Полный текст (992 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قوام حَيَاتهَا من مرعى شَجَرَة وموارد مياهه وَطلب مفاحص إنتاجها فِي زَمَانه فأهلها لذَلِك لما قد يَدعُوهُم إِلَيْهِ منع الحامية من التلول ويضطرون إِلَى التوغل فِي القفار إبعادا فِي النجعة ونفرة عَن النصفة فيشتد توحشهم وينزلون من الحواضر منزلَة الْحَيَوَان المفترس والوحش غير الْمَقْدُور عَلَيْهِ
تعْيين
قَالَ وَهَؤُلَاء هم الْعَرَب وَفِي معناهم ظواعن البربر وزناتة بالمغرب والأكراد والتركمان بالمشرق
قَالَ أَلا إِن الْعَرَب أبعد نجمة وَأَشد بداوة لاختصاصهم بالقيم على الْإِبِل فَقَط وَهَؤُلَاء يقومُونَ عَلَيْهَا وعَلى الشَّاء وَالْبَقر وَبِه يتَبَيَّن أَن طبيعي لابد مِنْهُ
الْمُقدمَة الثَّانِيَة
فِي تمهيد أصُول من الْكَلَام فِي الْملك شرعا
وَفِيه عشرُون فَاتِحَة
الْفَاتِحَة الأولى
إِن الضَّرُورَة فِي الِاجْتِمَاع الطبيعي لنَوْع الْإِنْسَان كَمَا تقدم تَدْعُو إِلَى الْمُعَامَلَات واقتضاء ضرورات المعاش وحاجياته وَمن لَوَازِم ذَلِك تولد المنازعات فِي اخْتِصَاص كل بلد بِمَا تمد إِلَيْهِ لما فِي الطبيعة الحيوانية من الظُّلم والعدوان بِمُقْتَضى الْغَضَب وأنفة القوى البشرية وَذَلِكَ مفض إِلَى الْمُقَاتلَة المؤدية إِلَى سفك الدِّمَاء وَإِتْلَاف النُّفُوس وكل ذَلِك مُؤذن بِانْقِطَاع النَّوْع وانخرام شَمل اجتماعه وَقد اقْتَضَت حِكْمَة الْعِنَايَة بِهِ أَن
стр. 37
يحفظ من مَحْظُور ذَلِك بوازغ لِاسْتِحَالَة الْبَقَاء بعد وضع الشَّرَائِع والسياسات المصطلح عَلَيْهَا إِلَّا بنصبه وَهُوَ السُّلْطَان الْمَانِع بقهر يَده الْغَالِبَة مِمَّا يُؤَدِّي لوُقُوع ذَلِك الْمَحْذُور وواضح من هُنَاكَ أَن الْملك من الْخَواص الطبيعية للْإنْسَان ووجوده لغيره كالنحل وَالْجَرَاد على مَا يظْهر فِي أتباعها لرئيس من شخصها إِنَّمَا هُوَ بِمُقْتَضى الْفطْرَة وَالْهِدَايَة لَا الفكرة والروية كَمَا فِي الْإِنْسَان أعْطى خلقه كل شَيْء ثمَّ هدى
الْفَاتِحَة الثَّانِيَة
إِن مصلحَة نصب السُّلْطَان الْوَازِع لَا تعارضها الْمَفَاسِد اللَّازِمَة عَن قهره وَغَلَبَة لِأَنَّهَا لما رجحت تِلْكَ الْمَفَاسِد كَانَت هِيَ الْمُعْتَبرَة قَالُوا لِأَن ترك الْخَبَر الْكثير لجل الشَّرّ الْيَسِير شَرّ كثير وَمَا خص ضَرَره وَعم نَفعه فنعمة عَامَّة وَعَكسه بلَاء عَظِيم
(لَا ترج شَيْئا خَالِصا نَفعه ... فالغيث لَا ينجو من العيث)
قلت وَلَا يفهم من هَذَا الْكَلَام مُرَاد الْحُكَمَاء بِهِ وَهُوَ أَن الشَّرّ اللَّازِم عَن الْخَيْر الرَّاجِح غير مَقْصُود بِالذَّاتِ لِأَن ذَلِك من حَيْثُ الْقَصْد الخلقي التكويني وَمُرَاد الْأَئِمَّة بِهِ حَيْثُ الْقَصْد التشريعي وَبَينهمَا فرق مُقَرر فِي موَاضعه من الْأُصُول العلمية
الْفَاتِحَة الثَّالِثَة
إِن توهم الِاسْتِغْنَاء عَم السُّلْطَان بَاطِل أما فِي الدّين فلامتناع حمل النَّاس على مَا عرفُوا مِنْهُ طَوْعًا أَو كرها دون نَصبه إِن الله ليزع بالسلطان مَالا يَزع بِالْقُرْآنِ وَأما فِي الدُّنْيَا فلَان حَامِل الطَّبْع وَالدّين لَا يَكْفِي فِي إِقَامَة مصالحها على الْوَجْه الْأَفْضَل غَالِبا
стр. 38
قَالَ الأمدي وَلذَلِك نجد من لَا سُلْطَان لَهُم كالذئاب الشاردة وَالْأسود الضارية لَا يبْقى بَعضهم على بعض وَلَا يُحَافِظُونَ على سنة وَلَا فرض
قَالَ وَلِهَذَا قيل السَّيْف والسنان يفْعَلَانِ مَالا يفعل الْبُرْهَان
الْفَاتِحَة الرَّابِعَة
إِن مدرك وجوب نَصبه عِنْد أهل الْحق شَرْعِي لَا عَقْلِي وَقَررهُ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا اعتباري وَهُوَ أَن حِكْمَة نَصبه كَمَا يَتَقَرَّر مِنْهَا بعد أَن شَاءَ الله يَقْتَضِي بِحَسب اعْتِبَارهَا شرعا وجوب التَّكْلِيف بِهِ مُطلقًا
الثَّانِي إجماعي قَالَ ابْن التلمساني وَهُوَ الْمُعْتَمد الْقَاطِع لأهل
стр. 39
السّنة وَقَررهُ بِمَا نقل عَم السّلف وَالْخلف من امْتنَاع خلو الأَرْض من أَمَام قَائِم بِأَمْر الله
قلت وَفِي مَرَاتِب الْإِجْمَاع لِابْنِ حزم اتَّفقُوا على أَن الْإِمَامَة فرض وَأَنه لابد من إِمَام حامي النجدات من الْخَوَارِج
قَالَ وأراهم قد خرقوا الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ قد سبقهمْ انْتهى
لَا يُقَال يحْتَمل أَن يكون هُنَاكَ نَكِير والموافقة لم تحصل إِلَّا من الْبَعْض وَلَو سلمت من الْجَمِيع لتوفرت الدَّوَاعِي على نقل مستندها لأَنا نقُول
стр. 40
لَو وجدنَا هَذَا النكير فِي مثل هَذَا الْمقَام لقضت الْعَادة بنقله ومستند الْإِجْمَاع لَا يلْزم نَقله اسْتغْنَاء عَنهُ بِوُجُوب اتِّبَاع الْإِجْمَاع مَتى تحقق وجوده
الْفَاتِحَة الْخَامِسَة
إِن حَقِيقَة هَذَا الْوُجُوب الشَّرْعِيّ رَاجِعَة إِلَى النِّيَابَة عَن الشَّارِع فِي حفظ الدّين وسياسة الدُّنْيَا بِهِ وَيُسمى بِاعْتِبَار هَذِه خلَافَة وإمامة وَذَلِكَ لِأَن الدّين هُوَ الْمَقْصُود فِي إِيجَاد الْخلق لَا الدُّنْيَا فَقَط فحملوا على حكمه دنيا وَأُخْرَى وَنصب لذَلِك الْخَلِيفَة نَائِبا عَن صَاحب الشَّرْع وَلَا كَذَلِك الْملك الطبيعي وَهُوَ حمل الكافة على مُقْتَضى الْغَرَض والشهوة لجوره فِي ذَلِك وعدوانه وإفضائه إِلَى الْهَلَاك العاجل سنة الله فِي الَّذين خلو من قبل وَلَا السياسي وَهُوَ حملهمْ على نهج النّظر الْعقلِيّ فِي جلب مصَالح الدُّنْيَا ودرء مفاسدها فَحسب لإهمال الْعِنَايَة بِالدّينِ واستضاءته فِيمَا اقْتصر عَلَيْهِ بِغَيْر نور الله ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
الْفَاتِحَة السَّادِسَة
إِن انقلاب الْخلَافَة إِلَى الْملك كَمَا سيرد بَيَانه إِن شَاءَ الله أَن ذَلِك وَاقع بِحَسب كبيعة الْوُجُود لَا يخل بِمَا قصد بهما فِي الْجُمْلَة بل الْحَاجة إِلَى الْملك إِذْ ذَاك فِي أرفع مَرَاتِب الِاعْتِبَار بِهِ وَذَلِكَ لِأَن الْوَازِع فِي أَيَّام وجود الْخلَافَة إِنَّمَا كَانَ دينا مَحْضا يجده كل وَاحِد من نَفسه حَتَّى قَالَ عمر ﵁ من لم يؤدبه لَا أدبه الله
وَبعد انقلابها ملكا وخصوصا إِلَى العضوض مِنْهُ ضعف ذَلِك الْوَازِع أَو كَاد يفقد غَالِبا فاحتيج إِلَى مزِيد رهبة وَهِي من مُنَازع ومراسم مَوْضُوعه
стр. 41
قلت وَمَا اسْتدلَّ بِهِ الْقَرَافِيّ على إِقَامَة صوره بِتَسْلِيم عمر لمعاوية ﵄ مُوجب أبهة الْملك باشام من دَلَائِل ذَلِك وشواهده وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله فِي ركن السياسة الْمُعْتَبرَة شرعا مَا يزِيدهُ وضوحا
الْفَاتِحَة السَّابِعَة
إِن الْكَافِي الْآن من شُرُوط الْإِمَامَة بعد الذكورية وَالْحريَّة وَالْبُلُوغ وَالْعقل أَرْبَعَة النجدة لِئَلَّا يضعف عَن إِقَامَة الْحُدُود واقتحام الحروب والكفاية لِئَلَّا يخفى عَلَيْهِ وُجُوه الرَّأْي والسياسة وسلامة الْأَعْضَاء والحواس عَمَّا يُؤثر فِي الرَّأْي وَالْعَمَل كالعمى والصمم والهرس وفقد الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ والأنثيين وَالْقُدْرَة على تَنْفِيذ أوَامِر هـ وَأَحْكَامه فَلَا يكون عَاجِزا عَن ذَلِك جملَة بِأَمْر وَشبهه
стр. 42
أما بِالْحجرِ عَلَيْهِ من غير عصيان وَلَا مشقة فغن حمدت سيرة الحاجز حَاز إِقْرَاره وَإِلَّا أعين عَلَيْهِ الإِمَام حَتَّى يسْتَقلّ بأَمْره ويستبد بسلطانه
قلت وعَلى شَرط أَن لَا تُؤدِّي الْقُدْرَة على ذَلِك غلى مَا هُوَ أعظم فِي الْفساد فَإِن تعذر الْعلم وَهِي
الْفَاتِحَة الثَّامِنَة
سقط اعْتِبَاره اكْتِفَاء بمراجعة الْعلمَاء عِنْد وُقُوع النَّوَازِل
وَلَيْسَ ذَلِك مَا يُخَالف مُقْتَضى الدَّلِيل ثمَّ مضى فِي تَقْرِيره إِلَى أَن قَالَ إِذا انْعَقَدت الْإِمَامَة لمنقك عَن رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَقَامَت لَهُ الشَّوْكَة ومالت إِلَيْهِ الْقُلُوب وخلا الزَّمَان من قرشي مستجمع لشروط الْإِمَامَة وَجب استمراره على الْإِمَامَة المعقودة لَهُ
стр. 43
قَالَ وَهَذَا حكم زَمَاننَا
قلت وَهِي فِيمَا بعد زَمَاننَا أولى أَحْرَى وَكَذَا إِذا تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَة وَهِي
الْفَاتِحَة التَّاسِعَة وَإِلَّا لزم تَعْطِيل الْإِمَامَة وَبطلَان تصرفها وضرر ذَلِك أعظم من فَوَات الْعَدَالَة وعَلى هَذَا اعْتمد الْغَزالِيّ وَالشَّيْخ عز الدّين وَغَيرهمَا من الْمُحَقِّقين
قلت وَحَاصِله أَن عَدَالَة السُّلْطَان من مكملات أَوْصَافه واحتلال الْمُحَافظَة عَلَيْهَا بحكمة نَصبه يسْقط اعْتِبَارهَا كَمَا فِي الْعلم أَيْضا شَأْن كل تَكْمِلَة هِيَ كَذَلِك مَعَ مَا هِيَ مكملة لَهُ على مَا تقرر فِي الْأُصُول العلمية قلت وإجراء ذَلِك أَيْضا على قَاعِدَة قَول مُحَمَّد بن الْحسن مَا ضَاقَ شَيْء إِلَّا اتَّسع ظَاهر قَول الْمقري فِي قَوَاعِده يُرِيد التَّرَخُّص عِنْد عسر التَّحَرُّز ثمَّ ذكر
стр. 44
من ذَلِك فِي العاديات تَوْلِيَة الشّبَه عِنْد تعذر الْمُسْتَحق وَهَذَا أَيْضا إِن فقد شَرط النّسَب الْقرشِي وَهِي
الْفَاتِحَة الْعَاشِرَة عِنْد القَاضِي أبي بكر وَجَمَاعَة من الْفرق حَتَّى غلا بَعضهم فَقَالَ لَو اسْتَوَى قرشي ونبطي فِي شُرُوط الْإِمَامَة لرجح النبطي لقُرْبه من عدم الْجور وَالظُّلم وَوجه ذَلِك ابْن خلدون وَإِن كَانَ خلاف قَول الْجُمْهُور بِمَا حَاصله أَن قصد الشَّارِع فِي اشْتِرَاطه لَيْسَ لمُجَرّد التَّبَرُّك بِهِ وَإِن كَانَ ذَلِك حَاصِلا بل لرفع التَّنَازُع بِهِ لما كَانَ لقريش من العصبية والغلب وَقصد ذَلِك لَا يخْتَص بجيل وَلَا عصر فَمَتَى وجدت العصبية فِي الْقَائِم بِأَمْر الْمُسلمين كَانَت هِيَ الْعلَّة الْمُشْتَملَة على الْمَقْصُود من القريشية لَا يسما وَقد تلاشت عصبتها شرقا وغربا وَلَا يلْزم عُمُوم ذَلِك فِي جَمِيع الْآفَاق كَمَا كَانَ فِي القريشية لقوتها حِينَئِذٍ على ذَلِك بل يخْتَص الْآن كل قطر بِمن لَهُ فِيهِ عصبية غالبة
قَالَ وَإِذا نظرت سر الله فِي الخليقة لم تبعد هَذَا لِأَنَّهُ تَعَالَى جعل الْخَلِيفَة نَائِبا عَنهُ فِي الْقيام بِأُمُور عباده مُخَاطبا لَهُم بذلك وَلَا يُخَاطب بِأَمْر من لَا قدرَة لَهُ عَلَيْهِ
стр. 45
قَالَ والوجود شَاهد بذلك فَإِنَّهُ لَا يقوم بِأَمْر أمة أَو جيل إِلَّا من غلب عَلَيْهِم وَقل أَن يكون المر الشَّرْعِيّ مُخَالفا لِلْأَمْرِ الوجودي بل لَا يكون كَذَلِك الْبَتَّةَ
قلت وَهَذَا تَقْرِير فِي غَايَة الْحسن وَنِهَايَة البراعة وَالتَّحْقِيق وَقَوله وَقل إِن يكون الْأَمر الشَّرْعِيّ مُخَالفا لِلْأَمْرِ الوجودي بل لَا يكون كَذَلِك الْبَتَّةَ
وَقَاعِدَة
إِن كل أصل علمي يتَّخذ إِمَامًا فِي الْعَمَل فشرطه أَن يجْرِي الْعَمَل بِهِ على مجاري الْعَادَات فِي مثله وَإِلَّا فَهُوَ غير صَحِيح
شَاهد عَلَيْهِ لذَلِك حَسْبَمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي ﵀ وَله فِي بعض تقييداته حَسْبَمَا الفيته بِخَط شَيخنَا الْأُسْتَاذ الْعَلامَة أبي إِسْحَاق بن فتوح ﵀ مَنْقُولًا من خطة تَنْزِيل الْعلم على مجاري الْعَادَات تَصْحِيح لذَلِك الْعلم وبرهان عَلَيْهِ إِذا جرى على استقامة فَإِذا لم يجر فَغير صَحِيح
الْفَاتِحَة الْحَادِيَة عشرَة
إِن شَرط وحدة الإِمَام بِحَيْثُ لَا يكون هُنَاكَ غَيره لَا يلْزم مَعَ تعذر الامكان
стр. 46
كَانَ ابْن عَرَفَة فِيمَا حَكَاهُ الأبي عَنهُ فَلَو بعد مَوضِع الإِمَام حَتَّى لَا ينفذ حكمه فِي بعض الأقطار الْبَعِيدَة جَازَ نصب غَيره فِي ذَلِك الْقطر
وللشيخ علم الدّين من عُلَمَاء الْعَصْر بالديار المصرية يجوز ذَلِك للضَّرُورَة
قلت وَمَا تقدم من عجز العصبية الْآن عَن عُمُوم غلبتها وَإِن طلب وحدته لذَلِك لَا يظْهر فِي الْخَارِج ويقوى الْعذر لذَلِك على وضوحه من وجوده لَا تخفى على ذِي نظر سديد وَالله أعلم
الْفَاتِحَة الثَّانِيَة عشرَة
إِن الطَّاعَة لَهُ أصل عَظِيم من أصُول الْوَاجِبَات الدِّينِيَّة حَتَّى أدرجها الْأَئِمَّة فِي جملَة العقائد الإيمانية وَإِن كَانَت من فن الْفِقْه لنزاع بعض المبتدعة فِيمَا هِيَ من لوازمه وَهُوَ الْإِمَامَة وجعلوها لذَلِك من فُصُول رسم الْإِمَامَة حَيْثُ قَالُوا هِيَ خلَافَة شخص النَّبِي ﷺ فِي كَذَا على وَجه يجب اتِّبَاعه على الْجَمِيع على مَا يَأْتِي ﷺ فِي كَذَا على وَجه يجب اتِّبَاعه على الْجَمِيع على مَا يَأْتِي ن شَاءَ الله ن شَاءَ الله إشعارا بِأَن تخلفها لَا يتَحَقَّق مَعَه وجود الْإِمَامَة
стр. 47
الْفَاتِحَة الثَّالِثَة عشرَة
إِن جوره لَا يسْقط وجوب الطَّاعَة لَهُ لأمرين أَحدهمَا شَهَادَة ظواهر النُّصُوص وَالْأَحَادِيث بذلك أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عَرَفَة فِي مُخْتَصر هـ الكلامي
قلت كَقَوْلِه تَعَالَى أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْهُم مِنْكُم وَقَوله ﷺ من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله وَمن عَصَانِي فقد عصى الله وَمن يطع الْأَمِير فقد أَطَاعَنِي وَمن يَعْصِي الْأَمِير فقد عَصَانِي
الثَّانِي دلَالَة وجوب دَرْء أعظم الْمَفَاسِد عَلَيْهِ إِذْ لإخفاء أَن مفْسدَة عصيانه تربى على مفْسدَة إعانته بِالطَّاعَةِ لَهُ كَمَا قَالُوا فِي الْجِهَاد مَعَه وَمن ثمَّ قيل عصيان الْأَئِمَّة هدم أَرْكَان الْملَّة
الْفَاتِحَة الرَّابِعَة عشرَة
إِن طَاعَة الْأُمَرَاء بِمَعْصِيَة الله تَعَالَى سَاقِطَة الِامْتِثَال لقَوْله ﷺ على الْمَرْء الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِيمَا أحب أَو كره إِلَّا أَن يَأْمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة قيل وَكَانَ يَقُول أَطِيعُونِي مَا عدلت فِيكُم فَإِن خَالَفت فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَعَن أبي حَازِم أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك قَالَ لَهُ ألستم أمرْتُم بطاعتنا فِي قَوْله تَعَالَى وأولي الْأَمر مِنْكُم فَقَالَ لَهُ أَلَيْسَ يرغب عَنْكُم إِذا حالفتم لقَوْله تَعَالَى فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول
стр. 48
الْفَاتِحَة الْخَامِسَة عشرَة
إِن الصَّبْر عَلَيْهِ إِذا جَار من عزائم الدّين ووصايا الْأَئِمَّة الناصحين لقَوْله ﷺ إِذا رَأَيْتُمْ من ولاتكم شَيْئا تكرهونه فاكرهوا عمله وَلَا تنزعوا يدا من طَاعَته وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ من كره من أميره شَيْئا فليصبر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ من خرج من السُّلْطَان شبْرًا مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة
الْفَاتِحَة السَّادِسَة عشرَة
إِن الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الرّعية مطردَة الْحُصُول فِي كل زمَان وَهُوَ معنى قَوْله كَمَا تَكُونُونَ يُولى عَلَيْكُم قَالَ الطرطوشي لم أزل أسمع النَّاس يَقُولُونَ أَعمالكُم عمالكم كَمَا تَكُونُونَ يولي عَلَيْكُم إِلَى أَن ظَفرت بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نولي بعض الظَّالِمين بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
стр. 49
قَالَ وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي لعَلي بن أبي طَالب ﵁ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا بَال أبي بكر وَعمر أطَاع النَّاس لَهما وَالدُّنْيَا عَلَيْهِمَا أضيق من شبر واتسعت عَلَيْهِمَا وَوليت أَنْت وَعُثْمَان
стр. 50
يَكُونُوا لَكمَا فَصَارَت عَلَيْكُمَا أضيق من شبر فَقَالَ لِأَن رعية أبي بكر وَعمر كَانُوا مثلي وَمثل عُثْمَان ورعيتي الْيَوْم مثلك وشبهك
الْفَاتِحَة السَّابِعَة عشرَة
أَنه مَعَ رَعيته مغبون غير غابن وخاسر غير رابح وَقَررهُ الطرطوشي يعود الإجتهاد عَلَيْهِ فِيمَا يصلحها بِسَبَب الدُّنْيَا وتبعة الْآخِرَة وَهن مَعَ ذَلِك غير راضين عَنهُ وَلَا قانعين مِنْهُ قَالَ وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه لم يرض عَاقل بهَا وَلم يعدها لَبِيب مرتبَة وَعَن ذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ محكما لَهُ فِي كلمة وَاحِدَة مَا لكم ولأمرائي بكم صفوا أَمرهم وَعَلَيْهِم كدره
استظهار
مِمَّا يشْهد لحيلولة قدر الله تَعَالَى بَين الْمَرْء وَقَلبه فِي هَذَا الْمقَام قَول مَالك بن دِينَار قَرَأت فِي بعض الْكتب الْقَدِيمَة يَقُول الله من أَحمَق من السُّلْطَان وَمن أَجْهَل مِمَّن عَصَانِي وَمن أغر مِمَّن إغتر بِي يَا راعي السوء دفعت إِلَيْك غنما صحاحا سمانا فَأكلت اللَّحْم وشربت اللَّبن وائتمدت السّمن ولبست الصُّوف وتركتها عظاما تقَعْقع وَلم ترد الضَّالة وَلم تجبر الكسير الْيَوْم أنتقم لَهَا مِنْك
стр. 51
الْفَاتِحَة الثَّامِنَة عشرَة
إِن للْإِمَامَة من عَظِيم الْخطر مَا يجب أَن يكون من الْخَائِف مِنْهُ على بَال وَلَا كالسؤال عَن عُمُوم الرِّعَايَة بهَا وخصوصها
قَالَ الطرطوشي فِيمَا كتب بِهِ إِلَى السُّلْطَان أبي يَعْقُوب يُوسُف بن تاشفين من مُلُوك المرابطين وَلَقَد بلغ ذَلِك نفوس الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهتدين مبلغا ذهلت لَهُ عُقُولهمْ وطاشت لَهُ أحلامهم فيروى أَن عليا ﵁ قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب ﵁ يعدو على قتب فَقلت إِلَى أَيْن فَقَالَ بعير من إبل الصَّدَقَة فر وَأَنا أطلبه فَقلت لقد أذللت الْخُلَفَاء من بعْدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَا تلمني يَا أَبَا الْحسن فو الَّذِي بعث مُحَمَّد ﷺ بِالنُّبُوَّةِ لَو أَن سخلة ذهبت بشاطئ الْفُرَات لأخذ بهَا عمر يَوْم الْقِيَامَة أَلا خُذ بهَا عمر يَوْم الْقِيَامَة أَلا نه لَا حُرْمَة لوالي ضيع الْمُسلمين
ثمَّ قَالَ يَا أَبَا يَعْقُوب لقد ابْتليت بِأَمْر لَو حَملته السَّمَوَات لانفطرت وَلَو حَملته النُّجُوم لَا نكدت وَلَو حَملته الأَرْض وَالْجِبَال لتزلزلت وتدكدكت إِنَّك حملت الْأَمَانَة الَّتِي عرضت على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا
تَنْزِيل
قَالَ فِي هَذَا الْكتاب مُبينًا لبَعض مَا عَنهُ السُّؤَال وَفِيه أبلغ عظة وَاعْلَم
стр. 52
يَا أَبَا يَعْقُوب أَنه لَا يَزْنِي فرج فِي ولايتك ومدى سلطانك طول عمرك إِلَّا كنت المسؤول عَنهُ والمطالب بِهِ وَالْمُرْتَهن بجريرته وَلَا يشرب فِيهَا نقطة مُسكر إِلَّا وَأَنت المسؤول عَنْهَا وَلَا ينتهك فِيهَا عرض مُسلم إِلَّا وَأَنت المطالب بِهِ وَلَا يتعامل فِيهَا بالربى إِلَّا وَأَنت الْمَأْخُوذ بِهِ وَكَذَا سَائِر الْمَظَالِم وكل حُرْمَة انتهكت من حرمات الله تَعَالَى فعهدتها عَلَيْك لِأَنَّك قَادر على تغييرها فَأَما مَا خَفِي عَلَيْك من ذَلِك فَأَنت المبرأ مِنْهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَاتِحَة التَّاسِعَة عشرَة
أَن لَهَا مَعَ ذَلِك من شرف الْمنزلَة وجزيل الْأجر لذَلِك أَن يغتبط بهَا من فازت بهَا قداحة وَلَقَد قَالَ الطرطوشي لَيْسَ فَوق السُّلْطَان الْعَادِل منزلَة
стр. 53
إِلَّا لنَبِيّ مُرْسل وَملك مقرب وَلأبي مَنْصُور أشرف منَازِل الْآدَمِيّين النُّبُوَّة ثمَّ الْخلَافَة وَيَكْفِي مِمَّا يشْهد لذَلِك أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَنه بِإِجْمَاع أعظم ثَوابًا من سَائِر من عمل لله بِطَاعَة
قَالَ الشَّيْخ عز الدّين أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الولايات من أفضل الطَّاعَات وَأَن الْوُلَاة المقسطين أعظم أجرا وَأجل قدرا من غَيرهم لِكَثْرَة مَا يجْرِي على أَيْديهم من إِقَامَة الْحُدُود ودرء الْبَاطِل قَالَ أحدهم يَقُول الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فَيدْفَع بهَا ألف مظْلمَة فَمَا دونهَا قَالَ فيا لَهُ من كَلَام يسير وَأجر كَبِير
أَنه يوضع فِي مِيزَانه جَمِيع أَعمال رَعيته
نَقله الشَّيْخ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ
قلت وَقَاعِدَة أَن فَاعل السَّبَب بِمَنْزِلَة فَاعل الْمُسَبّب قَاطِعَة بذلك وإليها يُشِير قَوْله ﷺ من دَعَا إِلَى الْهدى كَانَ لَهُ من الْأجر أجر من تبعه لَا ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمَا دَعَا إِلَى ضَلَالَة كَانَ عَلَيْهِ من
стр. 54
الْإِثْم مثل أَنَام من تبعه لَا ينقص ذَلِك من أَثَرهم شَيْئا مَا رَوَاهُ مُسلم أبي هُرَيْرَة ﵁
الْفَاتِحَة الْعشْرُونَ
إِن صَلَاح السُّلْطَان وفساده صَلَاح الرّعية وفسادها فَفِي الحَدِيث صنفان من أمتِي إِذا صلحا صلح النَّاس الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور إِنِّي لأعْلم رجلا إِن صلح صلحت الْأمة وَإِن فسد فَسدتْ الْأمة قَالَ وَمن هُوَ قَالَ أَنْت
стр. 55
قلت وبظهر ذَلِك باعتبارين
أَحدهمَا فِي الدّين فقد قَالُوا النَّاس على دين الْملك فَإِن صلح مِنْهُ بِالْعَدْلِ تعدى الرّعية فلزموا قوانينه انفرادا وَمُخَالفَة وَإِن فَسدتْ مِنْهُ بالجور فشي فيهم ضَرَره كَذَلِك
الثَّانِي فِي الدُّنْيَا فَإِن بصلاحه تفتح فِيهَا بَرَكَات الأَرْض وَالسَّمَاء وبفساده يظْهر نقيض ذَلِك برا وبحرا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس﴾
стр. 56
الْكتاب الأول
فِي حَقِيقَة الْملك والخلافة وَسَائِر أنولع الرياسات وَسبب وجود ذَلِك وَشَرطه
стр. 57
الْبَاب الأول
فِي حَقِيقَة الْملك والخلافة وَسَائِر أَنْوَاع الرياسات
وَفِيه ثَلَاثَة أنظار أَحدهمَا فِي حَقِيقَة الْملك الثَّانِي فِي حَقِيقَة الْخلَافَة الثَّالِث فِي سَائِر أَنْوَاع الرياسات
النّظر الأول فِي حَقِيقَة الْملك
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى تقدم أَن الِاجْتِمَاع الإنساني لابد فِيهِ من وازع عَن الْعدوان الْوَاقِع فِيهِ بِمُقْتَضى الطبيعة البشرية بِمَا يكون لَهُ من سطوة السُّلْطَان وقهره وَتلك الخصوصية الْحَاصِلَة لَهُ بِمَا هُوَ منصب طبيعي للْإنْسَان كَمَا سبقت الْإِشَارَة غليه هِيَ الْملك فِي مَشْهُور المُرَاد بِهِ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَا تتمّ حَقِيقَة هَذَا المنصب إِلَّا لمن بمكن بقهر يَده الَّتِي لَا فَوْقهَا يَد من ظُهُور أثر ذَلِك باستبعاد الرّعية وجباية الموال وَبعث الْبعُوث وحماية الثغور والقاصر عَن ذَلِك نَاقص الْملك بِقدر الْفَائِت مِنْهُ وَله الْوَاقِع صُورَتَانِ
الصُّورَة الأولى فَوَات بعض مَا ذكر وَالْملك بِهِ خداج غير تَامّ
стр. 58
قَالَ ابْن خلدون كَمَا وَقع لكثير من مُلُوك البربر فِي دولة الأغالبة بالقيروان وملوك الْعَجم صدر الدولة العباسية
الصُّورَة الثَّانِيَة فَوت الضَّرْب على سَائِر الْأَيْدِي لقُصُور العصبية عَن استعلاءها على سَائِر العصبيات وَوُجُود من يَده فَوق يَده وَالْملك بذلك ظَاهر نَقصه عَن تَمام حَقِيقَته
قَالَ كأمراء النواحي ورؤساء الْجِهَات الَّذين تجمعهم دولة وَاحِدَة
تَعْرِيف قَالَ وَكَثِيرًا مَا يُوجد هَذَا فِي الدول المتسعة النطاق فيوجد مُلُوك فِي النواحي القاصية يدينون بِطَاعَة الدولة الجامعة لَهُم كصنهاجة مَعَ العبيديين وزناتة مَعَ الأمويين تَارَة وَمَعَ العبيديين أُخْرَى وكملوك الْعَجم فِي دولة بني الْعَبَّاس وأمراء البرابر وملوكهم مَعَ الإفرنجة قبل الْإِسْلَام وكملوك الطوائف من الْفرس مَعَ الْإِسْكَنْدَر وَقَومه اليونانيين وَكثير من هَؤُلَاءِ
قَالَ فَاعْتبر تَجدهُ وَالله القاهر فَوق عباده
النّظر الأول
فِي حَقِيقَة الْخلَافَة
وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى تقدم مَا يدل على أَن المُرَاد بهَا وبالإمامة رَاجع عَن الشَّارِع فِي حفظ الدّين وسياسة الدُّنْيَا ولأئمة الْأُصُول فِي تَحْرِير ذَلِك عِبَارَات أَصَحهَا عِنْد الأمدي وَفرض كَلَامهم فِي لف الْإِمَامَة أَنَّهَا خلَافَة
стр. 59
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة يُسمى الْقَائِم بِهَذَا المنصب خَليفَة لحلفه رَسُول الله ﷺ فِي أمته قَالَه الْمَاوَرْدِيّ أَو الْمَاضِي قبله أَي الْخَلِيفَة الَّذِي كَانَ قبله الْبَغَوِيّ قَالَ الْبَيْضَاوِيّ وإماما تَشْبِيها لَهُ بِإِمَام الصَّلَاة فِي وجوب أَتْبَاعه
شخص النَّبِي ﷺ فِي إِقَامَة الشَّرْع وَحفظ الْملَّة على وَجه يُوجب إتباعه جَمِيع النَّاس
قَالَ ابْن عَرَفَة أنظر هَل يخر ج عَنْهَا إِمَام ذِي فسق وَظَاهر نصوصهم وَالْأَحَادِيث أَنَّهَا فِيهِ إِمَامَة لَا تنقص
قلت تَمام تَقْرِيره عِنْد بَيَان أَن جوره لَا يسْقط وجوب الطَّاعَة لَهُ
قَالَ ولأقرب أَنَّهَا صفة حكمِيَّة توجب امْتِثَال أَمر موصوفها فِي غير مُنكر عُمُوما فَيخرج الْقَضَاء لخصوصه بِإِخْرَاج أَحْكَام الحروب والقضايا وَنَحْوهَا
стр. 60
قَالَ ابْن خلدون وَلِهَذَا يُقَال الْإِمَامَة الْكُبْرَى
قلت وتنشأ هُنَا فروع
أَحدهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ يجوز أَن يُقَال الْخَلِيفَة على الْإِطْلَاق وَخَلِيفَة رَسُول الله ﷺ
الثَّانِي قَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي أَن لَا يُقَال خَليفَة الله بل يُقَال الْخَلِيفَة وَخَلِيفَة رَسُول الله ﷺ وأمير الْمُؤمنِينَ
قلت حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَن الْجُمْهُور قَالَ
وَقد قيل لأبي بكر ﵁ يَا خَليفَة الله قَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله ﷺ
الثَّالِث قَالَ الْبَغَوِيّ لَا باس أَن يُسمى الْقَائِم بِأَمْر الْمُسلمين أَمِير الْمُؤمنِينَ والخليفة وَأَن كَانَ مُخَالفا لسيرة أَئِمَّة الْعدْل لقِيَامه بِأَمْر الْمُؤمنِينَ وَتسمع الْمُؤمنِينَ لَهُ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لبيعة الْخُلَفَاء والملوك مدلولان
أَحدهمَا بِحَسب الْعرف اللّغَوِيّ والمعهود الشَّرْعِيّ وَهُوَ الْعَهْد على الطَّاعَة وذل لأَنهم كَانُوا إِذا عقدوا عهدا لأمير جعلُوا أَيْديهم فِي يَده توكيدا للْعهد لذَلِك فَأشبه فعل البَائِع وَالْمُشْتَرِي فَسُمي بيعَة وَصَارَت مصافحة بِالْأَيْدِي وَمِنْه بيعَة النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْعقبَة وَعند الشَّجَرَة
وَالثَّانِي بِاعْتِبَار الْمَشْهُور لهَذَا الْعَهْد
قَالَ ابْن خلدون وَهِي تَحِيَّة الْمُلُوك الكسروية من تَقْبِيل الأَرْض أَو الْيَد أَو الرجل أَو الذيل أطلق عَلَيْهَا إسم الْبيعَة الَّتِي هِيَ الْعَهْد على الطَّاعَة مجَازًا
стр. 61
لما كَانَ هَذَا الخضوع من لوازمها وَغلب فِيهِ حَتَّى صَار حَقِيقَة عرفية وَاسْتغْنى بهَا عَن مصافحة أَيدي النَّاس لما فِيهَا لكل أحد من الابتذال الْمنَافِي للرياسة فَوق المنصب الملوكي إِلَّا فِي الْأَقَل لقصد تواضع من يَأْخُذ بِهِ نقسه من الْمُلُوك مَعَ خواصه ومشاهير أهل الدّين من الرّعية
تَنْبِيه قَالَ فَافْهَم معنى الْبيعَة فِي الْعرف فَإِنَّهُ أكيد على الْإِنْسَان مَعْرفَته لما يلْزمه من حق سُلْطَانه وإمامه وَلَا تكون أَفعاله عَبَثا ومجانا وَاعْتبر ذَلِك من أفعالك مَعَ الْمُلُوك وَالله الْقوي الْعَزِيز
قلت وَمِمَّا يتَأَكَّد مَعْرفَته مَعَ ذَلِك أَن جَوَاز بعض أَنْوَاع هَذَا الخضوع فِي التَّحِيَّة إِنَّمَا هُوَ لما عرض مِمَّا أوجب عِنْد الِاقْتِصَار على الْبيعَة السّنيَّة تبذلا وَقد قَالَ الْغَزالِيّ إِن الانحناء فِي الْخدمَة مَعْصِيّة إِلَّا عِنْد خوف
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من تَوَابِع نظر الْخلَافَة فِي مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا ولوازم الطَّاعَة لَهُ فِي ذَلِك تَوْلِيَة الْعَهْد لمن يُوفي لَهُ بعد مماته مُبَالغَة فِي النّظر لِلْخلقِ وخروجا عَن عُهْدَة مَا يخْشَى من التَّقْصِير فِي ذَلِك وَقد عهد أَبُو بكر غلى عمر بِمحضر الصَّحَابَة ﵃ وعهد عمر فِي الشورى غلى السِّتَّة المعروفين ﵃ جَمِيعهم وَعمد مَا أوجبوا على أنفسهم طَاعَة الْعَهْد بذلك دلّ على أَنهم أَجمعُوا على جَوَاز النّظر بِهِ أَولا وعَلى انْعِقَاده بعد الْوُقُوع ثَانِيًا
تَنْبِيه إِذا خص الابْن بِولَايَة الْعَهْد وَاقْتضى الْحَال ذَلِك فَلَا تُهْمَة فِيهِ على الإِمَام خلافًا لقوم
قَالَ ابْن خلدون وَأما أَن يكون الْقَصْد بالعهد حفظ التراث على الْآبَاء فَلَيْسَ من الْمَقَاصِد الدِّينِيَّة إِذْ هُوَ أَمر من الله يخْتَص بِهِ من يَشَاء
стр. 62
فَيَنْبَغِي أَن تحسن النِّيَّة فِيهِ مَا أمكن خوفًا من الْعَبَث بالمناصب الدِّينِيَّة وَالْملك لله يوتيه من يَشَاء سُبْحَانَهُ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة تقدم أَن إنقلاب الْخلَافَة إِلَى الْملك لَا بُد مِنْهُ بِحَسب طبيعة الْوُجُود وَبَيَانه الْآن من حَيْثُ سَببه مُتَوَقف على مُقَدمَات
إِن الْملك غَايَة طبيعية للعصبية على مَا يَأْتِي تَقْرِيره إِن شَاءَ الله وَإِذا ذَاك فحصوله عَنْهَا ضَرُورِيّ بِحَسب تَرْتِيب الْوُجُود الِاخْتِيَارِيّ
الثَّانِيَة أَن الشَّرَائِع والديانات وكل أَمر يحمل عَلَيْهِ الْجُمْهُور وَلَا بُد فِيهِ من العصبية كَمَا يَتَّضِح بعد إِن شَاءَ الله وَعَلِيهِ فَهِيَ ضَرُورِيَّة فِي الْملَّة وَإِلَّا لما تمّ أَمر الله بهَا
الثَّالِثَة أَن ذمّ الْملك وَالنَّهْي عَن أَهله فِي الِاسْتِمْتَاع بِالْخِلَافِ والتنكيب عَن صِرَاط الله مصرف لقصد التغلب بِالْبَاطِلِ وتصريف الْخلق طوع الْأَغْرَاض والشهوات وَأما النِّيَّة فِيهِ حمل النَّاس بِهِ على عبَادَة الله وَجِهَاد عدوه لَازم فِيهِ بِوَجْه وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك
الرَّابِعَة إِن ذمّ العصبية والأعلام بِعَدَمِ فائدتها كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لن تنفعكم أَرْحَامكُم وَلَا أَوْلَادكُم﴾ وَقَوله ﷺ إِن الله أذهب عَنْكُم عبِّيَّة الْجَاهِلِيَّة وَفَخْرهَا بِالْآبَاءِ أَنْتُم بَنو آدم وآدَم من تُرَاب المُرَاد بِهِ حَيْثُ تكون على بَاطِل كَمَا كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة وَمَتى أستعين بهَا على إِقَامَة حق فَلَا ذمّ فِيهَا وَإِلَّا لما تمّ ظُهُور ذَلِك
стр. 63
إِذا تقرر هَذَا فالخلافة وَالْملك فِي الدولة الإسلامية مقامات ثَلَاثَة الْمقَام الأول عِنْد وجود الْخلَافَة بِدُونِ الْملك
وَذَلِكَ حِين الْبَرَاءَة مِنْهُ والتنكب على طَرِيقه فِي أول الْأَمر اسْتغْنَاء عَنهُ بوازع الدّين لما كَانُوا عَلَيْهِ من إِيثَار الْحق أَولا وغضاضة البداوة الْمعينَة عَلَيْهِ ثَانِيًا
الْمقَام الثَّانِي بعد اختلاطها وامتزاج الدولة بهما
وَذَلِكَ عِنْد تدرج البداوة إِلَى نهايتها تَجِيء طبيعة الْملك لمقْتَضى العصبية وَحُصُول التغلب ثمَّ انْفِرَاده بالمجد مَعَ تحري مَذَاهِب الدّين والجري على نهج الْحق إِذا التَّغْيِير لم يظْهر إِلَّا الْوَازِع الديني فَقَط
تعْيين تَغْيِير قَالَ ابْن خلدون كَمَا كَانَ الْأَمر لعهد مُعَاوِيَة ﵁ ومروان وَابْنه عبد الْملك والصدر الأول من خلفاء بني الْعَبَّاس إِلَى الرشيد وَبَعض وَلَده
قلت يشْهد لَهُ حَدِيث الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ ثمَّ يكون ملكا
قَالَ عِيَاض فَكَانَت كَذَلِك مُدَّة الْحسن رَضِي الله عَنهُ
стр. 64
الْمقَام الثَّالِث وَهُوَ الانقلاب الْكُلِّي إِلَى الْملك البحت
وَذَلِكَ عِنْد ذهَاب مَعَاني الْخلَافَة مَا عدا اسْمهَا وجريان طبيعة التغلب إِلَى غايتها فِي اسْتِعْمَال أغراضها من الْقَهْر والتحكم فِي الشَّهَوَات والملاذ
قلت يدل عَلَيْهِ حَدِيث أَن هَذَا المر بَدَأَ نبوة وَرَحْمَة وَخِلَافَة ثمَّ يكون ملكا عَضُوضًا ثمَّ يكون عتوا وَجَبْرِيَّة وَفَسَادًا فِي الْأمة
تَعْرِيف قَالَ كَمَا كَانَ المر بخلف بني عبد الْملك وَلم جَاءَ بعد المعتصم والمتوكل من بني الْعَبَّاس
قَالَ وَاسم الْخلَافَة كَانَ بَاقِيا لبَقَاء عصبية الْعَرَب ثمَّ ذهب رسمها وأثرها بذهاب عصبية الْعَرَب وفناء جيلهم وَبَقِي الْأَمر ملكا كَمَا فِي مُلُوك الْعَجم فِي الْمشرق يدينون بِطَاعَة الْخَلِيفَة تبركا وَالْملك بِجَمِيعِ مناحيه لَهُم لاشيء مِنْهُ للخليفة وكما فِي مُلُوك زناتة بالمغرب كصنهاجة مَعَ العبيديين ومغراوة وَبني يفرن مَعَ بني أُميَّة بالأندلس
النّظر الثَّالِث فِي سَائِر أَنْوَاع الرياسات
وَقبل بَيَان ذَلِك فَهُنَا مقدمتان
стр. 65
الْمُقدمَة الأولى أَن الْعمرَان البشري لابد لَهُ من سياسة يَنْتَظِم بهَا أمره لما تقدم أَن الْوَازِع فِيهِ ضَرُورِيّ سَوَاء كَانَ يَزع الْخلق بِمُقْتَضى السياسة الشَّرْعِيَّة أَو الْعَقْلِيَّة وَحِينَئِذٍ فرياسته بذلك إِن لم تَنْتَهِ إِلَى الْملك الْحَقِيقِيّ لفقد شَرطه فَلَا أقل من تمكنه وتمشية مَا يسوس بِهِ من تَحت رياسته وَحِينَئِذٍ يُسمى رَئِيسا
الْمُقدمَة الثَّانِيَة إِن الْملَّة لابد فِيهَا من الْقَائِم بهَا عِنْد غيبَة نبيها يكون فِيهَا كالخليفة عَنهُ فِي حملهمْ على مَا جَاءَ بِهِ من الْأَحْكَام والشرائع وَالْحَاجة مَعَ ذَلِك إِلَى الْوَازِع الْمُسَمّى بِالْملكِ إِنَّمَا هُوَ أما تقدم التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَالْملَّة الإسلامية لما شرع فِيهَا الْجِهَاد لحمل الكافة على إِجَابَة دعوتها الْعَامَّة طَوْعًا أَو كرها فَلَا جرم اتَّخذت فِيهَا الْخلَافَة وَالْملك وَلَا كَذَلِك عيرها من الْملَل فَلذَلِك لَا يَنْبَغِي للقائم فِيهَا بِأَمْر الدّين شَيْء من سياسة الْملك ووجوده فِيهَا مَا هُوَ بِالْعرضِ وَالْأَمر غير ديني إِذا لم يخاطبوا بالتغلب على الْأُمَم كَمَا فِي الْملَّة الإسلامية زَادهَا الله ظهورا إِذا عرفت هَذَا فَتلك الرياسة الْقَائِمَة سياستين نَوْعَانِ بحسبهما
النَّوْع الأول الرياسة الشَّرْعِيَّة
وَمن مَشْهُور الْوَاقِع من ذَلِك مُلَخصا من كَلَام ابْن خلدون رياستان هما للْيَهُود وَهِي رياسة الكوهن وَالْأُخْرَى لِلنَّصَارَى وَهِي رياسة البابا
الرياسة الأولى
رياسة كوهن
وَلَهُم فِيهَا بِاعْتِبَار الِاقْتِصَار عَلَيْهَا والتدرج مَعهَا إِلَى الرياسات الطبيعية ثمَّ الرُّجُوع إِلَيْهَا إِلَى الْآن سِتّ حالات
الْحَالة الأولى أَقَامُوا فِيهَا من بعد مُوسَى ويوشع علنهما السَّلَام نَحْو
стр. 66
أَرْبَعمِائَة سنة لَا يعتنون فِيهَا بِشَيْء من أَمر الْملك اقتصارا على إِقَامَة رَئِيس ذُرِّيَّة هَارُون علنه السَّلَام كَأَنَّهُ خَليفَة مُوسَى ﵇ فِي إِقَامَة الدّين خَاصَّة كَالصَّلَاةِ والقربان ويسمونه الكوهن ثمَّ اخْتَارُوا سبعين شَيخا لإِقَامَة السياسة الطبيعية للبشر فَكَانُوا يتولون تَنْفِيذ أَحْكَامهَا الْعَامَّة والكوهن فَوْقهم بالرتبة الدِّينِيَّة واتصل ذَلِك بهم إِلَى أَن استحكمت طبيعة العصبية وتهيأت الشَّوْكَة للْملك وَهِي
الْحَالة الثَّانِيَة فغلبوا الكنعانيين على الأَرْض الَّتِي أورثهم الله بِبَيْت الْمُقَدّس وَمَا جاوروها كَمَا وعدوا على لِسَان مُوسَى ﵇ ورياستهم رَاجِعَة إِلَى شيوخهم مُدَّة من نَحْو أَرْبَعمِائَة سنة وَلما لم بكم لَهُم صولة ملك ضجروا من مغالبة الْأُمَم فطلبوا على لِسَان شمويل ﵇ أَن يَأْذَن الله تَعَالَى لَهُم فِي تمْلِيك رجل عَلَيْهِم فَكَانَ طالوت وَغلب الْأُمَم وفتل جالوت ثمَّ ملك بعده دَاوُد ثمَّ سُلَيْمَان ﵉ واستعجل ملكه وَهِي الْحَالة الثَّالِثَة فامتد غلى الْحجاز ثمَّ غلى أَطْرَاف الْيمن ثمَّ إِلَى أَطْرَاف بِلَاد الرّوم ثمَّ افترق الأسباط بعد سُلَيْمَان ﵇ إِلَى دولتين أَحدهمَا بالجزيرة والموصل للأسباط الْعشْرَة وَالْأُخْرَى بالقدس والسام لبني يهود وَبَين يَامِين ثمَّ غلبهم بخت نثر ملك بابل على مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم بعد اتِّصَال ملكهم نَحْو ألف سنة وَخرب مَسْجِدهمْ وأحرق توراتهم ونقلهم إِلَى أَصْبَهَان وَالْعراق إِلَى أَن ردهم بعض ملك الْفرس إِلَى بَيت الْمُقَدّس بعد سبعين سنة من خُرُوجهمْ فبنوا الْمَسْجِد وَأَقَامُوا دينهم على الرَّسْم الأول للكهنة فَقَط وَهِي
الْحلَّة الرَّابِعَة وَالْملك حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ للْفرس ثمَّ غلب الْإِسْكَنْدَر واليونانيون على الْفرس وَصَارَ الْيَهُود فِي ملكهم ثمَّ فشل أَمر اليونانيين فاعتز الْيَهُود عَلَيْهِم بالعصبية وقائم مملكتهم الكهنة الَّذين كَانُوا فيهم إِذْ ذَاك وقاتلوا يونان حَتَّى انقرضوا وَهِي
الْحَالة الْخَامِسَة ثمَّ غلبهم الرّوم وَرَجَعُوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَبهَا بَقِيَّة دولتهم فحاصروهم مُدَّة ثمَّ افتتحوها عنْوَة وأفحشوا فِي الْقَتْل وَالْهدم وَالتَّحْرِيق وخربوا بَيت الْمُقَدّس وأجلوهم عَنْهَا غلى رومة وَمَا وَرَاءَهَا وَهُوَ
стр. 67
الخراب الثَّانِي لِلْمَسْجِدِ ويسميه الْيَهُود بالجلوة الْكُبْرَى فَلم يقم لَهُم بعد ذَلِك ملك لفقدان العصبية وبقوا بعد ذَلِك فِي ملكة الرّوم وَمن بعدهمْ والمقيم لدينهم رئيسهم الْمُسَمّى بالكوهن إِلَى الْآن وَهِي
الْحَالة السَّادِسَة لَا أبدلهم الله مِنْهَا وَزَادَهُمْ ذلا وصغارا إِلَى يَوْم الدّين وَقد فعل
الرياسة الثَّانِيَة
رياسة البابا
وَضبط هَذِه اللَّفْظَة بباءين موحدتين من أَسْفَل والنطق بهما مفخما وَالثَّانيَِة مُشَدّدَة وَمَعْنَاهُ أَبُو الْآبَاء وإيجاز التَّوْقِيف على مصيرهم غلى اعْتِمَاد هَذِه الرياسة بتلخيص مَا وَقع لَهُم من الإضراب من لدن رفع عِيسَى ﵇ إِلَى هَذَا الْعَهْد
الإضراب الأول عِنْد افْتِرَاق الحواريين وَدخُول أَكْثَرهم إِلَى بِلَاد الرّوم داعين غلى دين النَّصْرَانِيَّة واستقرار كَبِيرهمْ بنظره برومية دَار ملك القياصرة وكتبهم الأناجيل الْأَرْبَعَة الْمُخْتَلفَة الرِّوَايَة من وَحي وَغَيره واجتماعهم برومة لوضع قوانين الْملَّة النَّصْرَانِيَّة الملتقطة من الْكتب المتضمنة لشرع الْيَهُود وَتلك الأناجيل المتلقاة عَن الْكَاتِبين لَهَا
رَئِيس ملتهم لذَلِك الْعَهْد وَخَلِيفَة الْمَسِيح فيهم الْمُسَمّى بالبطرك وثانية المنعوت لمن بعد مِنْهُ يُسمى بالأسقف وَالْإِمَام الْمُقِيم للصَّلَاة بهم والمفتي لَهُم فبالدين يُسمى بالقسيس والمنقطع لِلْعِبَادَةِ فِي الْخلْوَة وأكثرها فِي الصوامع يُسمى بِالرَّاهِبِ
стр. 68
الِاضْطِرَاب الثَّانِي حِين اخْتِلَاف القياصرة فِي الْأَخْذ بِهَذِهِ الشَّرِيعَة وتعظيم أَهلهَا تَارَة ثمَّ بِتَرْكِهَا والتسلط على أَهلهَا بِالْقَتْلِ فِي وَالنَّفْي أُخْرَى إِلَى أَن جَاءَ قسطنطين الْملك وَأخذ بهَا واستمروا عَلَيْهَا وَرَئِيسهمْ فِي هَذِه الْحَالة صَاحب دينهم كَمَا مر
الِاضْطِرَاب الثَّالِث لما اخْتلف البطارقة والقديسون بعد ذَلِك فِي قَوَاعِد دينهم وعقائده واجتمعوا فِي أَيَّام قسطنطين لتحرير الْحق فِي الدّين وَاتفقَ ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِية عشرَة مِنْهُم على رَأْي وَاحِد فكتبوه وسموه الْأَمَانَة وجعلوه أصلا يرجعُونَ إِلَيْهِ فبقى المر كَذَلِك إِلَى أَن اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي قَوَاعِد الدّين اخْتِلَافا آخر وَهُوَ
الِاضْطِرَاب الرَّابِع وَكَانَت لَهُم مجتمعات فِي تَقْرِيره واتصل فيهم بنيابة الأساقفة عَن البطارقة وَكَانَ الأساقفة يدعونَ البطرك بِالْأَبِ تَعْظِيمًا لَهُ والأسقف يَدعِي حَيْثُ يَنُوب عَن البطرك بِالْأَبِ أَيْضا تَعْظِيمًا لَهُ فأرادوا أَن يميزوا البطرك عَن الأسقف فِي التَّعْظِيم لحُصُول الإشتباه بَينهمَا مُنْذُ أعصار متطاولة فَدَعوهُ البابا وَمَعْنَاهُ أَبُو الْآبَاء فَلم تزل سمته عَلَيْهِ بعد اخْتِصَاصه بكرسي رومة إِلَى الْآن
الِاضْطِرَاب الْخَامِس وَهُوَ اخْتلَافهمْ فِي الْأَعْظَم بعد ذَلِك فِي الدّين وَمَا يعتقدونه فِي الْمَسِيح وصاروا طوائف وفرقا واستظهروا بملوك النَّصْرَانِيَّة كل على صَاحبه غلى أَن اسْتَقَرَّتْ ثَلَاث طوائف هِيَ فرقهم الَّتِي لَا معول لَهُم على غَيرهَا وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية ثمَّ اخْتصّت كل فرقة مِنْهُم ببطرك فبطرك رومة الْمُسَمّى بالبابا على رَأْي الملكانية وملكهم قديم بِتِلْكَ النَّاحِيَة وبطرك المعاهدين بِمصْر على رَأْي اليعقوبية وَهُوَ سَاكن بَينهم والحبشية يدينون بدينهم ولبطرك مصر فيهم أساقفة ينوبون عَنهُ فِي إِقَامَة دينهم هُنَاكَ وإسم البابا مَخْصُوص ببطرك رومة وَلَا يُسمى بِهِ اليعقوبية بطركم
أَعْلَام قَالَ ابْن خلدون وَمن مَذَاهِب البابا عِنْد نَصْرَانِيَّة رومة تحضيضهم على الإنقياد لملك وَاحِد يرجعُونَ إِلَيْهِ اخْتِلَافا واجتماعا تحرجا من افْتِرَاق الْكَلِمَة ويتحرى فِيهِ العصبية الَّتِي لَا فَوْقهَا ليَكُون يَده عالية
стр. 69
على جمعهم ويباشره بِوَضْع التَّاج على رَأسه للتبرك فيسمى المتوج وَالله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء
عاطفة تَكْمِيل
تقدم أَن أَوَائِل النَّصَارَى التقطوا من كتب الْيَهُود مَا كتبوه من الأناجيل وجعلوه اصل دينهم المشرف على شفا جرف هاو وَالشَّيْخ شمس الدّين ابْن الْأَكْفَانِيِّ لخص تِلْكَ الْكتب فَرَأَيْنَا نَقله تكميلا لقصد الإطلاع على مَا وَقع فِي الْوُجُود والأعمال بِالنِّيَّاتِ
قَالَ بعد تَقْرِير أَن الْمَشْهُور من فرقهم ثَلَاث الربانيون والقراؤون والسامريون غير أَن السامرية مِنْهُم نقلوا عَن أَنْبِيَائهمْ تِسْعَة عشر كتابا يضيفونها إِلَى خَمْسَة أسفار من التَّوْرَاة على مَا فِيهَا من التبديل وَالِاخْتِلَاف ويعبرون عَن جُمْلَتهَا بالنبوات
قَالَ وَهِي مَرَاتِب
الْمرتبَة الأولى التَّوْرَاة وَهِي خمس أسفار
أَحدهَا يذكر فِيهَا بَدْء الْخَلِيفَة والتاريخ من آدم إِلَى يُوسُف ﵇
الثَّانِي يذكر فِيهِ اسْتِخْدَام المصريين لبني إِسْرَائِيل وَظُهُور مُوسَى ﵇ وهلاك فِرْعَوْن ويصف قبَّة الزَّمَان وأحوال التيه وَإِقَامَة هَارُون ﵇ ونزول الْعشْر كَلِمَات وَسَمَاع الْقَوْم كَلَام الله تَعَالَى
الثَّالِث يذكر فِيهِ تَعْلِيم القوانين بالإجمال
стр. 70
الرَّابِع يذكر فِيهَا عدد الْقَوْم وَيقسم الأَرْض عَلَيْهِم وأحوال الرُّسُل الَّتِي بعثها مُوسَى ﵇ إِلَى الشَّام وأخبار الْمَنّ والسلوى والغمام
الْخَامِس إِعَادَة أَحْكَام التَّوْرَاة وتفصيل الْمُجْمل وَذكر وَفَاة هَارُون ثمَّ مُوسَى وَخِلَافَة يُوشَع عَلَيْهِم
الْمرتبَة الثَّانِيَة أَرْبَعَة أسفار أَحدهمَا يدعى ليوشع ﵇ يذكر فِيهِ ارْتِفَاع الْمَنّ وأكلهم المَال بعد تَقْدِيم القربان ومحاربة يُوشَع ﵇ الكنعانيين وفتحه الْبِلَاد وتقسيمها بِالْقُرْعَةِ
الثَّانِي يعرف بسفر الْحُكَّام فِيهِ أَخْبَار قُضَاة بني إِسْرَائِيل فِي الْبَيْت الأول
الثَّالِث لشمويل ﵇ فِيهِ نبوته وَملك طالوت وَقتل دَاوُود جالوت
الرَّابِع يعرف بسفر الْمُلُوك فِيهِ أَخْبَار ملك دَاوُود وَسليمَان ﵉ وَغَيرهمَا وانقسام ذَلِك الْملك بَين الأسباط والملاحم والجلاء الأول ومجيء بخْتنصر وحراب بَيت الْمُقَدّس
الْمرتبَة الثَّالِثَة أَرْبَعَة أسفار تَدعِي الْأَخِيرَة
أَحدهمَا لشعياء ﵇ يذكر فِيهِ توبيخ الله تَعَالَى لبني إِسْرَائِيل وإنذارهم بِمَا يَقع وبشرى للصابرين وَأَشَارَ إِلَى خراب الْبَيْت الثَّانِي والخلاص على يَد كورش الْملك
الثَّانِي لأرميا ﵇ خراب الْبَيْت بالتصريح والهبوط إِلَى مصر
الثَّالِث لحزقيال ﵇ يذكر فِيهَا حكما طبيعة وفلكية مرمموزة وشكل بَيت الْمُقَدّس وأخبار يَأْجُوج وَمَأْجُوج
стр. 71
الرَّابِع اثْنَا سعرا فِيهَا إنذارات بزلزال وجراد وَإِشَارَة إِلَى المنتظر والمحشر ونبوة يُونُس ﵇ وغرقه وابتلاع الْحُوت لَهُ وتوبة قومه ونبوة زَكَرِيَّا ﵇ وَإِشَارَة إِلَى الْيَوْم الْعَظِيم وَبشَارَة بورود الْخضر ﵇
الْمرتبَة الرَّابِعَة تدعى الْكتب وَهِي أحد عشر سفرا
أَحدهمَا التَّارِيخ من آدم إِلَى الْبَيْت الثَّانِي وَنسب الأسباط وقبائل الْعَالم
الثَّانِي مَزَامِير دَاوُود ﵇ وعدتها مائَة وَخَمْسُونَ مزمار مَا بَين طلبات وأدعية عَن مُوسَى عيه السَّلَام وَغَيره
الثَّالِث قصَّة أَيُّوب ﵇ وَفِيه مبَاحث كَلَامه
الرَّابِع أَمْثَال حكمِيَّة عَن سُلَيْمَان ﵇
الْخَامِس أَخْبَار الْحُكَّام قبل الْمُلُوك
السَّادِس نشائد عبرانية لِسُلَيْمَان عَليّ السَّلَام مخاطبات بَين النَّفس وَالْعقل
السَّابِع يَدعِي جَامع الْحِكْمَة لِسُلَيْمَان ﵇ فِيهِ الْحَث على طلب اللَّذَّات الْعَقْلِيَّة الْبَاقِيَة وتحقير الجسمية الفانية وتعظيم الله تَعَالَى والتخويف مِنْهُ
قلت لَا يفهم من هَذَا أَن اللَّذَّات الحسية لَا وجود لَهَا فِي الْآخِرَة فَإِن الْملَّة المحمدية على الْآتِي بهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وأزكى التَّحِيَّة قد تكفلت بِصدق الْوَعْد بهَا على وَجه لَا ريب فِيهِ
الثَّامِن يَدعِي النواح لأرمياء ﵇ فِيهِ خمس مقالات على حُرُوف المعجم ندب على الْبَيْت
стр. 72
التَّاسِع فِي ملك ازدشير وَعبد النُّور
الْعَاشِر لدانيال ﵇ فِيهِ تَعْبِير منامات بحتنصر وَولده مرموز على مَا يَقع فِي الممالك وحلل الْبَعْث والنشور
الْحَادِي عشر لعزيز ﵇ فِيهِ صفة عود الْقَوْم من أَرض بابل إِلَى الْبَيْت الثَّانِي وبناءه
قَالَ وينفرد الربانيون بشروح لعوائم التَّوْرَاة وتفريعات عَلَيْهَا ينقلونها عَن مُوسَى ﵇
النَّوْع الثَّانِي
الرياسة غير الشَّرْعِيَّة
إِمَّا لعدم التدين بهَا من أصل أَو الْقيام بهَا من حَيْثُ الْحَاجة إِلَيْهَا طبعا من غير الْتِفَات إِلَى مُوَافقَة قصد الشَّارِع بهَا أَو مُخَالفَته وَإِن صدق بالشريعة وَلَا خَفَاء أَن فرض هَذِه الرياسة إِنَّمَا هُوَ فِيمَا دون الْملك كَمَا تقدم وَلها فِي الْوَاقِع على هَذَا الْفَرْض صور عديدة يَكْفِي مِنْهَا اثْنَتَانِ
الصُّورَة الأولى انْفِرَاد وَاحِد بِنَوْع من التغلب بسياسة من غلب عَلَيْهِ لينتظم عمرانها برعايتها جلبا ودفعا وَلَا يخفي موقعه فِي الْوُجُود قَدِيما وحديثا
الصُّورَة الثَّانِيَة إِقَامَة جمَاعَة من مشيخة المرؤوس عَلَيْهِم لينهضوا بتدبير أَمرهم وَإِقَامَة مصالحهم وَقد تقدم مثله لبني إِسْرَائِيل قبل وجود العصبية الحاملة على التغلب الَّذِي غَايَته الْملك الَّذِي بلغوه بعد وأمثالهم فِي ذَلِك من سَائِر الْأُمَم وَللَّه الْعَلِيم الْحَكِيم
стр. 73
الْبَاب الثَّانِي
فِي سَبَب وجود الْملك وَشَرطه
وَالنَّظَر فِي طرف سَبَب وجوده وَشَرطه وَمَا يقْضِي إِلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ الْحَرْب والقتال
الطّرف الأول فِي سَبَب وجود ذَلِك
قد سبق تَقْرِير أَن الِاجْتِمَاع الطبيعي للبشر لَا بُد فِيهِ من وازع وَهُوَ السُّلْطَان الْقَائِم بقهر ملكه عَن مَحْذُور مَا يعرض فِيهِ من الشرور الطبيعية لوُجُوده وَظَاهر من توقع هَذَا الْمَحْذُور أَنه سَبَب كَاف فِي وجود الْملك من تِلْكَ الْجِهَة وَالْغَرَض الْآن تنزل الْبَيَان لبَعض الحكم الْمُشْتَمل عَلَيْهَا بِحَسب الْحَاجة إِلَيْهِ على الْإِطْلَاق مُنْضَمًّا لما سبق من ذَلِك تمهيدا وتأصيلا وَالْمَذْكُور مِنْهَا عشر حكم
الْحِكْمَة الأولى ذَلِك السَّبَب الَّذِي تقدم ولظهور الْعِنَايَة بِهِ أُشير إِلَيْهِ عَن طَرِيق التَّعْرِيف بهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ على بعض محتملاته وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى يدْفع بِوَضْع الشَّرَائِع وَنصب الْمُلُوك أَنْوَاع الشرور والمفاسد
قَالَ الإِمَام فَخر الدّين وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى وَلَوْلَا دفع الله النَّاس
стр. 74
بَعضهم بِبَعْض لهدمت صوامع وَبيع وصلوات ومساجد يذكر فِيهَا اسْم الله كثيرا)
الْحِكْمَة الثَّانِيَة أَن السُّلْطَان المستقل بِهِ من حجج الله تَعَالَى وعَلى وجوده وبينات الدّلَالَة على توحيده لِأَن عدم استقامة الْعَالم بِغَيْر مُدبر شَاهد بِأَن اختراعه على أفضل وُجُوه الْعِنَايَة بِهِ لَا يَصح إِسْنَاده لغير شَيْء بل لابد من الْإِقْرَار بفاطره الْحَكِيم واستحالة صَلَاح الْبَلَد الْوَاحِد بِنصب سلطانين دَلِيل على أَن الْعَالم لَا يصلح بِوُجُود الِاثْنَيْنِ ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾
قَالَ الطرطوشي والعالم بأسره فِي سُلْطَان الله كالبلد الْوَاحِد فِي سُلْطَان الأَرْض قَالَ وَلِهَذَا قَالَ عَليّ ﵁ أَمْرَانِ جليلان لَا يصلح أَحدهمَا إِلَّا بالتفرد وَلَا يصلح الآخر إِلَّا بالمشاركة وهما الْملك والرأي فَكَمَا لَا يَسْتَقِيم الْملك بِالشّركَةِ لَا يَسْتَقِيم الرَّأْي بالتفرد
الْحِكْمَة الثَّالِثَة إِنَّه يتنزل من الدّين منزلَة الْأَخ الْمعِين والعماد الرافع لفسطاطه فقديما قيل الدّين وَالسُّلْطَان توأمان وَعَن أزدشير أَنه قَالَ لِابْنِهِ
стр. 75
يَا بني إِن الْملك وَالدّين أَخَوان لَا غنى لأَحَدهمَا عَن الآخر فالدين أس وَالْملك حارس وَمَا لم يكن لَهُ أسس فمهدوم وَمَا لم يكن لَهُ حارس فضائع وَعَن كَعْب مثل الْإِسْلَام وَالسُّلْطَان وَالنَّاس مثل الْفسْطَاط والعمود والأوتاد والأطناب
فالفسطاط الْإِسْلَام والعمود السُّلْطَان والأطناب والأوتاد وَالنَّاس لَا يصلح بَعضهم إِلَّا بِبَعْض قَالَ
قَالَ الشَّاعِر
(لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم ... وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا)
(وَالْبَيْت لَا يبتني إِلَّا على عمد ... وَلَا عماد إِذا لم ترس أوتاد)
(فَأن تجمع أوتاد وأعمدة ... يَوْمًا فقد بلغُوا الْأَمر الَّذِي كَادُوا)
الْحِكْمَة الرَّابِعَة إِنَّه يدْفع بتخويفه وتهديده مَالا يدْفع بِالْقُرْآنِ بتكرار وعظه وترديده فِي الحَدِيث إِن الله ليزع بالسلطان مَالا يَزع بِالْقُرْآنِ
وَقَالَ الطرطوشي مَعْنَاهُ ليدفع
следующие страницы →