← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الرَّابِع اثْنَا سعرا فِيهَا إنذارات بزلزال وجراد وَإِشَارَة إِلَى المنتظر والمحشر ونبوة يُونُس ﵇ وغرقه وابتلاع الْحُوت لَهُ وتوبة قومه ونبوة زَكَرِيَّا ﵇ وَإِشَارَة إِلَى الْيَوْم الْعَظِيم وَبشَارَة بورود الْخضر ﵇ الْمرتبَة الرَّابِعَة تدعى الْكتب وَهِي أحد عشر سفرا أَحدهمَا التَّارِيخ من آدم إِلَى الْبَيْت الثَّانِي وَنسب الأسباط وقبائل الْعَالم الثَّانِي مَزَامِير دَاوُود ﵇ وعدتها مائَة وَخَمْسُونَ مزمار مَا بَين طلبات وأدعية عَن مُوسَى عيه السَّلَام وَغَيره الثَّالِث قصَّة أَيُّوب ﵇ وَفِيه مبَاحث كَلَامه الرَّابِع أَمْثَال حكمِيَّة عَن سُلَيْمَان ﵇ الْخَامِس أَخْبَار الْحُكَّام قبل الْمُلُوك السَّادِس نشائد عبرانية لِسُلَيْمَان عَليّ السَّلَام مخاطبات بَين النَّفس وَالْعقل السَّابِع يَدعِي جَامع الْحِكْمَة لِسُلَيْمَان ﵇ فِيهِ الْحَث على طلب اللَّذَّات الْعَقْلِيَّة الْبَاقِيَة وتحقير الجسمية الفانية وتعظيم الله تَعَالَى والتخويف مِنْهُ قلت لَا يفهم من هَذَا أَن اللَّذَّات الحسية لَا وجود لَهَا فِي الْآخِرَة فَإِن الْملَّة المحمدية على الْآتِي بهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وأزكى التَّحِيَّة قد تكفلت بِصدق الْوَعْد بهَا على وَجه لَا ريب فِيهِ الثَّامِن يَدعِي النواح لأرمياء ﵇ فِيهِ خمس مقالات على حُرُوف المعجم ندب على الْبَيْت

стр. 72

التَّاسِع فِي ملك ازدشير وَعبد النُّور الْعَاشِر لدانيال ﵇ فِيهِ تَعْبِير منامات بحتنصر وَولده مرموز على مَا يَقع فِي الممالك وحلل الْبَعْث والنشور الْحَادِي عشر لعزيز ﵇ فِيهِ صفة عود الْقَوْم من أَرض بابل إِلَى الْبَيْت الثَّانِي وبناءه قَالَ وينفرد الربانيون بشروح لعوائم التَّوْرَاة وتفريعات عَلَيْهَا ينقلونها عَن مُوسَى ﵇ النَّوْع الثَّانِي الرياسة غير الشَّرْعِيَّة إِمَّا لعدم التدين بهَا من أصل أَو الْقيام بهَا من حَيْثُ الْحَاجة إِلَيْهَا طبعا من غير الْتِفَات إِلَى مُوَافقَة قصد الشَّارِع بهَا أَو مُخَالفَته وَإِن صدق بالشريعة وَلَا خَفَاء أَن فرض هَذِه الرياسة إِنَّمَا هُوَ فِيمَا دون الْملك كَمَا تقدم وَلها فِي الْوَاقِع على هَذَا الْفَرْض صور عديدة يَكْفِي مِنْهَا اثْنَتَانِ الصُّورَة الأولى انْفِرَاد وَاحِد بِنَوْع من التغلب بسياسة من غلب عَلَيْهِ لينتظم عمرانها برعايتها جلبا ودفعا وَلَا يخفي موقعه فِي الْوُجُود قَدِيما وحديثا الصُّورَة الثَّانِيَة إِقَامَة جمَاعَة من مشيخة المرؤوس عَلَيْهِم لينهضوا بتدبير أَمرهم وَإِقَامَة مصالحهم وَقد تقدم مثله لبني إِسْرَائِيل قبل وجود العصبية الحاملة على التغلب الَّذِي غَايَته الْملك الَّذِي بلغوه بعد وأمثالهم فِي ذَلِك من سَائِر الْأُمَم وَللَّه الْعَلِيم الْحَكِيم

стр. 73

الْبَاب الثَّانِي فِي سَبَب وجود الْملك وَشَرطه وَالنَّظَر فِي طرف سَبَب وجوده وَشَرطه وَمَا يقْضِي إِلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ الْحَرْب والقتال الطّرف الأول فِي سَبَب وجود ذَلِك قد سبق تَقْرِير أَن الِاجْتِمَاع الطبيعي للبشر لَا بُد فِيهِ من وازع وَهُوَ السُّلْطَان الْقَائِم بقهر ملكه عَن مَحْذُور مَا يعرض فِيهِ من الشرور الطبيعية لوُجُوده وَظَاهر من توقع هَذَا الْمَحْذُور أَنه سَبَب كَاف فِي وجود الْملك من تِلْكَ الْجِهَة وَالْغَرَض الْآن تنزل الْبَيَان لبَعض الحكم الْمُشْتَمل عَلَيْهَا بِحَسب الْحَاجة إِلَيْهِ على الْإِطْلَاق مُنْضَمًّا لما سبق من ذَلِك تمهيدا وتأصيلا وَالْمَذْكُور مِنْهَا عشر حكم الْحِكْمَة الأولى ذَلِك السَّبَب الَّذِي تقدم ولظهور الْعِنَايَة بِهِ أُشير إِلَيْهِ عَن طَرِيق التَّعْرِيف بهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ على بعض محتملاته وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى يدْفع بِوَضْع الشَّرَائِع وَنصب الْمُلُوك أَنْوَاع الشرور والمفاسد قَالَ الإِمَام فَخر الدّين وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى وَلَوْلَا دفع الله النَّاس

стр. 74

بَعضهم بِبَعْض لهدمت صوامع وَبيع وصلوات ومساجد يذكر فِيهَا اسْم الله كثيرا) الْحِكْمَة الثَّانِيَة أَن السُّلْطَان المستقل بِهِ من حجج الله تَعَالَى وعَلى وجوده وبينات الدّلَالَة على توحيده لِأَن عدم استقامة الْعَالم بِغَيْر مُدبر شَاهد بِأَن اختراعه على أفضل وُجُوه الْعِنَايَة بِهِ لَا يَصح إِسْنَاده لغير شَيْء بل لابد من الْإِقْرَار بفاطره الْحَكِيم واستحالة صَلَاح الْبَلَد الْوَاحِد بِنصب سلطانين دَلِيل على أَن الْعَالم لَا يصلح بِوُجُود الِاثْنَيْنِ ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ قَالَ الطرطوشي والعالم بأسره فِي سُلْطَان الله كالبلد الْوَاحِد فِي سُلْطَان الأَرْض قَالَ وَلِهَذَا قَالَ عَليّ ﵁ أَمْرَانِ جليلان لَا يصلح أَحدهمَا إِلَّا بالتفرد وَلَا يصلح الآخر إِلَّا بالمشاركة وهما الْملك والرأي فَكَمَا لَا يَسْتَقِيم الْملك بِالشّركَةِ لَا يَسْتَقِيم الرَّأْي بالتفرد الْحِكْمَة الثَّالِثَة إِنَّه يتنزل من الدّين منزلَة الْأَخ الْمعِين والعماد الرافع لفسطاطه فقديما قيل الدّين وَالسُّلْطَان توأمان وَعَن أزدشير أَنه قَالَ لِابْنِهِ

стр. 75

يَا بني إِن الْملك وَالدّين أَخَوان لَا غنى لأَحَدهمَا عَن الآخر فالدين أس وَالْملك حارس وَمَا لم يكن لَهُ أسس فمهدوم وَمَا لم يكن لَهُ حارس فضائع وَعَن كَعْب مثل الْإِسْلَام وَالسُّلْطَان وَالنَّاس مثل الْفسْطَاط والعمود والأوتاد والأطناب فالفسطاط الْإِسْلَام والعمود السُّلْطَان والأطناب والأوتاد وَالنَّاس لَا يصلح بَعضهم إِلَّا بِبَعْض قَالَ قَالَ الشَّاعِر (لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم ... وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا) (وَالْبَيْت لَا يبتني إِلَّا على عمد ... وَلَا عماد إِذا لم ترس أوتاد) (فَأن تجمع أوتاد وأعمدة ... يَوْمًا فقد بلغُوا الْأَمر الَّذِي كَادُوا) الْحِكْمَة الرَّابِعَة إِنَّه يدْفع بتخويفه وتهديده مَالا يدْفع بِالْقُرْآنِ بتكرار وعظه وترديده فِي الحَدِيث إِن الله ليزع بالسلطان مَالا يَزع بِالْقُرْآنِ وَقَالَ الطرطوشي مَعْنَاهُ ليدفع

стр. 76

قلت وَذَلِكَ لما فِي الطباع البشرية من الْعدوان والاستعصاء عَن الطَّاعَة وَمن ثمَّ قَالَ ابْن الْمُبَارك (إِن الْجَمَاعَة حَبل الله فَاعْتَصمُوا ... بعروته الوثقى لمن دانا) (كم يدْفع الله بالسلطان مظْلمَة ... فِي ديننَا رَحْمَة مِنْهُ ودنيانا) (لَوْلَا الْخَلِيفَة لم تأمن لنا سبل ... وَكَانَ أضعفنا نهبا لأقوانا) الْحِكْمَة الْخَامِسَة أَنه ينْدَفع بِهِ ضَرَر مَا يفوت بِتَقْدِير فَقده من حَاجَة الْخلق لتنفيذ الْأَحْكَام وَإِقَامَة الصَّلَوَات وجباية الْخراج وَنصب الْقُضَاة وحماية الْبَيْضَة وسد الثغور وتجهيز الجيوش وَقسم الْغَنَائِم وَبعث السعاة والولاة وإنصاف الْمَظْلُوم وَالظَّاهِر إِن دفع الضَّرَر عَن النَّفس وَاجِب بِإِجْمَاع الْأَنْبِيَاء وَالرسل وبصريح الْعقل عِنْد الْقَائِلين بتحسينه وتقبيحه وَحِينَئِذٍ فنصبه وَاجِب تحصيلا لهَذِهِ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَهِي طَريقَة غير وَاحِد فِي تَقْرِير هَذَا الْوُجُوب اعْتِبَارا كَالْإِمَامِ فَخر الدّين والأمدي والبيضاوي فِي آخَرين

стр. 77

لَكِن قررناها على مُقْتَضى تَقْرِير ابْن التلمساني فِيهَا الْحِكْمَة السَّادِسَة إِنَّه لَا يتم قصد الشَّارِع فِي وَضعه الشَّرِيعَة لصلاح الْعباد عَاجلا وآجلا حَسْبَمَا خلص برهانه فِي علم الْكَلَام إِلَّا بنصبه وَقَررهُ الأمدي بِأَن عدم انقياد النَّاس لما جبلوا عَلَيْهِ من اخْتِلَاف الْأَهْوَاء يفوت عَلَيْهِم مُوَافقَة ذَلِك الْقَصْد مَعَ وُقُوع الْفِتَن باخْتلَاف الْكَلِمَة عِنْد موت الْأَئِمَّة إِلَى نصب إِمَام آخر بِحَيْثُ لَو تَأَخَّرت إِقَامَته وَبَطل المعاش وَصَارَ كل مَشْغُول بِنَفسِهِ تَحت قَائِم يتبعهُ وَذَلِكَ مفض إِلَى الْهَلَاك لَا محَال قَالَ فَإِذا نصب الإِمَام من أهم مصَالح الْمُسلمين وَأعظم مقامات الدّين وَهُوَ حِكْمَة الْإِيجَاب السمعي انْتهى مُلَخصا الْحِكْمَة السَّابِعَة إِنَّه يحرس الدّين من مَحْذُور تبديله وتغييره فقد تقدم عَن أزدشير أَن الدّين أس وَالسُّلْطَان حارس وَقَررهُ الْمَاوَرْدِيّ بِمَا هُوَ حَاصله أَنه مَا من دين زَالَ سُلْطَانه إِلَّا بدلت أَحْكَامه وغيرت سنته كَمَا أَن السُّلْطَان إِذا عرى عَن الدّين كَانَ السُّلْطَان قهر ومفسد دهر قَالَ وَمن هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَجَبت إِقَامَته ليحرس الدّين وَيجْرِي على سنته قلت وعَلى مَا سبق عَن ابْن خلدون إِن الدّين الَّذِي لم تتَّخذ فِيهِ الْخلَافَة وَالْملك مَا عدى دين الْإِسْلَام لَا يجْرِي فِي هَذَا التَّقْرِير على حسب المُرَاد بِهِ نعم يتمشى فِيهِ من حَيْثُ الأولى لَا الْوُجُوب نقلا أَو عقلا الْحِكْمَة الثَّامِنَة أَنه الْعدة الْعُظْمَى لرفع مَا يتَوَقَّع من الْفِتَن المبيرة والافتراق المفضي لفساد النظام بِتَقْدِير أَن يكون غَيره هُوَ المتصدي

стр. 78

لضم نشر الْأمة وَجمع كلمتها بعد وُقُوع ذَلِك وللقرافي فِيهِ تَقْرِير بَالغ حَاصِلَة أَن النظام لَا يسْتَمر إِلَّا بِمَا ترصد بِعَين الكلاءة لمبادئ الْفِتَن ليتبادر إِلَى إطفاء نارها قبل تصدي الطغام لذَلِك فتختلف الْأَهْوَاء وَيبقى النَّاس فوضى مهملين وَذَلِكَ مفض إِلَى اسْتِيلَاء الأراذل على الأفاضل وامتداد الْأَيْدِي العادية إِلَى الْفروج وَالْأَمْوَال وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من حل عصم الدّين وَالدُّنْيَا قَالَ فيتبين من هَذَا المنظر الْبَصِير أَن الإِمَام ضَرُورِيّ لِلْخلقِ وَأَنَّهُمْ لَا غنية لَهُم عَنهُ فِي دفع الْبَاطِل وَتَقْرِير الْحق انْتهى مُلَخصا الْحِكْمَة التَّاسِعَة إِنَّه فِي الأَرْض الظل الظليل والدواء الذب تحفظ بِهِ الصِّحَّة ويشفى بِهِ العليل وَهُوَ معنى قَوْله ﷺ السُّلْطَان ظلّ الله فِي الأَرْض يأوي إِلَيْهِ كل مظلوم ثمَّ من كَمَال هَذِه الْحِكْمَة من حَيْثُ هِيَ نعْمَة تعم الظَّالِم والمظلوم فالظالم تكفه عَن الظُّلم والمظلوم بأمنه وكف الظَّالِم عَنهُ وَلَو فقد هَذَا لَكَانَ مثلهم كَمَا قَالَ الطرطوشي كَمثل الْحُوت فِي المَاء يبتلع الْكَبِير وَالصَّغِير قَالَ وَلِهَذَا قَالَ بعض القدماء لَو رفع السُّلْطَان من الأَرْض مَا كَانَ لَهُ تَعَالَى فِي أهل الأَرْض من حَاجَة الْحِكْمَة الْعَاشِرَة إِنَّه الْكَفِيل بتنجيز مَا ورد بِهِ الْوَعْد الصَّادِق من ظُهُور دين الْحق على الدّين كُله وبلوغ ملك الْأمة بِهِ مازوي للنَّبِي ﷺ من مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا إِذْ لإخفاء أَن مَا وَقع من ذَلِك أَو يَقع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يَسْتَدْعِي نصب لإِقَامَة مَا تتمّ بِهِ مُطَالبَة ذَلِك وَمن ثمَّ لما أَمر بَنو إِسْرَائِيل بِقِتَال من غلبهم على الدّين طلبُوا ملكا يَتَيَسَّر بِهِ بُلُوغ ذَلِك المرام قَالَ تَعَالَى ألم ترى إِلَى الْمَلأ من بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى إِذْ قَالُوا

стр. 79

لنبيهم ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله) ثمَّ قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا بإجابة مَا سَأَلُوا من ذَلِك ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ تَعْرِيف ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله ثمَّ قَالَ تَعَالَى أَخْبَارًا بإجابة مَا سَأَلُوا من ذَلِك وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن الله قد بعث لكم طالوت ملكا تَعْرِيف ذكر المؤرخون أَن أول ملك وضع فِي الأَرْض كيومرث ابْن آدم ﵇ فَسَارُوا إِلَيْهِ وعرفوه حَاجتهم إِلَى ملك قيم وَقَالُوا لَهُ أَنْت أكبرنا وأشرفنا وَبَقِيَّة أَبينَا وَلَيْسَ فِي الْعَصْر من يوازيك فاضم أمرنَا إِلَيْك وَكن الْقَائِم فِينَا فإننا سَمعك وطاعتك والقائلون بِمَا ترَاهُ فأجابهم إِلَى مَا دَعوه إِلَيْهِ واستوثق مِنْهُم توكيد العهود والمواثق على السّمع لوالطاعة وَترك الْخلاف عَلَيْهِ فَلَمَّا وضع التَّاج على رَأسه قَالَ ان النِّعْمَة اتدوم إِلَى بالشكر وَأَنا احْمَد الله على أياديه ونشكره على نعْمَته ونرغب الله فِي مزيده ونسأله المعونة على مَا دفعنَا إِلَيْهِ وَحسن الْهِدَايَة إِلَى الْعقل الَّذِي يجمع الْعقل الَّذِي يجمع الشمل ويصفي الْعَيْش فثقوا بِالْعَدْلِ منا وأنصفونا من أَنفسكُم نوردكم أفضل مَا هممكم وَالسَّلَام الطّرف الثَّانِي فِي شَرط وجوب الْملك وَهِي العصبية أَو مَا يقوم مقَامهَا وَفِيه لبَيَان ذَلِك وَمَا يلْحق بِهِ مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى إِن الْملك والدولة الْعَامَّة إِنَّمَا تحصل بالعصبية والشوكة وَقد يعبر عَنْهَا بالجند حَيْثُ يقوم مقَامهَا وَذَلِكَ لِأَن حُصُول الْملك أَولا

стр. 80

مُتَوَقف على التغلب عَلَيْهِ بقهر من ينافس فِيهِ لشرف منصبه واشتماله على الملاذ الْبَدَنِيَّة والنفسانية كَمَا قَالَ وَالْملك بعد أبي ليلى لمن غلبا والتغلب من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك مُتَوَقف على العصبية لما فِيهَا من النعرة الحاملة على التعاضد والتناحر لَا محَالة لِأَن شَأْن كل أَمر لايتم حمل النَّاس عَلَيْهِ إِلَّا بِالسَّيْفِ والسنان لما فِي طباعهم من استعصاء وصعوبة الانقياد كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ تَنْبِيه قَالَ ابْن خلدون وَهَذَا الْأَمر بعيد عَن إفهام الْجُمْهُور لنسيانهم عهد تمهيد الدول أَولا فَلَا يعْرفُونَ مَا فعل الله أول الدولة وَمَا لَقِي أَوَّلهمْ من المتاعب قَالَ وخصوصا أهل الأندلس فِي نِسْيَان هَذِه العصبية لطول الأمد واستغنائهم فِي الْغَالِب عَن قوتها لتلاشي وطنهم وخلوه عَن العصائب وَالله قَادر على مَا يَشَاء قلت وَذكر فِي مَوضِع آخر إِن أول قَائِم بِأَمْر الْمُسلمين من هَؤُلَاءِ الْمُلُوك النصريين أَيّدهُم الله ونصرهم وَهُوَ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر قدس الله روحه لم يحْتَج لكثر من عِصَابَة قَليلَة من قرَابَة المسمين بالرؤساء لقلَّة العصائب بالأندلس وَإِنَّهَا سُلْطَان ورعية فَلَا يظنّ بِهِ خلاف ذَلِك وَالله غَنِي عَن الْعَالمين انْتهى المُرَاد مِنْهُ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن الْغَايَة الَّتِي تجْرِي إِلَيْهَا العصبية هِيَ الْملك لِأَن صَاحبهَا إِذا بلغ رُتْبَة الرياسة الَّتِي يصير بهَا متبوعا لَا غير وَأمكنهُ الترقي إِلَى مَا وَرَاء ذَلِك من الْقَهْر والتغلب فَإِنَّهُ يترامى إِلَيْهِ بأقصى جهده تكميلا لمطلوب النَّفس مِنْهُ وتحصيلا لغاية مَا تجْرِي إِلَيْهِ العصبية الْقَاهِرَة وَهُوَ الْملك الَّذِي بِهِ كَمَال الْقَهْر والتغلب

стр. 81

قلت من لَهُ همة علية يطْلب بعده مَا وَرَاء ذَلِك من الْملك الْكَبِير فِي الدَّار الْآخِرَة قَالَ عمر ابْن عبد الْعَزِيز ﵁ كَانَت لي نفس تواقة تاقت إِلَى الْإِمَارَة فَلَمَّا بلغتهَا تاقت إِلَى الْخلَافَة فَلَمَّا بلغتهَا تاقت إِلَى الْجنَّة الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِن الدولة إِذا تمهدت قد تَسْتَغْنِي عَن العصبية وسر ذَلِك أَن الدول الْعَامَّة فِي ابتدائها يصعب الانقياد لَهَا لغرابتها إِلَّا بتغلب قوى فَإِذا اسْتَقَرَّتْ رياستها فِي أهل النّصاب الْمَخْصُوص بِالْملكِ واستحكمت لَهُم صبغتها فَلَا يحْتَاج إِذْ ذَاك إِلَى كَبِير عِصَابَة وَيَكْفِي الِاسْتِظْهَار عَلَيْهَا أما بِالْمَوَالِي والمصطنعين أَو بالعصائب الخارجين عَن نَسَبهَا الداخلين فِي وليتها تَمْثِيل من مَشْهُور الدول الْوَاقِع فِيهَا ذَلِك مَا يذكر الدولة الأولى دولة بني الْعَبَّاس لما فَسدتْ عصبيتها فِي أَيَّام المعتصم وَابْنه الواثق واستظهروا بعد ذَلِك بِالْمَوَالِي من الْعَجم وَالتّرْك والديلم والسلجوقية وَغَيرهم إِلَى أَن تغلب الْعَجم على النواحي وتقلص ظلّ الدولة فَلم تعد أَعمال بَغْدَاد حَتَّى زحف إِلَيْهَا الديلم وملكوها وَصَارَ الخلائف فِي ملكهم إِلَى أَن ملك السلجوقية من بعدهمْ والخلائف كَذَلِك فِي حكمهم إِلَى أَن جَاءَ التتر فمحوا رسوم الدولة ونسخوها

стр. 82

الدولة الثَّانِيَة دولة صنهاجة بالمغرب فَسدتْ عصبيتهم مُنْذُ الْمِائَة الْخَامِسَة أَو مَا قبلهَا واستمرت لَهُم الدولة متقلصة الظل بالمهدية وبجاية والقلعة وَسَائِر ثغور إفريقية إِلَى أَن جَاءَ الموحدون أولو العصبية القوية فِي المصامدة فمحوا آثَارهم الدولة الثَّالِثَة دولة الأموية بالأندلس لما فَسدتْ عصبيتها استولى عَلَيْهَا مُلُوك الطوائف واقتسموا خطتها أنتزى كل على مَا كَانَ بِيَدِهِ وشمخ بأنفة وبلغهم شَأْن الْعَجم فِي الدولة العباسية فتلقبوا بألقاب الْملك ولبسوا شارته وأمنوا من تَغْيِير ذَلِك عَلَيْهِم لفقد الْقَائِم بِهِ فِي الأندلس إِذْ لَيْسَ بدار عصائب وَلَا قبائل فاستظهروا بِالْمَوَالِي والمصطنعين والطراء عَلَيْهِم من قبائل العدوة إقتداء بالدولة فِي آخر أمرهَا بالاستظهار بهم لما ضعفت عصبية الْعَرَب واستبد ابْن أبي عَامر على الدولة فَكَانَ لَهُم دوَل عَظِيمَة وحظ كَبِير من الْملك على نِسْبَة الدولة الْقَدِيمَة المقسمة إِلَى أَن دخل إِلَيْهِم المرابطون ذَوُو العصبية القوية فِي لمتونة فاستزلوهم ومحوا آثَارهم وَلم يقدروا على مدافعتهم لفقدان العصبية لديهم تَنْبِيه على وهم قَالَ ابْن خلدون وَقد ظن الطرطوشي إِن حامية الدول بإطلاقهم الْجند المرتزقون وَلَا يتناولون كَلَامه تأسيس الدول أَولا بل مَا تمهد مِنْهَا أخيرا باستقرار الْملك فِي نصابه واستحكام الصبغة لأَهله قَالَ ابْن خلدون فالرجل إِنَّمَا أدْرك الدولة عِنْدهَا هرمها ومصيرها إِلَى

стр. 83

الِاسْتِعَانَة بالإجراء المرتزقة والاستظهار بِالْمَوَالِي والصنائع لفساد العصبية من الْعَرَب وهلاكهم مُنْذُ ثَلَاثمِائَة سنة لعهد الَّذِي كَانَ فِي ايالته وَهُوَ المستعين بن هود وَابْنه المظفر فَلم ير إِلَّا سُلْطَانا مستبدا بِالْملكِ عَن عشائره لَا يُنَازع فِيهِ لاستحكام صبغة الاستبداد واستعانته بالمرتزقة فَأطلق القَوْل وَلم يتفطن لكيفية الْأَمر فِي أول الدولة وَأَنه لَا يتم إِلَّا بالعصبية فتظن أَنْت لَهُ وافهم سر الله فِيهِ وَالله يوتي ملكه من يَشَاء الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن بعض أهل النّصاب الملكي قد تحدث لَهُم دولة بِغَيْر عصبية اسْتغْنَاء عَنْهَا لَكِن بِشَرْطَيْنِ أَن يكون لعصبيته غلب كثير على المم والأجيال وَأَن يكون فِي نفوس القائمين بأَمْره من أهل القاصية إذعان إِلَيْهِ وانقياد فَمَتَى نزع إِلَيْهِم هَذَا الْخَارِج مستبدا عَن مقرّ ملكه ومستتب عزه استملوا عَلَيْهِ وَقَامُوا بأَمْره رَجَاء استقراره فِي نصابه لما استحكم لَهُ ولقومه من صبغة الْملك الظَّاهِر فِي الأَرْض والمستقر لَهُم من عقيدة الْيَمَان بِوُجُوب الطَّاعَة لَهُم تَمْثِيل قَالَ كَمَا اتّفق للإدارسة بالمغرب الْأَقْصَى والعبيديون بإفريقية

стр. 84

ومصر فَقَامَ بأمرهم البرابرة واقتطعوا من ممالك آل الْعَبَّاس الْمغرب كُله إِلَى أَن ملك العبيديون مصر وَالشَّام والحجاز وقاسموهم فِي الممالك الإسلامية شقّ الابلحة تَسْلِيمًا لما حصل من الْملك لبني هَاشم وَلما استحكم من غلب قُرَيْش وَمُضر على سَائِر المم فَلم يزل الْملك فِي أَعْقَابهم إِلَى انْقِرَاض دولة الْعَرَب بأسرها وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِن الْأمة إِذا كَانَت وحشية كَانَ ملكهَا أوسع وَذَلِكَ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنهم أقدر على التغلب وانقياد من سواهُم على مَا تقدم كالعرب وزناته وَمن فِي معناهم من الأكراد والتركمان وَأهل السام من صنهاجة وَالثَّانِي انهم لتوحشهم لَا وَطن لَهُم يجنحون إِلَيْهِ فنسبة الأقطار إِلَيْهِم على سَوَاء وَعند ذَلِك لَا يقتصرون على ملك قطرهم وَلَا بُد يقفون عِنْد حُدُود أفقهم بل يطيرون إِلَى الأقاليم الْبَعِيدَة ويتغلبون على الْأُمَم القاصية برهَان وجود بماثلين أَحدهمَا مَا يحْكى من ذَلِك عَن عمر ﵁ لما بُويِعَ وَقَامَ يحرض النَّاس على الْعرَاق فَقَالَ أَن الْحجاز لَيْسَ لكم بدار إِلَّا على النجعة وَلَا يقوى عَلَيْهِ أَهله إِلَّا بذلك أَيْن الطراء الْمُهَاجِرُونَ عَن موعد الله سِيرُوا فِي الأَرْض الَّتِي وَعدكُم فِي الْكتاب أَن يورثكموها فَقَالَ لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ الثَّانِي مَا اتّفق مِنْهُ للملثمين بالمغرب لما نزعوا إِلَى الْملك ملكوا من

стр. 85

الأقاليم الأول ومجالهم مِنْهُ فِي جوَار السودَان إِلَى الرَّابِع وَالْخَامِس فِي ممالك الأندلس من غير وَاسِطَة وَهُوَ شَأْن الْأُمَم الوحشية فَلذَلِك تكون دولهم أوسع نطاقا وَأبْعد من مراكزها نِهَايَة وَالله مُقَدّر اللَّيْل وَالنَّهَار الْمَسْأَلَة السَّادِسَة إِن الدولة الْبَعِيدَة الِاسْتِيلَاء الْعَظِيمَة الْملك أَصْلهَا الدّين ودعوة الْحق لن اتِّفَاق الْأَهْوَاء على الْمُطَالبَة إِنَّمَا يكون بمعونة من الله تَعَالَى فِي إِقَامَة دينه لذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم﴾ قَالَ ابْن خلدون وسره أَن الْقُلُوب إِذا مَالَتْ إِلَى الدُّنْيَا وَقع التنافس وَفَشَا الْخلاف وَإِذا رفضت الدُّنْيَا وَأَقْبَلت على الله اتحدث وجهتها فَذهب التنافس وَقل الْخلاف وَحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الْكَلِمَة لذَلِك فعظمت الدولة الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أَن الدعْوَة الدِّينِيَّة تزيد الدولة على قوتها عصبيتها فِي الأَصْل وَذَلِكَ لأمرين أَحدهمَا أَن الصبغة الدِّينِيَّة كَمَا سلف تذْهب بتحاسد ذَوي العصبية وَتفرد الوجهة غلى الْحق وَمن استنصر بذلك فيأمره لم يقف لَهُ شَيْء قلت قيل لبَعض مُلُوك فَارس أَي مقَاتل الْمَوْت أنون عَلَيْهِ قَالَ المستبصر فِي الدّين والغيران على النِّسَاء والغضبان الَّذِي يمتص لنَفسِهِ من الذلة

стр. 86

الثَّانِي إِن المطلوبين لَهُم وَأَن فرضوا اضعافهم فأغراضهم متباينة وتخاذلهم من خوف الْمَوْت حَاصِل فَلَا يقاومونهم ألبته وغن كاثروهم قُوَّة وعددا تَصْدِيق بواقعين أَحدهمَا مَا وَقع للْعَرَب صدر الْإِسْلَام كَانَت جيوش الْمُسلمين بالقادسية واليرموك بضعا وَثَلَاثِينَ ألفا فِي كل معسكر وجموع فَارس مائَة وَعشْرين ألفا بالقادسية وجموع هِرقل أَرْبَعمِائَة ألف فِيمَا ذكر الْوَاقِدِيّ فَلم يقف لَهُم أحد من الْجَانِبَيْنِ بل هزموهم وغلبوهم على مَا بِأَيْدِيهِم الثَّانِي مَا اتّفق مِنْهُ للملثمين بالمغرب لما نزعوا غلى الْملك ملكوا من عصبيتهم فَمَا وقف لَهُم أحد قَالَ وَاعْتبر ذَلِك إِذا حَالَتْ صبغة الدّين وفسدت كَيفَ ينْتَقض الْأَمر وَيصير الغلب على نِسْبَة العصبية فَقَط دون زِيَادَة الدّين فالموحدون يشف عَلَيْهِم عددا وعصبية إِلَّا أَن الِاجْتِمَاع الديني ضاعف قُوَّة لما قدمُوا بدعوة دينية غلبوا على زناتة وَأَن كَانُوا اشد مِنْهُم قُوَّة وبداوة فَلَمَّا حادوا عَن تِلْكَ الصبغة الدِّينِيَّة انْقَضتْ عَلَيْهِم زناتة من كل جَانب وانتزعوا مِنْهُم مَا ملكوه وَالله غَالب على أمره الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَن الْعَرَب لَا يحصل لَهُم الْملك أَلا بصبغة دينية وَذَلِكَ

стр. 87

لآنفة نُفُوسهم المتوحشة أبعد المم فِيمَا بَينهم وقلما تَجْتَمِع أهوائهم فَإِذا وجدوا الدّين بنبوة أَو ولَايَة سهل انقيادهم وَأمكن اجْتِمَاعهم لذهاب مَا يصد عَن ذَلِك فَيحصل لَهُم الْملك والتغلب وَلَا بعد فِي ذَلِك إِذْ هم أسْرع النَّاس قبولا للحق وَالْهدى لِسَلَامَةِ طبائعهم من ذميم الْأَخْلَاق كَمَا تقدم إِلَّا مَا كَانَ من خلق التوحش الْغَرِيب المعاناة بِبَقَائِهِ على الْفطْرَة الأولى وَبعدهَا عَن كل مَا يتطبع فِي النَّفس من قَبِيح العوائد وَسُوء الملكات كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة إِن الدعْوَة الدِّينِيَّة لَا تتمّ إِلَّا بالعصبية لما سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَن كل أَمر يحمل النَّاس عَلَيْهِ لَا يتم إِلَّا بِالْقِتَالِ الْمَوْقُوف على العصبية وَفِي الصَّحِيح مَا بعث الله نَبيا إِلَّا فِي مَنْعَة من قومه وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْأَنْبِيَاء فَمَا الظَّن بغيرهم وَمَعَ وضوحه فقد وَقع الْغَلَط بالذهول عَنهُ لصنفين من النَّاس الصِّنْف الأول طلاب الْملك لمُجَرّد الدّين كَمَا اتّفق لِابْنِ قسي صَاحب خلع النَّعْلَيْنِ فِي التصوف ثار بغرب

стр. 88

الأندلس دَاعيا بدعمه إِلَى الْحق وَسمي أَصْحَابه بالمرابطين فاستتب لَهُ الْأَمر قَلِيلا لشغل لمتونة بِمَا دهمهم من أَمر الْمُوَحِّدين لأوّل اسْتِيلَاء الْمُوَحِّدين على الْمغرب ثمَّ بَادر بِالدُّخُولِ إِلَى دعوتهم وَكَانَ أول دَاعِيَة لَهُم بالأندلس لفقد العصبية الحامية عَن المطالب قلت وَمن هَذَا الصِّنْف الرجل الْمَعْرُوف بِيُوسُف المدجن الْقَائِم بدعوته أهل ربض البيازين صدر هَذِه الْمِائَة التَّاسِعَة توهما مِنْهُم أَنه يُقيم دَعْوَة حق ويحي رسم الدّين فَقتل لأمد قريب من ظُهُور فتْنَة وَمضى لسبيله وأمثالهم من الغافلين عَن اعْتِبَار العصبية فِي مثل مَا طمع فِيهِ كثير قَالَ وَمَا إِن كَانَ ملبسا فأحرى أَن لَا يتم لَهُ أَمر وَأَن يبوء بإثمه وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين الصِّنْف الثَّانِي القائمون بتغيير الْمُنكر على أُمَرَاء الْجور من الْفُقَهَاء والمتعبدين اغْتِرَارًا بِمن تَبِعَهُمْ من الغوغاء والدهماء فيهلكون فِي سَبِيل ذَلِك مأزورين غير مَأْجُورِينَ لِأَن الْأَمر بِهِ مَشْرُوط بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْملك الراسخ الْبناء لَا يهدمه إِلَّا الْمُطَالبَة بالعصبية الْغَالِبَة كَمَا سلف قَالَ فَاعْتبر حَال الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي الدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى

стр. 89

بالعصائب والعشائر وَلَو شَاءَ الله تَعَالَى ليدهم بالكون كُله لَكِن أجْرى الْأُمُور على مُسْتَقر الْعَادة وَالله عَلَيْهِم حَكِيم هَذَا وَأَن صدقُوا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من ذَلِك فَإِن لبسوا بِهِ فِي طلب الرياسة فأجدر أَن تَنْقَطِع بهم المهالك لِأَنَّهُ أَمر الله لَا يتم إِلَّا بِرِضَاهُ وإعانته وَالْإِخْلَاص لَهُ فِي النَّصِيحَة للْمُسلمين قَالَ وَأول من ابْتَدَأَ هَذِه النزعة بِبَغْدَاد حِين وَقعت فتْنَة طَاهِر وَقتل الْأمين وَأَبْطَأ الْمَأْمُون بخراسان عَن مقدم الْعرَاق ثمَّ عهد لعَلي بن مُوسَى الرضى من آل الْحُسَيْن فكشف بَنو الْعَبَّاس وَجه النكير

стр. 90

عَلَيْهِ وتداعوا للْقِيَام وخلع طَاعَة الْمَأْمُون وبويع إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فَوَقع الْهَرج بِبَغْدَاد وَانْطَلَقت أَيدي الزعرة بهَا على أهل الْعَافِيَة والصون وَقَطعُوا السبل وامتلأت أَيْديهم من نهب النَّاس وباعوها عَلَانيَة فِي الْأَسْوَاق واستعدى أَهلهَا الْحُكَّام فَلم يعدوهم فتوافر أهل الدّين وَالصَّلَاح على منع الْفُسَّاق وكف عاديتهم وَقَامَ بِبَغْدَاد رجل يعرف بِخَالِد الدريدس ودعا النَّاس إِلَى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَأَجَابَهُ خلق وَقَاتل أهل الدعارة وغلبهم وَأطلق يَده فيهم بِالضَّرْبِ والتنكيل ثمَّ قَامَ من بعده رجل آخر من سَواد أهل بَغْدَاد يعرف بسهل بن سَلامَة الْأنْصَارِيّ ويكنى أَبَا حَاتِم وعلق مُصحفا فِي عُنُقه ودعا إِلَى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْعَمَل بِكِتَاب الله وَسنة نبيه فاتبعته كَافَّة النَّاس من بَين شرِيف ووضيع من بني هَاشم فَمن دونهم وَنزل قصر طَاهِر وَاتخذ الدِّيوَان وَطَاف بِبَغْدَاد وَمنع كل من أَخَاف الْمَارَّة وَمنع الخفارة لأولئك الشطار وَقَالَ لَهُ خَالِد الدريدس أَنا لَا أعيب على السُّلْطَان وَقَالَ لَهُ سهل لكني أقَاتل كل من خَالف الْكتاب وَالسّنة كَائِنا من كَانَ وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وجهز إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي إِلَيْهِ العساكر فغلبه وأسره وانحل أمره سَرِيعا وَنَجَا بِذَات نَفسه

стр. 91

تحكيم سياسة قَالَ الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أَمر هَؤُلَاءِ أما المداواة إِن كَانُوا من أهل الْجُنُون أَو التنكيل بِالْقَتْلِ أَو الضَّرْب أَن أَحْدَثُوا هرجا وإذاعة السخرية بهم وعدهم فِي جملَة الصفاعين قلت ولابد من رِعَايَة مَا يُوجِبهُ الشَّرْع من ذَلِك الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة إِن الْملك إِذا ذهب عَن بعض الشعوب من أمة فلابد من عودة إِلَى شعب آخر مِنْهَا مَا دَامَت لَهُم العصبية وَذَلِكَ لِأَن الْملك إِنَّمَا حصل لَهُم بعد التغلب على سَائِر الْأُمَم وَعند انغماس مَا تعين مِنْهُم لوراثته فِي نعيم الترف الكاسر من سُورَة العصبية وإشرافهم بذلك على الْهَرم الطبيعي للدول على مَا بأتي بَيَان ذَلِك كُله إِن شَاءَ الله فَيكون حِينَئِذٍ عصبية المكبوحين مِنْهُم عَن الْمُشَاركَة فِي ذَلِك موفورة وَسورَة غلبهم من الكاسر مَحْفُوظَة فتسموا آمالهم إِلَى الْملك الَّذِي كَانُوا ممنوعين مِنْهُ بِالْقُوَّةِ الْبَالِغَة من جنس عصبيتهم المكبوحين مِنْهُم عَن الْمُشَاركَة فِي ذَلِك موفورة وَسورَة غلبهم من الكاسر مَحْفُوظَة فتسموا آمالهم إِلَى الْملك الَّذِي كَانُوا ممنوعين مِنْهُ بِالْقُوَّةِ الْغَالِبَة من جنس عصبيتهم وترفع الْمُنَازعَة لما عرف من غلبهم فيستولون على الْأَمر وَتصير إِلَيْهِم الْإِنْزَال كَذَلِك مترددة فيهم إِلَى تلاشي عصبيتهم بِفنَاء سَائِر عَشَائِرهمْ سنة الله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد رَبك لِلْمُتقين اعْتِبَار قَالَ وَاعْتبر بِمَا وَقع فِي الْأُمَم لما انقرض ملك عَاد قَامَ بِهِ من بعدهمْ إخْوَانهمْ من ثَمُود وَمن بعدهمْ إخْوَانهمْ العمالقة وَمن بعدهمْ إخْوَانهمْ من حمير وَمن بعدهمْ إخْوَانهمْ التبابعة ثمَّ بعدهمْ الأذواء ثمَّ جَاءَت الدولة لمضر وَكَذَا الْفرس انقرض أَمر الكنية فَملك بعدهمْ الساسانية حَتَّى أذن الله بانقراضهم أجمع بِالْإِسْلَامِ وَكَذَا اليونانيون انقرض أَمرهم

стр. 92

وانتقل إِلَى إخْوَانهمْ من الرّوم وَكَذَا البربر لما انقرض أَمر مغراوة وكتانة مِنْهُم رَجَعَ إِلَى صنهاجة مِنْهُم ثمَّ إِلَى الملثمين ثمَّ إِلَى المصامدة ثمَّ من بَقِي من شعوب زنانة مزِيد تَحْصِيل قَالَ وأصل هَذَا كُله إِنَّمَا يكون بالعصبية وهب مُتَفَاوِتَة فِي الأجيال فَإِذا انقرضت دولة فغنما تنْتَقل إِلَى من لَهُ عصبية مُشَاركَة لعصبيتهم آلتي أونس مِنْهَا الغلب لجَمِيع العصبيات وَلَا يُوجد ذَلِك إِلَّا فِي النّسَب الْقَرِيب مِنْهُم حَتَّى إِذا وَقع فِي الْعَالم تَبْدِيل كَبِير من تَحْويل مِلَّة أَو ذهَاب عمرَان فَحِينَئِذٍ يخرج عَن ذَلِك الجيل إِلَى الجيل الَّذِي كَانَ يَأْذَن الله بقيامه بذلك التبديل كَمَا وَقع لمضر حِين غلبوا على الْأُمَم وَأخذُوا المر من أَيدي أهل الْعَالم هَذَا بعد أَن كَانُوا مكبوحين عَنهُ أحقابا المسالة الْحَادِيَة عشرَة أَن الرياسة قد تحصل لأهل الْأَمْصَار بِوُجُود العصبية الْغَالِبَة وَذَلِكَ لِأَن التحامهم بالصهر يحصل بِهِ بعض مَا يحصل بِالنّسَبِ فَإِذا نزل الْهَرم بالدولة وتقلص الْملك عَن القاصية احْتَاجَ أهل أمصارها إِلَى الْقيام على أَمرهم وَرَجَعُوا إِلَى الشورى وتمييز الْعلية عَن السفلة فتطمع المشيخة لخلو الجو من السُّلْطَان القاهر إِلَى الاستبداد وينازع كل صَاحبه ويتوصلون بالإتباع من الموَالِي والشيع ويتركون للأوغاد والأوشاب فيعصو صب كل بِصَاحِبِهِ وَيتَعَيَّن الغلب لبَعْضهِم فيعطف على أكفائه بِالْقَتْلِ والتغريب حَتَّى يستبد بمصره وَيرى أَنه قد استحدث ملكا يورثه عقبه فَيحدث فِي ذَلِك الْملك الْأَصْغَر مَا يحدث فِي الْملك الْأَعْظَم ذِي الْقَبَائِل والعصبيات والزحف والممالك فينتحلون من الْجُلُوس على

стр. 93

السرير واتخاذ الْآلَة والتحية وَالْخطاب بالتهويل مَا يسخر مِنْهُ من يُشَاهد أَحْوَالهم وَقد يجْرِي على هَذَا حب السذاجة فِرَارًا من التَّعْرِيض بِنَفسِهِ للسخرية بِهِ تعْيين وَاقع قَالَ وَقد وَقع هَذَا بإفريقية لهَذَا الْعَهْد فِي آخر الدولة الحفصية لأهل بِلَاد الجريد من طرابلس وَقَابِس وتوزر ونفطة بسكرة والزاب وَمَا يَلِي بذلك فتغلبوا على أمصارهم واستبدوا بأمرها على الدولة فِي الْأَحْكَام والجباية عِنْد تقلص ظلها عَنْهُم وأورثوا ذَلِك أَعْقَابهم وَحدث فِي خلقهمْ من الغلظة والتجبر مَا يحدث لأعقاب الْمُلُوك ونظموا أنفسهم فِي عداد السلاطين على قرب عَهدهم بالسوقة قَالَ وَكَذَا وَقع بسبتة لاخر دولة بني عبد الْمُؤمن قَالَ وَهَذَا التغلب يكون غَالِبا فِي السروات والبيوتات المرشحين للمشيخة فِي الْمصر وَقد تحدث لبَعض السفلة من الدهماء إِذا حصلت لَهُ العصبية والالتحام بالأوغاد لأسباب يجريها لَهُ الْمِقْدَار فيغلب على المشيخة والعلية إِذا فقدوا العصبية وَالله غَالب على أمره الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن من عَلامَة الْملك التنافس فِي الْخلال الحميدة وَبِالْعَكْسِ وَذَلِكَ لِأَن الْملك خَليفَة الله على الْعباد فِي تَنْفِيذ أَحْكَامه الَّتِي هِيَ خير صَلَاح وأبطال أَحْكَام الشَّيْطَان الَّتِي هِيَ شَرّ وَفَسَاد وَأَن كَانَ كل ذَلِك بِقَضَائِهِ وَقدره فَمن لَهُ عصبية غالبة وأنست مِنْهُ الْخلال الْمُنَاسبَة لتنفيذ أَحْكَام الله فقد تهَيَّأ للْملك وكفالة الْخلق بِهِ وَإِذا تنافس أَهلهَا فِي خلال الْخَيْر من

стр. 94

كرم وعفو وَاحْتِمَال من غير قَادر وقرى ضيف وَحمل كل وَكسب معدم وصبر على مَكْرُوه ووفاء بِعَهْد وبذل مَال فِي صون عرض وتعظيم شَرِيعَة وإجلال لمشايخ وأكابر وحياء مِنْهُم وانقياد لحق وإنصاف مستضعف من أنفسهم وتبذل فِي أَحْوَالهم وتواضع مَعَ مِسْكين وَسَمَاع شكوى وَتَدين بشرائع وَعبادَة وَقيام عَلَيْهَا وتجاف عَن غدر ومكر وخديعة وَنقض عهد وأمثال ذَلِك علم أَن الله تَعَالَى يَأْذَن لَهُم بِالْملكِ لوُجُود خلق السياسة فيهم ودلالتها عَلَيْهِم على أَنَّهَا لم تجْعَل فيهم سدى وَلَا عبثاء بَيَان الْعَكْس إِذا إِذن الله بانقراض الْملك حملهمْ على ارْتِكَاب المذمومات وانتحال الرذائل فتفقد الْفَضَائِل السياسية مِنْهُم جملَة وَلَا تزَال فِي نقص إِلَى أَن تخرج مِنْهُم لسواهم ليَكُون نعيما عَلَيْهِم فِي سلبه وذهابه وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة امرنا متر فِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق علنها القَوْل فدمرناها تدميرا الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة إِن حُدُوث الدول وتجددها مُنْذُ هرم الدولة المستقرة يَقع على نَوْعَيْنِ

стр. 95

أَحدهمَا استبداد الْوُلَاة بقاحية الدولة عِنْد تقلص ظلها فيستجد كل وَاحِد مِنْهُم ملكا يورثه عَنهُ أبناؤه أَو موَالِيه ويستعجل أَمرهم بالتدريج وَمن لَهُ فضل غلب على مَا بيد صَاحبه تَمْثِيل قَالَ كَمَا وَقع فِي دولة بني الْعَبَّاس حِين تقلص ظلها عَن القاصية بأخذها فِي الْهَرم فاستبد بَنو سامان بِمَا وَرَاء النَّهر وَبَنُو حمدَان بالموصل وَالشَّام وَبَنُو طولون بِمصْر وكما وَقع فِي الدولة الأموية بالأندلس حِين افترق ملكهَا فِي ولايتها وانقسمت دولا وممالك أورثوها قرابتهم ومواليهم تَعْرِيف قَالَ وَهَذَا النَّوْع لاحرب فِيهِ لاقتصارهم على تملك مَا بِأَيْدِيهِم وَإِنَّمَا الدولة أدْركهَا الْهَرم فعجزت عَن الْوُصُول إِلَيْهِم الثَّانِي خُرُوج خَارج على الدولة أما بدعوة تحمل النَّاس عَلَيْهَا أَو شَوْكَة يسمونها للتغلب على الدولة العاجزة عَن الدفاع لهرمها فَلَا يزَال يطالبها بالمحاربة إِلَى أَن يظفر بهَا الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة إِن الدولة المستجدة إِنَّمَا تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة لَا بالمناجزة غَالِبا وَذَلِكَ حَيْثُ الْمُطَالبَة كَمَا فِي النَّوْع الثَّانِي الْمُتَقَدّم فِي الْمَسْأَلَة قبل وَسَببه أُمُور أَحدهَا أَن قُوَّة كل من الْجَانِبَيْنِ واف بِقُوَّة الْجَانِب الآخر

стр. 96

ليَكُون الْحَرْب سجلا ومتكررا إِلَى أَن يَقع الِاسْتِيلَاء بالمطاولة وَلَا يحصل بالمناجزة غَالِبا الثَّانِي إِن طَاعَة الدولة المستقرة ضَرُورِيَّة فِي النُّفُوس وَذَلِكَ عائق لمطالبها وكاسر من همم أَكثر اتباعها إِلَى الصَّبْر والمطالبة إِلَى أَن يظفر بمقصوده الثَّالِث أَن الدولة المستقرة لما استحكم فِيهَا من ترف ملكهَا ووفور عصائبها تستظهر بِمَا ترهب بِهِ عدوها والمستجدة بمعزل فتحجم عَن الْقِتَال وتضطر إِلَى المطاولة وَرُبمَا يستحكم خلل المستقرة فِي العصبية والجباية وَإِذ ذَاك تنتهز فرْصَة الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا شَوَاهِد وُقُوع من مَشْهُور مَا يعْتد لهَذَا الِاعْتِبَار وقائع مَذْكُورَة أَحدهَا تغلب بني الْعَبَّاس على الدولة الأموية بعد عشر سِنِين من ظُهُور دعوتهم بخراسان الثَّانِيَة اسْتِيلَاء بني عبيد على الْمغرب كُله بعد إِقَامَة داعيهم أبي عبد الله الشيعي عشر سِنِين بأقصاه وَسموا إِلَى ملك مصر فأقاموا نَحْو ثَلَاثِينَ سنة فِي طلبَهَا وَبعد ذَلِك استولوا عَلَيْهَا

стр. 97

الثَّالِثَة تملك السلجوقية من مُلُوك التّرْك بخراسان بعد نَحْو ثَلَاثِينَ سنة من مطالبها ثمَّ بَغْدَاد واستولوا عَلَيْهَا وعَلى الْخَلِيفَة بهَا بعد أَيَّام من الدَّهْر الرَّابِعَة خُرُوج التتر من الْمَفَازَة أَعْوَام سَبْعَة عشر وسِتمِائَة فَلم يتم لَهُم الِاسْتِيلَاء إِلَّا بعد أَرْبَعِينَ سنة الْخَامِسَة ظُهُور المرابطين على مُلُوك الْمغرب بعد سِنِين من خُرُوجهمْ من صحرائهم السَّادِسَة استظهار الْمُوَحِّدين عَلَيْهِم بالدعوة المهدية ثمَّ لم يتمم أمرهَا إِلَّا بعد ثَلَاثِينَ سنة وَإِذ ذَلِك استولوا على مراكش كرْسِي ملكهم السَّابِعَة قيام بني مرين على الْمُوَحِّدين بعد نَحْو ثَلَاثِينَ سنة مُنْذُ ملكوا فاس واقتطعوها وأعمالها من ملكهم ثمَّ بعد ثَلَاثِينَ أُخْرَى استولوا على مراكش كرْسِي سلطانهم وَهَكَذَا حَال الدول المستجدة مَعَ المستقرة فِي الْمُطَالبَة والمطاولة سنة الله فِي عباده وَلنْ تَجِد فِي سنة الله تبديلا تَنْبِيه لايعترض هُنَا باستيلاء الدولة الإسلامية على فَارس وَالروم لثلاث أَو أَربع من وَفَاة النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ من معجزاته الخارقة للْعَادَة وسره استماتة الْمُسلمين استبصار بِالْإِيمَان وبوقوع الرعب

стр. 98

فِي قُلُوب عدوهم والمعجزة لايقاس عَلَيْهَا الْأُمُور العادية وَلَا يعْتَرض بهَا الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة إِن كل دولة لَهَا حِصَّة من الممالك والأوطان لَا تزيد عَلَيْهَا وَسَببه أَن عصائبها القائمين بهَا لَا بُد من توزيعهم على مَا تصير إِلَيْهِم من الممالك والثغور لحمايتها وإمضاء حكم الدولة فِيهَا وَذَلِكَ يُوجب نفاد عَددهمْ وبلوغ الممالك حِينَئِذٍ إِلَى حد يكون ثغر الدولة ونطاقا لمركزها فَإِن تكلفت بعد ذَلِك زِيَادَة عَلَيْهِ بَقِي دون حامية وَعَاد وبال ذَلِك على الدولة وَمَا لم يبعد عدد الْعِصَابَة بَقِي فبالدولة قُوَّة على تنَاول مَا وَرَاء العادية وَحَتَّى يَتَّسِع نطاقها إِلَى نهايته شَهَادَة وجود قَالَ وجود قَالَ كَمَا وَقع للْعَرَب صدر الْإِسْلَام لما توفرت عصائبهم غلبوا على الشَّام وَالْعراق ومصر لأسرع وَقت ثمَّ تجاوزوا غلى السَّنَد والحبشة وإفريقية وَالْمغْرب ثمَّ إِلَى الأندلس فَلَمَّا تفَرقُوا على الممالك والثغور وَنقد عَددهمْ قصروا عَن الفتوحات وانْتهى أَمر الْإِسْلَام وَلم يتَجَاوَز تِلْكَ الْحُدُود فَائِدَة حكمِيَّة قَالَ وَالْعلَّة الطبيعية فِي ذَلِك أَن قُوَّة العصبية من سَائِر القوى الطبيعية وكل قُوَّة يصدر مِنْهَا فعلهَا فنشأنها ذَلِك والدولة فِي مركزها اشد مِمَّا يكون فِي الطّرف والنطاق وَإِذا انْتَهَت إِلَى غَايَته عجزت عَمَّا وَرَاءه مزِيد اعْتِبَار قَالَ ثمَّ إِذا أدْركهَا الْهَرم نقصت من أطرافها وَبَقِي المركز مَحْفُوظًا إِلَى أَن يَأْذَن الله بانقراض المر جملَة فَحِينَئِذٍ يكون انقراضه قَالَ وَإِذا غلب عَلَيْهِ فَلَا ينفع بَقَاء الْأَطْرَاف لِأَنَّهُ كالقلب الَّذِي ينبعث مِنْهُ الرّوح فالدولة الفارسية كَانَ مركزها الْمَدَائِن فَلَمَّا غلب الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ انقرض أَمر فَارس أجمع وَلم ينفع يزدجر مَا بَقِي بِيَدِهِ من ممالك أَطْرَافه وَبِالْعَكْسِ من ذَلِك الدولة الرومية كَانَ مركزها الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَلَمَّا غلب الْمُسلمُونَ على الشَّام تحيزوا إِلَى مركزهم وَلم يضرهم انتزاع الشَّام من أَيْديهم وَبَقِي ملكهم بِهِ إِلَى أَن يَأْذَن الله بانقراضه قلت وَقد أذن تَعَالَى فِي ذَلِك على يَد ملك بني عُثْمَان من التّرْك فِي أواسط هَذِه الْمِائَة التَّاسِعَة فَللَّه الْحَمد عَلَيْهِ كثيرا الْمَسْأَلَة السادية عشرَة أَن عظم الدولة فِي اتساع نطاقها وَطول أمدها على نِسْبَة القائمين بهَا فِي الْقلَّة وَالْكَثْرَة بَيَان الأول أَن الْملك لما كَانَ بالعصبية وَأَهْلهَا هم الحامية النازلون بممالك الدولة وأقطارها كَانَ مَا هُوَ من الدول الْعَامَّة أَكثر فِي أهل العصبية أعداد اوأوسع فِي الممالك أوطانا وأقطارا وَاعْتِبَار مَا يشْهد لذَلِك فِي الْوَاقِع بِحَسب الدول الإسلامية ظَاهر من وُجُوه أَحدهمَا أَن الْعَرَب لما ألف الله بَين قُلُوبهم على كلمة الْإِسْلَام وَبلغ من أسلم مِنْهُم فِي غَزْوَة تَبُوك آخر غزوات النَّبِي ﷺ مائَة ألف وَعشرَة الآف من مُضر وقحطان مَا بَين فَارس وراجل إِلَى أَن من أسلم مِنْهُم بعد ذَلِك وتوجهوا لطلب مَا بأيدي المم من الْملك لم يكن دونه

стр. 99

حمى ول وزر واستأجروا أهل فَارس وَالروم أهل الدولتين العظيمتين فِي الْعَالم لعهدهم ثمَّ التّرْك بالمشرق والإفرنجة والبربر بالمغرب والقوط بالأندلس وَخَرجُوا من الْحجاز إِلَى السوس الْأَقْصَى وَمن الْيمن إِلَى التّرْك بأقصى الشمَال واستولوا على الأقاليم السَّبْعَة الثَّانِي أَن قبيل كتامة القائمين بدولة العبيديين لما كَانُوا اكثر من صنهاجة وَمن المصامدة كَانَت دولتهم أعظم فملكوا إفريقية وَالْمغْرب وَالشَّام ومصر والحجاز الثَّالِث إِن زنانة لما كَانَ عَددهمْ أقل من المصامدة فصر ملكهم ملك الْمُوَحِّدين لقُصُور عَددهمْ عَن عدد المصامدة فِي مبدأ أَمرهم الرَّابِع أَن بني مرين لما كَانَ عَددهمْ لأوّل ملكهم أَكثر من بني عبد الواد كَانَت دولتهم أقوى وأوسع نطاقا وَكَانَ لَهُم عَلَيْهِم الغلب مرّة بعد أُخْرَى يُقَال أَن عدد بني مرين لأوّل أَمرهم ثَلَاثَة الآف وَعدد بني عبد الواد ألف إِلَّا أَن الدولة بالرفه وَكَثْرَة التَّابِع كثرت من أعدادهم قَالَ وعَلى هَذِه النِّسْبَة فِي أعداد المتغلبين لأوّل الْملك يكون اتساع الدولة وُقُوعهَا بَيَان الثَّانِي من وَجْهَيْن أَحدهمَا هَذَا السَّبَب بِعَيْنِه قَالَ لن عمر الْحَادِث مزاجه ومزاج الدول إِنَّمَا هُوَ بالعصبية فَإِذا قويت بِكَثْرَة الْعدَد تبعها المزاج فبالقوة وَكَانَ أمد الْعُمر طَويلا الثَّانِي قَالَ وَهُوَ السَّبَب الصَّحِيح أَن النَّقْص إِنَّمَا يبْدَأ الدولة من الْأَطْرَاف فَإِذا كَانَت ممالكها كَثِيرَة فأطرافها بعيدَة عَن مركزها ومتعددة وكل نقص يَقع فَلَا بُد لَهُ من وزمان فتكبر أزمان النَّقْص لِكَثْرَة الممالك واختصاص كل وَاحِد مِنْهَا بِنَقص زَمَانه فَيكون أمدها طَويلا

стр. 100

اعْتِبَار قَالَ وَانْظُر ذَلِك فِي دولة الْعَرَب الإسلامية كَيفَ كَانَ أمدها أطول آماد الدول فَلم ينتقص أمد بني الْعَبَّاس من أهل المركز وَبني أُميَّة المستبدين بالأندلس إِلَّا بعد الأربعمائة من الْهِجْرَة ودولة العبيديين كَانَ أمدها قَرِيبا من مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة ودولة صنهاجة دونهم من لدن تَقْلِيد معد الْمعز أَمر إفريقية بلكين بن زيري سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة إِلَى حِين اسْتِيلَاء الْمُوَحِّدين على القلعة وبجاية سنة سبع وَخَمْسمِائة ودولة الْمُوَحِّدين لهَذَا الْعَهْد تناهز مِائَتَيْنِ وَسبعين سنة قَالَ وَهَكَذَا نسب الدول فِي اعْتِبَارهَا على نسب القائمين بهَا سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده قلت يرد عَلَيْهِ مَا يُشَاهد من طول أمد الدولة الضعيفة العصبية فِي الأَصْل ويحاب بِأَن استحكام الصبغة لصحابها وَمَعَ فقدان الطَّالِب لما يُوجب

стр. 101

ذَلِك تنقص فِي مُدَّة بَقَائِهَا على مَا يكون بهَا من الْهَرم إِلَى أَن يَأْذَن الله بأَمْره فَلِكُل اجل كتاب الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة إِن الأوطان الْكَثِيرَة الْقَبَائِل لَا تستحكم فِيهَا دولة غَالِبا وَسَببه اخْتِلَاف الآراء والأهواء فيكثر لذَلِك الْخُرُوج على الدولة وَإِن كَانَت ذَات عصبية لِأَن من تَحت يَدهَا من العصائب لَهُ قُوَّة تنهضه غلى ذَلِك وَمن شواهده فِي الْوُجُود واقعان أَحدهمَا مَا وَقع بإفريقية وَالْمغْرب مُنْذُ أول الْإِسْلَام وَإِلَى الْآن لِكَثْرَة قبائلها الَّتِي لَا تحصى بعد وَبعد أَن غلبهم ابْن أبي سرح أَولا عَادوا إِلَى الثورة وَالرِّدَّة مرّة بعد أُخْرَى وَلما اسْتَقر الدّين عِنْدهم عَادوا إِلَى الثورة وَالْخُرُوج على رَأْي الْخَوَارِج مَرَّات عديدة قَالَ الشَّيْخ ابْن أبي زيد ارْتَدَّت البرابر اثْنَتَا عشرَة مرّة وَلم تَسْتَقِر كلمة الْإِسْلَام فيهم إِلَّا بعد مُوسَى بن نصير فَمن هَذِه قَالَ ابْن خلدون

стр. 102

وَهُوَ معنى مَا يَقُول أَن إفريقية مفرقة لقلوب أَهلهَا إِشَارَة إِلَى مَا فِيهَا من كَثْرَة العصائب الحاملة على عدم الإذعان والانقياد الثَّانِي مَا وَقع بِالشَّام لعهد بني إِسْرَائِيل لِكَثْرَة من كَانَ بِهِ إِذْ ذَاك من قبائل المم فَلم تتمهد لبني إِسْرَائِيل فِيهِ دولة سَائِر أيامهم إِلَى أَن غلبهم الْفرس ثمَّ اليونان ثمَّ الرّوم أخيرا عِنْد الْجلاء الْأَكْبَر وَالله غَالب على أمره اعْتِبَار بعكس قَالَ وَهُوَ أَن الأوطان الخالية من العصائب يسهل فِيهَا تمهيد الدولة وَيكون لسلطانها وازعا لقلَّة الانتقاض عَلَيْهِ وَعدم احْتِيَاجه إِلَى كَثِيرَة عصائبه كالشام ومصر والأندلس لهَذَا الْعَهْد إِنَّمَا هِيَ سُلْطَان ورعية وَالله غَنِي عَن الْعَالمين الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة أَن الْعَرَب أبعد الْأُمَم عَن سياسة الْملك وَذَلِكَ لأمرين أَحدهمَا أَن خلق توحشهم مُوجب لصعوبة انقياد بَعضهم إِلَى الْبَعْض وَرَئِيسهمْ لمَكَان ذَلِك يضْطَر لمجاملتهم بِإِحْسَان الملكة وَترك المراغمة وَإِلَّا أختل عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم شَأْن العصبية الَّتِي بهَا الطّلب والدفاع وسياسة الْملك لابد فِيهَا من قهر الْوَازِع بهَا وَإِلَّا لم تجر على إستقامة الْملك فِيهَا الثَّانِي أَن من طبيعتهم كَمَا سلف اقتصارهم على مَا بأيدي النَّاس من غير الْتِفَات لما وَرَاء ذَلِك من وُجُوه الرّعية لَهُم وَذَلِكَ منَاف للسياسة وعائد بخراب الْعمرَان وَحِينَئِذٍ فَظَاهر أَنهم بالطبع أبعد الْخلق عَن سياسة الْملك وَإِنَّمَا يَمرونَ إِلَيْهَا بعد انقلاب طاعتهم بصبغة دينية يكون بهَا الْوَازِع من النَّفس اعْتِبَار قَالَ وَاعْتبر ذَلِك بدولتهم فِي الْملك لما رعيت فِيهَا السياسة الكفيلة بصلاح الْعمرَان وَمضى عَلَيْهَا الْخُلَفَاء عظم حِينَئِذٍ ملكهم وقوى

стр. 103

سلطانهم كَانَ رستم إِذا رأى الْمُسلمين يَجْتَمعُونَ للصَّلَاة يَقُول أكل عمر كَبِدِي وَيعلم الْكلاب الْأَدَب مُرَاجعَة طبع قَالَ ثمَّ أَنهم بعد ذَلِك انْقَطَعت مِنْهُم عَن الدولة أجيال نبذوا الدّين فنسوا السياسة وَرَجَعُوا على قفرهم فتوحشوا كَمَا كَانُوا وَلم يبْق لَهُم من إسم الْملك إِلَّا أَنه للخلفاء وهم من جيلهم قَالَ وَلما ذهب أَمر الْخلَافَة انْقَطع الْأَمر جملَة من أَيْديهم لغَلَبَة الْعَجم عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِي بادية قفارهم لَا يعْرفُونَ الْملك وَلَا السياسة وَرَجَعُوا إِلَى أصل بداوتهم قَالَ وَقد يحصل لَهُم فِي بعض الْحَيَّانِ غلب على الدول المستضعفة كَمَا فِي الْمغرب لهَذَا الْعَهْد فَلَا يكون مآله إِلَّا تخريب مَا يستولون عَلَيْهِ من الْعمرَان وَالله خير الْوَارِثين الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة إِن من لواحق الْكَلَام فِي شَرط الْملك وَهُوَ العصبية النّظر فِي أَمر الفاطمي وَمَا يذهب غليه النَّاس فِي شَأْنه قلت وَحَاصِل مَا لِابْنِ خلدون فِي تَقْرِير ذَلِك مقامات خَمْسَة الْمقَام الأول حِكَايَة مَا عِنْد النَّاس فِيهِ وَهُوَ مذهبان أَحدهمَا اعْتِمَاد الكافة مِنْهُم على مر الاعصار انه لابد فِي آخر الزَّمَان من ظُهُور رجل م أهل الْبَيْت يستولي على الممالك الإسلامية ويملها قسطا وعدلا وَأَن على آثاره خُرُوج الدَّجَّال ونزول عِيسَى ﵇ مؤتما فِي صلَاته معينا لَهُ على قتل الدَّجَّال الثَّانِي إِنْكَار ذَلِك طَعنا فِي مُسْتَند القَوْل بِهِ ومعارضة ذَلِك الْمقَام الثَّانِي تَلْخِيص مُسْتَند الْفَرِيق الأول فِي طريقتين

стр. 104

الطَّرِيقَة الأولى لمن اسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا ورد فِيهِ من الْأَحَادِيث الَّتِي خرجها غير وَاحِد من الْأَئِمَّة كالترمذي وَابْن دَاوُد وَالْبَزَّار وَابْن ماجة وَالْحَاكِم الطَّبَرَانِيّ وَأبي يعلى الْموصِلِي

стр. 105

يسْندهُ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة كعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَطَلْحَة وَابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك أبي سعيد الْخُدْرِيّ

стр. 106

وَأم سَلمَة وثوبان وقرة ابْن ياس وعَلى الْهِلَالِي وَعبد الله بن الْحَارِث بن جد

стр. 107

الْحَاتِمِي فِي كتاب عنقاء مغرب وَابْن سبعين ابْن قسي الطَّرِيقَة الثَّانِيَة للصوفية الْمُتَأَخِّرين وهم الَّذين أَحْدَثُوا الْكَلَام فِي الْكَشْف وَفِيمَا وَرَاء الْحجاب الْحسي وطهر مِنْهُم القَوْل بالحلول والوحدة مُشَاركَة للأمامية من الرافضة فِي القَوْل بالأئمة وحلول الاله فيهم وَالْقَوْل بالقطب والإبدال محاكاة لمَذْهَب الرافضة فِي الإِمَام والنقباء فانخرطوا بذلك فِي الشِّيعَة وتوغلوا فِي الدّيانَة بمذاهبهم فامتلأت كتب الْفَرِيقَيْنِ مِنْهُم بالْكلَام فِي الفاطمي المنتظر كَانَ بَعضهم يميله على بعض ويلتقفه مِنْهُ وَرُبمَا يسْتَند بَعضهم فِي ذَلِك إِلَى كَلَام المنجمين فِي القرانات وَهُوَ نوع من الْكَلَام فِي الْمَلَاحِم تَعْرِيف أَكثر من تكلم من هَؤُلَاءِ المتصرفة فِي شَأْن الفاطمي ابْن الْعَرَبِيّ

стр. 108

فِي كتاب خلع النَّعْلَيْنِ وَابْن أبي وَاصل فِي شَرحه إِيَّاه وَأكْثر كلماتهم فِي شانه ألغاز وأمثال وَرُبمَا صَرَّحُوا فِي الْأَقَل بذلك تَحْصِيل حَاصِل حِكَايَة مَذْهَبهم انه رَاجع لتقرير أُمُور أَحدهَا حِكْمَة ظُهُوره قَالُوا النُّبُوَّة وَمَا بعْدهَا فِي الْوُجُود ثَلَاث مَرَاتِب النُّبُوَّة ثمَّ الْخلَافَة ثمَّ الْملك وعَلى تِلْكَ النِّسْبَة لرجوع الْأُمُور إِلَى مَا كَانَت علية كَمَا هُوَ الْمَعْهُود من سنة الله زَعَمُوا أَن يكون الشَّأْن فِي الفاطمي أَحيَاء النبوءة بِهِ ثمَّ خلَافَة أمره بعده ثمَّ الدجل وَهُوَ الْبَاطِل المكني عَنهُ بالدجال زَعَمُوا ثمَّ يعود الْكفْر كَمَا كَانَ قبل النبوءة الثَّانِي تعْيين نسبه قَالُوا لما كَانَت الْخلَافَة لقريش بالحكم الشَّرْعِيّ وَجب أَن تكون الْإِمَامَة فِيمَن هُوَ أخص من قُرَيْش بِالنَّبِيِّ ﷺ وهم آله الأقربون الثَّالِث دَرَجَته فِي مقَام الْولَايَة قَالُوا وَهُوَ خَاتم الْأَوْلِيَاء المكنى عَنهُ بلبنة الْفضة كَمَا أَن النَّبِي ﷺ لبنة الذَّهَب إِشَارَة إِلَى أَن كَمَال الْولَايَة لَهُ ككمال النبوءة بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله ﷺ مثلي

стр. 109

فِيمَن قبلي من الْأَنْبِيَاء كَمثل رجل ابتنى بَيْتا وأكمله حَتَّى إِذا لم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَوضِع لبنة فانا تِلْكَ اللبنه خرجه البُخَارِيّ فِي بَاب خَاتم النَّبِيين وَحِينَئِذٍ فَهُوَ خَاتم الْأَوْلِيَاء كَمَا أَن النَّبِي ﷺ خَاتم الْأَنْبِيَاء الرَّابِع وَقت ظُهُوره قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ مِنْهُم من قَالَ فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَقَالَ ابْن أبي وَاصل لم تزل الْبُشْرَى تتَابع بِهِ من أول الْيَوْم المحمدي وَهُوَ عِنْدهم ألف سنة من يَوْم وَفَاته ﷺ إِلَى قبيل الْخَمْسمِائَةِ نصف الْيَوْم وتضاعفت تباشير الْمَشَايِخ بِقرب وقته وازدلاف زَمَانه مُنْذُ انْقَضتْ إِلَى الْآن غلى غير هَذَا من الْأَوْقَات الَّتِي تَنْقَضِي وَلَا اثر لشَيْء من ذَلِك وَإِذ ذَاك يرجعُونَ إِلَى تَجْدِيد رَأْي آخر منتحل من أُمُور لَا تقوم على سَاق بِهَذَا انْقَضتْ أَعمار الآخر مِنْهُم وَالْأول الْخَامِس تعْيين مَا يفتح من الأَرْض قَالَ يفتح جَزِيرَة الأندلس ويصل إِلَى رومة فيفتحها وَيفتح قسطنطينية ويسير إِلَى الشرق فيفتحه وَيصير لَهُ ملك الأَرْض فيتقوى الْمُسلمُونَ ويعلوا الْإِسْلَام وَيظْهر دين الحنيفة السَّادِس مُدَّة بَقَائِهِ قَالُوا أَرْبَعُونَ سنة وَسَبْعُونَ لَهُ ولخلفائه من بعده وَمِائَة وَتِسْعَة وَخَمْسُونَ أَرْبَعُونَ سنة وَسَبْعُونَ خلَافَة وَعدل وَالْبَاقِي ملك وسلطان تَعْرِيف قَالَ ابْن خلدون وَأما المتصوفة الَّذين عاصرناهم فأكثرهم يُشِير إِلَى ظُهُور رجل مُجَدد لأحكام الْملَّة ومراسم الْحق ويتحينون ظُهُوره مِمَّا قرب من عصرنا فبعضهم يَقُول من ذُرِّيَّة فَاطِمَة وَبَعْضهمْ يُطلق القَوْل فِيهِ سمعناه من جمَاعَة أكبرهم أَبُو يَعْقُوب البادسي كَبِير الْأَوْلِيَاء بالمغرب كَانَ فِي أول هَذِه الْمِائَة الثَّامِنَة

стр. 110

قَالَ اخبرني بذلك عَنهُ حفيده أَبُو زَكَرِيَّا يحيى عَن أَبِيه أبي مُحَمَّد عبد الله عَن أَبِيه الْوَلِيّ أبي يَعْقُوب الْمَذْكُور قلت وَهَذِه سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ من الْمِائَة التَّاسِعَة وَلم يظْهر من ذَلِك خبر وَلَا أثر وَالله بِكُل شَيْء عليم الْمقَام الثَّالِث جَوَاب مَا تمسك بِهِ الْفَرِيقَانِ فَأَما متمسك أُولَئِكَ الصُّوفِيَّة فعينه فراره قلت وَقد كَانَ لمغتر بهم أَن يَقُول الْقَوْم إِنَّمَا ذكرُوا ذَلِك من حَيْثُ الْكَشْف وَلَا برهَان عَلَيْهِ لغير أَهله إِلَّا أَن عدم وُقُوع مَا عينوا من وَقت ظُهُوره يُنَادي عَلَيْهِ بالخزي والفضيحة وَهُوَ من أوضح دَلِيل على أَن مَا خَاضُوا فِيهِ من ذَلِك مَبْنِيّ على مُجَرّد الدَّعْوَى المسلوك بهَا فِي هَذَا الْمقَام مَسْلَك الإمامية من الشِّيعَة وان سلم لَهُم كشف فعلى غير السلوك المتين كَمَا قَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَأما متمسك الْقَائِلين بِهِ بِمَا خرج الْأَئِمَّة فِي شانه فَقَالَ ابْن خلدون أَن الْمُنكر ين تعرضوا لَهَا بالطعن فِي رجال أسانيدها قَالَ الْمَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيث أَن الْجرْح مقدم على التَّعْدِيل وَقد تنزل لكل وَاحِد من تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي نقلهَا مِمَّا لائمة الحَدِيث فِيهَا من الْكَلَام قَائِلا بعد ذَلِك هَذِه جملَة الْأَحَادِيث الَّتِي خرجها الْأَئِمَّة فِي شَأْن الْمهْدي
следующие страницы →