Полный текст (288 стр.). Показаны 281–288 · переход к 286.
стр. 281
(إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا جعل لَهُ واعظا من نَفسه)
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يخْتَار لنَفسِهِ الرَّغْبَة فِي أَيَّامه وَالْحَمْد لسيرته بتسليط الْعدْل على ملكه وتحكيم الدّين على سُلْطَانه
قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا الْمَرْء إِلَّا حَيْثُ يَجْعَل نَفسه ... فَفِي صَالح الْأَخْلَاق نَفسك فَاجْعَلْ) // من الطَّوِيل //
١٠ - الْإِحْسَان إِلَى الرّعية
وليحسن إِلَى رَعيته إِحْسَان من يُؤَدِّي حق الله فيهم وَيملك بِهِ خَالِصَة قُلُوبهم فَإِنَّهُ إِن قدر على ملكة أَجْسَادهم بسلطانه فَلَيْسَ يقدر على ملكة قُلُوبهم إِلَّا بإحسانه
стр. 282
وَقيل قُلُوب الرّعية خَزَائِن ملكهَا فَإِن أودعها من شَيْء فَليعلم أَنه فِيهَا ٦٤ آ
وَقيل
من خَافَ إساءتك اعْتقد مساءتك
فَإِن استقامت لَهُ ظواهر رَعيته وَأَقَامُوا على أَحْكَام طَاعَته لم يفتش سرائرهم وَلم يؤاخذهم بِمَا يخفونه فِي ضمائرهم فَإِن ضمائر الْقُلُوب لَا يُؤَاخذ بهَا إِلَّا علام الغيوب
وَمَتى تكلّف ذَلِك كثر ارتيابه وَقلت ثقته وَلم يقف على صَحِيحه من فاسده وَالْتمس من العناء المضاع مَا هُوَ غنى عَنهُ واستفسد من قُلُوب الأعوان مَا هُوَ حذر مِنْهُ وَعدل عَمَّا يستصلح بِهِ السرائر من الْإِحْسَان إِلَى مَا يستفسد الظَّوَاهِر من المكاشفة
стр. 283
وَحكى اليزيدي أَن كسْرَى قباذ رفع إِلَيْهِ رجل من أَصْحَابه أَن فِي بطانة الْملك جمَاعَة قد فَسدتْ نياتهم وخبثت ضمائرهم وَقد هموا بِمَا لم يَفْعَلُوا وهم غير مأمونين على الْملك فَوَقع
أَنا ملك الأجساد لَا النيات وَأحكم بِالْعَدْلِ لَا بالرضى وأفحص عَن الْأَعْمَال لَا عَن السرائر
قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
كَمَا أَن الْوُجُوه لَا تشبه بَعْضهَا بَعْضًا كَذَلِك الْقُلُوب لَا يشبه بَعْضهَا بَعْضًا
ليكن الْملك بالظلم عسوفا وبالمظلوم رؤوفا لَا يغلق عَن المتظلمين بَابا وَلَا يضيق عَلَيْهِم حِجَابا فَإِن فِي عوادي النُّفُوس سرا لَا
стр. 284
يكفه إِلَّا الحذر وَلَا خير فِي ملك لَا يتناصف أَهله فَإِن أهملوا ارتبعوا وَإِن خَافُوا ارتدعوا
فليوقظ عزمه فِي تصفح الْمَظَالِم وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم ليَكُون آمرا بِالْعَدْلِ كَمَا كَانَ بِهِ مَأْمُورا وزاجرا عَن الظُّلم كَمَا كَانَ عَنهُ مزجورا فَإِن مُرَاعَاة الْمَظَالِم من قَوَاعِد السياسة ٦٤ ب فِي انتظام الْملك ومصالح الرعايا
حكى أَن بعض الْمُلُوك ذهب سَمعه فَبكى وَقَالَ
لم أبك من ذَهَابه إِلَّا لِأَنِّي كنت أسمع ظلامة المتظلم فأنصفه وَقد صرت لَا أسمعها وَأَنا أعتاض عَن ذَلِك ببصري وَقد حرمت لِبَاس الْحمرَة إِلَّا على متظلم لأعْلم بِحَالهِ إِذا رَأَيْت لِبَاسه فأنصفه
فَلَا خير فِي ملك لَا ينصف الرّعية وَلَا تنتصف بِهِ الرّعية
وَسن أردشير بن بابك فِي ملكه وَعمل بِهِ أَكثر وَلَده من بعده أَن يجلس فِي يَوْم النيروز جُلُوسًا عَاما للخاصة والعامة لِيَتَقَدَّم الْخَاصَّة للتهنئة ويعقبهم الْعَامَّة للمظالم فَإِذا وصلت إِلَيْهِ رقاعهم جمعهَا وميزها فَإِن كَانَ التظلم فِيهَا من غَيره نظر فِيهِ بِنَفسِهِ وأوصل المتظلم إِلَى حَقه وَإِن كَانَ التظلم مِنْهُ قَامَ مَعَ خَصمه وَجَثَا بَين يَدي الموبذ وَقَالَ
أَيهَا الموبذ مَا من ذَنْب أعظم عِنْد الله من ذَنْب الْمُلُوك وَإِنَّمَا خولكها الله تَعَالَى برعاياها لتدفع عَنْهَا الظُّلم وتذب عَن بَيْضَة الْملك جور
стр. 285
الجائرين وظلم الظَّالِمين فَإِذا كَانَت هِيَ الظالمة الجائرة فَحق لمن دونهَا أَن يجور وَيظْلم ومجلسي هَذَا مِنْك وَأَنا عبد ذليل يشبه مجلسك من الله تَعَالَى غَدا فَإِن آثرت الله تَعَالَى آثرك وَإِن آثرت الْملك عذبك
فَيَقُول لَهُ الموبذ إِن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ سَعَادَة عباده اخْتَار لَهُم خير أهل أرضه وأجرى على لِسَانه مَا أجْرى على لسَانك ثمَّ ينظر فِي أمره مَعَ خصومه بِالْحَقِّ وَالْعدْل
فَإِن صَحَّ على الْملك شَيْء أَخذه بِأَدَائِهِ وَإِلَّا وكل بِمن ادّعى عَلَيْهِ بَاطِلا ونادى عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من أَرَادَ شين ٦٥ آالملك والمملكة والقدح فيهمَا بِالْبَاطِلِ
ثمَّ يقوم أردشير فيحمد الله تَعَالَى وَيَضَع التَّاج على رَأسه وَيَقُول لأهل بَيته وخاصته
стр. 286
إِنِّي لم أبدأ بنفسي فأنصفت مِنْهَا إِلَّا لِئَلَّا يطْمع أحد فِي حيف فَمن كَانَ قبله حق فَليخْرجْ إِلَى خَصمه مِنْهُ
فَهَذِهِ السِّيرَة أبقى فِيهَا لِلْعَقْلِ وَتفرد فِيهَا بالسياسة من كَانَ الله تَعَالَى أمره والوعيد زاجره
стр. 287
١١ - فعله للخير دَائِما
وَليكن من دأبه فعل الْخَيْر إِمَّا ابْتِدَاء من نَفسه أَو اقْتِدَاء بالأخيار ليَكُون فِي الْخَيْر تَابعا ومتبوعا وَفِي الْعَمَل بِهِ حامدا ومحمودا
فقد قيل
النَّاس فِي الْخَيْر على أَرْبَعَة أَقسَام
مِنْهُم من يَفْعَله ابْتِدَاء
وَمِنْهُم من يَفْعَله اقْتِدَاء
وَمِنْهُم من يتْركهُ حرمانا
وَمِنْهُم من يتْركهُ اسْتِحْسَانًا
فَمن يَفْعَله ابْتِدَاء فَهُوَ كريم
وَمن يَفْعَله اقْتِدَاء فَهُوَ حَكِيم
وَمن يتْركهُ حرمانا فَهُوَ شقي
وَمن يتْركهُ اسْتِحْسَانًا فَهُوَ ردي
ليكن مَا يخلفه الْملك من جميل الذّكر وَحسن السِّيرَة إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ
стр. 288
الأخيار ومثالا يزدجر بِهِ الأشرار فَيكون بِالْحَمْد مَذْكُورا وعَلى الْخَيْر مشكورا قد أرشد بعد رشاده وسدد بعد سداده فسعد بِعَمَلِهِ حَيا ومفقودا وَصَارَ بِعَمَل غَيره مأجورا ومحمودا فَإِن ذَلِك أنفس ذخائره يَوْم معاده وأنفع مَا يخلفه لمن اقْتدى بِهِ فَخير النَّاس أنفعهم للنَّاس
أمده الله بتوفيقه وتسديده وتكفل بمعونته وتأييده وَكَانَ لَهُ على الْخَيْر ظهيرا مرشدا وعَلى الْعدْل معينا مسعدا ٦٥ ب وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم