Полный текст (560 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
بِإِيجَاف الْخَيل والركاب فَهُوَ غنيمَة يجب على الْملك أَن يقسمهُ بَين الْغَانِمين فَيَجْعَلهُ خَمْسَة أَخْمَاس خمس مِنْهَا لأهل الْخمس الَّذين قَالَ الله فِي حَقهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ وَأَرْبَعَة
стр. 492
أَخْمَاس للغانمين
стр. 493
وَيَنْبَغِي أَن يقسم ذَلِك جَمِيعه فِي دَار الْحَرْب لِأَن رَسُول الله صلى
стр. 494
الله عَلَيْهِ وَسلم قسم غَنَائِم بني المصطلق على مِيَاههمْ وَقسم غَنَائِم
стр. 495
حنين بأوطاس وهوواد من حنين وَلَا يدْخل سلب الْمَقْتُول فِي الْقِسْمَة بل يكون للْقَاتِل دون غَيره لِأَن رَسُول الله ﷺ جعل السَّلب للْقَاتِل
стр. 496
فَإِن كَانَ الْجَيْش كلهم فُرْسَانًا سوي بَينهم فِي الْقِسْمَة وَكَذَلِكَ إِن كَانُوا رجالة وَإِن كَانَ بَعضهم فُرْسَانًا وَبَعْضهمْ رجالة جعل للراجل سَهْما وَاحِدًا وللفارس ثَلَاثَة أسْهم بَينهمَا سَهْما للرجل وسهمين للْفرس وَيجْعَل من قَاتل وَمن لم يُقَاتل فِي الْقِسْمَة
стр. 497
سَوَاء وَكَذَلِكَ من حضر بفرسين أَو أَكثر لم يزدْ سَهْمه على من حضر بفرس وَاحِد وَإِذا بعث الْملك سَرِيَّة من
стр. 498
الْجَيْش إِلَى جِهَة الْكفَّار فَغنِمت السّريَّة شاركهم فِي ذَلِك أهل الْجَيْش وَكَذَلِكَ إِن غنم أهل الْجَيْش شاركهم أهل السّريَّة لِأَن رَسُول الله ص = لما هزم هوزان بحنين أسرى سَرِيَّة قبل أَوْطَاس فَغنِمت فقسم غنائمهم بَين الْجَمِيع وَمن فعل من أهل الْجَيْش
стр. 499
فعلا يُفْضِي إِلَى الظفر بالعدو كالتجسس وَالدّلَالَة على الطَّرِيق أَو قلعة أَو التَّقَدُّم بِالدُّخُولِ إِلَى دَار الْحَرْب جَازَ للْملك أَن ينفلهُ من الْغَنِيمَة بِزِيَادَة على سَهْمه لِأَن رَسُول الله ص = كَانَ يفعل ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 500
الْبَاب التَّاسِع عشر فِيمَا يَنْبَغِي للْملك أَن يَفْعَله عِنْد قفوله بالجيش
يَنْبَغِي للْملك إِذا قفل بالجيش من غزَاة أَو سفر أَن يفعل كَمَا كَانَ يفعل رَسُول الله ﷺ فِي قفوله من غَزَوَاته وأسفاره كَانَ يكبر على كل شرف من الأَرْض ثَلَاث تَكْبِيرَات وَيَقُول لاإله إِلَّا الله وَحده لاشريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ حى لايموت بيدة الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير آيبون تائبون عَابِدُونَ ساجدون لربنا
стр. 501
حامدون صدق الله وعده وَنصر عَبدة وأعز جندة وَهزمَ الاحزاب وحدة كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه لَهُ الحكم وإلية ترجعون
وَيَنْبَغِي إِذا اشرف على مدينته أَن يُحَرك دَابَّته وَيَقُول اللَّهُمَّ اجْعَل لنا بهَا قرارا وَرِزْقًا حسنا ثمَّ يُرْسل إِلَى نوابه وَأهل مدينته فيخبرهم بقدومه ليخرجون إِلَى لِقَائِه لِأَن الرّعية ينتعشون بطلعة الْملك عَلَيْهِم ورجوعه إِلَيْهِم كانتعاش النبت بوابل الْقطر
وَإِذا دخل الْبَلَد فليقصد الْمَسْجِد وَليصل فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَذَلِك كَانَ يفعل رَسُول الله ص =
وَإِذا دخل منزله وَاسْتقر على سَرِيره فَلْيقل توبا توبا لربنا أوبا لَا يُغَادر خَطِيئَة وَلَا حوبا ثمَّ يرفع حجابه وَيفتح بَابه وَيَأْذَن لوجوه بلدته وَبَيَاض رَعيته بِالدُّخُولِ إِلَيْهِ لتهنئته بِمَا أَفَاء الله عَلَيْهِ وحققه لَدَيْهِ من شُمُول النِّعْمَة وَحسن المنقلب ثمَّ يكثر من الصَّدَقَة والصلات ويوسع فِي العطايا والهبات وَيرد الغصوب والظلامات ويكشف عَن أَحْوَال من حَبسه من أهل الْجِنَايَات ويستكثر من صنائع الْمَعْرُوف وأفعال الْبر فَإِنَّهُ
стр. 502
إِذا فعل ذَلِك كَانَ شاكرا لله تَعَالَى وَكَانَ لمزيد النِّعْمَة مُسْتَحقّا ولتتابع الْإِحْسَان من الله مستوجبا
стр. 503
الْبَاب الْعشْرُونَ فِي الْحَث على اسْتِمَاع المواعظ وقبولها من النساك
اعْلَم أَن اسْتِيلَاء الدُّنْيَا على الْمُلُوك وإقبالها عَلَيْهِم رُبمَا شغلهمْ عَن أَمر الْآخِرَة وأغفلهم عَن مهمات الدّين فيجنحون إِلَى اللَّذَّات ويهملون أَمر الديانَات لِأَن النُّفُوس مطبوعة على الْميل إِلَى الترف وإيثار التنعم وَكَرَاهَة التَّكْلِيف فَلَا يَنْبَغِي أَن تَخْلُو مجَالِسهمْ من عُلَمَاء الدّين وأصالح المتنسكين لينهوهم عِنْد طريان الْغَفْلَة ويذكروهم عِنْد ضراوة الشَّهْوَة ويوضحون لَهُم نهج الْآخِرَة ومعالم الشَّرِيعَة وَقد كَانَ ذَلِك شعار الْمُلُوك الغابرين وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي مجَالِسهمْ الْحُكَمَاء واستماع مواعظ الْعلمَاء وَكَانُوا فِي ذَلِك ثَلَاث طَبَقَات
فَمنهمْ طبقَة لما سمعُوا الموعظة والتذكير نبذوا ملك الدُّنْيَا
стр. 504
الَّذِي يفنى ليعتاضوا عَنهُ ملك الْآخِرَة الَّذِي يبْقى وأخرجوا ذَلِك من قُلُوبهم وايديهم واهتموا بِأَمْر الْآخِرَة وَالْعَمَل لَهَا لينالوا الْفَوْز الاكبر وَالنَّعِيم الدَّائِم.
وَمِنْهُم طبقَة عِنْد سَماع الموعظة أخرجُوا ملك الدُّنْيَا من قُلُوبهم وَلم يخرجوه من أَيْديهم واهتموا بِأَمْر الْآخِرَة مَعَ بقائهم فِي الْملك وَهَذِه الطَّبَقَة مجاهدتهم عَظِيمَة وَمثلهمْ فِي ذَلِك مثل من ألزم نَفسه الظمأ وبحضرته نهر بَارِد ينظر إِلَيْهِ وَيقدر على تنَاول شربة وَهَذَا كَانَ مقَام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأمرائهم وعمالهم وَمن سلك سبيلهم
وَمِنْهُم طبقَة أصمهم حب الدُّنْيَا ونيل لذاتها عَن اسْتِمَاع المواعظ واعمى أَبْصَارهم عَن كل مُذَكّر وواعظ فآثروا اللَّذَّات على الْمُهِمَّات وقطعتهم الشَّهَوَات عَن أُمُور الديانَات وسأذكر من أَخْبَار هَذِه الطَّبَقَات الثَّلَاث مَا يكون فِيهِ رياض لِذَوي الأفكار ورياضات لأولي الْأَبْصَار وَالله اعْلَم بِالصَّوَابِ
стр. 505
حكايات الطَّبَقَة الأولى خمس روضات
الرَّوْضَة الأولى
مَا حَكَاهُ أَصْحَاب الحَدِيث ان عمر بن الْخطاب ﵁ اسْتعْمل عُمَيْر بن سعد الْأنْصَارِيّ ﵁ على حمص وأعمالها
стр. 506
فَلبث بهَا سنة كَامِلَة فَجَلَسَ يَوْمًا وَعِنْده رجل من أَصْحَاب عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ قد أَتَاهُ يَسْتَدْعِي مِنْهُ مَا اجْتمع عِنْده من المَال فَحَضَرَ عِنْده رجل معاهد فَجعل يتَكَلَّم وَيرْفَع صَوته فَقَالَ لَهُ عُمَيْر اسْكُتْ أخزاك الله
فَقَالَ لَهُ الرجل الَّذِي عِنْده من اصحاب عمر يَا عُمَيْر أما سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول أَنا ولي خصم الْمعَاهد واليتيم وَمن خاصمه خصمته يَا عُمَيْر اتَّقِ من فَوْقك يتقك من تَحْتك وكما تحب أَن يصنع الله بك فَاصْنَعْ برعيتك قَالَ فَبكى عُمَيْر بكاء شَدِيدا ثمَّ انثنى إِلَى منزله فَعمد إِلَى جراب زَاده واداته وقصعته فعلقهن على عصاة
стр. 507
وحملهن على عَاتِقه وَخرج من حمص مَاشِيا حَتَّى قدم عمر بن الْخطاب ﵁ فَسلم عَلَيْهِ فَرد ﵇ متثاقلا ثمَّ قَالَ لَهُ عُمَيْر مَا هَذَا الَّذِي أرى بك من سوء الْحَال أمرضت بعدِي أم بلادك بِلَاد سوء أم هَذِه خديعة مِنْك فَقَالَ لَهُ عُمَيْر يَا امير الْمُؤمنِينَ ألم ينهك الله عَن التَّجَسُّس ثمَّ مَا الَّذِي ترى بِي من سوء الْحَال أَلَسْت تراني صَحِيح الْبدن قد جئْتُك أحمل الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ عمر وَمَا الَّذِي جِئْت بِهِ من الدُّنْيَا قَالَ جرابي فِيهِ زادي وإداتي فِيهَا مائي لشرابي ووضوئي وقصعتي لعجيني وعكازي أذب بهَا عَن نَفسِي قَالَ عمر صدقت رَحِمك الله فَمَا فعل الْمُسلمُونَ قَالَ عُمَيْر تَركتهم يوحدون الله تَعَالَى وَيصلونَ وَلَا تَسْأَلنِي عَمَّا وَرَاء ذَلِك قَالَ فَمَا فعل أهل لذمة قَالَ أَخذنَا مِنْهُم الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون قَالَ فَمَا اجتلبت من المَال قَالَ مَا أَنْت وَذَاكَ إِنِّي لما قدمت حمص اجتهدت رَأْي وجمعت من بهَا من الْمُسلمين فاخترت مِنْهُم رجَالًا فاستعملتهم ثمَّ نظرت فِيمَا اجْتمع من المَال فقسمته فِي أَهله وَلَو كَانَ عندنَا فضل لأتاك فَقَالَ يَا عُمَيْر واين راحلتك قَالَ لم يكن لي رَاحِلَة فَقَالَ أما كَانَ فِي رعيتك من يتَبَرَّع لَك بِدَابَّة تركبها بئس الْمُسلمُونَ وَبئسَ المعاهدون ثمَّ قَالَ لِابْنِهِ عبد الله جئني بِصَحِيفَة لأجدد لعمير عهدا ليرْجع إِلَى عمله فَقَالَ عُمَيْر لَا وَالله لَا أعمل على شَيْء أبدا قَالَ عمر وَلم ذَاك
стр. 508
قَالَ لِأَنِّي مَا نجوت فَإِنِّي قلت يَوْمًا لمعاهد أخزاك الله وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا ولي خصم الْمعَاهد واليتيم وَمن خاصمه خصمته فَنَهَضَ عمر وَأخذ بيد عُمَيْر ثمَّ أَتَى قبر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله ثمَّ قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَا بكر ثمَّ بكا عمر وَقَالَ مَاذَا لقِيت بعدكما اللَّهُمَّ ألحقني بصاحبي لم أغير وَلم أبدل وبكا مَعَه عُمَيْر طَويلا ثمَّ قَالَ يَا عُمَيْر الْحق بأهلك وَكَانَ أَهله على مسيرَة ثَلَاثَة فراسخ من الْمَدِينَة قَالَ ثمَّ قدم بعد ذَلِك رجل على عمر بِمَال من عِنْد بعض عماله فدعى رجلا من أَصْحَابه اسْمه حبيب فَدفع إِلَيْهِ صرة فِيهَا مائَة دِينَار وَقَالَ انْطلق إِلَى منزل عُمَيْر فأقم عِنْده ثَلَاثًا وتفقد حَاله ثمَّ أعْطه هَذِه الصرة فَأَتَاهُ حبيب فَوَجَدَهُ بِفنَاء بَيته يتفلى فِي الشَّمْس فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُمَيْر من أَيْن أَقبلت قَالَ من الْمَدِينَة قَالَ كَيفَ تركت عمر قَالَ صَالحا قَالَ لَعَلَّه جَار فِي الحكم قَالَ لَا قَالَ فَلَعَلَّهُ وضع
стр. 509
السَّوْط فِي أهل الْقبْلَة قَالَ لَا وَلكنه ضرب ابْنا لَهُ الْحَد فَمَاتَ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لعمر فَإِنَّهُ يحبك وَيُحب رَسُولك وَيُحب إِقَامَة الْحَد فَنزل عِنْده حبيب ثَلَاثَة أَيَّام يقريه كل يَوْم قرصا مأدوما بِزَيْت فَلَمَّا انْقَضتْ الثَّلَاث قَالَ لَهُ عُمَيْر ارتحل عَنَّا رَحِمك الله فقد أجعتنا وَإنَّك لم تصادف عندنَا فضلا وَلَكِن آثرناك فَقَالَ لَهُ حبيب خُذ هَذِه الصرة فَإِن عمر بعثها إِلَيْك فَلَمَّا صَارَت فِي يَده قَالَ صَحِبت رَسُول الله ص = فَلم نَبْتَل بِشَيْء من الدُّنْيَا وصحبت أَبَا بكر كَذَلِك ثمَّ صَحِبت عمر فشر أيامي يَوْم صَحِبت عمر وَجعل ينتحب ويبكي فَقَالَت لَهُ امْرَأَته لَا تبك رَحِمك الله ضعها حَيْثُ شِئْت قَالَ صدقت فاطرحي إِلَيّ بعض خلقانك فَفعلت فَجعل يصر الدَّنَانِير ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَفَوق ذَلِك حَتَّى قسمهَا فِي فُقَرَاء جِيرَانه وَعَاد حبيب إِلَى عمر فَأخْبرهُ فارتاع لذَلِك ولبث أَيَّامًا واستدعى عُمَيْرًا فَقَالَ لَهُ مَا صنعت بِالدَّنَانِيرِ قَالَ أقرضتها رَبِّي ليَوْم فقري قَالَ هَل عَلَيْك دين
стр. 510
قَالَ لَا فَأمر عمر ﵁ لَهُ بوقر بعير تَمرا وبثوبين فَقَالَ أما الثوبان فاقبلهما وَأما التَّمْر فَلَا حَاجَة بِي إِلَيْهِ لِأَنِّي قد تركت عِنْد أَهلِي صَاعا من الشّعير وَهُوَ مبلغهم إِلَى وَقت ثمَّ انْصَرف عُمَيْر إِلَى أَهله فَقَالَ مَا لبث أَن توفّي فجزع عَلَيْهِ عمر ﵁ وَقَالَ لأَصْحَابه تمنوا فتمنوا فَقَالَ لكني أَتَمَنَّى رجَالًا مثل عُمَيْر استعين بهم على أُمُور الْمُسلمين
стр. 511
الرَّوْضَة الثَّانِيَة
مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي قَالَ ركب النُّعْمَان بن أمرئ الْقَيْس بن عَمْرو الْأَكْبَر حَتَّى أشرف على الخورنق وَهُوَ الَّذِي بناه فَلَمَّا نظر
стр. 512
إِلَى مَا حوله وَكَانَ فِي فصل الرّبيع وَقد أخذت الأَرْض زينتها فَرح طرفَة مَلِيًّا فِيمَا حوله وَكَانَ معجبا بالشقائق الَّتِي يُقَال لَهَا شقائق النُّعْمَان وَمن أجل إعجابه بهَا وتتبعه لَهَا فِي الرياض نسبت إِلَيْهِ قَالَ وَكَانَ هُنَاكَ رَوْضَة شقائق فَلَمَّا تأملها وَرَأى حسن تنضد الشَّقِيق فِي منابته وقنو حمرته وخضرة سوقه وميسه وهبوب النسيم عَلَيْهِ وتناثر الْقطر فِي أرجائه ارْتَاحَ قلبه إِلَيْهِ فَأمر أَن يبسط لَهُ بِإِزَاءِ تِلْكَ الرَّوْضَة بِسَاط وشى من الْحَرِير المخمل فَكَانَ الْبسَاط كَأَنَّهُ رَوْضَة مُخْتَلفَة بأصناف النوار وَضربت عَلَيْهِ قبَّة من الديباج الْأَحْمَر منضدة من الحشايا بِمَا يضاهيها ويجانسها فِي
стр. 513
لَوْنهَا وَلبس من ثِيَاب الْحَرِير افضل مَا عِنْده ثمَّ جلس فِي تِلْكَ الْقبَّة مواجها لتِلْك الرَّوْضَة وَعِنْده أكَابِر قواده وخواص مَمْلَكَته ووجوه رَعيته وَفِيهِمْ عدي بن زيد قَالَ فأعجب الْملك بِمَا هُوَ فِيهِ فَقَالَ لجلسائه هَل رَأَيْتُمْ مثل مَا أَنا فِيهِ أَو علمْتُم أَن أحدا أُوتِيَ مثل مَا أُوتيت قَالُوا لَا أَيهَا الْملك مَا رَأينَا مثلك وعدي بن زيد سَاكِت لَا يتَكَلَّم فَنظر إِلَيْهِ الْملك مستدعيا لكَلَامه فَقَالَ عدي أَيهَا الْملك إِن أَذِنت لي تَكَلَّمت فَقَالَ تكلم قَالَ أَرَأَيْت ماجمعت أَشَيْء هُوَ لَك لم يزل أم شَيْء كَانَ لمن كَانَ قبلك زَالَ عَنهُ وَصَارَ إِلَيْك قَالَ بلَى كَانَ لمن كَانَ قبلي ثمَّ صَار إِلَيّ قَالَ أفيزول عَنْك إِلَيّ غَيْرك أم يبْقى إِلَيْك قَالَ بلَى يَزُول
стр. 514
عني وَيصير إِلَيّ غَيْرِي قَالَ فَأَرَاك أَيهَا الْملك سررت بِشَيْء تذْهب عَنْك لذته وَيبقى عَلَيْك تَبعته تكون فِيهِ قَلِيلا وترتهن فِيهِ طَويلا قَالَ فَبكى النُّعْمَان وَقَالَ لَهُ يَا عدي فَأَيْنَ الْمَهْرَب قَالَ أحد أَمريْن الأول أَن تقيم فِي ملكك وتعمل بِطَاعَة رَبك على مَا سرك وساءك وَالثَّانِي أَن تضع تاجك وتخلع أطمارك وتلبس أمساحك ثمَّ تلْحق بِبَعْض الْجبَال وَحدك تعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك أَجلك قَالَ إِذا فعلت ذَلِك فَمَالِي عِنْده قَالَ حَيَاة لاتموت وشباب لايهرم وَصِحَّة لاتسقم وَملك جَدِيد لايبلى قَالَ وكل مَا أرى إِلَى فنَاء وَزَوَال قَالَ نعم قَالَ فَأَي خير فِيمَا يفنى وَيَزُول ثمَّ إِنَّه ركب من مَوْضِعه وَسَار طَالبا قصره وَإِلَى جَانِبه عدي بن زيد فَأتوا على مَقْبرَة فَقَالَ عدي أَتَدْرِي مَا تَقول هَذِه الْمقْبرَة أَيهَا الْملك قَالَ لَا قَالَ إِنَّهَا تَقول
(أَيهَا الركب المحثون ... على الأَرْض المجدون)
(كَمَا أَنْتُم كَذَا كُنَّا ... كَمَا نَحن تصيرون)
قَالَ ثمَّ سَارُوا فَمروا بشجرات متناوحات عِنْد عين جَارِيَة فَقَالَ عدي أَيهَا الْملك أَتَدْرِي مَا تَقول هَذِه الشرجات قَالَ لَا قَالَ إِنَّهَا تَقول
стр. 515
(من رآنا فليحدث نَفسه ... أَنه موف على قرن زَوَال)
(وصروف الدَّهْر لايبقى لَهَا ... وَلما تَأتي بِهِ صم الْجبَال)
(رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الْخمر بِالْمَاءِ الزلَال)
(عمروا دهرا بعيش حسن ... أفن رَبِّي دهرهم غير عِجَال)
(ثمَّ أضحوا عصف الدَّهْر بهم ... وكذاك الدَّهْر حَالا بعد حَال)
فَلَمَّا انْتهى الْملك إِلَى قصره الْتفت إِلَى عدي وَقَالَ قد علمت أَن الْمقْبرَة والشجرات لَا يتكلمن وَإِنَّمَا قصدت بذلك عظتي وَقد حصلت الموعظة فَإِذا كَانَ السحر أحضر عِنْدِي فَإِن عِنْدِي خيرا حَتَّى أطلعك عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ وَقت السحر حضر عِنْده عدي فَوَجَدَهُ قد لبس مسوح الشّعْر وَأخذ أهبة السياحة فودع عديا ثمَّ ارْتقى إِلَى جبل فَلم يزل هُنَاكَ يعبد ربه حَتَّى لحق بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 516
الرَّوْضَة الثَّالِثَة
مَا روى نَافِع عَن عبد الله بن عمر ﵃ قَالَ كَانَ فِيمَن سلف ملك دَان لَهُ النَّاس فَلَمَّا أعجب بِملكه قَالَ لوزرائه وقهارمته ابْنُوا لي دَارا لايكون فِيهَا عيب فَفَعَلُوا ذَلِك قَالَ اتَّخذُوا لي فِيهَا طَعَاما لايكون فِيهِ عيب فَفَعَلُوا ذَلِك وَأمر أَن يدعى النَّاس إِلَى طَعَامه فِي تِلْكَ الدَّار ثمَّ أقعد بِالْبَابِ رجلَيْنِ وَأَمرهمَا أَن يسألا كل من خرج من الدَّار هَل رأى فِيهَا عَيْبا أَو فِي الطَّعَام قَالَ فَمر بهما رجلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَاب الشّعْر فسألاهما فَقَالَا نعم رَأينَا فِي الدَّار عيبين قبيحين قَالَ وَمَا هما قَالَا رَأينَا دَارا تخرب
стр. 517
وصاحبها يَمُوت فمضيا وَأخْبر الْملك بِمَا قَالَا فأحضرهما وسألهما فذكرا لَهُ ذَلِك فَأَطْرَقَ الْملك سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهما فَهَل تعرفان دَارا لَا تخرب وَلَا يَمُوت صَاحبهَا قَالَ نعم قَالَ وَأَيْنَ هِيَ فَقَالَا هِيَ دَار الله تَعَالَى رَبنَا وَرَبك وَهِي الْجنَّة الَّتِي يَدُوم نعيمها وَلَا يَزُول ملكهَا قَالَ فصفاها لي فوصفاها لَهُ قَالَ وَبِأَيِّ شَيْء تنَال هَذِه الدَّار فَقَالَا بِعبَادة الله تَعَالَى والانقطاع إِلَيْهِ قَالَ وَكَيف تكون الْعِبَادَة فشرحا لَهُ الدّين فَوَقع فِي قلبه أَنه الْحق فَقَالَ لَهما أقيما عِنْدِي هَذِه اللَّيْلَة حَتَّى أنظر فِيمَا ذكرتماه لي فَإِن أَقمت فِي ملكي جعلتكما وزيرين لَا أعصيكما وَإِن خرجت مِنْهُ تبعتكما على أمركما ثمَّ قَامَ فَدخل على ابْنه لَهُ وَكَانَت عَاقِلَة فهمة فَقص مَا ذكرَاهُ لَهُ
وأخبرهما أَنه تَارِك لملكه وخارج مَعَهُمَا فَقَالَت يَا أبتي تنجي نَفسك وتتركني أهلك قَالَ يَا بنية أَنْت عَورَة فَكيف أصنع بك فَقَالَت إِنِّي أكف شخصي فَلَا يعلم أحد أذكر أَنا أم أُنْثَى قَالَ فاخلعي ثِيَابك واحترمي فَفعلت ذَلِك وَخرجت مَعَ أَبِيهَا إِلَى الرجلَيْن فَقَالَ لَهما سِيرُوا بِنَا مَا دَامَ علينا ظلام اللَّيْل وَهَذَا وَلَدي معي فَسَارُوا حَتَّى قطعُوا الْمَدِينَة وَخَرجُوا مِنْهَا ثمَّ سَارُوا حَتَّى جاوزوا مملكة ذَلِك الْملك ثمَّ سَارُوا حَتَّى بلغُوا إِلَى دير فَقَالَا لَهُ هَذَا موضعنا الَّذِي نعْبد رَبنَا فِيهِ فَدَخَلُوا إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَقَامَ عِنْدهمَا مُدَّة طَوِيلَة يتَعَلَّم مِنْهُمَا الدّين وَأَحْكَام الشَّرِيعَة ثمَّ تجهز لِلْخُرُوجِ عَنْهُمَا فَقَالَا لَهُ مَا شَأْنك هَل آذَاك أحد منا قَالَ لَا وَلَكِنِّي أراكما تكرماني لما كنت فِيهِ من الْملك فَأُرِيد أَن آتِي موضعا لَا أعرف فِيهِ
стр. 518
فَأَكُون فِي غمار النَّاس فَتَرَكَاهُ وَمضى حَتَّى أَتَى ديرا كَبِيرا كثير الْأَهْل فِيهِ مسَاكِن كَثِيرَة فَقَالَ هَل من منزل فَقيل لَهُ ادخل فَدخل وَاخْتَارَ مسكنا فَكَانَ هُوَ وَابْنَته يعبدان الله تَعَالَى فِيهِ وَكَانَ لأهل ذَلِك الدَّيْر مزرعة وعَلى كل رجل من سكان الدَّيْر حراستها سنة كَامِلَة فبلغت النّوبَة إِلَى الشَّيْخ وَكَانَ مَرِيضا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِن عُذْري وَاضح فَقَالَت لَهُ ابْنَته يَا ابت انا أخرج عَنْك فَخرجت إِلَى المزرعة وَهِي مستترة فَمَا كَانَ يَرَاهَا النَّاس إِلَّا قَائِمَة تصلي أَو فِي أَمر هِيَ بِهِ مغتبطة قَالَ وَكَانَ بقربهم دير صَغِير ينْسب إِلَى رجل بِعَيْنِه وَكَانَت لَهُ أبنة جميلَة فَجَاءَت تِلْكَ الِابْنَة فاتصلت بهَا وَهِي تظن أَنَّهَا غُلَام فَجعلت تعرض عَلَيْهَا نَفسهَا وَجعلت تِلْكَ تعتصم بهَا من شَرها فَلَمَّا رَأَتْ الْجَارِيَة أَنَّهَا لَا تفعل قَالَت وَالله لاهلكنك ولاهلكن أَبَاك ثمَّ أَنَّهَا ذهبت إِلَى راعي فأمكنت نَفسهَا مِنْهُ فَحملت فَلَمَّا عظم بَطنهَا قَالَ لَهَا أَبوهَا مَا هَذَا قَالَت إِنِّي كنت عِنْد ولد الشَّيْخ مطمئنة إِلَيْهِ لما رَأَيْت من كَثْرَة عِبَادَته واجتهاده وَكَانَ هَذَا مِنْهُ فجَاء أَبوهَا واهل ديره فَأخْبرُوا أهل ذَلِك الدَّيْر الْكَبِير بذلك وَقَالُوا لَا يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الشَّيْخ وَولده عنْدكُمْ وهموا بِإِخْرَاجِهِ إِلَّا أَنه لشدَّة مَرضه لم يقدروا على ذَلِك ثمَّ توفى الشَّيْخ مَكَانَهُ فَلم يَأْخُذُوا فِي جهازه فَقَالَ علماؤهم إِنَّه لَا ذَنْب لَهُ فاغسلوه وكفنوه وادفنوه واطردوا ابْنه فَلَا يدْخل ديركم فَفَعَلُوا ذَلِك فَقَالَ دَعونِي ابْني لي بَيْتا فِي الصَّحرَاء أحرس نَفسِي فِيهِ من السبَاع فبنت لَهَا بَيْتا فَكَانَت فِيهِ تعبد الله تَعَالَى وتزور قبر أَبِيهَا حَتَّى كَانَت لَيْلَة من اللَّيَالِي مر بهَا رجل من
стр. 519
أهل الدَّيْر فَإِذا بَاب بَيتهَا مَفْتُوح فناداه يَا فَتى فأجابته بِصَوْت ضَعِيف فَقَالَ أحسبك مَرِيضا قَالَ نعم قَالَ فَهَل لَك حَاجَة قَالَ نعم إِذا انا مت فَلَا تكشفوني وَلَا تنزعوني أثوابي واغسلوني فِيهَا وادفنوني إِلَى قبر ابي فقد حفرت إِلَى جَانِبه قبرا ثمَّ أَصْبحُوا فَإِذا قَائِل يَقُول مَاتَ الْفَتى ولد الشَّيْخ فَقَالَ علماؤهم لَا نغير سنتنا أبعثوا إِلَيْهِ من يغسلهُ مُجَردا من ثِيَابه ثمَّ كفنوه وادفنوه إِلَى جَانب قبر أَبِيه كَمَا اوصى قَالَ فَلَمَّا جَاءَ الرِّجَال فكشفوا عَنْهَا ليغسلوها فوجدوها امْرَأَة فغطوها وتنادوا فِي الدَّيْر إِن الَّذِي طردتموه إِنَّمَا هُوَ امْرَأَة فَابْعَثُوا إِلَيْهَا النِّسَاء فغسلوها فَلَمَّا جهزوها حشدوا إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهَا جَمِيع من فِي تِلْكَ الأَرْض ثمَّ دفنوها إِلَى جَانب قبر أَبِيهَا قَالَ عبد الله بن عمر فَلَقَد كَانَ اهل تِلْكَ النَّاحِيَة إِذا قحطوا جاؤوا إِلَى قبريهما فاستقوا الله تَعَالَى فيسقون وَالله أعلم
стр. 520
الرَّوْضَة الرَّابِعَة
مَا حُكيَ أَن ملكا من اليونان قَامَ من مَنَامه فِي بعض الغدوات فَأَتَتْهُ الْقيمَة على ملابسه بثيابه فلبسها ثمَّ ناولته الْمرْآة فَنظر فِيهَا وَجهه فَرَأى فِي لحيته شَعْرَة بَيْضَاء فَقَالَ لَهَا هَات المقراض فَأَتَتْهُ بِهِ فَقَصَّهَا فتناولتها الْجَارِيَة وَكَانَت حكيمة لَبِيبَة عَاقِلَة فَوَضَعتهَا فِي كفها وأصغت إِلَيْهَا بأذنها وَالْملك ينظر إِلَيْهَا فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي تصنعين قَالَت اسْتمع مَا تَقول هَذِه الشعرة الَّتِي عظم مصابها بمفارقة الْكَرَامَة لما سخطها الْملك فأقصاها فَقَالَ الْملك وَمَا الَّذِي سَمِعت من قَوْلهَا فَقَالَت زعم
стр. 521
قلبِي أَنه سَمعهَا تَقول كلَاما لَا يجترىء عَلَيْهِ لساني خوفًا من سطوة الْملك فَقَالَ لَهَا الْملك قولي مَا شِئْت آمِنَة إِن لَزِمت قانون الْحِكْمَة فَقَالَت إِنَّهَا تَقول أَيهَا الْمُسَلط إِلَى أمد قصير إِنِّي كنت قد علمت مِنْك الْبَطْش بِي والاعتداء عَليّ إِذا ظَهرت على ظَاهر بشرتك فَلم أظهر فِي وقتي هَذَا حَتَّى عهِدت إِلَى أخواتي من بعدِي فِي الْأَخْذ بِثَأْرِي مِنْك أما باستيصالك وَأما بتنغيص لذتك وتنقيص قوتك حَتَّى تعد الْمَوْت رَاحَة لَك قَالَ فَقَالَ لَهَا الْملك اكتبي كلامك فكتبته لَهُ فِي لوح فَجعل يتدبره سَاعَة ثمَّ نَهَضَ مبادرا فَأتى هيكلا من هياكلهم فَنزع عَنهُ تاجه وَثيَاب الْمُلُوك وتزيا بزِي النساك وَبلغ ذَلِك أهل مَمْلَكَته فبادروا إِلَيْهِ وطالبوه بِأَن يعود إِلَى ملكه وتدبيره فَامْتنعَ عَلَيْهِم وسألهم إقالته وتمليك غَيره فامتنعوا عَلَيْهِ وهموا بِأَخْذِهِ قهرا فَاصْطَلَحَ أهل الهيكل مَعَهم على أَن يَتْرُكُوهُ فِي الهيكل يعبد ربه ويستنيب غَيره فِيمَا يستناب فِي مثله من الْأُمُور ويلي هُوَ غير ذَلِك من الْأُمُور الْعِظَام بِنَفسِهِ مَعَ إِقَامَته فِي الهيكل فَلبث على هَذَا الْأَمر حَتَّى قَبضه الله الله تَعَالَى إِلَيْهِ
стр. 522
الرَّوْضَة الْخَامِسَة
مَا حَكَاهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد بن ظفر الْحِجَازِي رَحمَه الله تَعَالَى أَن ملكا من مُلُوك الْآن كَانَ كَافِرًا عاتيا متكبرا حَدِيث
стр. 523
السن مستحكم الْغرَّة وَكَانَ إِذا ركب لم يرفع أحد صَوته إِلَّا بالثناء عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ وَزِير مُؤمن بِاللَّه تَعَالَى قد أدْرك بعض حوارِي الْمَسِيح وَهُوَ يكتم إيمَانه ويتحين وقتا يُمكن فِيهِ دَعْوَة الْملك إِلَى الله تَعَالَى فَركب الْملك يَوْمًا فَسمع شَيخا رَافعا صَوته لبَعض شَأْنه فَقَالَ لبَعض الأعوان خذوه فَلَمَّا أخذُوا ذَلِك الشَّيْخ قَالَ إِن رَبِّي الله فَقَالَ الْوَزير خلوا عَنهُ فخلى عَنهُ الأعوان فَاشْتَدَّ غضب الْملك على الْوَزير وَلم يُمكنهُ الْإِنْكَار عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْمقَام فَسكت ليوهم النَّاس أَن الْوَزير فعل ذَلِك بأَمْره فَلَمَّا عَاد الْملك إِلَى قصره أحضر الْوَزير وَقَالَ لَهُ
مَا دعَاك إِلَى مناقضة أَمْرِي بمشهد من عَبِيدِي فَقَالَ لَهُ الْوَزير إِن لم يعجل الْملك عَليّ أريته وَجه نصحي لَهُ وشفقتي عَلَيْهِ فِيمَا أَتَيْته فَقَالَ الْملك أَرِنِي ذَلِك فَإِنِّي لَا أعجل عَلَيْك فَقَالَ الْوَزير أسأَل الْملك أَن يختبي فِي مَجْلِسه هَذَا خلف حجاب وَيكون بِحَيْثُ يرى وَيسمع مَا يكون مني فَقعدَ الْملك لذَلِك ثمَّ إِن الْوَزير أحضر قوسا جَيِّدَة صنعها للْملك بعض خدمه وَكتب الصَّانِع اسْمه عَلَيْهَا فَأعْطى الْقوس غُلَاما لَهُ وَقَالَ لَهُ إِنِّي سأحضر صانع هَذِه الْقوس فَإِذا حضر وحادثته فاقرأ أَنْت اسْم صَاحبهَا جهلا حَتَّى تعلم أَنه قد سَمعك ثمَّ أكسرها وَهُوَ ينظر إِلَيْك فَحَضَرَ القواس وَفعل الْغُلَام مَا أمره بِهِ الْوَزير فَلَمَّا كسر الْقوس لم يَتَمَالَك صانعها أَن
стр. 524
ضرب الْغُلَام فَشَجَّهُ فَقَالَ الْوَزير أتضرب غلامي بحضرتي قَالَ نعم لِأَنَّهُ كسر الْقوس الَّتِي هِيَ صنعتي وعملي وَهِي فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَالْحسن فلأي شَيْء كسرهَا وَهُوَ يعلم أَنَّهَا صنعتي قَالَ الْوَزير فَلَعَلَّهُ مَا علم أَنَّهَا صنعتك قَالَ بلَى إِن الْقوس قد أخْبرته أَنَّهَا صنعتي قَالَ الْوَزير أَرَأَيْت قوسا تخبر قَالَ نعم إِن اسْمِي كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا وَقد قَرَأَهُ وَأَنا أسمع ثمَّ إِن الْوَزير صرف الصَّانِع والغلام ثمَّ قَالَ للْملك قد أوضحت لَك نصحي وإشفاقي عَلَيْك وَذَلِكَ أَنَّك لما أردْت الْبَطْش بالشيخ أخْبرك أَن الله ربه فَخفت عَلَيْك من ربه أَن يغْضب لَهُ كَمَا غضب هَذَا القواس لقوسه فَقَالَ لَهُ الْملك وَهل للشَّيْخ رب غَيْرِي قَالَ الْوَزير ألم يره الْملك شَيخا وَالْملك شَاب فَهَل كَانَ قبل أَن يُولد الْملك لَا رب لَهُ فَقَالَ الْملك إِن أبي كَانَ ربه قَالَ الْوَزير فَمَا بَال الرب هلك والمربوب بَقِي فَسكت الْملك سَاعَة ثمَّ قَالَ الْآن علمت أَن للْملك والمملوك رَبًّا لَا يَزُول فَهَل تعرفه قَالَ الْوَزير نعم أعرفهُ قَالَ صفه لي ودلني عَلَيْهِ فشرع الْوَزير يشْرَح لَهُ صِفَات الْخَالِق وأوضح لَهُ الدّلَالَة على ذَلِك فانشرح صدر الْملك للْإيمَان فَآمن بِاللَّه تَعَالَى فَلَمَّا رسخ فِي قلبه
стр. 525
التَّوْحِيد قَالَ لَهُ أما لربنا خدمَة نتقرب إِلَيْهِ بهَا قَالَ إِنَّه غَنِي عَن كل شئ قَالَ فَمَا أمرنَا بِشَيْء إِذا فعلنَا حظينا عِنْده قَالَ بلَى إِن لَهُ وظائف أمرنَا بهَا وَرَضي لنا فعلهَا ووعدنا عَلَيْهَا رضوانه والقرب مِنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَذكر لَهُ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَغَيرهمَا من شرائع الْمَسِيح ﵇
فعرفها الْملك وراض نَفسه بهَا حَتَّى صَارَت لَهُ طبعا ثمَّ قَالَ يَوْمًا للوزير مَالك لَا تَدْعُو النَّاس إِلَى الله تَعَالَى كَمَا دعوتني فَقَالَ لِأَن الْأمة ذَات قُلُوب قسية وفهوم قصية ونفوس عصية وَلست آمنهم على نَفسِي فَقَالَ الْملك أَنا أَفعلهُ إِن لم تَفْعَلهُ أَنْت فَقَالَ الْوَزير ليعلم الْملك أَنهم إِن لم تردهم هيبته عني لم تردهم عَنهُ وسأقيه بنفسي آيسا من النجَاة فليحذرهم الْملك على نَفسه إِن اجترؤا بِالْقَتْلِ ثمَّ إِن الْوَزير أحضر وُجُوه أهل تِلْكَ المملكة وولاة أَحْكَام رعاياه وأفاضلها فَلَمَّا اجْتَمعُوا فِي منزله قَامَ فيهم خَطِيبًا ثمَّ بالدعوة إِلَى التَّوْحِيد فتواثبوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ ثمَّ أَتَوا إِلَى الْملك فأخبروه بِمَا كَانَ من وزيره فأظهره لَهُم الرضى بقتْله فانقلبوا عَنهُ راضين ثمَّ إِن الْملك ضَاقَ صَدره على وزيره فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل لبس مسح الشّعْر والتحق بالرهبان ونبذ مَا كَانَ فِيهِ من الْملك وَلم يزل يعبد الله حَتَّى قضى نحبه
стр. 526
وَهَذِه حكايات الطَّبَقَة الثَّانِيَة من الْمُلُوك وَهِي خمس روضات أَيْضا
الرَّوْضَة الأولى
مَا حَكَاهُ مَالك بن أنس ﵁ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ لما ولي الْخلَافَة دخل عَلَيْهِ مُحَمَّد بن كَعْب عِنْده هِشَام بن مصاد وَقد وعظه فأبكاه فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد مَا الَّذِي أبكاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أبكاني هِشَام حِين ذَكرنِي وُقُوفِي بَين يَدي رَبِّي فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد يَا امير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا الدُّنْيَا سوق من الْأَسْوَاق فَمِنْهَا خرج النَّاس بِمَا نفعهم وَمِنْهَا خَرجُوا بِمَا ضرهم فَلَا تكن من قوم قد غرهم مِنْهَا مثل الَّذِي أَصْبَحْنَا
стр. 527
فِيهِ حَتَّى أَتَاهُم الْمَوْت فاستوعبهم فَخَرجُوا مِنْهَا ملومين لم يَأْخُذُوا لما أحبوه من الْآخِرَة عدَّة وَلَا لما كَرهُوا جنَّة فاقتسم مَا جمعُوا من لَا يحمدهم وصاروا إِلَى من لَا يعذرهم فَانْظُر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَال الَّتِي تغيظهم بهَا فاخلفهم فِيهَا وَإِلَى الْأَعْمَال الَّتِي تتخوف عَلَيْهِم مِنْهَا فَكف عَنْهَا وَانْظُر إِلَى الَّذِي تحب أَن يكون مَعَك إِذا قدمت على رَبك فَاصْنَعْ مِنْهُ وابدل حَيْثُ يُوجد الْبَدَل وَلَا تذهبن إِلَى سلْعَة قد بارت على من كَانَ قبلك ترجو أَن تجوز عَنْك فَاتق الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَافْتَحْ الْبَاب وَسَهل الْحجاب وانصر الْمَظْلُوم واردع الظَّالِم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَلَاث من كن فِيهِ اسْتكْمل الْإِيمَان من إِذا رَضِي لم يدْخلهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِل وَإِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه من الْحق وَإِذا قدر لم يتَنَاوَل مَا لَيْسَ لَهُ قَالَ فَاشْتَدَّ بكاء عمر بن عبد الْعَزِيز وَعلا نحيبه قَالَ
стр. 528
اللَّهُمَّ أَعنِي على مَا ابتليتني بِهِ من أَمر عِبَادك وبلادك وارزقني فيهم الْعَمَل بطاعتك وَاخْتِمْ لي بِخَير مِنْك وعافية مِنْهُ
стр. 529
الرَّوْضَة الثَّانِيَة
مَا حُكيَ أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك لما قدم الْمَدِينَة أَقَامَ بهَا ثَلَاثًا فَقَالَ مَا هَا هُنَا رجل مِمَّن أدْرك الصَّحَابَة يحدثنا فَقيل لَهُ إِن هَا هُنَا رجلا عابدا من التَّابِعين اسْمه أَبُو حَازِم أدْرك جمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَنقل عَنْهُم الْأَحَادِيث فَبعث إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ وَاسْتقر بِهِ الْمجْلس قَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم مَا لنا نكره الْمَوْت
стр. 530
قَالَ لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فَأنْتم تَكْرَهُونَ النقلَة من الْعمرَان إِلَى الخراب قَالَ صدقت يَا أَبَا حَازِم فَكيف الْقدوم على الله تَعَالَى قَالَ أما المحسن فكغائب يقدم على أَهله وَأما الْمُسِيء فكالعبد الْآبِق يقدم على مَوْلَاهُ قَالَ فَبكى سُلَيْمَان وَقَالَ لَيْت شعري مَا لنا عِنْد الله يَا أَبَا حَازِم فَقَالَ إعرض نَفسك على كتاب الله تَعَالَى فَإنَّك تعلم مَالك وَمَا عَلَيْك قَالَ وَأَيْنَ أُصِيب ذَلِك من كتاب الله قَالَ عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ قَالَ يَا أَبَا حَازِم فَأَيْنَ رَحْمَة الله تَعَالَى قَالَ ﴿قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ فَبكى سُلَيْمَان وأطرق سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أَبَا حَازِم من أَعقل النَّاس قَالَ من تعلم الْحِكْمَة وَعلمهَا النَّاس قَالَ فَمن أَحمَق النَّاس قَالَ من دخل فِي هوى رجل ظَالِم
следующие страницы →