← Сияса и кади

Сияса и кади · id 7236

بدائع السلك في طبائع الملك

ابن الأزرق

Полный текст (992 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قَالَ وَكَانَ فِي كل فن مِنْهَا كَأَنَّهُ لَا يعرف سواهُ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن مَجْمُوع مَا كَانَ يعمله من الْعُلُوم لم يسمع من أحد مِمَّن تقدمه انه كَانَ قد جمعه وَلَقَد جَاءَنَا الشَّيْخ اثير الدّين الْمفضل أَبُو عَليّ الابهري صَاحب التعليقة فِي الْخلاف والتصانيف الْمَشْهُورَة من الْموصل إِلَى اربل فِي سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَنزل بدار الحَدِيث وَكنت اشْتغل عَلَيْهِ بِشَيْء من الْخلاف فَبَيْنَمَا انا يَوْمًا عِنْده إِذْ دخل عَلَيْهِ بعض فُقَهَاء بَغْدَاد وَكَانَ فَاضلا فتجاريا فِي الحَدِيث زَمَانا وَجرى ذكر الشَّيْخ كَمَال الدّين فَقَالَ لَهُ الاثير لما حج الشَّيْخ كَمَال الدّين وَدخل بَغْدَاد كنت هُنَاكَ فَقَالَ نعم فَقَالَ كَيفَ كَانَ اقبال الدِّيوَان الْعَزِيز عَلَيْهِ فَقَالَ ذَلِك الْفَقِيه مَا انصفوه على قدر اسْتِحْقَاقه فَقَالَ الاثير مَا هَذَا إِلَّا عجب وَالله مَا دخل بَغْدَاد مثل الشَّيْخ فاستعظمت مِنْهُ هَذَا الْكَلَام وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي كيفتقول هَذَا فَقَالَ يَا وَلَدي مَا دخل بَغْدَاد مثل أبي حَامِد وَالله مَا بَينه وَبَين الشَّيْخ نِسْبَة وَكَانَ الاثير على جلالة قدره فِي الْعُلُوم يَأْخُذ الْكتاب وَيجْلس بَين يَدَيْهِ يقْرَأ وَالنَّاس يَوْم ذَلِك مشتغلون فِي تعاليق الاثير وَقد شاهدت هَذَا بعيني وَهُوَ يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب المجسطي قَالَ وَلَقَد حكى لي بعض الْفُقَهَاء انه سَأَلَ الشَّيْخ كَمَال الدّين عَن الاثير ومنزلته فِي الْعُلُوم فَقَالَ لَا أعلم فَقَالَ وَكَيف هَذَا يَا مولَايَ وَهُوَ فِي خدمتك مُنْذُ سِنِين عديدة ويشتغل عَلَيْك فَقَالَ أَنِّي مهما قلت بحثا تَلقاهُ بِالْقبُولِ وَقَالَ نعم يَا مَوْلَانَا فَمَا راجعني فِي بحث قطّ حَتَّى اعْلَم حَقِيقَة فَضله قَالَ ابْن خلكانن وَلَا شكّ انه كَانَ يعْتَمد هَذَا القَوْل مَعَ الشَّيْخ تأدبا وَكَانَ عِنْده بِالْمَدْرَسَةِ البدرية وَكَانَ يَقُول مَا تركت بلادي وقصدت الْموصل

стр. 842

إِلَّا للاشتغال على الشَّيْخ انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ قلت نقلت هَذَا الْكَلَام اسْتِطْرَادًا فِي استجلاء واظهار الْفُضَلَاء وان خرجنَا بِهِ عَن الْمَقْصُود وموقعه عِنْد اهله موقعه الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ الصَّنَائِع الضرورية فِي الْعمرَان الخضري ضَرْبَان أَحدهَا مَا هُوَ ضَرُورِيّ وَغير شرِيف بالموضوع كالفلاحة ومالبناء والخياطة والنجارة والحياكة الثَّانِي مَا هُوَ ضَرُورِيّ وشريف بالموضوع ومراتبه صناعات ثَلَاث الصِّنَاعَة الأولى صناعَة التوليد وَهِي الْمَعْرُوفَة باستخراج الْمَوْلُود الادمي من بطن امهِ ثمَّ مَا يصلحه بعد الْخُرُوج وموضوعها الْمَوْلُود وامه وَهِي ضَرُورَة فِي كَون الانسان إِلَّا فِي حق من اسْتغنى عَنْهَا معْجزَة أَو الهاما وتختص بِالنسَاء غَالِبا وَتسَمى العارفة بذلك قَابِلَة لقبولها مَا تعطيه النُّفَسَاء من الْجَنِين الصِّنَاعَة الثَّانِيَة الطِّبّ وَهُوَ حفظ صِحَة الانسان وَدفع الْمَرَض عَنهُ وموضوعه بدن الانسان ضَرُورِيَّة فِي الحواضر لِكَثْرَة الاكل وفقد الرياضة وتعفن الْهَوَاء إِلَّا الْبَوَادِي للسلامة من ذَلِك بقلة الاكل لعدم الخصب وَوُجُود الرياضة بِكَثْرَة الْحَرَكَة وَهِي ضَرُورِيَّة فِي الحواضر لِكَثْرَة الاكل وفقد الرياضة وتعفن الْهَوَاء إِلَّا الْبَوَادِي قَالَ وَلِهَذَا لَا يُوجد طَبِيب فِي الْبَادِيَة بِوَجْه مزِيد فَائِدَة قَالَ ابْن الاكفاني منفعَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبدن وَالنَّفس فالبدن بِكَمَال

стр. 843

الصِّحَّة الَّتِي هِيَ افضل حالانه وانما يحفظ بِهِ وَالنَّفس بالتمكن من استكمالها فِي قوتها النظرية والعملية إِذْ الاسقام مَانِعَة من ذَلِك قَالَ وَأَيْضًا فالطبيب يَسْتَفِيد بنظره فِي التشريح وَمَنَافع الاعضاء مَا يُوضح لَهُ أَن الَّذِي خلق كل شَيْء خلق الانسان فِي احسن تَقْوِيم ثمَّ إِذا اطلع على مَا يَطْلُبهُ كل عُضْو من دَاء وَمَا اعد لَهُ من دَوَاء ومصيره إِلَى الْمَوْت بعده يَتَّضِح لَهُ أَن الَّذِي يردهُ اسفل سافلين هُوَ احكم الْحَاكِمين انْتهى الصِّنَاعَة الثَّالِثَة الْكِتَابَة وَهِي رسوم واشكال حرفية تدل على الْكَلِمَات المسموعة الدَّالَّة على مَا فِي النَّفس وَهِي حافظة على الانسان حَاجته وحقيقتها على النسْيَان ومبلغة ضمائر النَّفس إِلَى الْبعيد الْغَائِب ومخلدة نتائج الافكار والعلوم فِي الصُّحُف ورافعة الْوُجُود للمعاني وشرفها ظَاهر من هَذِه الْوُجُوه الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ أَن غير الضَّرُورِيّ مِنْهَا فِي الْعمرَان إِلَى اسْم الحضارة على كثرتها ضَرْبَان أَحدهَا مَا تَدْعُو اليه عوائد الترف الْقَاصِر عَن مُجَاوزَة الْحَد فِيهِ مَانِعا فِي استجادة مَا هُوَ كمالي حَتَّى تكون فَائِدَة المشتغل بِهِ انفع من فَائِدَة مَا هُوَ ضَرُورِيّ كالدهان والصفار والطباخ والسفاج والهراس ومعلم الْغناء والرقص وقرع الطبول على التوقيع وَشبه ذَلِك الثَّانِي مَا يَدْعُو اليه الترف الْخَارِج عَن الْحَد الَّذِي تعداه استبحار الْعمرَان كَمَا يصدر عَن أهل مصر فِي تَعْلِيم الطُّيُور والحمر وتخيل اشياء

стр. 844

من الْعَجَائِب بايهام قلب الاعيان وتعود الْمَشْي على الخيوط وَرفع الاثقال وَغير ذَلِك من الصَّنَائِع الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي الْمغرب لنُقْصَان عمرانه عَن عمرَان تِلْكَ الديار الْمَسْأَلَة الثَّلَاثُونَ أَن الصَّنَائِع تكسب صَاحبهَا عقلا وخصوصا الْكِتَابَة والحساب وَذَلِكَ لِأَن خُرُوج النَّفس الناطقة للْإنْسَان من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل إِنَّمَا هُوَ بتجدد الْعُلُوم والادراكات من المحسوسات اولا ثمَّ تكتسب القوى النظرية إِلَى أَن يصير ادراكا بِالْفِعْلِ وعقلا مخصا وَهُوَ كَمَال وجودهَا وجسدها فيجدها لذَلِك أَن كل نوع من الْعلم وَالنَّظَر يفيدها عقلا فريدا والصنائع بِلَا شكّ يحصل عَنْهَا وَعَن ملكتها قانون علمي مُسْتَفَاد من تِلْكَ الملكة فيزيد عقلا لَا محَالة قلت هُوَ معنى قَول افلاطون الصناعات متممة لقوى النَّفس والاعضاء هِيَ تعين النَّفس على مَا لَا تصل اليه إِلَّا بأعضاء الْجَسَد تَنْزِيل قَالَ وَالْكِتَابَة من بَينهَا اكثر افادة لذَلِك لاشتمالها على عُلُوم وانظار دون غَيرهَا وَهِي الانتقام من صور الْحُرُوف الخطية إِلَى الْكَلِمَات اللفظية فِي الْخِيَار وَمِنْهَا إِلَى الْمعَانِي الَّتِي فِي النَّفس فَيحصل لَهَا ملكة الِانْتِقَال من الْأَدِلَّة إِلَى المدلولات وَهِي ملكة من التعقل تفِيد كَمَال عقل ومزيد فطنة وصناعة الْحساب لاحقة بذلك لاحتياج تصرفها فِي الْعدَد باضلم والتفريق إِلَى اسْتِدْلَال كَبِير فَيبقى صَاحبهَا متعودا للاستدلال وَالنَّظَر وَهُوَ معنى الْعقل ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾

стр. 845

الْفَصْل الرَّابِع فِي اكْتِسَاب الْعُلُوم وَفِيه مسَائِل جملَة نلخص مِنْهَا مَا يَلِيق بالموضع ويكمل قَصده وغرضه الْمَسْأَلَة الأولى أَن الْعلم والتعليم طبيعي فِي الْعمرَان البشري لَان الانسان إِنَّمَا يتَمَيَّز عَن سَائِر الْحَيَوَان بالفكر المهتدى بِهِ لصلاح دينه ودنياه وَذَلِكَ بِتَصْدِيق الْأَنْبِيَاء وتعاوه بابناء جنسه وترديده فِي ذَلِك دَائِما إِذْ لَا يفتر عَنهُ طرفَة عين فتنشأ الْعُلُوم والصنائع ثمَّ لأجل مَا جبل عَلَيْهِ من ذَلِك يرغب فِي تَحْصِيل مَا لَيْسَ عِنْده من المدركات فؤرجع إِلَى من سبقه بِهِ أَو اخذه عَن نَبِي مشافهة أَو بِوَاسِطَة فيتلقى ذَلِك عَنهُ ويحرص على استفادته مِنْهُ ثمَّ أَن فكره فِي ذَلِك يتَوَجَّه إِلَى وَاحِد من الْحَقَائِق نَاظرا فِي عوارضه الذاتية حَتَّى يصير الحاقها بِهِ ملكة لَهُ وَعلمه بذلك علما مَخْصُوصًا تتشوف نفوس الجيل الثَّانِي تَحْصِيله بِالرُّجُوعِ إِلَى ذَوي الخصوصية بِهِ وَيَجِيء التَّعْلِيم لَا محَالة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن تَعْلِيم الْعلم من جملَة الصَّنَائِع لامرين أَحدهَا أَن الملكة فِي الْعلم غير الْفَهم فِيهِ لوُجُود فهم مَسْأَلَة وَاحِدَة من فن وَاحِد مُشْتَركا بَين الشادي فِي ذَلِك الْفَنّ والمبتدي فِيهِ وَبَين الْعَاميّ والعالم النحرير والملكة إِنَّمَا هِيَ للْعَالم أَو الشادي فَقَط وَلما كَانَت الملكات كلهَا جسمانية والجسمانيات بأسرها محسوسة فيفتقر إِلَى التَّعْلِيم ضَرُورَة

стр. 846

الثَّانِي أَن اخْتِلَاف الاصطراحات فِيهِ كَمَا لكل امام مِمَّا اخْتصَّ بِهِ شَأْن الصَّنَائِع كلهَا وكما بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين فِي علم الاصول وَالْفِقْه والعربة ي يدل على أَن ذَلِك لَيْسَ من الْعلم وَألا لَكَانَ وَاحِدًا عِنْد الْجَمِيع فالعلم وَاحِد وَتلك الاصطلاحات صناعات رِعَايَة قَالَ ابْن خلدون وَلِهَذَا كَانَ السَّنَد فِي التَّعْلِيم فِي كل علم أَو صناعَة يفْتَقر إِلَى مشاهير المعلمين فِيهَا مُعْتَبرا عِنْد أهل كل فن وجيل قلت قَالَ ابْن الاكفاني كل تَعْلِيم وَتعلم فَإِنَّمَا يكون بِعلم سَابق فِي مَعْلُوم مَا من عَالم لمن لَيْسَ بِمَعْلُوم وَلما قرر نَحوه الشَّيْخ الْأَمَام أَبُو اسحاق الشاطبي ﵀ قَالَ وان كَانَ النَّاس قد اخْتلفَا هَل يُمكن حُصُول الْعلم دون معلم أَو لَا بُد لَا مَكَانَهُ من معلم وَلَكِن الْوَاقِع فِي مجاري الْعَادَات أَن لَا بُد من الْمعلم وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة وان اخْتلفُوا فِي بعض التفاصيل كإختلاف الْجُمْهُور والامامية فِي اشْتِرَاط الْعِصْمَة وَقد قَالُوا كَانَ الْعلم فِي صُدُور الرِّجَال ثمَّ انْتقل إِلَى الْكتب وَصَارَت مفاتحه بأيدي الرِّجَال قلت قَالَ ابْن الاكفاني لم تزل سنة الْعلمَاء القدماء جَارِيَة فِي تَعْلِيم الْعلم مشافهة دون كتاب فَلم يصل علم إِلَى غير مُسْتَحقّه ولكثرة المشتغلين بالعلوم حِينَئِذٍ وحرصهم على تَحْصِيلهَا استمرت اليهم فَلَمَّا ضعفت الهمم وَقصرت انقرض بعض الْعُلُوم فَأخذ من بَقِي من الْعلمَاء فِي تدوين الْعُلُوم

стр. 847

فِي الْكتب لتبقى وَلَا تبيد فَائِدَة ذكرُوا فِي الشُّرُوط الدَّالَّة على حُصُول الملكة فِي الْعلم امورا وَهِي الْمعرفَة بأصول أَي علم كَانَ وَمَا يَبْنِي عَلَيْهِ ذَلِك الْعلم وَمَا يلْزم عَنهُ وَالْقُدْرَة على التَّعْبِير عَن مَقْصُوده وعَلى دفع الشّبَه الْوَارِدَة عَلَيْهِ فِيهِ تَعْرِيف ذكر ابْن خلدون مَا حَاصله أَن سير التَّعْلِيم لعهده لَهُ بِحَسب الْوَاقِع حالتان الْحَالة الأولى واشرافه على الِانْقِطَاع فِي قطر الْمغرب كُله لنَقص الصَّنَائِع فِيهِ باختلال عمرانه وتناقص دوله عِنْد خراب القيروان وقرطبة وانقراض دولة الْمُوَحِّدين بعد ذَلِك بمراكش لَكِن فِي اواسط الْمِائَة السَّابِعَة رَحل إِلَى المشرع من افريقية القَاضِي أَبُو الْقَاسِم ابْن زيتون فادرك أَصْحَاب الْأَمَام فَخر الدّين واخذ عَنْهُم ولقن تعليمهم وحذق فِي العقليات والنقليات وَرجع إِلَى تونس

стр. 848

يعلم كثير وَتَعْلِيم حسن وَجَاء على اثره من الْمشرق أَبُو عبد الله ابْن شُعَيْب الدكالي كَانَ ارتحل اليه من الْمغرب فَأخذ من مشيخة مصر وَرجع إِلَى تونس وَاسْتقر بهَا وَكَانَ تَعْلِيمه مُفِيدا فَأخذ عَنْهُمَا أهل تونس واتصل سَنَد تعليمهما فِي اصحابهما جيلا بعد جيل حَتَّى انْتهى إِلَى ابْن عبد السَّلَام شَارِح ابْن الْحَاجِب واصحابه وانتقل من تونس إِلَى تلمسان من ابْن الْأَمَام واصحابه فَإِنَّهُ قَرَأَ مَعَ ابْن عبد السَّلَام واصحابه على مشيخة وَاحِدَة وَفِي مجَالِس بِأَعْيَانِهَا واصحاب ابْن عبد السَّلَام بتونس وَابْن الْأَمَام بتلمسان لهَذَا الْعَهْد إِلَّا انهم من الْقلَّة بِحَيْثُ يخْشَى انْقِطَاع سندهم ثمَّ ارتحل من زواوة فِي آخر الْمِائَة السَّابِعَة أَبُو عَليّ نَاصِر الدّين

стр. 849

المشذالي وادرك أَصْحَاب ابْن الْحَاجِب واخذ عَنْهُم وَأقر تعليمهم وَقَرَأَ مَعَ شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ فِي مجَالِس مُخْتَلفَة وحذق فِي العقليات والنقليات وَرجع إِلَى الْمغرب بِعلم كثير وَتَعْلِيم مُفِيد وَنزل بجاية وَاصل سَنَد تَعْلِيمه بطلبتها وَرُبمَا انْتقل إِلَى تلمسان عمرَان المشذالي من اصحابه واوطنها وَبث طَرِيقَته فِيهَا وصحابه لهَذَا الْعَهْد ببجاية وتلمسان قَلِيل أَو اقل من الْقَلِيل تنزيلان أَحدهَا قَالَ وَبقيت فاس وَسَائِر اقطار الْمغرب خلوا من حسن التَّعْلِيم من لدن انْقِرَاض تَعْلِيم قرطبة والقيروان وَلم يتَّصل سَنَد التَّعْلِيم فيهم فعسر عَلَيْهِم حُصُول الملكة والحذق فِي الْعُلُوم إِذْ ايسر طرقها إِنَّمَا هُوَ بالمحاورة والمناظرة فَهُوَ الَّذِي يقرب شَأْنهَا وطالب الْعلم مِنْهُم تَجدهُ بعد ذهَاب الْكثير م عمره ملازما الْمجَالِس العلمية ساكتا لَا ينْطق وَلَا يُعَارض وعنايته بِالْحِفْظِ اكثر من الْحَاجة فَلَا جرم لَا يحصل على طائل من

стр. 850

ملكة التصرفي الْعلم والتعليم وَمن يرى مِنْهُم انه قد حصل تَجِد ملكته قَاصِرَة أَن نَاظرا أَو عَارض وَمَا اتاهم الْقُصُور إِلَّا من قبل التَّعْلِيم وَانْقِطَاع تمهيده وَألا فحفظهم ابلغ من حفظ سواهُم لشدَّة عنايتهم بِهِ وظنهم انه الْمَقْصُود من الملكة العلمية وَلَيْسَ كَذَلِك شَهَادَة قَالَ وَمِمَّا شهد بذلك فِي الْمغرب أَن الْمدَّة الْمعينَة لسكنى طلبة الْعلم بالمدارس عِنْدهم سِتّ عشرَة سنة وَهِي بتونس خمس سِنِين قَالَ وَهَذِه الْمدَّة على الْمُتَعَارف هِيَ اقل مَا يَتَأَتَّى فِيهَا للطَّالِب حُصُوله مبتغاه من الملكة العلمية أَو الْيَأْس من تَحْصِيلهَا فطال امدها بالمغرب بِشدَّة الْقُصُور أجل عسرها من قلَّة الْجَوْدَة فِي التَّعْلِيم خَاصَّة لَا مِمَّا سوى ذَلِك التَّنْزِيل الثَّانِي قَالَ واما أهل الاندلس فَذهب رسم التَّعْلِيم من بَينهم وَذَهَبت عنايتهم بالعلوم لتناقص عمرَان الْمُسلمين بهَا مُنْذُ مئين من السنين وَلم يبْق من رسم الْعلم فيهم إِلَّا فن الْعَرَبيَّة والادب لاقتصارهم عَلَيْهِ ومحافظتهم على سنَن تَعْلِيمه واما الْفِقْه فرسم خَال واثر بعد عين واما العقليات فَلَا اثر وَلَا عين لانْقِطَاع سَنَد التَّعْلِيم فِيهَا بتناقص الْعمرَان وتغلب الْعَدو على عامتها إِلَّا قَلِيلا بِسيف الْبَحْر شغلهمْ بمكاسبهم اكثر من شغلهمْ بِمَا بعْدهَا وَالله غَالب على امْرَهْ انْتهى

стр. 851

الْحَالة الثَّانِيَة بَقَاؤُهُ بالمشرق نَافق الاسواق زاخر ببحور الْعِنَايَة بِحِفْظ اتِّصَال الْعمرَان الموفور وان خرجت امصاره الَّتِي كَانَت معادن الْعلم كبغداد والكوفة وَالْبَصْرَة فَإِن الله تعلى قد ادال مِنْهَا بامصارها اعظم مِنْهَا وانتقل الْعلم مِنْهَا إِلَى عراق الْعَجم وَمَا وَرَاء النَّهر من الْمشرق ثمَّ إِلَى الْقَاهِرَة وَمَا يَليهَا من الْمغرب فَلم تزل موفورة الْعمرَان مُتَّصِلَة بِسَنَد التَّعْلِيم تَحْصِيل وَاقع قَالَ فَأهل الْمشرق على الْجُمْلَة ارسخ فِي صناعَة تَعْلِيم الْعلم بل فِي سَائِر الصَّنَائِع حَتَّى انه ليظن أَن عُقُولهمْ على الْجُمْلَة ونفوسهم الناطقة اكمل من عقول أهل الْمغرب ونفوسهم وان حَقِيقَة الانسانية بَيْننَا وَبينهمْ تفاوتة لما يرى من كيسهم فِي الْعُلُوم والصنائع وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ لَا تفَاوت بَين الْمشرق وَالْمغْرب بِهَذَا الْمِقْدَار وانما ذَلِك فِي الاقاليم المنحرفة كالاول وَالسَّابِع واما الَّذِي فضل بِهِ أهل الْمشرق فَهُوَ مَا يحصل فِي النَّفس من آثَار الحضارة من الْعقل الْمَزِيد فِي الصَّنَائِع مزِيد تَحْقِيق قَالَ ويزيده تدقيقا أَن الْحَضَر لَهُم فِي احوال الدّين وَالدُّنْيَا اداب يُوقف عِنْدهَا اخذا وتركا كَأَنَّهَا حُدُود لَا تتعدى وَهِي مَعَ ذَلِك صنائع يتلقاها الآخر عَن الأول وكل صناعَة مركبة فَيرجع فِيهَا إِلَى النَّفس ويكسبها عقلا مزيدا تستعد بِهِ لقبُول صناعَة أُخْرَى يتهيأ بهَا الْعقل لسرعة ادراك المعارف وَحسن الملكات فِي التَّعْلِيم والصنائع وَسَائِر الاحوال العادية

стр. 852

تزيد الانسان ذكاء فِي عقله واضاءة فِي فكره فيزدادون بذلك كيسا لم يرجع إِلَى النَّفس من الاثار العلمية فيظنه الْعَاميّ تَفَاوتا فِي الْحَقِيقَة الانسانية وَلَيْسَ كَذَلِك دلَالَة قَالَ إِلَّا ترى إِلَى أهل الْحَضَر مَعَ أهل البدو وَكَيف تَجِد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الْكيس لاجادته من الملكات الصناعية والاداب والادراكات فِي العوائد الحضرية مَالا يعرفهُ البدوي فَلَمَّا امْتَلَأَ من ذَلِك فَكل من قصر عَنهُ ظَنّه انه لكَمَال فِي عقله وان نفوس أهل البدو قَاصِرَة فطرتها وَعَن فطرته وَلَيْسَ كذكل فَإِن فيهم من هُوَ فِي أَعلَى رُتْبَة من الْفَهم والكمال فِي عقله وفطرته لَكِن فاقه أَو فَاتَهُ الحضري بِظُهُور رونق الحضارة والصنائع والتعليم عَلَيْهِ لرجوع آثارها إِلَى النَّفس انعطاف قَالَ وَكَذَا اله الْمشرق لما كَانُوا فِي الْعلم والصنائع ارْفَعْ رُتْبَة وَكَانَ أهل الْمغرب اقْربْ إِلَى البداولة ظن المغفلون فِي بَادِي الرَّأْي انه لكَمَال فِي حَقِيقَة الانسانية اختصوا بِهِ عَن أهل الْمغرب وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح فتفهمه وَالله زيد فِي الْخلق مَا يَشَاء انْتهى تعريفان أَحدهَا قَالَ ابْن خلدون واكثر من عَنى بالصنف الأول فِي الاجيال الْمَعْرُوفَة اخبارهم الامتان العظيمتان فِي ضخامة الدولة قبل الْإِسْلَام فَارس

стр. 853

وَالروم فَكَانَت علومهم بحورا زواخر فِي آفاقهم واعصارهم فتوفر عمرانهم وشماخة دولهم وَكَانَ قبلهم للكلدانيين والسرايانيين والقبط عناية بالحسر والنجامة والطلسمات وعنهم اخذوا ذَلِك قلت قَالَ ابْن الاكفاني فِي السحر مَنْفَعَة أَن يعلم ليحذر لَا ليعْمَل بِهِ قَالَ وَلَا نزاع فِي تَحْرِيم عمله إِمَّا مُجَرّد علمه فَظَاهر الاباحة بل ذهب بعض النظار إِلَى فرض كِفَايَة لجَوَاز ظُهُور سَاحر يدعى النبوءة فَيكون فِي الْأمة من يكشفه وينقض مقَالَته فَيعْمل بِهِ قصاصا قلت قَالَ الطرطوشي تعلمه أَو تَعْلِيمه كفر عِنْد مَالك ﵀ قَالَ الْقَرَافِيّ وَهُوَ فِي غَايَة الاشكال واجاب ابْن الشَّاط بِأَنَّهُ على وَجْهَيْن أَحدهَا لتعرف حَقِيقَته لتجتنب أَو لغير ذَلِك قَالَ وَهَذَا لَيْسَ بِكفْر الثَّانِي لقصد تَحْصِيل اثره مَتى احْتَاجَ لَك قَالَ وهاذ هُوَ الَّذِي اقْتضى ظَاهر الْكتاب انه كفر يَعْنِي وَهُوَ الْحجَّة لمَالِك رَحمَه الله

стр. 854

قلت وَعَلِيهِ فَقَوله بالتكفير لَيْسَ على الاطلاق قَالَ ابْن الشَّاط وَالْقَوْل بِطَلَب تعلمه للْفرق بَينه وَبَين المعجزة صَحِيح انعطاف قَالَ وَلَقَد يُقَال أَن هَذِه الْعُلُوم إِنَّمَا وصلت إِلَى يونان قبل الْفرس إِذْ كَانَ شَأْنهَا عِنْدهم عَظِيما وَذَلِكَ حِين قتل الاسكندر دَارا وَغلب على مملكة الكينية فاستولى على كتب علمهمْ والمسلمون لما فتحُوا بِلَادهمْ اصابوا من صَحَائِف تِلْكَ الْعُلُوم مَا لَا يحده الْحصْر فَكتب سعد بن أبي وَقاص إِلَى عمر ﵁ يَسْتَأْذِنهُ فِي شَأْنهَا فَكتب اليه أَن اطرحوها فِي المَاء فان كَانَ فِيهَا هدى فقد هدَانَا الله بأهدى مِنْهُ وان يكن ضَلَالَة فقد كفانا الله فطرحوها فِي المَاء أَو فِي النَّار الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة أَن الْعُلُوم وانما تكْثر حَيْثُ يكثر الْعمرَان وتعظم الحضارة وَذَلِكَ لَان تعلم الْعلم من جملَة الصَّنَائِع كَمَا تقرر والصنائع كَمَا تقدم قبل ذَلِك انمما تكْثر فِي الامثار المستجدة الْعمرَان بطول امد الدول المتعاقبة عَلَيْهَا قَالَ وَمن تشوف بفطرته إِلَى الْعلم مِمَّن نَشأ فِي الْقرى والامصار غير المستبحرة الْعمرَان فَلَا يجد فِيهَا التَّعْلِيم الصناعي واذ ذَاك فَلَا بُد لَهُ من الرحلة فِي طلبه كشأن الصَّنَائِع كلهَا شَاهد اعْتِبَار

стр. 855

قَالَ وَاعْتبر مَا قَرَّرْنَاهُ بِحَال بَغْدَاد وقرطبة والقيروان وَالْبَصْرَة والكوفة وامثالها لما كثر عمرانها صدر الْإِسْلَام واستوفت فِيهَا الحضارة كَيفَ زخرت فِيهَا بحار الْعلم وتفننوا فِي اصْطِلَاحَات التَّعْلِيم واصناف الْعُلُوم حَتَّى اربوا على الْمُتَقَدِّمين وفاتوا الْمُتَأَخِّرين وَلما تناقص عمرانها انطوى ذَلِك الْبسَاط جملَة وفقد بهَا الْعلم والتعليم وانتقل إِلَى غَيرهَا من اقطار الْإِسْلَام تَعْرِيف قَالَ وَنحن الْيَوْم نرى لهَذَا الْعَهْد أَن الْعلم والتعليم إِنَّمَا هـ بِالْقَاهِرَةِ من بِلَاد مصر لاستبحار عمرانها استحكام حضارتها مُنْذُ آلَاف من السنين فاستحكمت فِيهَا الصَّنَائِع وتفننت وَمن جُمْلَتهَا تعليمالعلم قَالَ واكد بذلك فِيهَا مَا وَقع لهَذِهِ العصور بهَا مُنْذُ مِائَتَيْنِ من السنين فِي دولة التّرْك من ايام صَلَاح الدّين بن ايوب إِلَى هَلُمَّ جرا وَذَلِكَ لَان الامراء من التّرْك يَخْشونَ عَادِية سلطانهم على من يخلفونه من ذُرِّيتهمْ لما لَهُ عَلَيْهِم من الرّقّ وَالْوَلَاء وَلما يخْشَى من معاطب الْملك ونكباته فاستكثروما من بِنَاء الْمدَارِس والزوايا والربط ووقفوا عَلَيْهَا الاوقاف المغلة يجْعَلُونَ فِيهَا شُرَكَاء لولدهم ونصيبا ينظر عَلَيْهَا ويصيب مِنْهَا مَعَ مَا فيهم غَالِبا من الجنوح إِلَى الْخَيْر والتماس الاجور فِي الْمَقَاصِد والافعال فكثرت الاوقاف لذَلِك وَكثر وطالب الْعلم ومعلمه ومتعلمه بِكَثْرَة جرايتهم مِنْهَا وارتحل النَّاس اليها فِي طلب الْعلم من الْعرَاق وَالْمغْرب ونفقت فِيهَا اسواق الْعُلُوم وزخرت بحارها وَالله يخلق مَا يَشَاء

стр. 856

قلت وَقع هَذَا التَّأْكِيد بِمَا ذكر فقد لوحظ فِيهِ امور اخر وَهُوَ مَا يخْشَى من رفع الْعلم الْحَقِيقِيّ فِيهِ حَيْثُ يَجْعَل غَايَة طلبه قَالَ ابْن الاكفاني من تعلم علما للاحتراف لم يَأْتِ عَالما إِنَّمَا جَاءَ شَبِيها بالعلماء وَلَقَد كوشف عُلَمَاء مَا وَرَاء النَّهر بذلك ونطقوا بِهِ لما بَلغهُمْ بِنَاء الْمدَارِس بِبَغْدَاد اقاموا مآتم الْعلم وقالوما كَانَ يشْتَغل بِهِ ارباب الهمم الْعلية والانفس الْكَرِيمَة الزكية الَّذين يقصدون الْعلم لشرفه والكمال بِهِ فَيَأْتُونَ عُلَمَاء ينْتَفع بهم وبعلمهم وَإِذا صَارُوا عَلَيْهِ اجرة تدانى اليه الاخساء وارباب الكسل فَيكون ذَلِك سَببا لارتفاعه المسالة الرَّابِعَة أَن الْعُلُوم الَّتِي يَخُوض فِيهِ الْبشر صنفان أَحدهمَا طبيعي للْإنْسَان يَهْتَدِي اليه بفكره وَهُوَ الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَلذَلِك لَا تخْتَص بِملَّة لِاسْتِوَاء جَمِيع الْعُقَلَاء فِي مداركها على أَي مِلَّة كَانُوا وَهِي مَوْجُودَة فِي النَّوْع الانسان مذ كَانَ عمرَان الخليقة قلت قَالَ ابْن الاكفاني المُرَاد بالحكمة هُنَا استكمال النَّفس النَّاطِق فِي قوتها النظرية والعملية بِحَسب الطَّاقَة الانسانية والاول لحُصُول الاعتقادات اليقينية فِي معرفَة الموجودات واحوالها وَالثَّانِي بتزكية النَّفس باقتناء الْفَضَائِل وَاجْتنَاب الرذائل قلت وَمَعَ مُوَافقَة الشَّرِيعَة فِي الالهي مِنْهَا فحكمته جَهَالَة مضرَّة الثَّانِي نقلي يوخذ عَن وَاضعه وَهُوَ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة لَا مجَال لِلْعَقْلِ فِيهَا إِلَّا فِي الحاق الْفُرُوع بالأصول لعدم اندراج الجزئيات الْحَادِثَة تَحت النَّقْل

стр. 857

الْكُلِّي بِمُجَرَّد الْوَضع وَلما كَانَ هَذَا الالحاق القياصي يتَفَرَّع عَن الْأَخْبَار بِثُبُوت الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ نقلي رَجَعَ إِلَى النَّقْل بذلك لَا محَالة قلت قَالَ ابْن الاكفاني مقررا لمَنْفَعَة هَذَا الصِّنْف من الْعُلُوم وَمن الْمَعْلُوم أَن ارسال الرُّسُل ﵈ إِنَّمَا هُوَ لطف من الله تَعَالَى لخلقه وَرَحْمَة لَهُم ليتم أَمر معاشهم وَيبين مآل مُرَادهم بِحَال الشَّرِيعَة ضَرُورَة على المعتقدات الصَّحِيحَة الَّتِي يجب التَّصْدِيق بهَا والعبادات المقربة من الله تَعَالَى مِمَّا يجب الْقيام بهَا والمواظبة عَلَيْهَا قَالَ وَالْأَمر بالفضائل وَالنَّهْي عَن الرذائل مِمَّا يجب قبُوله قلت إِمَّا شرعا فَنعم واما عقلا فَفِيهِ مَا هُوَ مَعْلُوم فِي مَوْضِعه قَالَ واما الرّوم فَكَانَت الدولة فيهم اولا ليونان وَكَانَ لهَذِهِ الْعُلُوم بَينهم مجَال رحم وَحملهَا مشاهير من رِجَالهمْ وَغَيرهم إِلَى أَن انْتَهَت الرياسة فِيهَا إِلَى أرسطو الْمُسَمّى بالمعلم الأول وَعند مصير الْأَمر إِلَى لاقياصرة هجروا تِلْكَ الْعلم كَمَا تَقْتَضِيه الْملَل والشرائع وَبقيت فِي صحفها مخلدة فِي خزائنهم إِلَى أَن ملكوا الشَّام وَهِي بَاقِيَة فيهم تَارِيخ قَالَ ثمَّ جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ المستولى على ملك الرّوم وَغَيرهم ابْتَدَأَ أمره بالسذاجة والغفلة عَن الصَّنَائِع إِلَى أَن اخذت الدولة من الحضارة بالحظ الَّذِي لم يكن لغَيرهم من الامم وتفننوا فِي الصَّنَائِع والعلوم فتوجهوا إِلَى الِاطِّلَاع على هَذِه الْعُلُوم الْحكمِيَّة لما سمعُوا من اساقفة المعاهدين وَبِمَا تسموا اليه فطْرَة الانسان فِيهَا فَبعث أَبُو جَعْفَر

стр. 858

الْمَنْصُور إِلَى ملك الرّوم أَن يبْعَث اليه من يكْشف لَهُ عَلَيْهَا أَو يكْتب التعاليم مترجمة فَبعث اليه بِكِتَاب اقليدس وَبَعض كتب الطبيعيات واطلع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ فازدادوا حرصا على الظفر بِمَا بَقِي مِنْهَا وَجَاء الْمَأْمُون بعد ذَلِك وَكَانَت لَهُ فِي الْعلم رَغْبَة فانبعث لهَذِهِ الْعُلُوم واوفد الرُّسُل على ملك الرّوم وطالب فِي اسْتِخْرَاج عُلُوم اليونانيين وانتساخها بالخط الْعَرَبِيّ وَبعث المترجمين لذَلِك فأوعب مِنْهَا واستوعب وَعَكَفَ عَلَيْهَا النظار من أهل الْإِسْلَام وبلغوا فِيهَا الْغَايَة وخالفوا كثيرا من آراء الْمعلم الأول واختصوه بِالرَّدِّ وَالْقَبُول لوقوف الشُّهْرَة عِنْده وَكَانَ من اكابرهم فِي الْملَّة الفارابي وَابْن سينا بالمشرق وَابْن الصَّائِغ بالأندلس وَاقْتصر كثير على انتحال التعاليم وَمَا يتبعهَا من النجامة وَالسحر والطلسمات وَوَقعت الشُّهْرَة فِي هَذَا المتنحل على مسلمة بن احْمَد المجريطي من أهل الاندلس واصحابه دَاخِلَة فَسَاد قَالَ وَدخل من هَذِه الْعُلُوم دَاخِلَة واستهوت الْكثير النَّاس بِمَا جنحوا اليها وقلدوا آراءها والذنب فِي ذَلِك لمن ارْتَكَبهُ وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ قلت ذكر فِي فصل ابطال الفلسفة وَفَسَاد منتحلها أَن ضررها فِي الدّين كثير ثمَّ خَتمه بقوله فَلْيَكُن النَّاظر فِيهَا متحرزا جهده من معاطبها وَليكن نظر من ينظر فِيهَا بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التَّفْسِير

стр. 859

وَالْفِقْه واصله وَألا فَقل أَن يسلم وَالله الْمُوفق للحق وَالْهَادِي اليه انْتهى مخلصا خَاتِمَة اعلام ثمَّ أَن الْمغرب والاندلس لما ركدت ريح الْعمرَان بِهِ وتناقصت الْعُلُوم بتناقصه اضمحل ذَلِك مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا من رسومه تجدها فِي تفاريق من النَّاس وَتَحْت رَقَبَة من عُلَمَاء السّنة ويبلغنا عَن أهل الْمشرق أَن بضائع هَذِه الْعُلُوم عِنْدهم لم تزل موفورة وخصوصا فِي عراق الْعَجم وَمَا وَرَاء النَّهر وانهم على نهج من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية لتوفر عمرانهم واستحكام حضارته قَالَ وَلَقَد وقفت بِمصْر على تواليف فِي الْمَعْقُول مُتعَدِّدَة لرجل من عُلَمَاء هراة من بلد خُرَاسَان يشهر بِسَعْد الدّين التَّفْتَازَانِيّ بلغ مِنْهَا الْغَايَة فِي عُلُوم الْكَلَام واصول الْفِقْه وَالْبَيَان تشهد بِأَن لَهُ ملكة راسخة فِي هَذِه الْعُلُوم وَفِي اثنائها مَا يدل على أَن لَهُ اطلاعا على الْعُلُوم الْحكمِيَّة أَيْضا وقدما راسخة عالية فِي سَائِر الْفُنُون الفلسفية كَذَلِك بلغنَا لهَذَا الْعَهْد أَن هَذِه الْعُلُوم الفلسفية بِبِلَاد الافرنجة من ارْض رومة وَمَا يَليهَا من العدوة الشمالية نافقة الاسواق ومتعددة بمجالس التَّعْلِيم وَالله اعْلَم بِمَا هُنَالك وَهُوَ يخلق مَا يَشَاء ويختار

стр. 860

التَّعْرِيف الثَّانِي قَالَ فالنصف الثَّانِي وَهُوَ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة إِنَّهَا قد نفقت اسواقها فِي الْملَّة بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وانتهت فِيهَا مدارك المناظرين إِلَى الْغَايَة الَّتِي لَا فَوْقهَا بِشَيْء وهذبت اصطلاحاتها وزينت فنونها فَجَاءَت من وَرَاء الْغَايَة فِي الْحسن والتنميق وَكَانَ لكل فن رجال يرجع اليهم فِيهِ واوضاع يُسْتَفَاد مِنْهَا التَّعْلِيم واختص الْمشرق من ذَلِك وَالْمغْرب بِمَا هُوَ مَشْهُور مِنْهَا قَالَ وَقد كسدت اسواق الْعلم لهَذَا الْعَهْد بالمغرب لتناقص عمرانه وَانْقِطَاع سَنَد التَّعْلِيم وَالله مُقَدّر اللَّيْل وَالنَّهَار انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن كَثْرَة التواليف فِي الْعُلُوم عائقة عَن التَّحْصِيل قَالَ اعْلَم انه مِمَّا اضر بِالنَّاسِ فِي تَحْصِيل الْعلم وَالْوُقُوف على غَايَته كَثْرَة التواليف وَاخْتِلَاف الاصطلاحات فِي التَّعْلِيم ثمَّ مُطَالبَة المتعلم باستحضار ذَلِك وَحِينَئِذٍ يسلم لَهُ منصب التَّحْصِيل فَيحْتَاج إِلَى حفظ

стр. 861

كلهَا أَو اكثرها وَلَا يَفِي عمره بِمَا كتب مِنْهَا فِي صناعَة وَاحِدَة إِذا تجرد لَهَا فَيَقَع الْقُصُور وَلَا بُد دون رُتْبَة التَّحْصِيل التَّمْثِيل الأول مُطَالبَة المشتغل بِالْمذهبِ الْمَالِكِي بِكِتَاب الْمُدَوَّنَة وَمَا كتب عَلَيْهَا من الشروحات ككتاب ابْن يُونُس وللخمي وَابْن بشير

стр. 862

والتنبيهات والمقدمات وَكتاب الْعُتْبِيَّة وَالْبَيَان والتحصيل وَكتاب أَن الْحَاجِب وَمَا كتب عَلَيْهِ مَعَ احْتِيَاجه إِلَى تَمْيِيز الطَّرِيقَة القيروانية من الطَّرِيقَة القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق الْمُتَأَخِّرين عَنْهُم والاحاطة بذلك كُله وَحِينَئِذٍ يسلم لَهُ منصب الْفتيا وَهِي كلهَا متكررة وَالْمعْنَى وَاحِد والعمر يَنْقَضِي فِي وَاحِد مِنْهَا قلت قد نصوا على قريب من هَذَا فاللمازري فِي تعقيبه على احياء الْغَزالِيّ وَقد قرر أَن التَّعْلِيم لَا بُد فِيهِ من مؤونة عَظِيمَة وَهَذِه الْمُدَوَّنَة تشْتَمل على سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف مسئلة وَمِائَتَيْنِ لَيْسَ فِي الْعَصْر من يسامح المقتصر عَلَيْهَا بالفتوى وَلَا يصفه بامامة أَو الْفتيا حَتَّى يضيف اليها الِاطِّلَاع على امثال هَذِه الْمسَائِل قَالَ ابْن خلدون وَلَو اقْتصر المعلمون المتعلمين على الْمسَائِل المذهبية

стр. 863

فَقَط لَكَانَ سهلا وَكَانَ التَّعْلِيم دون ذَلِك بِكَثِير ومأخذه قَرِيبا وَلكنه دَاء لَا يرْتَفع لاستقرار العوائد عَلَيْهِ فَصَارَت كالطبيعة الَّتِي لَا تتبدل التَّمْثِيل الثَّانِي مُطَالبَة النَّاظر فِي الْعَرَبيَّة بِكِتَاب سبويه وطرق الْبَصرِيين والكوفيين والبغداديين والاندلسيين وطرق الْمُتَأَخِّرين كَابْن الْحَاجِب وَابْن مَالك والعمر يَنْقَضِي دون ذَلِك فَلَا يطْمع أحد فِي الْغَايَة مِنْهُ

стр. 864

إِلَّا الْقَلِيل النَّادِر لتشعبه بِمَا ذكر وصعوبته هَذَا وَهِي آلَة ووسيلة فَكيف يكون الْحَال فِي الْقَصْد الَّذِي هُوَ الثَّمَرَة تَنْبِيه تَكْثِير التواليف لمريدها من طلبة الْعلم لَا يُقَال فِيهِ انه عائق عَن التَّحْصِيل بل هُوَ كَفِيل بِكَمَالِهِ وَمن ثمَّ قَالَ ابْن حزم الاستكثار من الْكتب من دعائم الْعلم إِذْ لَا يَخْلُو كتاب من فَائِدَة وَزِيَادَة علم وَقد كشف الْخَلِيل عَن فَائِدَة جمعهَا وغاياته فَقَالَ اقلوا من الْكتب لتحفظوا واكثروا مِنْهَا لِتَعْلَمُوا الْمَسْأَلَة السَّادِسَة أَن كَثْرَة الاختصارات الموضوعية فِي الْعُلُوم مخلة بالتعليم قَالَ ذهب كثير من الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين إِلَى اخْتِصَار الطّرق والانحاء فِي الْعُلُوم بِوَضْع مختصرات مُشْتَمِلَة على حصر مسائلها وادلتها بِاخْتِصَار فِي الالفاظ وحشو الْقَلِيل مِنْهَا بالمعاني الْكَثِيرَة أَو بِاخْتِصَار مَا وضع من المطولات للتفسير وَالْبَيَان تَقْرِيبًا للْحِفْظ كَمَا فعل ابْن الْحَاجِب فِي الْفِقْه واصوله وَابْن مَالك فِي الْعَرَبيَّة والخونجي فِي الْمنطق وَهُوَ فَسَاد فِي التَّعْلِيم واخلال فِي التَّحْصِيل قلت وَحَاصِل مَا ينشأ عَن ذَلِك مَعَ اخلاله بالبلاغة امور أَحدهَا أَن فِيهِ تَخْلِيطًا على الْمُبْتَدِئ بالقاء الغايات اليه وَهُوَ لم يستعد بعد لقبولها وَهُوَ من سوء التَّعْلِيم كَمَا سَيَأْتِي أَن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 865

الثَّانِي أَن فِيهِ مَعَ ذَلِك شغلا كَبِيرا على التَّعْلِيم بتتبع الالفاظ العويصة للفهم لتزاحم الْمعَانِي عَلَيْهَا واستخراج الْمسَائِل من بَينهَا وَلَا يتَخَلَّص من ذَلِك إِلَّا بعد ذهَاب حَظّ صَالح من الْوَقْت الثَّالِث أَن الملكة الْحَاصِلَة بعد ذَلِك كُله من التَّعَلُّم مِنْهَا إِذا تمّ سداده وَلم تعقبه آفَة قَاصِرَة عَن الملكات الْحَاصِلَة من الموضوعات البسيطة لِكَثْرَة مَا يَقع فِيهَا من التّكْرَار والاطالة المفسدين لحُصُول الملكة التَّامَّة ثمَّ قَالَ فقصدوا إِلَى تسهيل الْحِفْظ على المتعلم فاركبوه صعبا يقطعهُ عَن تَحْصِيل الملكات النافعة وتمكنها وَمن يهد الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ قلت وَمِمَّا يعاب بِهِ سرعَة تقلب الْفَهم لَهَا لتعذر استحضار مَا يفِيدهُ ويعسر عَلَيْهِ دَائِما وَقد ذكر لنا عَن ابْن الْحَاجِب انه رُبمَا رَاجع بعض الْمَوَاضِع من مختصرة الفقهي فَلم يفهمهُ واذ ذَاك فَمَا الظَّن بسواه عاطفة تَكْمِيل لقصد الْمَسْأَلَتَيْنِ المذكورتين آنِفا بِذكر فَوَائِد مهمة

стр. 866

الْفَائِدَة الأولى قَالَ ابْن الاكفاني كتب الْعُلُوم لَا تحصر كَثْرَة لِكَثْرَة الْعُلُوم وَاخْتِلَاف الاغراض فِي الْوَضع والتأليف لَكِنَّهَا من جِهَة الْمِقْدَار ثَلَاثَة مختصرة فِي لَفظهَا وجزء مَعْنَاهَا وَهَذِه تجْعَل تذكرة لرؤوس المشاكل ينْتَفع بهَا المتهي للاستحضار وَرُبمَا افادت بعض المبتدئين الأذكياء لسرعة جرأتهم على الْمعَانِي الْعبارَات الدقيقة ومبسوطة ينْتَفع بهَا للمطالعة ومتوسطة لَفظهَا بأزاء مَعْنَاهَا ونفعها عَام الْفَائِدَة الثَّانِيَة قَالَ أَيْضا المصنفون الْمُعْتَبرَة تصانيفهم فريقان أَحدهمَا من لَهُ فِي التَّعْلِيم ملكة تَامَّة ورؤية كَافِيَة وتجارب وَثِيقَة وحدس صائب واستخبار قريب وتصانيفهم عَن قُوَّة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رَأْي يجمع إِلَى تَحْرِير الْمعَانِي بتهذيب الالفاظ وَهَذِه لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا أحد من الْعلمَاء فَإِن نتائج الافكار لَا تقع عِنْد حد بل لكل عَالم ومتعلم مِنْهَا حَظّ وَهَؤُلَاء احسنوا

стр. 867

إِلَى النَّاس كَمَا احسن الله تَعَالَى اليهم زَكَاة عَن علومهم لبَقَاء الذّكر فِي الدُّنْيَا وجزيل الاجر فِي الاخرة الثَّانِي من لَهُ ذهن ثاقب وَعبارَة طَلْقَة وَوَقعت لَهُ كتب جَيِّدَة جمة الْفَوَائِد لَكِنَّهَا غير انيقة التَّأْلِيف وَالنّظم فاستخرج دررها واحسن نظمها وَهَذِه ينْتَفع بهَا المبتدؤون والمتوسطون وَهَؤُلَاء مشكورون على ذَلِك شكر الله سَعْيهمْ الْفَائِدَة الثَّالِثَة شَرط الشَّيْخ الْأَمَام أَبُو اسحاق الشاطبي فِي الِانْتِفَاع بمطالعة الْكتب العلمية شرطين أَحدهمَا تقدم فهم مَقَاصِد علمهَا وَمَعْرِفَة اصطلاحاته قَالَ وَذَلِكَ يحصل من مشافهة الْعلمَاء أَو بِمَا هُوَ رَاجع اليه إِذْ الْكتب وَحدهَا لَا تفِيد الطَّالِب مِنْهَا شَيْئا دون فتح الْعلمَاء كَمَا هُوَ مشَاهد الثَّانِي تحرى كتب الْمُتَقَدِّمين من أهل الْعلم المُرَاد تَحْصِيله فَإِنَّهُم اقعد بِهِ من الْمُتَأَخِّرين قَالَ وَاصل ذَلِك التجربة الْمُشَاهدَة فِي أَي علم كَانَ فالمتأخر لَا يبلغ من الرسوخ فِيهِ مَا بلغه الْمُتَقَدّم وَالْخَبَر الدَّال على ذَلِك فَمِنْهُ خير الْقُرُون قَرْني الحَدِيث وَهُوَ يُشِير أَن كل قرن مَعَ مَا بعده كَذَلِك ثمَّ ذكر من الْأَخْبَار مَا يَقْتَضِي الاعلام بِنَقص الدّين وَالدُّنْيَا واعظم ذَلِك الْعلم فَهُوَ إِذا فِي نقص بِلَا شكّ فَلذَلِك صَار تحرى كتب الْمُتَقَدِّمين وَكَلَامهم

стр. 868

وسيرهم انفع لمن اراد الْأَخْذ بِهِ للِاحْتِيَاط فِي الْعلم أَي نوع كَانَ وخصوصا علم الشَّرِيعَة الَّذِي هُوَ العروة الوثقى والوزر الاحمى انْتهى مُلَخصا قلت قد سبقه لهَذَا الْمَعْنى غير وَاحِد من الشُّيُوخ فقد حكى أَبُو الْحسن الشاري فِي تَارِيخه عَن بعض شُيُوخه انه كَانَ يُبَالغ فِي الْوَصِيَّة بالاعتماد على كتب الْمُتَقَدِّمين حَتَّى انه كَانَ لَا يقتني كتابا من كتب الْمُتَأَخِّرين قَالَ وَلَقَد كَانَ بعض من لقيناه من الْمُحَقِّقين يمِيل إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة وَحكى عَن ابْن خروف انه كَانَ لَا يقْرَأ من كتب النَّحْو حاشا كتاب سِيبَوَيْهٍ وَيرى انه يطْرَح مَا سواهُ كمفصل الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيره

стр. 869

قَالَ وَكَانَ يسمح فِي بعض الاوقات فِي الاصول لِابْنِ السراج والتبصرة المنسوبة للصيمري انْتهى قلت وَلابْن عَرَفَة ع بعض الشُّيُوخ فِيمَا يخص كتاب ابْن الْحَاجِب الفرعي كَلَام هُوَ اشد من هَذَا فَرَاجعه فِي مَوْضِعه الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أَن وَجه الصَّوَاب فِي تَعْلِيم الْعلم وطرقاته أَن يلقى للمتعلم على التدريج فِي مَرَّات ثَلَاث إِحْدَاهمَا يلقِي عَلَيْهِ اولا مسَائِل فِي كل بَاب من الْفَنّ هِيَ اصول ذَلِك الْبَاب فِيهِ وَيقرب لَهُ فِي شرحها على سَبِيل الاجمال ومراعاة قُوَّة عقله واستعداده حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى آخر الْفَنّ ومنذ ذَلِك تحصل لَهُ ملكة ضَعِيفَة غايتها تهيئته لفهمه وتحصيله

стр. 870

الثَّانِيَة يرفعهُ فِي التَّلْقِين عَن تِلْكَ الرُّتْبَة بِاسْتِيفَاء الْبَيَان الْخَارِج عَن الاجمال واعلامه بِمَا هُنَاكَ من الْخلاف وَوَجهه إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى آخر الْفَنّ فتجود ملكته الثَّالِثَة يرجع بِهِ وَقد شدا فَلَا يتْرك عويصا وَلَا مُبْهما إِلَّا اوضحه وَفتح لَهُ مقفله فيتخلص من الْفَنّ وَقد استولى على ملكته قَالَ وَقد يحصل للْبَعْض فِي اقل من ذَلِك بِحَسب مَا يخلق لَهُ وييسر عَلَيْهِ مُخَالفَة صَوَاب قَالَ وَقد شاهدنا كثيرا من المعلمين يغفلون عَن طَرِيق هَذَا التَّعْلِيم بالقاء الْمسَائِل المقفلة فِي أول وهلة ثمَّ مُطَالبَة المتعلم باحضار ذهنه فِي حلهَا وَحفظ مَا تلقى مِنْهَا اعتقادا أَن ذَلِك مران على التَّعْلِيم وصواب فِيهِ فَيَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بالقاء الغايات فِي المبادئ وَقبل استعداده للفهم فَإِن قبُول الْعلم والاستعداد لفهمه ينشأ تدريجيا والمتعلم أول الْأَمر عَاجز عَن الْفَهم فِي الْجُمْلَة إِلَّا فِي الاقل وعَلى سَبِيل التَّقْرِيب والاجمال ثمَّ لَا يزَال استعداده يتدرج بمخالطة مسَائِل ذَلِك الْفَنّ وتكرارها عَلَيْهِ والانتقال فِيهَا من التَّقْرِيب إِلَى الاسهاب حَتَّى تتمّ الملكة فِي الاستعداد ثمَّ فِي

стр. 871

التَّحْصِيل وَإِذا القيت عَلَيْهِ الْغَايَة فِي ابْتِدَائه وَهُوَ عَاجز عَن الْفَهم والوعي وبعيد عَن الاستعداد كل ذهنه وَحسب ذَلِك من صعوبة الْعلم فِي نَفسه فتكاسل عَن قبُوله وَتَمَادَى فِي هجرانه فَقَالَ وانما أَتَى ذَلِك من صعوبة التَّعْلِيم وسوءه وَصَايَا نافعة أَحدهَا يَنْبَغِي للمغلم أَن يزِيد المتعلم على فهم كِتَابه الَّذِي اكب على التَّعْلِيم مِنْهُ بِحَسب طاقته وقبوله مبتدئا أَو منتهيا وَلَا يخلط مسَائِل الْكتاب بغَيْرهَا حَتَّى يعيه من اوله إِلَى آخِره ويستولي مِنْهُ على ملكة بِهِ ينفذ فِي غَيره لَان المتعلم إِذا حصل ملكة مَا استعد بهَا لقبُول مَا بَقِي حَتَّى يستولي على الْغَايَة وَإِذا خلط عَلَيْهِ الْأَمر عجز عَن الْفَهم وادركه الْملَل وانطمس وآيس من التَّحْصِيل وهجر الْعلم والتعليم وَالله يهدي من يَشَاء الثَّانِيَة يَنْبَغِي لَهُ أَن لَا يطول على المتعلم فِي الْفَنّ الْوَاحِد أَو الْكتاب الْوَاحِد بتقطيع وتفريق مَا بَينهمَا لانه ذَرِيعَة النسْيَان وَانْقِطَاع مسَائِل الْفَنّ بَعْضهَا عَن بعض لعسر حُصُول الملكة بذلك وَإِذا كَانَت اوائل الْعلم واواخره حَاضِرَة عِنْد الْفِكر كَانَت الملكة الناشئة ايسر حصولا وماحكم صبغة لَان الملكة إِنَّمَا تحصل بتتابع الْفِعْل وتكرره وَمَتى تنوسي الْفِعْل فالملكة الناشئة عَنهُ كَذَلِك وَالله علمكُم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ الثَّالِثَة يَنْبَغِي إِلَّا يخلط على المتعلم علمين مَعًا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ قل أَن يظفر

стр. 872

بِوَاحِد مِنْهُمَا لتقسم البال وانصرافه عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى تفهم الآخر فيستغلقان مَعًا ويستصعبان وَيعود مِنْهُمَا بالخيبة قلت من كَلَام ابْن رشد الْحَكِيم مقررا لهَذَا الْمَعْنى من احب أَن يتَعَلَّم اكثر من شَيْء وَاحِد فِي وَقت وَاحِد لم يتَعَلَّم وَاحِد مِنْهُمَا وقديما وَردت الْوَصِيَّة بذلك وَعَن بَعضهم انه قَالَ لمؤدب وَلَده لَا تخرجهم من علم إِلَى علم حَتَّى يحكموه فَإِن اصطكاك الْعلم فِي السّمع وازدحامه فِي الْوَهم مضلة مغلقة للفهم الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَن الْعُلُوم الالية لَا توسع فِيهَا الافكار وَلَا تفرع الْمسَائِل وَذَلِكَ لَان الْعُلُوم صنفان أَحدهمَا مقصو لذاته كالتفسير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَعلم الْكَلَام من الشرعيات والطبيعيات والالهيات من الحكميات وَهَذِه فَلَا حرج من توسيع الْكَلَام فِيهَا وتفريع الْمسَائِل لمزيد تمكن الملكة بذلك الثَّانِي آلَة لذَلِك الْمَقْصُود لذاته كالعربية والحساب وَغَيرهمَا للشرعيات والمنطق للحكميات وَرُبمَا كَانَ لعلم الْكَلَام واصول الْفِقْه على طَريقَة الْمُتَأَخِّرين وَهَذِه فَلَا يَنْبَغِي أَن يُوسع فِيهَا الْكَلَام وَلَا تَفْرِيع الْمسَائِل لخروجها بذلك عَن الْمَقْصُود بهَا واخلاله بِمَا هِيَ اليه وَسِيلَة لضيق الْعُمر عَن تَحْصِيل الْجَمِيع على هَذِه الصُّورَة وحقيق بِهِ الِاشْتِغَال بهَا فَذَلِك تَضْييع للعمر وخوض فِيمَا لَا يُغني

стр. 873

تَمْثِيل قَالَ وَهَذَا كَفعل الْمُتَأَخِّرين فِي النَّحْو والمنطق بل وَهَذَا كَفعل الْمُتَأَخِّرين فِي النَّحْو والمنطق بل واصول الْفِقْه لأَنهم اوسعوا الْكَلَام فِيهَا نقلا واستدلالا واكثروا من التَّفْرِيع بِمَا اخرجها إِلَى قبيل الْمَقْصُود لذاتها وَرُبمَا جر ذَلِك إِلَى انظار ومسائل لَا حَاجَة بهَا فِيمَا هِيَ آلَة لَهُ فَتكون لذَلِك لَغوا قلت مثله قَول ابْن الْعَرَبِيّ من اقام عمره حسابيا أَو نحويا فقد هلك وَهُوَ بِمَنْزِلَة من اراد صَنْعَة شَيْء فشحذ الالة عمره ثمَّ مَاتَ قبل عمل صَنعته وَقَول الشَّيْخ أبي اسحاق الشاطبي كل مَسْأَلَة مرسومة فِي أصُول الْفِقْه لَا تنبني عَلَيْهَا فروع فقهية أَو آدَاب شَرْعِيَّة وَلَا تكون عونا فِي ذَلِك فوضعها فِي اصول الْفِقْه عَارِية لُزُوم ومامجب قَالَ ابْن خلدون فعلى المعلمين كَمَا هُوَ وَسِيلَة أَن لَا يستبحروا فِيهِ وَلَا يستكثروما من مسَائِله وقوفا بالمتعلم مَعَ الْغَرَض مِنْهُ قلت مثله قَول الْغَزالِيّ كل مَا يطْلب لغيره فَلَا يَنْبَغِي أَن تَجِد فِيهِ الْمَطْلُوب وتستكثر مِنْهُ وَقَالَ ابْن خلدون وَمن ترقت همته بعد ذَلِك إِلَى توغل فِيهِ وَرَأى فِي نَفسه قيَاما بذلك وانتهاضا اليه فليختر لنَفسِهِ وكل

стр. 874

ميسر لما خلق لَهُ قلت وَقد قَررنَا فِي رَوْضَة الاعلام بِمَنْزِلَة الْعَرَبيَّة من عُلُوم الْإِسْلَام مَا يَتَّضِح بِهِ هَذَا الْموضع على التَّمام أَن شَاءَ الله تَعَالَى الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَن مَذَاهِب أهل الامصار الاسلامية مُخْتَلفَة فِي طرق تَعْلِيم الْولدَان وَقبل بَيَان ذَلِك فتعليم الْولدَان الْقُرْآن من شَعَائِر الدّين ومراسمه أَخذ بِهِ أهل الْملَّة ودرجوا عَلَيْهِ لما يسْبق بِهِ إِلَى الْقُلُوب من رسوخ الْإِيمَان وعقائده إِذْ هُوَ اصل التَّعْلِيم الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ مَا يحصل بعده من الملكات وَذَلِكَ لَان تَعْلِيم الصغار اشد رسوخا وَهُوَ اصل لما بعده لَان السَّابِق الأول إِلَى الْقُلُوب كالاساس للملكات وعَلى كل حَال الاساس يكون حَال كل مَا يَبْنِي عَلَيْهِ إِذا تقرر هَذَا فلاهل الامصار الاسلامية فِي هَذَا التَّعْلِيم طرق الطَّرِيقَة الأولى لأهل الْمغرب وَمن تَبِعَهُمْ من قراء البربر وَهِي اقتصارهم على تَعْلِيم الْقُرْآن فَقَط واخذهم اثناء ذَلِك بالرسم وَاخْتِلَاف الْقُرَّاء فِيهِ من غير مزِيد عَلَيْهِ من الحَدِيث وَالْفِقْه أَو الشّعْر أَو كَلَام الْعَرَب إِلَى أَن يحذق فِي ذَلِك قبل الْبلُوغ وَبعده إِلَى الشبيبة أَو يَنْقَطِع دونه فَيكون انْقِطَاعًا عَن الْعلم بِالْجُمْلَةِ وَكَذَا فِي إِذا

стр. 875

رَاجع ذَلِك بعد طَائِفَة من عمره فهم لذَلِك اقوم على رسم الْقُرْآن وَحفظه من سواهُم الطَّرِيقَة الثَّانِيَة لأهل الاندلس وَهِي تعليمهم للْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة من حَيْثُ هُوَ لكنه لما كَانَ الْقُرْآن اصل ذَلِك ومنبع الدّين والعلوم جَعَلُوهُ أصلا فِي التَّعْلِيم وخلطوا بِهِ رِوَايَة الشّعْر والترسيل وَحفظ قوانين العربة ي وتجويد الْخط وَالْكِتَابَة وعنايتهم بِهِ اكثر من الْجَمِيع إِلَى أَن يخرج عَن حد الْبلُوغ إِلَى الشبية وَقد شدا بعض الشَّيْء فِي الْعَرَبيَّة وَالشعر وبرز فِي الْخط وَالْكِتَابَة وَتعلق بأذيال الْعلم على الْجُمْلَة لَو كَانَ فِيهَا سَنَد لتعليم الْعُلُوم وَلَكنهُمْ ينقطعون عِنْد ذَلِك لانْقِطَاع سَنَد التَّعْلِيم فِي أفقهم وَلَا يحصل لَهُم إِلَّا ذَلِك التَّعْلِيم الأول وَفِيه كِفَايَة واستعداد إِذا وجد الْمعلم الطَّرِيقَة الثَّالِثَة لأهل افريقية وَهِي خلط هَذَا التَّعْلِيم بِالْحَدِيثِ فِي الْغَالِب ومدارسة قوانين الْعُلُوم وتلقين بعض مسائلها إِلَّا أَن عنايتهم باستظهار الْقُرْآن ووقوفهم على اخْتِلَاف رِوَايَات قرائه اكثر مِمَّا سواهُ وعنايتهم بالخط تبع لذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فطريقتهم اقْربْ إِلَى طَريقَة أهل الاندلس لاتصال سَنَد طريقتهم بمشيخة أهل الاندلس الَّذِي جازوا عِنْد تغلب النَّصَارَى على شَرق بلدهم واستقروا بتونس وعنهم اخذ ولدانهم من بعد ذَلِك

стр. 876

الطَّرِيقَة الرَّابِعَة لأهل الْمشرق وَهِي خلط التَّعْلِيم كَذَلِك فِيمَا بلغ عَنْهُم قَالَ وَلَا أَدْرِي بِمَ عنايتهم مِنْهُ وَالَّذِي ينْقل لنا أَن عنايتهم بدراسة الْقُرْآن وصحف الْعلم فِي زمَان الشبيبة وَلَا يخلطونه بتعليم الْخط لاخْتِصَاص المنتصبين لتعليم قوانينه على انْفِرَاده كَسَائِر الصَّنَائِع فَلذَلِك لَا يتداولونه فِي الْمكَاتب وَإِذا كتبُوا لَهُم الالواح فبخط قَاصِر عَن الاجادة وَمن اراد تعلم الْخط ابتغاه من أهل صَنعته فَائِدَة اختبار قَالَ فَأَما أهل افريقية وَالْمغْرب فأفادهم الِاقْتِصَار على الْقُرْآن الْقُصُور عَن ملكة اللِّسَان جملَة لَان الْقُرْآن لَا ينشأ عَنهُ فِي الْغَالِب ملكة لعجز الْبشر عَن الاتيان بِمثلِهِ وَلَا ملكة لَهُم فِي غير اساليبه فَلَا ملكة لَهُم فِي اللِّسَان وحظهم الجمود على الْعبارَات وَقلة التَّصَرُّف فِي الْكَلَام وَرُبمَا كَانَ أهل افريقية اخف من أهل الْمغرب لخلطهم فِي تَعْلِيم الْولدَان بعبارات قوانين الْعُلُوم فيقتدرون على شَيْء من التَّصَرُّف فِي الْكَلَام الأول إِلَّا أَن ملكتهم فِي ذَلِك قَاصِرَة عَن البلاغة لنزول محفوظهم عَن تِلْكَ الْعبارَات مِنْهَا قَالَ وَأما أهل الاندلس فأفادهم التفنن فِي التَّعْلِيم بِكَثْرَة رِوَايَة الشّعْر والترسيل ومدارسة الْعَرَبيَّة من أول الْعُمر حُصُول ملكة صَارُوا

стр. 877

بهَا أعرف فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَقصرُوا فِي سَائِر الْعُلُوم لبعدهم عَن مدارسة الْقُرْآن والْحَدِيث فَكَانُوا لذَلِك أهل خطّ وأدب بارع أَو مقصر على حسب التَّعْلِيم الْكتاب بعسر تَعْلِيم الصِّبَا غَرِيبَة قَالَ وَلَقَد ذهب ابْن الْعَرَبِيّ إِلَى غَرِيبَة فِي وَجه التَّعْلِيم واعاد فِي ذَلِك وأبدأ وَقدم تَعْلِيم الْعَرَبيَّة وَالشعر كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل الاندلس قَالَ لِأَن الشّعْر ديوَان الْعَرَب وَيَدْعُو إِلَى تَقْدِيمه مَعَ الْعَرَبيَّة فَسَاد اللُّغَة ثمَّ ينْتَقل مِنْهُ إِلَى الْحساب ليتمرن فِيهِ ثمَّ إِلَى درس الْقُرْآن واستغفل أهل بِلَاده فِي أَخذ الطِّفْل بِالْقُرْآنِ فِي أول أمره لقرَاءَته مَا لَا يفهم وَتَبعهُ فِي أَمر غَيره اهم مِنْهُ قَالَ ثمَّ ينظر فِي أصُول الدّين ثمَّ أصُول الْفِقْه ثمَّ الجدل ثمَّ الحَدِيث وَنهي مَعَ ذَلِك عَن خلط علمين إِلَّا مَعَ قبُول المتعلم لجودة ذهنه ونشاطه قَالَ وَهُوَ لعمري مَذْهَب حسن إِلَّا أَن العوائد لَا تساعد عَلَيْهِ وه ياملك بالاحوال تَوْجِيه عَادَة قَالَ وَوجه مَا اخْتصّت بِهِ العوائد من تقدم دراسة الْقُرْآن ايثار التَّبَرُّك بِهِ وخشية مَا يعرض للْوَلَد فِي جُنُون الصِّبَا من القواطع عَن الْعلم فيفوته

стр. 878

الْقُرْآن لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي حجر الصِّبَا منقاد للْحكم فَإِذا تجَاوز الْبلُوغ انحل من ربقة الْقَهْر فَرُبمَا عصفت بِهِ ريَاح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون تَحْصِيل الْقُرْآن لَهُ قبل ذَلِك قَالَ وَلَو حصل الْيَقِين باستمراره فِي طلب الْعلم وَقبُول تَعْلِيمه لَكَانَ هَذَا الْمَذْهَب اولى مِمَّا اخذ بِهِ أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الله يحكم مَا يَشَاء لَا معقب لحكمه الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أَن الشدَّة على المتعلمين مضرَّة بهم وَذَلِكَ لِأَن ارهاف الْحَد للتأديب مُضر بالمتعلم لَا سِيمَا فِي اصغار الْولدَان لانه من سوء الملكة بِدَلِيل أَن من كَانَ مرباه بالقهر من متعلم أَو مَمْلُوك أَو خديم عَاد عَلَيْهِ بِضيق النَّفس وَذَهَاب النشاط وَحُصُول الكسل وَالْحمل على الْكَذِب والخبث وَالْمَكْر والخديعة وَفَسَاد مَعَاني الانسانية من حَيْثُ الِاجْتِمَاع وَهِي الحمية والمدافعة وَالْقَبُول عَن اكْتِسَاب الْفَضَائِل والخلق الْجَمِيل حَتَّى ينقبض عَن غَايَة مَقْصُودَة فيرتكس وَيعود فِي أَسْفَل السافلين كَمَا وَقع لكل امة حصلت فِي قَبْضَة الْقَهْر والعسف

стр. 879

اعْتِبَار قَالَ وَاعْتبر ذَلِك فِي كل من يملك عَلَيْهِ امْرَهْ وَلَا تكون الملكة الكافلة لَهُ رَفِيقَة بِهِ تَجِد ذَلِك فيهم وَانْظُر فِي الْيَهُود وَمَا حصل فيهم بذلك من خلق السوء حَتَّى انهم يوصفون فِي كل افق وعصر بالحرج وَمَعْنَاهُ فِي الِاصْطِلَاح المقهور والمتخابث والكيد وَسَببه مَا قُلْنَاهُ فَلذَلِك يَنْبَغِي لمعلم الْولدَان أَن لَا يشدد عَلَيْهِم فِي التَّأْدِيب استظهار قَالَ وَقد قَالَ مُحَمَّد ابْن أبي زيد لَا يَنْبَغِي لمؤدب الصّبيان أَن يزِيد فِي ضَربهمْ إِذا احتاجوا اليه على ثَلَاثَة اسواط وَمن كَلَام عمر ﵁ من لم يؤدبه الشَّرْع لَا ادبه الله حرصا على صون النُّفُوس عَن مذلة التَّأْدِيب وعلما بِأَن الْمِقْدَار الَّذِي عينه الشَّرْع لذَلِك املك لَهُ فَإِنَّهُ اعْلَم بمصلحته

стр. 880

تَعْلِيم ملوكي قَالَ وَمن أحسن مَذَاهِب التَّعْلِيم مَا تقدم بِهِ الرشيد لعلم وَلَده قَالَ خلف الاحمر بعث إِلَى الرشيد لتأديب وَلَده الامين فَقَالَ يَا أَحْمَر أَن امير الْمُؤمنِينَ قد دفع اليك مهجة نَفسه وَثَمَرَة فُؤَاده فصير يدك عَلَيْهِ مبسوطة وطاعته لَك وَاجِبَة فَكُن لَهُ بِحَيْثُ وضعك امير الْمُؤمنِينَ اقرئه الْقُرْآن وعرفه الْأَخْبَار وروه الاشعار وَعلمه السّنَن وعرفه بمواقع الْكَلَام وبدئه وامنعه من الضحك إِلَّا فِي اوقاته وخذه بتعظيم مَشَايِخ بني هَاشم إِذا دخلُوا عَلَيْهِ وَرفع مجَالِس القواد إِذا حَضَرُوا مَجْلِسه وَلَا تمرن بك سَاعَة إِلَّا وانت مغتنم تأديبة وَفَائِدَة تفيده إِيَّاهَا من غير أَن تحزنه فتميت قلبه وذهنه وَلَا تمعن فِي مسامحته فيستحلي الْفَرَاغ ويألفه وَقَومه مَا اسْتَطَعْت بالرفق والملاينة فَإِن اباهما فَعَلَيْك بالشدة والغلطة الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة أَن الرحلة فِي طلب الْعلم ولقاء المشيخة مزِيد كَمَال فِي التَّعْلِيم فَعَلَيْك بِهِ وَذَلِكَ لأمرين
следующие страницы →