عنقِي إِن لم آته بك قَالَ إِنَّه لن يقدر على ذَلِك ثمَّ أخرج من جبته رقْعَة مَكْتُوبَة وَقَالَ اجْعَل هَذَا فِي جيبك فَإِن فِيهَا دُعَاء الْفرج
стр. 552
فَإِنَّهُ إِذا رآك ذهب غيظه وخشع قلبه وأوصل إِلَيْك مَا يَسُرك فَقَالَ لَهُ الحرس يَرْحَمك الله فَمَا دُعَاء الْفرج قَالَ من دَعَا بِهِ صباحا وَمَسَاء ذهبت ذنُوبه ودام سروره وَبسط الله فِي رزقه وأعانه على عدوه وَكَانَ امنا من ظلم الجبارين ولايموت إِلَّا شَهِيدا قَالَ الحرس ثمَّ كَأَنَّهُ حَصَاة ملح ذَابَتْ فَلم أر لَهُ أثرا فَرجع الحرس إِلَى الْمَنْصُور فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ نظر إِلَيْهِ وَتَبَسم وَقَالَ وَيلك أتحسن السحر قَالَ لَا وَالله ياأمير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنِّي وجدته وَكَانَ من حَدِيثه كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْمَنْصُور ادْفَعْ إِلَيّ الرقعة فَدَفعهَا إِلَيْهِ فَنظر فينها وَجعل يبكي ثمَّ أَمر بنسخها وَأمر للحرس بِعشْرَة الاف دِرْهَم وَقَالَ أتعرفون من كَانَ الرجل قَالَ الْحَاضِرُونَ لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ ذَاك هُوَ الْخضر ﵇ ثمَّ دفع الرقعة إِلَى من قَرَأَهَا على الْحَاضِرين فَكَانَ فِيهَا اللَّهُمَّ
стр. 553
كَمَا لطفت بقدرتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وَعلمت مَا تَحت أرجل ارضك كعلمك بِمَا فَوق عرشك وَكَانَت الوساوس كالعلانية عنْدك وَعَلَانِيَة القَوْل كالسر فِي علمك وانقاد كل شَيْء لعظمتك وخضع كل ذِي سُلْطَان لسلطانك وَصَارَ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخر كُله بِيَدِك اجْعَل لي من كل هم أمسيت فِيهِ فرجا ومخرجا اللَّهُمَّ إِن عفوك عَن ذُنُوبِي وتجاوزك عَن خطيئتي وسترك عَن قَبِيح عَمَلي أطمعني أَن أَسأَلك مَالا استوجبه مِمَّا قصرت فِيهِ أَدْعُوك امنا وَأَسْأَلك مستأنسا وَأَنت المحسن إِلَيّ وَأَنا الْمُسِيء إِلَى نَفسِي فِيمَا بيني وَبَيْنك تتودد إِلَيّ وأتبغض إِلَيْك وَلَكِن الثِّقَة بك حَملتنِي على الجرأة عَلَيْك فعد بِفَضْلِك وأحسانك عَليّ وَأَنت التواب الرَّحِيم قَالَ فَلَمَّا رَجَعَ الْمَنْصُور إِلَى بَغْدَاد استبدل عماله وحجابه ثمَّ إِنَّه فتح الْبَاب وَسَهل الْحجاب وَلم يزل عَاملا بقوله حَتَّى مَاتَ
стр. 554
الرَّوْضَة الْخَامِسَة
مَا حَكَاهُ الْفضل بن الرّبيع قَالَ لما حج الرشيد حججْت مَعَه فَبَيْنَمَا أَنا نَائِم ذَات لية إِذا سَمِعت قرع االباب فَخرجت فَوَجَدته الرشيد فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أرْسلت إِلَى أَتَيْتُك فَقَالَ وَيحك إِنَّه قد حاك فِي صَدْرِي شَيْء فَانْظُر لي رجلا أسأله فَقلت إِن هَهُنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَقَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأتيَاهُ فقرعت عَلَيْهِ الْبَاب فَقَالَ من هَذَا فَقلت
стр. 555
أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَخرج مسرعا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أرْسلت إِلَيّ أَتَيْتُك فَقَالَ خُذ لما جئْنَاك بِهِ يَرْحَمك الله فحادثه سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ أعليك دين قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس اقْضِ دينه ثمَّ انصرفنا فَقَالَ مَا أغْنى عَنى صَاحبك شَيْئا فَانْظُر لي رجلا أسأله فَقلت هَهُنَا عبد الرازق بن همام قَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فأتيناه فقرعت عَلَيْهِ الْبَاب فَقَالَ من هَذَا قلت أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَخرج مسرعا فَقَالَ يَا أَمِير الم منين لَو أرْسلت إِلَيّ أَتَيْتُك فَقَالَ خُذ لما جئْنَاك لَهُ يَرْحَمك الله فحادثه سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ أعليك دين قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس اقْضِ دينه ثمَّ انصرفنا من عِنْده فَقَالَ مَا أغْنى عني صَاحبك شَيْئا فَانْظُر لي رجلا أسأله قلت هَذَا الفضيل بن عِيَاض فَقَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فأتيناه
стр. 556
فسمعناه يقْرَأ آيَة من كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ يُرَدِّدهَا فقرعت عَلَيْهِ الْبَاب فأوجز فِي صلَاته وَقَالَ من هَذَا قلت أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مَا لي ولأمير الْمُؤمنِينَ قلت سُبْحَانَ الله أما عَلَيْك طَاعَته فَنزل وَفتح الْبَاب ثمَّ ارْتقى إِلَى الغرفة فأطفأ السراج ثمَّ التجأ إِلَى زَاوِيَة وأخفى حسه فَجعلنَا نجول عَلَيْهِ بأدينا فسبقت كف الرشيد إِلَيْهِ فَقَالَ آه من كف مَا ألينها إِن نجت غَدا من عَذَاب الله تَعَالَى فَقلت فِي نَفسِي ليكلمنه اللَّيْلَة بِكَلَام من قلب تَقِيّ فَقَالَ الرشيد خُذ لما جئْنَاك لَهُ يَرْحَمك الله فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لما ولى الْخلَافَة دَعَا سَالم بن عبد الله بن عمر وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ ورجاء بن حَيْوَة وَقَالَ لَهُم إِنِّي قد ابْتليت بِهَذَا الْبلَاء فأشيروا على مَا أصنع فعد الْخلَافَة بلَاء وانت وَأَصْحَابك تعدونها نعْمَة
فَقَالَ لَهُ سَالم بن عبد الله إِن أردْت النجَاة من عَذَاب الله فَصم عَن الدُّنْيَا وَليكن إفطارك مِنْهَا الْمَوْت وَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن كَعْب إِن أردْت
стр. 557
النجَاة غَدا من عَذَاب الله تَعَالَى فَلْيَكُن كَبِير الْمُسلمين لَك أَبَا ووسطهم عنْدك أَخا وصغيرهم عنْدك ولدا فوقر أَبَاك وَارْحَمْ أَخَاك وتحنن على ولدك وَقَالَ رَجَاء بن حَيْوَة إِن أردْت النجَاة غَدا من عَذَاب الله تَعَالَى فَأحب للْمُسلمين مَا تحبه لنَفسك وأكره لَهُم مَا تكره لنَفسك ثمَّ مت مَتى شِئْت فَهَل عنْدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مثل هؤلأء الْقَوْم اَوْ من يَأْمُرك بِمثل هَذَا الْأَمر وَإِنِّي لأقول لَك هَذَا وأخاف عَلَيْك أَشد الْخَوْف يَوْم تزل الْأَقْدَام قَالَ فَبكى هَارُون بكاء شَدِيدا حَتَّى غشى عَلَيْهِ فَقلت لَهُ يَرْحَمك الله أرْفق بأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا ابْن الرّبيع تقتله أَنْت وَأَصْحَابك وأرفق أَنا بِهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ زِدْنِي قَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي أَن عَاملا لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ شكى إِلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ عمر يَا أخي أذكر سهر أهل النَّار فِي النَّار وخلود الْأَبدَان فَإِن ذَلِك يطردك إِلَى رَبك نَائِما ويقظانا وَإِيَّاك أَن تزل بك قدمك عَن هَذِه السَّبِيل فَيكون آخر الْعَهْد بك مُنْقَطع الرَّجَاء مِنْك فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه طوى الْبِلَاد حَتَّى قدم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا أقدمك عَليّ فَقَالَ خلعت قلبِي بكتابك فوَاللَّه مَا وليت لَك ولَايَة قطّ حَتَّى
стр. 558
ألْقى الله تَعَالَى قَالَ فَبكى هَارُون بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ لَهُ زِدْنِي رَحِمك الله فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْعَبَّاس عَم النَّبِي ص = جَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ يَا رَسُول الله أَمرنِي إِمَارَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ص = يَا عَبَّاس يَا عَم النَّبِي نفس تحييها خير لَك من إِمَارَة لَا تحصيها إِن الْإِمَارَة حسرة وندامة يَوْم الْقِيَامَة فَإِن اسْتَطَعْت أَن لَا تكون أَمِيرا فافعل
قَالَ فَبكى هَارُون ثمَّ قَالَ لَهُ زِدْنِي يَرْحَمك الله قَالَ ياحسن الْوَجْه أَنْت الَّذِي يَسْأَلك الله تَعَالَى عَن هَذَا الْخلق يَوْم الْقِيَامَة فَإِن استعطعت أَن تَقِيّ هَذَا الْوَجْه من النَّار فافعل وَإِيَّاك أَن تصبح وتمسي وَفِي قَلْبك غش لرعيتك فقد قَالَ رَسُول الله ص = من أصبح غاشا لرعيته لم يرح رَائِحَة الْجنَّة قَالَ فَاشْتَدَّ بكاء هَارُون فَأمْسك عَنهُ الفضيل فَلَمَّا أَفَاق قَالَ هَل عَلَيْك دين قَالَ الفضيل نعم دين لرَبي لم يحاسبني عَلَيْهِ فالويل لي إِن حاسبني وَالْوَيْل لي إِن لم يلهمني حجتي فَقَالَ الرشيد إِنَّمَا أردْت دين الْعباد قَالَ لَا فَإِن رَبِّي لم يَأْمُرنِي بذلك بل أَمرنِي
стр. 559
أَن أصدق وعده وَأطِيع أمره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق وَمَا أُرِيد أَن يطْعمُون إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين﴾
فَقَالَ لَهُ هَارُون هَذِه ألف دِينَار خُذْهَا وأنفقها على عِيَالك وتقو بهَا على عبَادَة رَبك فَهِيَ من وَجه الْحل فَقَالَ سُبْحَانَ الله أَنا أدلك على النجَاة وَأَنت تَدعُونِي إِلَى النَّار
ثمَّ صمت فَلم يُكَلِّمنَا فخرجنا من عِنْده فَلَمَّا صرنا على الْبَاب سمعنَا امْرَأَة من نِسَائِهِ تَقول يَا هَذَا قد ترى مَا نَحن فِيهِ من الضائقة وَسُوء الْحَال فَلَو قبلت مِنْهُ هَذَا المَال لتقوتنا بِهِ زمننا فَقَالَ لَهَا إِنَّمَا مثلي ومثلكم كقوم لَهُم بعير يَأْكُلُون من كَسبه فَلَمَّا كبر وَعجز عَن الْكسْب نحروه وأكلوا لَحْمه قَالَ فَلَمَّا سمع الرشيد ذَلِك قَالَ يَا ضل ادخل بِنَا إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ يقبل منا هَذَا المَال فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ثَانِيًا فَمَا أحس بِنَا خرج فَجَلَسَ على السَّطْح على التُّرَاب فَجَلَسَ الرشيد إِلَى جَانِبه وَجعل يكلمهُ فَلم يجبهُ فَخرجت جَارِيَة سَوْدَاء فَقَالَت يَا هَذَا قد آذيت الشَّيْخ مُنْذُ اللَّيْلَة فَانْصَرف عَنهُ يَرْحَمك الله قَالَ فَلَمَّا خرجنَا من عِنْده قَالَ لي الرشيد إِذا دللتني على رجل فدلني على مثل هَذَا الرجل هَذَا الْيَوْم سيد الْمُسلمين
وَأما الطَّبَقَة الثَّالِثَة من الْمُلُوك فهم الْأَكْثَرُونَ قُلُوبهم قسية وأنفسهم
стр. 560
عصية يؤثرون اللَّذَّات على أُمُور الديانَات وَفِي الْمُشَاهدَة مِنْهُم بالأبصار كِفَايَة عَن الْأَخْبَار وَقد انتهينا بكتابنا هَذَا إِلَى مَا حاولناه وأوردنا فِيهِ مَا أردناه وأتينا بِمَا ضمناه بعد مَا أوضحناه وَذَلِكَ وسع الطَّاقَة وَجهد الْمقل وعَلى الله أتوكل وَبِه أستعين وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين حمدا كثيرا وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعل آله وَصَحبه وَسَلَامه