Полный текст (288 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
مُقَدّمَة
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْحق معزا لمن اعتقده وتوخاه ومعينا لمن اعْتَمدهُ وابتغاه وَجعل الْبَاطِل مذلا لمن آثره وارتضاه ومذيلا لمن أظهره واقتفاه حمدا يوازن جميل نعمه ويضاهي جزيل قسمه وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحَمَّد النَّبِي وَآله وَأَصْحَابه
أما بعد فَإِن الله جلّ اسْمه ببليغ حكمته وَعدل قَضَائِهِ جعل النَّاس أصنافا مُخْتَلفين وأطوارا متباينين ليكونوا بالاختلاف مؤتلفين وبالتباين متفقين فيتعاطفوا بالإيثار تَابعا ومتبوعا ويتساعدوا على التعاون آمرا ومأمورا كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وبالناس عَاشَ النَّاس قدما وَلم يزل ... من النَّاس مَرْغُوب إِلَيْهِ وراغب) // من الطَّوِيل //
стр. 2
فَوَجَبَ التَّفْوِيض إِلَى إمرة سُلْطَان مسترعى ينقاد النَّاس لطاعته ويتدبرون بسياسته ليَكُون بِالطَّاعَةِ قاهرا وبالسياسة مُدبرا
وَكَانَ أولى النَّاس بالعناية مَا سيست بِهِ الممالك ودبرت بِهِ الرعايا والمصالح لِأَنَّهُ زِمَام يَقُود إِلَى الْحق ويستقيم بِهِ أود الْخلق
وَقد أوجزت بِهَذَا الْكتاب من سياسة الْملك مَا أحكم المتقدمون قَوَاعِده فَإِن لكل مِلَّة سيرة وَلكُل زمَان سريرة فَلم يغن مَا سلف عَن مؤتلف من الشَّرِيعَة عهودها وَمن السياسة معهودها ليَكُون للدّين مُوَافقا وللدنيا مطابقا
وَجعلت مَا تضمنه بَابَيْنِ
فالباب الأول فِي أَخْلَاق الْملك
وَالْبَاب الثَّانِي فِي سياسة الْملك
ليَكُون مُشْتَمِلًا على مُعْتَقد ومفعول ومصلحا لعامل ومعمول وترجمته بتسهيل النّظر وتعجيل الظفر إِذْ كَانَ مَا تضمنه دَاعيا إِلَيْهِ وباعثا ٢ آعليه
وَأَنا أسأَل الله الْكَرِيم حسن المعونة والتوفيق وأرغب إِلَيْهِ فِي إمدادي بِالرشد والتسديد وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
стр. 3
الْبَاب الأول فِي أَخْلَاق الْملك
تمهيد
الْأَخْلَاق غرائز كامنة تظهر بِالِاخْتِيَارِ وتقهر بالاضطرار
وللنفس أَخْلَاق تحدث عَنْهَا بالطبع وَلها أَفعَال تصدر عَنْهَا بالإرادة فهما ضَرْبَان لَا تنفك النَّفس مِنْهُمَا
أَخْلَاق الذَّات
وأفعال الْإِرَادَة
стр. 4
الْفَصْل الأول أَخْلَاق الذَّات
فَأَما أَخْلَاق الذَّات فَهِيَ من نفائج الْفطْرَة وَسميت أَخْلَاقًا لِأَنَّهَا تصير كالخلقة
وَالْإِنْسَان مطبوع على أَخْلَاق قل مَا حمد جَمِيعهَا أَو ذمّ سائرها وَإِنَّمَا الْغَالِب أَن بَعْضهَا مَحْمُود وَبَعضهَا مَذْمُوم لاخْتِلَاف مَا امتزج من غرائزه ومضادة مَا تنافر من نحائزه فَتعذر لهَذَا التَّعْلِيل أَن يستكمل فَضَائِل الْأَخْلَاق طبعا وغريزة وَلزِمَ لأَجله أَن تتخللها رذائل الْأَخْلَاق طبعا وغريزة فَصَارَت الْأَخْلَاق غير منفكة فِي جبلة الطَّبْع وغريزة الْفطْرَة من فَضَائِل محمودة ورذائل مذمومة كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا هَذِه الْأَخْلَاق إِلَّا طبائع ... فمنهن مَحْمُود وَمِنْهَا مذمم) // من الطَّوِيل //
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
стр. 5
لكل خلق من الْفضل رَقِيب من الدناءة لَا يمْتَنع مِنْهُ إِلَّا مُؤثر للفضل على مَا سواهُ
من هُوَ الْفَاضِل
وَإِذا اسْتَقَرَّتْ هَذِه الْأَخْلَاق على هَذِه الْقَاعِدَة فالفاضل من غلبت فضائله رذائله فَقدر بوفور الْفَضَائِل على قهر الرذائل فَسلم من شين النَّقْص وَسعد بفضيلة التَّخْصِيص وَلذَلِك قَالَ عَليّ ﵇ أول مَا تبتدئون بِهِ من جهادكم جِهَاد أَنفسكُم
وَهَذَا وَاضح لِأَن صَلَاح النَّفس يصلح مَا عَداهَا فَكَانَت أَحَق بالتقديم ٢ ب وَأولى بالتقويم
إِلَى أَي شَيْء تعود الْأَخْلَاق
وَاخْتلف فِي الْأَخْلَاق هَل هِيَ عَائِدَة إِلَى الْفَضَائِل والرذائل أَو إِلَى النَّفس الَّتِي تصدر عَنْهَا الْفَضَائِل والرذائل لظُهُور الْأَخْلَاق بهما
وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا عَائِدَة إِلَى الذَّات الَّتِي حُدُوث النَّفس عَنْهَا
стр. 6
لأي شَيْء ترَاد فَضَائِل الذَّات
وَاخْتلفُوا فِي فَضَائِل الذَّات هَل ترَاد لذواتها أَو للسعادة الْحَادِثَة عَنْهَا
فَذهب بعض الْحُكَمَاء إِلَى أَن المُرَاد بالفضائل ذواتها لِأَنَّهَا المكسبة للسعادة
وَذهب بَعضهم إِلَى أَن المُرَاد بهَا السَّعَادَة الْحَادِثَة عَنْهَا لِأَنَّهَا الْغَايَة الْمَقْصُودَة بهَا
إِلَى أَي شَيْء تتَوَجَّه السَّعَادَة
وَاخْتلفُوا فِي السَّعَادَة هَل تتَوَجَّه إِلَى الْفَضَائِل المحمودة أَو إِلَى مَا يحدث عَن الْفَضَائِل من الْحَمد
فَذهب بعض الْحُكَمَاء إِلَى توجه السَّعَادَة إِلَى الْفَضَائِل المحمودة لِأَنَّهَا نتيجة أَفعاله
وَذهب بَعضهم إِلَى توجه السَّعَادَة إِلَى مَا يحدث عَن الْفَضَائِل من الْحَمد لِأَنَّهَا ثَمَرَة فضائله
وجوب اهتمام ذِي الإمرة بمراعاة أخلاقه
فَحق على ذِي الأمرة وَالسُّلْطَان أَن يهتم بمراعاة أخلاقه وَإِصْلَاح شيمه لِأَنَّهَا آلَة سُلْطَانه وأس إمرته وَلَيْسَ يُمكن صَلَاح جَمِيعهَا بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الطبيعة والتفويض إِلَى النحيزة إِلَّا أَن يرتاض لَهَا بالتقويم والتهذيب رياضة تَهْذِيب وتدريج وتأديب فيستقيم لَهُ الْجَمِيع بَعْضهَا خلق مطبوع وَبَعضهَا خلق مَصْنُوع لِأَن الْخلق طبع وغريزة والتخلق تطبع وتكلف كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(يَا أَيهَا المتحلي غير شيمته ... وَمن سجيته الْإِكْثَار والملق)
стр. 7
(عَلَيْك بِالْقَصْدِ فِيمَا أَنْت فَاعله ... إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
قَالَ بعض الْحُكَمَاء لَيْسَ شَيْء عولج إِلَّا نفع وَإِن كَانَ ضارا وَلَا شَيْء أهمل إِلَّا ضرّ وَإِن كَانَ نَافِعًا
أَنْوَاع الْأَخْلَاق
فَتَصِير الْأَخْلَاق نَوْعَيْنِ
стр. 8
غريزية طبع عَلَيْهَا
ومكتسبة تطبع لَهَا
والملوك ٣ آبالفضائل الغريزية أخص بهَا من الْعَامَّة لِأَنَّهَا فيهم أوفر وَعَلَيْهِم أظهر لما خصوا بِهِ من كرم المنشأ وعلو الهمة
والعامة بالفضائل المكتسبة أخص من الْمُلُوك لأَنهم إِلَى التماسها أسْرع ولكلالها أطوع لِكَثْرَة فراغهم لَهَا وتوفرهم عَلَيْهَا إِمَّا لرغبة فِي جدواها وَإِمَّا لرغبة فِي عدواها
وَهَذَانِ المعنيان فِي الْمُلُوك معدومان إِلَّا من شرفت نَفسه فَمَال إِلَيْهَا لعلو همته وتوفر عَلَيْهَا لكرم طبعه لِأَنَّهُ لَا يعرى من فضل مكتسب وَلَا يَخْلُو من فعل مستصوب ليتفرد بفضائل النَّفس كَمَا تفرد بعز السُّلْطَان وَالْأَمر فَيصير بتدبير سُلْطَانه أخبر وعَلى سياسة رَعيته أقدر وَالْحَمْد يسْتَحق على الْفَضَائِل المكتسبة لِأَنَّهَا مستفادة بِفِعْلِهِ وَلَا يسْتَحق على الْفَضَائِل المطبوعة فِيهِ وَإِن حمدت لجودها بِغَيْر فعله
تفاضل الْأَخْلَاق
وَاخْتلف فِي أفضلهما ذاتا
ففضل بعض الْحُكَمَاء أَخْلَاق الطَّبْع الغريزي على أَخْلَاق التطبع المكتسب لقُوَّة الغريزي وَضعف المكتسب
стр. 9
وَفضل آخَرُونَ أَخْلَاق التطبع المكتسب على أَخْلَاق الطَّبْع الغريزي لِأَنَّهَا قاهرة لأضدادها بالانتقال إِلَى مَا ضادها
وَقَالَ آخَرُونَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مُحْتَاج إِلَى الآخر لِأَن الْأَخْلَاق لَا تنفك مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة الرّوح والجسد
وكما لَا يظْهر أَعمال الرّوح إِلَّا الْجَسَد وَلَا ينْهض الْجَسَد إِلَّا بحركة الرّوح كَذَلِك الغريزة والاكتساب متقابلان فِي الْفِعْل ومتشاركان فِي الْفضل فتساويا فِي الطَّبْع والغريزة كَمَا قَالَ البحتري
(وَلست أَعْتَد للفتى حسبا ... حَتَّى يرى فِي فعاله حَسبه) // من المنسرح //
وَفرق بعض أهل اللُّغَة بَينهمَا فِي الِاسْم فَقَالَ
الطَّبْع هُوَ الْخَتْم والتطبع هُوَ الْخلق
٣ - ب
стр. 10
الْفَصْل الثَّانِي أَوَائِل الْفَضَائِل وأواخرها
مبادئ الْفَضَائِل
وللفضائل مبادئ هِيَ أَوَائِل وأواخر
وَأول الْفَضَائِل الْعقل
وَآخِرهَا الْعدْل
لِأَن الْعقل أصل الْفَضَائِل بحدوثها عَنهُ وتدبيرها بِهِ فَلذَلِك كَانَ أَولهَا
وَالْعدْل نتيجة الْفَضَائِل لِأَنَّهَا مقدرَة بِهِ فَلذَلِك صَار آخرهَا
وهما قرينان مؤتلفان وَمَا ائتلف أَمْرَانِ إِلَّا كَانَ أَحدهمَا مُحْتَاجا إِلَى الآخر اضطرارا وَمَا سواهُمَا من الْفَضَائِل وَاسِطَة بَين الْعقل وَالْعدْل يخْتَص الْعقل بتدبيرها وَالْعدْل بتقديرها فَيكون الْعقل مُدبرا وَالْعدْل مُقَدرا وَلَيْسَ تنفك الْفَضَائِل بِوَاحِد مِنْهُمَا وَإِنَّمَا تنفك بِالنَّفسِ المطيقة لَهما فَإِن كَانَت النَّفس زكية صَافِيَة تهيأت للفضائل فَعمِلت بهَا
وَإِن كَانَت خبيثة تهيأت
стр. 11
للرذائل فعدلت إِلَيْهَا وَصَارَ مَا وافقها مِنْهُمَا سهلا عَلَيْهَا فِي سرعَة انفعاله بِحكم الْمُنَاسبَة وَمَا خالفها صعبا عَلَيْهَا فِي تَأَخّر انفعاله بِحكم المنافرة
لِأَن مُوَافقَة الأشكال مركوزة فِي الطباع كَمَا قيل
الْمَوَدَّة مشاكلة طبيعية فِي أَنْوَاع شخصية يماثل بَعْضهَا بَعْضًا من حَيْثُ يعلم وَمن حَيْثُ لَا يعلم
قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين
إِن قَوَاعِد الْأَخْلَاق الفاضلة أَربع يتَفَرَّع عَنْهَا مَا عَداهَا من الْفَضَائِل وَهِي التَّمْيِيز والنجدة والعفة وَالْعدْل وَيتَفَرَّع عَن أضدادها الْكثير من الرذائل
أَوَائِل الرذائل وأواخرها
وللرذائل مبادئ هِيَ أَوَائِل وغايات هِيَ أَوَاخِر
стр. 12
فَأول الرذائل الْحمق
وَآخِرهَا الْجَهْل
وَفِي الْفرق بَينهمَا وَجْهَان
أَحدهمَا أَن الأحمق هُوَ الَّذِي يتَصَوَّر الْمُمْتَنع بِصُورَة الْمُمكن وَالْجَاهِل هُوَ الَّذِي لَا يعرف الْمُمْتَنع من الْمُمكن
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الأحمق هُوَ الَّذِي يعرف الصَّوَاب وَلَا يعْمل بِهِ وَالْجَاهِل هُوَ الَّذِي ٤ آلا يعرف الصَّوَاب وَلَو عرفه لعمل بِهِ
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(الأحمق أبْغض خلق الله إِلَيْهِ إِذْ حرمه أعز الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وَهُوَ الْعقل)
وَالْعرب تَقول الأحمق مَأْخُوذ من حمقة السُّوق إِذا نقصت وَكَأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى ذهَاب عقله
وللجاهل حالتان
стр. 13
الْحَال الأولى أَن يجهل وَيعلم أَنه يجهل
وَهَذَا يجوز أَن يسترشد فَيعلم مَا جهل إِن أمد بحمية باعثة وأعين بِنَفس قَابِلَة كَمَا قيل
لَوْلَا الْخَطَأ مَا أشرق نور الصَّوَاب
قَالَ الشَّاعِر
(إِذا صَحَّ حس الْمَرْء صَحَّ قِيَاسه ... وَلَيْسَ يَصح الْعقل من فَاسد الْحس) // من الطَّوِيل //
وَالْحَال الثَّانِيَة أَن يجهل ويجهل أَنه يجهل
فَهُوَ أسوأهما حَالا وأقبحهما خِصَالًا لِأَنَّهُ إِذا جهل جَهله صَار جهلين متشاكلين فِي الصُّور مُخْتَلفين فِي الْأَثر
أَحدهمَا سالب لهدايته
وَالْآخر جالب لغوايته
فطاح بِالْأولِ فِي سكراته
ومرح بِالْآخرِ فِي هفواته
فَلم يخْتَر لَهُ فاقه
وَلم ترج لَهُ إفاقة
وَقد قَالَ جالينوس
الْجَهْل بِالْجَهْلِ جهل مركب
стр. 14
لِأَن أَجْهَل وَأعلم أنني أَجْهَل أحب إِلَيّ من أَن أَجْهَل وأجهل أنني أَجْهَل
قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
النائحة على الْمَيِّت سَبْعَة أَيَّام وعَلى الْجَاهِل كل أَيَّام حَيَاته وَالْمَوْت خير من الْحَيَاة الردية
وَقيل فِي منثور الحكم
الْجَاهِل وَإِن توفرت عَلَيْهِ الْأَيَّام فَكَأَنَّهُ ابْن يَوْمه وتلاد سَاعَته
وَقَالَ بعض الْعَرَب
لَو صور الْعقل لاظلمت مَعَه الشَّمْس وَلَو صور الْجَهْل لأضاء مَعَه اللَّيْل
قَالَ الشَّاعِر
(لِلْعَقْلِ مَا خلق الْإِنْسَان فالتمسن ... بِالْعقلِ حظك لَا بِالْجَهْلِ والرتب)
стр. 15
(٤ ب لَا يلبث الْجَهْل أَن يجني لصَاحبه ... ذما وَيذْهب عَنهُ بهجة الْحسب) // من الْبَسِيط //
مَا هِيَ الْفَضَائِل
والفضائل توَسط مَحْمُود بَين رذيلتين مذمومتين من نُقْصَان يكون تقصيرا أَو زِيَادَة تكون سَرفًا فَيكون فَسَاد كل فَضِيلَة من طرفيها
فالعقل وَاسِطَة بَين الدهاء والغباء
وَالْحكمَة وَاسِطَة بَين الشَّرّ والجهالة
والسخاء وَاسِطَة بَين التقتير والتبذير
والشجاعة وَاسِطَة بَين الْجُبْن والتهور
стр. 16
وَالْحيَاء وَاسِطَة بَين القحة والحصر
وَالْوَقار وَاسِطَة بَين الهزء والسخافة
والسكينة وَاسِطَة بَين السخط وَضعف الْغَضَب
والحلم وَاسِطَة بَين إفراط الْغَضَب ومهانة النَّفس
والعفة وَاسِطَة بَين الشره وَضعف الشَّهْوَة
والغيرة وَاسِطَة بَين الْحَسَد وَسُوء الْعَادة
والظرف وَاسِطَة بَين الخلاعة والفدامة
والمودة وَاسِطَة بَين الخلابة وَحسن الْخلق
والتواضع وَاسِطَة بَين الْكبر ودناءة النَّفس
تركيب الْفَضَائِل مَعَ غَيرهَا
وَقد يحدث من تركيب فَضَائِل مَعَ غَيرهَا من الْفَضَائِل فَضَائِل أخر
فَيحدث من تركيب الْعقل مَعَ الشجَاعَة الصَّبْر فِي الملمات وَالْوَفَاء بالإيعاد
стр. 17
وَعَن تركيب الْعقل مَعَ السخاء إنجاز المواعيد والإسعاد بالجاه
وَعَن تركيب الْعقل مَعَ الْعِفَّة النزاهة وَالرَّغْبَة عَن الْمَسْأَلَة
وَعَن تركيب الشجَاعَة مَعَ السخاء الإملاق والأخلاق
وَعَن تركيب الشجَاعَة مَعَ الْقُوَّة إِنْكَار الْفَوَاحِش والغيرة على الْحرم
وَعَن تركيب السخاء مَعَ الْعِفَّة الْإِسْعَاف بالقوت والإيثار على النَّفس
نتائج كثير من الْأَخْلَاق تؤول إِلَى رذائل
ولكثير من الْأَخْلَاق نتائج تؤول إِلَى رذائل
حُكيَ عَن عَليّ ﵇ أَنه قَالَ
أعجب مَا فِي الْإِنْسَان نَفسه وَمَا فِيهَا من التضاد مَا أذكرهُ
إِن سنح لَهَا الرَّجَاء أذلها الطمع
وَإِن أهاجها الطمع أهلكها الْحِرْص
وَإِن ملكهَا الْيَأْس قَتلهَا الأسف
وَإِن عرض لَهَا الْغَضَب اشْتَدَّ بهَا الغيظ
стр. 18
وَإِن أسعدها الرِّضَا أنسيت التحفظ
وَإِن نالها خوف شغلها الحذر
وَإِن اتَّسع لَهَا الْأَمْن استلبتها الْعِزَّة
وَإِن جددت لَهَا نعْمَة أحدثت لَهَا مرحا
وَإِن أصابتها مُصِيبَة فضحها الْجزع
وَإِن نَالَتْ مَالا أطغاها الغي
وَإِن أفرط عَلَيْهَا الشِّبَع كظتها البطنة
فَكل تَقْصِير بهَا مُضر
وكل إفراط لَهَا مفْسدَة وَقَالَ غَيره
стр. 19
الإفراط فِي التَّوَاضُع مذلة
والإفراط فِي التكبر يستحر البغضة
والإفراط فِي الحذر يَدْعُو إِلَى إِيهَام الْخلق
والإفراط فِي الْأنس يكْسب قرناء السوء
والإفراط فِي الإنقاص يوحش ذَوي النَّصِيحَة
قَالَ ابْن المعتز
لَو ميزت الْأَشْيَاء لَكَانَ الْكَذِب مَعَ الْجُبْن والصدق مَعَ الشجَاعَة والراحة مَعَ الْيَأْس والذل مَعَ الطمع والحرمان مَعَ الْحِرْص
أَقسَام الْخلق الذاتي
وَقد يَنْقَسِم قسمَيْنِ
أَحدهمَا مَا أوجب ثَنَاء المخلوقين. .
стр. 20
وَهُوَ مَا عدا نَفعه عَلَيْهِم
وَالثَّانِي مَا اقْتضى ثَنَاء الْخَالِق
وَهُوَ مَا قصد بِهِ وَجه الله تَعَالَى
روى جَعْفَر بن مُحَمَّد قَالَ
ناجى الله بعض أنبيائه فَقَالَ يَا رب أَي خلقك أحب إِلَيْك
قَالَ أَكْثَرهم لي ذكرا
قَالَ يَا رب فَأَي خلقك أَصْبِر
قَالَ أكظمهم للغيظ
قَالَ يَا رب فَأَي خلقك أعدل
قَالَ من أدان نَفسه
قَالَ يَا رب فَأَي خلقك أغْنى
قَالَ أقنعهم برزقه
قَالَ يَا رب فَأَي خلقك أسعد
قَالَ من آثر أَمْرِي على هَوَاهُ
قَالَ يَا رب فَأَي خلقك أَشْقَى
قَالَ من لم تَنْفَعهُ الموعظة ٥ ب
فَهَذَا مَا تعلق بأخلاق الذَّات
стр. 21
الْفَصْل الثَّالِث أَفعَال الْإِرَادَة
أَسبَابهَا
وَأما أَفعَال الْإِرَادَة فتصدر عَن أَسبَاب باعثة عَلَيْهَا دَاعِيَة إِلَيْهَا وَهِي
الْعقل
والرأي
والهوى
فَأَما الارادة فَلَيْسَتْ حَادِثَة إِلَّا عَن أَحدهَا
وَأما الْعقل والرأي فمؤتلفان وهما عِلّة الْفَضَائِل
الْفرق بَين الْعقل والرأي
وَفِي الْفرق بَينهمَا وَجْهَان
أَحدهمَا أَن الْعقل مَا تَيَقّن بِهِ الصَّوَاب من الْخَطَأ والرأي غَلَبَة الظَّن فِي تَرْجِيح الصَّوَاب على الْخَطَأ
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْعقل هُوَ الْمُوجب لأمر لَا يجوز خِلَافه والرأي هُوَ سُكُون النَّفس إِلَى تَرْجِيح أَمر يجوز خِلَافه
ثمَّ يتفقان فِي النَّعْت وَالصّفة ويختلفان فِي الْعلَّة والنتيجة
فالعقل لَازم لمحله ومستقل بِحكمِهِ والرأي معترض يستمد الْعقل ويستضيء بنوره وَلذَلِك قيل
стр. 22
ظن الْعَاقِل أصدق من يَقِين الْجَاهِل
وَقَالَ عُلَمَاء الْعَرَب
سمي الْعقل عقلا لِأَنَّهُ يعقل صَاحبه عَن القبائح
وَكَانَ الْمَأْمُون ينشد كثيرا قَول الشَّاعِر
(يعد عَظِيم النَّاس من كَانَ عَاقِلا ... وَإِن لم يكن فِي قومه بحسيب)
(وَإِن حل أَرضًا عَاشَ فِيهَا بعقله ... وَمَا عَاقل فِي بَلْدَة بغريب) // من الطَّوِيل //
стр. 23
وَلَئِن كَانَ الْعقل مُسْتقِلّا ببصيرته فقد يزْدَاد بالتجارب تيقظا وبممارسة الْأُمُور تحفظا فَلَا يلتبس عَلَيْهِ حزم وَلَا ينتقص عَلَيْهِ عزم
وَقيل
كل شَيْء يحْتَاج إِلَى الْعقل وَالْعقل يحْتَاج إِلَى التجارب
وَقد قيل
اسْتُرْ عَورَة الحداثة بدراية كتب الْمُتَقَدِّمين
واستعن على إِدْرَاك الْأَحْوَط بِحِفْظ آثَار الماضين
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من لم تلقح رَأْيه التجارب عقمت همته
فنظمه بعض الشُّعَرَاء
стр. 24
(من لم تلقحه نَوَائِب دهره ... وحوادث الْأَيَّام فَهُوَ عقيم) // من الْكَامِل //
الْهوى
٦ - آوليجهدن أَن لَا يَجْعَل لنَفسِهِ فِي الْهوى نَصِيبا
وَقد قيل
من أذلّ هَوَاهُ عز
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء
(لنعم أَخُو التَّقْوَى فَتى طَاهِر الحجى ... خميص من الْفَحْشَاء عف المسالك)
(فَتى ملك اللَّذَّات أَن يعتبدنه ... وَمَا كل ذِي لب لَهُنَّ بِمَالك) // من الطَّوِيل //
وَقَالَ آخر
стр. 25
(وألتذ مَا أهواه وَالْمَوْت دونه ... كشارب سم فِي إِنَاء مفضض)
(فتوشك أمراضي تؤوب بمرضة ... تفرق مَا بيني وَبَين ممرضي) // من الطَّوِيل //
стр. 26
الْفَصْل الرَّابِع الْكَرم و المروءة
بَين الْكَرم والمروءة
فَأَما الْكَرم والمروءة فهما قرينان فِي الْفضل ومتشاكلان فِي الْعقل
وَالْفرق بَينهمَا مَعَ التشاكل من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الْكَرم مُرَاعَاة الْأَحْوَال أَن يكون على أنفعها وأفضلها
والمروءة مُرَاعَاة الْأَحْوَال أَن يكون على أحْسنهَا واجملها
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْكَرم مَا تعدى نَفعه إِلَى غير فَاعله والمروءة قد تقف على فاعلها وَلَا تتعدى إِلَى غَيره
فَإِن استعملها فِي غَيره مَا زجت الْكَرم وَلم ينْفَرد بالمروءة وَصَارَ بالاجتماع أفضل وَإِن افْتَرقَا كَانَ الْكَرم أفضل لتعدي نَفعه وتعدي النَّفْع أفضل
وَلَيْسَ وَاحِد من الْكَرم والمروءة خلقا مُفردا وَلكنه يشْتَمل على أَخْلَاق يصير مجموعها كرما ومروءة
الْمُرُوءَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(من عَامل النَّاس فَلم يظلمهم وَحَدَّثَهُمْ فَلم يكذبهم وَوَعدهمْ فَلم يخلفهم فَهُوَ مِمَّن كملت مروءته وَظَهَرت عَدَالَته وَوَجَبَت أخوته)
قَالَ بعض البلغاء ٦ ب
стр. 27
من شَرَائِط الْمُرُوءَة أَن تعف عَن الْحَرَام وتتصلف عَن الآثام وتنصف فِي الحكم وتكف عَن الظُّلم وَلَا تطمع فِي مَا لَا تسْتَحقّ وَلَا تستطيل على من لَا تسْتَرق وَلَا تعين قَوِيا على ضَعِيف وَلَا تُؤثر دنيا على شرِيف وَلَا تسر مَا يعقب الْوزر وَالْإِثْم وَلَا تفعل مَا يقبح الذّكر وَالِاسْم
قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك لأبي حَازِم
أَي عباد الله أكْرم
قَالَ أولو الْمُرُوءَة وَالنَّهْي الَّذين نهوا النَّفس عَن الْهوى وَلم يَقُولُوا لَعَلَّ وَعَسَى
قَالَ أنوشروان لِابْنِهِ
стр. 28
من الْكَامِل الْمُرُوءَة
قَالَ من حصن دينه وَوصل رَحمَه وَأكْرم إخوانه
وَفِي اشتقاق اسْم الْمُرُوءَة من كَلَام الْعَرَب مَا يدل على فضيلتها عِنْدهم وَعظم خطرها فِي نُفُوسهم فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا مُشْتَقَّة من الْمُرُوءَة وَالْإِنْسَان فَكَأَنَّهَا مَأْخُوذَة من الإنسانية
وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهَا مُشْتَقَّة من المريء وَهُوَ مَا استمرأه الْإِنْسَان من الطَّعَام لما فِيهِ من صَلَاح الْجَسَد فَأخذت مِنْهُ الْمُرُوءَة لما فِيهَا من صَلَاح النَّفس
انقسام الْفَضَائِل مَعَ الْكَرم والمروءة
فَكل كرم ومروءة فَضِيلَة وَلَيْسَ كل فَضِيلَة كرما ومروءة بل تَنْقَسِم الْفَضَائِل مَعَ الْكَرم والمروءة إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام
стр. 29
الْقسم الأول مَا يدْخل من الْفَضَائِل فِي الْكَرم والمروءة كالعفو والعفة وَالْأَمَانَة
وَالْقسم الثَّانِي مَا يدْخل فِي الْكَرم وَلَا يدْخل فِي الْمُرُوءَة كالحمد وَالرَّحْمَة وَالْحمية والبذل والمساعدة
وَالْقسم الثَّالِث مَا يدْخل فِي الْمُرُوءَة وَلَا يدْخل فِي الْكَرم كعلو الهمة وَحسن المعاشرة ومراعاة الْمنَازل والملابس ٧ آ
وَالْقسم الرَّابِع مَا لَا يدْخل فِي الْكَرم وَلَا الْمُرُوءَة كالشجاعة وَالصَّبْر على الشدَّة
فَاجْتمع الْكَرم والمروءة فِي بعض الْفَضَائِل وافترقا فِي بَعْضهَا فَصَارَ الْكَرم أَعم من الْمُرُوءَة فِي بعض الْفَضَائِل والمروءة أَعم من الْكَرم فِي بعض الْفَضَائِل فَلم يتَعَيَّن عُمُوم أَحدهمَا وخصوص الآخر وَإِن تناسب مَا ميز بِهِ احدهما
стр. 30
الْفَصْل الْخَامِس السجايا والأخلاق
هَذَا مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَوَاعِد الْأَخْلَاق
الْفرق بَين السجايا والأخلاق
أما السجايا فقد اخْتلف فِي الْفرق بَينهَا وَبَين الْأَخْلَاق على وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن السجايا مَا لم يظْهر الطبائع والأخلاق مَا أظهرتها فَكَانَت قبل ظُهُورهَا سجايا وَصَارَت بعد ظُهُورهَا أَخْلَاقًا
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن السجايا مَا لم يتَغَيَّر لطبع وَلَا تطبع والأخلاق مَا يجوز أَن يتَغَيَّر بطبع وتطبع
وَزعم بعض عُلَمَاء الطِّبّ أَن السجايا والأخلاق تَابِعَة لمزاج الْبدن فِي أَحْوَال الطباعة بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها
فزعموا أَن الْغَضَب يسْرع بِكَثْرَة الْمرة الصَّفْرَاء ويضعف بقلتها وتكثر الْحَرَارَة والقحة والشجاعة مَعَ وفور الدَّم وتقل لقلته وَيكثر الْخبث والدهاء وَالْمَكْر لغَلَبَة الْمرة ويقل إِن قلت وَيكثر الْحلم والاناة لغَلَبَة البلغم ويقل إِن قل
فاذا اعتدلت فِيهِ هَذِه الأمزجة اعتدلت أخلاقه فَكَانَت فَضَائِل وَإِن تجاوزت الِاعْتِدَال إِلَى زِيَادَة أَو نُقْصَان خرجت عَن الْفَضَائِل إِلَى الرذائل فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان
وَالَّذِي عَلَيْهِ المتدينون أَن الله تَعَالَى ركبهَا فِي النُّفُوس وطبعها فِي الْفطر ٧ ب بِحَسب إِرَادَته على مَا قدره من أَحْوَال عباده وَجعل اخْتِلَاف الْأَخْلَاق كاختلاف الْخلق والصور الَّتِي لَهَا عِلّة غير إرادية
стр. 31
وَأما الشيم فكالسجايا فِي قَول الْأَكْثَرين وكالأخلاق فِي قَول الأقلين
وَالْفرق بَين الغرائز والنحائز أَن الغرائز مَا امتزج بالطبع والنحائز مَا ظهر بِالْقُوَّةِ
أَحْوَال الْإِنْسَان فِي أخلاقه
فَإِذا وضح مَا ذَكرْنَاهُ من أَحْوَال الْأَخْلَاق من صَلَاح وَفَسَاد وَحمد وذم فَلَيْسَ يَخْلُو الْإِنْسَان من إِحْدَى سِتّ أَحْوَال
إِحْدَاهُنَّ أَن تكون أخلاقه كلهَا صَالِحَة فِي الْأَحْوَال كلهَا فَهِيَ النَّفس الزاكية وصلاحها هُوَ الْخَيْر التَّام وصاحبها هُوَ السَّيِّد بِالِاسْتِحْقَاقِ فيحفظ صَلَاح أخلاقه كَمَا يحفظ صَلَاح جسده وَلَا يغْفل عَن مراعاتها ثِقَة بصلاحها فَإِن الْهوى مراصد والمهمل معرض للْفَسَاد
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
النَّفس عروف عزوف ونفور أُلُوف مَتى ردعتها ارتدعت وَمَتى حملتها حملت وَإِن أهملتها فَسدتْ
قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة الريحاني
إِن من شَأْن النَّفس أَنَّهَا كلما أَعْطَيْت رخصَة فِي الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان ازدادت أَكثر مِمَّا أَعْطَيْت وردهَا قبل الْعَادة أَهْون من ردهَا بعد الْحَاجة
стр. 32
وَلذَلِك قَالَت الْعَرَب فِي أَمْثَالهَا
لَو نهيت الأولى لانتهت الْأُخْرَى
قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لمَوْلَاهُ مُزَاحم
إِن الْوُلَاة جعلُوا الْعُيُون على الْعَوام وَأَنا أجعلك عينا على نَفسِي فَإِن سَمِعت كلمة وبخني عَلَيْهَا وفعالا لَا تحبه مني فعظني عِنْده
والاستظهار بِمثل ٨ آهذه الأحتياط
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
إِن للنَّاس أفهاما يحفظون عَلَيْك أفهامك فَرُبمَا ذكروك مَا قد أنسيت وأتاك عَنْهُم مَا قد سقط عَن علمك فعلى حسب ذَلِك فَلْيَكُن حذرك من ذمهم وقهرك لَهُم بصيانة نَفسك عِنْدهم
وَالْحَال الثَّانِيَة
أَن تكون أخلاقه كلهَا فَاسِدَة فِي الْأَحْوَال كلهَا فَهِيَ النَّفس الخبيثة وفسادها هُوَ الشَّرّ التَّام وصاحبها هُوَ الشقي بِالِاسْتِحْقَاقِ فيعالج فَسَاد نَفسه كعلاج مرض جسده وَهُوَ أصعب أحوالها علاجا وأبطؤها صلاحا لِأَنَّهَا تنْتَقل إِلَى ضد بِغَيْر ضد وَترد عَن طبع بِغَيْر طبع
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
لَا مرض أوجع من قلَّة الْعقل
стр. 33
وَلِأَن يداوي الْمَرْء عقله من الْجَهْل أَحْرَى بِهِ أَن يداوي بدنه من الْمَرَض فتلين بشماسها وتتدرج فِي مراسها لينقلها بالتدريج عَن أَحْوَال مُتَقَارِبَة إِلَى غَايَة متناهية
فَرَائض الْفِيل الوحشي يَقُودهُ بالتدريج إِلَى ضد طباعه قَالَ الشَّاعِر
(وَالنَّفس راغبة إِذا رغبتها ... وَإِذا ترد إِلَى قَلِيل تقنع) // من الْكَامِل // فَيحكم الْعقل عَلَيْهَا فَكفى بِهِ مُدبرا ناصحا وسفيرا مصلحا كَمَا قيل
الْقُلُوب خواطر بالهوى
والعقول تزجر وتنهى
стр. 34
وَفِي التجارب علم مُسْتَفَاد وَالِاعْتِبَار يفيدك الرشاد وَكَفاك أدبا مَا تكره من غَيْرك فعظ نَفسك بالعبرة
وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء مَتى بدأت بِطَلَب الشّرف وَالْفضل فَقَالَ مُنْذُ الْوَقْت الَّذِي بدأت فِيهِ بمعاتبة نَفسِي على مَا أَنا فِيهِ من القبائح
وَالْحَال الثَّالِثَة
أَن تكون أخلاقه صَالِحَة فِي كل الْأَحْوَال فتنقلب كلهَا إِلَى الْفساد ٨ ب فِي كل الْأَحْوَال فَهُوَ المستعاذ بِهِ من الْحور بعد الكور
وَلَيْسَ تكون إِلَّا عَن أَسبَاب ناقلة لَا تنفك فِيهَا من أحد ثَلَاثَة أُمُور إِمَّا من سوء منشأ
стр. 35
وَإِمَّا من غَلَبَة شَهْوَة
وَإِمَّا من إهمال وَقلة تحفظ
فيعالجه بالضد من سَببه فان فِي صَلَاح الطَّبْع عونا على فَسَاد الِاكْتِسَاب وَلنْ يستصعب انقياد طبع طَرَأَ عَلَيْهِ عَارض
قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا النَّفس إِلَّا حَيْثُ يَجْعَلهَا الْفَتى ... فَإِن أَعْطَيْت تاقت وَإِلَّا تسلت) // من الطَّوِيل //
وَلَئِن تغير الطَّبْع بالإهمال فَهُوَ إِلَى أَصله أبرع وَإِذا أنقصته الحمية كَانَ إِلَى الاسْتقَامَة أسْرع
قَالَ بزرجمهر
من طباع النَّفس اسْتِدَامَة المعاذير لصَاحِبهَا فِيمَا مضى والوجالة فِيمَا بقى
стр. 36
فَليعلم الْعَاقِل أَنَّهَا إِن سهلت لَهُ الْعذر فِي قَبِيح أَتَاهُ أَنه قد اكْتسب فِي قبُوله فِيهَا مثله
قَالَ الشَّاعِر
(وَإِن امْرَءًا لَا يَنْتَهِي عَن غواية ... إِذا مَا اشتهتها نَفسه لجهول) // من الطَّوِيل //
وَالْحَال الرَّابِعَة
أَن تكون كل أخلاقه فَاسِدَة فِي كل الْأَحْوَال فتنقلب إِلَى الصّلاح فِي كل الْأَحْوَال فَمَا ذَاك إِلَّا لداع غلب على الطَّبْع فاجتذبه وَقَوي عَلَيْهِ حَتَّى قلبه فيراعي حفظ أَسبَابه وتقوية مواده وَلَا يغفله فيجذبه الطَّبْع كَمَا اجتذبه فَإِن نوازع الطباع أجذب وَهِي إِلَى مَا ناسبها أقرب وَقَلِيل لفساد صلح أَن يكون مَحْفُوظ الصّلاح
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
كل متأدب من غَيره مَتى لم يدم عَلَيْهِ الْأَدَب اخْتَلَّ مَا يَسْتَفِيد مِنْهُ وَرجع ٩ آإلى طبعه
وملاك صَلَاحهَا أَن تكاثر من وَافقه فِي الصّلاح وتجانب من خَالفه فِيهِ فَإِن للصحبة تَأْثِيرا فِي اكْتِسَاب الْأَخْلَاق واجتذاب الْوِفَاق لقُصُور الطّرف عَلَيْهَا وَسُكُون النَّفس إِلَيْهَا وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(الْمَرْء على دين خَلِيله فَلْينْظر أحدكُم من يخالل)
стр. 37
وَقَالَ عبد الله بن طَاهِر
إِن لكل شَيْء حَيَاة وموتا فمما يحيي اللب محادثة الألباء ويحيي الود محادثة الأوداء ويحي الْعِزّ مضافرة الأعزاء ويحي الذل مُظَاهرَة الأذلاء ويحي الشجَاعَة مصاحبة الشجعاء ويحي الْكَرم مُوَاصلَة الكرماء ويحيي الْحيَاء مكاثرة أهل الْحيَاء ويحيي اللؤم معاشرة اللئام
قَالَ بعض البلغاء
صَلَاح الشيم بمعاشرة الْكِرَام وفسادها بمخالطة اللئام
وَالْحَال الْخَامِسَة
أَن تكون بعض أخلاقه صَالِحَة فِي كل الْأَحْوَال وَبَعضهَا فَاسِدَة فقد أَعطَتْهُ نَفسه من صَلَاحهَا شطرا ومنحته من فَسَادهَا شطرا وهما فِيهِ متنافران
وَفِيمَا أَعْطَتْ عون على مَا منعت إِن روعيت وَفِيمَا منعت فَسَاد لما أَعْطَتْ إِن أهملت
وَقد قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة من كَانَت فِيهِ خصْلَة حَسَنَة فليواظب عَلَيْهَا فَإِن لَهَا دولة تعود إِلَيْهَا مَا أدبر عَنْهَا فليستعن بِشَطْر صَلَاحهَا على شطر
стр. 38
فَسَادهَا فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مجذوب وَالْقُوَّة لما اُحْدُ وأعين فامدد صرحها بإرشادك وأعنه باجتهادك فَلَنْ يبْقى لفسادها مَعَ التظاهر عَلَيْهِ لبس وَهُوَ بالضد إِن انعكس
حُكيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ
إِذا رَأَيْتُمْ فِي الْإِنْسَان خلة من الشَّرّ رَابِعَة فَاجْتَنبُوهُ وَإِن ٩ ب كَانَت عِنْد النَّاس خيرا فلهَا أَخَوَات ونظائر وَإِذا رَأَيْتُمْ فِي الْإِنْسَان خلة من الْخَيْر رَابِعَة فَلَا تجتنبوه وَإِن كَانَ عِنْد النَّاس رجل سوء فلهَا عِنْده نَظَائِر وأخوات
وَالْحَال السَّادِسَة
أَن تكون كل أخلاقه صَالِحَة فِي بعض الْأَوْقَات وَبَعضهَا فَاسِدَة فِي بعض الْأَوْقَات فقد ترددت النَّفس بَينهمَا وتوطأت لَهما وَالْفساد دَاخل عَلَيْهَا وَلَيْسَ مِنْهَا وَالْعقل مساعد والهوى مُعْتَد وكل وَاحِد مِنْهُمَا جاذب للنَّفس وَهِي تنقاد إِلَى مَا وافقها فَإِن توفرت فضائلها انقادت لِلْعَقْلِ فِي صَلَاح الْأَخْلَاق وَإِن توافرت رذائلها مايلت الْهوى فِي فَسَاد الْأَخْلَاق لِأَن الْعقل علم روحاني يَقُود إِلَى الْخَيْر والشهوة خلق بهيمي يَقُود إِلَى الشَّرّ فَأطلق عنان النَّفس إِذا انقادت لِلْعَقْلِ واقبضه إِذا مَا يلت الْهوى تجدها على الصّلاح مساعدة وللفساد معاندة فحسبك بهَا لِلْعَقْلِ عونا وظهيرا
قَالَ الرشيد
قبح الله الْمَرْء لَا واعظ لَهُ من عقله وَلَا مُطِيع لَهُ من نَفسه
стр. 39
مر أَبُو نواس بِأبي الْعَتَاهِيَة فوعظه فَقَالَ أَبُو نواس
(لن تقلع الْأَنْفس عَن غيها ... مَا لم يكن مِنْهَا لَهَا واعظ) // من السَّرِيع //
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وددت أَنِّي قلتهَا بِجَمِيعِ شعري
وَقيل بل النَّفس خلية الذَّات من الْفَضَائِل والرذائل وَإِنَّمَا هِيَ آلَة لَهما يتجاذبها الْعقل والهوى فَإِن غلبها الْعقل استعملها فِي الْفَضَائِل وَإِن غلبها الْهوى استعملها فِي الرذائل
стр. 40
وَقَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة
الْعقل والهوى ضدان فمؤيد الْعقل التَّوْفِيق وقرين الْهوى الخذلان وَالنَّفس بَينهمَا فَأَيّهمَا ظفر كَانَت فِي حيزه
وَقَالَ وهب بن مُنَبّه
إِن الْعقل والهوى يصطرعان فِي الْقلب فَأَيّهمَا صرع صَاحبه ١٠ آكانت الْغَلَبَة لَهُ
وَقد نظم ابْن الرُّومِي فِي النَّفس شعرًا خَالف فِيهِ الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ
(كن مثل نَفسك فِي السمو إِلَى العلى ... لَا مثل طِينَة جسمك الغدار)
следующие страницы →