Полный текст (992 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الْفَائِدَة الْعَاشِرَة قَالَ الْمقري فِي قَوَاعِده الشُّبْهَة إِمَّا قريبَة جدا كالشركة فِي الْقطع فَتعْتَبر أَو بعيدَة جدا كالأجير والصدق فِيهِ فَلَا تعْتَبر أَو متوسطة فَقَوْلَانِ هَذَا ضَابِط مَذْهَب مَالك قَالَ وَمن هَذَا تعرف وَجه الرَّد لما أفتى بِهِ الْفَقِيه أَبُو مُوسَى عِيسَى ابْن الإِمَام حَدثنِي ﵀ أَن عبد الْحق بن أبي بكر حَاكم تونس أخبرهُ أَنه وجد رجلا وَامْرَأَة فَأَفلَت الرجل فأقرت الْمَرْأَة بِأَنَّهَا مكنته من نَفسهَا واعتلت بِمَا كَانَ النَّاس فِيهِ يَوْمئِذٍ من شدَّة المسغبة وَأَنَّهَا لحقها من الْجُوع مَا حملهَا على ذَلِك فرحمتها وسرحتها قَالَ فَقلت لَهُ أصبت فقد قَالُوا إِذا سرق لجوع لم يقطع
فَقلت الْجُوع يُبِيح أَخذ مَال الْغَيْر باخْتلَاف فِي لُزُوم الثّمن فِيهِ فسرقته لَو لم تكن جَائِزَة فَهِيَ شُبْهَة قَوِيَّة وَلَا يُبَاح الزِّنَى بِوَجْه وَلَا على حَال وَلَا مُنَاسبَة بَينه وَبَين إِبَاحَته فَلَا تنهض شُبْهَة تدرء الْحَد فَيجب الْحَد وَلَا بُد انْتهى المُرَاد مِنْهُ
عاطفة تتميم من صدق الحذر من مُوَافقَة الْحُدُود طلب الْقصاص والاستحلال مِمَّا عَسى أَن يكون فِيهِ خلاص وَلَا تؤمن فِيهِ تبعة وَيَكْفِي من ذَلِك أثران
الْأَثر الأول قيل دخل عُثْمَان ﵁ فَوجدَ غُلَاما لَهُ يعلف نَاقَته فَرَأى فِي عَلفهَا شَيْئا فَأخذ بأذنه فعركها ثمَّ نَدم فَقَالَ لغلامه قُم فاقتص مني فَأبى الْغُلَام فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَامَ فَأخذ بأذنه قَالَ أعرك وَهُوَ يَقُول شدّ حَتَّى عرف عُثْمَان أَنه قد بلغ مِنْهُ ثمَّ قَالَ واها لقصاص الدُّنْيَا من قصاص الْآخِرَة
الْأَثر الثَّانِي قَالَ مَالك بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب ﵁ لما ولى ضرب رجلا ثمَّ نَدم فَقَالَ مَالِي وَلِهَذَا إِلَّا رَددتهَا عَلَيْهِم
فَسمِعت عَائِشَة ﵂ بذلك فَأرْسلت إِلَيْهِ فجَاء إِلَيْهَا فَقَالَ
стр. 667
إِنِّي ضربت رجلا وَقد كنت معافى من هَذَا أَن أضْرب أحدا قَالَت عَائِشَة ﵂ كَذَلِك الإِمَام قَالَ فَمَا الْمخْرج قَالَت أَن تَأتي الرجل فتسأله أَن يجعلك فِي حل فاستحل مِنْهُ
دلَالَة قَالَ الطرطوشي وَدلّ ذَلِك على أَن الْأَمِير والمأمور فِي الْقصاص سَوَاء إِذا جنى أَحدهمَا على الآخر وان الْأَمِير إِذا ظلم الْمَأْمُور زَالَ تَأمره عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَمِير فِي ذَلِك الْمَعْنى كبعض المؤمر عَلَيْهِم حَتَّى يتحاكموا إِلَى السُّلْطَان الْأَعْظَم
الْوَاجِب الرَّابِع
عُقُوبَة الْمُسْتَحق وتعزيزه
وَقبل تَلْخِيص الْكَلَام فَهُنَا مقدمتان التَّعْزِير قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهُوَ تاديب استصلاح وزجر على ذنُوب لم يشرع فِيهَا حد وَلَا كَفَّارَة
قلت تَأْدِيب الاستصلاح يعم الْمُكَلف وَغَيره كتأديب الصّبيان والبهائم والمجانين والزجر على الذُّنُوب الَّتِي لم يشرع فِيهَا حد وَلَا كَفَّارَة يخْتَص بالمكلف جَزَاء على الذُّنُوب الَّذِي لم يقدر فِيهِ حد وَمن ثمَّ قَالَ ابْن عَرَفَة وَمُوجب الْمعْصِيَة غير الْمُوجبَة حدا عُقُوبَة فاعلها إِن رفع للْإِمَام
الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِيمَا يدل على مشروعيته وَيَكْفِي من ذَلِك الْإِجْمَاع قَالَ ابْن قيم الجوزية فِيمَا نقل عَنهُ ابْن فَرِحُونَ اتّفق الْعلمَاء فِي أَن التَّعْزِير مَشْرُوع فِي كل مَعْصِيّة لَيْسَ فِيهَا حد بِحَسب الْجِنَايَة فِي الْعظم والصغر وَحسب الْجَانِي فِي الشَّرّ وَعَدَمه
стр. 668
قلت وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله من مواضيع التَّأْدِيب بِهِ عَن السّنة الْكَرِيمَة حَظّ صَالح إِذا عرفت هَذَا فلكمال التَّلْخِيص لَهُ نظران أَحدهمَا من حَيْثُ هُوَ مَشْرُوع فِي الْجُمْلَة وَالْآخر من جِهَة مَا يخص السُّلْطَان بِحَسب رِعَايَة السياسة فِيهِ
النّظر الأول وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى التَّعْزِير فِي حق الله تَعَالَى وَاجِب عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِوَاجِب وَللْإِمَام أَن يقيمه أَو يتْركهُ لِأَن النَّبِي ﷺ لم يُعَزّر الْقَائِل لَهُ فِي قصَّته مَعَ الزبير ﵁ إِن كَانَ ابْن عَمَّتك وَلِأَنَّهُ غير مُقَدّر فَلَا يجب كضرب الْأَب والمعلم وَالزَّوْج قَالَ الْقَرَافِيّ وَالْجَوَاب عَن الأول أَنه حق لرَسُول الله ﷺ فَجَاز لَهُ تَركه بِخِلَاف حق الله تَعَالَى وَعَن الثَّانِي أَن غير الْمُقدر يجب كنفقات الزَّوْجَات والإقارب وَنصِيب الْإِنْسَان من بَيت المَال قَالَ لِأَن تِلْكَ الْكَلِمَات كَانَت تصدر من الْأَعْرَاب لجفائهم لَا لقصد السب
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ الْقَرَافِيّ وَاتَّفَقُوا على عدم تَحْدِيد أَقَله وَاخْتلفُوا فِي أَكْثَره فعندنا هُوَ بِحَسب الْجِنَايَة والمجني عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يتَجَاوَز بِهِ أول الْحُدُود وَهُوَ أَرْبَعُونَ حدا لعبد بل ينقص مِنْهُ سَوط وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ قَالَ مَا حَاصله لنا وَجْهَان أَحدهمَا أَن عمر ﵁ زور عَلَيْهِ معن بن زُرَارَة كتابا وَنقش عَلَيْهِ مثل خَاتمه فجلده مائَة فتشفع فِيهِ قوم فَقَالَ ذَكرتني الطعْن وَكنت نَاسِيا فجلده بعد ذَلِك مائَة أُخْرَى ثمَّ جلده بعد ذَلِك مائَة أُخْرَى وَلم يُخَالِفهُ أحد وَكَانَ إِجْمَاعًا
стр. 669
قلت حكى عَن ابْن فَرِحُونَ عَن ابْن قيم الجوزية أَنَّهَا ثَلَاثمِائَة فِي ثَلَاثَة أَيَّام الثَّانِي أَن الأَصْل مُسَاوَاة الْعقُوبَة للجناية
قلت سبق مثله لِابْنِ الْعَرَبِيّ فِي قَوَاعِد الْمقري الْعُقُوبَات تَتَفَاوَت بتفاوت أَنْوَاع الْجِنَايَات كَالْخمرِ وَالزِّنَا لَا بتفاوت أَفْرَاد النَّوْع الْوَاحِد كالقطرة من الْخمر والجرة وَربع دِينَار وقنطار فَيَنْبَغِي مُلَاحظَة هَذَا الْمَعْنى فِي التَّعْزِير عِنْدِي ردا لما وكل لاجتهادنا إِلَى مَا فَصله رَبنَا ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ لَا يُقَال قَوْله ﷺ لَا تجلدوا فَوق حد من حُدُود الله تَعَالَى حجَّة فِي منع الزِّيَادَة لأَنا نقُول لَا حجَّة فِيهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه مَقْصُور على زَمَانه ﷺ لِأَن الْجَانِي إِذْ ذَاك لَا يَكْفِيهِ هَذَا الْمِقْدَار وَحَكَاهُ الْمَازرِيّ عَن الْأَصْحَاب الثَّانِي أَن لفظ الْحُدُود فِي عرف الشَّرْع لَا يقصر على حد الزِّنَى وَشبهه بل يتَنَاوَل كل مَأْمُور بِهِ ومنهى عَنهُ فالتعزير على هَذَا من جملَة الْحُدُود
قَالَ ابْن الشَّاط وَهَذَا أصح وَأقوى قَالَ فَإِن قيل الحَدِيث يَقْتَضِي بمفهومه أَنه يجلد عشر جلدات فَمَا دونهَا غير الْحُدُود فَمَا المُرَاد بذلك فَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِهِ جلد غير الْمُكَلّفين كالصبيان والمجانين والبهائم وَالله تَعَالَى أعلم انْتهى
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ ابْن فَرِحُونَ مَا حَاصله إِذا زيد فِيهِ على الْحَد فَهَل يبلغ بِهِ الْقَتْل أَولا فِيهِ خلاف عندنَا يجوز قتل الجاسوس الْمُسلم إِذا تجسس لِلْعَدو وَقَالَ بِهِ بعض الْحَنَابِلَة وَقتل الداعية للبدعة والمفرق للْجَمَاعَة بعد استتابتهم وَقَالَ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة وَصرح
стр. 670
الْحَنَفِيَّة بقتل من لَا يَزُول فَسَاده إِلَّا بِالْقَتْلِ كاللوطي المكثر من ذَلِك انْتهى
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة يُلَاحظ فِيهِ وَإِن لم يتَقَدَّر كالحد اجْتِنَاب أَمريْن أَحدهمَا إِسْقَاطه بِالْجُمْلَةِ بِحَسب الْغَرَض والهوى قَالَ الْقَرَافِيّ وَهُوَ فسوق خلاف الْإِجْمَاع
الثَّانِي إفراط الزِّيَادَة فِيهِ على الْقدر الْكَافِي مِنْهُ قَالَ ابْن عبد السَّلَام يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على الْقدر الَّذِي يظنّ انزجار الْجَانِي بِهِ وَلَا يزِيد عَلَيْهِ وَفِي الحَدِيث وَلِأَن يُخطئ الإِمَام فِي الْعَفو خير من أَن يُخطئ فِي الْعقُوبَة قَالَ وَإِن كَانَ هَذَا الْكَلَام جَاءَ فِي الْحُدُود فَهُوَ متناول لغَيْرهَا من الزواجر
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِذا أَتَى على النَّفس فَلَا اكتراث بذلك وَإِن زَاد على الْحَد فقد أَمر مَالك ﵀ بِضَرْب إِنْسَان وجد مَعَه صبي فَوق سطح مَسْجِد وَقد جرده وضمه إِلَى صَدره أَرْبَعمِائَة سَوط فانتفخ من ذَلِك وَمَات وَلم يستعظم ذَلِك مَالك وَقَالَ ابْن حبيب وَقَالَ لي مطرف وَلَقَد أَتَى هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَة بِرَجُل خَبِيث مَعْرُوف بِاتِّبَاع الصّبيان قد لصق بِغُلَام فِي ازدحام النَّاس حَتَّى أمنى فَبعث بِهِ هِشَام إِلَى مَالك وَقَالَ أَتَرَى أَن أَقتلهُ فَقَالَ مَالك أما الْقَتْل فَلَا وَلَكِن أرى أَن تعاقبه عُقُوبَة موجعة فَأمر بِهِ هِشَام فَضرب أَرْبَعمِائَة سَوط وألقاه فِي السجْن فَمَا لبث أَن مَاتَ فَذكر ذَلِك لمَالِك فَمَا استنكره
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة إِذا كَانَ التَّعْزِير مصروفا إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم بِقدر الْقَائِل مثلا وَالْمقول لَهُ وَالْقَوْل فَقَالَ ابْن الْحَاجِب فيخفف ويتجافى
стр. 671
عَن الرفيع وَذَوي الفلتة ويثقل على ذَوي الشَّرّ فَائِدَة فِي تَنْبِيه
قَالَ ابْن فَرِحُونَ المُرَاد بالرفيع من كَانَ من أهل الْقُرْآن وَالْعلم والآداب الإسلامية لَا المَال والجاه وَالْمُعْتَبر فِي الدني الْجَهْل والجفاء والحماقة فَمن كَانَ من أهل الشَّرّ ثقل عَلَيْهِ بالأدب ليزدجر ويزدجر بِهِ غَيره
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من لَازم صرفه إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم عدم اخْتِصَاصه بزجر معِين وَمن ثمَّ تعدّدت أَنْوَاعه كالضرب واللوم وَالْحَبْس وَالْإِقَامَة فِي المحافل وَنزع الْعِمَامَة وَحل الْإِزَار والهجر وَالنَّفْي وَضرب الْقَفَا مُجَردا عَن ساتره بالأكف قَالَ ابْن عَرَفَة جرى بِهِ عمل الْقُضَاة قلت وَكَذَا بالأندلس حَتَّى فِي وُلَاة الْحِسْبَة
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة الْجِنَايَة الَّتِي عقوبتها التَّعْزِير أَنْوَاع ترك وَاجِب كمنع الزَّكَاة وَشبهه وَسنة كَتَرْكِ الْوتر وَفعل مَكْرُوه كحلق الشَّارِب ومحرم وَهُوَ ضروب مَا فِيهِ الْعقُوبَة وَالْكَفَّارَة وَالْغُرْم كَقَتل الْعمد إِذا عفى فِيهِ عَن الْقَتْل فَتجب الدِّيَة وتستحب الْكَفَّارَة وَيضْرب مائَة ويسجن سنة أَو الْقصاص وَالْأَدب كالجراح عمدا وَالْغُرْم كإتلاف المتمولات أَو التَّعْزِير فَقَط كالخلوة بالأجنبية وَشبه ذَلِك أَو الْكَفَّارَة وَالْغُرْم كَقَتل الْخَطَأ أَو الْكَفَّارَة وَالْأَدب مَعَ الْإِثْم كالجماع فِي رَمَضَان
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة يثبت التَّأْدِيب على الْجِنَايَة للسُّلْطَان وَمن يَلِيهِ من الْوُلَاة وَلَا خَفَاء بذلك وللأبوين فِي ولدهما وَمن ثمَّ يدْرَأ الْحَد عَنْهُمَا
стр. 672
عِنْد تولد الْقَتْل عَنهُ إِذا ادّعَيَا عدم الْقَصْد إِلَيْهِ ولمعلم الْكتاب أَو الصَّنْعَة
وَلذَلِك قَالَ مَالك ﵁ فِي الْمَجْمُوعَة إِن ضرب صَبيا مَا يعلم أَنه من الْأَدَب فَمَاتَ فَلَا يضمن وَإِن جَاوز بِهِ الْأَدَب ضمن مَا أَصَابَهُ
وَللسَّيِّد فِي رَفِيقه استصلاحا لَهُ قَالَ ابْن عبد السَّلَام وَلَكِن بِرِفْق وبقدر الْحَاجة وَللزَّوْج فِيمَا يتَعَلَّق بِمَنْع حَقه قَالَ ابْن عَرَفَة وَلذَا قيل تدميتها عَلَيْهِ لَغْو
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من الرِّفْق بَين التَّعْزِير وَالْحَد زَائِدا على مَا يفهم فِيمَا سلف أُمُور أَحدهَا أَن التَّعْزِير يسْقط بِالتَّوْبَةِ قَالَ الْقَرَافِيّ وَلَا أعلم فِيهِ خلافًا قَالَ وَالْحُدُود لَا تسْقط بهَا على الصَّحِيح إِلَّا الْحِرَابَة لقَوْله تَعَالَى ﴿من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم﴾
الثَّانِي أَن التَّعْزِير يخْتَلف باخْتلَاف الإعصار والأمصار قَالَ الْقَرَافِيّ فَرب تَعْزِير فِي بلد يكون إِكْرَاما فِي بلد كقلع الطيلسان بِمصْر تَعْزِير وَفِي الشَّام إكرام وكشف الرَّأْس عِنْد الأندلسيين لَيْسَ هوانا وبالعراق ومصر هوان
قلت كشف الرَّأْس بالأندلس هوان فِي حق ذَوي الْمُرُوءَة
الثَّالِث أَن التَّعْزِير على وفْق الأَصْل لاختلافه بِحَسب الْجِنَايَة قَالَ الْقَرَافِيّ وَلَقَد خولفت الْقَاعِدَة فِي الْحُدُود فسرى الشَّرْع سَرقَة ربع دِينَار وسرقة ألف وشارب قَطْرَة من الْخمر وشارع جرة مَعَ اخْتِلَاف مفاسدهما جدا
قلت وَقد حكى عَن المعري أَنه قَالَ مستشكلا
(يَد بِخمْس مئين عسجد فديت ... مَا بالها قطعت فِي ربع دِينَار)
стр. 673
وَأجِيب بِأَن قيل
(عز الْأَمَانَة أغلاها وأرخصها ... ذل الْخِيَانَة فَافْهَم حِكْمَة الْبَارِي)
يشْهد لما قيل أَن حد السّرقَة شرع لحفظ الْأَعْرَاض لَيْلًا تلطخ برذيلة السّرقَة
النّظر الثَّانِي وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْعقُوبَة السياسية يجب أَن تقدر بِحَسب الْجِنَايَة والجاني كَمَا سبق فِي التَّعْزِير الشَّرْعِيّ وَمن ثمَّ قَالَ بَعضهم لَيست الْجِنَايَة سَوَاء فستوي عقوباتها وَلَا النَّاس سَوَاء فتتماثل عقوباتهم بل مِنْهُم من يُعَاقب بالأبعاد وَمن يُزَاد مَعَ ذَلِك منع قرَابَته وَأَصْحَابه من كَلَامه وَمن يُعَاقب بإلزام دَاره أَو بَلَده
تَعْرِيف من حسن مُنَاسبَة الْعقُوبَة للجناية حكايتان
الْحِكَايَة الأولى فِي المقتطف من كَلَام النَّاصِر وَقد أعْطى عَامل كَبِير لقب بمهذب الدولة مَالا جَلِيلًا على أَن يلقب بمهذب الدولة بِكَسْر
стр. 674
الذَّال فَوَقع على الْقِصَّة يُؤْخَذ مَاله ويصفع قذاله وَتبقى على الْفَتْح ذاله
الْحِكَايَة الثَّانِيَة روى أَن أَبَا المظفر الابيوردي الشَّاعِر وَكَانَ متكبرا وينسب إِلَى مُعَاوِيَة الْأَصْغَر كتب رقْعَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ المستظهر بِاللَّه وعَلى رَأسهَا الْخَادِم المعاوي فكره الْخَلِيفَة النِّسْبَة إِلَى مُعَاوِيَة فبشر الْمِيم ورد الرقعة إِلَيْهِ فَصَارَ الْخَادِم العاوي فحطه إِلَى أدون الرتب حِين رفع نَفسه إِلَى نسب لم يرضه الْملك وسلك مَعَه سَبِيل التنكيت الأدبي إِذْ كَانَ من أهل الْأَدَب بِأَن أبقى نسبه بِخَط نَفسه قَالَ ابْن رضوَان وَهِي من لطائف المستظهر بِاللَّه
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من السياسة فِي الْعقُوبَة السُّلْطَانِيَّة أَن تعجل تَارَة وتؤجل أُخْرَى لما فِي ذَلِك من الْفَائِدَة الْمَقْصُودَة الْحُصُول
قَالَ بَعضهم ليكن عقابك معجلا ومؤجلا حَتَّى يظنّ السَّالِم مِنْهُ أَنه سياسة فَلَا ينبسط إِلَى العودة إِلَى مثل فعله لخوفه من عُقُوبَته
قلت ووجوه الْفَائِدَة فِي ذَلِك مُتعَدِّدَة والناظر إِلَيْهَا بِعَين البصيرة يعْتَمد مِنْهَا مَا يَقْتَضِيهِ الْوَقْت وَالْحَال
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْوَصِيَّة بِهِ فِي هَذَا الْبَاب مُطَابقَة الْعقُوبَة للجناية سرا وَعَلَانِيَة قَالَ بَعضهم اجْعَل لذنب السِّرّ عُقُوبَة السِّرّ ولذنب
стр. 675
الْعَلَانِيَة عُقُوبَة الْعَلَانِيَة فَإنَّك إِذا عَاقَبت على ذَنْب السِّرّ عَلَانيَة رأى النَّاس الْعقُوبَة وغفلوا عَن الذَّنب فرموا رَأْيك بِالْفَسَادِ ونسبوك إِلَى الظُّلم وَإِذا عَاقَبت على ذَنْب الْعَلَانِيَة سرا انبسطت عَلَيْك الذُّنُوب واجترأ الظَّالِم وَالسَّفِيه
قَالَ وَقد تندر من ذَلِك ندرات فِيهَا السُّلْطَان على ذَنْب الْعَلَانِيَة سرا إِذا أَرَادَ أَن يَتَّصِف بالحلم
قلت وَقد تَقْتَضِي الْحَال شهرة الْعقُوبَة وَإِن خفيت جنايتها حَيْثُ يُؤمن ذَلِك الْمَحْذُور
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك السعيد أَن لَا يُعَاقب وَهُوَ غَضْبَان لِأَن حَاله هَذِه لَا يسلم مَعهَا من التجاوز لحد الْعقُوبَة فَإِذا سكن غيظه وَرجع إِلَى طبعه أَمر بعقوبته على الْحَد الَّذِي سنته الشَّرِيعَة ونقلته الْملَّة فَإِن لم يكن فِي الشَّرِيعَة ذكر عُقُوبَة ذَنبه فَمن الْعدْل أَن يَجْعَل عُقُوبَة ذَلِك الذَّنب وَاسِطَة بَين غليظ الذُّنُوب ولينها وان يَجْعَل الحكم عَلَيْهِ فِيهِ وَنَفسه طيبَة وَذكر الْقصاص مِنْهُ على بَال
قلت ولتأكيد الاتصاف بِهَذَا الْخلق وَقعت الْعِنَايَة بالتنبيه عَلَيْهِ من غير وَاحِد فَفِي محَاسِن البلاغة على الْملك أم يعْمل بِثَلَاث خِصَال تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب وتعجيل مُكَافَأَة المحسن والتزام الأناة والتثبت
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة نقل ابْن رضوَان عَن صَاحب الطِّبّ الروحاني أَنه قَالَ يَنْبَغِي للْملك أَن يكون فِي وَقت المعاقبة بَرِيئًا من أَربع
стр. 676
خلال الْكبر وَالْقَسْوَة وضديهما لِأَن الْأَوَّلين يدعوان إِلَى أَن يكون الانتقام والمعاقبة مجاوزين لمقدار الْجِنَايَة والآخرين إِلَى أَن يَكُونَا مقصرين عَنهُ
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة التعفف عَن الدِّمَاء فِي الْعقُوبَة مَطْلُوب من وَجْهَيْن أَحدهمَا شَرْعِي وَهُوَ مَا يدل على تَحْرِيم الهجوم عَلَيْهَا إِلَّا بِحَقِّهَا كَقَوْلِه ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن مَسْعُود ﵁ أول مَا يقْضِي بَين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء الثَّانِي سياسي وَمن معتبره قَول أرسطو يَا اسكندر أكد مَا أوصيك بِهِ وطالما أوصيتك بِهِ بامتثاله يَصح أَمرك ويدوم ملكك التعفف عَن الدِّمَاء فَإِنَّهَا عُقُوبَة انْفَرد الْخَالِق الْعَالم بالسرائر وَأَنت فِي ذَلِك إِنَّمَا تقدم على سنة لست تعلم بَاطِنهَا فتحفظ من هَذَا جهدك
تَنْبِيه مُجَرّد حُصُول الْقَتْل بِغَيْر حق هُوَ مُوجب للتشريك فِي وَعِيد الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَهُوَ سخط الله ولعنته وَلقَوْله ﷺ لَا يشْهد أحدكُم قَتِيلا لَعَلَّه أَن يكون مَظْلُوما فتصيبه السخطة مَعَهم رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَقَوله ﷺ لَا يَقِفن أحدكُم موقفا فِيهِ رجل قتل مَظْلُوما فَإِن اللَّعْنَة تنزل على من حَضَره حِين لم يدفعوا عَنهُ وَلَا يَقِفن أحدكُم موقفا يضْرب فِيهِ رجل ظلما فَإِن اللَّعْنَة تنزل على من حَضَره حِين لم يدفعوا عَنهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ
стр. 677
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة ذكرُوا لمَكَان هَذَا الْخطر فِي الْعقُوبَة بِالْقَتْلِ أَن من حق الْملك أَن يتربص بِهِ وَإِن وجد المسوغ لَهُ كَمَا حُكيَ عَن عبد الْملك بن مَرْوَان أَنه قَامَ تسع سِنِين يرى قتل عَمْرو بن سعيد الْأَشْدَق فَمرَّة يرجئه وَمرَّة يهم بِهِ وَمرَّة يحجم وَأُخْرَى يقدم حَتَّى قَتله
قَالَ الجاحظ على أَخبث حالاته عِنْده قَالَ عَن سُلَيْمَان الْخَادِم أشهد بِاللَّه لَكُنْت من الرشيد وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة بِحَيْثُ يمس ثوبي ثَوْبه وبدني بدنه وَهُوَ يَقُول فِي مناجاته لرَبه اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك فِي قتل جَعْفَر بن يحيى ثمَّ قَتله بعد ذَلِك بِخمْس سِنِين أَو سِتّ
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من مَحْمُود السِّيرَة فِي هَذَا الْبَاب طلب عذر من تعرض بِظَاهِر فعله لما يُوجب عُقُوبَته كَمَا رفع إِلَى عبد الله ابْن طَاهِر قصَّة مضمونها أَن جمَاعَة خَرجُوا إِلَى ظَاهر الْبَلَد للتفرج وَمَعَهُمْ صبي فَكتب على رَأسهَا مَا السَّبِيل إِلَى فتية خَرجُوا لمتنزههم يقضون
стр. 678
أوطارهم على قدر أخطارهم وَلَعَلَّ الْغُلَام ابْن أحدهم أَو قرَابَة بَعضهم
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة قَالَ النَّوَوِيّ تسْتَحب الشَّفَاعَة إِلَى وُلَاة الْأَمر وَغَيرهم من أَصْحَاب الْحُقُوق مَا لم يكن فِي حد وَأمر لَا يجوز تَركه قَالَ ودلائله ظَاهِرَة فِي الْكتاب وَالسّنة وأقوال عُلَمَاء الْأمة لقَوْله تَعَالَى من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا وَمن يشفع شَفَاعَة سَيِّئَة يكن لَهُ كفل مِنْهَا وَكَانَ الله على كل شَيْء مقيتا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَاهُ طَالب حَاجَة أقبل على جُلَسَائِهِ فَقَالَ اشفعوا تؤجروا وَيَقْضِي الله على لِسَان مَا شَاءَ انْتهى مُلَخصا
قلت وَقد سبق مَا يدل على وَعِيد الشَّفَاعَة سعيا وقبولا فِي الْحُدُود
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الحكايات فِي قبُول الشَّفَاعَة المستحبة مُتعَدِّدَة وَيَكْفِي مِنْهَا اثْنَتَانِ
الْحِكَايَة الأولى روى أَن قتيلة بنت النَّضر بن الْحَارِث تعرضت للنَّبِي ﷺ وَهُوَ يطوف واستوقفته وحدثته حَتَّى انْكَشَفَ مَنْكِبه وَقد كَانَ قتل أَبَاهَا فَأَنْشَدته الأبيات الَّتِي تَقول فِي آخرهَا
(مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا ... من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق)
(وَالنضْر أقرب من قتلت وَسِيلَة ... وأحقهم إِن كَانَ عتق يعْتق)
قَالَ النَّبِي ﷺ لَو كنت سَمِعت شعرهَا مَا قتلته
стр. 679
الْحِكَايَة الثَّانِيَة لما قتل الْحَارِث بن أبي شمر الغساني الْمُنْذر بن السَّمَاء وَهُوَ الْمُنْذر الاكبر وَمَاء السَّمَاء اسر جمَاعَة من اصحابه وَكَانَ فهم شَاس بن عَبدة فِي تسعين رجلا من بني تَمِيم وَبلغ ذَلِك اخاه عَلْقَمَة بن عَبدة الشَّاعِر صَاحب امْرِئ الْقَيْس فقد الْحَارِث ممتدحا بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِي يَقُول فِيهَا
(طحابك قلب فِي الحسان طروف ... بعيد الشَّبَاب عصر حَان مشيب)
стр. 680
فانشده إِيَّاهَا حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله
فَلَا تحرمني نائلا عَن جِنَايَة ... فَانِي امْرُؤ وسط القباب غَرِيب)
وَفِي كل حَيّ قد حظيت بِنِعْمَة ... فَحق لشاس من نداك ذنُوب)
فَقَالَ الْحَارِث نعم واذنبت واطلق شاسا اخاه وَجَمَاعَة اسرى بني تَمِيم وَمن سَالَ فِيهِ أَو عرفه من غَيرهم
قَالَ ابْن رضوَان وامثال هَذَا كثير والشفاعة وقبولها امران شرعيان وثوابهما عَظِيم وَلَا يرحم الله من عباده إِلَّا الرُّحَمَاء
توفيه وَاجِب من ضروب الْكَلَام فِي الْعقُوبَة الزاجرة عَن الْجِنَايَة أَو التَّوَصُّل بهَا إِلَى اسْتِخْرَاج الْحُقُوق تَقْرِير النّظر فِي السجْن بِحَسب الشَّرْع والسياسة وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى أَن للعقوبة بِهِ ملحظين أَحدهَا من حَيْثُ مَا خف مِنْهُ وَهُوَ بذلك الِاعْتِبَار اخفها واسلمها وَعَلِيهِ ينزل قَول مَرْوَان ابْن الحكم أول من اتخذ السجْن كَانَ حَلِيمًا
الثَّانِي من جِهَة مَا ثقل مِنْهُ وَهُوَ ذَا ذَاك اشدها وابلغها وَمن ثمَّ قرن بِالْعَذَابِ الاليم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم﴾ وعد يُوسُف ﵇ الْخُرُوج مِنْهُ احسانا اليه فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 681
وَقد احسن بِي إِذا اخرجني من السجْن وَكتب على بَابه فِيمَا يُقَال هَذِه منَازِل الْبلوى وقبور الاحياء وتجربة الاصدقاء وشماته الاعداء ونسأل الله تَعَالَى الْعَافِيَة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة نقل ابْن فَرِحُونَ عَن ابْن قيم الجوزيه أَن الْحَبْس الشَّرْعِيّ لَيْسَ هُوَ السجْن فِي مَكَانَهُ ضيق وانما هُوَ تضييق الشَّخْص وَمنعه من التَّصَرُّف نَفسه سَوَاء كَانَ فِي بَيت أَو مَسْجِد أَو مُلَازمَة الْغَرِيم لَهُ وَلِهَذَا سَمَّاهُ النَّبِي ص ﷺ اسيرا فَفِي سنَن أبي دَاوُود عَن الهرماس بن حبيب عَن جده قَالَ اتيت النَّبِي ص ﷺ بغريم لي فَقَالَ لي الزمه ثمَّ قَالَ لي يَا اخا بني تَمِيم مَا تُرِيدُ أَن تفعل بأسيرك قَالَ وَهَذَا كَانَ السجْن فِي زَمَانه ص ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ فَلَمَّا انتشرت الرّعية فِي زمن عمر ﵁ اتِّبَاع بِمَكَّة دَارا وَجعلهَا سجنا وَفِيه دَلِيل على جَوَاز اتِّخَاذه انْتهى مُلَخصا
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن وجود الْمُقْتَضِي لَا تخاذه لما انتهض بعد السّلف لتنوع ذَلِك الاتخاذ بِحَسب حَال المسجون فَلَا جرم لَا بُد من اعْتِبَار مَا اقْتَضَاهُ من ذَلِك وَمن ثمَّ قَالَ ابْن فَرِحُونَ لَا شكّ فِي قبُوله بعهده الْأَمَام إِلَى من قَلّدهُ ولَايَة أَن يكون لَهُم سجن ثَقِيف للدعار وَمن تخَاف غائلته وسجن اخر غير ذَلِك للمستورين المحبوسين فِي الدُّيُون والاداب واشباهها وسجن للنِّسَاء مُفْرد بواباته موثوق بِهن وَلَو جعل للمستورات المحبوسات فِي الدُّيُون والاداب سجن على حِدة عَن
стр. 682
سجن المحبوسات فِي التهم القبيحة لَكَانَ احسن انْتهى المُرَاد مِنْهُ مُلَخصا
المسالة الرَّابِعَة للْمُدَّعى عَلَيْهِ بِجِنَايَة ثَلَاث حالات
الْحَالة الأولى أَن لَا يهتم بهَا لبرائته وسلامة ناحيته وَهَذَا لَا يُعَاقب بسجن وَلَا بِغَيْرِهِ
قَالَ ابْن فَرِحُونَ اتِّفَاقًا وَفِي عُقُوبَة الْمُتَّهم لَهُ قَولَانِ قَالَ وَالصَّحِيح الأول صِيَانة لتسلط أهل الشَّرّ على اعراض الْبَراء ثمَّ أَن كَانَ الْمُدعى بِهِ حَقًا لله تَعَالَى لم يحلف وَفِي حق الادمي قَولَانِ مبنيان على سَماع هَذِه الدَّعْوَى وَالصَّحِيح إِنَّهَا لَا تسمع وَلَا يحلف بمجردها لِئَلَّا يتَطَرَّق الاراذلة إِلَى اذاية الأفاضل انْتهى مُلَخصا
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يهتم بهَا لفجوره وفسوقه وَهَذَا لَا بُد من الْكَشْف عَنهُ بِقدر لصوق التُّهْمَة بجانبه ضربا وحبسا
قَالَ ابْن قيم الجوزية فِيمَا نقل عَنهُ ابْن فَرِحُونَ مَا علمت أحدا من ائمة الْمُسلمين يَقُول أَن هَذَا الْمُدعى عَلَيْهِ يَعْنِي الْمُتَّهم يحلف وَيُرْسل بِلَا حسب وَلَا غَيره وَلَيْسَ ذَلِك مذهبا أحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَلَا غَيرهم وَلَو حلفناه واطلقناه مَعَ اشتهاره بِالْفَسَادِ وَقُلْنَا لَا نَأْخُذهُ إِلَّا بشاهدي عدل كَانَ ذَلِك مُخَالفا للسياسة الشَّرْعِيَّة وَمن ظن ذَلِك فقد غلط غَلطا فَاحِشا مُخَالفا لنصوص رَسُول الله ص ﷺ ولاجماع الْأمة وَمن ثمَّ تجرأ الْوُلَاة على مُخَالفَة الشَّرْع وتوهموا أَن السياسة الشَّرْعِيَّة قَاصِرَة عَن مصلحَة الْخلق فتعدوا حُدُود الله تَعَالَى إِلَى أَنْوَاع من الْمَظَالِم والبدع فِي السياسة وَسَببه الْجَهْل بالشريعة انْتهى مُلَخصا
استظهار قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة وَمن ادّعى على رجل انه سَرقه لم يحلفهُ إِلَّا أَن يكون مُتَّهمًا فانه يحلف ويهدد ويسجن وَألا لم يتَعَرَّض لَهُ فان
стр. 683
كَانَ من أهل الْفضل وَمِمَّنْ لَا يشار اليه بِهَذَا ادب الَّذِي ادّعى ذَلِك عَلَيْهِ
فائدتي فِي تَنْبِيه قَالَ ابْن فَرِحُونَ مَا خلصه نَاقِلا عَن ابْن قيم الجوزية المتولى لضرب الْمُتَّهم قَالَ جمَاعَة من الْمَالِكِيَّة هُوَ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَبِه قَالَ احْمَد وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة هُوَ الْوَالِي دون القَاضِي وَكَذَا الْحَبْس يخْتَص بِهِ الْوَالِي فَقَط وَبِه قَالَ جمَاعَة من الْحَنَابِلَة اسْتِدْلَالا بَان الضَّرْب الْمَشْرُوع هُوَ الْحَد والتعزيز بعد ثُبُوت السَّبَب يخْتَص بِهِ القَاضِي وموضوع ولَايَة الْوَالِي منع الْفساد وقمع ذَوي الْعدوان وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بعقوبة الْمُتَّهم وموضوع ولَايَة الْحَاكِم ايصال الْحُقُوق واثباتها فَكل يفعل مَا فوض اليه فِيهِ
قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَمَا نَقله عَن مَذْهَبنَا صَحِيح فان للْقَاضِي ضرب الْمُتَّهم وَفِي احكام ابْن سهل من ذَلِك مَا يُوضح صِحَة نَقله
قلت وَقد تقدم مَا هُوَ التَّحْقِيق فِي عُمُوم الولايات وخصوصها بِحَسب الْعرف وَالْعَادَة فاليه الْمُرَجح فِي هَذَا الْموضع
قَالَ ابْن فَرِحُونَ مفرعا عَلَيْهِ وَكَلَام ابْن سهل وَغَيره مبْنى على عرف الاندلس فِي ولَايَة الْقَضَاء فان كَانَت فِي قطر اخر يمْنَع من تعَاطِي هَذِه السياسات نصا أَو عرفا منع القَاضِي مِنْهُ وَألا فَلَا لانها دَعْوَى شَرْعِيَّة حكمهَا الِاخْتِيَار بِالْحَبْسِ لَهُ وَالضَّرْب فيسوغ لَهُ الحكم فِيهَا كَغَيْرِهَا من المحكومات
стр. 684
الْحَالة الثَّالِثَة أَن يجهل امْرَهْ فِي الْبَرَاءَة مِنْهَا أَو الاتصاف بِمِثْلِهَا فَهَذَا يحبس حَتَّى ينْكَشف حَاله قَالَ ابْن فَرِحُونَ وَهَذَا حكمه عِنْد عَامَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام قَالَ وَالْمَنْصُوص عِنْد اكثر الْأَئِمَّة انه يحْبسهُ القَاضِي والوالي وَهُوَ مَنْصُوص لمَالِك واصحابه قَالَ ابْن حبيب سَالَتْ مطرفا عَن رجل سرق مَتَاعه فاتهم رجلا من جِيرَانه أَو رجلا غَرِيبا لَا يعرف حَاله اترى الْأَمَام أَن يحسبه حَتَّى يسال عَنهُ وَيبين حَاله قَالَ نعم ارى ذَلِك على الْأَمَام وارى أَن لَا يُطِيل حَبسه لَان النَّبِي ص ﷺ حبس رجلا اتهمه الْمَسْرُوق مِنْهُ بِسَرِقَة وَقد صَحبه فِي السّفر قَالَ ابْن حبيب وَقَالَهُ ابْن الْمَاجشون واصبغ وَابْن عبد الحكم
قَالَ فقد جعل ادعاؤه السّرقَة هَاهُنَا مثل لَو ادّعى انه جرحه أَو قتل لَهُ وليا فِي حَبسه ابْتِدَاء انْتهى
مزِيد بَيَان
قَالَ ابْن حبيب حبس مَجْهُول الْحَال دون حبس الْمُتَّهم لقَوْل مطرف وارى أَن لَا يُطِيل حَبسه قلت لَهُ يَعْنِي مطرفا فان كَانَ الْمُتَّهم منبورا بِالسَّرقَةِ مُتَّهمًا بهَا قَالَ فَذَلِك اطول لحبسه انْتهى
المسالة الْخَامِسَة الْمدَّة الَّتِي يحبس فِيهَا الْمَحْبُوس ثَلَاثَة
اجدها المصروفة إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم إِمَّا مُطلقًا كحبس التَّعْزِير أَو منبها فِيهِ على مِقْدَار يلحظ فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاسْتِبْرَاء كحبس الْمُتَّهم بِالْقَتْلِ وَالضَّرْب الْمخوف مِنْهُ الْمَوْت قروره بِشَهْر أَو نَحوه وَمَتى قويت التُّهْمَة زيد فِيهِ بِقَدرِهَا
стр. 685
الثَّانِيَة الْمقدرَة بِالسنةِ كَمَا فِي حبس الْقَاتِل عمدا إِذا عفى عَنهُ الدِّيَة سنة وَحبس من قتل عبدا مُسلما عدما أَو أدّى قِيمَته بعد ضربه مائَة وَحبس الْقَاتِل خطأ فِيهِ قَولَانِ
الثَّالِثَة المستغرقة لعمر الْمَحْبُوس إِلَى أَن تظهر تَوْبَته أَو يَأْتِي بِمَا يُرَاد مِنْهُ مِمَّا كَانَ فِي السجْن لاجله فقد قَالَ مَالك ﵀ فِي رِوَايَة مطرف فِي المعروفين بِالْفَسَادِ والجرم أَن الضَّرْب قُلْنَا ينكلهم وَلَكِن ارى أَن يحبسهم السُّلْطَان فِي السجون ويثقل عَلَيْهِم بالحديد وَلَا يخرجهم مِنْهُ ابدا فَذَلِك خير لَهُم ولاهلهم وللمسلمين حَتَّى تظهر تَوْبَة أحدهم وَتثبت عِنْد السُّلْطَان فَإِذا صلح من ظَهرت تَوْبَته اطلقه ذكره فِي النَّوَادِر وَقَالَ سَحْنُون من اخذ أَمْوَال النَّاس وتعدى عَلَيْهَا وَادّعى الْعَدَم فَتبين كذبه فانه يحبس ابدا حَتَّى يُؤَدِّي أَو يَمُوت فِي الْحَبْس وَيكون عَلَيْهِ الضَّرْب بِالدرةِ الْمرة بعد الْمرة حَتَّى يُؤَدِّي
تَنْبِيه على فهم قَالَ ابْن رضوَان ليعلم الْملك أَن الله تَعَالَى انطق لِسَان نبيه يُوسُف الصّديق صلوَات الله تَعَالَى على نَبينَا وَعَلِيهِ بِالدُّعَاءِ أهل السجون فَقَالَ اللَّهُمَّ اعطف عَلَيْهِم قُلُوب الاخيار وَلَا تغم عَنْهُم الْأَخْبَار فَمن خلق الْملك الصَّالح أَن يحرص على أَن يكون من الاخيار الَّذين عطف الله قُلُوبهم عَلَيْهِم فيامر بتعهدهم بِالطَّعَامِ وتنظيف الْمَكَان واللباس وتسهيا سبل الْعِبَادَات والصون من شدَّة الْبرد وَالْحر بإصلاح المبنى حَيْثُ استقرارهم وتفقد الامناء الْمُكَلّفين بهم حذرا من أَن يليهم من يضيق عَلَيْهِم فِي الْعَذَاب ليستفيدوا مِنْهُ بِمَا يكون لَهُم من مسكة بَاقِيَة أَو نَفَقَته ضَرُورِيَّة فقد حدث من ذَلِك فِي بعض المدن
стр. 686
مَا يهول سَمَاعه ويعظم على الدّين وُقُوعه نسْأَل الله العفية من بيع اخرة الْمُلُوك بدنيا الْمُلُوك بدينا انْتهى
خَاتِمَة من لطيف مَا ذكر بِحَال السمجون وغريبه حكايتان
الْحِكَايَة الأولى يوري أَن أَبَا جَعْفَر كَانَ فِي مجسله الْمَبْنِيّ على بَاب خُرَاسَان من مدينته الَّتِي بناها واضافها إِلَى اسْمه فسماها بِمَدِينَة الْمَنْصُور مشرفا على دجلة وَكَانَ قد بنى على كل بَاب من ابواب الْمَدِينَة فِي الاعلى من طَاقَة الْمَعْقُود مَجْلِسا يشرف مِنْهُ على مَا يَلِيهِ من الْبِلَاد من ذَلِك الْوَجْه وَكَانَت اربعة ابواب فَبَيْنَمَا الْمَنْصُور فِي هَذَا الْمجْلس جَالِسا إِذْ جَاءَ سهم عَابِر حَتَّى سقط بَين يَدَيْهِ فذعر الْمَنْصُور ذعرا شَدِيدا ثمَّ اخذه فَإِذا مَكْتُوب عَلَيْهِ بَين الريشتين
(اتطمع فِي الْحَيَاة إِلَى التناد ... وتحسب أم مَالك من معاد)
(ستسأل عَن ذنوبك والخطايا ... وتسئل بعد ذَاك عَن الْعباد)
ثمَّ قَرَأَ على الريشة الْأُخْرَى
(هِيَ الْمَقَادِير تجْرِي فِي اعنتها ... فاصبر فَلَيْسَ لَهَا صَبر على حَال)
(يَوْمًا تريك خسيس الْقَوْم ترفعه ... إِلَى السَّمَاء وَيَوْما تخْفض العالي)
ثمَّ قَرَأَ على الريشة الْأُخْرَى
стр. 687
(أَحْسَنت ظَنك بِالْأَيَّامِ إِذْ حسنت ... وَلم تخف سوء مَا يَأْتِي بِهِ الْقدر)
(وساعدتك اللَّيَالِي فاغتررت بهَا ... وَعند صفو اللَّيَالِي يحدث الكدر)
قَالَ وَإِذا على جَانب السهْم مَكْتُوب هَمدَان مِنْهَا رجل مظلوم فِي حَبسك فَبعث من فوره من خاصته ففتشوا السجْن فوجدوا شَيخنَا فِي بَيت من السجْن فِيهِ سراج يسرج وعَلى بَابه جَارِيَة وَإِذا شيخ موثق بالحديد مُتَوَجّه نَحْو الْقبْلَة يردد هَذِه الاية ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ فَسَأَلُوهُ عَن بِلَاده فَقَالَ هَمدَان فَحمل وَوضع بَين يَدي الْمَنْصُور فَسَأَلَهُ عَن حَاله فاخبره انه نم مَدِينَة هَمدَان من ارباب النعم بهَا وان واليك علينا دخل بِلَادنَا ولي ضيعته تَسَاوِي ألف ألف دِرْهَم أَرَادَ اخذها مني فامتنعت فكبلني بالحديد وحملني وَكتب أَنِّي عَاص فطرحت فِي هَذَا الْمَكَان فَقَالَ الْمَنْصُور مُنْذُ كم قَالَ مُنْذُ اربعة اعوام أَمر بفك الْحَدِيد عَنهُ والاحسان اليه وانزله احسن منزل وَقَالَ لَهُ يَا شيخ قد رددنا عَلَيْك ضيعتك بخراجها مَا عِشْت وَمَا عِشْنَا واما مَدِينَة هَمدَان فقد وليناك عَلَيْهَا واما الْوَالِي فقد حكمناك فِيهِ وَجَعَلنَا امْرَهْ اليك فجزاه الشَّيْخ خيرا ودعا لَهُ بِالْبَقَاءِ وَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ إِمَّا الضَّيْعَة فقد قبلتها واما الْولَايَة فَلَا اصلح لَهَا واما واليك فقد عَفَوْت عَنهُ أَمر لَهُ الْمَنْصُور بِمَال جزيل وَبرا وَاسع واستحله وَحمله إِلَى بَلَده مكرما بعد أَن صرف الْوَالِي وعاقبه على مَا جناه وسال الشَّيْخ مُكَاتبَته فِي مهماته واخبار بَلَده واعلامه بِمَا يكون من ولَايَته على الْحَرْب وَالْخَرَاج ثمَّ انشأ الْمَنْصُور يَقُول
(من يصحب الدَّهْر لَا يَأْمَن تصرفه ... يَوْمًا وللدهر احلاء وامرار)
(وكل شَيْء وان دَامَت سَلَامَته ... إِذا انْتهى فَلهُ لَا بُد اقْتِصَار)
стр. 688
الْحِكَايَة الثَّانِيَة ذكر أَن اسحقاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب وَالِي بَغْدَاد رَأْي فِي مَنَامه كَأَن النَّبِي ص ﷺ يَقُول اطلق الْقَاتِل فارتاع لذَلِك روعا عَظِيما وَنظر فِي الْكتب الْوَارِدَة لاصحاب السجون فَلم يجد فِيهَا ذكر قَاتل فَأمر باحضار السندي وَعَيَّاش فَسَأَلَهُمَا هَل رفع اليهما أحد ادعِي عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فَقل لَهُ عَيَّاش نعم وَقد كتبنَا بِخَبَرِهِ فاعاد النّظر فَوجدَ الْكتاب فِي اضعاف الْقَرَاطِيس وَإِذا الرجل قد شهد عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فاقر بِهِ فَأمر اسحاق باحضاره فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَرَأى مَا بِهِ من جرتياع قَالَ لَهُ أَن صدقتني اطلقتك فابتدأ يحدثه بِخَبَرِهِ وَذكر انه كَانَ هُوَ وعدة من أَصْحَابه يرتكبون كل عَظِيمَة ويستحلون كل محرم وَأَنه كَانَ اجْتِمَاعهم فِي منزل بِمَدِينَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور يعتكفون فِيهِ على كل بلية فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الايام جَاءَتْهُم عَجُوز كَانَت تخْتَلف اليهم للْفَسَاد وَمَعَهَا جَارِيَة بارعة الْجمال فَلَمَّا توسطت الْجَارِيَة الدَّار صرخت صرخة فبادرت اليها من بَين اصحابي فأدخلتها بَيْتا وسكنت من روعتها وسألتها عَن قضيتها فَقَالَت لَهُ الله الله فِي فان هَذِه الْعَجُوز خدعتني
стр. 689
واعلمتني أَن فِي جِيرَانهَا حَقًا لم يكن مثله فشوقتني إِلَى النّظر لما فِيهِ فَخرجت مَعهَا واثقة بقولِهَا فهجمت بِي عَلَيْكُم وجدي رَسُول الله ص ﷺ وامي فَاطِمَة وَأبي الْحُسَيْن بن عَليّ فاحفظوهم فِي قَالَ الرجل فضمنت لَهَا أَن اخلصها وَخرجت إِلَى اصحابي فعرفتهم بذلك فَكَأَنِّي اغريتهم بهَا وَقَالُوا لما قضيت حَاجَتك مِنْهَا اردت صرفنَا عَنْهَا وَبَادرُوا اليها فَقُمْت دونهَا امْنَعْ مِنْهَا فتفاقم الْأَمر بَيْننَا إِلَى أَن نالتني جراح وعمدت إِلَى اشدهم كَانَ فِي امرها واكلبهم على هتكها فَقتلته وَلم ازل امْنَعْ مِنْهَا إِلَى أَن تخلصت مِنْهُ سَالِمَة امنة مِمَّا خافته على نَفسهَا واخرجتها من الدَّار فسمعتها نقُول سترك الله كَمَا سترتني وَكَانَ لَك كَمَا كنت لي وَسمع الْجِيرَان الصَّيْحَة فَدَخَلُوا الينا والسكين فِي يَدي وَالرجل متشحط بدمه فَرفعت على هَذِه الْحَالة فَقَالَ اسحاق قد عرفت لَك مَا كَانَ من حفظك للْمَرْأَة ووهبتك لله وَرَسُوله قَالَ فوا حق من وهبتني لَهُ وَلَا عاودت مَعْصِيّة وَلَا دخلت فِي رِيبَة حَتَّى القى الله فاخبره اسحاق بالرؤيا الَّتِي راها وان الله لم يضيع لَهُ ذَلِك وَعرض عَلَيْهِ برا وَاسِعًا فابى قبُول شَيْء من ذَلِك
تَعْرِيف
اعْجَبْ من هَذَا الِاتِّفَاق الْغَرِيب فِي اطلارق المسجون مَعَ شدَّة الْحِرْص على هَلَاكه مَا حَكَاهُ الْحميدِي أَن الْوَزير أَبَا جَعْفَر احْمَد بن سعيد بن حزم
стр. 690
كَانَ جَالِسا بَين يَدي مخدومة الْمَنْصُور فِي بعض مجَالِس فَرفعت اليه رقْعَة استعطاف لَام رجل مسبحون كَانَ الْمَنْصُور اعتقله حنقا عَلَيْهِ لجرم استعظمه مِنْهُ فَلَمَّا قَرَأَهَا اشْتَدَّ غَضَبه وَقَالَ ذَكرتني بِهِ وَالله واخذ الْقَلَم أَرَادَ أَن يكْتب يصلب فَكتب يُطلق وَرمى الورقة الو وزيره الْمَذْكُور فاخذ الْوَزير الْقَلَم وَتَنَاول ورقة وَجعل يكْتب بِمُقْتَضى التوقيع إِلَى صَاحب الشرطة فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور وَمَا هَذَا الَّذِي تكْتب قَالَ باطلاق فلَان فحرد وَقَالَ من أَمر بِهَذَا فَنَاوَلَهُ التوقيع فَلَمَّا رَآهُ قَالَ وهمت وَالله ليصلبن ثمَّ خطّ على التوقيع أَرَادَ أَن يكْتب يصلب وَكتب يُطلق واخذ الْوَزير الورقة وَأَرَادَ أَن يكْتب إِلَى الْوَالِي بالاطلاق فَنظر اليه الْمَنْصُور وَغَضب اشد من الأول وَقَالَ من أَمر بِهَذَا فَنَاوَلَهُ التوقيع فراى خطه فَخط عَلَيْهِ أَرَادَ أَن يكْتب يصلب فَكتب يُطلق واخذ الْوَزير التوقيع وَشرع فِي الْكِتَابَة إِلَى الْوَالِي فران الْمَنْصُور فانكر اكثر من الْمَرَّتَيْنِ الاوليين فَأرَاهُ خطه بالاطلاق فَلَمَّا رَآهُ عجب من ذَلِك وَقَالَ نعم يُطلق على رغمي فَمن اراد الله سُبْحَانَهُ اطلاقه لَا اقدر انا على مَنعه قَالَ ابْن حَيَّان فَسُمي طليق الله واشتهر بذلك
стр. 691
الْوَاجِب الْخَامِس
رِعَايَة أهل الذِّمَّة
وَفِيه مسَائِل يَتَّضِح بهَا من ضَرُورَة النّظر فِيهِ ومكمله
المسالة الأولى من اوعب الشُّرُوط الماخوذة عَلَيْهِم مَا تضمنه كتاب عبد الرَّحْمَن بن غنم إِلَى عمر ﵄ وَنَصه قَالَ كتبنَا لعمر بن الْخطاب حِين صَالح نَصَارَى الشَّام بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب لعبد الله عمر امير الْمُؤمنِينَ من نَصَارَى مَدِينَة كذ وَكَذَا لما قدمتم علينا سألناكم الامان لأنفسنا وذراينا واموالنا واهل ملتنا وشرطنا لكم على انفسنا أَن لَا نُحدث فِي مدائننا وَلَا فِيمَا حولهَا ديرا وَلَا كَنِيسَة وَلَا قلية وَلَا صومعة رَاهِب وَلَا نجدد مَا خرب مِنْهَا وَلَا نحني مَا كَانَ مِنْهَا فِي خطط الْمُسلمين وَلَا نمْنَع كنائسنا أَن ينزلها أحد من الْمُسلمين فِي ليل وَلَا فِي نَهَار وان نوسع ابوابها للمارة وَابْن السَّبِيل وان ننزل من مدائننا من مر بِنَا من الْمُسلمين ثَلَاث لَيَال نطعمهم وَلَا نُؤَدِّي فِي مَنَازلنَا وَلَا كنائسنا جاسوسا وَلَا نكتم غَشنَا للْمُسلمين وَلَا نعلم اولادنا الْقرَان وَلَا نظهر شركا وَلَا نَدْعُو اليه أحدا وَلَا نمْنَع أحدا من ذَوي قرابتنا الدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَن أرادوه وان نوقر الْمُسلمين ونقوم لَهُم من مجالسنا إِذا أَرَادوا الْجُلُوس وَلَا تشبه بهم فِي شَيْء من لباسهم فِي قلنسوة وَلَا عِمَامَة وَلَا نَعْلَيْنِ وَفرق شعر وَلَا تَتَكَلَّم بكلامهم وَلَا تكنى بكناهم وَلَا نركب
стр. 692
السُّرُوج وَلَا نتقلد السيوف وَلَا تتَّخذ شَيْئا من السِّلَاح وَلَا نحمله مَعنا وَلَا ننقش على خواتمنا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا نبيع الْخُمُور واذ نجز مقاديم رؤوسنا وان نلزم زيا حَيْثُ مَا كُنَّا وان نَشد الزنانير على اوساطنا وان لَا نظهر الصلبان على كنائسنا وان لَا نظهر صلبينا وكتبنا فِي شَيْء من طرق الْمُسلمين واسواقهم وَلَا نضرب نواقيسنا فِي كنائسنا إِلَّا نقرا خَفِيفا وَلَا نرفع اصواتنا بِالْقِرَاءَةِ فِي كنائسنا فِي شَيْء من حَضْرَة الْمُسلمين وَلَا نخرج شعانينا وَلَا باعوثا وَلَا نرفع اصواتنا مَعَ مَوتَانا وَلَا نظهر النيرَان مَعَهم فِي شَيْء من طرق الْمُسلمين وَلَا اسواقهم وَلَا نتطلع عَلَيْهِم فِي مَنَازِلهمْ
فَلَمَّا اتيت عمر بن الْخطاب ﵁ بِالْكتاب زَاد فِيهِ وَلَا نضرب أحدا من الْمُسلمين شرطنا لكم ذَلِك على انفسنا واهل ملتنا وَقَبلنَا عَلَيْهِ الامان فان نَحن خَالَفنَا عَن شَيْء مِمَّا شرطناه لكم وضمناه على انفسنا فَلَا ذمَّة لنا وَقد حل لكم منا مَا يحل من أهل المعاندة والشقاق فَكتب اليه عمر ﵁ أَن امْضِي مَا سَأَلُوهُ وزد فِيهِ حرفين اشترطتهما عَلَيْهِم مَعَ مَا شرطوه على أنفسهم إِلَّا تشتروا شَيْئا من سَبَايَا الْمُسلمين وَمن ضرب مُسلما عمدا فقد خلع عَهده
فَائِدَة فِي تَنْبِيه من هَذِه الشُّرُوط مَا يسْقط الطّلب بِهِ كأرزاق الْمُسلمين واضافة المجتاز بهم ثَلَاثَة قَالَ مَالك ارى أَن يوضع ذَلِك عَنْهُم لما احدث عَلَيْهِم
стр. 693
من الْجور قَالَ الْبَاجِيّ وَقَوله يدل على أَن ذَلِك مَعَ الْوَفَاء بِمَا عوهدوا عَلَيْهِ
المسالة الثَّانِيَة هَذِه الشُّرُوط بِاعْتِبَار الاخلال بهَا ثَلَاثَة
أَحدهَا مَا ينتقص بِهِ عقد الذِّمَّة اتِّفَاقًا قَالَ الْقَرَافِيّ كالخروج على السُّلْطَان ونبذ الْعَهْد وَالْقَتْل والقتال وحدهم أَو مَعَ الْعَدو
قلت وكالتمرد على الْأَحْكَام والتطلع على عورات الْمُسلمين
الثَّانِي مَا لَا ينْتَقض بِهِ ذَلِك اتِّفَاقًا قَالَ الْقَرَافِيّ كَتَرْكِ الزنار وركوبه الْخَيل وَترك ضِيَافَة الْمُسلمين وَنقش خواتمهم بِالْعَرَبِيَّةِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا تخف مفسدته
قلت وَلَا بُد من ذَلِك من التَّعْزِير كَمَا نصوا عَلَيْهِ فِي ترك الزنار وَظُهُور السكر الْمُتَعَمد وَبسط اللِّسَان
الثَّالِث مَا اخْتلفت فِي الحاقة بِالْأولِ وَالثَّانِي كَالزِّنَا بالمسلمة طَوْعًا الْحَقْهُ مَالك فِي بِالثَّانِي فَلَا ينْتَقض والحقه ربيعَة وَابْن وهب بِالْأولِ فينتقض
قلت وَالْمَشْهُور قَول مَالك كَمَا صرح بِهِ خَلِيل
المسالة الثَّالِثَة بر أهل الذِّمَّة ماذون فِيهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين وَلم يخرجوكم من دِيَاركُمْ أَن تبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم إِن الله يحب المقسطين﴾ والتودد اليهم مَنْهِيّ عَنهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة﴾
قَالَ القارفي والبابان ملتبسان فيحتاجان إِلَى الْفرق
قلت اختصر الْمقري فِي قَوَاعِده مَا فرق بِهِ بقوله الْبر الْمَأْذُون لَهُم فِيهِ مَا يرجع إِلَى قربهم والاحسان اليهم مَعَ حفظ الْمرتبَة وعلو الْإِسْلَام وَهُوَ مُسْتَحبّ وَجَائِز والاقساط الْعدْل الْوَاجِب فيهم وَهُوَ مُسْتَحقّ
стр. 694
وَاجِب والتودد المنهى عَنهُ مَا يرجع إِلَى الاكرام وَاسْتِعْمَال الاداب الَّتِي يَسْتَحِقهَا الرؤساء والاكفاء من دونهم أَو هُوَ فِي درجتهم وَهُوَ حرَام قَالَ فَلَا تصح حجَّة اسماعيل القَاضِي بِالْآيَةِ فِي قِيَامه لِلنَّصْرَانِيِّ الَّذِي ورد عَلَيْهِ من قبل السُّلْطَان باكرامه لَهُ بل ذَلِك مِنْهُ وضع لمرتبتي الْفِقْه وَالْقَضَاء بتوهم عَارض دينوي وَهُوَ بَاطِل انتهي
المسالة الرَّابِعَة الْفرق بَين جَوَاز اخذ الْجِزْيَة على الْكفْر وَمنع اخذ الْعِوَض عَن الْمعْصِيَة مُلَخصا بِالْمَعْنَى من كَلَام الْقَرَافِيّ أَن الْجِزْيَة مُشْتَمِلَة على الْعِوَض على الْتِزَام مفْسدَة قَليلَة لدفع مفْسدَة عَظِيمَة وتوقع مصلحَة عليا واخذ الْعِوَض عَن الْمعْصِيَة مُتَضَمّن لترجيح مصلحَة حقيرة على مفْسدَة عَظِيمَة وَذَلِكَ لَان الْكَافِر إِذا قتل فانه فَاتَهُ الْإِيمَان فشرعت الْجِزْيَة رَجَاء أَن يسلم فِي الْمُسْتَقْبل وَإِذ ذَاك فتتبعه ذُريَّته وتتصل سلسلة الْإِسْلَام من قبله وان مَاتَ على كفره فإسلام ذُريَّته متوقع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَسَاعَة من الْإِيمَان تعدل دهورا من الْكفْر وَمن ثمَّ كَانَ خلق آدم ﵇ على وفْق الْحِكْمَة واكثر ذُريَّته كفار وَعند ذَلِك فَلم تشرع الْجِزْيَة لمصْلحَة الْمَأْخُوذ فَقَط بل لما اشير اليه وَلَا كَذَلِك اخذ الْعِوَض عَن الْمعْصِيَة لرجحان مفسدته بِكُل اعْتِبَار
المسالة الْخَامِسَة من وَعِيد الاخلال بِوَاجِب الْعدْل فيهم بِمَا لَهُم من ذمَّة الله وَرَسُوله امران أَحدهمَا التَّعَرُّض لمحاجة النَّبِي ص ﷺ عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة فَفِي سنَن أبي دَاوُود أَن رَسُول الله ص ﷺ قَالَ من ظلم معاهدا أَو انتقضه أَو كلفه فَوق طاقته أَو اخذ مِنْهُ شَيْئا بِغَيْر طيب نفس فَأَنا حجيجه يَوْم الْقِيَامَة
الثَّانِي بَرَاءَة النَّبِي ص ﷺ مِمَّن تناهي بِهِ الظُّلم إِلَى قتل وَاحِد مِنْهُم بِغَيْر حق فَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَن رَسُول الله ص ﷺ قَالَ
ايما رجل امن رجلا على ذمَّة ثمَّ قَتله فَأَنا من الْقَاتِل بَرِيء وان كَانَ يَوْم الْمَقْتُول كَافِرًا قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَقَالَ ابْن مَاجَه فانه يحمل لِوَاء الْعذر يَوْم الْقِيَامَة
стр. 695
تَفْرِيغ قَالَ الْقَرَافِيّ فَمن اعْتدى عَلَيْهِم وَلَو بِكَلِمَة سوء أَو غيبَة فِي عرض أحدهم أَو نوع من أَو أَنْوَاع الاذاية أَو اعان على ذَلِك فقد ضيع ذمَّة الله تَعَالَى وَذمَّة رَسُوله ص ﷺ وَذمَّة الْإِسْلَام
استظهار قَالَ وَقد حكى ابْن حزم فِي مَرَاتِب الْإِجْمَاع لَهُ أَن من كَانَ فِي الذِّمَّة وقصده الْعَدو فِي بِلَادنَا وَجب الْخُرُوج لقتالهم حَتَّى نموت دون ذَلِك صونا لمن هُوَ فِي ذمَّة الله تَعَالَى وَذمَّة رَسُول الله ص ﷺ لَان تسلميه اهمال لعقد تِلْكَ الذِّمَّة انْتهى لعَظيم
قَالَ فعقد يُؤَدِّي إِلَى اتلاف النُّفُوس وَالْأَمْوَال صونا لمقتضاه عَن الضّيَاع انه لعَظيم
تكَلمه بَيَان لاخفاء أَن مَا سبق من عد السياسة فِي اركان الْملك أَولا وَمَا بَين هُنَا من جملها ثَانِيًا كَاف فِي هَذَا الْمقَام بِحَسب ذَلِك الْقَصْد وَلَكِن رَأَيْت أَن اكلمه بِذكر مَا كتب بِهِ طَاهِر بن الْحُسَيْن لِابْنِهِ عبد الله لما ولاه المامون الرقة ومصر وَمَا بَينهمَا فانه قَالَ ابْن خلدون من احسن مَا كتب فِي ذَلِك واوعبه وانه عهد اليه فِيهِ ووصاه بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج اليه فِي دولته وسلطانه من الاداب الدِّينِيَّة والخلقية والسياسات الشَّرْعِيَّة والملوكية وحثه على مَكَارِم الاخلاق ومحاسن الشيم بِمَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ ملك
стр. 696
وَلَا سوقه قَالَ وَنَصّ الْكتاب مَنْقُولًا من كتاب السّير بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِمَّا بعد فَعَلَيْك بتقوى الله وَحده لَا شريك لَهُ وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وَحفظ رَعيته بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار والزم مَا البسك الله من الْعَافِيَة بِالذكر لمعادك وَمَا أَنْت صائر اليه وَمَوْقُوف عَلَيْهِ ومسؤول عَنهُ وَالْعَمَل فِي ذَلِك كُله بِمَا يَعْصِمك الله وينجيك يَوْم الْقِيَامَة من عِقَابه واليم عَذَابه فان الله سُبْحَانَهُ قد احسن اليك وَأوجب عَلَيْك الرأفة بِمن استرعاك أَمرهم من عباده والزمك الْعدْل فيهم والقيلم بِحقِّهِ وحدوده عَلَيْهِم والذب عَنْهُم وَالدَّفْع عَن حريهم وبيضتهم والحقن لدمائهم والامن لسلبهم وادخار الرَّاحَة عَلَيْهِم ومواخذك بِمَا فرض عَلَيْك وموفقك عَلَيْهِ عَنهُ ومسائلك ومثيبك عَلَيْهِ بِمَا قدمت واخرت ففرغ لذَلِك فهمك وعقلك وبصرك وَلَا يشغلك عَنهُ شاغل وانه رَأس امرك وملاك شَأْنك وَأول مَا يوفقك الله بِهِ لرشدك
وَليكن أول مَا تلْزم بِهِ نَفسك وتنسب اليه فعلك الْمُوَاظبَة على مَا افترضه الله عَلَيْك من الصَّلَوَات الْخمس وَالْجَمَاعَة عَلَيْهَا بِالنَّاسِ قبلك وتوقعها على سنتها فِي اسباغ الْوضُوء لَهَا وافتتاح ذكر الله فِيهَا وترتل فِي قراءتك وَتمكن فِي ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصدق فِيهَا لِرَبِّك نيتك وحض عَلَيْهَا جمَاعَة من
стр. 697
مَعَك وَتَحْت يدك واداب عَلَيْهَا لانها كَمَا قَالَ الله ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ ثمَّ اتبع ذَلِك بالاخذ بسنن رَسُول الله ص ﷺ والمثابرة على خلائقه واقتفاء اثار السّلف الصَّالح من بعده وَإِذا ورد عَلَيْك أَمر فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ باستخارة الله وتقواه وبلزوم مَا انْزِلْ الله فِي كِتَابه من امْرَهْ وَنَهْيه وَحَلَاله وَحَرَامه واتمام مَا جَاءَت الاثار عَن رَسُول الله ص ﷺ ثمَّ قُم فِيهِ بِمَا يحِق لله عَلَيْك وَلَا تميلن عَن الْعدْل فِيمَا احببت وكرهت لقريب من النَّاس أَو بعيد واثر الْفِقْه واهله وَالدّين وَحَمَلته وَكتاب الله والعاملين بِهِ فان افضل مَا يتزين بِهِ الْمَرْء الْفِقْه فِي دين الله والطلب لَهُ والحث عَلَيْهِ والمعرفة بِمَا يتَقرَّب بِهِ مِنْهُ إِلَى الله فَإِنَّهُ الدَّلِيل على الْخَيْر كُله والقائد إِلَيْهِ والآمر بِهِ والناهي عَن الْمعاصِي والموبقات كلهَا وَبِه مَعَ توفيق الله عز ووجل يزْدَاد العَبْد معرفَة بِهِ واجلالا لَهُ لامرك والهيبة لسلطانك والانس بك والثقة بعد لَك وَعَلَيْك بالاقتصاد فِي الْأُمُور كلهَا فَلَيْسَ شَيْء ابين
стр. 698
نفعا وَلَا احسن امنا وَلَا اجْمَعْ فضلا مِنْهُ وَالْقَصْد دَاعِيَة إِلَى الرشد والرشد دَلِيل على التَّوْفِيق قَائِد إِلَى السَّعَادَة وقوام الدّين وَالسّنَن الهادية بالاقتصاد فاثره فِي دنياك كلهَا وَلَا تقصر فِي طلب الاخرة والأعمال الصَّالِحَة وَالسّنَن الْمَعْرُوفَة ومعالم الرشد ولاغاية للاستكثار من الْبر وَالسَّعْي لَهُ إِذا كَانَ يطْلب بِهِ وَجه الله تَعَالَى ومرضاته ومرافقة اولياء الله فِي دَار كرامته
وَاعْلَم أَن الْقَصْد فِي شَأْن الدُّنْيَا يُورث الْعِزّ ويحصن من الذُّنُوب وانك لن تحوط نَفسك ومرتبتك وَلَا تصلح امورك بِأَفْضَل مِنْهُ فأته واهتد بِهِ تتمّ امورك وتزيد مقدرتك وَتصْلح خاصتك وعامتك واحسن ظَنك بِاللَّه تستقم لَك رعيتك وَالْتمس الْوَسِيلَة اليه فالأمور كلهَا تستديم بِهِ النِّعْمَة عَلَيْك وَلَا تتهمن أحدا من النَّاس فِيمَا وليته من عَمَلك قبل أَن تكشف امْرَهْ فام ايقاع التهم بِالْبَرَاءَةِ والظنون السَّيئَة بهم مأثم فَاجْعَلْ من شَأْنك حسن الظَّن فِي بِأَصْحَابِك واطرد عَنْك سوء الظَّن بهم وارفضه فيهم بِعَيْنِك ذَلِك على اصطناعهم ورياضتهم وَلَا يجدن عَدو الله الشَّيْطَان فِي امرك مغمزا فانه إِنَّمَا يَكْتَفِي بِالْقَلِيلِ من وهنك فَيدْخل عَلَيْك من الْغم بِسوء الظَّن بهم مَا ينغمص لذاذة عيشك
وَاعْلَم انك تَجِد بِحسن الظَّن قُوَّة وراحة
стр. 699
وتكفي بهَا مَا احببت كِفَايَته من امورك وَتَدْعُو بِهِ النَّاس إِلَى محبتك والاستقامة فِي الْأُمُور كلهَا وَلَا يمنعك حسن الظَّن بِأَصْحَابِك والرأفة برعيتك أَن تسْتَعْمل الْمَسْأَلَة والبحث عَن امورك والمباشرة لأمور الاولياء والحياطة للرعية وَالنَّظَر فِي مَا يقيمها ويصلحها بل لتَكون مُبَاشرَة لأمور الاولياء والحياطة للرعية بِالنّظرِ فِي حوائجهم وَحمل مسؤوناتهم اثر عنْدك مِمَّا سوى ذَلِك فانه اقوم للدّين واحيي للسّنة
واخلص نيتك فِي جَمِيع هَذَا وَتفرد بتقويم نَفسك تفرد من يعلم انه مسؤول عَمَّا صنع ومجزئ بِمَا احسن ومأخوذ بِمَا اساء فان الله جعل الدّين حزرا وَعزا وَرفع من اتبعهُ وعززه فاسلك بِمن تسوسه وترعاه نهج الدّين وَطَرِيقَة الاهدى واقم حُدُود الله تعااى ل فِي أَصْحَاب الجرائم على قدر مَنَازِلهمْ وَمَا يستحقوه وَلَا تعطل ذَلِك وَا تتهاون فِيهِ وَلَا تُؤخر عُقُوبَة أهل الْعقُوبَة فان فِي تفريطك فِي ذَلِك مَا يفْسد عَلَيْك حسن ظَنك
واعزم على امرك فِي ذَلِك بالسنن الْمَعْرُوفَة وجانب الْبدع والشبهات يسلم لَك دينك وَتقوم لَك مروئتك وَإِذا عَاهَدت عهدا فوف بِهِ وَإِذا وعدت الْخَيْر فانجزه وَاقْبَلْ الْحَسَنَة وادفع بهَا واغمض من عيب ذِي عيب من عريتك
وَاشْدُدْ لسَانك عَن قَول الْكَذِب والزور وابغض أهل النميمة فان أول فَسَاد امورك فِي عاجلها واجلها تقريب الكذوب والجرأة على الْكَذِب
стр. 700
لَان الْكَذِب رَأس المثاثم والزور والنميمة خاتمتها لَان النميمة لَا يسلم صَاحبهَا وقائلها لَا يسلم لَهُ صَاحب وَلَا يَسْتَقِيم لطبعه أَمر
واحببت أهل الصّلاح والصدق واعز الاشراف بِالْحَقِّ واعن الضُّعَفَاء وصل الرَّحِم وابتغ بذلك وَجه الله تَعَالَى واعزاز امْرَهْ وَالْتمس فِيهِ ثَوَابه وَالدَّار الاخرة
واجتنب سوء الاهواء والجور واصرف عَنْهُمَا رَأْيك واظهر براءتك من ذَلِك لرعيتك واقم بِالْعَدْلِ سياستهم وقم بِالْحَقِّ فيهم وبالمعرفة الَّتِي تَنْتَهِي بك إِلَى سَبِيل الْهدى
واملك نَفسك عِنْد الْغَضَب واثر الْوَقار والحلم واياك والحدة والطيش والغرور غيما أَنْت بسبيله واياك أَن تَقول انا مسلط افْعَل مَا اشاء فان ذَلِك سريع فِيك إِلَى نقص الرَّأْي وَقلة الْيَقِين بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ واخلص لله النِّيَّة فِيهِ وَالْيَقِين بِهِ
وَاعْلَم أَن الْملك لله يؤتيه من يَشَاء من عباده وينزعه مِمَّن يَشَاء وَلنْ تَجِد تَغْيِير النِّعْمَة وحلول النقمَة إِلَى أحد اسرع مِنْهُ إِلَى جهلة النِّعْمَة من أَصْحَاب السُّلْطَان والمبسوط لَهُم فِي الدولة إِذا كفرُوا نعم الله واحسانه واستطالوا بِمَا أَتَاهُم الله من فَضله ودع عَنْك شَره نَفسك
ولتكن ذخائرك وكنوزك الَّتِي تدخر وتكنز الْبر وَالتَّقوى وَالْعدْل واصلاح الرّعية وَعمارَة بِلَادهمْ والتفقد لأمورهم وَالْحِفْظ لدمائهم والاغاثة للمهوفهم
стр. 701
وَاعْلَم أَن الْأَمْوَال إِذا كنزت وادخرت فِي الخزائن لَا تنمو وان كَانَت فِي صَلَاح الرّعية واعطاء حُقُوقهم وكف الاذى عَنْهُم نمنت وزكت وصلحت بهَا الْعَامَّة وتزينت بهَا الْوُلَاة وطاب بهَا الزَّمَان واعتقد الْعِزّ والمنعة فَلْيَكُن كنز ذخائرك تَفْرِيق الْأَمْوَال فِي عمَارَة الْإِسْلَام واهله ووفر مِنْهُ على اولياء امير الْمُؤمنِينَ قبلك حُقُوقهم واوف رعيتك من ذَلِك حصصهم وتعهد مَا يصلح من امورهم ومعاشهم فانك إِذا فعلت ذَلِك قرت النِّعْمَة بملكك واستوجبت الْمَزِيد من الله وَكنت بذلك على جبابة خراجك وَجمع أَمْوَال رعيتك وخراجك اقدر وَكَانَ الْجَمِيع لما شملهم من عدلك واحسانك اسكن لطاعتك واطيب نفسا بِكُل مَا اردت فاجهد نَفسك فِيمَا حددت لَك فِي هَذَا الْبَاب ولتعظم خشيتك فِيهِ فَإِنَّمَا يبقي من المَال مَا انفق فِي سَبِيل الله وَفِي سَبِيل حَقه
واعرف للشاكرين شكرهم واثبهم عَلَيْهِ واياك أَن تنسيك الدُّنْيَا وغرورها هول الاخرة فتتهاون بِمَا يحِق عَلَيْك فان التهاون يُورث التَّفْرِيط والتفريط يُورث الْبَوَار وَليكن عَمَلك لله وَفِيه وارج الثَّوَاب فان الله سُبْحَانَهُ قد اسبغ عَلَيْك نعْمَة فِي الدُّنْيَا واظهر لديك فَضله فاعتصم بالشكر وَعَلِيهِ فاعتمد يزدك الله خيرا واحسانا فان الله يثيب بِقدر شكر الشَّاكِرِينَ وسيرة الْمُحْسِنِينَ
стр. 702
واقض بِالْحَقِّ فِيمَا حملت من النعم والبست من الْكَرَامَة وَلَا تحقرن ذَنبا وَلَا تمارين حَاسِدًا وَلَا ترحمن فَاجِرًا وَلَا تصلن كفورا وَلَا تداهن عدوا وَلَا تصدقن نماما وَلَا تأممن غدارا وَلَا توالين فَاسِقًا وَلَا تتبعن غاويا وَلَا تحمدن مرائيا وَلَا تحقرن انسانا وَلَا تردن سَائِلًا فَقِيرا وَلَا تحسنن بَاطِلا وَلَا تلاحظن مضحكا وَلَا تخلفن موعدا وَلَا تزهون فخرا وَلَا تظهرن غَضبا وَلَا تأتين بذخا وَلَا تمشين مرحا وَلَا تزكين سَفِيها
وَلَا تفرطن فِي طلب الاخرة وَلَا تدفعن الايام عمايا وَلَا تغمضن عَن ظَالِم رهبة مِنْهُ أَو مُحَابَاة وَلَا تَطْلُبن ثَوَاب الاخرة بالدنيا
واكثر مُشَاورَة الْفُقَهَاء وَاسْتعْمل نَفسك بالحلم وَخذ عَن أهل التجارب وَذَوي الْعقل والرأي وَالْحكمَة وَلَا تدخلن فِي مشورتك أهل الرفه وَالْبخل وَلَا تسمعن مِنْهُم قولا فان ضررهم اكثر من نفعهم وَلَيْسَ شَيْء أسْرع فَسَادًا لما اسْتقْبلت فِيهِ أَمر رعيتك من الشُّح وَاعْلَم انك إِذا كنت حَرِيصًا كنت كثير الْأَخْذ قَلِيل الْعَطِيَّة وَإِذا كنت كَذَلِك لم يستقم لله امرك إِلَّا قَلِيلا فان رعيتك إِنَّمَا تعتمد على محبتك بالكف عَن اموالهم وَترك الْجور عَلَيْهِم ووال من صفا لَك من اوليائك بَالا فضال عَلَيْهِم وَحسن
стр. 703
الْعَطِيَّة لَهُم واجتنب الشُّح وَاعْلَم انه أول مَا عصى بِهِ الانسان ربه وان العَاصِي بِمَنْزِلَة الخزي وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ فسهل طَرِيق الْجُود بِالْحَقِّ وَاجعَل للْمُسلمين كلهم فِي فيئك حظا ونصيبا وايقن أَن الْجُود من افضل اعمال الْعباد فاعده لنَفسك خلقا وَارْضَ بِهِ عملا ومذهبا
وتفقد الْجند فِي دواوينهم وامكنتهم وادرر عَلَيْهِم ارزاقهم ووسع عَلَيْهِم فِي معاشهم ليذْهب الله بذلك فاقتهم فيقوى لَك أَمرهم وتزيد بِهِ قُلُوبهم فِي طَاعَتك وامرك خلوصا وانشراحا وَحسب ذِي السُّلْطَان من السَّعَادَة أَن يكون على جنده ورعيته إِذا رَحْمَة فِي عدله وعطيته وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مَكْرُوه أحد الْبَابَيْنِ باستشعار فَضِيلَة الْبَاب الآخر وَلُزُوم الْعَمَل بِهِ تلق أَن شَاءَ الله بِهِ نجاحا وصلاحا وفلاحا
وَاعْلَم أَن الْقَضَاء من الله تَعَالَى بِالْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ فَوْقه شَيْء من الْأُمُور لانه ميزَان الله تَعَالَى الَّذِي تعتدل عَلَيْهِ احوال النَّاس فِي الأَرْض وبإقامة الْعدْل فِي الْقَضَاء وَالْعَمَل تصلح احوال الرّعية وتأمن السبل وينتصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم وَيَأْخُذ النَّاس حُقُوقهم وتحسن الْمَعيشَة وَيُؤَدِّي حق الطَّاعَة ويرزق الله الْعَافِيَة والسلامة وَيقوم الدّين وتجري السّنَن والشرائع على مجاريها لتنجز الْحق وَالْعدْل فِي
стр. 704
الْقَضَاء وليتمكن ربحك ويقر جدك وَاسْتَوْفِ أَمر الله وتورع عَن الشُّبُهَات وامض لاقامة الْحُدُود واقلل العجلة وابعد وتورع عَن الشُّبُهَات وامض لاقامة الْحُدُود واقلل العجلة وابعد عَن الضجر والقلق وانتفع بتجربتك وانتبه فِي صمتك واسدد فِي منطقك وانصف الْخصم وقف عِنْد الشُّبْهَة وابلغ فِي الْحجَّة
وَلَا تاخذك فِي أحد من عريتك مُحَابَاة وَلَا مجاملة وَلَا لومة لائم وَتثبت وتأن وراقب وَانْظُر وتفكر وتدبر وَاعْتبر وتواضع لِرَبِّك وارفق بِجَمِيعِ رعيتك وسلط الْحق على نَفسك وَلَا تسرعن إِلَى سفك دم فان الدِّمَاء من الله بمَكَان عَظِيم فإياك انتهاكا لَهَا بِغَيْر حَقّهَا
وَانْظُر حق الْخراج الَّذِي استقامت عَلَيْهِ الرّعية وَجعله الله لِلْإِسْلَامِ عزا ورفعة ولاهله توسعه ومنعة ولعدوه وعدوهم كتبا وغيظا ولاهل الْكفْر من بغاتهم ومعاديهم ذلا وصغارا فوزعه بَين أَصْحَاب بِالْحَقِّ وَالْعدْل والسوية والعموم فِيهِ وَلَا ترفعن مِنْهُ شَيْئا عَن شرِيف لشرفه وَلَا عَن غَنِي لغناه وَلَا عَن كَاتب لَك وَلَا عَن أحد من خاصتك وَلَا حاشيتك وَلَا تأخذن مِنْهُ فَوق الِاحْتِمَال لَهُ وَلَا تكلفن أَمر فِيهِ شطط واحمل النَّاس كلهم على امن من الْخَوْف فان ذَلِك اجْمَعْ لالفتهم والزم لرضي الْعَامَّة وَاعْلَم انك جعلت بولايتك خَازِنًا وحافظا وراعيا وانما سمي أهل عَمَلك ورعيتك لانك راعيهم وقيمهم فَخذ مِنْهُم مَا اعطوك من عفوهم
стр. 705
ونفذه فِي قوام أَمرهم وصلاحهم وتقويم اودهم وَاسْتعْمل عَلَيْهِم ذَوي الرَّأْي وَالتَّدْبِير والتجربة والخبرة بِالْعَمَلِ وَالْعلم بالسياسة والعفاف
ووسع عَلَيْهِم فِي الرزق فان ذَلِك من الْحُقُوق اللَّازِمَة لَك فِي مَا تقلدت وَاسْنِدِ اليك وَلَا يشغلك عَن شاغل وَلَا يصرفنك عَنهُ صَارف فانك مَتى اثرته وَقمت فِيهِ بِالْوَاجِبِ استدعيت بِهِ زِيَادَة النِّعْمَة من رَبك وَحسن الاحدوثة فِي عَمَلك واحرزت بِهِ الْمحبَّة من رعيتك واعنت على الصّلاح فَدرت الْخيرَات ببلدك وفشت الْعِمَارَة بناحيتك وَظهر الخصب فِي كورك وَكثر خراجك وتوفرت اموالك وقويت بذلك على ارتياض جندك
ارْض الْعَامَّة بإفاضة الْعَطاء فَيعم من نَفسك وَكن مَحْمُود السياسة مرضى الْعدْل فِي ذَلِك عِنْد عَدوك وَكن فِي امورك كلهَا إِذا عدل وَقُوَّة والة وعدة فنافس فِي هَذَا وَلَا تقدم عَلَيْهِ شَيْئا تحمد مغبة امرك أَن شَاءَ الله تَعَالَى
وَاجعَل فِي كل كورة من عَمَلك امينا يُخْبِرك بِخَبَر عمالك وَيكْتب اليك بسيرهم واعمالهم حَتَّى كَأَنَّك مَعَ كل عَامل فِي عمله معاينا لأموره كلهَا وان اردت أَن تَأْمُرهُمْ بِأَمْر فَانْظُر فِي عواقب مَا اردت من ذَلِك فان رَأَيْت السَّلامَة فِيهِ الْعَافِيَة ورجوت فِيهِ حسن الدفاع والنصح والصنع فامضه وَألا فتوقف عَنهُ وراجع أهل الْبَصَر وَالْعلم بِهِ ثمَّ خُذ فِيهِ عدته فانه رُبمَا نظر الرجل فِي أَمر من اموره وَقد اتاه على مَا يهوي فاغواه ذَلِك
следующие страницы →