← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَاعْلَم أَن الْأَمْوَال إِذا كنزت وادخرت فِي الخزائن لَا تنمو وان كَانَت فِي صَلَاح الرّعية واعطاء حُقُوقهم وكف الاذى عَنْهُم نمنت وزكت وصلحت بهَا الْعَامَّة وتزينت بهَا الْوُلَاة وطاب بهَا الزَّمَان واعتقد الْعِزّ والمنعة فَلْيَكُن كنز ذخائرك تَفْرِيق الْأَمْوَال فِي عمَارَة الْإِسْلَام واهله ووفر مِنْهُ على اولياء امير الْمُؤمنِينَ قبلك حُقُوقهم واوف رعيتك من ذَلِك حصصهم وتعهد مَا يصلح من امورهم ومعاشهم فانك إِذا فعلت ذَلِك قرت النِّعْمَة بملكك واستوجبت الْمَزِيد من الله وَكنت بذلك على جبابة خراجك وَجمع أَمْوَال رعيتك وخراجك اقدر وَكَانَ الْجَمِيع لما شملهم من عدلك واحسانك اسكن لطاعتك واطيب نفسا بِكُل مَا اردت فاجهد نَفسك فِيمَا حددت لَك فِي هَذَا الْبَاب ولتعظم خشيتك فِيهِ فَإِنَّمَا يبقي من المَال مَا انفق فِي سَبِيل الله وَفِي سَبِيل حَقه واعرف للشاكرين شكرهم واثبهم عَلَيْهِ واياك أَن تنسيك الدُّنْيَا وغرورها هول الاخرة فتتهاون بِمَا يحِق عَلَيْك فان التهاون يُورث التَّفْرِيط والتفريط يُورث الْبَوَار وَليكن عَمَلك لله وَفِيه وارج الثَّوَاب فان الله سُبْحَانَهُ قد اسبغ عَلَيْك نعْمَة فِي الدُّنْيَا واظهر لديك فَضله فاعتصم بالشكر وَعَلِيهِ فاعتمد يزدك الله خيرا واحسانا فان الله يثيب بِقدر شكر الشَّاكِرِينَ وسيرة الْمُحْسِنِينَ

стр. 702

واقض بِالْحَقِّ فِيمَا حملت من النعم والبست من الْكَرَامَة وَلَا تحقرن ذَنبا وَلَا تمارين حَاسِدًا وَلَا ترحمن فَاجِرًا وَلَا تصلن كفورا وَلَا تداهن عدوا وَلَا تصدقن نماما وَلَا تأممن غدارا وَلَا توالين فَاسِقًا وَلَا تتبعن غاويا وَلَا تحمدن مرائيا وَلَا تحقرن انسانا وَلَا تردن سَائِلًا فَقِيرا وَلَا تحسنن بَاطِلا وَلَا تلاحظن مضحكا وَلَا تخلفن موعدا وَلَا تزهون فخرا وَلَا تظهرن غَضبا وَلَا تأتين بذخا وَلَا تمشين مرحا وَلَا تزكين سَفِيها وَلَا تفرطن فِي طلب الاخرة وَلَا تدفعن الايام عمايا وَلَا تغمضن عَن ظَالِم رهبة مِنْهُ أَو مُحَابَاة وَلَا تَطْلُبن ثَوَاب الاخرة بالدنيا واكثر مُشَاورَة الْفُقَهَاء وَاسْتعْمل نَفسك بالحلم وَخذ عَن أهل التجارب وَذَوي الْعقل والرأي وَالْحكمَة وَلَا تدخلن فِي مشورتك أهل الرفه وَالْبخل وَلَا تسمعن مِنْهُم قولا فان ضررهم اكثر من نفعهم وَلَيْسَ شَيْء أسْرع فَسَادًا لما اسْتقْبلت فِيهِ أَمر رعيتك من الشُّح وَاعْلَم انك إِذا كنت حَرِيصًا كنت كثير الْأَخْذ قَلِيل الْعَطِيَّة وَإِذا كنت كَذَلِك لم يستقم لله امرك إِلَّا قَلِيلا فان رعيتك إِنَّمَا تعتمد على محبتك بالكف عَن اموالهم وَترك الْجور عَلَيْهِم ووال من صفا لَك من اوليائك بَالا فضال عَلَيْهِم وَحسن

стр. 703

الْعَطِيَّة لَهُم واجتنب الشُّح وَاعْلَم انه أول مَا عصى بِهِ الانسان ربه وان العَاصِي بِمَنْزِلَة الخزي وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ فسهل طَرِيق الْجُود بِالْحَقِّ وَاجعَل للْمُسلمين كلهم فِي فيئك حظا ونصيبا وايقن أَن الْجُود من افضل اعمال الْعباد فاعده لنَفسك خلقا وَارْضَ بِهِ عملا ومذهبا وتفقد الْجند فِي دواوينهم وامكنتهم وادرر عَلَيْهِم ارزاقهم ووسع عَلَيْهِم فِي معاشهم ليذْهب الله بذلك فاقتهم فيقوى لَك أَمرهم وتزيد بِهِ قُلُوبهم فِي طَاعَتك وامرك خلوصا وانشراحا وَحسب ذِي السُّلْطَان من السَّعَادَة أَن يكون على جنده ورعيته إِذا رَحْمَة فِي عدله وعطيته وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مَكْرُوه أحد الْبَابَيْنِ باستشعار فَضِيلَة الْبَاب الآخر وَلُزُوم الْعَمَل بِهِ تلق أَن شَاءَ الله بِهِ نجاحا وصلاحا وفلاحا وَاعْلَم أَن الْقَضَاء من الله تَعَالَى بِالْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ فَوْقه شَيْء من الْأُمُور لانه ميزَان الله تَعَالَى الَّذِي تعتدل عَلَيْهِ احوال النَّاس فِي الأَرْض وبإقامة الْعدْل فِي الْقَضَاء وَالْعَمَل تصلح احوال الرّعية وتأمن السبل وينتصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم وَيَأْخُذ النَّاس حُقُوقهم وتحسن الْمَعيشَة وَيُؤَدِّي حق الطَّاعَة ويرزق الله الْعَافِيَة والسلامة وَيقوم الدّين وتجري السّنَن والشرائع على مجاريها لتنجز الْحق وَالْعدْل فِي

стр. 704

الْقَضَاء وليتمكن ربحك ويقر جدك وَاسْتَوْفِ أَمر الله وتورع عَن الشُّبُهَات وامض لاقامة الْحُدُود واقلل العجلة وابعد وتورع عَن الشُّبُهَات وامض لاقامة الْحُدُود واقلل العجلة وابعد عَن الضجر والقلق وانتفع بتجربتك وانتبه فِي صمتك واسدد فِي منطقك وانصف الْخصم وقف عِنْد الشُّبْهَة وابلغ فِي الْحجَّة وَلَا تاخذك فِي أحد من عريتك مُحَابَاة وَلَا مجاملة وَلَا لومة لائم وَتثبت وتأن وراقب وَانْظُر وتفكر وتدبر وَاعْتبر وتواضع لِرَبِّك وارفق بِجَمِيعِ رعيتك وسلط الْحق على نَفسك وَلَا تسرعن إِلَى سفك دم فان الدِّمَاء من الله بمَكَان عَظِيم فإياك انتهاكا لَهَا بِغَيْر حَقّهَا وَانْظُر حق الْخراج الَّذِي استقامت عَلَيْهِ الرّعية وَجعله الله لِلْإِسْلَامِ عزا ورفعة ولاهله توسعه ومنعة ولعدوه وعدوهم كتبا وغيظا ولاهل الْكفْر من بغاتهم ومعاديهم ذلا وصغارا فوزعه بَين أَصْحَاب بِالْحَقِّ وَالْعدْل والسوية والعموم فِيهِ وَلَا ترفعن مِنْهُ شَيْئا عَن شرِيف لشرفه وَلَا عَن غَنِي لغناه وَلَا عَن كَاتب لَك وَلَا عَن أحد من خاصتك وَلَا حاشيتك وَلَا تأخذن مِنْهُ فَوق الِاحْتِمَال لَهُ وَلَا تكلفن أَمر فِيهِ شطط واحمل النَّاس كلهم على امن من الْخَوْف فان ذَلِك اجْمَعْ لالفتهم والزم لرضي الْعَامَّة وَاعْلَم انك جعلت بولايتك خَازِنًا وحافظا وراعيا وانما سمي أهل عَمَلك ورعيتك لانك راعيهم وقيمهم فَخذ مِنْهُم مَا اعطوك من عفوهم

стр. 705

ونفذه فِي قوام أَمرهم وصلاحهم وتقويم اودهم وَاسْتعْمل عَلَيْهِم ذَوي الرَّأْي وَالتَّدْبِير والتجربة والخبرة بِالْعَمَلِ وَالْعلم بالسياسة والعفاف ووسع عَلَيْهِم فِي الرزق فان ذَلِك من الْحُقُوق اللَّازِمَة لَك فِي مَا تقلدت وَاسْنِدِ اليك وَلَا يشغلك عَن شاغل وَلَا يصرفنك عَنهُ صَارف فانك مَتى اثرته وَقمت فِيهِ بِالْوَاجِبِ استدعيت بِهِ زِيَادَة النِّعْمَة من رَبك وَحسن الاحدوثة فِي عَمَلك واحرزت بِهِ الْمحبَّة من رعيتك واعنت على الصّلاح فَدرت الْخيرَات ببلدك وفشت الْعِمَارَة بناحيتك وَظهر الخصب فِي كورك وَكثر خراجك وتوفرت اموالك وقويت بذلك على ارتياض جندك ارْض الْعَامَّة بإفاضة الْعَطاء فَيعم من نَفسك وَكن مَحْمُود السياسة مرضى الْعدْل فِي ذَلِك عِنْد عَدوك وَكن فِي امورك كلهَا إِذا عدل وَقُوَّة والة وعدة فنافس فِي هَذَا وَلَا تقدم عَلَيْهِ شَيْئا تحمد مغبة امرك أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَاجعَل فِي كل كورة من عَمَلك امينا يُخْبِرك بِخَبَر عمالك وَيكْتب اليك بسيرهم واعمالهم حَتَّى كَأَنَّك مَعَ كل عَامل فِي عمله معاينا لأموره كلهَا وان اردت أَن تَأْمُرهُمْ بِأَمْر فَانْظُر فِي عواقب مَا اردت من ذَلِك فان رَأَيْت السَّلامَة فِيهِ الْعَافِيَة ورجوت فِيهِ حسن الدفاع والنصح والصنع فامضه وَألا فتوقف عَنهُ وراجع أهل الْبَصَر وَالْعلم بِهِ ثمَّ خُذ فِيهِ عدته فانه رُبمَا نظر الرجل فِي أَمر من اموره وَقد اتاه على مَا يهوي فاغواه ذَلِك

стр. 706

واعجبه فان لم ينظر فِي عواقبه اهلكه ونغص عَلَيْهِ امْرَهْ فَاسْتعْمل الحزم فِي كل مَا اردت وباشره بعد عون الله بِالْقُوَّةِ واكثر من استخارة رَبك فِي جَمِيع امورك وافرغ من عمل يويك وَلَا نؤخره لغدك واكثر مُبَاشَرَته بِنَفْسِك فان لغد امورا وحوادث تلهيك عَن عمل يَوْمك الَّذِي اخرت وَاعْلَم أَن الْيَوْم إِذا مضى ذهب بِمَا فِيهِ فَإِذا اخرت عمله اجْتمع عَلَيْك أَمر يَوْمَيْنِ فشغلك ذَلِك حَتَّى تمرض مِنْهُ وَإِذا امضيت يَوْم عمله ارحت بدنك ونفسك واحكمت امور سلطانك وَانْظُر احرار النَّاس وَذَوي الْفضل مِنْهُم مِمَّن بلوت صفاء طويتهم وشهرة مَوَدَّتهمْ لَك ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على امرك فاستخلصهم واحسن اليهم وتعاهد أهل البيوتات مِمَّن قد دخلت عَلَيْهِم الْحَاجة وَاحْتمل مؤونتهم واصلح حَالهم حَتَّى لَا يَجدوا لخلتهم مسا وافرد نَفسك للنَّظَر فِي امور الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَمن لَا يقدر على رفع مظْلمَة اليك والمحتقر الَّذِي لَا علم لَهُ بِطَلَب حَقه فسل عَنهُ اخفى مَسْأَلَة ووكل بأمثاله أهل الصّلاح من عريتك ومرهم بِرَفْع حوائجهم

стр. 707

وحالاتهم اليك لتنظر فِيهَا بِمَا يصلح الله بِهِ أَمرهم وتعاهد ذَوي البأساء ويتاماهم وار أملهم وَاجعَل لَهُم ارزاقا من بَيت المَال اقْتِدَاء بأمير الْمُؤمنِينَ اعزه الله تَعَالَى فِي الْعَطف عَلَيْهِم والصلة لَهُم ليصلح الله بذلك عيشهم يرزقك بِهِ بركَة وَزِيَادَة واجر للاضراء من بَيت المَال وَقدم حَملَة الْقرَان مِنْهُم والحافظون لاكثره فِي الجراية على غَيرهم وانصب لمرضى الْمُسلمين دورا تؤويهم وقوما يرفقون بهم واطباء يعالجون اسقامهم واسعفهم بشهواتهم مَا لم يؤد ذَلِك إِلَى سرف فِي بَيت المَال وَاعْلَم أَن النَّاس إِذا اعطوا حُقُوقهم وافضل امانيهم لم يرضهم ذَلِك وَلم تطب انفاسهم دون رفع حوائجهم إِلَى ولاتهم طَمَعا فِي نيل الزِّيَادَة وَفضل الرِّفْق بهم وَرُبمَا تبرم المتصفح لأمور النَّاس لِكَثْرَة مَا يرد عَلَيْهِ ويشغل ذكره وذهنه وفكره مِنْهَا مَا يَنَالهُ بِهِ مؤونة ومشقة وَلَيْسَ من يرغب فِي الْعدْل وَيعرف محَاسِن اموره فِي العاجل وَفضل ثَوَاب الاجل كَالَّذي يسْتَقلّ مَا يقربهُ من الله تَعَالَى ويلتمس بِهِ رَحمته واكثر الْآذِن للنَّاس عَلَيْك وابرز لَهُم وَجهك وَسكن لَهُم حواسك واخفض لَهُم جناحك واظهر لَهُم بشرك ولين لَهُم النُّطْق فِي الْمَسْأَلَة وَالتَّصْرِيح وَالنَّظَر واعطف عَلَيْهِم بجودك وفضلط وَإِذا اعطيت فأعط بسماحة وَطيب نفس وَالْتمس الصنيعة وَالْأَجْر من غير مكدر وَلَا منان للصنيعة فان الْعَطِيَّة على ذَلِك تِجَارَة مربحة أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَاعْتبر بِمَا ترى من امور الدُّنْيَا وَمن مضى من قبلك من أهل السُّلْطَان

стр. 708

والرياسة فِي الْقُرُون الخالية والامم البائدة ثمَّ اعْتصمَ فِي احوالك كلهَا بِأَمْر الله وَالْوُقُوف عِنْد محبته وَالْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وسنته واقامة دينة وَكتابه واجتنب مَا فَارق ذَلِك وَخَالفهُ ودعا إِلَى سخط الله واعرف مَا يجمع عمالك من الْأَمْوَال وَمَا يُنْفقُونَ مِنْهَا وَلَا تجمع حَرَامًا وَلَا تنْفق اسرافا واكثر مجالسة الْعلمَاء ومشاورتهم ومخالطبتهم وَليكن هَوَاك اتِّبَاع السّنَن واقامتها وايثار مَكَارِم الاخلاق ومعاليها وَليكن اكرم دخلائك عَلَيْك وخاصتك اليك من إِذا رأى عَيْبا فِيك فَلَا تَمنعهُ هيبتك من انهاء ذَلِك اليك فِي ستر واعلامك بِمَا فِيهِ من النَّقْص فان أُولَئِكَ انصح اوليائك ومظاهريك وَانْظُر عمالك الَّذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل مِنْهُم فِي كل يَوْم وقتا يدْخل عَلَيْك فِيهِ بكتبه ومؤامراته وَمَا عِنْده من حوائج عمالك وامور كورك ورعيتك ثمَّ فرغ لما يُورِدهُ عَلَيْك من ذَلِك سَمعك وبصرك وفهمك وعقلك وَكرر النّظر فِيهِ والتدبر لَهُ فَمَا كَانَ مُوَافقا للحق والحزم فامضه واستخر الله فِيهِ وَمَا كَانَ مُخَالفا لذَلِك فاصرفه إِلَى التثبت فِيهِ وَالْمَسْأَلَة عَنهُ وَلَا تمنن على رعيتك وَلَا على غَيرهم بِمَعْرُوف تؤتيه لَهُم وَلَا تقبل من أحد إِلَّا الْوَفَاء والاستقامة والعون فِي امور الْمُسلمين وَلَا تضعن الْمَعْرُوف إِلَّا على ذَلِك

стр. 709

وتفهم كتابي اليك واكثر النّظر فِيهِ وَالْعَمَل بِهِ واستعن بِاللَّه على جَمِيع امورك واستخره فان الله مَعَ الصّلاح واهله وَليكن اعظم شغلك وافضل رغبتك مَا كَانَ فِيهِ لله رضى ولدينه نظاما ولاهله عزا وتمكينا ولذمته عدلا وصلاحا وَأَنا اسْأَل الله أَن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك وَالسَّلَام قَالَ ابْن خلدون وَحدث الاخباريون أَن هَذَا الْكتاب لما ظهر وشاع امْرَهْ واعجب بِهِ النَّاس واتصل بالمأمون وَلما قريء عَلَيْهِ قَالَ مَا ابقى أَبُو الطّيب يَعْنِي طَاهِرا شَيْئا من امور الدُّنْيَا وَالدّين وَالتَّدْبِير والرأي والسياسة وَصَلَاح الْملك والرعية وَحفظ السُّلْطَان وَطَاعَة الْخُلَفَاء وتقويم الْخلَافَة إِلَّا وَقد احكمه واوصى بِهِ ثمَّ أَمر الْمَأْمُون فَكتب بِهِ إِلَى جَمِيع الْعمَّال فِي النواحي ليقتدوا يه ويعملوا بِمَا فِيهِ انْتهى

стр. 710

الْكتاب الرَّابِع فِي عوائد الْملك وعوارضه وَفِيه بَابَانِ أَحدهمَا فِي عوائقه الْمَانِعَة من دَوَامه وَالْآخر فِي عوارضه اللاحقة لوُجُوده الْبَاب الأول فِي عوائق الْملك الْمَانِعَة من دَوَامه وَلما كَانَ منعهَا من ذَلِك دَلِيلا على استحكام هرم الدولة بطروق الْخلَل اليها على وَجه لَا يتَخَلَّف عَنهُ مُقْتَضى مَا انذرت بِهِ من ذَلِك الْمَنْع كَانَ النّظر هُنَا منحصرا فِي التَّعْرِيف بِأُمُور ثَلَاثَة أَحدهَا الْعَوَائِق المنذرة بذلك وَالثَّانِي كَيْفيَّة طروق ذَلِك الْخلَل وَالثَّالِث أَن مُقْتَضى الانذار بِمَنْع دوَام الْملك لاستحكام هرمه لَا يتَخَلَّف

стр. 711

النّظر الأول فِي التَّعْرِيف بالعوائق المنذرة بِمَنْع دوَام الْملك وَهِي جملَة العائق الأول حُصُول الترف والتنعيم للقبيلة وَذَلِكَ لانها إِذا غلبت بعصبيتها بعض الغلب استولت على النِّعْمَة بمقداره وبحسب استظهار الدولة بِهِ وَإِذا بلغت الدولة غايتها من الغلب فنعوا بِمَا سوغوا من نعمتها بِهِ وشوركوا بِهِ من جبايتها فَلَا تسموهممهم إِلَى شَيْء من مُنَازع الْملك وَلَا يهتمون إِلَّا بِالْكَسْبِ وخصب الْعَيْش والاخذ بمذاهب الْملك فِي المباني والملابس فتذهب خشونة البداوة وتضعف العصبية والبسالة وتنشأ بنوهم واعقابهم فِي مثل ذَلِك حَتَّى يصير لَهُم سجية وخلقا فتنقص عصبيتهم وبسالتهم مَعَ تعاقب الاجيال إِلَى أَن تنفرض جملَة واذاك يتأذنون بالانقراض قَالَ ابْن خلدون وعَلى قدر ترفهم يكون اشرافهم على الفناء فضلا عَن الْملك فان عوارضه كاسرة من سُورَة العصبية الَّتِي بهَا التغلب واذا انقرضت قصر الْقَبِيل عَن المدافعة فضلا عَن الْمُطَالبَة استظهار قلت هُوَ معنى قَول أفلاطون الدول الطوَال تبتدأ بخشونة الطباع وَاسْتِعْمَال الْحَقَائِق وَحسن الطَّاعَة لله تَعَالَى ولولاة الْأَمر فَإِذا دفعت أعداءها وَأمن أَهلهَا كَانَت مدافعتهم بِهِ لَا عدائهم بازاء اخذهم بِنَصِيب من النعم الَّتِي تتهيأ لَهُم فَإِذا غرقوا فِي خصبها ورفاهة الْعَيْش بهَا شغلوا بالترفه عَن النُّصْرَة وبالهزل عَن الْجد وتحكمت عَلَيْهِم الْأَحْدَاث حَتَّى

стр. 712

لَا ينعصم أَمرهم على أحد طَلَبهمْ فينقضي امرها بِمن حاولها تمثل قالوهي تشبه الثَّمَرَة فَإِنَّهَا فِي بدئها خشنة الطّعْم ثمَّ ثمَّ تذكى فيتوسط امرها ثمَّ تنضج فَتكون مَعَ الاستطابة اقْربْ الثِّمَار إِلَى الْفساد والاستحالة العائق الثَّانِي لحاق المذلة للقبيل وانقيادهم لسواهم وَذَلِكَ لَان مذلتهم وانقيادهم دَلِيل على فقدان العصبية وعجزهم لذَلِك عَن المدافعة واولى عَن الْمُطَالبَة اعْتِبَار قَالَ ابْن خلدون وَاعْتبر ذَلِك فِي بني اسرائيل لما دعاهم مُوسَى ﵇ إِلَى ملك الشَّام مخبرا لَهُم بَان الله تَعَالَى قد كتبه لَهُم كَيفَ عجوزا وَقَالُوا أَن فِيهَا قوما جبارين وَأَنا لن ندْخلهَا حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا أَي بِضَرْب من الْقُدْرَة غير العصبية بل من معجزاتك يَا مُوسَى وَلما عزم عَلَيْهِم لجوا غي ارْتِكَاب الْعِصْيَان وقالوااذهب أَنْت وَرَبك فَقَاتلا انا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَذَلِكَ لما الفوا من الْعَجز عَن الْمُطَالبَة بِمَا حصل فيهم من خلق الانقياد وَبِمَا الفوا من الذل للقبط احقابا حَتَّى ذهبت عصبيتهم جملَة مَعَ انهم لم يُؤمنُوا حَقًا بِمَا اخبروا بِهِ من ملك الشَّام فأقصورا عَن ذَلِك بِمَا استحكم فيهم من خلق المذلة وطعنوا فِيمَا اخبروا بِهِ وامروا لاجله فعوقبوا بالتية وَهُوَ اقامتهم فِي قفر من الأَرْض مَا بَين الشَّام ومصرا اربعين سنة لم يأووا فِيهَا لعمران وَلَا نزلُوا مصرا حكمه بَالِغَة قَالَ وَيظْهر أَن حكمه ذَلِك التيه مَقْصُودَة وَهُوَ فنَاء الجيل

стр. 713

الَّذين خَرجُوا من قَبْضَة الذل والقهر وتخلفوا بِمَا افسدوا من عصبيتهم حَتَّى نَشأ فيهم جيل آخر لَا يعرف الْقَهْر وَلَا يسام بالمذلة فَلَا جرم اقتدروا بِمَا نَشأ لَهُم من العصبية على الْمُطَالبَة والتغلب قَالَ وَيظْهر من ذَلِك أَن الاربعين سنة اقل مَا يَأْتِي فِيهَا فنَاء جيل ونشأة جيل اخر فسبحانه الْحَكِيم الْعَلِيم قَالَ وَفِي هَذَا اوضح دَلِيل على شَأْن العصبية وانها الَّتِي بهَا المدافعة والمطالبة وان من فقدها عجز عَن جَمِيع ذَلِك انْتهى العائق الثَّالِث استحكام طبيعة الْملك من الِانْفِرَاد بالمجد وَحُصُول الترف وايثار الدعة بَيَان الأول أَن الْمجد مَتى كَانَ مُشْتَركا بَين العصبية كَانَ سَعْيهمْ لَهُ وَاحِدًا واستعانتهم فِي طلب الْعِزّ مَضْمُونَة وَإِذا انْفَرد بِهِ الْوَاحِد مِنْهُم على مَا يقدر أَن شَاءَ الله تَعَالَى كسر من سورتهم واستأثر بالأموال دونهم فتكاسلوا ولحقهم الهوان ومخامرة الذل ثمَّ الجيل الثَّانِي ينشأ على ذَلِك بِحَيْثُ لَا يَعْتَقِدُونَ إِلَّا أَن اعطاء السُّلْطَان اجْرِ لَهُم على الحماية وَقل أَن يسْتَأْجر أحد نَفسه على الْمَوْت وَذَلِكَ مُوجب لاقبال الدولة بِهِ على الْهَرم ولفساد العصبية بذهاب نجدتها

стр. 714

الذِّمَّة بِمَا كَانَ عَنهُ فِي غنى وَيزِيد فِي اكثر الصُّور قَالَ فالعاقل اللبيب يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْفِرَار من ذَلِك لَان غنيمَة الْمُسلم إِنَّمَا هِيَ بَرَاءَة ذمَّته وَمن استغلت ذمَّته قل أَن يسلم انْتهى مُلَخصا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة أَن طلب الرزق للاشتغال بِعلم الكيمياء لَيْسَ أَيْضا من طرق المعاش الطبيعي وَلَا من وُجُوه الْكسْب الْمَأْذُون فِيهِ شرعا بَيَان الأول أَن الصَّحِيح عِنْد غير وَاحِد من الْحُكَمَاء اسْتِحَالَة وجودهَا وَلذَلِك لم ينْقل عَن أحد من الْعلمَاء انه عشر عَلَيْهَا قَالَ وَمَا زَالَ منتحلوها يتخبطون فِيهَا عشواء إِلَى هَلُمَّ جرا وَلَا يظفرون الا بالحكايات الكاذبة قَالَ وَالَّذِي يجب أَن يعْتَقد وَهُوَ الْحق الَّذِي يعضده الْوَاقِع إِنَّهَا من جنس اثار النُّفُوس الروحانية وتصرفها فِي عَالم الطبيعة بِنَوْع كَرَامَة أَن كَانَت خيرة وَمن نوع السحر أَن كَانَت شريرة والمتكلمون فِيهَا من اعلام الْحُكَمَاء كجابر ومسلمة وَمن قبلهم إِنَّمَا نَحوا هَذَا

стр. 715

الْبَيَان الثَّانِي من وُجُوه أَحدهَا أَن الترف الطبيعي للْملك على مَا يَأْتِي أَن شَاءَ الله تَعَالَى يكثر عوائد الدولة حَتَّى لَا يَفِي دَخلهَا بخرجها ويزداد ذَلِك فِي الاجيال الْمُتَأَخِّرَة إِلَى أَن يقصر الْعَطاء عَن تِلْكَ العوائد وَيُطَالب صَاحبهَا بحصر النَّفَقَات فِي الحروبفلا يجد أَرْبَابهَا محصيا عَن ذَلِك فينزع مَا بأيدي الْكثير مِنْهُم لنَفسِهِ أَو لِبَنِيهِ وَذَوي صنائعه فيضعفون هم لذَلِك ويضعف هُوَ بضعفهم الثَّانِي أَن تقتصر الْعَطاء عَن النَّفَقَات إِذا كثر الترف يضْطَر السُّلْطَان إِلَى الزِّيَادَة فِيهِ وَمِقْدَار الجباية لَا يُوفي بذلك وان زيد فِيهِ بأحداث المكوس بَقِي بعد محدودا فَإِذا وزع على الاعطيات وَقد زيد فِيهَا لما كثر من الترف نقص عدد الحماية ثمَّ لَا يزَال الترف يتزايد والاعطيات كَذَلِك بِسَبَبِهِ إِلَى أَن يعود الْجَيْش إِلَى اقل الاعداد فتضعف الحماية ويتجاسر على الدولة من يجاورها من الدول وَمن تَحت ايديها من العصائب ويتأذن الله تَعَالَى بالفناء الَّذِي كتبه على خليقته الثَّالِث أَن الترف مُفسد لِلْخلقِ بِمَا يُوهم فِي النَّفس من الوان الشّعْر والسفسفة فتذهب فتذهب مِنْهُم خلال الْخَيْر الَّتِي كَانَت عَلامَة على نيل الْملك ويتصفون بنقيضها من خلال الشَّرّ الدَّالَّة على الادبار والانقراض وَتَأْخُذ الدولة مبادئ العطب وَينزل بهَا امراض مزمنة من الْهَرم إِلَى أَن يقْضِي عَلَيْهَا قلت هُوَ معنى قَول أفلاطون إِذا اقبلت المملكة خدمت الشَّهَوَات الْعُقُول وَإِذا ادبرت خدمت الْعُقُول الشَّهَوَات لانه لَا حَامِل على الترف إِلَّا حب الشَّهَوَات الْبَيَان الثَّالِث أَن الدعة الطبيعية للْملك على مَا يَأْتِي أَن شَاءَ الله تَعَالَى تصير عِنْد اتخاذها مألفا وخلقا وجبلة شَأْن العوائد كلهَا فتنشأ

стр. 716

الاجيال الْحَادِثَة على ذَلِك وينقلب خلق التوحش وينسون عوائد البداوة الَّتِي بهَا كَانَ الْملك من الْبَأْس والنجدة واذ ذَاك فَلَا فرق بَينهم وَبَين سوقة الْحَضَر إِلَّا فِي الشارة فتضعف حمايتهم وَيعود وبال ذَلِك على الدولة ثمَّ لَا يزالون يتلونون بعوائد السّكُون والدعة ورقة الْحَاشِيَة فِي جَمِيع الْأَحْوَال وهم فِي ذَلِك يبعدون عَن خشونة البداوة وينسلخون عَنْهَا شَيْئا فَشَيْئًا وينسون خلق البسالة الَّتِي كَانَت بهَا الحماية حَتَّى يعودوا عيالا على حامية أُخْرَى أَن كَانَت لَهُم اعْتِبَار قَالَ ابْن خلدون فَاعْتبر ذَلِك فِي الدول الَّتِي اخبارها فِي الصُّحُف لديك تَجِد مَا قلته من ذَلِك صَحِيحا من غير ربية قلت فِي الافلاطونيات الافراطات فِي الدول مبادئ الْفساد فَإِذا انصاف اليها ايثار الرَّاحَة والاستهانة بمشورة ذَوي التجارب والاتكال على البخت لم تلبث انجبار قَالَ وَرُبمَا يحدث فِي الدولة إِذا طرقها هَذَا الْهَرم بالترف والراحة أَن يتَخَيَّر صَاحبهَا انصارا وشيعا من غير جلدتهم مِمَّن تعود الخشونة وَالصَّبْر على الحروب ومعاناة الشدائد وَيكون ذَلِك دَوَاء للدولة من الْهَرم الَّذِي يتَوَقَّع طروفه حَتَّى يَأْذَن الله فِيهَا بأَمْره تعْيين وَاقع قَالَ كَمَا وَقع فِي التّرْك بالمشرق فَصَارَ غَالب جندهم الموَالِي المتخيرون من الممالك المجلوبين إِلَى مُلُوكهمْ فهم أجرأ على

стр. 717

الْحَرْب وَالصَّبْر على الشظف من ابناء الممالك الَّذين ربوا فِي مَاء النَّعيم ونشأوا فِي ظلّ الدعة والسكون قَالَ وَكَذَا فِي دولة الْمُوَحِّدين بأفريقية فان صَاحبهَا كثيرا مَا يتَّخذ جنده من زنانة الْعَرَب وَيتْرك أهل الدولة المتعودين للترف فتستجد الدولة بذلك عمرا اخر سالما من الْهَرم وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا العائق الرَّابِع ارهاف الْحَد وَبَيَانه أَن مصلحَة السُّلْطَان للرعية لَيست فِي ذَاته من حسن شكله أَو ملاحة وَجهه أَو اتساع علمه أَو ثقب ذهنه بل من حَيْثُ اضافته اليهم فان الْملك وَالسُّلْطَان من الْأُمُور الإضافية فالسلطان من لَهُ رعية يملكهَا والرعية من لَهَا سُلْطَان وَالصّفة الَّتِي لَهُ من حَيْثُ اضافته اليهم تسمى ملكة وَهِي كَونه يملكهم فان كَانَت حَسَنَة صَالِحَة كَانَ لَهُم مصلحَة وان كَانَت سَيِّئَة متعسفة كَانَ ضَرَرا عَلَيْهِم وهلاكا لَهُم والرفق اصل هَذِه الملكة الْحَسَنَة فبالسمح بِهِ يَسْتَقِيم أَمرهم وَيَشْرَبُونَ محبته ويستميتون دونه فِي محاربة اعدائه وَلَا كَذَلِك إِذا كَانَ قاهرا باطشا بالعقوبة منقبا عَن العورات وتعديد الذُّنُوب فَإِنَّهُم إِذْ ذَاك يستشعرون خَوفه ويلوذون مِنْهُ بِالْكَذِبِ وَالْمَكْر والخديعة وَإِذا تخلقوا بذلك فَسدتْ اخلاقهم وَرُبمَا خذلوه فِي مَوَاطِن الحروب لضعف الحماية بِفساد النيات أَو اجْتَمعُوا على قَتله لذَلِك فتفسد الدولة وان دَامَ على تِلْكَ الْحَالة فَسدتْ العصبية ففسد النظام

стр. 718

من اصله بِالْعَجزِ عَن الحماية فاتضح أَن ارهاف مُضر بِالْملكِ ومفسد لَهُ فِي الاكثر قلت وَهُوَ مَا أردنَا من تضمنه أَكثر عوائق الْملك وَهُوَ ظَاهر العائق الْخَامِس الْحجاب الْوَاقِع دَلِيلا على الْهَرم وَبَيَانه انه فِي تدريج الْوُقُوع ثَلَاثَة الْحجاب الأول عِنْد رسوخ عزا السُّلْطَان واحتياجه إِلَى الِانْفِرَاد بِنَفسِهِ وَذَلِكَ لَان الدلة فِي أول امرها أَن كَانَ قِيَامهَا بِالدّينِ فَهُوَ بعيد عَن مُنَازع الْملك وان كَانَ بالغلب بالبداوة وَالْحَاصِل بالعصبية كَذَلِك وَحِينَئِذٍ فصاحبها يكون سهل الْآذِن قَرِيبا من النَّاس فَإِذا رسخ عزه وَاحْتَاجَ إِلَى انْفِرَاده مَعَ اوليائه للمفاوضة فِي اموره لما يكثر عَلَيْهِ من الغاشية احتجب عَن الْعَامَّة وَاتخذ الْآذِن بِبَابِهِ على من لَا يأمنه فَيكون حاجبا لَهُ من النَّاس وَقَائِمًا بِبَابِهِ لهَذِهِ الوظيفية الْحجاب الثَّانِي إِذا استفحل الْملك وَجَاءَت مذاهبه المستحيل بهَا خلق

стр. 719

صَاحبه وَهِي خلق غَرِيبَة يحْتَاج مباشرها إِلَى مداراتها ومعاملتها بِمَا يجب لَهَا فَرُبمَا جهلها مِنْهُم بعض مباشرتهم فَوَقع فِيمَا لَا يرضيهم فسخطوه واسلموه إِلَى هوان الانتقام مِنْهُ فَانْفَرد بِمَعْرِِفَة هَذِه الاداب مَعَ الْخَواص من أَوْلِيَائِهِمْ وحجبوهم لمراعاتهم حِجَابا اخر اخص من الأول الْوَاقِع فِي أول الدولة على مَا تقدم كَمَا فِي ايام مُعَاوِيَة وَعبد الْملك من خلفاء بني امية وَهَذَا الثَّانِي يَقع عِنْد نِهَايَة عز الدولة وَكَمَال خلق الْملك كَمَا عِنْد مَجِيء دولة بني الْعَبَّاس فَدَعَا ذَلِك اليه وَصَارَ اسْم الْحَاجِب اخص بِهِ وَاتخذ بِبَاب الْخُلَفَاء داران أَحدهمَا للخاصة والاخرى للعامة على مَا هُوَ مسطور فِي أخبارهم الْحجاب الثَّالِث عِنْد مَحل دولة الحجز على السُّلْطَان وَذَلِكَ لَان مُؤَمل إلاستبداد بِهِ أول مَا يبْدَأ بِهِ وان حجب عَنهُ بطانة ابيه وخواص أوليائه موهما لَهُ أَن فِي مباشرتهم اياه خرق حجاب الهيبة وَفَسَاد قانون الادب ليقطع بذلك عَنهُ لِقَاء غَيره ويعوده مُلَابسَة اخلاقه إِلَى أَن يستحكم الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ تَعْرِيف قَالَ ابْن خلدون وَهَذَا الْحجاب لَا يَقع فِي الْغَالِب إِلَّا اخر الدولة دَلِيلا على هرمها ونفاذ قوتها قَالَ وَهُوَ مِمَّا يخشاه أهل الدول على أنفسهم لَان القائمين بالدولة يحاولون ذَلِك عِنْد هرمها وَذَهَاب الاستبداد من اعقاب مُلُوكهَا

стр. 720

لما ركب فِي النُّفُوس من صُحْبَة الِاسْتِقْلَال بِالْملكِ خَاصَّة مَعَ التشريح لذَلِك وَحُصُول دواعيه ومباديه وَالله غَالب على امْرَهْ العائق السَّادِس حجر السُّلْطَان والاستبداد عَلَيْهِ وَبَيَانه من وُجُوه أَحدهَا فِي وَقت حُدُوثه وَذَلِكَ إِذا اسْتَقر الْملك فِي نِصَاب معِين ومنبت وَاحِد من الْقَبِيل القائمين بِهِ وانفردوا بوارثته وَاحِدًا بعد وَاحِد بِحَسب الترشيح فَعنده يحدث التغلب على منصبه من الوزراء والحاشية الثَّانِي فِي سَببه وَهُوَ فِي الاكثر ولَايَة صبي صَغِير أَو مستضعف من أهل الْبَيْت يترشح لَهَا بعد ابيه أَو يخصمه بهَا ذووه وخوله فَيقوم بِهِ لعَجزه عَن الاستبداد كافله من وزرائه أَو حَاشِيَته أَو قَبيلَة موريا بِحِفْظ امْرَهْ عَلَيْهِ حَتَّى يؤنس مِنْهُ الْحجر وجاعلا ذَلِك ذَرِيعَة للْملك فيحجب الصَّبِي ويعوده اللَّذَّات الَّتِي يَدْعُو اليها الترف وينسيه النّظر فِي الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة حَتَّى يعْتَقد أَن حَظّ السُّلْطَان من الْملك إِنَّمَا هُوَ الْجُلُوس على السرير وخطاب التهويل وَالْقعُود مَعَ النِّسَاء خلف الْحجاب وان العقد والحل وَالْأَمر وَالنَّهْي وَالْولَايَة والعزل ومباشرة الاحوال الملوكية من النّظر فِي الْجند وَالْمَال والثغور إِنَّمَا هُوَ للوزير فَيسلم لَهُ فِي ذَلِك إِلَى أَن يتَحَوَّل الْملك اليه باستحكام صبغة الرياسة والاستبداد ويورثه عشيره وابناءه من بعده كَمَا وَقع لبني بويه

стр. 721

وَالتّرْك وكافور الاخشيدي وَغَيرهم بالمشرق وللمنصور ابْن أبي عَامر بالأندلس الثَّالِث فِي مضرته بِالْملكِ وانذاره بالبوار غَالِبا وَلَا يخفي ذَلِك من اخلاله بِالْقَصْدِ من السُّلْطَان وَمرض الدولة بِهِ إِذْ لَا بر مِنْهُ إِلَّا فِي الاقل النَّادِر وَالله يوتي ملكه من يَشَاء اسْتِدْرَاك قَالَ ابْن خلدون وَقد يتقطن ذَلِك الْمَحْجُور لشأنه فيحاول الْخُرُوج من ربقة الْحجر ليرْجع الْملك إِلَى نصابه إِمَّا بقتل المتغلب أَو دَفعه عَن الرُّتْبَة فَقَط إِلَّا أَن ذَلِك نَادِر لِأَن الدولة إِذا أخذت فِي تغلب الوزراء والأولياء اسْتمرّ لَهَا ذَلِك وَقل أَن تخرج عَنهُ لانه إِنَّمَا يُوجد غَالِبا من الترف ونشأة ابناء الْملك منغمسين فِي نعْمَة قد نسوا عهد الرجولة والفوا اخلاق الدِّيات والاظار فَلَا ينزعون إِلَى رياسة وَلَا يعْرفُونَ استبداد من تغلب إِنَّمَا هَمهمْ فِي القنوع بالألفة والتفنن فِي أَنْوَاع الترف العائق السَّابِع استظهار السُّلْطَان على قومه وَذَوي عصبيته بِالْمَوَالِي والمصطنعين وَذَلِكَ لانه فِي الطّور الثَّانِي على مَا يَأْتِي أَن شَاءَ الله تَعَالَى ينْفَرد فِيهِ بالمجد دونهم ويدافعهم عَنهُ بِالرِّمَاحِ واذ ذَاك يصيرون من بعض اعدائه فَيحْتَاج إِلَى من يستظهر بِهِ عَلَيْهِم من غير جلدتهم فِي مدافعتهم عَن الْأُمُور وصدهم عَن الْمُشَاركَة ليستخلفهم لذَلِك ويقلدهم

стр. 722

جليل الاعمال والولايات من الوزارة والقيادة والجباية وَمَا يخْتَص بِهِ لنَفسِهِ لانهم حِينَئِذٍ أولياؤه الاقربون ونصحاؤه الاخلصون قَالَ ابْن خلدون وَذَلِكَ مُؤذن باهتضام الدولة وعلامة على مَرضهَا المزمن لفساد العصبية الَّتِي كَانَ الغلب بهَا وَمرض قُلُوب أهل الدولة لما لحقهم من الامتهان وعداوة السُّلْطَان فيحقدون عَلَيْهِ ويتربصون بِهِ الدَّوَائِر وَيعود وبال ذَلِك على الدولة وَلَا يطْمع فِي برءها من هَذَا الدَّاء لانه مَا مضى يتَأَكَّد فِي الاعقاب إِلَى أَن يذهب رسمها قلت هُوَ معنى قَول أفلاطون يسْتَدلّ على ادبار الْملك من قَصده المخلصين لَهُ بالسوء اعْتِبَار قَالَ وَاعْتبر ذَلِك فِي دولة بني امية كَيفَ كَانُوا إِنَّمَا يستظهرون فِي الحروب والولايات بِرِجَال الْعَرَب كعمر بن سعد وَعبيد الله بن زِيَاد وَالْحجاج بن يُوسُف والمهلب بن أبي صقره وخَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وَابْن هُبَيْرَة ومُوسَى بن نصير وبلال بن أبي بردة وَنصر بن سيار

стр. 723

وامثالهم وَكَذَلِكَ صدر بن الْعَبَّاس فَلَمَّا صَارَت الدولة للانفراد بالمجد وكبح الْعَرَب عَن التطاول للولايات صَارَت الوزارة للعجم والصنائع من البرامكة وَبني سهل وَبني بويه وموالي التّرْك مثل بغا ووصيف وَابْن طولون وابنائهم وَغَيرهم فَتَصِير الدولة لغير من مهدها والعز لغير من اجتلبه سنة الله فِي عبَادَة العائق الثَّامِن انقسام الدولة الْوَاحِدَة إِلَى دولتين قَالَ ابْن خلدون وَهُوَ أول مَا يَقع فِيهَا من اثار الْهَرم وَذَلِكَ لَان الْملك عِنْد مَا يستحفل وينفرد صَاحبه بالمجد يأنف حِينَئِذٍ من الْمُشَاركَة وَيصير إِلَى قطع اسبابها باهلاك من استراب بِهِ من قرَابَته المرشحين لمنصبه واذ ذَاك يتخوفون على أنفسهم وينزعون إِلَى القاصية ويجتمع اليهم من يلْحق بهم فِي التخوف فيستبد ذَلِك المنازع فِيهَا وَلَا يزَال امْرَهْ يتعاظم لتراجع نطاق الدولة حَتَّى يقاسمها أَو يكَاد

стр. 724

استشهاد وَلُزُوم هَذَا الانقسام متكرر الْوُقُوع فِي دوَل عديدة الدولة الأولى دولة الْعَرَب صدر الْإِسْلَام قَالَ ابْن خلدون كَانَ امرها مجتمعا ونطاقا ممتدا وعصبية بني عبد منف غالبة على سَائِر مُضر لم ينبض عرق من الْخلاف سَائِر ايامهم إِلَّا مَا كَانَ من ظُهُور الْخَوَارِج لاقامة بدعتهم لَا لنزعة ملك ورياسة وَلم يتم أَمرهم لمزاحمتهم العصبية القوية وَلما خرج الْأَمر من بني لبني الْعَبَّاس وَكَانَت الدولة الْعَرَبيَّة قد بلغت الْغَايَة من الغلب والترف وآذنت بالتقلص عَن القاصية نزع عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل إِلَى الأندلس قاصية دولة الْإِسْلَام واستحدث بهَا ملكا وصير الدولة بهَا دولتين ثمَّ نزح ادريس إِلَى الْمغرب وَقَامَ بأَمْره وامر ابْنه من بعده البرابرة واستولوا على قاصية الْمغرب وَمن ثمَّ ازدادت الدولة تقلصا فامتنعت الاغالبة عَلَيْهَا ثمَّ خرجت الشِّيعَة وَقَامَ بأمرهم كتامة وصنهاجة واستولوا على افريقية وَالْمغْرب ثمَّ مصر وَالشَّام والحجاز

стр. 725

وغلبوا على الادارسة وَصَارَت الدولة الْعَرَبيَّة ثَلَاث دوَل دولة بني الْعَبَّاس يمركز الْعَرَب ومادة الْإِسْلَام ودولة بني امية المجددة بالأندلس ودولة العبيديين بأفريقية ومصر وَالشَّام والحجاز الدولة الثَّانِيَة دولة بني الْعَبَّاس انقسمت كَذَلِك دولا قَالَ فَكَانَ فِي الجزيرة والموصل بَنو حمدَان وَبَنُو عقيل بعدهمْ وبمصر وَالشَّام بَنو طولون وَبَنُو طغج بعدهمْ وبالقاصية بَنو سامان فِيمَا وَرَاء النَّهر وخراسان والعلوية فِي الديلم وطبرستان وَال ذَلِك إِلَى اسْتِيلَاء الديلم على فَارس والعراقين وعَلى بَغْدَاد وَالْخُلَفَاء ثمَّ جَاءَ السلجوقية وملكوا جَمِيع ذَلِك فانقسمت دولتهم بعد الاستفحال كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي أخبارهم الدولة الثَّالِثَة دولة صنهاجة بالمغرب وافريقية قَالَ لما بلغت إِلَى غايتها ايام بادس ابْن الْمَنْصُور وَخرج عَلَيْهِم عَمه حَمَّاد واقتطع ممالك الْمغرب لنَفسِهِ مَا بَين جبل اوراس إِلَى تلمسان وملوية واختط القلعة بجبل كتامه واستحدث ملكا اخر قسيما لملك آل بادس

стр. 726

وَبَقِي آل بادس بالقيروان وَمَا ولاها وَلم يزل ذَلِك إِلَى انْقِرَاض امرها جَمِيعًا الدولة الرَّابِعَة دولة الْمُوَحِّدين قَالَ لما تقلص ظلها بأفريقية بَنو أبي حَفْص فاستقلوا بهَا واستحدثوا ملكا لاعقابهم بنواحيها ثمَّ لما استفحل أَمرهم واستولوا على الْغَايَة خرج بالممالك الغربية من أَعْقَابهم الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّا يحي ابْن السُّلْطَان أبي اسحاق رَابِع خلفائهم واستحدث ملكا ببجاية وقسنطنية وَمَا والاها وورثة بَينه وقسموا بِهِ الدولة قسمَيْنِ ثمَّ استولوا على كرْسِي الحضرة بتونس ثمَّ انقسم الْملك مَا بَين أَعْقَابهم ثمَّ عَاد الِاسْتِيلَاء فيهم تَعْرِيف قَالَ وَقد يَنْتَهِي الانقسام إِلَى اكثر من دولتين أَو ثَلَاثَة فِي غير اعياص الْملك من قومه كَمَا وَقع فِي مُلُوك الطوائف بالأندلس وملوك الْعَجم بالمشرق ومملوك صنهاجة بأفريقية فقد كَانَ لاخر أَمرهم فِي كل حصن من حصون إفريقية ثأر مُسْتَقل وَكَذَلِكَ حَال الجريد والزاب قبيل هَذَا الْعَهْد

стр. 727

قَالَ وَكَذَا شَأْن كل دولة لَا بُد وان يعرض فِيهَا عوارض الْهَرم بالترف والدعة وتقلص ظلّ الغلب فينقسم اعياصها أَو من يغلب من رجال دولتها الْأَمر ويتعدد فِيهَا الدول وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا النّظر الثَّانِي فِي التَّعْرِيف بكيفية طروق الْخلَل إِلَى الدول لما كَانَ مبْنى الْملك على اساس لَا بُد مِنْهُمَا أَحدهمَا العصبية وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بالجند وَالثَّانِي المَال الَّذِي هُوَ قوام الْجند وَمَا يحْتَاج اليه الْملك والخلل إِذا طرق الدولة طرقها فِي هذَيْن الاساسين بَيَان طروق الْخلَل فِي العصبية وَذَلِكَ إِذا احاط بذوي التَّمْهِيد بهَا للدولة هادمان أَحدهَا الترف المستحيل بِهِ خلق البسالة على مَا تقدم بَيَانه الثَّانِي الْعَهْد الَّذِي يَأْخُذهُمْ بِهِ صَاحب الدولة إِذا جَاءَت طبيعة الْملك ثمَّ يصير اخذا إِلَى النّيل لما يحصل من مرض قُلُوبهم عِنْد رسوخ الْملك لصَاحبه فتأخذهم بِهِ غَيره مِنْهُ على ملكه خُصُوصا ذَوي قرباه المقاسمين لَهُ فِي اسْم الْملك فتفسد عصبيته مِنْهُم وَهِي العصبية الْكُبْرَى الَّتِي بهَا جمع العصائب واستتباعها ويستبدل مِنْهَا بِالْمَوَالِي والمصطنعين وَلَا تكون عصبيتهم مثل ذَلِك فِي شدَّة الشكيمة لفقدان الرَّحِم مِنْهَا فينفرد عَن الْعَشِيرَة

стр. 728

وهم أهل النعرة الطبيعية ويشعر بذلك أهل العصائب الْأُخْرَى فيتجاسرون عَلَيْهِ وعَلى بطانته تجاسرا طبيعيا فِيمَا لَهُم ويتبعهم بِالْقَتْلِ وَاحِدًا بعد وَاحِد ويقلد الآخر من أهل الدولة فِي ذَلِك الأول مُضَافا لما نزل بِهِ من مهلكة الترف فيستولي عَلَيْهِم الْهَلَاك ترفا وقتلا حَتَّى يخرجُوا عَن ضبغة العصبية الأولى ويصيروا اجزاء على الحماية لتقل الحماية النَّازِلَة بالأطراف والثغور فتتجاسر الرّعية على بعض الدولة فِي ذَلِك ويبادر الْخَوَارِج من الاعياص وَغَيرهم إِلَى تِلْكَ الاطراف لما يرجعُونَ من حُصُول غرضهم بمتابعة أَهلهَا لَهُم وامنهم من وُصُول الحماية اليها وَلَا يزَال كل ذَلِك يتدرج ونطاق الدولة ضائق حَتَّى يتقربوا من مَرْكَز الدولة وَرُبمَا انقسمت الدولة عِنْد ذَلِك بدولتين أَو ثَلَاث على قدر قوتها فِي الأَصْل كَمَا تقدم وَيقوم بأمرها غير أهل عصبيتها اذعانا لَهُم ولغلبهم الْمَعْهُود اعْتِبَار قَالَ ابْن خلدون وَاعْتبر هَذَا فِي دولة الْإِسْلَام انْتَهَت أَولا إِلَى الأندلس والهند والصين وَكَانَ أَمر بني امية نَافِذا فِي جَمِيع الْعَرَب بعصبية بني عبد منَاف حَتَّى لقد أَمر سُلَيْمَان بن عبد الْملك من دمشق بقتل عبد الْعَزِيز ابْن مُوسَى بن نصير بقرطبة فَقتل وَلم يرد امْرَهْ ثمَّ تلاشت

стр. 729

لما اصابهم من الترف فانقرضوا وَجَاء بَنو الْعَبَّاس فغضوا من اعنه بني هَاشم وقتلوه الطالبين وشردوهم فنلاشت عصبية بني عبد منَاف وتجاسر الْعَرَب عَلَيْهَا فاستبد عَلَيْهَا أهل القاصية مثل بني الاغلب بأفريقية واهل الأندلس وَغَيرهم وانقسمت الدولة ثمَّ خرج بَنو ادريس بالمغرب وَقَامَ البربر بأمرهم اذغانا للعصبية الَّتِي لَهُم وامنا من وُصُول الحماية اليهم تَحْصِيل وَاقع قَالَ فَإِذا خرجت الدعاة اخرا تغلبُوا على الاطراف والقاصية وحصلوا هُنَاكَ ملكا تَنْقَسِم بِهِ الدولة وَرُبمَا زادوا على ذَلِك مَتى زَادَت الدولة تقلصا إِلَى أَن ينْتَهوا إِلَى المركز وتضعف بذلك الدولة على إِنَّهَا رُبمَا طَال امرها إِذْ اذك فيستغني عَن العصبية بِمَا حصل لَهَا فِي نفوس ابالتها من صبغة الانقياد وَالتَّسْلِيم مُنْذُ سنتَيْن طَوِيلَة مُنْضَمًّا لاكتفاء صَاحبهَا بالأجراء على الحماية من جندي ومرتزق وَقَالَ وَرُبمَا كَانَت الدولة فِي هَذِه الْحَال اسْلَمْ من المخارجة والمنازعة لاستحكام صبغة التَّسْلِيم والانقياد بذلك إِذْ النُّفُوس تحدث سرها بمخالفة وَلَا يختلع فِي ضميرها انحراف عَن الطَّاعَة فَيكون اسْلَمْ من الْهَرج والانتقاض الْحَادِث بالعصائب والعشائر

стр. 730

ثمَّ قَالَ لَا يزَال أَمر الدولة كَذَلِك وَهِي تتلاشى فِي ذَاتهَا شَأْن الْحَرَارَة الغزيرة فِي الْبدن العادم للغذاء إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى وَقتهَا الْمَقْدُور فَلِكُل اجل كتاب وَلكُل دولة امد وَالله يقدر اللَّيْل وَالنَّهَار بَيَان طروق الْخلَل فِي المَال وَيظْهر ذَلِك من تَقْرِير احوال الِاحْتِيَاج اليه وَهِي ثَلَاثَة أَحدهَا حَالَة الاقتصاد فِي النَّفَقَة وَالتَّعَفُّف عَن الْأَمْوَال وَذَلِكَ فِي أول الدولة حِين تكون اخلاقها البدوية مقتضية لذَلِك ومتجافية عَن خلق الْكيس فِي جمع الْأَمْوَال فَلَا تسرف حِينَئِذٍ وَلَا دَاعِيَة اليه الثَّانِي حَال كَثْرَة الانفاق والاقدام على الْمَزِيد فِي الجباية بأحداث المكوس وَذَلِكَ عِنْد استفحال الْملك واستدعائه لعوائد الترف وَظَاهر أَن ذَلِك مبدأ ظُهُور الترف وطليعة طوارق الْخلَل من هَذِه الْجِهَة

стр. 731

الثَّالِث حَال افراط كَثِيرَة المؤونة وَمد الْيَد إِلَى التعدى على الْأَمْوَال بِشُبْهَة أَو بِدُونِهَا زَائِدا على التِّجَارَة ومضاعفة المكوس وَذَلِكَ عِنْد تزايد احوال الترف واستطالة الْملك بالقهر والاعتساف مزِيد بَيَان استحكام الْخلَل هُنَا وَاضح الظُّهُور وَمِنْه مُضَافا لما ظهر مِنْهُ امور أَحدهَا أَن الْجند يتجاسرون على الدولة لفشلها وهرم عصيبتها فيبادرهم صَاحبهَا بإفاضة الْعَطاء وَكَثْرَة الاحسان وَلَا يجد من ذَلِك بدا الثَّانِي أَن جباة الْأَمْوَال إِذْ ذَاك تَعْظِيم ثروتها بِكَثْرَة مَا بِأَيْدِيهِم من الجباية وَقد يَتَّسِع لذَلِك جاههم فَيَهْتَمُّونَ باحتجا ن الْأَمْوَال وتفشو السّعَايَة فيهم بَعضهم من بعض مُنَافَسَة وحسدا فتعمهم المصادرات وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى أَن تتلاشى أَحْوَالهم ويفقد مَا كَانَ للدولة بهم من الابهة وَالْجمال وبعدهم يتَجَاوَز إِلَى أهل الثروة من الرعايا سواهُم قلت الْخلَل هُنَا حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ فِي تجَاوز المصادرة إِلَى من سواهُم واما بفقد الابهة وَالْجمال أَمر قريب شرعا وسياسة عادلة الثَّالِث أَن الشَّوْكَة عِنْد ذَلِك أَيْضا تضعف عَن الاستطالة والقهر فيعدل بِصَاحِب الدولة لَا محَالة إِلَى المداراة لهَذَا الْخلَل ببذل المَال وَيَرَاهُ نفع من السَّيْف لقلَّة غنائه فتعظم حَاجَتهَا إِلَى الْأَمْوَال وَلَا يُغني فِيمَا يُرِيد نِهَايَة حَال لَا خَفَاء يتناهى استحكام خلل الدولة عِنْد مصيرها إِلَى هَذِه الْغَايَة وتعرضها بِهِ لاستيلاء الطَّالِب عَلَيْهَا أَن قَصدهَا

стр. 732

قَالَ ابْن خلدون وَألا بقيت وَهِي تلاشى إِلَى أَن تضمحل كالذبال فِي السراج إِذا فنى زينته طفئ وَالله مَالك الْأُمُور ومدبر الاطوان لَا اله إِلَّا هُوَ قلت فِي الافلاطونيات علل الدولة كَثِيرَة وأبعدها علل العوز وَهِي تشبه نَفاذ الرُّطُوبَة من الْعُضْو فَإِنَّهَا اصعب برءا من زِيَادَة الرُّطُوبَة فِيهِ النّظر الثَّالِث فِي التَّعْرِيف بَان مُقْتَضى الانذار بِمَنْع دوَام الْملك لاستحكام هرمه لَا يتَخَلَّف وَعبر عَنهُ ابْن خلدون بَان الْهَرم إِذا نزل بالدولة لَا يرْتَفع قَالَ لانه لكا كَانَ طبيعي الْحُدُوث للدولة ضَرُورَة أَن اسبابه وَهِي الْعَوَائِق المنذرة بِهِ على مَا تقرر كَذَلِك فارتفاعه اذن لَا يُمكن كَمَا فِي حُدُوثه للمزاح الحيواني لَان مَا هُوَ طبيعي لَا يسْتَبْدل تَنْبِيهَانِ أَحدهَا قَالَ وَقد يتَنَبَّه كثير من أهل الدولة مِمَّن لَهُ يقظة فِي السياسة فَيرى مَا نزل بِهِ من اسباب الْهَرم ويحبسه مُمكن الاتفاع فَيَأْخُذ فِي تلافي الدولة واصلاح مزاجها ظنا مِنْهُ أَن التَّقْدِير لحقها من الْغَفْلَة عَن التلافي وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهَا امور طبيعية والعوائد هِيَ الْمَانِعَة من ذَلِك لانها أَيْضا طبيعية فان من اِدَّرَكَ اباه وكبراء أهل بَيته يلبسُونَ الْحَرِير ويتحلون بِالذَّهَب فِي السِّلَاح والمراكب ويتحتجبون عَن النَّاس فِي الْمجَالِس والصلوات لَا يُمكنهُ الْمُخَالفَة فِي ذَلِك إِلَى الخشونة فِي اللبَاس والزي والاختلاط بِالنَّاسِ وَلَو فعل ذَلِك لرمي بالجنون والوسواس فِي الْخُرُوج من

стр. 733

العوائد دفْعَة وخشي عاقبته فِي سُلْطَانه قَالَ وَانْظُر شان الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي إنكارهم العوائد ومخالفتها لَوْلَا التأييد الإلهي قَالَ وَرُبمَا تكون العصبية قد ذهبت فَتكون الابهة عوضا من موقعها من النُّفُوس فَإِذا ازيلت مَعَ ضعف العصبية تجاسر الرعايا على الدولة بذهاب اوهام الابهة فيتدرع بهَا مَا امكن حَتَّى يَنْقَضِي الْأَمر الثَّانِي قَالَ وَرُبمَا تحدث عِنْد اخر الدولة قُوَّة توهم أَن الْهَرم قد ارْتَفع عَنْهَا ويومض ذبالها ايماضة الخمود كَمَا فِي الذبال المشتعل فانه عِنْد مقاربة انطفائه يُومِض ايماضة توهم إِنَّهَا اشتعال وَهِي انطفاء قَالَ فَاعْتبر ذَلِك وَلَا تغفل سر الله وحكمته فِي اطراد وجوده على مَا قدر فِيهِ فَلِكُل اجل كتاب

стр. 734

الْبَاب الثَّانِي فِي عوارض الْملك اللاحقة لطبيعة وجوده وَلما كَانَ السَّعْي فِي اخْتِيَار الْمنَازل الحضرية الِاجْتِمَاع واكتساب المعايش والعلوم مُتَأَخّر بُلُوغ الْغَايَة فِيهِ من وجود الْملك وَمن عوارضه بِاعْتِبَار رَأينَا تَكْمِيل التَّعْرِيف بعوارض الْملك من حَيْثُ هُوَ بتقرير مَا تَأَخّر من ذَلِك عَن وجوده فَهُنَا اربعة فُصُول أَحدهَا فِي عوارض الْملك من حَيْثُ هُوَ الثَّانِي فِي اخْتِيَار الْمنَازل الحضرية الِاجْتِمَاع الثَّالِث فِي اكْتِسَاب المعايش الرَّابِع فِي اكْتِسَاب الْعُلُوم فلنأت بهَا ملخصة من كَلَام ابْن خلدون ﵀ بِحَسب اللَّائِق بِهَذَا الْمقَام الْفَصْل الأول فِي عوارض الْملك من حَيْثُ هُوَ وَهِي جملَة تذكرها مَعَ مَا يلْحق بهَا فِي مضمن مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى انْفِرَاد صَاحب الدولة بالمجد وَذَلِكَ لَان الْملك على مَا سلف إِنَّمَا هُوَ بالعصبية وَهِي متالفة من عصبيات كَثِيرَة تغلبها وَاحِدَة مِنْهَا لوَقْتهَا حَتَّى يصير جَمِيعهَا فِي ضمنهَا وَبِذَلِك يحصل الِاجْتِمَاع والغلب على النَّاس

стр. 735

حِكْمَة طبيعية قَالَ وسره أَن العصبية الْعَامَّة للقبيل هِيَ مثل المزاح للمتكون وَهُوَ إِنَّمَا يكون عَن العناصر وَقد تبين فِي مَوْضِعه إِنَّهَا إِذا اجْتمعت اجْتمعت متكافئة لَا يَقع مِنْهَا مزاج أصلا إِلَّا بعد أَن يغلب فِيهَا وَاحِد اجْتمعت على الآخر وَحِينَئِذٍ يَقع الامتزاج قَالَ وَكَذَلِكَ تِلْكَ العصبيات لَا بُد من غَلَبَة وَاحِدَة مِنْهَا حَتَّى تجمعها وتضمها وتصيرها عصبية وَاحِدَة كبرى وَلَا يُوجد ذَلِك إِلَّا لِذَوي رياسة فيهم ثمَّ لَا بُد من تعْيين وَاحِد مِنْهُم لرياسة الْجَمِيع لغَلَبَة منتبه وغرسه تركيب قَالَ وَإِذا تعين لَهُ ذَلِك فَمن الطبيعة الحيوانية خلق الْكبر والانفة فترجح حِينَئِذٍ عَن الْمُشَاركَة فِي استتباعهم وَيَجِيء خلق التأله الَّذِي فِي طباع الْبشر على مَا تَقْتَضِيه السياسة من انْفِرَاد الْحَاكِم لفساد النظام بالتعدد لَو كَانَ فيهمَا الهة إِلَّا الله لفسدتا ليجدع انوف العصبية ويصدهم عَن الْمُشَاركَة لَهُم فِي التحكم وَيخْتَص بِهِ مَا اسْتَطَاعَ حَتَّى لَا يتْرك لاحدهم ناهزا فِي الْأَمر وَلَا حملا فيفرد لَا محَالة بالمجد كُله قَالَ وَقد يتم ذَلِك للْأولِ من مُلُوك الدولة وَقد لَا يتم إِلَّا للثَّانِي أَو الثَّالِث على قدر ممانعة العصبيات وقوتها إِلَّا انه أَمر لَا بُد لَهُ مِنْهُ فِي الدول سنة الله فِي عباده الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الترف وَذَلِكَ أَن الْأمة إِذا تغلبت على مَا يبد ذَوي الْملك قبلهَا كثر رياشها وعوائد نعمها وتجاوزوا ضروريات الْعَيْش وخشونته

стр. 736

إِلَى نوافله ورقته وَتصير لتِلْك النَّوَافِل عوائد ضَرُورِيَّة فِي تَحْصِيلهَا تابعين فِي ذَلِك سنَن من قبلهم فِي آكل الطّيب ولس الانيق وركوب الفاره واستجادة الْفرش والانية إِلَى اخر الدولة على قدر حَالهم يكون حظهم مِنْهُ إِلَى أَن يبلغُوا مِنْهُ الْغَايَة الَّتِي للدولة أَن تبلغها بِحَسب قوتها وعوائد من قبلهَا سنة الله فِي خلقَة المسالة الثَّالِثَة الدعة والسكون وَذَلِكَ لَان الْملك لَا يحصل إِلَّا بالمطالبة وَإِذا حصلت غايتها مِنْهُ انْقَضى السَّعْي اليهما كَمَا قيل (عجبت لسعي الدَّهْر بيني وَبَينهَا ... فَلَمَّا انْقَضى مَا بَيْننَا سكن الدَّهْر) وَعند ذَلِك يقصرون عَن المتاعب المتكلفة فِي طلبه ويؤثرون الرَّاحَة والسكون وَالرُّجُوع إِلَى تَحْصِيل ثَمَرَات الْملك من مباني الْقُصُور واجراء الْمِيَاه واغتراس الروضات والتأنق فِي الملابس والمطاعم والانية والفرش والاستمتاع بِسَائِر احوال الدُّنْيَا ويورثون من بعدهمْ من الاجيال وَلَا يزَال تزايد فيهم إِلَى أَن يَأْذَن الله فِيهِ بأَمْره الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة شاراته الْخَاصَّة بِهِ لتميز السُّلْطَان بانتحالها عَن الرّعية والبطانة وَسَائِر الرؤساء لما تَقْتَضِيه الابهة والبذخ والمشتهر مِنْهَا جملَة الشارة الأولى الالة وَهِي ضَرْبَان الضَّرْب الأول الألوية والرايات وَمِنْهَا فَوَائِد الْفَائِدَة الأولى إِنَّهَا من شعار الحروب مُنْذُ عهد الخليقة فَلم تزل

стр. 737

بهَا الموحدون فِي أول دولتهم بالمغرب لما كَانُوا عَلَيْهِ من مُنَازع الدّيانَة والتورع عَن لِبَاس الْحَرِير وَالذَّهَب فاسقطوا وَظِيفَة الاقامة لَهَا وَنعم مَا فعلوا الثانة جِهَة الْعِنَايَة بهَا فِي ابهة الْملك عِنْد اخذه بمذاهب الترف فَمن هُنَا نلخص من كَلَام ابْن خلدون مَا يَقْتَضِيهِ التَّعْرِيف بعوارض الْملك وَالْحق من وَرَائه قَالَ كَانَ مَمْلُوك الْعَجم قبل الْإِسْلَام يجْعَلُونَ ذَلِك الطّراز بصور الْمُلُوك واشكالهم أَو غير ذَلِك فاعتاض مُلُوك الْإِسْلَام عَن ذَلِك بكتب اسمئهم مَعَ كَلِمَات تجْرِي مجْرى الفأل وعينوا فِي الدولتين إِذْ كَانَ عِنْدهم من افخم الْأَحْوَال دورا تسمى دور الطّراز وقلدوا الْقَائِم على النّظر فِيهَا خَواص الدولة وثقاة الموَالِي وعَلى ذَلِك كَانَ الْحَال فِي دولة بني امية بالأندلس والطوائف بعدهمْ وَفِي دولة العبيدين بِمصْر وَمن كَانَ على عَهدهم من مُلُوك الْعَجم بالمشرق وَلما ضَاقَ نطاق الدول عَن الترف بتعددها وَضعف استيلائها بطلت هَذِه الْوَظِيفَة وَالْولَايَة عَلَيْهَا من اكثر الدول بِالْجُمْلَةِ وَفِي آخر دولة الْمُوَحِّدين بالمغرب استدركوا مِنْهَا طرفا لم تكن بِتِلْكَ النباهة قَالَ واما لهَذَا الْعَهْد فاردكنا مِنْهُ فِي الدولة المرينية لعنفوانها وشموخها رسما جَلِيلًا تلقوهُ من دولة بني الْأَحْمَر معاصريهم بالأندلس وَاتبع هُوَ فِي ذَلِك دوَل الطوائف فاتى مِنْهُ بلمحة شاهدة بالأثر

стр. 738

الامم تعقدها فِي مَوَاطِن الحروب والغزوات ولعهد النَّبِي ﷺ وَمن بعده من الْخُلَفَاء وَعند انقلاب الْخلَافَة ملكا اتَّخَذُوهَا مَعَ ذَلِك زِينَة وتنويها فكثيرا مَا كَانَ الْعَامِل أَو قَائِد الْجَيْش يعْقد لَهُ الْخَلِيفَة من العباسيين والعبيدين لِوَاء وَيخرج إِلَى عمله أَو بَعثه فِي موكب من أَصْحَاب الرَّايَات فَلَا يتَمَيَّز موكب الْعَامِل والخليفة إِلَّا بِكَثْرَة الألوية أَو قَتلهَا أَو بِمَا اخْتصَّ بِهِ الْخَلِيفَة من الألوان لرايته وبنده الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَن الْقَصْد بهَا تكثيرا أَو تلوينا واطالة إِنَّمَا هُوَ التهويل فِي الاكثر قَالَ وَرُبمَا تحدث فِي النُّفُوس وتلوناتها غَرِيبَة وَالله الخلاق الْعَلِيم قلت قَالَ ابْن المناصف هِيَ ارواح العساكر وبثباتها ثبات افئدة الجماهير وَحَيْثُ انتفلت انتفلت مَعهَا الْقُلُوب وان ادبرت تبعتها انفس الْجلد والهروب الْفَائِدَة الثَّالِثَة أَن تلوينها يخْتَلف باخْتلَاف الدول فِي اخْتِيَاره كالسواد فِي ايام بني الْعَبَّاس حزنا على شهدائهم من بني هَاشم ونعيا على بني امية فِي قَتلهمْ وَلذَلِك سموا المسودة وَالْبَيَاض عِنْد الطالبين الخارجين عَلَيْهِم فِي كل جِهَة وعصر مُخَالفَة لَهُم فَفِي ذَلِك سموا المبيضة سَائِر أَيَّام العبيدين وَكَذَا جَمِيع من خرج عَلَيْهِم وَلما نزع الْمَأْمُون عَن لبس السوَاد وشعاره عدل إِلَى لون الخضرة فَجعل رايته خضراء

стр. 739

الْفَائِدَة الرَّابِعَة أَن التكثير مِنْهَا والتقليل يخْتَلف أَيْضا بِحَسب مَقَاصِد الدول فِي ذَلِك فالعبيديون لما خرج مِنْهُم الْعَزِيز نزار إِلَى فتح الشَّام كَانَ لَهُ خَمْسمِائَة من النبود والموحدون وَبَنُو ايدهم الله تَعَالَى اقتصروا على سَبْعَة فِي الْعدَد تبركا بالسبعة قَالَه ابْن خلدون وزناته يبلغون إِلَى الْعشْرَة وَالْعِشْرين قَالَ وَقد بلغت أَيَّام السُّلْطَان أبي الْحسن فِيمَا ادركناه مائَة من البنود ملونة بالحرير ومنسوجة بِالذَّهَب مَا بَين كَبِير وصغير وَمِائَة من الطبول ويأذنون للولاة والقواد فِي اتِّخَاذ راية وَاحِدَة صَغِيرَة من الْكَتَّان بَيْضَاء وطبل صَغِير أَيَّام الْحَرْب لَا يتجاوزون ذَلِك وَالتّرْك يتخذون فِيمَا ذكر ابْن خلدون على عَهده راية وَاحِدَة عَظِيمَة وَفِي رَأسهَا خصْلَة كَبِيرَة من الشّعْر وَهِي شعار السُّلْطَان عِنْدهم ثمَّ تَتَعَدَّد الرَّايَات ويبالغون فِي الاستكثار من الطبول والجلالقة من الافرنجة من الأندلس يتخذون فِيمَا ذكر أَيْضا على عَهده الوية قَليلَة ذَاهِبَة فِي الجو صعدا وَمَعَهَا قرع الأوتار وَنفخ الغيطات يذهبون فِيهَا مَذْهَب الْغناء فِي مَوَاطِن حروبهم

стр. 740

قَالَ هَكَذَا ابلغناعنهم وَعَن من وَرَاءَهُمْ من مُلُوك الْعَجم وَفِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف السنتكم والوانكم آيَات للْعَالمين الضَّرْب الثَّانِي قرع الطبول وَنفخ الابواق والقروت وَقد كَانَ الْمُسلمُونَ لاول الْملَّة يتجافون عَن ذَلِك تنزها عَن غلظة الْملك واحتقار الابهة الَّتِي لَيست من الْحق فِي شَيْء وعنج مصير الْأَمر لمن بعدهمْ شاركوا فِيهِ مُلُوك الامم كَمَا تقدّمت حكايته عَنْهُم تَوْجِيه ذكر أر سطوا فِي السياسة أَن السِّرّ فِي ذَلِك ارهاب الْعَدو فِي الْحَرْب فان الاصوات الهائلة لَهَا تَأْثِير فِي النُّفُوس بالروعة قَالَ ابْن خلدون ولعمري انه لامر وجداني فِي مَوَاطِن الحروب يجده كل أحد من نَفسه قَالَ وَهَذَا الَّذِي ذكره أَن كَانَ فَهُوَ صَحِيح فِي بعض الاعتبارات واما الْحق فِي ذَلِك فَهُوَ أَن النَّفس عِنْد سَماع النغم والاصوات يُدْرِكهَا الْفَرح والطرب فَيُصِيب مزاج الرّوح نشوة يستسهل بهَا الصعب ويستميت بالزهو فِيهِ وَهُوَ مَوْجُود حَتَّى فِي الْحَيَوَانَات الْعَجم كانفعال الابل بالحداء وَالْخَيْل بالصفير ويتأكد ذَلِك بتناسب الاصوات كَمَا فِي الْغناء ولاجله يتَّخذ الْعَجم فِي مَوَاطِن الحروب الالة الموسيقية
следующие страницы →