Полный текст (992 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[بدائع السلك في طبائع الملك]ـ
المؤلف: محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق (المتوفى: ٨٩٦هـ)
المحقق: د. علي سامي النشار
الناشر: وزارة الإعلام - العراق
الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَصلى الله على مَوْلَانَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه الْحَمد لله مَالك الْملك إِيجَاد وتدبير ومبدعه من فيض جوده عليما بأسرار وجوده خيرا ومؤته من شَاءَ رَئِيسا بِهِ وأميرا وجاعل سياسته الحسان تبقى على تَمُدَّن الْإِنْسَان تعبيرا ومعينه بالوزارة الَّتِي كفته من مؤونة الْأَمَانَة عسيرا وَجعلت تشييد أَرْكَانه على حسب إِمْكَانه يَسِيرا
نحمده سُبْحَانَهُ وحمده أوجب مَا صدر فِي مبادئ ذَوَات البال تصديرا واعجب مَا اعْتمد فِي الإصدار والإيراد بنجاح الْقَصْد وَالْمرَاد جَدِيرًا ونشكره على نعمه الَّتِي لَا تحصى بمجمل مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن تَفْسِيرا وَلَا يلحظ الْبَصَر مجلى الْجمال مِنْهَا ومظهره إِلَّا وَقد انْقَلب خاسئا بِمَا بهره حسيرا
ونشهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الَّذِي خلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا وَانْفَرَدَ بِحسان أَسْمَائِهِ على خلق أرضه وسمائه قَدِيرًا
ونشهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمبلغ بِهِ مأمول المتوسل بِهِ وسؤله الَّذِي نور بهدايته الْقُلُوب تنويرا وأوضح فِي مَنْهَج السياسة أحْسنهَا فِي تَدْبِير الرياسة تصويرا وَأوجب لخلفائه توقيرا بَالغا وتقديرا وَاتخذ من صَحبه الْكِرَام فِي معالجة الصعب المرام وزيرا الْمُؤَيد من المعجزات القواطع والآيات السواطع بِمَا قَامَ بِهِ بشيرا وَنَذِيرا وأسمع من وَعِيد الْعِصْيَان لطاعة الْملك الديَّان تحذيرا صَاحب اللِّوَاء المنشور والشفاعة
стр. 3
الْعُظْمَى يَوْم النشور وَقد حبر محاسد مقَامه الْمَحْمُود تحبيرا وَأظْهر من خصوصيته للعيان مَا يضيق عَنهُ نطاق الْبَيَان تعبيرا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْأَبْرَار وَأَصْحَابه الناصرين لَهُ فِي الأحلاء والأمرار الَّذين بلغُوا خطاب التشريع اقْتِضَاء وتخييرا واعتصموا بواضحات الدّلَالَة فَمَا غيروا بشبهات الضَّلَالَة تغييرا صَلَاة نستمنح بهَا لمنذور الْحَسَنَات توفيرا ولعظائم الجرائم يَوْم ابتلاء السرائر تكفيرا مالاح انبهار الصُّبْح الباهر فِي مطالع الْأُفق الظَّاهِر مُسْتَطِيرا وَمَا زَاد الْغَمَام الماطر وأنفاس الرَّوْض العاطر تعطيرا
أما بعد فان من اشهر مَا علم عقلا وسمعا وَجمع فِيهِ بِشَرْط الْقبُول لبرهانه المقبول جمعا إِن الْملك صُورَة الْعمرَان البشري وقراره وَمَعْنَاهُ الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ فَوَائِد الِاحْتِيَاج وأسراره وَإِنِّي لما رَأَيْت من ذَلِك مَا هُوَ أتنور من شمس الظهيرة وَأجلى فِي الظُّهُور عِنْد الْخَاصَّة وَالْجُمْهُور من القضايا الشهيرة قصدت إِلَى تَلْخِيص مَا كتب النَّاس فِي الْملك والإمارة والسياسة الَّتِي رعيها على الإسعاد بصلاح المعاش والمعاد اصدق إِمَارَة على نهج يكْشف من محيا الْحِكْمَة قناع الاحجاب وَيَأْتِي فِي تَقْرِيره لتهذيب مَا فضل من تحريره بالعجب العجاب لأتحف بِهِ من تشوف لهَذَا الْغَرَض وَلم يعدل فِيهِ من الْجَوْهَر إِلَى الْعرض من أَمِير صدقت فِيهِ رغبته وَظَهَرت
стр. 4
ومأمور وضحت بِهِ دَلَائِل الإفادة بِهِ وبهرت وَلما اشْتَمَل على كثير من أَحْوَال الْملك والدول وأمتع إِيرَاده لمختار مُرَاده من حكم الْأَوَاخِر وَالْأول أبدى من أسرار الْخَلِيفَة عجائب غَرِيبَة وَقرر لَهَا من برهَان الْعقل السَّلِيم مَا كَفاهُ فِي التَّسْلِيم والشكوك المريبة سميته
بَدَائِع السلك فِي طبائع الْملك
عناية بِمَا احتوى علنه من الْقَوَاعِد الْحكمِيَّة الِاعْتِبَار والحقائق الَّتِي حررها بأوضح الدَّلِيل من شُبُهَات التضليل نحار ير الْعلمَاء الْأَحْبَار والفوائد الشَّرْعِيَّة وان كَانَت الْمُقدمَة بِمَا سواهَا على الْإِطْلَاق مستخدمة فَهِيَ من حَيْثُ قَصده الأول مكملة ولعلمه فِي التفريغ إِذا تعلق بِهِ خطاب التشريع مُهْملَة أَو معملة وَلَو خصت السياسة بلحظ جَانبهَا المرعي الذمام واعمل فِي فَائِدَة عَملهَا بمعتبرها فِي التصريف ومعلمها وَأوجب الْعِنَايَة بهَا والاهتمام لناسب أَن يُسمى بتحرير السياسة فَهِيَ من الْعلم الَّذِي لَا يسْتَغْنى عَنهُ سوقه وَلَا ملك وَلَا من نهج
стр. 5
بِهِ فِي التَّقْوِيم سَبِيل الرشد القويم وسلك فَمن سَمَّاهُ بذلك فوجهه وضاح الأسرة مشرقها ولحظة فِي الِاعْتِبَار الْمُنَاسب أصيل الْمُنَاسب معرقها وَقد حَاشِيَته من سير اللَّهْو والبطالة وباختصار محصولة من فروع مَا جمع وأصوله عَن الإسهاب والإطالة وهذبت ترتيبه وتفصيله وَذَهَبت بنضار فرائده على كَثْرَة فَوَائِد بَيَانه وتحصيله وَجعلت لكل وَارِد مشرعا وبأ عذب المشارب مترعا فَأن وَقع هُنَاكَ مِمَّن نظر فِيهِ ة اضيا وَعَن استهداف تصنيفه لرميه بسهام تعنيفه متغاضيا فَعَسَى أَن يكون لَهُ بالاجاده شاهدنا ولعذره فِي الإغفال لشروط الاحتفال مَا هدا وَإِلَّا فقبوله من الملتمس لَهُ مأمول وسمحه بإرضائه يستغرقه من أَعْضَائِهِ عُمُوم مِنْهُ وشمول ورتبته على مقدمتين وَأَرْبَعَة كتب وخاتمة اذْكُرْهَا الْآن إِجْمَالا وأدل بهَا النَّاظر على مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ اشتمالا
الْمُقدمَة الأولى
فِي تَقْرِير مَا يوطىء للنَّظَر فِي الْملك عقلا وفيهَا عشرُون سَابِقَة
الْمُقدمَة الثَّانِيَة
فِي تمهيد أصُول من الْكَلَام فِيهِ شرعا وفيهَا عشرُون فَاتِحَة
стр. 6
الْكتاب الأول
فِي حَقِيقَة الْملك والخلافة وَسَائِر أَنْوَاع الرياسات وَسبب وجود ذَلِك وَشَرطه وَفِيه بَابَانِ
الْبَاب الأول
فِي حَقِيقَة الْملك والخلافة وَسَائِر أَنْوَاع الرياسة وَفِيه ثَلَاثَة أنظار
النّظر الأول
فِي حَقِيقَة الْخلَافَة وَفِيه خمس مسَائِل
النّظر الثَّانِي
فِي حَقِيقَة الْخلَافَة وَفِيه خمس مسَائِل
النّظر الثَّالِث
فِي سَائِر أَنْوَاع الرياسة وَهِي نَوْعَانِ
الْبَاب الثَّانِي
فِي سَبَب وجود الْملك وَشَرطه وَفِيه ثَلَاثَة أَطْرَاف
الطّرف الأول
فِي سَبَب وجود الْملك وَفِيه عشر حكم يشْتَمل عَلَيْهَا سَبَب الْحَاجة إِلَيْهِ
الطّرف الثَّانِي
فِي شَرط وجود الْملك وَفِيه عشرُون مَسْأَلَة
стр. 7
الطّرف الثَّالِث
فِي الحروب ومذاهب الْأُمَم فِي ترتيبها وَمَا يلْزم فِيهَا من الْآدَاب والمكائد وَفِيه ثَلَاث مُقَدمَات وَسِتَّة فُصُول وتتميمتان
الْكتاب الثَّانِي
فِي أَرْكَان الْملك وقواعد مبناه ضَرُورَة وكمالا وَفِيه بَابَانِ
الْبَاب الأول
فِي الْأَفْعَال الَّتِي تُقَام بهَا صُورَة الْملك ووجوده وَهِي عشرُون ركنا ضَرُورِيَّة وكمالية
الرُّكْن الأول
نصب الْوَزير وَفِيه مقدمتان وَثَلَاثَة مطَالب
الرُّكْن الثَّانِي
فِي إِقَامَة الشَّرِيعَة وَفِيه مُقَدّمَة وَثَلَاثَة فُصُول
الرُّكْن الثَّالِث
فِي إعداد الْجند وَفِيه مقدمتان وَأَرْبع عنايات
الرُّكْن الرَّابِع
حفظ المَال وَفِيه قطبان
الرُّكْن الْخَامِس
تَكْثِير الْعِمَارَة وَفِيه مقدمتان وَثَلَاثَة مَقَاصِد
стр. 8
الرُّكْن السَّادِس
إِقَامَة الْعدْل وَفِيه مُقَدّمَة ومسلكان
الرُّكْن السَّابِع
توليد الخطط وَهِي الدِّينِيَّة وَهِي سبع إِقَامَة الصَّلَاة والتدريس والفتيا وَالْقَضَاء وَالْعَدَالَة والحسبة والسككة
الرُّكْن الثَّامِن
تَرْتِيب الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة وَفِيه ثَلَاث مُقَدمَات وَخمْس مَرَاتِب وَهِي الحجابة وَالْكِتَابَة وديوان الْعَمَل والجباية والشرطة
الرُّكْن التَّاسِع
رِعَايَة السياسة وَفِيه مقدمتان ومنهجان
الرُّكْن الْعَاشِر
تَقْدِيم مشورة ذَوي الرَّأْي والتجربة وَفِيه ثَلَاث مُقَدمَات وَأَرْبع مقامات
الرُّكْن الْحَادِي عشر
بذل النَّصِيحَة وَفِيه سِتّ مسَائِل وتكملة
الرُّكْن الثَّانِي عشر
أَحْكَام التَّدْبِير وَفِيه ثَمَان مسَائِل
الرُّكْن الثَّالِث عشر
تَقْدِيم الْوُلَاة والعمال وَفِيه ثَمَان مسَائِل وتتميم
стр. 9
الرُّكْن الرَّابِع عشر
اتِّخَاذ البطانة وَأهل الْبسَاط وَفِيه ثَمَان مسَائِل وَثَلَاث فَوَائِد مكملة
الرُّكْن الْخَامِس عشر
تنظيم الْمجْلس وعوائده وَفِيه خمس مسَائِل
الرُّكْن السَّادِس عشر
تَقْدِير الظُّهُور والاحتجاب وَفِيه نظران أَحدهمَا فِي الظُّهُور وَفِيه سنتَانِ وَفِيه سِتّ مسَائِل الثَّانِي فِي الاحتجاب وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا الْمَأْذُون فِيهِ وَفِيه أَربع مسَائِل وَالثَّانِي المنوع مِنْهُ وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
الرُّكْن السَّابِع عشر
رِعَايَة الْخَاصَّة والبطانة وَفِيه عشر مسَائِل
الرُّكْن الثَّامِن عشر
ظُهُور الْعِنَايَة بِمن لَهُ حق أَو فِيهِ مَنْفَعَة وهم أَصْنَاف سِتَّة أَحدهمَا آل النَّبِي ﷺ وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
الثَّانِي الْعلمَاء وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
الثَّالِث الصلحاء وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
الرَّابِع أَصْحَاب الْوَفَاء مَعَ ذَوي الْيَد السَّابِقَة وَفِيه أَربع مسَائِل
الْخَامِس وُجُوه النَّاس وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
السَّادِس الْأَغْنِيَاء من الرّعية وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
الرُّكْن التَّاسِع عشر
مكافآت ذَوي السوابق وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
стр. 10
الرُّكْن الْعشْرُونَ
تخليد مفاخر الْملك ومآثره وَفِيه مقدمتان ومقامان
الْبَاب الثَّانِي
فِي الصنفان الَّتِي تصدر بهَا تِلْكَ الْأَفْعَال على أفضل نظام وَفِيه سِتّ مُقَدمَات وَعِشْرُونَ قَاعِدَة الْقَاعِدَة الأولى الْعقل وفيهَا عشر مسَائِل الْقَاعِدَة الثَّانِيَة الْعلم وفيهَا خمس مسَائِل الْقَاعِدَة الثَّالِثَة الشجَاعَة وفيهَا نظران أَحدهمَا فِي بَيَان هَذَا الْوَصْف وقيه عشر مسَائِل الثَّانِي فِي تَقْرِير نقيضه وَهُوَ الْجُبْن وَفِيه خمس مسَائِل الْقَاعِدَة الرَّابِعَة الْعِفَّة وفيهَا ثَمَان مسَائِل الْقَاعِدَة الْخَامِسَة السخاء والجود وفيهَا منهجان أَحدهمَا فِي بَيَان هَذَا الْوَصْف وَفِيه عشر مسَائِل الثَّانِي فِي تَقْرِير نقيضه وَهُوَ الْبُخْل وَفِيه تسع مسَائِل الْقَاعِدَة السَّادِسَة الْحلم وفيهَا سبع مسَائِل الْقَاعِدَة السَّابِعَة كظم الغيظ وفيهَا طرفان أَحدهمَا فِي كظم الغيظ وَفِيه خمس مسَائِل الثَّانِي فِي الْغَضَب وَفِيه عشر مسَائِل الْقَاعِدَة الثَّامِنَة الْعَفو وفيهَا تسع مسَائِل الْقَاعِدَة التَّاسِعَة الرِّفْق وفيهَا سبع مسَائِل الْقَاعِدَة الْعَاشِرَة اللين وفيهَا ثَلَاث مسَائِل الْقَاعِدَة الْحَادِيَة عشرَة التشبث وفيهَا خمس مسَائِل
стр. 11
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة عشرَة الْوَفَاء بالوعد والعهد وفيهَا طرفان أَحدهمَا الْوَفَاء بالوعد وَفِيه خمس مسَائِل الثَّانِي فِي الْوَفَاء بالعهد وَفِيه سِتّ مسَائِل الْقَاعِدَة الثَّالِثَة عشرَة الصدْق وفيهَا عشر مسَائِل الْقَاعِدَة الرَّابِعَة عشرَة كتم السِّرّ وفيهَا عشر مسَائِل الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عشرَة الحزم وفيهَا ثَمَان مسَائِل الْقَاعِدَة السَّادِسَة عشرَة الدهاء والتغافل وفيهَا نظران أَحدهمَا الدهاء وَفِيه أَربع مسَائِل الثَّانِي فِي التغافل وَفِيه أَربع مسَائِل الْقَاعِدَة السَّابِعَة عشرَة التَّوَاضُع وفيهَا ثَلَاثَة مطَالب أَحدهمَا فِي التَّوَاضُع وَفِيه سِتّ مسَائِل الثَّانِي فِي الْكفْر وَفِيه اثْنَتَا عشرَة مَسْأَلَة الثَّالِث فِي الْعجب وَفِيه أَربع مسَائِل الْقَاعِدَة الثَّامِنَة عشرَة سَلامَة الصَّدْر من الحقد والحسد وفيهَا طرفان أَحدهمَا فِي الحقد وَفِيه ثَلَاث مسَائِل الثَّانِي فِي الْحَسَد وَفِيه إِحْدَى عشرَة مَسْأَلَة الْقَاعِدَة التَّاسِعَة عشرَة الصَّبْر وفيهَا عشر مسَائِل الْقَاعِدَة الْعشْرُونَ الشُّكْر وفيهَا سبع مسَائِل التكملة فِي سرد مَا رتب من الْأَوَامِر والنواهي على الْقُلُوب والجوارح والحواس
الْكتاب الثَّالِث
فِيمَا يُطَالب بِهِ السُّلْطَان تشييدا لأركان الْملك وتأسيسا لقواعده وَفِيه مُقَدّمَة وبابان الْمُقدمَة الأولى فِي التحذير من مَحْظُورَات تخل بذلك الْمَطْلُوب شرعا وسياسة وَهِي جملَة أَتبَاع الْهوى والترفع عَن المدرات وَقبُول السّعَايَة والنميمة واتخاذ الْكَافِر وليا والغفلة عَن مُبَاشرَة الْأُمُور
стр. 12
الْبَاب الأول فِي جَوَامِع مَا بِهِ السياسة الْمَطْلُوبَة من السُّلْطَان وَمن يَلِيهِ وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
الْفَصْل الأول فِي سياسة السُّلْطَان وَهِي سياستان أَحدهمَا فِي سياسة الرّعية وفيهَا جملتان تأسيس مَا يقوم عَلَيْهِ بناؤها وَفِيه عشر مسَائِل واقتضاء الْحق الْوَاجِب لَهُ على الرّعية وَهُوَ نَوْعَانِ امْتِثَال مَا وَجب فعله وَهُوَ خَمْسَة حُقُوق وَاجْتنَاب مَا لزم تَركه وَهُوَ خمس مخالفات
الثَّانِيَة سياسة الْأُمُور الْعَارِضَة وَالْمَذْكُور مِنْهَا خَمْسَة الْجِهَاد وَفِيه عشرُون مَسْأَلَة وخاتمة وَالسّفر وَفِيه عشر مسَائِل حكمِيَّة وشرعية والشدائد النَّازِلَة وفيهَا تذكيرات خَمْسَة وتكميل بِمَا يتَوَجَّه بِهِ فِي شدَّة تكالب الْعَدو والوباء والمجاعة والرسالة وفيهَا عشر رعايات وتتميم والوفود وفيهَا خَمْسَة عنايات
الْفَصْل الثَّانِي فِي سياسة الْوَزير وَهِي بِاعْتِبَار مَا يَخُصُّهُ ثَلَاث مَرَاتِب أَحدهمَا سياسة نَفسه وجوامعها ضَرْبَان أَخذ نَفسه بمعتقدات علمية وَهِي خَمْسَة وبعزائم عملية وَهِي خَمْسَة
الثَّانِيَة سياسته لسلطانه وَهِي نَوْعَانِ آدَاب يعظم بهَا على مقَامه وَهِي عشرَة ومتقيات يحذر مِنْهَا على خدمَة ملكه وَهِي عشرُون
الثَّالِثَة سياسته لخواص السُّلْطَان وَسَائِر أَرْبَاب الدولة وهم طبقتان المسالمون لَهُ فِي الظَّاهِر وسياستهم بِخمْس مدارات والمتطلعون إِلَى مَنْزِلَته وسياستهم بِخمْس مقابلات
الْفَصْل الثَّالِث فِي سياسة سَائِر الْخَواص والبطانة فِي صُحْبَة السُّلْطَان وخدمته
стр. 13
وَفِيه مقدمتان فِي التَّرْهِيب من مخالطته وَلَو بِمُجَرَّد الدُّخُول عَلَيْهِ وَفِي التحذير من صحبته ثمَّ حصر آدابها فِي نَوْعَيْنِ مَا يتأدب بِفِعْلِهِ وبتركه
الْبَاب الثَّانِي فِي وَاجِبَات يلْزم السُّلْطَان سياسة الْقيام بهَا وَفَاء بعهدة مَا تحمله وطولب بِهِ وَالْمَذْكُور مِنْهَا خَمْسَة بعْدهَا تَتِمَّة بَيَان
الْوَاجِب الأول حفظ أصُول الدّين وَفِيه ثَلَاث مسَائِل
الْوَاجِب الثَّانِي تَنْفِيذ الْأَحْكَام وَفِيه مقدمتان وطرفان أَحدهمَا فِيمَا يسوغ للسُّلْطَان فِي هَذَا الْمقَام رعيا للسياسة الْمُعْتَبرَة وَفِيه مَسْأَلَتَانِ الثَّانِي فِيمَا لَا يسوغ لَهُ لعدم اعْتِبَاره وَمن ذَلِك الفراسة
الْوَاجِب الثَّالِث إِقَامَة الْحُدُود وَفِيه خمس مسَائِل وَعشر فَوَائِد فقهية وعاطفة وتتميم
الْوَاجِب الرَّابِع عُقُوبَة الْمُسْتَحق وتعزيره وَفِيه مقدمتان ونظران وتكملة أَحدهمَا من حَيْثُ هُوَ مَشْرُوع فِي الْجُمْلَة وَفِيه عشر مسَائِل الثَّانِي مَا يخص السُّلْطَان بِحَسب رِعَايَة السياسة فِيهِ وَفِيه عشر مسَائِل التكملة فِي النّظر فِي السجْن شرعا وسياسة وَفِيه خمس مسَائِل وخاتمة
الْوَاجِب الْخَامِس رِعَايَة أهل الذِّمَّة وَفِيه خمس مسَائِل
تَكْمِلَة الْبَيَان فِي ذكر مَا بِهِ طَاهِر بن الْحُسَيْن لِابْنِهِ فِي السياسة الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا سَائِر الطَّبَقَات
الْكتاب الرَّابِع
فِي عوائق الْملك وعوارضه وَفِيه بَابَانِ
الْبَاب الأول
فِي عوائق الْملك الْمَانِعَة من دَوَامه وَفِيه ثَلَاثَة أنظار
стр. 14
النّظر الأول فِي التَّعْرِيف بالعوائق المنذرة بِمَنْع دوَام الْملك وَهِي ثَمَانِيَة
أَحدهمَا حُصُول النعم والترف للقبيلة الثَّانِي لحاق المذلة للقبيلة وانقيادهم لسواهم الثَّالِث استحكام طبيعة الْملك من الِانْفِرَاد بالمجد وَحُصُول الترف وإيثار الذِّمَّة الرَّابِع إرهاف الْحَد الْخَامِس الْحجاب الْوَاقِع دَلِيلا على الْهَرم السَّادِس حجر السُّلْطَان والاستبداد عَلَيْهِ السَّابِع استظهار السُّلْطَان على قومه وَذَوي عصبيته بِالْمَوَالِي والمصطنعين الثَّامِن انقسام الدولة الْوَاحِدَة بدولتين
النّظر الثَّانِي فِي التَّعْرِيف بكيفية الْخلَل إِلَى الدول فِي العصبية وَالْمَال
النّظر الثَّالِث فِي بِأَن مُقْتَضى الْإِنْذَار بِمَنْع دوَام الْملك لاستحكام هرمه لَا يتَخَلَّف
الْبَاب الثَّانِي فِي عوارض الْملك اللاحقة لطبيعة وجوده وَفِيه أَربع فُصُول أَحدهمَا فِي عوارض الْملك من حَيْثُ هُوَ وَفِيه خَمْسَة عشرَة مَسْأَلَة
الثَّانِي فِي اخْتِيَار الْمنَازل الحضرية للاجتماع وَفِيه خمس عشرَة مَسْأَلَة
الثَّالِث فِي اكْتِسَاب المعاش وَفِيه ثَلَاثُونَ مَسْأَلَة
الرَّابِع فِي اكْتِسَاب الْعُلُوم وَفِيه ثَلَاث عشرَة مَسْأَلَة
الخاتمة وفيهَا سياستان ومسكة ختام
стр. 15
السياسة الأولى سياسة الْمَعيشَة وفيهَا ثَلَاثَة مطالع أَحدهَا فِي كليات مَا تدبر بِهِ الْمَعيشَة من جَانب الْوُجُود وَفِيه خمس إنارات الثَّانِي فِي أُمَّهَات مِمَّا تحفظ بِهِ من جَانب الْعَدَم وَفِيه خمس إضاءات الثَّالِث فِي مهمات دينية يعْتَبر بهَا حفظ المعاش من جَانِبي الْوُجُود والعدم وَفِيه ثَلَاث لوامع
السياسة الثَّانِيَة سياسة النَّاس وفيهَا سِتّ مسَائِل مسكة الختام بتقرير أَن سيرة النَّبِي ﷺ فِي سياستي الدّين وَالدُّنْيَا هِيَ السِّيرَة الجامعة لمحاسن الشيم وَمَكَارِم الْأَخْلَاق ﷺ تَسْلِيمًا
وَبعد دلَالَة هَذَا العنوان على مُجمل مَا حواه مَجْمُوع الدِّيوَان فلنشرع فِي إِيرَاده مفصلا وبكفاية الِاقْتِصَار على أوجز الِاخْتِصَار محصلا
وَالله تَعَالَى الْمَحْمُود على مَا أعَان عَلَيْهِ من ذَلِك وأقدر وأمد من طوله بِمَا أورد من حوله وأصدر وَهُوَ سُبْحَانَهُ المسؤول أَن يعْصم فِيهِ من الزلل ويحفظ من سوء الْخَطَأ والخلل وَيحسن فِيهِ النِّيَّة ويبلغ
الْمُقدمَة الأولى فِي تَقْرِير مَا يوطىء للنَّظَر فِي الْملك عقلا وَفِيه عشرُون سَابِقَة
السَّابِقَة الأولى
إِن الِاجْتِمَاع الإنساني هُوَ عمرَان الْعَالم ضَرُورِيّ وَمن ثمَّ قَالَ
стр. 16
الْحُكَمَاء الْإِنْسَان مدنِي بالطبع أَي لابد لَهُ من الِاجْتِمَاع الَّذِي هُوَ المدنية عِنْدهم ليحفظ بِهِ وجوده وَبَقَاء نَوعه إِذْ لَا يُمكنهُ انْفِرَاده بتحصيل أَسبَاب معاشه وإعداد مَا يدْفع بِهِ عَن نَفسه دون معِين من أَبنَاء جنسه فيضطر بِهِ إِلَى اجْتِمَاع يتكفل لَهُ بذلك على أيسر مرام لتتم حِكْمَة إيجاده وَغَايَة مَا خلق لَهُ
السَّابِقَة الثَّانِيَة
إِن من الْعَوَارِض الطبيعية لهَذَا الِاجْتِمَاع أمورا خَمْسَة البدو الَّذِي يكون فِي الضواحي وَالْجِبَال وَفِي الْحلَل المنتجعة للقفار وأطراف الرمال والتغلب الَّذِي غَايَته الْملك بالعصية الْقَاهِرَة والحضر الَّذِي يسْتَقرّ بالأمصار والمدن والقرى والمداشر اعتصاما بهَا وتحصنا والمعاش المبتغي بِهِ التمَاس الرزق كسبا وصناعة واكتساب الْعُلُوم تَعْلِيما وتحصيلا وَلما كَانَ الْملك مَسْبُوقا بالبدو ومبدأ التغلب مُتَأَخّر عَنهُ سائرها فالمتقدم مَا سبق طبعا من ذَلِك
السَّابِقَة الثَّالِثَة
إِن الْمُوجب لانقسام الْعمرَان إِلَى بدوي وحضري إِن للتعاون بِهِ مقصدين أَحدهمَا أَن يَتَقَرَّر بِحَسب الضَّرُورِيّ فَقَط وَهَذَا هُوَ البدوي ضَرُورَة وَأَن انتحال الفلح فِيهِ يضْطَر إِلَى البدو والمتسع المسارح للحيوان والمزارع للغرس وَالزَّرْع وَإِذا ذَاك فالكن فِيهِ والدفء إِنَّمَا هُوَ بِقدر مَا يحفظ بِهِ الْحَيَاة خَاصَّة
стр. 17
الثَّانِي أَن يتَجَاوَز إِلَى الحاجي والتكميلي وَهَذَا هُوَ الحضري لأجل أَن التَّوَسُّع بِحُصُول مَا فَوق الْحَاجة يَدْعُو إِلَى السّكُون والدعة وإختطاط المدن والأمصار وَعند ذَلِك يتزايد الرفه فتجيء عوائد الترف وتكسب بالصنائع وَالتِّجَارَة
السَّابِقَة الرَّابِعَة
إِن تقدم البدو على الْحَضَر كَمَا إِنَّه مَادَّة لَهُ ظَاهر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن البدو لما اقْتصر فِيهِ على الضَّرُورِيّ الَّذِي هُوَ أقدم من الْحَاج الَّذِي تجوز إِلَيْهِ فِي الْحَضَر وَكَانَ الضَّرُورِيّ أصلا والحاجي فرعا دلّ ذَلِك على أَن البدو مُتَقَدم على الْحَضَر وأصل لَهُ ومادة الثَّانِي إِن العيان شَاهد بِأَن أولية أهل الْأَمْصَار فِي الْأَكْثَر إِنَّمَا هِيَ من أهل البدو عُدُولًا إِلَى الدعة والترف لما يسروا وارتاشوا وَهُوَ يدل على أَن أَحْوَال الحضارة ناشئة عَن أَحْوَال البدواة
السَّابِقَة الْخَامِسَة
إِن أهل البدو أقرب إِلَى الْخَيْر من أهل الْحَضَر لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن النَّفس مَتى بقيت على الْفطْرَة الأولى تهيأت لقبُول مَا يرد عَلَيْهَا من خير أَو شَرّ والبدو أقرب إِلَيْهَا من الْحَضَر لما انطبع فِي نُفُوسهم من سوء الملكات بعوائد الحضارة وَحِينَئِذٍ فعلاج أهل البدو اسهل وَهُوَ معنى أَنهم أقرب إِلَى الْخَيْر
стр. 18
الثَّانِي إِن الحضارة كَمَا يرد بعد إِن شَاءَ الله هِيَ النِّهَايَة فِي إِكْمَال الْعمرَان الْخَارِج بِهِ إِلَى الْفساد والغاية فِي النشر الْبعيد عَن الْخَيْر وَمن سلم من ذَلِك فَلَا خَفَاء فِي قربه من الْخَيْر
قلت وَمَعَ ذَلِك فللحضر من الْفضل على البدو مَالا يخفى وَإِنَّمَا هَذَا بِاعْتِبَار مَا يعرض من الشَّرّ بِالْقَصْدِ الثَّانِي
السَّابِقَة السَّادِسَة
إِن أهل البدو أقرب إِلَى الشجَاعَة من أهل الْحَضَر لِأَن تعود أهل الْحَضَر لما نشئوا عَلَيْهِ من الانغماس فِي النعم والاعتماد فِي المدافعة عَن النَّفس وَالْمَال على الْوُلَاة والحماة صَار لَهُم كالخلق الطبيعي حَتَّى تنزلوا بِهِ منزلَة النسوان والولدان وَأَصْبحُوا لأَجله عَالَة على من وكلوا إِلَيْهِ أَمرهم وَأهل البدو لتوحشهم وانفرادهم عَن الحامية قائمون بالدفاع عَن أنفسهم لايكلونه إِلَى غَيرهم إذلالا بالبأس ووثوقا بالشجاعة إِذْ قد صَار ذَلِك لَهُم خلقا وسجية
قَالَ ابْن خلدون وَأَصله أَن الْإِنْسَان ابْن عوائده ومألوفة لَا ابْن طَبِيعَته ومزاجه فَالَّذِي أَلفه فِي الْأَحْوَال حَتَّى صَار لَهُ خلقا وملة وَعَادَة تنزل منزلَة الطبيعة والجبلة وَالله يخلق مَا يَشَاء
السَّابِقَة السَّابِعَة
إِن معاناة أهل الْحَضَر للْأَحْكَام مُفسد للبأس وذاهب
стр. 19
بالمنعة لِأَن الْغَالِب أَن الْإِنْسَان إِنَّمَا هُوَ فِي ملكة غَيره والأمراء المالكون لأمر النَّاس قَلِيل ماهم وَحِينَئِذٍ فأحكام هَذِه الملكة أَنْوَاع
أَحدهمَا العادلة الَّتِي لَا يعاني مِنْهَا جور وَهَذِه لَا تغير مَا فِي النَّفس من شجاعة أَو جبن وثوقا بِالْعَدْلِ الْوَازِع وادلالا
الثَّانِي الْقَاهِرَة الَّتِي تعاني بهَا شدَّة سطوته وَهَذِه كأسرة من سُورَة الْبَأْس وذاهبة بِقُوَّة المنعة لما ينشأ عَن ذَلِك من التكاسل فِي النَّفس المقهورة
الثَّالِث الجائرة بالعقاب المؤلم وَهَذِه بِلَا شكّ مذهبَة للبأس جملَة لِأَن وُقُوعه بِهِ وَلم يدافع عَن نَفسه ويكسبه الذل الَّذِي لَا يرفع بِهِ رَأْسا
الرَّابِع التعليمية الَّتِي أَخذ بهَا فِي عهد الصِّبَا تأديبا وتقويما وَهَذِه تُؤثر فِي ذَلِك بعض الشَّيْء لمرباه على المخالطة والانقياد
برهَان وجود
قَالَ ابْن خلدون وَلِهَذَا تَجِد المتوحشين من بَدو الْعَرَب أَشد بَأْسا مِمَّن تَأْخُذهُ الْأَحْكَام ونجد الَّذين يعانونها وملكتها من لدن مرباهم فِي التَّأْدِيب والتعليم فِي صناعَة أَو علم أَو ديانَة فينقص ذَلِك من بأسهم كثيرا
стр. 20
قَالَ وَهَذَا شَأْن طلبة الْعلم المنتحلين للْقِرَاءَة وَالْأَخْذ من الْمَشَايِخ وَالْأَئِمَّة الممارسين للتعليم والتأديب فِي مجَالِس الْوَقار والهيبة
قَالَ وَلَا تستنكرن ذهَاب ذَلِك الْبَأْس والمنعة بِمَا وَقع فِي الصَّحَابَة ﵃ من أَخذهم بِأَحْكَام الدّين وَلم ينقص ذَلِك من باسهم بل كَانُوا بِهِ أَشد النَّاس بَأْسا لِأَن وازعهم إِنَّمَا كَانَ من أنفسهم لَا بتعليم صناعَة وَلَا تَأْدِيب تعليمي إِنَّمَا هِيَ أَحْكَام الدّين وآدابه المتلقاة نقلا اهذوا بهَا أنفسهم لما رسخ فِيهَا من عقائد الْإِيمَان فَبَقيت سُورَة بأسهم على أَولهَا وَلم تخدش فِيهَا أظفار التَّأْدِيب وَالْحكم
السَّابِقَة الثَّامِنَة
إِن سُكْنى البد لَا يتم إِلَّا للقبائل ذَوي العصبية وذل لِأَن الظُّلم وَاقع من النُّفُوس البشرية بالطبع إِلَّا أَن يصد عَنهُ وازع وَعند ذَلِك فالوازع عَن الظُّلم فِي الْحَضَر إِنَّمَا هُوَ السُّلْطَان الْقَائِم بالدولة الْغَالِبَة وَفِي البدو أما فِي أحيائه فالمشايخ والكبراء لما وقر لَهُم فِي النُّفُوس من الْوَقار والتجلة وَأما فِي حلله فَإِنَّمَا يذود عَنْهَا من خَارج حامية الْحَيّ وشجعانه وَلَا يصدق ذَلِك إِلَّا إِذا كَانُوا ذَوي عصبية مشتبكة وَأهل تشيع وَحِينَئِذٍ تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم لما جبل فِي الْقُلُوب من الشَّفَقَة والنعرة على ذَوي الرَّحِم والقرابة وَمن ثمَّ قَالَ اخوة يُوسُف عَلَيْهِ
стр. 21
السَّلَام لَئِن أكله الذِّئْب وَنحن عصبَة إِنَّا إِذا لخاسر ون والمفترون فِي النّسَب قل إِن يجد أحد مِنْهُم نعرة على صَاحِبَة يَوْم الكفاح على حد مَا هِيَ من ذَوي الْأَرْحَام فَلَا يقدرُونَ لذَلِك على سُكْنى الْفقر وَإِلَّا كَانُوا فريسة من سواهُم
تمهيد قَالَ ابْن خلدون
وَإِذا تبين ذَلِك فِي السُّكْنَى المفتقرة إِلَى المدافعة فبمثله تبين فِي كل أَمر يحمل النَّاس عَلَيْهِ من نبوءة أَو إِقَامَة ملك أَو دَعْوَة إِذْ لايتم بُلُوغ الْغَرَض من ذَلِك غلا بِالْقِتَالِ لما فِي طبائع الْبشر من الاستعصاء ولابد فِي الْقِتَال من العصبية كَمَا تقرر
قَالَ فاتخذوه إِمَامًا تقتدي بِهِ
السَّابِقَة التَّاسِعَة
إِن العصبية لَا تحصل إِلَّا بالتحام نسب أَو مَا فِي مَعْنَاهُ أما بِالنّسَبِ فَلِأَن من صلَة الرَّحِم الطبيعية فِي الْبشر غَالِبا نفرة ذَوي الْقُرْبَى بَعضهم على بعض حَتَّى لَا ينالهم ضيم أَو هلكة فَإِذا قرب النّسَب وحصلت بِهِ صلَة الالتحام أستدعي بِمُجَرَّد هـ أقْصَى مَقْدُور عَلَيْهِ فِي التناصر وَمَتى بعد بعض الشَّيْء كفى فِي الْحمل عَلَيْهِ مَا هُوَ مَشْهُور مِنْهُ فرار من الغضاضة المتوهمة هضم من يُشَارك فِي النّسَب بِوَجْه وَأما بِالَّذِي فِي معاذه فكالولاء وَالْحلف لِأَن الأنفة اللاحقة للنَّفس من اهتمام جَار أَو قريب أَو نسيب
стр. 22
بِوَجْه مَا تحمل على النعرة على أهل الْوَلَاء وَالْحلف حتما
فَائِدَة حكمِيَّة قَالَ ابْن خلدون
وَمن هَذَا تفهم معنى قَوْله ﷺ تعلمُوا من أنسابكم مَا تصلونَ بِهِ أَرْحَامكُم فغن النّسَب فَائِدَة الالتحام والوصلة الَّتِي بهَا المناصرة والنعرة وَمَا فَوق ذَلِك مُسْتَغْنى عَنهُ إِذْ النّسَب أَمر وهمي لَا حَقِيقَة لَهُ ونفعه إِن ظَهرت فَائِدَة حمل على النعرة الطبيعية وَأَن أستفيد من الْخَبَر فَحسب ضعف الْوَهم وَذَهَبت فَائِدَته وَصَارَ الشّغل بِهِ مجَّانا وَمن أَعمال اللَّهْو الْمنْهِي عنة وَمن ثمَّ قيل أَن النّسَب علم لَا ينفع وجهالة لَا تضر أَي النّسَب إِذا خرج عَن الْمَوْضُوع وَصَارَ من قبيل الْعُلُوم ذهبت فَائِدَة الْوَهم فِيهِ واتفقت النعرة الَّتِي تحمل عَلَيْهَا العصبية فَلَا مَنْفَعَة فِيهِ حِينَئِذٍ وَالله اعْلَم انْتهى بِاخْتِصَار
السَّابِقَة الْعَاشِرَة
أَن الرياسة على أهل العصبية لَا تكون فِي غير نسبهم لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن الرياسة لابد فِيهَا من التغلب الْمَوْقُوف على العصبية وَذَلِكَ يُوجب أَن تغلب عصبيتها سَائِر العصائب وَحِينَئِذٍ تسلم لصَاحِبهَا
الثَّانِي أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا فِي منبت وَاحِد تعين لَهُ الغلب بالعصبية
стр. 23
الْقَاهِرَة وَعند ذَلِك فالساقط فِي غير نسبه لَا تحصل بِهِ رياسة على أهل العصبية لفقد العصبية أَولا وَعدم إرثها ثَانِيًا
غَفلَة قَالَ ابْن خلدون
وَقد يتشوف كثير من الرؤساء على الْقَبَائِل غلى انساب ينزعون إِلَيْهَا لفضلها ويتورط ون بِالدَّعْوَى فِي شعوبها وَلَا يعلمُونَ مَا يوقعون فِيهِ أنفسهم من الْقدح فِي رياستهم والطعن فِي شرفهم وَهُوَ كثير فِي النَّاس لهَذَا الْعَهْد كادعاء زناته جملَة انهم من الْعَرَب وادعاء بني زيان مُلُوك بني عبد الواد انهم من ولد الْقَاسِم بن إِدْرِيس
قَالَ ومنالهم الْملك إِنَّمَا كَانَ بعصبيتهم لَا بادعاء علوِيَّة وَلَا عباسية وَإِنَّمَا يحمل على هَذَا المتقربون غلى الْمُلُوك بمنازعهم ويشتهر حَتَّى يبعد الرَّد قلت وَإِلَى الْآن مازال ذَلِك يَدعِي لَهُم
أَنْصَاف قَالَ وَلَقَد بَلغنِي عَن سان بن زيان مؤثل سلطانهم أَنه لما قيل لَهُ ذَلِك أنكرهُ وَقَالَ بلغته الزناتية مَا مَعْنَاهُ
стр. 24
أما الْملك فنلناه بسيوفنا لَا بِهَذَا النّسَب وَأما نَفعه فِي الْآخِرَة وَأما فمردود غلى الله وَأعْرض عَن المتقرب إِلَيْهِ بذلك
السَّابِقَة الْحَادِيَة عشرَة
أَن شرف الْبَيْت بالصالة والحقيقة إِنَّمَا هُوَ لأهل العصبية وَأما لغَيرهم فبالمجاز
بَيَان الأول
أَن الشّرف إِنَّمَا هُوَ بالخلال وَمعنى الْبَيْت عد أشرف الْآبَاء الْمُعظم بهم من لَهُم عَلَيْهِ ولادَة لشرفهم بالخلال وَحِينَئِذٍ فَهُوَ رَاجع غلى النّسَب وَقد تقدم أَن فَائِدَته إِنَّمَا هِيَ العصبية وَمَتى كَانَت مرهوبة مَعَ زكاء المنبت فَتلك الْفَائِدَة أوضح وتحديد أَشْرَاف الْآبَاء يزيدها رسوخا فَيكون الْحسب بِهِ أصيلا
بَيَان ثَانِي
غن فَاقِد هَذِه الثَّمَرَة من أهل الْأَمْصَار ظَاهِرَة فِيهِ أَنه لَا بَيت لَهُ إِلَّا بمجاز وَأَن توهمه فزخرف من الدَّعَاوَى لِأَن حَسبه إِنَّمَا هُوَ بِعَدَد مَاله من سلف فِي خلاف الْخَيْر مَعَ الركون إِلَى الغافية وَهُوَ مُغَاير لسر العصبية الَّتِي هِيَ ثَمَرَة النّسَب وتعديد الْآبَاء وَحِينَئِذٍ فَهُوَ حسب بالمجاز لعلاقة تعديد الْآبَاء المتعاقبين على طَريقَة وَاحِدَة من الْخَيْر وَلَيْسَ حسبا بِالْحَقِيقَةِ وعَلى الْإِطْلَاق
стр. 25
تَنْبِيه
قَالَ وَقد يكون للبيت شرف أول بالعصبية والخلال ثمَّ ينسلخون مِنْهُ لذهابها بالحضارة ويختلطون بالغمار وَيبقى فِي نُفُوسهم وسواس ذَلِك الْحسب وَلَيْسوا من ذَلِك فِي شَيْء لذهاب العصبية جملَة وَكثير من أهل الْأَمْصَار الناشئين فِي بيُوت الْعَرَب والعجم لأوّل عَهدهم موسومون بذلك
قَالَ وَأكْثر مَا رسخ الوسواس فِي ذَلِك لبني إِسْرَائِيل لما سبق لَهُم من شرف الْبَيْت بِتَعَدُّد الْأَنْبِيَاء وَالرسل ثمَّ العصبية وَالْملك الَّذِي وعدوا بِهِ وَبعد انسلاخهم عَن جَمِيع ذَلِك وَضرب الذلة وانفرادهم بالاستعباد آلافا من السنين مَا زَالَ هَذَا الوسواس مصاحبا لَهُم فَيَقُولُونَ هَذَا هاروني أَو من قبائل يُوشَع أَو من سبط كَذَا مَعَ ذهَاب مَا أوجب ذَلِك أَولا ورسوخ مَا عَفا بعد على أَثَره
قَالَ وَكثير من أهل الْأَمْصَار وَغَيرهم المنقطعين فِي أنسابهم عَن العصبية يذهب غلى هَذَا الهذيان قَالَ وَقد غلظ ابْن رشد فِي هَذَا لما ذكر الْحسب فِي كتاب الخطابة من تَلْخِيص كتاب أر سطو فَقَالَ
стр. 26
والحسب أَن يكون من قوم قديم نزلهم بِالْمَدِينَةِ وليت شعري مَا الَّذِي يَنْفَعهُ قدم نزلهم إِن لم يكن عِصَابَة يرهب بهَا جَانِبه وَيحمل غَيرهم على الْقبُول مِنْهُ فَكَأَنَّهُ أطلق الْحسب على تعديد الْآبَاء فَقَط مَعَ أَن الخطابة إِنَّمَا هِيَ استمالة من تُؤثر استمالته وَهن أهل الْحل وَالْعقد وَأما من لَا قدرَة لَهُ الْبَتَّةَ فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يقدر على استمالة أحد
قَالَ أَلا إِن رشد رَبِّي فِي جيل وبلد لم يمارسوا العصبية وَلَا أنسوا أحوالها فَبَقيَ فِي أَمر الْبَيْت والحسب على الْأَمر الْمَشْهُور من تعديد الْآبَاء على الْإِطْلَاق وَلم يُرَاجع فِيهِ حَقِيقَة العصبية وسرها فِي الْخَلِيفَة وَالله بِكُل شَيْء عليم انْتهى
السَّابِقَة الثَّانِيَة عشرَة
إِن الْبَيْت والشرف للموالي والمصطنعين إِنَّمَا هُوَ بمواليهم لَا بأنسابهم لما سبق أَن الشّرف بِالْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ لهل العصبية فَمَتَى اصطنعوا أَو استرقوا أَو حالفوا من لَيْسَ مِنْهُم والتحم بهم ضرب مَعَهم بِسَهْم فِي تِلْكَ العصبية وَلبس جلدتها كَأَنَّهَا عصبيته وَحصل لَهُ من الانتظام فِي سلكها مساهمة فِي نَسِيَهَا وَحِينَئِذٍ فنسب وِلَادَته غير نَافِع لَهُ فِيهَا لمباينتها لنسبه وفقدان عصبيتها لذهاب سرها عِنْد التحامه بِهَذَا النّسَب الآخر فَإِذا تعدد لَهُ الْآبَاء فِي هَذِه العصبية كَانَ لَهُ بَينهم شرف بَيت على نِسْبَة ولائه واصطناعه لَا يتَجَاوَز إِلَى شرفهم بل سُكُون أدون مِنْهُم على كل حَال
стр. 27
اعْتِبَار قَالَ خلدون
وَهَذَا شان الموَالِي والخدمة إِنَّمَا يشرفون بالرسوخ فِي وَلَاء الدولة وَخدمتهَا وتعدد الْآبَاء فِي ولايتها كمالي الأتراك فِي دولة بني الْعَبَّاس وَبني برمك وَبني نوبخت أدركوا الْبَيْت والشرف وَبَنُو الْمجد والأصالة بالرسوخ فِي وَلَاء الدولة لَا ينْسب ولادتهم لَا اضمحلاله ولغو اعْتِبَاره وَحِينَئِذٍ فالاعتماد بِهِ وهم توسوس بِهِ النُّفُوس الجامحة وَلَا حَقِيقَة لَهُ
قَالَ والوجود شَاهد لذَلِك وأكرمكم عِنْد الله أَتْقَاكُم
السَّابِقَة الثَّالِثَة عشرَة
أَن نِهَايَة الْحسب فِي الْعقب الْوَاحِد أَرْبَعَة آبَاء وَبَيَانه كَأَن العيان شَاهد بِأَن الْعَالم العنصري بِمَا فِيهِ من ذَوَات وأحوال كَائِن فَاسد من الْعَوَارِض الإنسانية فَهُوَ كَائِن فَاسد بِلَا شكّ وَلَا يُوجد لحد من الْخَلِيفَة شرف مُتَّصِل فِي آبَائِهِ من لدن آدم إِلَيْهِ إِلَّا النَّبِي ﷺ كَرَامَة لَهُ وحياطة على شرفه وَأول كل شرف خارجي خبْرَة آي عَدمه سَابق عَلَيْهِ وَكَذَا يلْحقهُ بعد الْوُجُود شَأْن كل مُحدث وَعند ذَلِك فَتلك النِّهَايَة فِيهِ لِأَن يَأْتِي الْمجد عَالم بِمَا عاناه فِي شَأْنه ومحافظ على الْخلال الَّتِي هِيَ سَبَب فِي إِدْرَاكه وَابْنه من بعده مبَاشر لَهُ وآخذ عَنهُ إِلَّا أَنه مقصر فِي ذَلِك تَقْصِير من لم يعان مَا علم فَإِذا جَاءَ الثَّالِث كَانَ حَظه التَّقْلِيد فَقَط فقصر عَن الثَّانِي تَقْصِير الْمُقَلّد عَن الْمُجْتَهد فَإِذا جَاءَ الرَّابِع قصر عَن طريقتهم جملَة وأضاع الْخلال الحافظة لبِنَاء مجدهم وتوهم أَن ذَلِك الْبناء لم يكن بمعاناة وَلَا تكلّف وَإِنَّمَا وَجب لَهُم مُنْذُ أول النشأة بِمُجَرَّد النّسَب خَاصَّة فيربأ بِنَفسِهِ عَن أهل عصبيته وَيرى الْفضل عَلَيْهِم وثوقا بِمَا ربى فِيهِ من استتباعهم وجهلا بِمَا أوجب ذَلِك من الْخلال الَّتِي مِنْهَا التَّوَاضُع الْآخِذ بِمَجَامِع الْقُلُوب وَإِذ ذَاك ينتقضون عَنهُ
стр. 28
ويديلون مِنْهُ سواهُ من فروع منبته فِي غير ذَلِك الْعقب فينهدم بِنَاء بَيته لَا محَالة هَذَا فِي الْمُلُوك
وَأما فِي بيُوت الْقَبَائِل وَذَوي العصبية ثمَّ فِي بيُوت أهل الْأَمْصَار فَكَذَلِك إِذا انحطت بيُوت نشأت بيُوت أخر من ذَلِك النّسَب أَن يَشَأْ يذهبكم وَبَات بِخلق جَدِيد وَمَا ذَاك على الله بعزيز
تَنْبِيه
قَالَ وَاشْترط الربعة فِي الْأَنْسَاب إِنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِب وَإِلَّا فقد يدثر الْبَيْت من دون ذَلِك ويتلاشى وَقد يتَّصل إِلَى الْخَامِس وَالسَّادِس إِلَّا أَنه فِي انحطاط وَذَهَاب
قَالَ وَاعْتِبَار الْأَرْبَعَة من قبل أَنهم بَان ومباشر ومباشر لَهُ ومقلد وهادم وَهُوَ أقل مَا يُمكن
استظهار
أستدل على هَذَا الِاعْتِبَار بظهوره فِي مَوَاضِع
أَحدهَا الْمَدْح وَالثنَاء بقوله ﷺ إِن الْكَرِيم بن الْكَرِيم بن الْكَرِيم يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم إِشَارَة لبلوغ الْغَايَة من الْمجد
الثَّانِي الْعقُوبَة والمواخذة فَفِي التَّوْرَاة مَا مَعْنَاهُ أَن الله ربكُم طائق غيور مطَالب بذنوب الْآبَاء للبنين على الثوالث وعَلى الروابع وَقَالَ وَهَذَا يدل على أَن الربعة غَايَة فِي الْحسب
стр. 29
الثَّالِث تَسْلِيم الشّرف بِهِ قَدِيما وحديثا فَمن كتاب الأغاني فِي أَخْبَار عريف الغواني أَن كسْرَى قَالَ للنعمان هَل فِي الْعَرَب قَبيلَة تشرف على قَبيلَة قَالَ نعم قَالَ بِأَيّ شَيْء قَالَ من كَانَ لَهُ ثَلَاثَة آبَاء مُتَوَالِيَة رؤوسا ثمَّ اتَّصل ذَلِك بِكَمَال الرَّابِع فالبيت من قَبيلَة وَتَمام الْخَبَر مَذْكُور حَيْثُ أُشير إِلَيْهِ
السَّابِقَة الرَّابِعَة عشرَة
إِن المم الوحشية أقدر على التغلب لِأَن الشجَاعَة لما تمكنت فيهم لسَبَب البداوة وكما تقدم فهم لذَلِك أقدر على التغلب وَأقوى على انتزاع مَا بأيدي سواهُم وَحِينَئِذٍ فَمن كَانَ مِنْهُم اعرق فِي البداوة وأرسخ فِي خلق التوحش فَهُوَ غلى ذَلِك أقرب ومرامه علية أيسر زمن نزل مِنْهُم الرياف وَألف عوائد خصبها نقص من شجاعته بِقدر مَا بعد عَن توحشه
اعْتِبَار بالخليفة
قَالَ ابْن خلدون وأعتبر ذَلِك فِي الْحَيَوَانَات الْعَجم بدواجن الظباء
وحمر الْوَحْش وبقرة إِذا زَالَ توحشها بمخالطة الْآدَمِيّ واخصب عيشها اخْتلف حَالهَا فِي الانتهاض االشدة فِي مشيها وَحسن أديمها وَكَذَا الْآدَمِيّ المتوحش إِذا انس وَألف
برهَان وجود
قَالَ وَانْظُر فِي ذَلِك شَأْن مُضر مَعَ من قبلهم من حمير وكهلان السَّابِقين للْملك وَالنَّعِيم وَمَعَ ربيعَة المستوطنين أرياف الْعرَاق ونعيمه لما بقيت مُضر فِي بداوتهم وتقديمهم الْآخرُونَ إِلَى خصب الْعَيْش ونضارة النَّعيم كَيفَ أرهفت
стр. 30
البداوة حَدهمْ فِي التغلب فغلبوهم على مَا فِي أَيْديهم وانتزعوه مِنْهُم قَالَ وَكَذَا كل حَيّ من الْعَرَب يَلِي نعيما وعشيا خصيبا دون الْحَيّ الآخر فالمصاحب لبداوته أغلب لَهُ وأقدر عَلَيْهِ إِذا تكافأ فِي الْقُدْرَة وَالْعدَد سنة الله فِي خلقه
السَّابِقَة الْخَامِسَة عشرَة
إِن الْعَرَب لَا يتغلبون إِلَّا على البسائط لِأَن من طبيعة توحشهم نهب من قدرُوا عَلَيْهِ من غير مغالبة وَلَا ركُوب خطر ثمَّ فرارهم بِهِ إِلَى منتجعهم بالقفر وَلَا قصد لَهُم بالمحاربة إِلَّا عِنْد الدفاع بهَا عَن أنفسهم وَعند ذَلِك فَكل مَا صَعب عَلَيْهِم من المعاقل والهضاب فهم تاركوه إِلَى مَا سهل من البسائط والبطاح فَلَا يزالون يرددون عَلَيْهَا الْغَارة خُصُوصا عِنْد فقد حاميتها حَتَّى يصير أَهلهَا كالمستعبدين لَهُم إِلَى أَن ينقرض عمرانهم بِسوء الملكة وَفَسَاد النظام
السَّابِقَة السَّادِسَة عشرَة
إِنَّهُم إِذا تغلبُوا على الأوطان أسْرع إِلَيْهَا الخراب وَذَلِكَ طبيعة توحشهم منافرة للعمران من وُجُوه
أَحدهمَا أَن استحكام عوائدها صَار لَهُم خلقا مُوَافقا لأهوائهم لما فِيهِ من الْخُرُوج عَن ربقة الحكم وَعدم المراعاة للسياسة ومنافاة ذَلِك للعمران وَاضِحَة
الثَّانِي أَن غَايَة الْأَحْوَال العادية عِنْدهم إِنَّمَا هُوَ الرحلة والتقلب فالحجر لذَلِك والخشب حَاجتهم إِلَيْهَا نصب الأثافي واتخاذ الأعمدة والأوتاد للخيام والبيوت فَلَا جرم يخربون عَلَيْهَا المباني والسقف لذَلِك وكل
стр. 31
ذَلِك منَاف للعمران الَّذِي لَا يكون إِلَّا بِالسُّكُونِ والمباني
الثَّالِث إِن من طبيعتهم نهب مَا بأيدي النَّاس كَمَا تقدم وَلَا حد لَهُم فِي ذَلِك يقفون عِنْده بل كَانَ مَا تمتد إِلَيْهِ أَعينهم فهم منتهبوه وَذَلِكَ مُبْطل لحفظ المَال ومؤذن بخراب الْعمرَان
الرَّابِع إِنَّهُم يكلفون أهل الصَّنَائِع والحرف أعمالا لَا يرَوْنَ لَهَا قيمَة وَلَا اسْتِحْقَاق عوض وفسادها بذلك يقبض الْيَد عَنْهَا ويضعف الأمل فِي المكاسب فَيفْسد الْعمرَان لَا محَالة
الْخَامِس أَنهم لَا عناية لَهُم بِالْأَحْكَامِ الْوَاجِبَة شرعا وسياسة بل إِذا توصلوا إِلَى أَخذ المَال نهبا أَو مغرما أَو عوضا عَن عُقُوبَة جريمة كفاهم ذَلِك عَن النّظر فِيمَا يصلح الْخلق جلبا ودفعا ومصير الْعمرَان إِلَى الخراب لَا يخفى
إِن تنافسهم فِي الرياسة حَتَّى بَين الْأَب وَالِابْن يُؤَدِّي إِلَى تعدد الْحُكَّام وَاخْتِلَاف أَيدي الْأُمَرَاء على الرّعية جباية وَحكما وَذَلِكَ مُوجب لفساد الْعمرَان يحْكى أَن أَعْرَابِيًا وَفد إِلَى عبد الْملك فَسَأَلَهُ عَن الْحجَّاج فَقَالَ مخبرا عَنهُ تركته يظلم وَحده
قلت وَقد اعتذر بذلك من تِلْكَ الْجِهَة عضد الدولة فيروى أَن رَسُول
стр. 32
ملك غزنة لما انْصَرف عَنهُ قَالَ لَهُ مَاذَا أَقُول لأخيك قَالَ قل لَهُ جِئْت من عِنْد سُلْطَان يظلم وَحده
عاطفة اعْتِبَار
قَالَ ابْن خلدون وَانْظُر إِلَى مَا تغلبُوا عَلَيْهِ من أول الخليقة كَيفَ خرب عمرانه وبدلت مِنْهُ الأَرْض غير الأَرْض فاليمن قرارهم خراب إِلَّا قَلِيلا وعراق الْعَرَب كَذَلِك وَالشَّام لهَذَا الْعَهْد كَذَلِك وأفريقيا وَالْمغْرب لما جَازَ إِلَيْهِمَا بَنو هِلَال وَبَنُو سليم مُنْذُ عهد الْمِائَة الْخَامِسَة قد لَحقا بذلك وعادت بسائطها خرابا بعد أَن كَانَ مَا بَين السودَان وَالْبَحْر الرُّومِي عمرانا وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَخير الْوَارِثين
السَّابِقَة السَّابِعَة عشرَة
إِن الْبَوَادِي من الْقَبَائِل والعصائب مغلوبون لأهل الْأَمْصَار مَا لم يحصل لَهُم علنها غلب وَلَا ملك وَذَلِكَ لاحتياجهم بالطبع للحضر فِي أَمريْن
أَحدهمَا ضَرُورِيّ مَا لابد مِنْهُ فِي المعاش مِمَّا هُوَ مَعْدُوم عِنْدهم أَو غير واف بِالْمَقْصُودِ وأهمه الصَّنَائِع الَّتِي هِيَ مَادَّة الفلح الْمَوْجُود لديهم كالتجارة والحدادة وَشبه ذَلِك
القاني ثمن مَا لديهم مثمونة من غلَّة زرع أَو عين حَيَوَان أَو فضلته مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ أهل الْأَمْصَار وَهُوَ الدِّينَار وَالدِّرْهَم المفقودان فِي البدو وَلَكِن حاجاتهم غلى الْأَمْصَار ضَرُورِيّ وحاجة أَهلهَا إِلَيْهِم فِي حاجي أَو تكميلي
مزِيد ثَمَرَة لإخفاء أَن هَذَا الِاجْتِمَاع نَاشِئ عَن بعض الْعمرَان البدوي عَن الحضري والكامل رَئِيس النَّاقِص فَمن ثمَّ تَجِد الْبَادِيَة متصرفين فِي مصَالح الْحَضَر وطاعاتهم مَتى دعوا إِلَى ذَلِك وطولبوا بِهِ
стр. 33
قَالَ ابْن خلدون فان كَانَ فِي الْمصر ملك كَانَت طاعتهم لغَلَبَة الْملك وَإِلَّا فَلَا بُد فِيهِ من رياسة وَإِلَّا انْتقصَ عمرانه وَذَلِكَ الرئيس يحملهم على طَاعَته طَوْعًا ببذل المَال لَهُم وعَلى أَن يُبِيح لَهُم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي مصره فيستقيم عمرانهم أَو كرهاإن تمت قدرته على ذَلِك وَلَو بالتضريب بَينهم حَتَّى يحصل لَهُ جَانب مِنْهُم يغالب بِهِ البَاقِينَ فيضطر الْآخرُونَ إِلَى طَاعَته بِمَا يتوقعون لذَلِك من فَسَاد عمرانهم وَرُبمَا لَا يسعهم التَّحَوُّل عَن تِلْكَ النواحي لعمران كل الْجِهَات بِمن غلب عَلَيْهَا ومنعها من غَيره وَحِينَئِذٍ فَلَا ملْجأ لَهُم إِلَّا طَاعَة الْمصر فهم بِالضَّرُورَةِ مغلوبون لأهل الْأَمْصَار وَالله القاهر فَوق عباده
السَّابِقَة الثَّامِنَة عشرَة
أَن الصَّرِيح من النّسَب إِنَّمَا يُوجد للمتوحشين فِي القفر من الْعَرَب وَمن فِي معناهم لِأَن مقامهم بالقفر الَّذِي دعاهم إِلَى التوحش فِيهِ قيامهم على الْإِبِل مَانع لمن سواهُم من النُّزُوع إِلَيْهِم مُنْضَمًّا لما فِيهِ من نكد الْعَيْش وشظف الْحَال فَيُؤمن عَلَيْهِم بذلك من اخْتِلَاط النّسَب وفساده فَلَا يزَال فيهم صَرِيحًا مَحْفُوظًا
اعْتِبَار
قَالَ ابْن خلدون وَاعْتبر ذَلِك فِي مُضر من قُرَيْش وكنانة وَثَقِيف وَبني أَسد وهذيل وَمن جاورهم من خُزَاعَة لما كَانُوا أهل شظف وموطن غير ذَات زرع وَلَا ضرع كَانَت أنسابهم صَرِيحَة لم يدخلهَا اخْتِلَاط وَلَا عرف فِيهَا شوب وَالْعرب الَّذين كَانُوا بالتلول فِي معادن الخصب من حسير وكهلان كلخم وجذام وغسان وطي وقضاعة وإياد اخْتلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم فَفِي كل وَاحِد من بُيُوتهم من الْخلاف مَا قد علمت وَإِنَّمَا جَاءَهُم ذَلِك من قبل
стр. 34
مُخَالطَة الْعَجم لإهمالهم الْمُحَافظَة على النّسَب قَالَ عمر ﵁ تعلمُوا النّسَب وَلَا تَكُونُوا كنبط السوَاد إِذا سُئِلَ أحد عَن أَصله قَالَ من قَرْيَة كَذَا
تَعْرِيف قَالَ
وَقد كَانَ وَقع فِي صدر الْإِسْلَام الانتماء إِلَى المواطن فَيُقَال جند دمشق وانتقل ذَلِك إِلَى الأندلس وَلم يكمد لأطرح أَمر النّسَب بل لاختصاصهم بالمواطن بعد الْفَتْح حَتَّى عرقوا بهَا وَصَارَت لَهُم عَلامَة زَائِدَة على النّسَب يتميزون بهَا عِنْد الْأُمَرَاء ثمَّ وَقع الِاخْتِلَاط فِي الحواضر مَعَ الْعَجم وَغَيرهم وفقدت الْأَنْسَاب بِالْجُمْلَةِ وفقدت ثَمَرَتهَا من العصبية فاطرحت ثمَّ تلاشت الْقَبَائِل ودثرت فدثرت العصبية بدثورها وَبَقِي ذَلِك فِي البدو كَمَا كَانَ وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا
السَّابِقَة التَّاسِعَة عشرَة
إِن اخْتِلَاف الْأَنْسَاب يَقع بِسُقُوط بعض من أَهلهَا إِلَى نسب آخر لنزوع إِلَيْهِم أَو حلف أَو وَلَاء أَو لفرار من قومه لجناية أَصَابَهَا فيدعي نسبهم ويعد مِنْهُم فِي ثَمَرَته من النُّصْرَة أَو الْقود وَحمل الدِّيات وغبر ذَلِك
وَمَتى وجدت ثَمَرَة النّسَب فَكَأَنَّهُ وجد لاسيما وَالنّسب الأول قد
стр. 35
يتناسى بطول الزَّمَان وَذَهَاب أهل الْعلم بِهِ فيخفي على الكثيرين
شَهَادَة وَاقع قَالَ وَمَا زَالَت الْأَنْسَاب تسْقط من شعب إِلَى شعب ويلتحم قوم بِآخَرين فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَالْعرب والعجم
قَالَ وَمِنْه شَأْن بجيلة فِي عرْفجَة بن هثمة لما ولاه عمر ﵁ عَلَيْهِم فَسَأَلُوهُ الإعفاء مِنْهُ وَقَالُوا هُوَ فِينَا نزيف أَي دخيل ولصيق وطلبوا أَن يُولى عَلَيْهِم جَرِيرًا فَسَأَلَهُ عمر ﵁ عَن ذَلِك فَقَالَ عرْفجَة صدقُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا رجل من الأزاد أصبت دَمًا فِي قومِي وَلَحِقت بهم قَالَ وَانْظُر مِنْهُ كَيفَ اخْتَلَط عرْفجَة ببجيلة وَلبس جلدتهم حَتَّى ترشح للرياسة عَلَيْهِم لَوْلَا علم بَعضهم بوشائجه وَلَو غفلوا عَن ذَلِك وامتد الزَّمَان لتنوسى بِالْجُمْلَةِ وعد مِنْهُم بِكُل وَجه فَافْهَم وَاعْتبر سر الله فِي خلقه وَمثل هَذَا كثير لهَذَا الْعَهْد وَلما قبله
السَّابِقَة الْعشْرُونَ
إِن جيل الْعَرَب فِي الخليقة طبيعي وَبَيَانه أَن المعاش الطبيعي الَّذِي اقْتصر أهل البدو على الضَّرُورِيّ مِنْهُ أَصْنَاف ثَلَاثَة
أَحدهمَا الزِّرَاعَة وَالْمقَام لأَجلهَا وَلَو فِي الغيران والكهوف أولى من الظعن فضلا عَن سُكْنى المداشر والقرى كَمَا عَلَيْهِ عَامَّة البربر والأعاجم
الثَّانِي سَائِمَة الْغنم وَالْبَقر والظعن لارتياد مسارحها ومواردها أولى من الْمقَام وأربابها يسمون شاوية أَي قائمون على الشاه وَالْبَقر وَلَا يبعدون فِي القفار إِذْ لَا مسارح فِيهِ طيبَة وهم كالترك والصقالبة
الثَّالِث الْإِبِل والظعن لأَجلهَا أبعد فِي القفر مجالا لعدم استغنائها
стр. 36
قوام حَيَاتهَا من مرعى شَجَرَة وموارد مياهه وَطلب مفاحص إنتاجها فِي زَمَانه فأهلها لذَلِك لما قد يَدعُوهُم إِلَيْهِ منع الحامية من التلول ويضطرون إِلَى التوغل فِي القفار إبعادا فِي النجعة ونفرة عَن النصفة فيشتد توحشهم وينزلون من الحواضر منزلَة الْحَيَوَان المفترس والوحش غير الْمَقْدُور عَلَيْهِ
تعْيين
قَالَ وَهَؤُلَاء هم الْعَرَب وَفِي معناهم ظواعن البربر وزناتة بالمغرب والأكراد والتركمان بالمشرق
قَالَ أَلا إِن الْعَرَب أبعد نجمة وَأَشد بداوة لاختصاصهم بالقيم على الْإِبِل فَقَط وَهَؤُلَاء يقومُونَ عَلَيْهَا وعَلى الشَّاء وَالْبَقر وَبِه يتَبَيَّن أَن طبيعي لابد مِنْهُ
الْمُقدمَة الثَّانِيَة
فِي تمهيد أصُول من الْكَلَام فِي الْملك شرعا
وَفِيه عشرُون فَاتِحَة
الْفَاتِحَة الأولى
إِن الضَّرُورَة فِي الِاجْتِمَاع الطبيعي لنَوْع الْإِنْسَان كَمَا تقدم تَدْعُو إِلَى الْمُعَامَلَات واقتضاء ضرورات المعاش وحاجياته وَمن لَوَازِم ذَلِك تولد المنازعات فِي اخْتِصَاص كل بلد بِمَا تمد إِلَيْهِ لما فِي الطبيعة الحيوانية من الظُّلم والعدوان بِمُقْتَضى الْغَضَب وأنفة القوى البشرية وَذَلِكَ مفض إِلَى الْمُقَاتلَة المؤدية إِلَى سفك الدِّمَاء وَإِتْلَاف النُّفُوس وكل ذَلِك مُؤذن بِانْقِطَاع النَّوْع وانخرام شَمل اجتماعه وَقد اقْتَضَت حِكْمَة الْعِنَايَة بِهِ أَن
стр. 37
يحفظ من مَحْظُور ذَلِك بوازغ لِاسْتِحَالَة الْبَقَاء بعد وضع الشَّرَائِع والسياسات المصطلح عَلَيْهَا إِلَّا بنصبه وَهُوَ السُّلْطَان الْمَانِع بقهر يَده الْغَالِبَة مِمَّا يُؤَدِّي لوُقُوع ذَلِك الْمَحْذُور وواضح من هُنَاكَ أَن الْملك من الْخَواص الطبيعية للْإنْسَان ووجوده لغيره كالنحل وَالْجَرَاد على مَا يظْهر فِي أتباعها لرئيس من شخصها إِنَّمَا هُوَ بِمُقْتَضى الْفطْرَة وَالْهِدَايَة لَا الفكرة والروية كَمَا فِي الْإِنْسَان أعْطى خلقه كل شَيْء ثمَّ هدى
الْفَاتِحَة الثَّانِيَة
إِن مصلحَة نصب السُّلْطَان الْوَازِع لَا تعارضها الْمَفَاسِد اللَّازِمَة عَن قهره وَغَلَبَة لِأَنَّهَا لما رجحت تِلْكَ الْمَفَاسِد كَانَت هِيَ الْمُعْتَبرَة قَالُوا لِأَن ترك الْخَبَر الْكثير لجل الشَّرّ الْيَسِير شَرّ كثير وَمَا خص ضَرَره وَعم نَفعه فنعمة عَامَّة وَعَكسه بلَاء عَظِيم
(لَا ترج شَيْئا خَالِصا نَفعه ... فالغيث لَا ينجو من العيث)
قلت وَلَا يفهم من هَذَا الْكَلَام مُرَاد الْحُكَمَاء بِهِ وَهُوَ أَن الشَّرّ اللَّازِم عَن الْخَيْر الرَّاجِح غير مَقْصُود بِالذَّاتِ لِأَن ذَلِك من حَيْثُ الْقَصْد الخلقي التكويني وَمُرَاد الْأَئِمَّة بِهِ حَيْثُ الْقَصْد التشريعي وَبَينهمَا فرق مُقَرر فِي موَاضعه من الْأُصُول العلمية
الْفَاتِحَة الثَّالِثَة
إِن توهم الِاسْتِغْنَاء عَم السُّلْطَان بَاطِل أما فِي الدّين فلامتناع حمل النَّاس على مَا عرفُوا مِنْهُ طَوْعًا أَو كرها دون نَصبه إِن الله ليزع بالسلطان مَالا يَزع بِالْقُرْآنِ وَأما فِي الدُّنْيَا فلَان حَامِل الطَّبْع وَالدّين لَا يَكْفِي فِي إِقَامَة مصالحها على الْوَجْه الْأَفْضَل غَالِبا
стр. 38
قَالَ الأمدي وَلذَلِك نجد من لَا سُلْطَان لَهُم كالذئاب الشاردة وَالْأسود الضارية لَا يبْقى بَعضهم على بعض وَلَا يُحَافِظُونَ على سنة وَلَا فرض
قَالَ وَلِهَذَا قيل السَّيْف والسنان يفْعَلَانِ مَالا يفعل الْبُرْهَان
الْفَاتِحَة الرَّابِعَة
إِن مدرك وجوب نَصبه عِنْد أهل الْحق شَرْعِي لَا عَقْلِي وَقَررهُ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا اعتباري وَهُوَ أَن حِكْمَة نَصبه كَمَا يَتَقَرَّر مِنْهَا بعد أَن شَاءَ الله يَقْتَضِي بِحَسب اعْتِبَارهَا شرعا وجوب التَّكْلِيف بِهِ مُطلقًا
الثَّانِي إجماعي قَالَ ابْن التلمساني وَهُوَ الْمُعْتَمد الْقَاطِع لأهل
стр. 39
السّنة وَقَررهُ بِمَا نقل عَم السّلف وَالْخلف من امْتنَاع خلو الأَرْض من أَمَام قَائِم بِأَمْر الله
قلت وَفِي مَرَاتِب الْإِجْمَاع لِابْنِ حزم اتَّفقُوا على أَن الْإِمَامَة فرض وَأَنه لابد من إِمَام حامي النجدات من الْخَوَارِج
قَالَ وأراهم قد خرقوا الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ قد سبقهمْ انْتهى
لَا يُقَال يحْتَمل أَن يكون هُنَاكَ نَكِير والموافقة لم تحصل إِلَّا من الْبَعْض وَلَو سلمت من الْجَمِيع لتوفرت الدَّوَاعِي على نقل مستندها لأَنا نقُول
стр. 40
لَو وجدنَا هَذَا النكير فِي مثل هَذَا الْمقَام لقضت الْعَادة بنقله ومستند الْإِجْمَاع لَا يلْزم نَقله اسْتغْنَاء عَنهُ بِوُجُوب اتِّبَاع الْإِجْمَاع مَتى تحقق وجوده
الْفَاتِحَة الْخَامِسَة
إِن حَقِيقَة هَذَا الْوُجُوب الشَّرْعِيّ رَاجِعَة إِلَى النِّيَابَة عَن الشَّارِع فِي حفظ الدّين وسياسة الدُّنْيَا بِهِ وَيُسمى بِاعْتِبَار هَذِه خلَافَة وإمامة وَذَلِكَ لِأَن الدّين هُوَ الْمَقْصُود فِي إِيجَاد الْخلق لَا الدُّنْيَا فَقَط فحملوا على حكمه دنيا وَأُخْرَى وَنصب لذَلِك الْخَلِيفَة نَائِبا عَن صَاحب الشَّرْع وَلَا كَذَلِك الْملك الطبيعي وَهُوَ حمل الكافة على مُقْتَضى الْغَرَض والشهوة لجوره فِي ذَلِك وعدوانه وإفضائه إِلَى الْهَلَاك العاجل سنة الله فِي الَّذين خلو من قبل وَلَا السياسي وَهُوَ حملهمْ على نهج النّظر الْعقلِيّ فِي جلب مصَالح الدُّنْيَا ودرء مفاسدها فَحسب لإهمال الْعِنَايَة بِالدّينِ واستضاءته فِيمَا اقْتصر عَلَيْهِ بِغَيْر نور الله ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
الْفَاتِحَة السَّادِسَة
إِن انقلاب الْخلَافَة إِلَى الْملك كَمَا سيرد بَيَانه إِن شَاءَ الله أَن ذَلِك وَاقع بِحَسب كبيعة الْوُجُود لَا يخل بِمَا قصد بهما فِي الْجُمْلَة بل الْحَاجة إِلَى الْملك إِذْ ذَاك فِي أرفع مَرَاتِب الِاعْتِبَار بِهِ وَذَلِكَ لِأَن الْوَازِع فِي أَيَّام وجود الْخلَافَة إِنَّمَا كَانَ دينا مَحْضا يجده كل وَاحِد من نَفسه حَتَّى قَالَ عمر ﵁ من لم يؤدبه لَا أدبه الله
وَبعد انقلابها ملكا وخصوصا إِلَى العضوض مِنْهُ ضعف ذَلِك الْوَازِع أَو كَاد يفقد غَالِبا فاحتيج إِلَى مزِيد رهبة وَهِي من مُنَازع ومراسم مَوْضُوعه
следующие страницы →