Полный текст (288 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
٢ - استخبار الْملك عَن رَعيته وحاشيته والنائبين عَنهُ
وَإِن الْملك لجدير أَن لَا يذهب عَلَيْهِ صَغِير وَلَا كَبِير من أَخْبَار رَعيته وَأُمُور حَاشِيَته وسير خلفائه والنائبين عَنهُ فِي أَعماله بمداومة الاستخبارعنهم وَبث أَصْحَاب الْأَخْبَار فيهم سرا وجهرا وَينْدب لذَلِك أَمينا ويوثق بِخَبَرِهِ وَينْصَح الْملك فِي مغيبه ومشهده غير شَره فيرتشي وَلَا ذِي هوى فيروي أَو يعتدي لتَكون النَّفس إِلَى خَبره سَاكِنة وَإِلَى كشفه عَن حقائق الْأُمُور راكنة فَإِنَّهُ لَا يقدر على رِعَايَة قوم تخفى عَلَيْهِ أخبارهم وتنطوي عَنهُ آثَارهم فَرُبمَا ظن استقامة الْأُمُور بتمويه الخونة فأفضى بِهِ حسن الظَّن إِلَى فَسَاد مَمْلَكَته وهلاك رَعيته وَأَن ينتهز الْعَدو فرْصَة غفلته فيستثير عَن غوائل ضَرَره مَا عساه يصعب بعد أَن كَانَ سهل المرام ويقوى بعد أَن كَانَ ضَعِيف القوام فَإِن كبار الْأُمُور تبدأ صغَارًا
قَالَ بهْرَام جور
لَا شَيْء أضرّ على الْملك من استكفاء من لَا ينصح إِذا دبر واستخبار من لَا يصدق إِذا خبر
стр. 247
وَلم يكن فِي طلب الأجناد أَشد بحثا عَنْهَا من أردشير بن بابك فِي آل ساسان وَمن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي خلفاء الْإِسْلَام فَإِنَّهُ كَانَ علمهما بأحوال الْعَامَّة كعلمهما بأحوال الْخَاصَّة وعلمهما بِمن بعد عَنْهُمَا كعلمهما بِمن قرب مِنْهُمَا
وَبِه استقامت سيرتهما وَظَهَرت حرمتهما
وَإِذا كَانَ باحثا على الْأَخْبَار مطلعا على غوامض الْأَسْرَار جمع فِي الاستخبار بَين مَعْرُوف مجاهر يكون بِهِ فِي النَّاس محذورا وَبَين مَجْهُول مساتر يصير بِهِ واثقا خَبِيرا لَا يتعارفان فيتواطآن انْكَشَفَ لَهُ غطاء الْغَفْلَة وانجلت شبه الْحيرَة فساس الْأُمُور ٥٦ آبثقته وبصيرته وحرس الرّعية بيقظته وَصدق عزيمته وتهيب أعوانه فعل الْخَيْر فاستقاموا وتجنبوا قبح المكاسب فأنصفوا ووثقت الرّعية بكف العوادي عَنْهُم فَأمنُوا
وَإِذا أنس بمطالعة الْأَخْبَار استلذ غرائبها واستمد فوائدها
وَقد قَالَ الْمَنْصُور ﵁
عجبت للسُّلْطَان الَّذِي لَا يتَّخذ بِقِرَاءَة الْأَخْبَار لهوا بِمَاذَا يلهو وللمدبر الَّذِي لَا يعلم مَا حدث فِي عمله كَيفَ يمْضِي تَدْبيره
قَالَ بعض الْعلمَاء
إِذا لَهَا السُّلْطَان عَن الْأَخْبَار وَلم يَله بهَا وَانْصَرف عَنْهَا وَلم ينْصَرف إِلَيْهَا فاسم الْعَجز أولى بِهِ من اسْم الحزم وَالتَّقْصِير عَلَيْهِ أغلب من الِاسْتِيفَاء وَجَهل الْوَاجِب أبين فِيهِ من علم الصَّوَاب
وَيجب أَن تكون عنايته بأخبار من بعد عَن حَضرته كعنايته بأخبار من قرب مِنْهَا بل رُبمَا كَانَ أهم لِأَن بعد الدَّار يبسط أَيدي الظلمَة فَإِذا وَافق بعد دَارهم قلَّة الاستخبار عَن أَحْوَالهم أمنُوا فِي اتِّبَاع أهوائهم وَسَكنُوا إِلَى
стр. 248
الْغَفْلَة عَن مَذْمُوم أفعالهم فَكَانَت أَيْديهم مبسوطة فِي الرعايا وأهواؤهم مخلة فِي القضايا وَرُبمَا أفْضى ذَلِك إِلَى فسادهم فِي الطَّاعَة لقبح آثَارهم ومذموم أفعالهم فَإِن الْمُسِيء مستوحش والمهمل مسترسل فكم من عصيان كَانَ هَذَا بدأه وانقراض ملك كَانَ هَذَا بدره وَقد قيل
لَيْسَ بَين الْملك وَبَين أَن يملك رَعيته أَو تملكه إِلَّا الحزم والتواني
وَلَا يغترر بِمن سداده فِي حسن الثِّقَة بِهِ وَيتْرك الاستخبار عَن حَاله تعويلا على من يقدر من سداده فَرُبمَا يصنع فِي الأول ويغتر فِي الآخر فَإِن تقلب الزَّمَان يُغير أَهله فَرُبمَا أفسد الصَّالح وَأصْلح الطالح
فَمَا تبقى الدُّنْيَا على حَالَة وَلَا تمنع من اسْتِحَالَة
وَإِذا أخبر بمنكر لم يستعجل الْمُؤَاخَذَة وَالْإِنْكَار وَيثبت لكشفه حَتَّى يقف على حَقه من باطله فَمَا كل مخبر يصدق فِي ٥٦ ب خَبره
وَإِذا عرف بالأناة للكشف لم يخبر إِلَّا بِالصّدقِ وَلم يُعَاقب إِلَّا الْمُسْتَحق
قَالَ الشَّاعِر
стр. 249
(تأن وَلَا تعجل بلومك صاحبا ... لَعَلَّ لَهُ عذرا وَأَنت تلوم) // من الطَّوِيل //
٣ - مُرَاعَاة أَخْبَار الْبِلَاد المتاخمة وملوكها
وَلَئِن كَانَ من حُقُوق مَا استرعى من بِلَاده أَن يتعرف أَخْبَار أَعماله وعماله فَمن حُقُوق السياسة أَن يُرَاعى أَخْبَار مَا تاخمها من بِلَاد وملوك يتَّصل بِهِ خَيرهمْ وشرهم وَيعود عَلَيْهِ نَفعه وضرهم لِأَن الصّلاح وَالْفساد يسريان فِيمَا جاوراه وَرُبمَا روصد فاعتقل بالاهمال وعوجل بالاسترسال فيحم عَلَيْهِ الْأَعْدَاء ويحجم عَنهُ الْأَوْلِيَاء لِأَن للغفلات فرصا ينتهزها المستيقظ من اللاهي ويدركها المتحفظ من الساهي لِأَن الفرصة لمن واثبها بحزمه وسابقها بعزمه فليستدفع بَوَادِر الْغَفْلَة بالاستخبار ويتحذر مِنْهَا بالاستظهار وَلَا يغْفل فيستغفل ويهمل فيستعذر ليحرس ملكه ويحوط رَعيته فَإِنَّهُ لم تطل مُدَّة الْملك إِلَّا لمن يتيقظ ويتحفظ
стр. 250
وَقد ذكر الْأَوَائِل فِي مواعظ الْمُلُوك أَن الْملك تطول مدَّته إِذا كَانَ فِيهِ أَربع خِصَال
إِحْدَاهَا أَن لَا يرضى لرعيته مَا يرضاه لنَفسِهِ
وَالثَّانيَِة أَن لَا يسوف عملا يخَاف عاقبته
وَالثَّالِثَة أَن يَجْعَل ولي عَهده من ترضاه رعاياه لَا من تهواه نَفسه
وَالرَّابِعَة أَن يفحص عَن أَحْوَال رَعيته فحص الْمُرضعَة عَن مَنَام رضيعها
٤ - حذر الْملك قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه
وَمِمَّا يَنْبَغِي للْملك أَن يحذرهُ قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه فَذَلِك يوحش الناصح ويؤمن الخائن وَيفتح للسعادة أَبْوَاب الرشا
وليعلم أَن السَّاعِي لم يحملهُ على سَعْيه إفراط نصحه لسلطانه وَإِنَّمَا يَفْعَله إِمَّا حسدا لمن سعى بِهِ وطلبا للتشفي بِهِ وَإِمَّا تعرضا للكسب بِهِ وَإِمَّا ٥٧ آالتماسا للحظوة عِنْد السُّلْطَان
فَإِذا شرع فِي السّعَايَة أعْطى الْملك الرِّشْوَة فَأدْخل عَلَيْهِ الشُّبْهَة حَتَّى يتَصَوَّر الْأمين بِصُورَة الخائن والمحسن بِصُورَة المسيئ فتقل ثقته بِأَصْحَابِهِ وَإِذا قلت ثقته بهم أوحشهم وَإِذا أوحشهم خافهم فَيكون إضراره بِمن سعى إِلَيْهِ أَكثر من إضراره بِمن سعى بِهِ
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(إياك ومهلك الثَّلَاثَة)
قيل وَمَا مهلك الثَّلَاثَة
стр. 251
قَالَ
(الَّذِي يسْعَى بأَخيه إِلَى سُلْطَانه فَيهْلك نَفسه وسلطانه وأخاه)
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(شَرّ النَّاس المثلث) يَعْنِي السَّاعِي
قَالَ بعض البلغاء
السَّاعِي كَاذِب لمن سعى إِلَيْهِ وخائن لمن سعى عَلَيْهِ
وَوَقع الْمَنْصُور فِي رقْعَة منتصح
تقربت إِلَيْنَا بِمَا باعدك من الله وَلَا ثَوَاب عندنَا لمن آثرنا عَلَيْهِ
وَإِذا حسم قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه أكذب السعاة وأخلص نيات الْوُلَاة وتصفح أَحْوَالهم بَدَلا من قبُول السّعَايَة فيهم
وليوقظ عزمه فِي قلَّة الْغَفْلَة فيهم فَإِذا علمُوا أَنه لَيْسَ يخفي عَلَيْهِ من أفعالهم خافية أقلع الخائن عَن خيانته وازداد الناصح نعما فِي ولَايَته وَعدل عَن التكسب بهَا إِلَى مَا تستطاب جدواه وتحمد عقباه وَصلح بِهِ الْفَرِيقَانِ مَعَ استقامة الْملك وإخماد السّعَايَة
стр. 252
وَقيل
انْظُر إِلَى المنتصح إِلَيْك فَإِن دخل من جِهَته مضار النَّاس فَلَا تقبل نصيحته وتحرز مِنْهُ وَإِن دخل من جِهَته الْعدْل وَالصَّلَاح فاقبلها واستشره
٥ - مراقبة أَحْوَال النُّقُود وَأمر جبايتها
وليعلم الْملك أَن الْأُمُور الَّتِي يعم نَفعهَا إِذا صلحت ويعم ضررها إِذا فَسدتْ أَمر النُّقُود من الدِّرْهَم وَالدِّينَار فَإِن مَا يعود على الْملك من نفع صَلَاحهَا لسعة دخله وَقلة خرجه أَضْعَاف ٥٧ ب مَا يعود من نَفعهَا على رَعيته
قيل فِي منثور الحكم
من فرطات الْعَجز ترك الْأَفْضَل وَهُوَ مُبَاح
فَإِن سامح فِي غشها وأرخص فِي مزج الْفضة بغَيْرهَا لم يَفِ نفع صَلَاحهَا بِضَرَر فَسَادهَا لِأَنَّهُ إِذا خلط الْفضة بِمِثْلِهَا وَجعل فِي كل عشرَة خَمْسَة خرقا وَخَمْسَة غشا وَأمر أَن تُؤْخَذ بِقِيمَة الْفضة كَانَ محالا كَمَا لَو رام أَخذ النّحاس بِالذَّهَب
وَإِن رام أَن تُؤْخَذ بِقِيمَتِهَا لم يجد فِي ذَلِك نفعا وَكَأَنَّهُ غير مكيالا ووزنا مَعَ فَسَاد الْفضة وخسران الْعَمَل ثمَّ إِذا طَال مكثها وَكثر لمسها قبحت عِنْد النَّاس وتجنبوا قبض قبيحها وَرَغبُوا فِي طريها ومليحها وبهرج أَصْحَاب اللّبْس عَلَيْهَا بِضَرْب كثير الرش رُبمَا كَانَ أحسن من عَتيق تِلْكَ فتفسد النُّقُود ويتجنب النَّاس قبض الدَّرَاهِم وَيمْنَعُونَ من بيع الْأَمْتِعَة إِلَّا بِالْعينِ وَإِن كَانَ سليما
وَإِن كَانَ كالورق فِي الْغِشّ عدل النَّاس عَن مطبوعها إِلَى الْفضة الْخرق وَالذَّهَب الْخَلَاص وَصَارَ أدخال النَّاس أصُول أَمْوَالهم واستحدثوا
стр. 253
لمعاملات المهن نوعا من غير النُّقُود المألوفة يدْفَعُونَ بِهِ الأقوات وينالون بِهِ الْحَاجَات وَبَطلَت معاملات النَّاس فانتهك المستور المرق وَلم تصل الْأَمْتِعَة والأقوات إِلَى أهل الْقُدْرَة وأرباب الْأَمْوَال الجمة فَعِنْدَ ذَلِك تَدعُوهُ الْحَاجة إِلَى تَغْيِير الضَّرْب
فَإِن غير بِمثلِهِ كَانَت حَالهمَا وَاحِدَة وَكَانَ حكمه فِي الْمُسْتَقْبل حكمه فِي الأول
وَإِذا عرف من السُّلْطَان تغير ضربه فِي كل عَام عدل النَّاس عَن ضربه إِلَى ضرب غَيره حذرا من الوضيعة والخسران وَكَانَ عدولهم إِلَى ضرب غَيره موهنا لسلطانه
وَإِن كَانَ النَّقْد سليما من غش ومأمونا ٥٨ أَمن تَغْيِير صَار هُوَ المَال المدخور فدارت بِهِ الْمُعَامَلَات نَقْدا وَنسَاء فَعم النَّفْع وَتمّ الصّلاح
وَقد كَانَ المتقدمون يجْعَلُونَ ذَلِك دعامة من دعائم الْملك
ولعمري إِن ذَلِك كَذَلِك لِأَنَّهُ القانون الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ الْأَخْذ وَالعطَاء وَلست تَجِد فَسَاده فِي الْعرف إِلَّا مقترنا بِفساد الْملك فَلذَلِك صَار من دعائم الْملك
وليعلم الْملك أَن من أَمْوَال السلطنة شَرْعِيَّة قد قدر الشَّرْع مقاديرها وَبَين وُجُوه مصرفها وَجعلهَا وفْق الْكِفَايَة وأغنى عَمَّا دَعَا إِلَى استزادة
قَالَ النَّبِي ﷺ
(نزلت المعونة على قدر المؤونة)
стр. 254
فَلْيَكُن الْملك عَلَيْهَا مُقْتَصرا ولأمر الله تَعَالَى فِيهَا ممتثلا فَإِنَّهُ نَائِب عَن الْكِفَايَة فِيهَا زعيم بتولي مصالحهم بهَا
فَإِن اتبع أمره فِي أَخذهَا وعطائها أجابت النُّفُوس إِلَى بذلها طَوْعًا وَلم يلتمسها إِلَّا مُسْتَحقّ وَكفى أَن لَا يُطَالب بالمحال كَمَا لم يَطْلُبهُ فَسلم دينه واستقام ملكه وَرَضي جنده وصلحت رَعيته
وَإِن تجَاوز حكم الشَّرْع فِي طلب مَا لَا يسْتَحق نفرت مِنْهُ النُّفُوس فَلم يجب إِلَى بذله إِلَّا بالعنف الْخَارِج عَن قوانين السياسة وَعَاد بِالنَّقْصِ بالحقوق الْوَاجِبَة وانفتحت عَلَيْهِ المطامع فِي الْمُطَالبَة بِمَا لَا يجب كَمَا طَالب بِهِ لِأَن من جازف فِي الْأَخْذ جوزف فِي الطّلب وَمن ناصف نوصف فَلَا يَفِي بِزِيَادَة أَخذه بِزِيَادَة جزفه
ثمَّ هُوَ بَين نفور رَعيته واشتطاط أعوانه وَلَيْسَ مَعَ هذَيْن ملك يسْتَقرّ
فليحذر الْملك مِمَّا حذره الله من تحيف عباده وليمتثل أمره فِي مصَالح بِلَاده وليقم رَعيته مقَام عباده وحشمه اللائذين بِهِ وبكنفه والداخلين فِي كفَالَته فِي ارتياد موادهم وانتظام اكتسابهم وكف الْأَذَى عَنْهُم فهم من أمانات الله ٥٨ ب الَّتِي استودعه حفظهَا وكفله الْقيام بهَا فَلَا يهمل مُرَاعَاة أَمَانَته وَلَا يغْفل عَن الْقيام بِحقِّهِ فيصيروا رعية قهر وفرية دهر يستنفد أَحْوَالهم تحيف السُّلْطَان وجوائح الزَّمَان فسيؤاخذ بهم مَعَ فَسَاد ملكه
стр. 255
قَالَ النَّبِي ﷺ
(كلكُمْ رَاع وكلكم مسؤول عَن رَعيته)
وَكتب أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵀
إِن أسعد الرُّعَاة من سعدت بِهِ رَعيته وأشقاهم من شَقوا بِهِ وَإنَّك إِن ترتع يرتع عمالك فَيكون مثلك مثل الْبَهِيمَة رَأَتْ أَرضًا خضرَة ونباتا حسنا فرتعت تلتمس وَإِنَّمَا حتفها فِي سمنها
стр. 256
وَكتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان أَن يحملهُ على أَخذ أَمْوَال السوَاد فَكتب إِلَيْهِ
لَا تكن على درهمك الْمَأْخُوذ أحرص مِنْك على درهمك الْمَتْرُوك وأبق لَهُم لحوما يعقدوا بهَا شحوما
قَالَ وهب بن مُنَبّه
أحسن النَّاس عَيْشًا من حسن عَيْش النَّاس فِي عيشه
٦ - الاهتمام بأمن السبل والمسالك
وليهتم الْملك كل الاهنمام بأمن السبل والمسالك وتهذيب الطّرق والمفاوز لينتشر النَّاس فِي مسالكهم آمِنين ويكونوا على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ مُطْمَئِنين
وَلَا يقْتَصر على حماية مَا يستمده من بِلَاد وسواده فَلم يستقم أَمر بِلَاده كَانَت المسالك إِلَيْهَا مخوفة لِأَنَّهَا تفْتَقر إِلَى مجلوب إِلَيْهَا ومجتلب مِنْهَا ليكْثر جلبهم فِيمَا لَيْسَ لَهُم وتخصب بِلَادهمْ بِمَا لَيْسَ عِنْدهم فَيكون نفعهم عَاما
стр. 257
وخصبهم دَارا وَيصير رفق السُّلْطَان بِهِ أعظم من رفق رَعيته وعقباه أَنْفَع من مَمْلَكَته لِأَنَّهُ لَيْسَ يعم صَلَاح إِلَّا ونصيبه مِنْهُ أَكثر لِأَن عوام الْأَمْوَال صادرة إِلَيْهِ وَصَلَاح الْجُمْهُور عَائِد عَلَيْهِ ٥٩ أ
٧ - مداهنة الْأَعْدَاء
ليستعمل الْملك مداهنة الْأَعْدَاء قبل مكاشفتهم وليجعل محاربتهم آخر مكايدهم فَإِنَّهُ ينْفق فِي المكايد من الْأَمْوَال وَينْفق فِي الْمُحَاربَة من النُّفُوس وَلذَلِك قيل
أوهن الْأَعْدَاء كيدا أظهرهم لعداوته
قَالَ الشَّاعِر
(وَالسّلم تَأْخُذ مِنْهَا مَا رضيت بِهِ ... وَالْحَرب يَكْفِيك من أنفاسها جرع) // من الْبَسِيط //
стр. 258
وليعلم أَنهم مِنْهُ على ثَلَاث مَرَاتِب لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ حكم فَلْيَكُن مَعَ من علا مِنْهُم وَتقدم على الملاطفة والملاينة وَمَعَ من دنا مِنْهُم وَتَأَخر على التطاول والمباشرة وَمَعَ من كافأ مِنْهُم ومايل على الْمُقَابلَة والمسالمة ليدوم السّكُون والدعة وتتم لَهُ السَّلامَة والاستقامة فقد قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء
من عرف فضل من فَوْقه عرف فضل من دونه فَإِن جحد جحد
стр. 259
وَلَا يبتدي بالمنافرة مَا وجد مِنْهَا بدا وَإِذا ظفر بفرصة انتهزها مَا لم ينْقض بَينه وَبينهمْ عهدا فقد قيل فِي منثور الحكم
غافص الفرص عِنْد إمكانها وكل الْأُمُور إِلَى أوليائها وَلَا تحمل نَفسك هم مَا لم يأتك وَلَا تحزن على مَا فاتك وَلَا تعدن وَعدا لَيْسَ فِي يدك وفاؤه وَلَا تَجِد فِي الْحِرْص تعش ذَا سرُور
وَإِذا كاشفه الْعَدو بعد المساترة ونافره بعد المسالمة وتكافأت قوتاهما كَانَ الْحَال مُعْتَبرا بسيرتهما وهما فِيهِ على ثَلَاث أَحْوَال
стр. 260
أحداها
أَن يكون الْملك أعدل من عدوه وَأحسن سيرة فِي رَعيته فليثق الْملك بعدله أَنه عونه ورعيته أَنهم أنصاره وليستعن على عدوه بجوره فَإِنَّهُ موهنه وبرعيته فَإِنَّهُم خاذلوه وَيَكُونُونَ أعوان الْملك عَلَيْهِ وَيقدم على مقارعته فَإِن الرَّجَاء فِي ظفره أقوى مَا لم يغلب قدر فقد قيل فِي منثور الحكم
الْعدْل أقوى جَيش ٥٩ ب والأمن أهنأ عَيْش
وَالْحَال الثَّانِيَة
أَن يكون الْعَدو أعدل من الْملك وَأحسن سيرة فِي رَعيته فليخش على نَفسه من عدل عدوه أَنه عونه وَمن رَعيته أَنهم أنصاره وليحذر جور نَفسه فَإِنَّهُ موهنه وَمن تنكر رَعيته فَإِنَّهُم خاذلوه ويحجم عَن مقارعته فالرجاء فِي ظفر عدوه أقوى مَا لم يغلب قدر ويدفعه بالمقاربة والحذر وَقد قيل
стр. 261
من أعرض عَن الحذر والاحتراس وَبنى أمره على غير أساس زَالَ عَنهُ الْعِزّ وَاسْتولى عَلَيْهِ الْعَجز فَصَارَ من يَوْمه فِي نحس وَمن غده فِي لبس
وَالْحَال الثَّالِثَة
أَن يكون الْملك وعدوه متكافئين فِي الْعدْل والسيرة فَيعْتَبر أَمرهمَا بِحَال الزَّمَان والأعوان فَإِن كَانَ الزَّمَان صَالحا فأصلحهما أعوانا أقوى رَجَاء للظفر لِأَن صَلَاح زمانهم مُنَاسِب لصلاحهم فَكَانَ عونا مَا لم يغلب قدر
وَإِن كَانَ الزَّمَان فَاسِدا فأفسدهما أعوانا أقوى رَجَاء للظفر لِأَن فَسَاد زمانهم مُنَاسِب لفسادهم فَكَانَ عونا لَهُم مَا لم يغلب قدر فَيكون الْإِقْدَام من الراجي والحذر من الْخَائِف
فَإِن اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الصّلاح وَالْفساد اعْتبر بالجد والهزل فِي الزَّمَان والأعوان فَإِن كَانَ زمَان جد فالرجاء لأهل الْجد أقوى وَإِن كَانَ زمَان هزل فالرجاء لأهل الْهزْل أقوى اعْتِبَارا بمناسبة الزَّمَان لأَهله مَا لم يغلب قدر
فَإِن اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الْجد والهزل فالبادي بالمنافرة بارع والباغي مصروع مَا لم يغلب قدر
قيل فِي منثور الحكم
من سل سيف الْبَغي اغمده فِي رَأسه وَمن أسس أساس السوء أسسه على ٦٠ أنفسه
стр. 262
قَالَ الشَّاعِر
(وَالْبَغي يصرع أَهله ... وَالظُّلم مرتعه وخيم) // من الْكَامِل //
стр. 263
٨ - مُسَاوَاة الْملك نَفسه مَعَ الرّعية
وَيَنْبَغِي للْملك وَإِن كَانَ بِالْملكِ مفضلا مُعظما وبالسلطان مُطَاعًا مقدما أَن يُسَاوِي بَين نَفسه ورعيته فِي الْحق لَهُم وَعَلَيْهِم وَلَا يقدم شريفا على مشروف وَلَا يمايل فِيهِ قَوِيا على ضَعِيف ويعدل بَين جمعهم فِي الْقَضَاء وَيجْرِي الحكم على الْخَاصَّة والعامة بالسواء فَإِن الله تَعَالَى قد سوى بَين عباده من غير تَفْضِيل وماثل فِيهِ بَين الْعَزِيز والذليل
فَإِذا اقْتدى فِيهِ بأَمْره وَقَامَ فِيهِ بِحقِّهِ وأنصف فِيهِ من نَفسه وحسم مواد الظُّلم وكف عوادي الْغَلَبَة وتناصف النَّاس إِذا أنصفوا رغبا ورهبا
وَقد قيل فِي منثور الحكم
من جارت قَضيته ضَاعَت رَعيته
وَسَأَلَ ملك ناسكا عَن الْإِخْلَاص فَقَالَ الناسك ثَلَاث
أعدل فِي الْقَضِيَّة
واقسم بِالسَّوِيَّةِ
واعدد نَفسك وَاحِدًا من الرّعية
стр. 264
وَقَالَ الْوَلِيد بن عبد الْملك لِأَبِيهِ
يَا أبه مَا السياسة
قَالَ هَيْبَة الْخَاصَّة مَعَ صدق محبتها واستمالة قُلُوب الْعَامَّة بالإنصاف لَهَا وَاحْتِمَال هفوات الصَّنَائِع فَإِن شكرها لأَقْرَب الْأَيْدِي لَهَا
ويتعهد حَال الْفَقِير مِنْهُم بِالْبرِّ وَالصَّدَََقَة ويراعي خلة الْكَرِيم مِنْهُم بالرفد والصلة فَإِن إحسانه إِلَى الْفَقِير يشكره عَلَيْهِ الْأَغْنِيَاء فلقل شكر وقف على الشاكر إِلَّا تعداه ولقل بر اخْتصَّ بالمبرور إِلَّا تخطاه
كَانَ الموبذان إِذا دخل على أنو شرْوَان يَقُول
يَا ملك استدم النعم بالْعَطْف على الرّعية وأهن طَعَامك بإشباع
стр. 265
٦٠ - ب الجائع وَرَاء بابك وأنصف النَّاس من نَفسك وَأعْطِ الْحق مِنْك يتعاطاه النَّاس وَرَاء بابك وَاحْذَرْ النِّسَاء وَلَا تفتح للسعاة طَرِيقا
وَقيل فِي منثور الحكم
بالراعي تصلح الرّعية وبالعدل تملك الْبَريَّة
وَيَنْبَغِي للْملك أَن يُمَيّز أَخْبَار رَعيته فيخصهم بالإكرام والتقريب ويقمع أشرارهم بالإبعاد والتأديب لِيَرْغَبُوا فِي منَازِل الأخيار ويقلعوا عَن أَخْلَاق الغاغة الأشرار فَإِن لم يَكُونُوا على الْخَيْر مطبوعين صَارُوا بِهِ متطبعين فقد يضعف الطَّبْع بالتطبع وَإِن لم يزل وتتغير الْأَخْلَاق بالتصنع وَإِن لم تحد فقد قيل
لَيْسَ فِي الطَّبْع أَن يكون مَا لَيْسَ فِي التطبع
وَفرق مَا بَينهمَا إِن الطَّبْع جاذب متفاعل والتطبع مجذوب مفتعل تتفق نتائجها مَعَ التَّكَلُّف ويفترق تأثيرها مَعَ الاسترسال فَيظْهر الطَّبْع وَيَزُول التطبع
стр. 266
وتعليل هَذَا الْفرق يَقْتَضِي أَن يَأْمَن أهل الْوَرع والسلامة خوف عُقُوبَته اكْتِفَاء بزواجر طباعه فِي الْخَيْر وَيخَاف أهل الْبذاء والزعارة بادرة سطوته ليَكُون الْخَوْف زاجرا لطباعهم عَن الشَّرّ فيشاكل الْفَرِيقَيْنِ فِي طلب الْخَيْر وتوقى الشَّرّ طبعا وتطبعا فَإِنَّهُ مَنْدُوب إِلَى صَلَاح المهج وتقويم العوج
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
انقياد الأخيار بِحسن الرَّغْبَة وانقياد الأشرار بطول الرهبة
стр. 267
وَوَقع أنوشروان إِلَى عماله
تفقدوا أُمُور الرّعية فسدوا فاقة أحرارها وامنعوا بطر أشرارها فَإِنَّمَا يصول الْكَرِيم إِذا جَاع واللئيم إِذا شبع
وَقيل
من أبطرته النِّعْمَة وقره زَوَالهَا
قَالَ الشَّاعِر ٦١ آ
(إِذا كُنْتُم للنَّاس فِي الأَرْض سادة ... فسوسوا كرام النَّاس بالحلم والبذل)
(وسوسوا لئام النَّاس بالذل وَحده ... جَمِيعًا فَإِن الذل يصلح للنذل) // من الطَّوِيل //
стр. 268
ويراعي أهل النّسك وَالصَّلَاح يُؤَدِّي حق الله تَعَالَى فيهم وَحقّ نَفسه فِي موافقتهم يجل أقدارهم ويعظم أخطارهم لأَنهم أهل الْآخِرَة الَّتِي هِيَ أشرف من الدُّنْيَا دَارا وأعز مِنْهَا جوارا ليعترف لله بِحُقُوق أوليائه وللدين بِحُقُوق زعمائه فَإِن من الدّيانَة إعظام أهل الدّين وَأَن يرجع إِلَيْهِم فِي مَا أمروا بِهِ ونهوا عَنهُ
وليصلح من دينه مَا اخْتَلَّ وَمن دُنْيَاهُ مَا اعتل فَإِنَّهُم لَا يأمرون إِلَّا بِطَاعَة وَلَا ينهون إِلَّا عَن مَعْصِيّة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(استرشدوا الْعَاقِل ترشدوا وَلَا تعصوه فتندموا)
стр. 269
وَأَن يتَقرَّب إِلَيْهِم بِطَاعَة الله فِي خلقه وَالْقِيَام فيهم بِحقِّهِ ليكونوا لَهُ حزبا وعَلى أعدائه إلبا يملك بهم الْقُلُوب ويستدفع بهم الخطوب فقد قيل لرَسُول الله ﷺ إِن الرجل يعْمل الْعَمَل لله تَعَالَى وَيُحِبهُ للنَّاس
فَقَالَ
(تِلْكَ عَاجل الْبُشْرَى إِذا أردتم أَن تعلمُوا مَا للْعَبد عِنْد الله تَعَالَى فانظروا مَا يتبعهُ من ثَنَاء النَّاس)
وَلَا يَنْبَغِي أَن يتَصَوَّر فِي قوم مِنْهُم رِيَاء أَو سمعة فيسقطه بهَا فيسري ذَلِك إِلَى جَمِيعهم فَإِن التظاهر بالصلاح أجل من التظاهر بالطلاح وَقد أعْطى من الأحماد بمظاهرته شطرا واستبقى مِنْهُ فِي الْبَاطِن شطرا وهما يتنافران كتنافر الطَّبْع والتطبع حَتَّى يغلب أَحدهمَا على الآخر فَتَصِح سَرِيرَته فَيسلم أَو تفتضح عَلَانِيَته فيسقم فَإِن تَدْلِيس الرِّيَاء لَا يسْتَمر حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى غَايَة من صَلَاح أَو افتضاح كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُفْضِي مَرضه إِلَى سَلامَة أَو عطب فقد قيل
قيل
من طمع أَن يذهب على ٦١ ب النَّاس عَيبه فقد جهل
стр. 270
قَالَ الشَّاعِر
(وَمن يبتدع مَا لَيْسَ من خيم نَفسه ... يَدعه ويغلبه على النَّفس خيمها) // من الطَّوِيل //
فليعمل على الظَّاهِر لمن تظاهر بالصلاح فَلَيْسَ للنَّاس من النَّاس إِلَّا ظواهرهم ويتولى الله سرائرهم
стр. 271
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(النَّاس كأسنان الْمشْط وَإِنَّمَا يتفاضلون بالعلانية)
فليعظم حق علانيتهم وليكل ضمائرهم إِلَى عواقبها فيستجلي عَن أحد الْأَمريْنِ فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(المتشبع بِمَا لَا يملك كلابس ثوبي زور)
يَعْنِي بالمتشبع بِمَا لَا يملك المتظاهر بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَقَوله (كلابس ثوبي زور) هُوَ الَّذِي يلبس ثِيَاب الصلحاء وَيفْعل أَفعَال الطلحاء
روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ
стр. 272
مر النَّبِي ﷺ على نَاس وهم جُلُوس فَقَالَ
(أَلا أخْبركُم بِخَيْرِكُمْ من شركم)
فَسَكَتُوا
فَقَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات
فَقَالَ لَهُ رجل بلَى يَا رَسُول الله
فَقَالَ
(خَيركُمْ من يُرْجَى خَيره ويؤمن شَره وشركم من لَا يُرْجَى خَيره وَلَا يُؤمن شَره)
٩ - رِعَايَة الْعلم ومراعاة الْعلمَاء
وَأما الْعلم فَيَنْبَغِي للْملك أَن يعرف فَضله ويستبطن أَهله لأَنهم للدّين أَرْكَان وللشرع أعوان وَالدّين أس الْملك ونظامه وَقد قَامُوا فِيهِ بِحقِّهِ ونابوا عَن الْملك فِي حفظه ولولاهم لما عرف حق أَمر من باطله وَلَا صِحَة حكم من فاسده فَلْيحْفَظ الْملك نظام ملكه بمراعاتهم وليستظهر لدينِهِ وَملكه باستبطانهم ليَكُون بِالْعلمِ موسوما وَإِلَيْهِ مَنْسُوبا فَإِن الْإِنْسَان مَوْسُوم بسيما من قَارب ومنسوب إِلَيْهِ أفاعيل من صَاحب وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(الْمَرْء على دين خَلِيله فَلْينْظر أحدكُم من يخالل)
وَقَالَ ﷺ
(الْمَرْء مَعَ من أحب)
стр. 273
وَقَالَت الْحُكَمَاء
يظنّ بِالْمَرْءِ مَا ظن بقرينه
وَقد يخص الْمُلُوك من هَذَا بِمَا يباينون ٦٢ آبه من سواهُم لخفاء أَحْوَالهم عَن الرّعية فيقضون عَلَيْهِم بِمَا علموه من أَحْوَال بطائنهم
فَإِن استبطنوا الْعلمَاء قضوا عَلَيْهِم بِالْعلمِ وَإِن جهلوا
وَإِن استبطنوا الْجُهَّال قضوا عَلَيْهِم بِالْجَهْلِ وَإِن علمُوا
وليصر بمكانرتهم مستظهرا وبمذاكرتهم مستبصرا وهم أَنْفَع لَهُ فِي دينه ودنياه لأَنهم فِي الدّين دعاة وَفِي الدُّنْيَا هداة مَعَ مَا ينشر من الْفساد بإهمال الْعلمَاء وَترك مُرَاعَاتهمْ وَذَلِكَ أَنهم رُبمَا بعث بَعضهم قلَّة الْمَادَّة وَضعف الْحَال على مُسَامَحَة النَّفس والتبذل وارتكاب الشُّبْهَة
فَإِذا وَافق ذَلِك إِعْرَاض السُّلْطَان عَنْهُم فتحت آثَارهم عِنْد الْعَامَّة وتقاصرت رتبهم عِنْد الْخَاصَّة فهجروا هجر الْأَعْدَاء وزجروا زجر السُّفَهَاء ثمَّ سرى ذَلِك فِي خواصهم ومتصونيهم وَعم فِي خيارهم ومتدينيهم لِأَن نقص الْجِنْس يسري فِيهِ فَذَهَبت بهجة الْعلم وبهاؤه وَقل طلابه وعلماؤه وَصَارَ ذَرِيعَة إِلَى انقراضه ودراسته
ثمَّ لَا يبعد أَن يظْهر أهل نحل مبتدعة ومذاهب مخترعة يزوقون كَلَامهم مموها ويزخرفون مذهبا مشوها لِأَن مَا صَحَّ من الْمذَاهب قد اعْتقد وَمَا سلم مِنْهَا قد اسْتَقر وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(خير الْأُمُور عوازمها وَشر الْأُمُور محدثاتها)
فهم لَا يستحدثون إِلَّا مَا ابتدعوه وَلَا ينصرونه إِلَّا بِمَا اخترعوه
стр. 274
يعدلُونَ بِهِ عَن ظَاهر جلي إِلَى بَاطِن خَفِي يجلبون بِهِ قُلُوب الأعوام ويعتضدون على نصرته بالغاغة الأشرار فيشعرهم أَنهم أظهرُوا لَهُم الْحق بعد كمونه وأوصلوهم إِلَى مَا اسْتَأْثر الله بِهِ دينه فيصيبوا إِلَيْهِم الغر المختدع ويميل مَعَهم الْجَاهِل المتبع إِلَى أَن يتكاثر جمعهم بخلابة كَلَامهم ولطف بيانهم ٦٢ ب مَعَ أَن لكل جَدِيد لَذَّة وَلكُل مستحدث صبوة وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ
(إِن من الْبَيَان لسحرا)
وَقَالَ
(إِن أخوف مَا أَخَاف على أمتِي مُنَافِق عليم اللِّسَان)
فَتَصِير الْبدع حِينَئِذٍ فَاشِية ومذاهب الْحق واهية ثمَّ يُفْضِي بهم الْأَمر إِلَى التحزب ويؤول إِلَى التعصب لِأَن لكل مَذْهَب شعارا وَلكُل شعار أنصارا وَلكُل أنصار صولة وَلكُل صولة دولة فَإِذا رَأَوْا ظُهُور شعارهم وَكَثْرَة أنصارهم داخلهم عزة الْقُوَّة ونخوة الْكَثْرَة فتضافر جهال نساكهم وفسقة عُلَمَائهمْ بالميل إِلَى مخالفتهم
فَإِذا استتب ذَلِك لَهُم رابحوا السُّلْطَان فِي رياسته وقبحوا عِنْد الْعَامَّة جميل سيرته فَرُبمَا انفتق مِنْهُ مَا لَا يرتتق فَإِن كبار الْأُمُور تبدو صغَارًا وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(أهلك أمتِي رجلَانِ عَالم متهتك وجاهل متنسك)
стр. 275
وَسُئِلَ عَن شرار الأشرار فَقَالَ
(شرار الْعلمَاء)
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁
قَصم ظَهْري رجلَانِ ناسك جَاهِل يَدْعُو إِلَى الْجَهْل بنسكه وعالم فَاسق يَدْعُو إِلَى الْفسق بِعِلْمِهِ
وَقد قَالَ الْمَنْصُور فِي عَهده إِلَى ابْنه
وكل همومك بأمورك وتفقد الصَّغِير بعد الْكَبِير وَخذ أهبة الْأَمر قبل حُلُوله فَإِن ثَمَرَة التواني الإضاعة وَكن عِنْد رَأس أَمرك لَا عِنْد ذَنبه فَإِن الْمُسْتَقْبل لأَمره سَابق والمستدبر لَهُ مَسْبُوق
стр. 276
قَالَ الشَّاعِر
(إِن للدهر صولة فاحذرنها ... لَا تبيتن قد أمنت الدهورا)
(شط وصل الَّذِي تريدين مني ... وصغير الْأُمُور يجني الكبيرا) // من الْخَفِيف //
وَهَذَا أَمر يجب على الْملك مراعاته لما فِيهِ من حراسة الدّين وَحفظ المملكة
وحسم ذَلِك أَن يُرَاعِي الْعلم وَأَهله وَيصرف إِلَيْهِم حظا من عنايته ٦٣ آويعتمد أهل الْكِفَايَة مِنْهُم بالتقريب والصيانة وَأهل الْخلَّة مِنْهُم بِالْبرِّ والمعونة ليَكُون الْعلم بِهِ أنشر والتوفر عَلَيْهِ أَكثر وَالنَّاس لَهُ أشكر فَفِي ذَلِك بهاء الْملك وإعزاز الدّين وخلود الذّكر
стр. 277
وَقد قيل
إِن من إجلال الشَّرِيعَة أَن يجل أهل الشَّرِيعَة ليَكُون الْمَعْرُوف من شيمه والمألوف من أخلاقه أَنه يكافيء المحسن بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ليألف النَّاس الْإِحْسَان رَغْبَة فِي الْجَزَاء من غير أَن يَجْعَل لجائزته حدا ولصلته قدرا فَإِن ذَلِك أبسط للأمل فِيهِ وَلَا يعرف مِنْهُ فِي الْمُسِيء شِيمَة مألوفة فِي عَفْو وَلَا عُقُوبَة لِأَن الْمُسِيء إِن عرف مِنْهُ الْعَفو اجترأ وَإِن عرف مِنْهُ الْعقُوبَة قنط وَإِن لم يعرف مِنْهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَانَ على رَجَاء من عَفوه وَخَوف من عُقُوبَته فَإِن ذَلِك أبلغ فِي تأديبه ومصلحته
فَإِن رَآهُ للعفو أَهلا عَفا عَنهُ
قَالَ النَّبِي ﷺ
(عَفْو الْملك بَقَاء الْملك)
وَإِن رَآهُ للعقوبة أَهلا مُسْتَحقّا عاقبه أدبا لَهُ لَا غَضبا عَلَيْهِ
قَالَ أنوشروان
إِنِّي بلغت هَذِه الرُّتْبَة بثماني خِصَال
وَذَلِكَ
стр. 278
أَنِّي لم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي قطّ
وَلم أخلف فِي وعد وَلَا وَعِيد قطّ
وَوليت للكفاية
وَأثبت للعناء لَا للهوى
وعاقبت للأدب لَا للغضب
وأودعت فِي قُلُوب الرّعية شدَّة الْمحبَّة من غير جرْأَة وَقُوَّة الهيبة من غير ضغينة
وعممت بالفوت
وحذفت الفضول
وَهَذَا أصح سيرة سَار بهَا ملك فِي سياسة ملكه وتهذيب دولته
стр. 279
قَالَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهُوَ ملك الْعَرَب
(تَعْفُو الْمُلُوك عَن الْعَظِيم ... من الذُّنُوب لفضلها)
(وَلَقَد تعاقب فِي الْيَسِير ... وَلَيْسَ ذَاك لجهلها)
(إِلَّا ليعرف فَضلهَا ... وَيخَاف شدَّة نكلها) // الْكَامِل // ٦٣ ب
وَلَا يعلن عُقُوبَة من لم يعلن بِذَنبِهِ وَيجْعَل لذنب السِّرّ عُقُوبَة السِّرّ ولذنب الْعَلَانِيَة عُقُوبَة الْعَلَانِيَة لِأَن عُقُوبَة الذَّنب بحسبها والمقابلة فِي الْجَزَاء مُعْتَبرَة لتَكون أشباها لَهَا
وَلَا يُعَاقب بِالظَّنِّ حَتَّى يستيقن الذَّنب فَإِن أَكثر الظنون كَاذِبَة
فَإِن عَاجل بالعقوبة وَضعهَا فِي غير حق وجنى على غير مُسْتَحقّ فَصَارَ الذَّنب مُتَوَجها الله واللوم عَائِدًا عَلَيْهِ
стр. 280
قَالَ الشَّاعِر
(إِذا أَنْت لم تَبْرَح تظن وتقتضي ... على الظَّن أردتك الظنون الكواذب) // من الطَّوِيل //
وليعلم الْملك أَن الذَّم فِي الظُّلم بِقدر الْحَمد فِي الْعدْل والزهد فِي ولَايَة الظَّالِم بِقدر الرَّغْبَة فِي ولَايَة الْعَادِل
وكل مَذْمُوم ممقوت
وكل مَحْمُود مَحْبُوب
والممقوت مباعد
والمحمود مساعد
وناهيك بطرفيهما خيرا أَو شرا وبعقباهما نفعا وضرا
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
стр. 281
(إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا جعل لَهُ واعظا من نَفسه)
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يخْتَار لنَفسِهِ الرَّغْبَة فِي أَيَّامه وَالْحَمْد لسيرته بتسليط الْعدْل على ملكه وتحكيم الدّين على سُلْطَانه
قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا الْمَرْء إِلَّا حَيْثُ يَجْعَل نَفسه ... فَفِي صَالح الْأَخْلَاق نَفسك فَاجْعَلْ) // من الطَّوِيل //
١٠ - الْإِحْسَان إِلَى الرّعية
وليحسن إِلَى رَعيته إِحْسَان من يُؤَدِّي حق الله فيهم وَيملك بِهِ خَالِصَة قُلُوبهم فَإِنَّهُ إِن قدر على ملكة أَجْسَادهم بسلطانه فَلَيْسَ يقدر على ملكة قُلُوبهم إِلَّا بإحسانه
стр. 282
وَقيل قُلُوب الرّعية خَزَائِن ملكهَا فَإِن أودعها من شَيْء فَليعلم أَنه فِيهَا ٦٤ آ
وَقيل
من خَافَ إساءتك اعْتقد مساءتك
فَإِن استقامت لَهُ ظواهر رَعيته وَأَقَامُوا على أَحْكَام طَاعَته لم يفتش سرائرهم وَلم يؤاخذهم بِمَا يخفونه فِي ضمائرهم فَإِن ضمائر الْقُلُوب لَا يُؤَاخذ بهَا إِلَّا علام الغيوب
وَمَتى تكلّف ذَلِك كثر ارتيابه وَقلت ثقته وَلم يقف على صَحِيحه من فاسده وَالْتمس من العناء المضاع مَا هُوَ غنى عَنهُ واستفسد من قُلُوب الأعوان مَا هُوَ حذر مِنْهُ وَعدل عَمَّا يستصلح بِهِ السرائر من الْإِحْسَان إِلَى مَا يستفسد الظَّوَاهِر من المكاشفة
стр. 283
وَحكى اليزيدي أَن كسْرَى قباذ رفع إِلَيْهِ رجل من أَصْحَابه أَن فِي بطانة الْملك جمَاعَة قد فَسدتْ نياتهم وخبثت ضمائرهم وَقد هموا بِمَا لم يَفْعَلُوا وهم غير مأمونين على الْملك فَوَقع
أَنا ملك الأجساد لَا النيات وَأحكم بِالْعَدْلِ لَا بالرضى وأفحص عَن الْأَعْمَال لَا عَن السرائر
قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
كَمَا أَن الْوُجُوه لَا تشبه بَعْضهَا بَعْضًا كَذَلِك الْقُلُوب لَا يشبه بَعْضهَا بَعْضًا
ليكن الْملك بالظلم عسوفا وبالمظلوم رؤوفا لَا يغلق عَن المتظلمين بَابا وَلَا يضيق عَلَيْهِم حِجَابا فَإِن فِي عوادي النُّفُوس سرا لَا
стр. 284
يكفه إِلَّا الحذر وَلَا خير فِي ملك لَا يتناصف أَهله فَإِن أهملوا ارتبعوا وَإِن خَافُوا ارتدعوا
فليوقظ عزمه فِي تصفح الْمَظَالِم وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم ليَكُون آمرا بِالْعَدْلِ كَمَا كَانَ بِهِ مَأْمُورا وزاجرا عَن الظُّلم كَمَا كَانَ عَنهُ مزجورا فَإِن مُرَاعَاة الْمَظَالِم من قَوَاعِد السياسة ٦٤ ب فِي انتظام الْملك ومصالح الرعايا
حكى أَن بعض الْمُلُوك ذهب سَمعه فَبكى وَقَالَ
لم أبك من ذَهَابه إِلَّا لِأَنِّي كنت أسمع ظلامة المتظلم فأنصفه وَقد صرت لَا أسمعها وَأَنا أعتاض عَن ذَلِك ببصري وَقد حرمت لِبَاس الْحمرَة إِلَّا على متظلم لأعْلم بِحَالهِ إِذا رَأَيْت لِبَاسه فأنصفه
فَلَا خير فِي ملك لَا ينصف الرّعية وَلَا تنتصف بِهِ الرّعية
وَسن أردشير بن بابك فِي ملكه وَعمل بِهِ أَكثر وَلَده من بعده أَن يجلس فِي يَوْم النيروز جُلُوسًا عَاما للخاصة والعامة لِيَتَقَدَّم الْخَاصَّة للتهنئة ويعقبهم الْعَامَّة للمظالم فَإِذا وصلت إِلَيْهِ رقاعهم جمعهَا وميزها فَإِن كَانَ التظلم فِيهَا من غَيره نظر فِيهِ بِنَفسِهِ وأوصل المتظلم إِلَى حَقه وَإِن كَانَ التظلم مِنْهُ قَامَ مَعَ خَصمه وَجَثَا بَين يَدي الموبذ وَقَالَ
أَيهَا الموبذ مَا من ذَنْب أعظم عِنْد الله من ذَنْب الْمُلُوك وَإِنَّمَا خولكها الله تَعَالَى برعاياها لتدفع عَنْهَا الظُّلم وتذب عَن بَيْضَة الْملك جور
стр. 285
الجائرين وظلم الظَّالِمين فَإِذا كَانَت هِيَ الظالمة الجائرة فَحق لمن دونهَا أَن يجور وَيظْلم ومجلسي هَذَا مِنْك وَأَنا عبد ذليل يشبه مجلسك من الله تَعَالَى غَدا فَإِن آثرت الله تَعَالَى آثرك وَإِن آثرت الْملك عذبك
فَيَقُول لَهُ الموبذ إِن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ سَعَادَة عباده اخْتَار لَهُم خير أهل أرضه وأجرى على لِسَانه مَا أجْرى على لسَانك ثمَّ ينظر فِي أمره مَعَ خصومه بِالْحَقِّ وَالْعدْل
فَإِن صَحَّ على الْملك شَيْء أَخذه بِأَدَائِهِ وَإِلَّا وكل بِمن ادّعى عَلَيْهِ بَاطِلا ونادى عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من أَرَادَ شين ٦٥ آالملك والمملكة والقدح فيهمَا بِالْبَاطِلِ
ثمَّ يقوم أردشير فيحمد الله تَعَالَى وَيَضَع التَّاج على رَأسه وَيَقُول لأهل بَيته وخاصته
следующие страницы →