← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة أَن الامصار الَّتِي هِيَ كراسي الْملك تخرب بخراب الدول قَالَ قد استقرينا فِي الْعمرَان أَن الدولة إِذا انتقصت فان الْمصر الَّذِي يكون كرسيا لسلطانها ينتقص عمرانه وَرُبمَا يَنْتَهِي إِلَى الخراب وَلَا يكَاد ذَلِك يتَخَلَّف ثمَّ اسْتدلَّ بِأُمُور نذكرها ملخصة من كَلَامه أَحدهَا أم مصير هَذَا الْكُرْسِيّ فِي ملكة الدولة المتجدد يذهب بالكثير من احوال الرفه لرجوع اهله إِلَى خلق تِلْكَ الدولة فِي تقليل تِلْكَ النَّفَقَة لما توجبه بداوة بدايتها فينقص بذلك حضارته وَكثير من عوائد ترفه وَهُوَ المُرَاد بخرابه من تِلْكَ الْجِهَة الثَّانِي أَن عوائد أهل الدولة السَّابِقَة وخصوصا احوال الترفه ينكرها أهل الدولة لَكمَا بَينهم من المنافسات الناشئة عَن الْعَدَاوَة المتمكنة وَإِذا كَانَت مُنكرَة لديهم صَارَت لذَلِك مفقودة إِلَى أَن تنشأ لَهُم بالتدريج عوائد أُخْرَى تكون عَنْهَا حضارة مستأنفة وَضعهَا بَين ذَلِك قُصُور الحضارة الأولى ونقضها وَهُوَ المُرَاد أَيْضا باختلال عمرَان الْمصر الثَّالِث أَن الدولة إِذا اتَّخذت كرسيا لملكها غير مَا كَانَ للدولة السَّابِقَة تسارع النَّاس بالانتقال إِلَيْهِ وخف لذَلِك عمرَان الْكُرْسِيّ الأول فنقصت حضارته وتمدنه كَمَا وَقع للْعَرَب فِي الْعُدُول عَن الْمَدَائِن إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة ولبني الْعَبَّاس فِي التَّحَوُّل عَن دمشق إِلَى بَغْدَاد وللسلجوقية فِي الْخُرُوج عَن بَغْدَاد إِلَى اصبهان وَبني مرين فِي الْعُدُول عَن مراكش إِلَى فاس الرَّابِع أَن الدولة المتجددة لَا بُد فِيهَا من تتبع أهل الدولة السَّابِقَة ذَا غلبت عَلَيْهَا بتحويلهم إِلَى مصر آخر يُؤمن فِيهِ غائلتهم وهم اكثر

стр. 807

أهل الْمصر وَإِذا نقلوا على وَجه التَّغْرِيب وَالْحَبْس أَو الْكَرَامَة والتلطف بِحَيْثُ لَا يُؤَدِّي إِلَى نفرة حَتَّى لَا يبقي فِيهِ إِلَّا الباعة والهمل وَإِذا ذهب من الْمصر اعيانه على طبقاتهم نقص سَاكِنة وَهُوَ معنى اختلال عمرانه قلت وَمن ثمَّ قيل إِذا ولت قلت امة وَإِذا اتت دولة نسخت امهِ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة أَن لُغَات أهل الامصار إِنَّمَا تكون بِلِسَان الْأمة والجيل الغالبين عَلَيْهَا أَو المختطفين لَهَا وَشَاهد ذَلِك من الْوَاقِع فِي الممالك الاسلامية امران أَحدهمَا أَن لُغَات أهل الامصار شرقا وغربا عَرَبِيَّة وان كَانَ اللِّسَان العصري مِنْهَا قد فَسدتْ فِي الْجَمِيع ملكته وتغيير اعرابه بمخالطة الاعاجم وَسَببه مَا وَقع للدولة الاسلامية من الغلب على الامم وَالنَّاس تبع لسلطان الدولة وعَلى دينه وَأَيْضًا فدين الْإِسْلَام مُسْتَفَاد من الشَّرِيعَة وَهِي بِلِسَان الْعَرَب لَان النَّبِي ص ﷺ عَرَبِيّ فَوَجَبَ هجرها سوى اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَعند ذَلِك فاستعماله من شَعَائِر الْإِسْلَام وَطَاعَة الْعَرَب القائمين بِهِ الثَّانِي انه تملك الْعَجم جَمِيع الممالك الاسلامية كَانَ لديلم والسلجوقية بالمشرق وزنانة وَجمع البربر بالمغرب وَفَسَد اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَكَاد يذهب لَوْلَا حفظه لعناية الْمُسلمين للسّنة فبذلك اسْتمرّ بَقَاؤُهُ وترجحت الْمُحَافظَة عَلَيْهِ وان كَانَ عَرَبيا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تحول إِلَيْهِ من اللُّغَات العجمية

стр. 808

تَعْرِيف قَالَ وَلما ملك التتر بالمشرق وَلم يَكُونُوا على دين الْإِسْلَام ذهب ذَلِك الْمُرَجح وفسدت اللُّغَة الْعَرَبيَّة على الاطلاق وَلم يبْق لَهَا رسم فِي الممالك الاسلامية بالعراق وخراسان وبلاد فَارس وَارْضَ الْهِنْد والسند وَمَا وَرَاء النَّهر وبلاد الشمَال وبلاد الشمَال وبلاد الرّوم وَذَهَبت اساليب اللُّغَة الْعَرَبيَّة من التَّعْبِير وَالْكَلَام إِلَّا قَلِيل ليَقَع تَعْلِيمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من عُلُوم الْعَرَب وَحفظ كَلَامهم لمن يسره الله لذَلِك اثر عناية قَالَ وَرُبمَا بقيت اللُّغَة الْعَرَبيَّة مصر وَالشَّام والأندلس وَالْمغْرب لبَقَاء الدسن طلبا لَهَا فانخفظت بعض الشَّيْء واما فِي ممالك الْعرَاق وَمَا وَرَاءه فَلم يبْق لَهَا اثر وَلَا عين حَتَّى أَن كتب الْعُلُوم تكْتب بِاللِّسَانِ العجمي وَكَذَا تدريسه فِي الْمجَالِس وَالله مُقَدّر اللَّيْل وَالنَّهَار

стр. 809

الْفَصْل الثَّالِث فِي اكْتِسَاب المعاش بِالْكَسْبِ والصنائع وَفِيه مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى أَن الانسان مفتقر بالطبع إِلَى مَا يحفظ بِهِ وجوده من لدن نشوئه إِلَى مُنْتَهى تطويره وَالله الْغَنِيّ وانتم الْفُقَرَاء وَمن مظَاهر غناهُ تَعَالَى خلق جَمِيع مَا فِي الْعَالم لجبر هَذَا الْفقر تفضلا وامتناعا ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ لِكَثْرَة تفاصيل ذَلِك اشعارا بسعة الْجُود نبه على عجز الْوُقُوف عَلَيْهَا ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة انه مَتى تجَاوز طور الضعْف قَادِرًا على افتناء المكاسب سعي فِيهِ بِدفع الْعِوَض عَمَّا حصل بيد غَيره مِمَّا خلق للْجَمِيع كَمَا أَمر بِهِ اظهارا لما وضع الْوُجُود عَلَيْهِ فابتغوا عِنْد الله الرزق وَمَا يحصل مِنْهُ بِغَيْر سعي كالمطر المصلح للزِّرَاعَة فَهُوَ معِين وَالسَّعْي لَا بُد مِنْهُ وَلَو فِي تنَاوله على حسب مَا قدره قل كل من عِنْد الله الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن تِلْكَ المكاسب أَن كَانَت بِمِقْدَار الضَّرُورَة فَهِيَ معايش وان زَادَت عَلَيْهِ فَهُوَ مُتَمَوّل ورياش وَكِلَاهُمَا أَن انْتفع بِهِ سمى رزقا وان لم ينْتَفع بِهِ سمى كسبا كالتراث يُسمى بِاعْتِبَار الْهَالِك كسبل لعدم انتفاعه بِهِ وبحسب الْوَارِث أَن انْتفع بِهِ يُسمى رزقا فالرزق مَا انْتفع بِهِ

стр. 810

منتفع وَلَو بتعمد فِيهِ خلافًا للمعتزلة فِي اشْتِرَاطه صِحَة التَّمَلُّك اخراجا لِلْحَرَامِ عَن مُسَمَّاهُ لَان الله تَعَالَى يرْزق الظَّالِم وَالْغَاصِب وَالْمُؤمن وَالْكَافِر وَيخْتَص بهدايته من يَشَاء قلت وَلَا يَصح مِنْهُ التَّمَلُّك كَالْبَهَائِمِ وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن الله تَعَالَى خلق حجري ذهب وَالْفِضَّة من المعدنيات قيمَة جَمِيع المتمولات وقنية أهل الْعَالم من الذَّخَائِر النفسية واقتناء غَيرهَا فِي بعض الاوقات الْقَصْد بِهِ تَحْصِيلهَا بِمَا يقه فِيهِ من حِوَالَة الاسواق الَّتِي هِيَ لَا يترصد فِيهَا فهما إِذا اصل المكاسب والقنية والذخيرة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن الْكسْب هُوَ قيمَة الاعمال الانسانية إِمَّا بالصانع فَظَاهر واما مَا يَنْضَم لبعضها كالخشب مَعَ النجارة والغزل مَعَ الحياكة فَالْعَمَل فِيهِ اكثر فَقيمته ازيد واما بغَيْرهَا فَلَا بُد فِي قِيمَته من قيمَة الْعَمَل الَّذِي بِهِ حُصُوله نعم رُبمَا يخفي ملاحظته كَمَا فِي اسعار الأقوات فِي الاقطار الَّتِي لَا خطر لعلاج الفلح فِيهَا لخفة مؤونته فَلَا يشْعر بهَا إِلَّا الْقَلِيل من أهل الفلح الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَن الاعمال إِذا فقدت أَو قلت بانتقاص الْعمرَان اذن الله تَعَالَى يرفع الْكسْب بِدَلِيل قلَّة الرزق فِي الامصار القليلة السَّاكِن أَو فَقده لقلَّة الاعمال فِيهَا وَمن هُنَا تَقول الْعَامَّة فِي الْبِلَاد إِذا تناقص

стр. 811

عمرانها قد ذهب رزقها حَتَّى الْعُيُون يَنْقَطِع جريها لَان وفورها إِنَّمَا هُوَ بالأنماط والامتراء الَّذِي هُوَ الْعَمَل الانساني كالحال فِي ضروع الْأَنْعَام فَمَا لم يكن امتراء وَلَا انباط نضبت وَغَارَتْ وجفت كَمَا يجِف الضَّرع إِذا ترك امتراؤه قَالَ وَانْظُر فِي الْبِلَاد الَّتِي تعهد فِيهَا الْعُيُون لايام عمرانها ثمَّ يَأْتِي عَلَيْهَا الخراب كَيفَ يفوز مياهها جملَة كَأَن لم تكن انْتهى الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أَن الْحُكَمَاء قَالُوا وتبعهم الادباء كالحريري وَغَيره اصول المعايش اربعة الامارة لاخذ مَا بيد الْغَيْر بقهرها على قانون مُتَعَارَف وَهُوَ المغرم والجباية وَالتِّجَارَة وَهِي اعداد البضائع لطلب اعواضها بالتقلب بهَا فِي الْبِلَاد أَو احتكارها لترصد بهَا حِوَالَة الاسواق والفلاحة وَهِي اسْتِخْرَاج فضول الْحَيَوَان الدَّاجِن كاللبن وَالْحَرِير وَالْعَسَل وَثَمَرَة النَّبَات من الزَّرْع ولشجرة والصناعة وَهِي عمل فِي مواد مُعينَة كالكتابة والفروسية أَو غير مُعينَة وَهِي جَمِيع المهن والتصرفات الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَن الطبيعي مِنْهَا للمعاش مَا عدا الْإِمَارَة وأقدمها بِالذَّاتِ الفلاحة لبساطتها وإدراكها للفطرة وَإِلَى هَذَا تنْسب إِلَى آدم أبي الْبشر والصناعة ناشئة عَنْهَا لتركيبها وَتَعْلِيمهَا بالفكرة وَالنَّظَر وَمن ثمَّة لَا تُوجد

стр. 812

غَالِبا إِلَّا فِي الْحَضَر الْمُتَأَخِّرين عَن البدو وتنسب إِلَى ادريس الاب الثَّانِي للخليفة وَالتِّجَارَة وان كَانَت طبيعية فاكثر طرقها تحيلات فِي تَحْصِيل مَا بَين الْقِيمَتَيْنِ فِي الشِّرَاء وَالْبيع واباحها الشَّارِع لَان اخذ المَال فِيهَا من الْغَيْر لَيْسَ مجَّانا الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَن خدمَة النَّاس لَيست من المعاش الطبيعي إِمَّا للسُّلْطَان فَلَا ندراجها فِي الامارة واما لغيره فَلِأَن ترفع اكثر المترفين عَن مُبَاشرَة حاجاته أَو عَجزه عَنْهَا حَتَّى يتَّخذ من يتَوَلَّى ذَلِك لَهُ ويقطعه عَلَيْهِ جُزْءا من مَاله غير مَحْمُود فِي الرجولية الطبيعية إِذا الثِّقَة بِكُل أحد عجز مَعَ زيادتها فِي المؤونة لَكِن العوائد تغلب طبائع الانسان إِلَى مالوفها فَهُوَ ابْن عوائدة لَا بن نِسْبَة الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أَن الخديم الَّذِي يستكفي بِهِ ويرثق بغنائه كالمفقود إِذْ هُوَ اربعة مضطلع بأَمْره موثوق بِهِ فِيمَا يحصل بِيَدِهِ وَبِالْعَكْسِ فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا فَقَط فَالْأول لَا يُمكن أحد اسْتِعْمَاله لانه باضطلاعه وثقته غَنِي عَن أهل الرتب القاصرة ومحتقر لاجر الْخدمَة فَلَا يَسْتَعْمِلهُ إِلَّا الْأُمَرَاء لعُمُوم الْحَاجة إِلَى الجاه وَالثَّانِي لَا يَنْبَغِي لعاقل اسْتِعْمَاله لَان من لَيْسَ بمضطلع وَلَا موثوق بِهِ يجحف بمخدومه بتضييع عَم اضطلاعه وخيانته وفقد ثقته وَالثَّالِث وَهُوَ الموثوق بِهِ غير المضطلع وَالرَّابِع عَكسه وَهُوَ المضطلع غير الموثوق بِهِ للنَّاس فِي التَّرْجِيح بَينهمَا مذهبان قَالَ وَلكُل من الترجحين وَجه إِلَّا أَن المضطلع وَلَو كَانَ غير موثوق ارجح للنَّاس من تضييعه ومحاولة

стр. 813

التَّحَرُّز من خيانته والمضيع الْمَأْمُون ضَرَره بالتصنيع اكثر من نَفعه فَاعْلَم ذَلِك واتخذه قانونا فِي الاستكفاء بِالْخدمَةِ وَالله قَادر على مَا يَشَاء الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة أَن ابْتِغَاء الرزق من الدفائن والكنوز لَيْسَ بمعايش طبيعي لَان العثور عَلَيْهَا اتفاقي ونادر واعتقاد ضعفاء الْعُقُول العاجزين عَن المعاش الطبيعي أَن أَمْوَال الامم السالفة مختزنة تَحت الأَرْض لَا تستخرج إِلَّا بِحل طلاسمها السحرية هوس ووسواس والحكايات المتناقلة فِي ذَلِك أَحَادِيث خرافة لَان إخفاء المَال للإتلاف والهلاك أَو لمن لَا يعرف مِمَّن سَيَأْتِي لَيْسَ من مَقَاصِد الْعُقَلَاء والختم عَلَيْهَا بِالْأَعْمَالِ السحرية أَن صَحَّ مِمَّن سَيَأْتِي لَيْسَ من مَقَاصِد الْعُقَلَاء والختم عَلَيْهَا بِالْأَعْمَالِ السحرية أَن صَحَّ ذَلِك مُبَالغَة فِي السّتْر وَنصب الإمارات عَلَيْهِ مُنَاقض لذَلِك الْقَصْد واموال الامم الغابرة إِنَّمَا هِيَ الات ومكاسب والعمران يوفرها أَو ينقصها وَرُبمَا تنْتَقل من قطر إِلَى قطر وَمن دولة إِلَى أُخْرَى مَعَ أَن المعدنيات يُدْرِكهَا الْبلَاء كَسَائِر الموجودات تَوْجِيه قَالَ وَمَا يُوجد من ذَلِك فِي مصر فسببه أَن القبط الَّذين ملكوها مُنْذُ دهور كانو يدفنون موتاهم بموجودهم من الذَّهَب وَالْفِضَّة والجواهر النفسية فقبورهم مَظَنَّة لوُجُوده وَمن هُنَاكَ عَنى أهل مصر بالبحث عَنْهَا حَتَّى انهم حِين ضربت المكوس عَن الاصناف آخر الدول ضربت على أهل المطالب وَصَارَت ضريبة على من يشغل بذلك من الحمقاء والمهوسين

стр. 814

قلت وَكَذَا فِي بِلَادنَا الأندلسية ادراجا لَهَا فِي الضريبة الْمُسَمَّاة لديهم بِمَنْفَعَة الغرباء وهم أهل الكدية بجيل الدعاوي الكاذبة موعظة قَالَ فَيحْتَاج من ابتلى بِهَذَا الوسواس أَن يتَعَوَّذ بِاللَّه من الْعَجز والكسل فِي طلب معاشه كَمَا تعوذ من ذَلِك رَسُول الله ص ﷺ وَلَا يشغل نَفسه بالمحالات والمكاذب من الحكايات وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب اسْتِدْرَاك يَكْفِي من شوم الِاشْتِغَال بذلك امران أَحدهمَا سوء حَال الْمَعْرُوف بِهِ زَائِدا على تعرضيه لنيل الْعُقُوبَات ومضايقة المطالبات فقد قَالَ ابْن الْحَاج الْغَالِب على أهل هَذَا الشَّأْن شظف الْعَيْش وَقلة ذَات الْيَد لَان الْبركَة فِي امْتِثَال السّنة حَيْثُ كَانَ الثَّانِي تسببه فِي التسليط على هدم دور الْمُسلمين ومساجدهم حَتَّى من نَاحيَة عداة الدّين فقد حكى ابْن الْحجَّاج وُقُوعه بالديار المصرية يكْتب من أَرَادَ مِنْهُم تخريب مَسْجِد أَو دَار مُسلم معاد لَهُ أَن فِي الْموضع الْفُلَانِيّ كذ وَكَذَا مؤرخا بتاريخ قديم على صُورَة تشعر بعتاقة الْمَكْتُوب وَقدمه ثمَّ يلقيه فِي مَوضِع من يعلم قدرته على فعل ذَلِك بِالْقُوَّةِ أَو الْحِيلَة فيخرب ذَلِك الْموضع لَا محَالة دلَالَة قَالَ وَيدل على ذَلِك أَن اكثر الْيَهُود وَالنَّصَارَى قل أَن تحفر لَهُم دَار أَو بيعَة أَو كَنِيسَة وَالْكل فِي بلد وَاحِد ثمَّ قرر حكم العثور عَلَيْهِ أَن اتّفق فِي ارْض العنوة أَو الصُّلْح أَو فيا فِي الْعَرَب بِمَا هُوَ مَعْرُوف فِي الْفِقْه إِلَى أَن قَالَ فَالْحَاصِل أَن واجده لَا شَيْء لَهُ فِيهِ إِلَّا التَّعَب وشغل

стр. 815

المنحى وَلِهَذَا كُنَّا كَلَامهم فِيهَا الغازا حذرا من انكار الشَّرَائِع على السحر لَا لَان ذَلِك ضنانة بهَا كَمَا هُوَ رَأْي من لم يذهب إِلَى التَّحْقِيق فِي ذَلِك قَالَ واكثر مَا يحمل عَن انتحالها الْعَجز عَن الطّرق الطبيعية للمعاش فيروم الْحُصُول على الْكثير من المَال دفْعَة بهَا وبغيرها من الْوُجُوه غير الطبيعية لحاق شُؤْم قَالَ واكثر من يعتني بذلك الْفُقَرَاء حَتَّى فِي الْحُكَمَاء ابْن سينا الْقَائِل باستحالها كَانَ من عَلَيْهِ الوزراء ذَوي الثروة والغنى والفارابي الْقَائِل بإمكانها كَانَ من الْفُقَرَاء الَّذين يعوزهم ادنى بلغَة من الْعَيْش وَهِي تُهْمَة ظَاهِرَة فِي انظار النُّفُوس المولعة بانتحالها وَالله الرازق ذُو الْقُوَّة المتين انْتهى مُلَخصا من مَوَاضِع فِي كَلَامه بَيَان ثَانِي إِنَّهَا كَانَت خَارِجَة عَن الصَّنَائِع الطبيعية وَلذَلِك لَا يحصل فِيهَا على حَقِيقَة وَلَا ثَبت على طول الاختبار كَانَ الِاشْتِغَال بهَا ضائعا

стр. 816

وفساده فِي الْخلق شَائِعا واذ ذَاك فَوجه الْمَنْع من التَّلَبُّس بِهِ وضاح الاسرة وَقد ركب الشُّيُوخ عَلَيْهَا احكاما جملَة أَحدهَا منع نَقله القلشاني عَن القَاضِي أبي مهْدي عِيسَى الغبريني قَائِلا لانه أَن لم يبين غش وان بَين لم يُعَامل بهَا وَحكى ابْن نَاجِي انه نَقله عَن بعض المغاربة أخذا عَن قَول الشَّيْخ فِي الرسَالَة وَلَا أَن يكتم من أَمر سلْعَته شَيْئا مَا إِذا ذكره كرهه الْمُبْتَاع الثَّانِي رد شَهَادَة المشتغل بهَا قَالَه ابْن عَرَفَة فِي فصل مَا يُنَافِي الْعَدَالَة الثَّالِث منع امامته حَكَاهُ عَن الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح ابي الْحُسَيْن الْمُنْتَصر مفتيا بِهِ الرَّابِع كَرَاهَة صُحْبَة أهل الْفضل مِمَّن يشْتَغل بهَا أَو يطْلب الْكُنُوز

стр. 817

وَقَالَ ابْن الْحَاج يتَعَيَّن على من تعلق بالإرادة الْهَرَب الْكُلِّي مِمَّن يشار إِلَيْهِ بِشَيْء ذَلِك لَان حَال المريد نظيف والنظيف يتأثر بِأَقَلّ شَيْء يُقَابله من الْوَسخ تَنْبِيه على مفْسدَة قرر ابْن الْحَاج أَن من مفاسدها على فرض إِنَّهَا لَا تَغْيِير على طول الْمدَّة إِنَّهَا تداوي الأَرْض النافع فِيهَا التَّدَاوِي بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وَهِي لَيست فِيهَا فِي الأَصْل قُوَّة أَن ذادت فِي مرض العليلاو قَضَت عَلَيْهِ قَالَ وَعَلِيهِ فَمن تعاطى شَيْئا مِنْهَا يثقل بأموال النَّاس وَدِمَائِهِمْ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة أَن الجاه مُفِيد لِلْمَالِ لَان صَاحبه مخدوم بِالْأَعْمَالِ فِي جَمِيع مطالبه من ضَرُورِيّ أَو حاجي أَو تكميلي لضَرُورَة الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فَيحصل لَهُ قيم تِلْكَ الْأَعْمَال من عير عوض مَعَ قيم مَا يسْتَعْمل فِيهِ النَّاس كَذَلِك وَهِي لصَاحب الجاه كَثِيرَة فتفيد الْغَنِيّ لاقرب وَقت ويزداد مَعَ الْأَيَّام يسارا وثروة وَمن ثمَّ كَانَت الامارة أحد اسباب المعاش وفاقدة بِالْكُلِّيَّةِ وَلَو كَانَ ذَا مَال لَا يكون يسَاره إِلَّا بِمِقْدَار مَاله على نسبه سعية وهم اكثر التُّجَّار وَلِهَذَا يُوجد مِنْهُم ذُو الجاه ايسر بِكَثِير شَهَادَة قَالَ وَمِمَّا يشْهد لذَلِك أَنا نجد كثيرا من الْعلمَاء أهل الدّين إِذا اشْتهر حسن الظَّن بهم واعتقد الْجُمْهُور مُعَاملَة الله تَعَالَى فِي أرفادهم فاخلصوا فِي أعانتهم والاعتمال فِي مصالحهم اسرعت إِلَيْهِم الثروة واصبحوا

стр. 818

مياسير لما يتَحَصَّل من قيم الْأَعْمَال الَّتِي اعينوا بهَا وهم قعُود فِي مَنَازِلهمْ وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة أَن السَّعَادَة فِي الْكسْب وَغَيره لما تحصل غَالِبا أهل الخضوع وللتملق لَان الجاه لما كَانَ مُفِيدا لِلْمَالِ كَمَا سبق وَكَانَ موزعا فِي النَّاس بِحَسب طبقاتهم كَانَ بذله من اعظم النعم واجلها واذ ذَاك لَا يبذله صَاحبه لمن دونه إِلَّا عَن يَد عالية فَيحْتَاج مبتغيه إِلَى خضوع وملق وَألا فيتعذر حُصُوله وَإِذا حصل بتواضع متواضع هَذَا الْخلق حظى بالسعادة فِي كَسبه وَغَيره كَمَا يفوت المترفع عَن هَذَا التَّوَاضُع برهَان وجود قَالَ وَلِهَذَا نجد الْخلق الْكثير لمن يتَخَلَّف بالترفع عَن هَذَا التَّوَاضُع لَا يحصل لَهُم عرض من الجاه فيقتصرون فِي التكسب على أَعْمَالهم ويصيرون إِلَى الْفقر والخصاصة

стр. 819

كشف حَقِيقَة قَالَ وَهَذَا الترفع إِنَّمَا يحصل من توهم الْكَمَال واحتياج النا إِلَيْهِ كالعالم المتجر وَالْكَاتِب الماهر الْمجِيد والشاعر البليغ وكل محسن فِي صناعته كَمَا يتَوَهَّم ذَوُو الْأَنْسَاب فِي تعززهم بِمَا رَأَوْهُ أَو سَمِعُوهُ من حَال ابائهم استمساكا فِي الْحَاضِر بالمعدوم إِذْ الْكَمَال لَا يُورث وكما يتخيل ذَوُو الحنكة والتجربة فِي الِاحْتِيَاج إِلَيْهِم وكل هَؤُلَاءِ تجدهم مرتفعين لَا يخصمون لذِي جاه وَلَا يتملقون لمن هُوَ اعلى مِنْهُم ويستصغرون من سواهُم لاعتقادهم الْفضل عَلَيْهِ وَيُحَاسب أحدهم النَّاس فِي معاملتهم اياه بِمِقْدَار مَا يسر فِي نَفسه ويحقد على من قصر لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك وَرُبمَا يدْخل على نَفْيه الهموم والاحزان من تقصيرهم مَعَه وَيبقى فِي عناء عَظِيم من ايجاب الْحق لنَفسِهِ واباية النَّاس لَهُ من ذَلِك وكل هَذَا فِي ضمن الجاه فَإِذا فَقده بِهَذَا الْخلق مقته النَّاس بِهِ وَلم يحصل لَهُ حَظّ من احسانهم وَقعد عَن تعاهد من فَوْقه بغشيان مَنَازِلهمْ ففسد معاشه وَبَقِي فِي خصَاصَة وفقر وَفَوق ذَلِك بِقَلِيل واما الثورة فَلَا تحصل لَهُ أصلا قَالَ وَمن هَذَا اشْتهر بَين النَّاس أَن الْكَامِل فِي الْمعرفَة محروم من الْحَظ وانه قد حُوسِبَ بِمَا رزق مِنْهَا واقتطع لَهُ ذَلِك من الْحَظ وَمن خلق لشَيْء يسر لَهُ انْتهى مُلَخصا

стр. 820

مَحْذُور وَاقع قَالَ وَلَقَد فِي الدول اضْطِرَاب فِي الْمَرَاتِب من أهل الْخلق ويرتفع بِسَبَبِهِ كثير من السفلة وَينزل كثير من الْعلية وَذَلِكَ لَان الدول إِذا بلغت عَادَتهَا من التغلب وَانْفَرَدَ مِنْهَا منبت الْملك بسلطانهم وشمخ عَن الدولة باستمرارها تَسَاوِي حِينَئِذٍ عِنْد السُّلْطَان كل من انْتَمَى إِلَى خدمته وتقرب إِلَيْهِ بنصيحته فيسعى كثير من السوقة فِي الْقرب إِلَيْهِ بجده ونصحه ويستعين على ذَلِك بعظيم من الخضوع والتملق إِلَيْهِ بجده ونصحه ويستعين على ذَلِك بعظيم من الخضوع والتملق إِلَيْهِ ولحاشيته وَذَوي نسبه حَتَّى ترسخ قدمه مَعَهم فَيحصل لَهُ بذلك حَظّ عَظِيم من السَّعَادَة وينتظم فِي عداد أهل الدولة وناشئتها حِينَئِذٍ من ابناء قَومهَا الَّذين ذللوا صعابها مغترون بأثر ابائهم شامخة بهَا نُفُوسهم فيمقتهم بذلك السُّلْطَان ويباعدهم ويميل إِلَى هَؤُلَاءِ المصطنعين الَّذين لَا يعتدون بقديم وَلَا يذهبون إِلَى دَالَّة وَلَا ترفع وأنما دأيهم الخضوع لَهُ والتملق والاعتمال فِي غَرَضه فيتسع جاههم وتعلة مَنَازِلهمْ وتبقي ناشئة الدولة فِيمَا هم فِيهِ من الترفع والاعتداد بالقديم لَا يزيدهم ذَلِك إِلَّا بعدا من السُّلْطَان ومقتا وايثار لهَؤُلَاء المصطنعين عَلَيْهِ إِلَى أَن تنقرض الدولة قَالَ وَهَذَا أَمر طبيعي فِي الدول وَمِنْه جَاءَ شَأْن الاصطناع فِي الْغَالِب وَالله فعال لما يُرِيد

стр. 821

الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة أَن القائمين بِأُمُور الدّين من الْقَضَاء وَالشَّهَادَة والقتيا والتدريس والإمامة والخطابة والآذان وَنَحْو ذَلِك لَا تعظم ثروتهم غَالِبا وَذَلِكَ لأمور أَحدهَا أَن الْكسْب قيمَة الْأَعْمَال كَمَا تقدم وَهِي مُتَفَاوِتَة بِحَسب الْحَاجة اليها لعُمُوم الْبلوى بهَا وَقيمتهَا على تِلْكَ النِّسْبَة أهل هَذِه الصَّنَائِع الدِّينِيَّة لَا تضطر إِلَيْهِم الْعَامَّة بل مَا احْتَاجَ إِلَى مَا عِنْدهم مِمَّن اقبل على دينه والاحتياج إِلَى التيا وَالْقَضَاء لَيْسَ على وَجه الِاضْطِرَار والعموم وَحِينَئِذٍ فيستغني عَنْهُم غَالِبا وانما يهتم بِإِقَامَة مَرَاتِبهمْ صَاحب الدولة لما هُوَ نَاظر فِي الْمصَالح فَيقسم لَهُم حظا من الرزق على نِسْبَة الْحَاجة إِلَيْهِم لَا يساويهم بِأَهْل الشَّوْكَة وَلَا بذوي الصَّنَائِع الضرورية وان كَانَت بضاعتهم اشرف فَلَا يطير فِي سهمهم إِلَّا الْقَلِيل قلت وَمِمَّا ينْسب لِابْنِ حبيب فِي التشكي من ذَلِك (صَلَاح امري وَالَّذِي ابْتغِي ... هَين على الرَّحْمَن فِي قدرته) (ألف من الصفر واقلل بهَا ... لعالم أربى على بغيته) (رياب يَأْخُذهَا دفْعَة ... وصنعتي أشرف من صَنعته) وَيَعْنِي بزرياب المعني الشهير

стр. 822

الثَّانِي انهم لشرف بضاعتهم اعزه على الْخلق وَعند أنفسهم فَلَا يخضعون أهل الجاه وَلَا يسعهم التذلل أهل الدُّنْيَا فيفوتهم بذلك حَظّ عَظِيم من وُجُوه التمول قلت وَفِي ذَلِك يَقُول القَاضِي أَبُو الْحسن الْجِرْجَانِيّ الأبيات الْمَشْهُور لَهُ (يَقُولُونَ لي فِيك انقباض وانما ... رَأَوْا رجلا عَن موقف الذل اجحما) (يرى النَّاس من داناهم هان عِنْدهم ... وَمن اكرمته عزة النَّفس اكراما) (وَمَا كل برق لَاحَ لي يستفزني ... وَلَا كل من لاقيت ارضاه منعما)

стр. 823

(وَمَا زَالَت منحازا بعرضي جانبا ... من الدَّم اعْتد الصيانة مغنما) (إِذا قيل هَذَا منهل قلت قد ارى ... وَلَكِن نفس الْحر تحْتَمل الظما) (واني إِذا مَا فَاتَنِي الْحَظ لم ابت ... اقلب كفي اثره متندما) (وَلكنه أَن جَاءَ عفوا قبلته ... وان مَال لم اتبعهُ هلا وليتما) (واقبض خطوى عَن حظوظ قرينه ... إِذا لم انلها وافر الْعرض مكرما) (واكرم نَفسِي أَن اضاحك عَابِسا ... وان اتلقى بالمديح مذمما) (انهنهها عَن بعض مَا لَا يشينها ... مَخَافَة أَقْوَال العدا فِيمَا أولما) (وَلم اقْضِ حق الْعلم أَن كنت كلما ... بذا طمع صيرته لي سلما) (وَلم ابتذل فِي خدمته الْعلم مهجتي ... لَا خدم من لاقيت لَكِن لَا خدما) (اغرسه عزا واجنيه ذلة ... إِذا فاتباع الْجَهْل قد كَانَ احزما)

стр. 824

(فان قلت جد الْعلم كَاف فَإِنَّمَا كفى ... حِين لم يحفظ حماه واسلما) (وَلَو أَن أهل الْعلم صانوه صانهم ... وَلَو عظموه فِي النُّفُوس لعظما) الثَّالِث انهم لما هم فِيهِ من الشّغل بِهَذِهِ الصَّنَائِع الشَّرِيفَة الْمُشْتَملَة على الْفِكر وَالْبدن لَا تفرغ اوقاتهم للمساعي العائدة بادرار الارزاق فَلذَلِك لَا تعظم ثروتهم غَالِبا عِبْرَة بَالِغَة قَالَ ابْن خلدون وَلَقَد باحثت بعض الْفُضَلَاء فانكر ذَلِك على فَوَقع بيَدي اوراق مخرمَة من حسابات الدَّوَاوِين بدار الْمَأْمُون تشْتَمل على كثير من الدخل والخرج يؤمئذ وَكَانَ فِيمَا طالعت فِيهَا أرزاق الْقُضَاة والائمة والمؤذنين فوفقته عَلَيْهِ وَعلم مِنْهُ صِحَة مَا قلته وَرجع إِلَيْهِ وقضيت الْعجب من اسرار الله فِي خلقه وحكمته فِي عوالمه واله الْخَالِق الْمُقدر الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة أَن الفلاحة من معاش الْمُسْتَضْعَفِينَ أهل الْعَافِيَة من البدو وَذَلِكَ لامرين أَحدهَا أَن كيفيتها سهلة التَّنَاوُل ولبساطتها واصلها فِي الطبيعة وَذَلِكَ لَا ينتحلها أهل الْحَضَر فِي الْغَالِب وَلَا المترفون

стр. 825

الثَّانِي أَن منتحلها مَخْصُوص بالهوان والذلة فَفِي الحَدِيث انه ص ﷺ قَالَ وَقد رأى السِّكَّة بِبَعْض دور الانصار مَا دخلت هَذِه دَار قوم إِلَّا دخله الذل لَكِن حمله البُخَارِيّ على الاستكثار مِنْهَا قلت وَقد ذكر ابْن الْحَاج لحاق هَذَا الذل لمنتحلها فِي الديار المصرية قَالَ كَأَنَّهُ عبد لبَعْضهِم اسير ذليل صَغِير لَا مَال لَهُ وَلَا روح لما فِيهَا من الذل فِي هَذَا الزَّمَان تَوْجِيه قَالَ ابْن خلدون وَسَببه وَالله اعْلَم مَا يتبعهَا من المغرم المفضي لتَحكم الْيَد الْغَالِبَة إِلَى مذلة الْغَالِب وقهره فَفِي الحَدِيث لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تعود الزَّكَاة مغرما إِشَارَة للْملك العضوض الَّذِي يُسمى فجوره حُقُوق الله تَعَالَى حَتَّى تصير مغارم الدول وضرائبها تسمى حقوقا قلت وَوجه آخر وَهُوَ أَن الاكثار مِنْهَا مَظَنَّة لنسيان الْجِهَاد الَّذِي بِهِ الْغَزْو والحماية كَمَا يلوح من تَوْجِيه البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَيشْهد لَهُ مَا رَوَاهُ الْأَمَام احْمَد ﵀ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ

стр. 826

سَمِعت رَسُول الله ص ﷺ إِذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أَذْنَاب الْبَقر ورضيتم بالزرع وتركتم الْجِهَاد سلط الله عَلَيْكُم ذلا لَا يَنْزعهُ حَتَّى ترجعوا إِلَى دينكُمْ الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة أَن معنى التِّجَارَة محاولة على التكسب لتنمية المَال فِي الشِّرَاء بالرخص وَالْبيع بالغلاء قَالَ بعض شُيُوخ التُّجَّار لطَالب الْكَشْف عَن حَقِيقَتهَا انا اعلمكها فِي كَلِمَتَيْنِ اشْتَرِ الرخيص وبع الغالي وَقد حصلت التِّجَارَة وَالْقدر الْبَاقِي يُسمى ربحا والمحاولة لتحصيله إِمَّا بانتظار حِوَالَة الاسواق أَو نقلهَا إِلَى بلد آخر هِيَ فِيهِ انفق وَهنا محاولتان المحاولة الأولى الاحتكار ومتعلقه ضَرْبَان أَحدهمَا مَالا يضر فِيهِ وَهُوَ جَائِز قَالَ ابْن عَرَفَة الحكرة فِي كل شَيْء طَعَام أَو غَيره جَائِزَة وَمَا اهم احتكاره بِالنَّاسِ مِنْهُ احتكاره قلت هُوَ فِي الطَّعَام قَول الْمُدَوَّنَة وَقَالَ اللَّخْمِيّ هُوَ احسن وَفِي ادخار الأقوات فِي الرخَاء مرتفق وَقت الشدَّة ولولاه لم يجد النَّاس فِيهَا عَيْشًا وَلَو قيل انه مستحسن لم اعبه قَالَ ابْن عَرَفَة وَهُوَ مُقْتَضى تَعْلِيله بالإرفاق فَلِأَنَّهُ مصلحَة راجحة سَالِمَة عَن مضرَّة النَّاس إِذا كَانَ فَاعله لَا يتَمَنَّى غلاء

стр. 827

قلت وَقد صرح بِهِ ابْن الْعَرَبِيّ قَالَ فِي الْعَارِضَة أَن كثر الجالب وَكَانَ أَن لم يشتر مِنْهُ رد الطَّعَام كَانَت الحكرة مُسْتَحبَّة الثَّانِي مَا يضر فِيهِ وَهُوَ مَمْنُوع قَالَ ابْن رشد اتِّفَاقًا قلت لما ورد فِيهِ من الْوَعيد الزاجر عَن الْمضرَّة فَفِي الصَّحِيح من احتكر فَهُوَ خاطئ أَي اثم وَفِي سنَن ابْن مَاجَه الجالب مَرْزُوق والمحتكر مَلْعُون مزِيد تخويف قَالَ ابْن خلدون وَمِمَّا اشْتهر عِنْد ذَوي الْبَصَر والتجربة أَن احتكار الزَّرْع لتحين اوقات الغلاء بِهِ مشؤوم وعائد على فَائِدَته بالتلف

стр. 828

والخسران قَالَ وَسَببه وَالله اعْلَم أَن النَّاس لحاجتهم إِلَى الأقوات مضطرون لما يبذلون فِيهَا فَتبقى النُّفُوس مُتَعَلقَة بِهِ وَفِي تعلق النُّفُوس بِمَا لَهَا شَرّ كَبِير فِيهِ وباله على من يَأْخُذهُ وَلَعَلَّه الَّذِي اعْتَبرهُ الشَّارِع فِي اخذ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ وَهَذَا وان لم يكن مجَّانا فالنفوس مُتَعَلقَة بِهِ لاعطائه ضَرُورَة من غير سَعَة فِي الْعذر فَهُوَ كالمكره وَمَا عدا الأقوات لَا اضطرار اليها وانما يبْعَث عَلَيْهَا التفنن فِي الشَّهَوَات فَلَا يبْذل المَال فِيهَا إِلَّا بإختيار ولغرض وَلَا يبقي للنفوس تعلق بِمَا اعطى فِيهِ فَلهَذَا تَجْتَمِع القوى النفسانية على مُتَابعَة من عرف بالاحتكار بِمَا يَأْخُذهُ من أَمْوَالهم فَيفْسد وَالله اعْلَم مُنَاسبَة قَالَ وَسمعت فِيمَا يُنَاسب هَذَا حِكَايَة ظريفة اخبرني شَيخنَا أَبُو عبد الله الابلي قَالَ حضرت عِنْد القَاضِي بفاس لعهد السُّلْطَان أبي سعيد وَهُوَ الْفَقِيه أَبُو الْحسن الملياني وَقد عرض عَلَيْهِ أَن يخْتَار بعض الألقاب المخزنية لجرايته قَالَ فاطرق مَلِيًّا ثمَّ قَالَ لَهُم من مكس الْخمر فاستضحك الْحَاضِرين من اصحابه وتعجبوا وسألوه عَن حكمه ذَلِك فَقَالَ إِذا كَانَت الجبايات كلهَا حَرَامًا فأختار مِنْهَا مَالا تتابعه نفوس معطيها وَالْخمر قل أَن يبْذل فِيهَا أحد مَاله إِلَّا وَهُوَ

стр. 829

طرب مسرور بوجدانه غير اسف وَلَا مُتَعَلق بِهِ انْتهى مُلَاحظَة تنظر إِلَى معجل هَذَا الْعقَاب وَفِيه شَهَادَة لَهُ مَا خرجه الاصبهاني عَن أبي يحي الْمَكِّيّ عَن فروخ مولى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَن طَعَاما على بَاب الْمَسْجِد فَخرج عُثْمَان ﵁ وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يَوْمئِذٍ فَقَالَ مَا هَذَا الطَّعَام فَقَالُوا طَعَام جلب إِلَيْنَا أَو علينا فَقَالَ بَارك الله فِيهِ وفيمن جلبه إِلَيْنَا أَو علينا فَقَالَ لَهُ بعض الَّذين مَعَه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد احتكر قَالَ وَمن احتكره قَالُوا احتكره فروخ وَفُلَان مولى عمر بن الْخطاب فَأرْسل أليهما فاتياه فَقَالَ مَا حملكهما على احتكار طَعَام الْمُسلمين قَالُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نشتري بِأَمْوَالِنَا ونبيع فَقَالَ عُثْمَان ﵁ سَمِعت رَسُول الله ص ﷺ يَقُول من احتكر على الْمُسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس فَقَالَ عِنْد ذَلِك فروخ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَنِّي اعاهد الله واعاهدك أَن لَا اعود فِي احتكار طَعَام ابدا فتحول إِلَى مصر واما مولى عمر فَقَالَ نشتري بِأَمْوَالِنَا ونبيع فَزعم أَبُو يحي انه رأى مولى عمر مجذوما متدوخا المحاولة الثَّانِيَة نقل السّلع من بلد إِلَى آخر وَفِيه للتاجر الْبَصِير بِالتِّجَارَة رعايات ثَلَاث إِحْدَاهمَا نقل مَا تعم الْحَاجة إِلَيْهِ من الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَالسُّلْطَان والسوقة إِذْ فِي ذَلِك نفَاقه وَخُرُوجه وَلَا كَذَلِك مَا يخص حَاجَة الْبَعْض إِلَيْهِ لتعذر الشِّرَاء على ذَلِك الْبَعْض وَحِينَئِذٍ فيكسد سوق الْمَنْقُول وتفسد ارباحه

стр. 830

الثَّانِيَة نقل مَا هُوَ وسط فِي صنفه فان الغالي من كل السّلع إِنَّمَا هُوَ يخْتَص بِهِ أهل الثورة وحاشية الدولة وَهُوَ الْأَقَل بِخِلَاف الْوسط فان النَّاس فِي الْحَاجة إِلَيْهِ اسوة الثَّالِثَة وَهُوَ خَاص بِطَلَب الرِّبْح والعظيم نقل سلع الْبَلَد الْبعيد الْمسَافَة أَو الْمخوف الطَّرِيق فَإِنَّهَا لبعد مَكَانهَا وَشدَّة ضَرَر نقلهَا يقل حاملها ويعز وجودهَا واذ ذَاك فَيحصل ناقلها على ربح عَظِيم بِسَبَب ذَلِك والبلد الْقَرِيب الْمسَافَة الامن الطَّرِيق يكثر النَّاقِل مِنْهُ واليه فيكثر الْمَنْقُول وترخص أثمانه ذلالة وجود قَالَ وَلِهَذَا تَجِد التِّجَارَة الداخلين إِلَى بلد السودَان ارْفَعْ النَّاس وَأَكْثَرهم أَمْوَالًا لبعد طريقهم ومشقته باعتراض المفاوز المخطرة بالخوف والعطش ويقل مَا نقل إِلَيْنَا واليهم فيسرع إِلَى هَؤُلَاءِ الْغنى والثروة من اجل ذَلِك والمتمردون فِي الافق الْوَاحِد مَا بَين امصاره وبلدانه فائدتهم قَليلَة وارباحهم تافهة لِكَثْرَة السّلع بِكَثْرَة ناقلها الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة أَن رخص الاسعار مُضر بالمحترفين بالرخيص لَان الْكسْب إِنَّمَا هُوَ بالبضائع أَو التِّجَارَة وَإِذا دَامَ الرُّخص فِي المتجور فِيهِ وَلم تحصل فِيهِ حِوَالَة سوق فسد الرِّبْح بطول تِلْكَ الْمدَّة وكسد سوق ذَلِك الصِّنْف وَسَاءَتْ أَحْوَالهم

стр. 831

اعْتِبَار قَالَ وَاعْتبر ذَلِك بالزرع إِذا استدبم رخصه كَيفَ تفْسد احوال المحترفين بزراعته لقلَّة الرِّبْح فِيهِ ويصيرون إِلَى الْفقر والخصاصة وَيتبع ذَلِك فَسَاد حَال المحترفين من لدن زراعته إِلَى مصيره مَاكُولَا وان رزق الْجند مِنْهُ يُقَوي فَسَاد حَالهم إِذْ كَانَت ارازاقهم من السُّلْطَان على أهل الفلح زرعا فَإِنَّهَا تقل جبابتهم من ذَلِك ويعجزون عَن اقامة الجندية تَنْبِيه إِذا افرط الغلاء فعلى مثل هَذِه الْحَالة إِلَّا فِي النَّادِر فَرُبمَا عَاد فنَاء المَال بِسَبَب احتكاره واذ ذَاك فالمعاش إِنَّمَا هُوَ فِي التَّوَسُّط من ذَلِك وَسُرْعَة حِوَالَة الاسواق قَالَ وانما يحمد الرُّخص فِي الزَّرْع لعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهِ والعالة من الْخلق هم الْأَكْثَر فِي الْعمرَان فَيعم الرِّفْق بذلك الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة أَن النَّاس فِي التِّجَارَة صنفان المنتفع بهَا وَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ تَركهَا فَالْأول من لَهُ أحد أَمريْن أَو كرهما الْكِفَايَة والجاه وَالثَّانِي من فقد الْأَمريْنِ مَعًا وَبَيَانه أَن محاولة التنمية لَا بُد فِيهِ من حُصُول المَال بأيدي الباعة فِي

стр. 832

شِرَاء البضائع وَبَيْعهَا وتقاضي اثمانها أهل النصفة مِنْهُم قَلِيل فَلَا بُد من الْغِشّ والمطل المجحف بِالرِّبْحِ لتعطل المحاولة فِي تِلْكَ الْمدَّة والانكار الْمَذْهَب لرأس المَال أَن لم يُقيد بِالشَّهَادَةِ وغناء الْحُكَّام فِي ذَلِك قَلِيل لبِنَاء الحكم على الظَّاهِر فيعاني التَّاجِر من ذَلِك احوالا صعبة وَلَا يكَاد يحصل على تافه من الرِّبْح إِلَّا بالمشقة الْعَظِيمَة أَو يتلاشى رَأس المَال فان كَانَت لَهُ كِفَايَة بالجرأة على الْخُصُومَة وَالْبَصَر بِالْحِسَابِ والاقدام على الْحُكَّام كَانَ إِلَى النصفة اقْربْ وَألا فَلَا بُد لَهُ من جاه يعتضد بِهِ ليوقع لَهُ الهيبة عِنْد الباعة وَيحمل الْحُكَّام على انصافه وان فقد الْأَمريْنِ عرض بِمَا لَهُ بالذهاب وصيره مأكله للباعة وَكَاد إِلَّا يَقْتَضِيهِ مِنْهُم أصلا قلت وُجُوه التِّجَارَة كَثِيرَة قد لَا يلْزم هَذَا الْمَحْذُور فِي بعض مِنْهَا فَتَأَمّله الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ أَن خلق التُّجَّار نازلة عَن خلق الرؤساء وبعيدة عَن المرؤة ذَلِك لَان التَّاجِر لَا بُد لَهُ فِي محاولة التِّجَارَة من عوارض حرفتها النَّاقِصَة عَن المرؤة والمكايسة والمضاعفة وممارسة الْخُصُومَات وَذَلِكَ مِمَّا ينطبع فِي النَّفس من اثارها المذمومة إِذْ افعال الْخَيْر تعود بآثار الْخَيْر وافعال الشَّرّ والسفسفة تعود بضد ذَلِك

стр. 833

تفَاوت اثر قَالَ وتتفاوت هَذِه الاثار بتفاوت اصناف التُّجَّار فِي اطوارهم فالسافل مِنْهُم الْمُضْطَر لمخالطة شرار الباعة ذَوي الْغِشّ والخلابة والفجور فِي الاثمان اقرارا وانكارا تكون رداءة تِلْكَ الْخلق لَدَيْهِ اشد وتغلب عَلَيْهِ السفسقة والبعد عَن المروات وَألا فَلَا بُد لَهُ من تَأْثِير المكايسة فِي مرؤته وفقدان ذَلِك فيهم بِالْجُمْلَةِ قَلِيل اتِّفَاق نَادِر قَالَ وَوُجُود الصِّنْف الثَّانِي مِنْهُم وهم المجرعون بالجاه الْمُغنِي لَهُم عَن مُبَاشرَة ذَلِك كُله نَادِر واقل من النَّادِر وَذَلِكَ بَان يتوفر المَال عِنْده دفْعَة بِنَوْع غَرِيب أَو وراثة بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي بِهِ عَن الِاتِّصَال بالدولة ويكسبه ظهورا وشهرة فيرتفع عَن تِلْكَ الْمُبَاشرَة اسْتغْنَاء بكفايته وكلائه وحشمه ويساهله الْحُكَّام فِي الاصناف من حَقه برا بِهِ وحفاية فيبعد عَن تِلْكَ الْخلق لاضطراره بمشارفة وكلائه وفَاقا وَخِلَافًا إِلَّا انه قَلِيل وَلَا يكَاد يظْهر اثره وَالله خَلقكُم وَمَا تعلمُونَ الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ أَن الصَّانِع لَا بُد لَهُ من معلم وَذَلِكَ لَان الصِّنَاعَة هِيَ ملكة فِي أَمر عَمَلي فكري وَعند ذَلِك فاشتراط الْمعلم فِيهَا ظَاهر من وُجُوه

стр. 834

أَحدهَا أَن العملي جسماني محسوس وَيقبل احوال مَا هُوَ كَذَلِك بِالْمُبَاشرَةِ والمعلم أَو عب لَهَا واتم فَائِدَة الثَّانِي أَن المكلة صفة راسخة بتكرار الْفِعْل وَهُوَ بالمعاينة اكمل فالمكلة الْحَاصِلَة عَنْهَا اكمل الثَّالِث أَن صدق المتعلم فِي الصِّنَاعَة على قدر جودة التَّعْلِيم وملكة الْمعلم وَذَلِكَ من اثر المعاينة فَيكون شرطا فِي خلقه وَحُصُول ملكته الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ أَن رسوخ الصَّنَائِع فِي الامصار برسوخ الحضارة على الدول الطَّوِيلَة الامد وَقبل بَيَان ذَلِك فالصنائع إِنَّمَا تكمل بِكَمَال الْعمرَان الحضري وكثرته وَمَا لم يسْتَوْف التمدن بِهِ فَلَا تَنْصَرِف الهمم لما وَرَاء الضَّرُورِيّ وَمن المعاش وَإِذا استوفى مبالغ كَمَاله وَوقت اكماله بالضروري وَمَا يزِيد عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يصرف ذَلِك الزَّائِد إِلَى الكمالات فِي المعاش بالضروري وَمَا يزِيد عَلَيْهِ وَمِنْهَا الصَّنَائِع إِذا تقرر هَذَا فَتلك الصَّنَائِع هِيَ العوائد الَّتِي لَا رسوخ لَهَا إِلَّا بِكَثْرَة التّكْرَار الطَّوِيل الامد وَظَاهر إِنَّهَا بعد استحكام صبغتها لذَلِك يُفْسِدهَا جملَة شَأْن الملكات الراسخة الْحُصُول دلَالَة وجود قَالَ وَلِهَذَا تَجِد الامصار المستحدثة الْعمرَان وَلَو بلغت مبالغها

стр. 835

فِي الْوُجُود لم يستحكم فبها رسوخ وَذَلِكَ لَان الْقَدِيمَة الْعمرَان راسخة بطول الاحقاب وتكرار الْأَحْوَال وَهَذِه لم تبلغ الْغَايَة بعد قَالَ: وَهَذَا كَحال فِي الأندلس لهَذَا الْعَهْد فتجد فها رسوم الصَّنَائِع قَائِمَة واحوالها مستحكمة الْبَهْجَة كالمباني والطبخ واصناف الْغناء وَاللَّهْو والآلات والاوتار والرقص وتنصيد الْفرش وَحسن التَّرْتِيب والأوضاع فِي الْبناء وصوغ الانية وَجَمِيع المواعين وَإِقَامَة الولائم والأعراس وَسَائِر الصَّنَائِع الَّتِي يدعوا لَهَا الترف وعوائده فتجدهم اقوم عَلَيْهَا وابصر بهَا فهم على حِصَّة موفورة من ذَلِك وحظ متميز بَين جَمِيع الامصار وان كَانَ عمرانه قَرِيبا نقص وَالْكثير مِنْهُ لَا يُسَاوِي عمرَان غَيرهَا من بِلَاد العدوة قَالَ وَمَا ذَلِك إِلَّا لرسوخ الحضارة فيهم برسوخ الدولة الأموية وَمَا قبلهَا من دولة القوط وَمَا بعْدهَا من دولة الطوائف إِلَى هَلُمَّ جرا قَالَ وَكَذَا نجد بالقيروان ومراكش وقلعة ابْن حَمَّاد أثرا بَاقِيا من ذَلِك وان كَانَت هَذِه كلهَا الْيَوْم خرابا أَو فِي حكم الخراب وَلَا يتفطن لَهَا إِلَّا الْبَصِير من النَّاس فتجد من هَذِه الصَّنَائِع إثارة تدل على مَا كَانَ بهَا كأثر الْخط الممحو فِي الْكتاب وَالله الْخَالِق الْعَلِيم الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ أَن الصَّنَائِع ضَرْبَان بسيط يخْتَص بالضروريات ومركب يُرَاد للكماليات وللأول خَواص

стр. 836

إِحْدَاهمَا تقدمه بالطبع فِي التَّعْلِيم لبساطته اولا ولتوفر الدعاوي على نَقله لاختصاصه بالضروري ثَانِيًا الثَّانِيَة نقص تَعْلِيمه لذَلِك إِلَى أَن يكمل باستخراج مركباته من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل بالاستنباط الفكري على التدريج الثَّالِثَة حُصُوله فِي أزمان وأجيال لَا دفْعَة وَاحِدَة لَازِما بِالْقُوَّةِ لَا يخرج إِلَى الْفِعْل إِلَّا كَذَلِك خُصُوصا فِي الْأُمُور الصناعية فَإِذا لَا بُد لَهَا من زمَان اعْتِبَار قَالَ وَلِهَذَا تَجِد الصَّنَائِع فِي الامصار الصَّغِيرَة نَاقِصَة وَلَا يُوجد مِنْهَا إِلَّا الْبَسِيط فَإِذا تزايدت حضارتها ودعت امور الترف إِلَى اسْتِعْمَال الصَّنَائِع خرجت من القوى إِلَى الْفِعْل وَالله اعْلَم الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ أَن الصَّنَائِع إِنَّمَا تستجاد وتكثر إِذْ كثر طالبها لأمرين أَحدهَا إِنَّهَا إِذا طلبت توجه اليها النِّفَاق واجتهد النَّاس فِي تعلمهَا ابْتِغَاء المعاش بهَا وَإِذا لم تطلب كسد سوقها وَرغب عَن تعلمهَا فاختصت بِالتّرْكِ والاهمال الثَّانِي أَن الاجادة فِيهَا إِنَّمَا تطالبها الدولة الَّتِي هِيَ السُّوق الاعظم لنفاق كل شَيْء فَإِذا نفقت فِيهَا حظى صَاحبهَا بجدوى الِاشْتِغَال بهَا والسوقة

стр. 837

وان طلبوها فبدون طلب الدولة بِكَثِير وَحِينَئِذٍ فَإِذا لم يكن هُنَاكَ دولة طالبة فَلَا وجود للصنائع على كَمَال الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ أَن الامصار إِذا قاربت الخراب انتقصت مِنْهَا الصَّنَائِع لما تقدم أَن استفادتها إِنَّمَا هِيَ بِكَثْرَة طالبها فَإِذا ضعفت احوال الْمصر واخذ فِي الْهَرم بانتقاص عمرانه تناقص فِيهِ الترف وَرَجَعُوا إِلَى الِاقْتِصَار على الضَّرُورِيّ بِنَقْل الصَّنَائِع التابعة للترف لتعذر المعاش بهَا فيفر صَاحبهَا إِلَى غَيره أَو يَمُوت عَن خلف مِنْهُ فَيذْهب رسم تِلْكَ الصَّنَائِع جملَة قلت فِي الافلاطونيات لَا تزَال الصناعات فِي الْبلدَانِ موفورة مَا وجد من أَهلهَا مطبوعون فِيهَا فَإِذا خلت مِنْهُم فسد نظامها تَمْثِيل قَالَ ابْن خلدون كماا يذهب النقاشون والصواغون وَالْكتاب والنساخ وامثالهم وَلَا تزَال الصِّنَاعَة فِي تناقص مَا دَامَ الْمصر فِي انحطاط إِلَى أَن يضمحل وَالله الخلاق الْعَلِيم الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ أَن الْعَرَب ابعد النَّاس عَن لاصنائع وَذَلِكَ لأَنهم اعرق فِي البدو وابعد عَن الْعمرَان وَمَا يَدْعُو اليه من الصَّنَائِع وَغَيرهَا وعجم الْمغرب من البربر بمثابتهم فِي ذَلِك لرسوخ بداوتهم مُنْذُ احقاب من السنين وعجم الْمشرق وأمم النَّصْرَانِيَّة بعدوة الْبَحْر الرُّومِي أوم

стр. 838

النَّاس عَلَيْهَا لأَنهم أعرق فِي الْعمرَان الحضري وَأبْعد عَن البدو وسذاجته شَاهد اعْتِبَار قَالَ وَلِهَذَا تَجِد اوطان الْعَرَب وَمَا ملكوه فِي الْإِسْلَام قَليلَة الصَّنَائِع بِالْجُمْلَةِ حَتَّى تجلب اليه من مَوضِع آخر وَكَذَا بالمغرب إِلَّا مَا كَانَ من صناعَة الصُّوف فِي نسجه وَالْجَلد فِي خرزه ودبغه فَإِنَّهُم لما استحضروا بالغوا فِيهَا المبالغ لعُمُوم البلوي بهَا وَكَون هذَيْن اغلب السّلع فِي قطرهم لما هم عَلَيْهِ من حَال البداوة قلت فِي التحف والطرف للمقري سَمِعت بعض الْفُقَرَاء يَقُول لَو رأى ارسطو قدر الْبُرْنُس فِي اللبَاس والكسكس فِي الطَّعَام لاعترف للبربر بحكمة التَّدْبِير الدنيوي وان لَهُم قصب السَّبق فِي ذَلِك انعطاف قَالَ وَانْظُر بِلَاد الْعَجم من الصين والهند وَارْضَ التّرْك وأمم

стр. 839

النَّصْرَانِيَّة كَيفَ استكثرت فِيهَا الصَّنَائِع واستجلبتها الامم من عِنْدهم كَمَا رسخت فِي الْمشرق مُنْذُ ملك الامم الاقدمين من الْفرس والنبط والقبط وَبني اسرائيل ويونان وَالروم احقابا متطاولة رسخت فِيهَا احوال الحضارة وَمن جُمْلَتهَا الصَّنَائِع قَالَ وَأما الْيمن والبحرين والحجاز والجزيرة وان ملكهَا الْعَرَب إِلَّا انهم تداولوا ملكهَا آلا من السنين واختطوا امصارها ومدنها وبلغوا المبالغ من الحضارة والترف كعاد وَثَمُود والعمالة وَتبع والاذواء فطال امد الْملك والحضارة ورسخت الصِّنَاعَة فَلم تبل بِبِلَاد الدولة فَبَقيت مستجدة حَتَّى الْآن واختصت بذلك كصناعة الوشي وَالنّصب وَمَا يستجد من حوك الثِّيَاب وَالْحَرِير وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ أَن من حصلت لَهُ ملكة فِي صناعَة لَا يجيد ملكة فِي أُخْرَى كالخياط إِذا اجاد ملكة الْخياطَة ورسخت فِي نَفسه فَلَا يجيد من بعْدهَا ملكة التِّجَارَة أَو الْبناء إِلَّا أَن تكون الأولى لم تستحكم بعد وَلم ترسخ صنعتها تَوْجِيه وَسبب ذَلِك أَن الملكات صِفَات للنفوس والوان فَلَا تزدحم دفْعَة وَالْبَاقِي على الْفطْرَة اسهل لقبُول الملكات واحسن اسْتِعْدَادًا لحصولها

стр. 840

فَإِذا تلونت النَّفس بالملكة خرجت عَن الْفطْرَة وَضعف استعدادها باللون الْحَاصِل من هَذِه الملكة فَكَانَ قبُولهَا للملكة الْأُخْرَى اضعف قلت قَالَ الفارابي عسير وبعيد من هُوَ معد بالطبع للفضائل كلهَا الخلقية والنطقية اعدادا تَاما كَمَا هُوَ عسير أَن يُوجد بالطبع من هُوَ معد نَحْو الصَّنَائِع كلهَا إِلَّا أَن الْأَمريْنِ جَمِيعًا غير ممتنعين والاكثر أَن كل وَاحِد معد نَحْو فَضِيلَة مَا أَو فَضَائِل ذَات عدد مَحْدُود أَو صناعَة أَو عدَّة صنائع محدودة شَهَادَة وَاقع قَالَ ابْن خلدون والوجود يشْهد لَهُ فَقل أَن تَجِد صَاحب صناعَة يحكمها فَيحكم من بعْدهَا أُخْرَى وَيكون فيهمَا على رُتْبَة وَاحِدَة من الاجادة وَكَذَا فِي الْعلم وان كَانَت الملكة فِيهِ فكرية فَمن حصل فِيهِ على ملكة علم واجادها فِي الْغَايَة قل أَن يجيد ملكة علم آخر على نسبته إِلَّا فِي النَّادِر قلت كَمَا حكى ابْن خلكان عَن كَمَال الدّين بن يُونُس أَن فُقَهَاء عصره كَانُوا يَقُولُونَ انه يدْرِي اربعة وَعشْرين فَنًّا دراية متقنة

стр. 841

قَالَ وَكَانَ فِي كل فن مِنْهَا كَأَنَّهُ لَا يعرف سواهُ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن مَجْمُوع مَا كَانَ يعمله من الْعُلُوم لم يسمع من أحد مِمَّن تقدمه انه كَانَ قد جمعه وَلَقَد جَاءَنَا الشَّيْخ اثير الدّين الْمفضل أَبُو عَليّ الابهري صَاحب التعليقة فِي الْخلاف والتصانيف الْمَشْهُورَة من الْموصل إِلَى اربل فِي سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَنزل بدار الحَدِيث وَكنت اشْتغل عَلَيْهِ بِشَيْء من الْخلاف فَبَيْنَمَا انا يَوْمًا عِنْده إِذْ دخل عَلَيْهِ بعض فُقَهَاء بَغْدَاد وَكَانَ فَاضلا فتجاريا فِي الحَدِيث زَمَانا وَجرى ذكر الشَّيْخ كَمَال الدّين فَقَالَ لَهُ الاثير لما حج الشَّيْخ كَمَال الدّين وَدخل بَغْدَاد كنت هُنَاكَ فَقَالَ نعم فَقَالَ كَيفَ كَانَ اقبال الدِّيوَان الْعَزِيز عَلَيْهِ فَقَالَ ذَلِك الْفَقِيه مَا انصفوه على قدر اسْتِحْقَاقه فَقَالَ الاثير مَا هَذَا إِلَّا عجب وَالله مَا دخل بَغْدَاد مثل الشَّيْخ فاستعظمت مِنْهُ هَذَا الْكَلَام وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي كيفتقول هَذَا فَقَالَ يَا وَلَدي مَا دخل بَغْدَاد مثل أبي حَامِد وَالله مَا بَينه وَبَين الشَّيْخ نِسْبَة وَكَانَ الاثير على جلالة قدره فِي الْعُلُوم يَأْخُذ الْكتاب وَيجْلس بَين يَدَيْهِ يقْرَأ وَالنَّاس يَوْم ذَلِك مشتغلون فِي تعاليق الاثير وَقد شاهدت هَذَا بعيني وَهُوَ يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب المجسطي قَالَ وَلَقَد حكى لي بعض الْفُقَهَاء انه سَأَلَ الشَّيْخ كَمَال الدّين عَن الاثير ومنزلته فِي الْعُلُوم فَقَالَ لَا أعلم فَقَالَ وَكَيف هَذَا يَا مولَايَ وَهُوَ فِي خدمتك مُنْذُ سِنِين عديدة ويشتغل عَلَيْك فَقَالَ أَنِّي مهما قلت بحثا تَلقاهُ بِالْقبُولِ وَقَالَ نعم يَا مَوْلَانَا فَمَا راجعني فِي بحث قطّ حَتَّى اعْلَم حَقِيقَة فَضله قَالَ ابْن خلكانن وَلَا شكّ انه كَانَ يعْتَمد هَذَا القَوْل مَعَ الشَّيْخ تأدبا وَكَانَ عِنْده بِالْمَدْرَسَةِ البدرية وَكَانَ يَقُول مَا تركت بلادي وقصدت الْموصل

стр. 842

إِلَّا للاشتغال على الشَّيْخ انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ قلت نقلت هَذَا الْكَلَام اسْتِطْرَادًا فِي استجلاء واظهار الْفُضَلَاء وان خرجنَا بِهِ عَن الْمَقْصُود وموقعه عِنْد اهله موقعه الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ الصَّنَائِع الضرورية فِي الْعمرَان الخضري ضَرْبَان أَحدهَا مَا هُوَ ضَرُورِيّ وَغير شرِيف بالموضوع كالفلاحة ومالبناء والخياطة والنجارة والحياكة الثَّانِي مَا هُوَ ضَرُورِيّ وشريف بالموضوع ومراتبه صناعات ثَلَاث الصِّنَاعَة الأولى صناعَة التوليد وَهِي الْمَعْرُوفَة باستخراج الْمَوْلُود الادمي من بطن امهِ ثمَّ مَا يصلحه بعد الْخُرُوج وموضوعها الْمَوْلُود وامه وَهِي ضَرُورَة فِي كَون الانسان إِلَّا فِي حق من اسْتغنى عَنْهَا معْجزَة أَو الهاما وتختص بِالنسَاء غَالِبا وَتسَمى العارفة بذلك قَابِلَة لقبولها مَا تعطيه النُّفَسَاء من الْجَنِين الصِّنَاعَة الثَّانِيَة الطِّبّ وَهُوَ حفظ صِحَة الانسان وَدفع الْمَرَض عَنهُ وموضوعه بدن الانسان ضَرُورِيَّة فِي الحواضر لِكَثْرَة الاكل وفقد الرياضة وتعفن الْهَوَاء إِلَّا الْبَوَادِي للسلامة من ذَلِك بقلة الاكل لعدم الخصب وَوُجُود الرياضة بِكَثْرَة الْحَرَكَة وَهِي ضَرُورِيَّة فِي الحواضر لِكَثْرَة الاكل وفقد الرياضة وتعفن الْهَوَاء إِلَّا الْبَوَادِي قَالَ وَلِهَذَا لَا يُوجد طَبِيب فِي الْبَادِيَة بِوَجْه مزِيد فَائِدَة قَالَ ابْن الاكفاني منفعَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبدن وَالنَّفس فالبدن بِكَمَال

стр. 843

الصِّحَّة الَّتِي هِيَ افضل حالانه وانما يحفظ بِهِ وَالنَّفس بالتمكن من استكمالها فِي قوتها النظرية والعملية إِذْ الاسقام مَانِعَة من ذَلِك قَالَ وَأَيْضًا فالطبيب يَسْتَفِيد بنظره فِي التشريح وَمَنَافع الاعضاء مَا يُوضح لَهُ أَن الَّذِي خلق كل شَيْء خلق الانسان فِي احسن تَقْوِيم ثمَّ إِذا اطلع على مَا يَطْلُبهُ كل عُضْو من دَاء وَمَا اعد لَهُ من دَوَاء ومصيره إِلَى الْمَوْت بعده يَتَّضِح لَهُ أَن الَّذِي يردهُ اسفل سافلين هُوَ احكم الْحَاكِمين انْتهى الصِّنَاعَة الثَّالِثَة الْكِتَابَة وَهِي رسوم واشكال حرفية تدل على الْكَلِمَات المسموعة الدَّالَّة على مَا فِي النَّفس وَهِي حافظة على الانسان حَاجته وحقيقتها على النسْيَان ومبلغة ضمائر النَّفس إِلَى الْبعيد الْغَائِب ومخلدة نتائج الافكار والعلوم فِي الصُّحُف ورافعة الْوُجُود للمعاني وشرفها ظَاهر من هَذِه الْوُجُوه الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ أَن غير الضَّرُورِيّ مِنْهَا فِي الْعمرَان إِلَى اسْم الحضارة على كثرتها ضَرْبَان أَحدهَا مَا تَدْعُو اليه عوائد الترف الْقَاصِر عَن مُجَاوزَة الْحَد فِيهِ مَانِعا فِي استجادة مَا هُوَ كمالي حَتَّى تكون فَائِدَة المشتغل بِهِ انفع من فَائِدَة مَا هُوَ ضَرُورِيّ كالدهان والصفار والطباخ والسفاج والهراس ومعلم الْغناء والرقص وقرع الطبول على التوقيع وَشبه ذَلِك الثَّانِي مَا يَدْعُو اليه الترف الْخَارِج عَن الْحَد الَّذِي تعداه استبحار الْعمرَان كَمَا يصدر عَن أهل مصر فِي تَعْلِيم الطُّيُور والحمر وتخيل اشياء

стр. 844

من الْعَجَائِب بايهام قلب الاعيان وتعود الْمَشْي على الخيوط وَرفع الاثقال وَغير ذَلِك من الصَّنَائِع الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي الْمغرب لنُقْصَان عمرانه عَن عمرَان تِلْكَ الديار الْمَسْأَلَة الثَّلَاثُونَ أَن الصَّنَائِع تكسب صَاحبهَا عقلا وخصوصا الْكِتَابَة والحساب وَذَلِكَ لِأَن خُرُوج النَّفس الناطقة للْإنْسَان من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل إِنَّمَا هُوَ بتجدد الْعُلُوم والادراكات من المحسوسات اولا ثمَّ تكتسب القوى النظرية إِلَى أَن يصير ادراكا بِالْفِعْلِ وعقلا مخصا وَهُوَ كَمَال وجودهَا وجسدها فيجدها لذَلِك أَن كل نوع من الْعلم وَالنَّظَر يفيدها عقلا فريدا والصنائع بِلَا شكّ يحصل عَنْهَا وَعَن ملكتها قانون علمي مُسْتَفَاد من تِلْكَ الملكة فيزيد عقلا لَا محَالة قلت هُوَ معنى قَول افلاطون الصناعات متممة لقوى النَّفس والاعضاء هِيَ تعين النَّفس على مَا لَا تصل اليه إِلَّا بأعضاء الْجَسَد تَنْزِيل قَالَ وَالْكِتَابَة من بَينهَا اكثر افادة لذَلِك لاشتمالها على عُلُوم وانظار دون غَيرهَا وَهِي الانتقام من صور الْحُرُوف الخطية إِلَى الْكَلِمَات اللفظية فِي الْخِيَار وَمِنْهَا إِلَى الْمعَانِي الَّتِي فِي النَّفس فَيحصل لَهَا ملكة الِانْتِقَال من الْأَدِلَّة إِلَى المدلولات وَهِي ملكة من التعقل تفِيد كَمَال عقل ومزيد فطنة وصناعة الْحساب لاحقة بذلك لاحتياج تصرفها فِي الْعدَد باضلم والتفريق إِلَى اسْتِدْلَال كَبِير فَيبقى صَاحبهَا متعودا للاستدلال وَالنَّظَر وَهُوَ معنى الْعقل ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾

стр. 845

الْفَصْل الرَّابِع فِي اكْتِسَاب الْعُلُوم وَفِيه مسَائِل جملَة نلخص مِنْهَا مَا يَلِيق بالموضع ويكمل قَصده وغرضه الْمَسْأَلَة الأولى أَن الْعلم والتعليم طبيعي فِي الْعمرَان البشري لَان الانسان إِنَّمَا يتَمَيَّز عَن سَائِر الْحَيَوَان بالفكر المهتدى بِهِ لصلاح دينه ودنياه وَذَلِكَ بِتَصْدِيق الْأَنْبِيَاء وتعاوه بابناء جنسه وترديده فِي ذَلِك دَائِما إِذْ لَا يفتر عَنهُ طرفَة عين فتنشأ الْعُلُوم والصنائع ثمَّ لأجل مَا جبل عَلَيْهِ من ذَلِك يرغب فِي تَحْصِيل مَا لَيْسَ عِنْده من المدركات فؤرجع إِلَى من سبقه بِهِ أَو اخذه عَن نَبِي مشافهة أَو بِوَاسِطَة فيتلقى ذَلِك عَنهُ ويحرص على استفادته مِنْهُ ثمَّ أَن فكره فِي ذَلِك يتَوَجَّه إِلَى وَاحِد من الْحَقَائِق نَاظرا فِي عوارضه الذاتية حَتَّى يصير الحاقها بِهِ ملكة لَهُ وَعلمه بذلك علما مَخْصُوصًا تتشوف نفوس الجيل الثَّانِي تَحْصِيله بِالرُّجُوعِ إِلَى ذَوي الخصوصية بِهِ وَيَجِيء التَّعْلِيم لَا محَالة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن تَعْلِيم الْعلم من جملَة الصَّنَائِع لامرين أَحدهَا أَن الملكة فِي الْعلم غير الْفَهم فِيهِ لوُجُود فهم مَسْأَلَة وَاحِدَة من فن وَاحِد مُشْتَركا بَين الشادي فِي ذَلِك الْفَنّ والمبتدي فِيهِ وَبَين الْعَاميّ والعالم النحرير والملكة إِنَّمَا هِيَ للْعَالم أَو الشادي فَقَط وَلما كَانَت الملكات كلهَا جسمانية والجسمانيات بأسرها محسوسة فيفتقر إِلَى التَّعْلِيم ضَرُورَة
следующие страницы →