Полный текст (288 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فَليعلم الْعَاقِل أَنَّهَا إِن سهلت لَهُ الْعذر فِي قَبِيح أَتَاهُ أَنه قد اكْتسب فِي قبُوله فِيهَا مثله
قَالَ الشَّاعِر
(وَإِن امْرَءًا لَا يَنْتَهِي عَن غواية ... إِذا مَا اشتهتها نَفسه لجهول) // من الطَّوِيل //
وَالْحَال الرَّابِعَة
أَن تكون كل أخلاقه فَاسِدَة فِي كل الْأَحْوَال فتنقلب إِلَى الصّلاح فِي كل الْأَحْوَال فَمَا ذَاك إِلَّا لداع غلب على الطَّبْع فاجتذبه وَقَوي عَلَيْهِ حَتَّى قلبه فيراعي حفظ أَسبَابه وتقوية مواده وَلَا يغفله فيجذبه الطَّبْع كَمَا اجتذبه فَإِن نوازع الطباع أجذب وَهِي إِلَى مَا ناسبها أقرب وَقَلِيل لفساد صلح أَن يكون مَحْفُوظ الصّلاح
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
كل متأدب من غَيره مَتى لم يدم عَلَيْهِ الْأَدَب اخْتَلَّ مَا يَسْتَفِيد مِنْهُ وَرجع ٩ آإلى طبعه
وملاك صَلَاحهَا أَن تكاثر من وَافقه فِي الصّلاح وتجانب من خَالفه فِيهِ فَإِن للصحبة تَأْثِيرا فِي اكْتِسَاب الْأَخْلَاق واجتذاب الْوِفَاق لقُصُور الطّرف عَلَيْهَا وَسُكُون النَّفس إِلَيْهَا وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(الْمَرْء على دين خَلِيله فَلْينْظر أحدكُم من يخالل)
стр. 37
وَقَالَ عبد الله بن طَاهِر
إِن لكل شَيْء حَيَاة وموتا فمما يحيي اللب محادثة الألباء ويحيي الود محادثة الأوداء ويحي الْعِزّ مضافرة الأعزاء ويحي الذل مُظَاهرَة الأذلاء ويحي الشجَاعَة مصاحبة الشجعاء ويحي الْكَرم مُوَاصلَة الكرماء ويحيي الْحيَاء مكاثرة أهل الْحيَاء ويحيي اللؤم معاشرة اللئام
قَالَ بعض البلغاء
صَلَاح الشيم بمعاشرة الْكِرَام وفسادها بمخالطة اللئام
وَالْحَال الْخَامِسَة
أَن تكون بعض أخلاقه صَالِحَة فِي كل الْأَحْوَال وَبَعضهَا فَاسِدَة فقد أَعطَتْهُ نَفسه من صَلَاحهَا شطرا ومنحته من فَسَادهَا شطرا وهما فِيهِ متنافران
وَفِيمَا أَعْطَتْ عون على مَا منعت إِن روعيت وَفِيمَا منعت فَسَاد لما أَعْطَتْ إِن أهملت
وَقد قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة من كَانَت فِيهِ خصْلَة حَسَنَة فليواظب عَلَيْهَا فَإِن لَهَا دولة تعود إِلَيْهَا مَا أدبر عَنْهَا فليستعن بِشَطْر صَلَاحهَا على شطر
стр. 38
فَسَادهَا فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مجذوب وَالْقُوَّة لما اُحْدُ وأعين فامدد صرحها بإرشادك وأعنه باجتهادك فَلَنْ يبْقى لفسادها مَعَ التظاهر عَلَيْهِ لبس وَهُوَ بالضد إِن انعكس
حُكيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ
إِذا رَأَيْتُمْ فِي الْإِنْسَان خلة من الشَّرّ رَابِعَة فَاجْتَنبُوهُ وَإِن ٩ ب كَانَت عِنْد النَّاس خيرا فلهَا أَخَوَات ونظائر وَإِذا رَأَيْتُمْ فِي الْإِنْسَان خلة من الْخَيْر رَابِعَة فَلَا تجتنبوه وَإِن كَانَ عِنْد النَّاس رجل سوء فلهَا عِنْده نَظَائِر وأخوات
وَالْحَال السَّادِسَة
أَن تكون كل أخلاقه صَالِحَة فِي بعض الْأَوْقَات وَبَعضهَا فَاسِدَة فِي بعض الْأَوْقَات فقد ترددت النَّفس بَينهمَا وتوطأت لَهما وَالْفساد دَاخل عَلَيْهَا وَلَيْسَ مِنْهَا وَالْعقل مساعد والهوى مُعْتَد وكل وَاحِد مِنْهُمَا جاذب للنَّفس وَهِي تنقاد إِلَى مَا وافقها فَإِن توفرت فضائلها انقادت لِلْعَقْلِ فِي صَلَاح الْأَخْلَاق وَإِن توافرت رذائلها مايلت الْهوى فِي فَسَاد الْأَخْلَاق لِأَن الْعقل علم روحاني يَقُود إِلَى الْخَيْر والشهوة خلق بهيمي يَقُود إِلَى الشَّرّ فَأطلق عنان النَّفس إِذا انقادت لِلْعَقْلِ واقبضه إِذا مَا يلت الْهوى تجدها على الصّلاح مساعدة وللفساد معاندة فحسبك بهَا لِلْعَقْلِ عونا وظهيرا
قَالَ الرشيد
قبح الله الْمَرْء لَا واعظ لَهُ من عقله وَلَا مُطِيع لَهُ من نَفسه
стр. 39
مر أَبُو نواس بِأبي الْعَتَاهِيَة فوعظه فَقَالَ أَبُو نواس
(لن تقلع الْأَنْفس عَن غيها ... مَا لم يكن مِنْهَا لَهَا واعظ) // من السَّرِيع //
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وددت أَنِّي قلتهَا بِجَمِيعِ شعري
وَقيل بل النَّفس خلية الذَّات من الْفَضَائِل والرذائل وَإِنَّمَا هِيَ آلَة لَهما يتجاذبها الْعقل والهوى فَإِن غلبها الْعقل استعملها فِي الْفَضَائِل وَإِن غلبها الْهوى استعملها فِي الرذائل
стр. 40
وَقَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة
الْعقل والهوى ضدان فمؤيد الْعقل التَّوْفِيق وقرين الْهوى الخذلان وَالنَّفس بَينهمَا فَأَيّهمَا ظفر كَانَت فِي حيزه
وَقَالَ وهب بن مُنَبّه
إِن الْعقل والهوى يصطرعان فِي الْقلب فَأَيّهمَا صرع صَاحبه ١٠ آكانت الْغَلَبَة لَهُ
وَقد نظم ابْن الرُّومِي فِي النَّفس شعرًا خَالف فِيهِ الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ
(كن مثل نَفسك فِي السمو إِلَى العلى ... لَا مثل طِينَة جسمك الغدار)
стр. 41
(فَالنَّفْس تسمو نَحْو علو مليكها ... والجسم نَحْو السّفل هاو هار)
(فأعن أحقهما بعونك واقتسر ... طبع السفال بطبعك السوار)
(وَالنَّفس خيرك إِنَّهَا علوِيَّة ... والجسم شرك لَيْسَ فِيهِ تمار)
(فانفذ لخيرك لَا لشرك وَاتبع ... أولاهما بالقادر الْغفار)
(فالأرض فِي أفعالها مضطرة ... والحي فِيهِ فَضِيلَة الْمُخْتَار)
(فَإِذا جريت على طباعك مثلهَا ... فَكَأَن طبعك بعد من فخار) // من الْكَامِل //
стр. 42
الْفَصْل السَّادِس الْأَفْعَال الشريقة بالأخلاق الشَّرِيفَة
شرِيف الْأَفْعَال وشريف الْأَخْلَاق
فَإِذا وضح مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَوَاعِد الْأَخْلَاق من مَحْمُود الْفَضَائِل ومذموم الرذائل فشريف الْأَفْعَال لَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا بشريف الْأَخْلَاق سَوَاء كَانَ طبعا أَو تطبعا لِأَن الْأَفْعَال نفائج الْأَخْلَاق ونوازع الهمم وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك فِي كِتَابه الْعَزِيز بقوله لنَبيه ﷺ
﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾
لِأَن النُّبُوَّة لما كَانَت أشرف منَازِل الْخلق لاشتمالها على مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا ندب الله تَعَالَى لَهَا من قد أكمل فَضَائِل الْأَخْلَاق وَحَازَ أشرف الأعراق وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(بعثت بمكارم الْأَخْلَاق)
كَذَلِك الْإِمَارَة والإمامة لما كَانَت تالية لحالها وَجب أَن تكون
стр. 43
مشاكلة لخصالها فَلَزِمَ أَن ينتدب لَهَا من قد أنهضته الْفَضَائِل حَتَّى تهذب واستقل بحقوقها حَتَّى تدرب ليسوس الرعايا بآلته ويباشر التَّدْبِير بصناعته فَلذَلِك كَانَ الْخُلَفَاء الراشدون رضوَان الله عَلَيْهِم أَحَق من تكاملت فيهم فَضَائِل ١٠ ب الْأَخْلَاق طبعا وتطبعا وَأولى من صدرت عَنْهُم محَاسِن الْأَفْعَال سجية وتصنعا لأَنهم رُعَاة مطاعون ودعاة إِلَى الْحق مجابون ليَكُون الْأَفْضَل سائسا للمفضول والأعدل مُقَومًا للجهول فيجتذبهم بِكَمَال فضائله إِلَى الِاقْتِدَاء بأخلاقه وطرائقه فَأكْثر الرعايا أَتبَاع لأمرائهم وملوكهم فِي الْخَيْر وَالشَّر وَالْجهل وَالْجد والهزل
قَالَ النَّبِي ﷺ
(إثنان من النَّاس إِذا صلحا صلح النَّاس وَإِذا فسدا فسد النَّاس الْعلمَاء والأمراء)
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
الْملك كالبحر تستمد مِنْهُ الْأَنْهَار فَإِذا كَانَ عذبا عذبت وَإِذا كَانَ مالحا ملحت
стр. 44
أول مَا يبْدَأ بِهِ الْملك سياسة نَفسه وتقويمها
فَلَزِمَ ذَا الإمرة وَالسُّلْطَان أَن يبْدَأ بسياسة نَفسه ليحوز من الْأَخْلَاق أفضلهَا وَيَأْتِي من الْأَفْعَال أجملها فيسوس الرّعية بعد رياضته ويقومهم بعد استقامته
قَالَ بعض الْعلمَاء
يَنْبَغِي للْملك أَن يبتديء بتقويم نَفسه قبل أَن يبتديء بتقويم
стр. 45
رعاياه وَإِلَّا كَانَ بِمَنْزِلَة من أَرَادَ تَقْوِيم ظلّ معوج قبل تَقْوِيم عوده الَّذِي هُوَ ظلّ لَهُ
فَإِذا بَدَأَ بسياسة نَفسه كَانَ على سياسة غَيره أقدر وَإِذا أهمل مُرَاعَاة نَفسه كَانَ باهمال غَيره أَجْدَر فبعيد أَن يحدث الصّلاح عَمَّن لَيْسَ فِيهِ صَلَاح لِأَن ضَرُورَة نَفسه أمس وَهُوَ بتهذيبها أخص فَإِذا غلب عَلَيْهِ عنادها واستصعب عَلَيْهِ قيادها كَانَ عناد المباين لَهُ أغلب وقياده عَلَيْهِ أصعب
قَالَ بعض الْحُكَمَاء ١١ آ
من بَدَأَ بسياسة نَفسه أدْرك سياسة النَّاس
قَالَ بعض البلغاء
لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يطْلب طَاعَة غَيره وَطَاعَة نَفسه ممتنعة عَلَيْهِ
وَقيل
إِذا عجزت عَن أدب نَفسك فَلَا تلم من لَا يطيعك
стр. 46
قَالَ الشَّاعِر
(أتطمع أَن يطيعك قلب سعدى ... وتزعم أَن قَلْبك قد عصاكا) // من الوافر //
إساءة الظَّن بِالنَّفسِ
وَرُبمَا حسن ظن الْإِنْسَان بِنَفسِهِ فأغفل مُرَاعَاة أخلاقه فَدَعَاهُ حسن الظَّن بهَا إِلَى الرِّضَا عَنْهَا فَكَانَ الرِّضَا عَنْهَا دَاعيا إِلَى الانقياد لَهَا ففسد مِنْهَا مَا كَانَ صَالحا وَلم يصلح مِنْهَا مَا كَانَ فَاسِدا لِأَن الْهوى أغلب من الرَّأْي وَالنَّفس أجور من الاعداء لِأَنَّهَا بالسوء آمرة وَإِلَى الشَّهَوَات مائلة كَمَا قَالَ الله
﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾
وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(الشَّديد من ملك نَفسه)
стр. 47
قَالَ بعض الألباء
من رَضِي عَن نَفسه أَسخط عَلَيْهِ النَّاس
أَسبَاب حسن الظَّن بِالنَّفسِ
ولحسن الظَّن بهَا أَسبَاب
فَمن أقوى أَسبَابه الْكبر والإعجاب وَهُوَ بِكُل أحد قَبِيح وبالملوك أقبح لِأَنَّهُ من دواعي صغر الهمة وشواهد الاستكثار لعلو الْمنزلَة وَهَذَا من ضعف الْمِنَّة الَّذِي يجل الْمُلُوك عَنهُ لِأَن قدرتهم تظهر بِالْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَان لَا بِالْكبرِ والإعجاب وَكفى بِالْمَرْءِ ذما أَن تكون همته دون رتبته ومنته أَضْعَف من قدرته
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يرى شَيْئا من الدُّنْيَا لنَفسِهِ خطرا فَيكون بِهِ تائها
وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان
стр. 48
أفضل النَّاس من تواضع عَن رفْعَة وزهد عَن قدرَة ١١ ب وأنصف عَن قُوَّة
وَقيل
التَّوَاضُع فِي الشّرف أشرف من الشّرف
الْكبر والإعجاب
والملوك أَعلَى النَّاس همما وأبسطهم أملا فَلذَلِك كَانَ الْكبر والإعجاب بهم أقبح ونقصه عَلَيْهِم أفضح
قَالَ عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 49
سَمِعت أَبَا بكر ﵁ يَقُول
(إِذا أردْت شرِيف النَّاس كلهم ... فَانْظُر إِلَى ملك فِي زِيّ مِسْكين)
(ذَاك الَّذِي حسنت فِي النَّاس رأفته ... وَذَاكَ يصلح للدنيا وللدين) // من الْبَسِيط //
لَكِن السكينَة وَالْوَقار أولى بِهِ من الْكبر والإعجاب
وَمن النَّاس من لَا يفرق بَين الْكبر وَالْوَقار
وَهَذَا جهل بمعناهما لِأَن الْوَقار اقْتِصَار وَالْكبر استطالة
فَأَما الْكبر والإعجاب فقد يَجْتَمِعَانِ فِي الذَّم ويفترقان فِي الْمَعْنى
فالإعجاب يكون فِي النَّفس وَمَا يَعْتَقِدهُ من فضائلها
وَالْكبر يكون بالمنزلة وَمَا يتصوره من علوها
فَكَانَت عِلّة الْإِعْجَاب من ذَاته فَصَارَت ألزم وَعلة الْكبر طارئة ألأم وهما رذيلتا ذِي الْفضل والمنزلة
وَقيل
стр. 50
عَظمَة الْإِنْسَان تواضعه
من أَسبَاب الْكبر والإعجاب
وللكبر أَسبَاب
فَمن أقوى أَسبَابه كَثْرَة المتقربين وإطراء المتملقين
الَّذين قد استبضعوا الْكَذِب والنفاق وَاسْتَحَبُّوا الْمَكْر وَالْخداع لدناءة أنفسهم وضعة أقدارهم فَإِذا وجدوا لنفاقهم سوقا ولكذبهم تَصْدِيقًا جَعَلُوهُ فِي ذمم النوكى سلما تسلقوه ومغنما أحرزوه فاعتاضوا بِهِ دينا وعوضوا مِنْهُ شَيْئا وَحكم الممدوح بكذب قَوْلهم على صدق علمه بِنَفسِهِ وَجعل لَهُم طَرِيقا إِلَى الِاسْتِهْزَاء بِهِ لأَنهم صدعوه فانصدع وخدعوه فانخدع
وَمن ١٢ آأجل ذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(احثوا فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب)
стр. 51
وَقَالَ ﷺ
(إيَّاكُمْ والمدح فَإِنَّهُ الذّبْح)
وَقيل لأنوشروان
لم تتهاونون بالمدح إِذا مدحتم
فَقَالَ لأننا رُبمَا رَأينَا ممدوحا هُوَ بالذم أَحَق
وَقيل
حب الْمَدْح وَاسِطَة بَين الْفَضَائِل والرذائل فَهِيَ آخر الرذائل وَأول الْفَضَائِل
стр. 52
وَحمل هَذَا على إِطْلَاقه ذَلِك
وَالصَّوَاب أَن يعْتَبر فَإِن أحب الْمَدْح ليلتذ بِسَمَاع مَا لَيْسَ فِيهِ كَانَ رذيلة ونقصا وَإِن أحبه ليفعل مَا يمدح بِهِ كَانَ فَضِيلَة لِأَنَّهُ يبْعَث على فعل الْفَضَائِل وَمَا بعث عَلَيْهَا كَانَ مِنْهَا
وَهَذَا أَمر يَنْبَغِي لكل عَاقل أَن يراعيه من نَفسه وَيفرق بَين متملقه احتيالا لما لَدَيْهِ وَبَين من يخلص لَهُ النَّصِيحَة من أهل الصدْق وَالْوَفَاء الَّذين هم مرايا محاسنه وعيونه وأمناء مشهده ومغيبه
قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
شفتا الصّديق رحمتان وشفتا الْعَدو تنطق بالعداوة
وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء
من أولى بك مِنْك وأصدق فِي نصيحتك من نَفسك لَك
قَالَ
من صدقني إِن نزعت ونبهني إِن غفلت
فَإِن أغفل هَذَا الْفرق والتمييز واستسهل الاغترار والتجويز داهن نَفسه ونافق عقله واستفسد أهل الْوَفَاء والصدق وَصَارَ مأكلة النِّفَاق والملق فأعقبه أَذَى ومضرة وتورط بِهِ فِي شُبْهَة وحيرة واكتسب بِهِ هجنة ومعرة
وَقد قيل
الْمُنَافِق نصف حسده بِلَا عقل
وَالسُّلْطَان أولى من حذر ذَلِك وتوقاه لِأَن حَضرته لِكَثْرَة الراغبين فِيهَا كالسوق الَّتِي يجلب إِلَيْهَا مَا ينْفق فِيهَا وكل دَاخل عَلَيْهِ إِنَّمَا يُرِيد التَّقَرُّب إِلَيْهِ بقوله وَفعله إِمَّا طَالبا للمنزلة وَإِمَّا ١٢ ب اجتذابا للمنفعة وَإِمَّا حذرا من الْمُخَالفَة
فَإِذا لم يزجرهم عقل وَلم يَكفهمْ
стр. 53
دين مرحوا فِي نفاقهم فخانوا وشانوا
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(لَا يمنعن أحدكُم رهبة السُّلْطَان أَن يَقُول بِحَق إِذا رَآهُ فَإِنَّهُ لَا يقرب من أجل وَلَا يباعد من رزق)
فَإِذا اتسق لَهُم النِّفَاق ورأوه من أرْفق الأرزاق عدلوا عَن زواجر الْعقل والمناصحة إِلَى مساعدة الْملك على رَأْيه لأَنهم قد علمُوا مِنْهُ إِيثَار الْمُوَافقَة على الْهوى وَحب الْمَدْح والإطراء فَجعلُوا ذَلِك أربح بضائعهم لَدَيْهِ وألطف وسائلهم إِلَيْهِ وَهُوَ سهل التَّكَلُّف لَا يجد المتوسل المتقرب بِهِ مسا فيتصور ذمه حمدا وَقد اكْتسب بِهِ ذما ويتوهم قبيحه حسنا وَقد أورثه قباحة وشينا ثمَّ لَا يجد ناصحا سليما وَلَا مراقبا رحِيما لِأَن النصح عِنْده بائر مرذول وَالْخداع إِلَيْهِ نَافق مَقْبُول فَإِن روقبت هفواته بالإغضا وسوعد عَلَيْهَا بِالرِّضَا طاح فِي إغوائه ومرح فِي غلوائه فطمس بهجة محاسنه وأوهى جلالة قدره وَقد قَالَ العتابي الشَّاعِر
стр. 54
(لوم يعيذك من سوء تقارفه ... أبقى لعرضك من قَول يداجيكا)
(لقد رمى بك فِي تيهاء مهلكة ... من كَانَ يكتمك الْعَيْب الَّذِي فيكا) // من الْبَسِيط //
وَهَذَا مِمَّا يجب أَن يتوقاه الْملك ويحذره ليكفى مخادعة الْهوى ويميزه عَن مداهنة النَّفس
قَالَ النَّبِي ﷺ
(إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا جعل لَهُ واعظا من نَفسه)
стр. 55
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من لم يكن لَهُ من نَفسه واعظ لم تَنْفَعهُ المواعظ
стр. 56
الْفَصْل السَّابِع شَوَاهِد الْفضل
الْوَقار
وَإِذا كَانَ الْوَقار مَحْمُودًا وَكَانَ ذُو الْقدر بِهِ مَأْمُورا فَهُوَ أول شَوَاهِد الْفضل وأس ١٣ أقواعده فَوَجَبَ أَن نوضح مِنْهُ فصولا تدل على نظائرها يتبع بَعْضهَا بَعْضًا
التثبت والصمت
فَمن ذَلِك قلَّة السرع إِلَى الشَّهَوَات والتثبت عِنْد الشُّبُهَات والإعراض عَن الهفوات وَضبط النَّفس عَن سرعَة الحركات ثمَّ إطراق الطّرف وَلُزُوم الصمت إِلَّا من ضَرُورَة لَا يجد فِيهَا من الْكَلَام بدا ليسلم من هذر الاسترسال ويأمن من معرة الطيش فَإِن الْملك مرموق الألحاظ مَحْفُوظ الْأَلْفَاظ تشيع زلاته وتنشر هفواته وبحسب ذَلِك تكون محاسنه أنشر وفضائله أشهر فَهُوَ بِالسُّكُوتِ ممدوح وَمن الْكَلَام على خطر وَقد قيل
الْحصْر خير من الهذر لِأَن الْحصْر يضعف الْحجَّة والهذر يتْلف المهجة
стр. 57
قَالَ بعض البلغاء
إلزم الصمت فَإِنَّهُ يكسبك صفو الْمحبَّة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الْوَقار وَيَكْفِيك مؤونة الِاعْتِذَار
وَتكلم أَرْبَعَة من حكماء الْمُلُوك بِأَرْبَع كَلِمَات كَأَنَّهَا رمية عَن قَوس فَقَالَ ملك الرّوم
أفضل علم الْعلمَاء السُّكُوت
وَقَالَ ملك الْفرس
إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَلم أملكهَا
وَقَالَ ملك الْهِنْد
أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت
وَقَالَ ملك الصين
نَدِمت على الْكَلَام وَلم أندم على السُّكُوت
стр. 58
وليعلم أَن الْحَاجة إِلَى الصمت أَكثر من الْحَاجة إِلَى الْكَلَام لِأَن الْحَاجة إِلَى الصمت عَامَّة وَالْحَاجة إِلَى الْكَلَام عارضة فَلذَلِك مَا وَجب أَن يكون صمت الْعَاقِل فِي الْأَحْوَال أَكثر من الْكَلَام فِي كل حَال
حُكيَ عَن بعض الْحُكَمَاء أَنه قَالَ وَقد رأى رجلا يكثر من الْكَلَام ويقل السُّكُوت فَقَالَ
إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا جعل لَك ١٣ ب أذنين وَلِسَانًا وَاحِدًا ليَكُون مَا تسمعه ضعف مَا تَتَكَلَّم بِهِ
стр. 59
فَإِذا دَعَتْهُ الْحَاجة إِلَى الْكَلَام سبره قبل إِطْلَاقه وروى فِيهِ قبل إرْسَاله ليَكُون وفْق غَرَضه وَفِي إبان حَاجته فَإِن كَلَامه ترجمان عقله وبرهان فَضله وَقد قيل
كَلَام الْمَرْء وَافد أدبه
وَقيل
اللِّسَان وَزِير الْإِنْسَان
فَلَا يهتك بالاسترسال فِيهِ فضائله وَلَا يمحو بالتجويز فِيهِ محاسنه فظهور نقص الْكَلَام يغلب على الخافي من فَضله لِأَن الظَّاهِر سَابق منتشر والخفي مَسْبُوق مستتر
وَقد قيل
الصمت مَنَام وَالْكَلَام يقظة
فَإِذا تكلم لوح بِالْمَعْنَى وَجَاوَزَ الْإِكْثَار فَقل من كثر كَلَامه إِلَّا ظهر خلله وَبَان زلله
стр. 60
وَقد قيل
الْجَاهِل الصَّامِت يعد حكيما والممسك عَمَّا لَا يَنْبَغِي يعد فهيما
قَالَ الشَّاعِر
(قد يكْشف القَوْل عي اللِّسَان ... فيبدو ويستره مَا سكت)
(فَإِن كنت تبغي ليان المعاش ... فَلَنْ للأمور إِذا مَا التوت) // من المتقارب //
وَلَا يَنْبَغِي أَن يعجب بجيد كَلَامه وَلَا بصواب مَنْطِقه فَإِنَّهُ بِالصَّوَابِ أَحَق وَالْعجب إِنَّمَا يكون ببادر مستظرف وعَلى أَن سَبَب الاكثار مِنْهُ
وَفِي الْإِكْثَار عثار
стр. 61
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من أعجب بِكَلَامِهِ أُصِيب بعقله
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ
من لم يكن كَلَامه حكما فَهُوَ لَغْو وَمن لم يكن سُكُوته تفكرا فَهُوَ سَهْو وَمن لم يكن فكره اعْتِبَارا فَهُوَ لَهو
وكما أَن الْملك مَنْدُوب إِلَى قلَّة الْكَلَام فَهَكَذَا من أَرَادَ خطاب الْملك يجب أَن يحبس لِسَانه عَن كَلَامه فَإِن دَعَتْهُ الْحَاجة إِلَيْهِ اختصر فَفِي الْإِكْثَار مَعَ الإعثار إضجار
стр. 62
وَقيل
إِن كَانَ قوم تقتلهم الْحَرْب كثيرا فَإِن الَّذِي يقتلهُمْ اللِّسَان أَكثر
وَالْمَوْت ١٤ أوالحياة بِاللِّسَانِ هُوَ مِمَّا يتجافاه الْملك وَلَا يرخص فِيهِ الْيَمين وَالْحلف مُصَرحًا أَو معرضًا فَإِن الْحلف قَبِيح وَهُوَ بالملوك أقبح
وَمن قَول النَّبِي ﷺ
(الْيَمين حنث أَو مندمة)
قَالَ بعض الْعلمَاء
стр. 63
كَثْرَة الْأَيْمَان من قلَّة الْإِيمَان
وَلِأَن الْيَمين يقْصد بهَا أحد ثَلَاثَة أوجه يجل الْملك عَنْهَا إِمَّا ليصدق خَبره وَالْملك يجل قدره عَن الإكذاب وَإِمَّا ليتَحَقَّق وعده أَو وعيده وَقدرته تمنع من الارتياب وَإِمَّا لاستراحة فِي كَلَامه فَهِيَ عي قَبِيح وَلَكِن فاضح
وَإِن دَعَتْهُ الضَّرُورَة إِلَيْهَا لشرط فِي عقد وتوثقة فِي عهد إلتزم حكمهَا فِي السياسة وَإِن لم يلْزم حكمهَا فِي الدّيانَة لفساد عقدهَا واختلال شَرطهَا وَلَا يتطلب لفسخها مَعَ الصِّحَّة تَأْوِيلا وَإِن كَانَ لَهُ فِي الْفَسْخ تَأْوِيل وَلَا يَجْعَل لمخرجه مِنْهَا تعليلا وَإِن كَانَ لَهُ فِي الشَّرْع تَعْلِيل لتَكون عقوده محروسة من فسخ وعهوده مَحْفُوظَة من نسخ فَلَا يختلج فِيهِ ظن وَلَا يقْدَح فِيهِ طعن فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ لَهُ فِي الدّين مخرج مِنْهَا فَمَا يقف عَلَيْهِ كل من سمع بالتزامها وَلَا يعرفهُ إِلَّا الْعلمَاء بأحكامها
وَلِأَن يراقب فِي دُنْيَاهُ بعد مراقبة الله تَعَالَى فِي دينه فَيجمع بَين رضَا الله تَعَالَى وثناء خلقه أولى من تفرده بِأَحَدِهِمَا واطراح الآخر
وَقيل
دع مَا يسْبق إِلَى الْقُلُوب إِنْكَاره وَإِن كَانَ عنْدك اعتذاره فَمَا كل من حكى عَنْك نكرا يُطيق أَن يوسعه مِنْك عذرا
стр. 64
فَإِن لم يجد إِلَى اسْتِدَامَة التزامها سَبِيلا أوضح من أَسبَاب عذره وأشاع من وُجُوه مخرجه قبل شُرُوعه فِي خلقه ونقضه مَا يحفظ عَلَيْهِ سَلامَة دينه وَعرضه فَلَا ينْسب فِي ١٤ ب يَمِينه إِلَى حنث وَفِي عَهده إِلَى نكث
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
الْكَذِب والغدر يشبهان أَسْنَان الْأسد ويفسدان قُلُوب النَّاس
стр. 65
الْفَصْل الثَّامِن الصدْق
اعْتِمَاد الصدْق
وَمِمَّا هُوَ ألزم فِي أَخْلَاق الْملك وأليق اعْتِمَاد الصدْق وَاجْتنَاب الْكَذِب فَإِنَّهُ سهل البادرة خَبِيث الْعَاقِبَة لِأَنَّهُ يعكس الْأُمُور إِلَى أضدادها ويستبدل الْحَقَائِق بأغيارها فَيَضَع الْبَاطِل مَوضِع الْحق ويتخيل أَن الْكَذِب يتشبه بِالصّدقِ
كلا فَإِن الزَّمَان يكْشف عَن خباياه وينم على خفاياه وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ
(رحم الله امْرَءًا أصلح من لِسَانه وأقصر من عنانه وألزم طَرِيق الْحق مقوله وَلم يعود الخطل مفصله)
الحذر من الْكَذِب
فيحذر الْكَذِب جادا وهازلا وَلَا يرخص لنَفسِهِ محقا وَلَا مُبْطلًا إِلَّا على وَجه التورية فِي خداع الحروب انتهازا للفرصة فِيهَا واختداعا لمكيدتها فَمَا للحرب مهلة وَلَا للظفر عِلّة فأبيح فِي التَّوَصُّل إِلَيْهَا رخص
стр. 66
الْكَلَام كَمَا اسْتعْمل فِيهَا رخص الْأَفْعَال وَلذَلِك جَاءَت السّنة بإرخاص الْكَذِب فِيهَا على وَجه التورية دون التَّصْرِيح
قَالَ النَّبِي ﷺ
(الْحَرْب خدعة)
وَإِذا أمكن أَن يكون ذَلِك بمواضعة غَيره كَانَ أولى من أَن يكون ذَلِك بمباشرته بِنَفسِهِ فَإِن لم يجد من الْمُبَاشرَة بدا ورى وَعرض ليَكُون التَّأْوِيل لكَلَامه مُحْتملا وَالتَّصْرِيح بِالْكَذِبِ عَنهُ مشفيا فيعذر إِذا ظهر وَلَا يتَصَوَّر بِالْكَذِبِ إِذا اشْتهر وليقلل مِنْهُ إِلَّا عِنْد ضيق الخناق فَإِن أَكثر مِنْهُ افتضحت معاريضه فَصَارَ صَرِيحًا ورد عَلَيْهِ فَاسِدا وصحيحا
وَإِن رخص لنَفسِهِ فِي التَّصْرِيح بِالْكَذِبِ على غير مَا قُلْنَاهُ فِي الْحَرْب
стр. 67
من التَّعْرِيض الْمُحْتَمل صَار بِهِ موسوما ١٥ آوإليه مَنْسُوبا لِأَن الْإِنْسَان بِمَا يسْبق إِلَيْهِ يعرف وَبِمَا يظْهر من شيمه يُوصف وَبِذَلِك جرت عَادَة الْخلق أَنهم يعدلُونَ الْعَادِل بالغالب من أَفعاله وَرُبمَا أَسَاءَ
ويفسقون الْفَاسِق بالغالب من أَفعاله وَرُبمَا أحسن
وَقل مَا يمحض أَحدهمَا فِي الْإِنْسَان وَإِن تمحض ندر قَالَ الشَّاعِر
(من لَك بالمحض وَلَيْسَ مَحْض ... يخْبث بعض ويطيب بعض) // من الرجز //
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر رَضِي الله عَنهُ
стр. 68
لِأَن يضرني الصدْق وَقل مَا يفعل أحب إِلَيّ من أَن يَنْفَعنِي الْكَذِب وَقل مَا يفعل
وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(أعظم الْخَطَايَا اللِّسَان الكذوب)
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
كذب الْملك وغدره من دَلَائِل حَادث يحدث فِي ملكه لِأَنَّهُ يشبه تَخْلِيط العليل فِي الْعلَّة يزِيدهُ مَرضا وَفِي بدنه زهكا
التَّرْغِيب والترهيب
وَإِذا وسم بِالصّدقِ وَقصر كَلَامه على المهم وَكَانَ تبشيره وتحذيره على حسب خطر الْأُمُور الَّتِي يجْرِي فِيهَا وعده أَو وعيده كَانَت الفاظه ألقابا وذمه عقَابا فاستغنى عَن كثير من الإرغاب والإرهاب
وَقد اختير للملوك فِي التَّرْغِيب عذوبة الْكَلَام ولين الصَّوْت لِأَنَّهُ أَرغب وَفِي الجهارة بالترغيب تنجح وبالنعمة وَهِي عِنْده أحفز
стр. 69
وَفِي التَّرْهِيب غلظة الْكَلَام وجهارة الصَّوْت لِأَنَّهُ أرهب وَفِي لين الصَّوْت بالترهيب ضعف لمنه وَقدرته
وَيجب أَن يكون وعده ووعيده بِقدر الِاسْتِحْقَاق من غير سرف وَلَا تَقْصِير فِي ثَوَاب أَو عِقَاب لتَكون أَقْوَاله وفْق أَفعاله الَّتِي تقدرت بشرع أَو سياسة وَلَا تتجاوز محدودها وَلَا تفارق معهودها
حُكيَ أَن أَبَا بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كتب إِلَى ١٥ ب عِكْرِمَة بن أبي جهل وَهُوَ عَامله على عمان
إياك أَن توعد على مَعْصِيّة بِأَكْثَرَ من عقوبتها فَإنَّك إِن فعلت أثمت وَإِن تركت كذبت
стр. 70
الْفَصْل التَّاسِع توقي الْغَضَب
الحذر من الْغَضَب
ويحذر الْغَضَب ويتوقاه فَإِن نفور فورته واشتطاط حِدته يسلبان صَوَاب ذَوي الْأَلْبَاب وَلَا يتهذب لَهُم خطاب وَلَا يتَحَصَّل لَهُم جَوَاب وَلَا يتَقَدَّر لَهُم عِقَاب وَقل مَا يسلم مَعَ الْغَضَب رَأْي من زلل وَكَلَام من خطل وَفعل من عسف وَحقّ من حرف وَدين من جرح وَعرض من قدح وجد من طيش وَعدد من هيش فَهُوَ شَرّ باهر متسلط وأضر معاند مورط لَا تعصى بوادره إِن غلب وَلَا تحصى فواقره إِن وثب وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الأخطار وتقابلت فِيهِ هَذِه المضار كَانَ التَّحَرُّز من خطره حزما والسلامة من ضَرَره غنما وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا من كَانَ الْعقل قائده والتوفيق رائده فَملك زِمَام نَفسه حَتَّى أَطَاعَته وراض شماسها حَتَّى أَجَابَتْهُ فَإِن مني بِهِ الْملك قبض نَفسه عَن الانقياد لَهُ حَتَّى يَزُول عَنهُ اخْتِلَاط نفرته واشتطاط قدرته
ثمَّ يتصفح الذَّنب الَّذِي أغضبهُ بعد سُكُون جأشه ويقابل عَلَيْهِ بِقدر اسْتِحْقَاقه إِن لم ير لَهُ فِي الْعَفو مدخلًا وَلَا فِي الصفح والتجاوز وَجها ليقف على الصَّوَاب فِي قَضيته
стр. 71
وعَلى الْعدْل فِي مؤاخذته فَلَا شَيْء أضرّ بِالْملكِ من أَن تخفى عَلَيْهِ حقائق الذُّنُوب وَلَا يقف مِنْهَا على مقادير الْحُدُود
قَالَ النَّبِي ﷺ
(إِذا استشاط السُّلْطَان تسلط الشَّيْطَان)
وَقَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
غضب الْملك كالأسد الَّذِي يزأر
وَحكي أَن بعض مُلُوك الْفرس كتب كتابا وَدفعه إِلَى وزيره وَقَالَ إِذا أَنا غضِبت فناولني هَذَا وَكَانَ فِيهِ مَكْتُوبًا ١٦ آمالك وَالْغَضَب إِنَّمَا أَنْت بشر ارْحَمْ من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء
وَكَانَ يفعل هَذَا ليزول عَنهُ الْغَضَب فيستبين لَهُ الصَّوَاب حذرا من قبح آثاره وَشدَّة إضراره
فَإِذا استطفأ ثَائِر الْغَضَب واستكف بادرة الاشتطاط ثمَّ استعطفه الْمُغْضب واسترضاه فَمن كرم الشيمة وَحسن العاطفة أَن يلين لَهُ ويرضى عَنهُ
стр. 72
قيل من أعجب شَيْء أَن يكون الرجل يلْتَمس رِضَاهُ فَلَا يرضى وأعجب مِنْهُ أَن يلْتَمس رِضَاهُ فيغضب
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من لم يقبل التَّوْبَة عظمت خطيئته وَمن لم يحسن إِلَى التائب قبحت إساءته
فَإِن أحب أَن يتدرج إِلَى الرِّضَا لِئَلَّا يصل بَين ضدين قدم مباديه وَسَهل دواعيه وَكَانَ فِي السِّرّ رَاضِيا وَفِي الظَّاهِر مغاضيا ليظْهر الرِّضَا عَن أَحْوَال مُتَقَارِبَة وتنتقل إِلَيْهِ بعد أُمُور متناسبة فَلَيْسَ بمستبعد إِذا كَانَ بطيء الرِّضَا غير أَن من أَخْلَاق الْمُلُوك سرعَة الْغَضَب وَلَيْسَ من أَخْلَاقهم سرعَة الرِّضَا
وَالْعلَّة فِي ذَلِك لما قد اسْتَقر فِي الْقُلُوب من هيبتهم وأذعنت بِهِ النُّفُوس من طاعتهم لَا يلاقون مَا يكْرهُونَ وَلَا يرَوْنَ إِلَّا مَا يؤثرون فَإِذا بدر مَا يغضبهم خرج عَن عرفهم فتعجل بِهِ غضبهم وَمَا يرضيهم دَاخل فِي عرفهم فَلم يتعجل فِيهِ رضاهم
وَمن عداهم فِي الْأَمريْنِ بخلافهم فَلذَلِك وَقع الْفرق بَين الْمُلُوك
стр. 73
وَغَيرهم فِي الرِّضَا وَالْغَضَب فَإِن لم يظْهر غضبهم فَهُوَ لسياسة وحزم هم فِيهِ مَعَ كَونه فيهم بَين أَمريْن
إِمَّا أَن يوطئوا أنفسهم للصفح عَنهُ وَإِمَّا أَن يؤخروا ١٦ ب الْأَمر إِلَى وَقت الانتقام
وَالْأول كرم ورأفة
وَالثَّانِي حمية وتقويم
الحذر من الْمحل واللجاج
ثمَّ كَذَلِك الْمحل واللجاج يجب أَن يحذرهُ فَهُوَ أليف الْغَضَب وحليف العطب لِأَنَّهُ يركب من الْأُمُور أصعبها وَيُفَارق من الآراء أصوبها وَقل مَا أجدى اللجاج إِلَّا شرا وَأَقل الْأَمريْنِ خيرا وَكفى بلجاجه مضرَّة ومعرة أَنه إِن أكذبه الظَّن تورك وَإِن ساعده الْقَضَاء شُورِكَ فَيصير بالمتاركة مَعْذُورًا وَفِي الْمُشَاركَة ممكورا
قَالَ الشَّاعِر
(وَإِذا رَأَيْت أَخَاك لج فَلَنْ لَهُ ... حَتَّى يعود إِلَى الطَّرِيق الأقصد)
(إِن اللجوج يلج إِن لاججته ... مثل الشهَاب يلج للمستوقد) // من الْكَامِل //
فَإِذا انْقَادَ إِلَى الْأَمر الأرفق وساعده الرَّأْي الأوفق لم يعْدم دركا إِن أنجح وعاذرا إِن أكدح
قَالَ الشَّاعِر
(ليبلغ عذرا أَو يُصِيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح) // من الطَّوِيل //
стр. 74
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(إِن الرِّفْق لم يكن قطّ فِي شَيْء إِلَّا زانه وَلَا نزع من شَيْء إِلَّا شانه)
وَليكن مساهلا للزمان فِي طلبته مباشرا للقدر فِي إِرَادَته
стр. 75
وَلَا يطْلب من الْأُمُور متعورا وَلَا متعذرا وَلَا يطْلب مِنْهَا مُدبرا وَلَا موليا فَإِن خاشنه الدَّهْر لَان وَإِن عَارضه الدَّهْر استكان فمطاول الدَّهْر مغلول ومعاند الْقدر مخذول
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من اسْتَعَانَ بِالرَّأْيِ ملك وَمن كَابر الْأُمُور هلك
следующие страницы →