Полный текст (133 стр.). Показаны 106–133 · переход к 111.
стр. 106
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (أوثق عرى الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله) وَهَؤُلَاء قد كفرُوا بِكِتَاب الله الَّذِي هُوَ الْقُرْآن وبرسوله الَّذِي هُوَ خَاتم الرُّسُل وبدينه الَّذِي هُوَ خير الْأَدْيَان وأبغضوه وعادوه وَالله يبغضهم وَقد غضب عَلَيْهِم ولعنهم كَمَا وصف ذَلِك فِي الْقُرْآن فَكيف يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن يكرم من أهانة الله وَيقرب من أبعده الله أَلَيْسَ لَو أَن رجلا كَانَ يخْدم سُلْطَانا وَكَانَ للسُّلْطَان عَدو يبغضه ويعاديه أفيحسن بخادم السُّلْطَان أَن يقرب عَدو السُّلْطَان ويكرمه فَكَذَا حَال من قرب أَعدَاء الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ أَو أكْرمهم أَو والاهم كَيفَ يكون حَاله عِنْد الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة
стр. 107
عمر بن عبد الْعَزِيز وتولية أهل الْقُرْآن
٢١٩ - وَقَالَ عمرَان بن أَسد أَتَانَا كتاب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى مُحَمَّد بن الميسر أما بعد فَإِنَّهُ بَلغنِي أَن فِي عَمَلك رجلا يُقَال لَهُ حسان على غير دين الْإِسْلَام وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَادعه إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أسلم فَهُوَ منا وَإِن أَبى فَلَا تستعن بِهِ وَلَا تَأْخُذ من غير أهل الْإِسْلَام على شَيْء من أَعمال الْمُسلمين فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكتاب فَأسلم
٢٢٠ - وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عماله أَلا توَلّوا على أَعمالنَا إِلَّا أهل الْقُرْآن فَكَتَبُوا إِلَيْهِ إِنَّا وجدنَا فيهم خِيَانَة فَكتب إِلَيْهِم إِن لم يكن فِي أهل الْقُرْآن خير فأجدر أَلا يكون فِي غَيرهم خير
٢٢١ - وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تستضيئوا بِنَار الْمُشْركين وَلَا تنقشوا على خواتيمكم عَرَبيا) أخرجه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ
стр. 108
٢٢٢ - وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت خرج رَسُول الله ﷺ قبل بدر فَلَمَّا كَانَ بحرة الْوَبرَة أدْركهُ رجل قد كَانَ يذكر مِنْهُ جرْأَة ونجدة ففرح بِهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ جئْتُك لأتبعك وَأُصِيب مَعَك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ (تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله) قَالَ لَا قَالَ (فَارْجِع فَلَنْ استعين بمشرك)
قَالَ ثمَّ مضى حَتَّى إِذا كَانَ بِالشَّجَرَةِ أدْركهُ الرجل فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أول مرّة فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ كَمَا قَالَ أول مرّة (تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله) قَالَ لَا قَالَ (فَارْجِع فَلَنْ أستعين بمشرك) فَرجع فأدركه بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أول مرّة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ كَمَا قَالَ أول مرّة (أتؤمن بِاللَّه وَرَسُوله) قَالَ نعم قَالَ لَهُ (انْطلق)
وَهَذَا أصل عَظِيم فِي أَلا يستعان بمشرك مَعَ أَن هَذَا خرج لِيُقَاتل مَعَ النَّبِي ﷺ فَكيف يجوز استعمالهم على رِقَاب الْمُسلمين
٢٢٣ - لَكِن قد رُوِيَ أَنه اسْتَعَانَ بناس من الْيَهُود فِي حربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 109
كَمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ اسْتَعَانَ بناس من الْيَهُود فِي حربه وأسهم لَهُم أخرجه أَبُو دَاوُد مُرْسلا
الِاسْتِعَانَة بِأَهْل الذِّمَّة فِي الْقِتَال
٢٢٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ اسْتَعَانَ بيهود بني قينقاع ورضخ لَهُم واستعان بِصَفْوَان بن أُميَّة فِي قتال هوزان يَوْم حنين أخرجه الْحَازِمِي
٢٢٥ - فَإِن صَحَّ هَذَا فَيكون تألفا لقلب من علم مِنْهُ حسن رَأْي فِي الْإِسْلَام وَلَيْسَ فِي قِتَالهمْ مَعَه ﷺ نوع ولَايَة وَلَا استئمان لَهُم بِخِلَاف استكتابهم لَا يجوز لما فِيهِ من استئمانهم وَقد خَوَّنَهُمْ الله
موقف الْأَئِمَّة مِنْهُ
٢٢٦ - قَالَ الشَّافِعِي وَآخَرُونَ إِن كَانَ الْكَافِر حسن الرَّأْي
стр. 110
بِالْمُسْلِمين ودعت حَاجَة إِلَى الإستعانة بِهِ استعين بِهِ وَإِلَّا فَيكْرَه وَحمل الْحَدِيثين على هذَيْن الْحَالَتَيْنِ
٢٢٧ - وَقَالَ مَالك وَأحمد وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ لَا يستعان بهم وَلَا يعانون على الْإِطْلَاق وَاسْتثنى مَالك فَقَالَ إِلَّا أَن يَكُونُوا خدما للْمُسلمين فَيجوز
٢٢٨ - وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ يستعان بهم ويعاونون على الْإِطْلَاق
٢٢٩ - وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا يجوز الِاسْتِعَانَة بهم فِي الْحَرْب إِذا أمنت خيانتهم وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَو انضمت فرقتا الْكفْر لقدر الْمُسلمُونَ على مقاومة الْفرْقَتَيْنِ
وَبِهَذَا يظْهر لَك تَحْرِيم استعمالهم على بَيت المَال لِأَن خيانتهم فِيهِ لَا تؤمن وَهِي ولَايَة يشْتَرط فِيهَا الْأَمَانَة وَالله تَعَالَى قد
стр. 111
شهد عَلَيْهِم بالخيانة فَكيف يجوز استعمالهم عمالا على بيُوت الله تَعَالَى واستئمانهم عَلَيْهَا وَهل ذَلِك إِلَّا بِمَثَابَة من دفع السَّيْف إِلَى قَاتله وأجهز على نَفسه وأعان الْعَدو على هَلَاكه
٢٣٠ - وَذكر صَاحب دُرَر الْآدَاب أَن الْمِقْدَاد بن الْأسود الْكِنْدِيّ جمعته الطَّرِيق مَعَ رجل يَهُودِيّ وَهُوَ رَاكب واليهودي راجل فتسايرا فَلَمَّا وصلا بَاب الْمَدِينَة أمسك الْمِقْدَاد الْيَهُودِيّ وَقَالَ لَهُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا صحب مُسلم يَهُودِيّا وَلَا عَامله إِلَّا غشه) وَأَنت قد سايرتني إِلَى بَاب هَذِه الْمَدِينَة فَبِمَ غششتني فَقَالَ الْيَهُودِيّ الْغِشّ يكون فِي مُعَاملَة أَو أكل أَو شرب فَشدد عَلَيْهِ الْمِقْدَاد فِي القَوْل وَهُوَ لَا يشك أَن الْمِقْدَاد لَا يخليه دون أَن يَقُول لَهُ فَلَمَّا ضايقه وألح عَلَيْهِ قَالَ تؤمنني على نَفسِي وأصدقك قَالَ نعم فَقَالَ الْيَهُودِيّ صدق وَالله نبيك لما أعياني الْأَمر فِي غشك وَلم أقدر على مَكْرُوه أوصله إِلَيْك كنت أَمْشِي فِي ظلك المتمدد على وَجه الأَرْض وأتفل عَلَيْهِ
فتولية هَؤُلَاءِ واستكتابهم رزية من الرزايا يبكى على
стр. 112
الْمُسلمين بِسَبَبِهَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ (لَا تبكوا على الدّين إِذا وليه أَهله وَلَكِن ابكوا إِذا وليه غير أَهله) رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد
стр. 113
الْفَصْل الرَّابِع عشر خطر الْولَايَة
٢٣١ - اعْلَم أَن خطر الْولَايَة عَظِيم وأمرها جسيم ولخطرها جَاءَت الْأَحَادِيث فِي التَّغْلِيظ فِي شَأْنهَا كَمَا ثَبت عَن أبي ذَر قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَلا أَن تَسْتَعْمِلنِي قَالَ فَضرب بِيَدِهِ على مَنْكِبي ثمَّ قَالَ (يَا أَبَا ذَر إِنَّك رجل ضَعِيف وَإِنَّهَا أَمَانَة وَإِنَّهَا يَوْم الْقِيَامَة خزي وندامة إِلَّا من أَخذهَا بِحَقِّهَا وَأدّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) أخرجه مُسلم
من جعل قَاضِيا ذبح بِغَيْر سكين)
٢٣٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من جعل قَاضِيا فقد ذبح بِغَيْر سكين) وَفِي رِوَايَة عَن النَّسَائِيّ (فَكَأَنَّمَا
стр. 114
ذبح بالسكين) وكلا الرِّوَايَتَيْنِ لَهُ من حَدِيث عُثْمَان الأخنسي وَقد وَثَّقَهُ يحيى بن معِين ومسه النَّسَائِيّ
وروى الرِّوَايَة الأولى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ
٢٣٣ - قَالَ الْغَزالِيّ ذبحه بِغَيْر سكين إِذْ قهر نَفسه على الْحق وَالْحكم فَكَأَنَّهُ ذَبحهَا بِغَيْر سكين لصعوبة قهر النَّفس ومخالفتها
٢٣٤ - وَذكر الْخطابِيّ فِيهِ مَعْنيين أخرين
أَحدهمَا أَن الذّبْح فِي الْعَادة إِنَّمَا هُوَ بالسكين فَعدل بِهِ ﷺ عَن الْمُعْتَاد ليعلم أَن الأخوف عَلَيْهِ هَلَاك دينه دون بدنه
وَالثَّانِي أَن الذَّابِح بالسكين يذبح الذَّبِيحَة ليتعجل إرهاق نَفسهَا وبغيرها يكون فِيهِ تَعْذِيب
стр. 115
فَضرب الْمثل بذلك ليَكُون الْمُتَوَلِي على حذر
٢٣٥ - قلت وَهَذَا التَّأْوِيل أرجح وَهُوَ إِنَّمَا يُطَابق الرِّوَايَة الأولى
٢٣٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (ويل لِلْأُمَرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أَقوام يَوْم الْقِيَامَة لَو أَن ذوائبهم كَانَت عقلت بِالثُّرَيَّا وَلم يَكُونُوا عمِلُوا على شَيْء) أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ
والعريف هُوَ الْقيم بِأَمْر الْقَبِيلَة والمحلة يتعرف أُمُورهم
٢٣٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ (مَا من حَاكم يحكم بَين النَّاس إِلَّا حبس يَوْم الْقِيَامَة وَملك آخذ بقفاه على جَهَنَّم ثمَّ يرفع رَأسه إِلَى الله فَإِن قَالَ ألقه أَلْقَاهُ فِي مهواة فَهَوِيَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) أخرجه أَحْمد
٢٣٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (ليَأْتِيَن على القَاضِي الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة سَاعَة
стр. 116
يتَمَنَّى أَنه لم يقْض بَين اثْنَيْنِ فِي ثَمَرَة قطّ)
٢٣٩ - وَعَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (مَا من رَحل يَلِي أَمر عشرَة فَمَا فَوق ذَلِك إِلَّا يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة يَده إِلَى عُنُقه فكه بره أَو أوثقه إثمه أَولهَا ملامة وأوسطها ندامة وَآخِرهَا خزي يَوْم الْقِيَامَة) أخرجه أَحْمد
عبد الله بن عمر والامتناع عَن تولي الْقَضَاء
٢٤٠ - وَعَن عبد الله بن وهب بن عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ لعبد الله بن عمر ﵃ اذْهَبْ فَكُن قَاضِيا قَالَ أوتعفيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
قَالَ فَاذْهَبْ فَاقْض بَين النَّاس قَالَ تعفيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ عزمت عَلَيْك إِلَّا فعلت قَالَ لَا تعجل سَمِعت رَسُول الله ﷺ (من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ) قَالَ نعم قَالَ فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن أكون قَاضِيا قَالَ وَمَا يمنعك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي قَالَ لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (من كَانَ قَاضِيا فَقضى بِالْجَهْلِ كَانَ من أهل النَّار وَمن كَانَ قَاضِيا فَقضى بالجور كَانَ
стр. 117
من أهل النَّار وَمن كَانَ قَاضِيا فَقضى بِحَق أَو بِعدْل سَأَلَ التفلت كفافا) فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بعد ذَلِك أخرجه أَبُو حَاتِم
٢٤١ - وَعَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يَنْبَغِي لمُؤْمِن أَن يذل نَفسه) قَالُوا كَيفَ يذل نَفسه قَالَ (يتَعَرَّض من الْبلَاء مَا لَا يُطيق) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ // حسن غَرِيب //
٢٤٢ - وَعَن الْمِقْدَام بن معدي كرب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أفلحت يَا قديم إِن مت وَلم تكن أَمِيرا وَلَا جابيا وَلَا عريفا) أخرجه أَحْمد وَلأبي دَاوُد أَن رَسُول الله ﷺ ضرب على مَنْكِبَيْه ثمَّ قَالَ لَهُ (أفلحت يَا قديم إِن مت وَلم تكن أَمِيرا وَلَا كَاتبا وَلَا عريفا)
٢٤٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 118
(ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم كَانَت معلقَة بِالثُّرَيَّا وَلم يَكُونُوا عمِلُوا على شَيْء)
كبار التَّابِعين يهربون من تولي الْقَضَاء
٢٤٤ - وَلما ورد فِي الولايات من التَّغْلِيظ كَانَ جمَاعَة من السّلف يهربون مِنْهَا كَمَا يرْوى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى عدي بن أَرْطَأَة نَائِبه على الْعرَاق أَن اجْمَعْ بَين إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَالقَاسِم بن ربيعَة الجرشِي فول قَضَاء الْبَصْرَة أنفذهما فَقَالَ لَهُ إِيَاس سل عني وَعنهُ فقيهي الْمصر الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَكَانَ الْقَاسِم يأتيهما وَإيَاس لَا يأتيهما فَعلم الْقَاسِم أَنَّهُمَا يشيران بِهِ فَقَالَ لَا تسئل عَنهُ وَلَا عني فوَاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أفقه وَأعلم بِالْقضَاءِ مني فَإِن كنت كَاذِبًا فَمَا يحل لَك أَن توليني وَأَنا كَاذِب وَإِن كنت صَادِقا فَيَنْبَغِي أَن تقبل قولي فَقَالَ إِيَاس إِنَّك جِئْت بِرَجُل أوقفته على شَفير جَهَنَّم فنجى نَفسه بِيَمِين كَاذِبَة يسْتَغْفر الله مِنْهَا وينجو مِمَّا يخَاف فَقَالَ عدي أما إِذا قد فهمتها فَأَنت لَهَا
٢٤٥ - وَقيل لعمر مَا يمنعك أَلا تفشي الْعَمَل فِي الأفاضل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ هم أجل من أَن أدنسهم بِالْعَمَلِ
стр. 119
الْفَصْل الْخَامِس عشر الْعدْل بِالْإِحْسَانِ
٢٤٦ - قد تقدم أَن الله تَعَالَى لما علم أَن أَمر النَّاس لَا يصلح على الْعدْل الْمُجَرّد من الْإِحْسَان أَمر أَن يتبع الْعدْل بِالْإِحْسَانِ
٢٤٧ - وَكتب بعض الْحُكَمَاء إِلَى بعض الْمُلُوك املك الرّعية بِالْإِحْسَانِ تظفر بالمحبة فَإِن طلب ذَلِك بِالْإِحْسَانِ هُوَ أدوم بَقَاء مِنْهُ بالعسف وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا تملك الْأَبدَان بتخطيها إِلَى الْقُلُوب بِالْمَعْرُوفِ وَاعْلَم أَنه إِذا عدل السُّلْطَان ملك قُلُوب الرّعية وَإِذا جَار لم يملك مِنْهُم غير الرِّيَاء والتصنع
قُلُوب الرّعية خَزَائِن مُلُوكهَا
٢٤٨ - وَفِي سير الْمُتَقَدِّمين قُلُوب الرّعية خَزَائِن مُلُوكهَا فَمَا أودعوها من شَيْء فَليعلم أَنه فِيهَا وَاعْلَم أَن الرّعية إِذا قدرت على أَن تَقول قدرت على أَن تفعل فاجهد أَلا تَقول تسلم من أَن تفعل
٢٤٩ - وَركب أزدشير يَوْمًا فِي عدَّة قَليلَة فَكتب إِلَيْهِ بعض
стр. 120
النصحاء ركبت أَيهَا الْملك أمس فِي عدَّة قَليلَة وَتلك عَادَة لَا يُؤمن اغتيال الْأَعْدَاء فِيهَا فَوَقع من عَم إحسانه آمن أعداءه
عبد الْملك بن مَرْوَان وَأهل الشَّام
٢٥٠ - وَمَا أحسن مَا قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان يَا أهل الشَّام أَنا لكم كالظليم الرَّائِح على فِرَاخه يَنْفِي عَنْهُم القذر ويباعد عَنْهُم الْحجر ويظلهم من الْمَطَر ويحميهم من الضباب ويحرسهم من الذئاب يَا أهل الشَّام أَنْتُم الْجُبَّة والرداء وَأَنْتُم الْعدة والجذاء
٢٥١ - وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أسوس النَّاس من قاد أبدان الرّعية إِلَى طَاعَته بقلوبها فَلَا يَنْبَغِي للوالي أَن يرغب فِي الْكَرَامَة الَّتِي ينالها من الْعَامَّة كرها وَلَكِن فِي الَّذِي يَسْتَحِقهَا بِحسن الْأَثر وصواب التَّدْبِير
٢٥٢ - وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِنِّي لأجمع أَن أخرج للْمُسلمين أمرا من الْعدْل فَأَخَاف أَلا تحتمله قُلُوبهم
стр. 121
فَأخْرج مَعَه طَمَعا من طمع الدُّنْيَا فَإِن نفرت الْقُلُوب من هَذَا سكنت إِلَى هَذَا
٢٥٣ - وَقَالَ مُعَاوِيَة لزياد من أسوس أَنا أَو أَنْت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا جعل الله رجلا حفظ النَّاس بِسَيْفِهِ كمن أسمع النَّاس وأطاعوا لَهُ باللين
٢٥٤ - ويروى أَن مولى زِيَاد فَخر بِزِيَاد عِنْد مُعَاوِيَة فَقَالَ مُعَاوِيَة اسْكُتْ فَمَا أدْرك صَاحبك شَيْئا بِسَيْفِهِ إِلَّا أَدْرَكته بكلامي
٢٥٥ - وَيَنْبَغِي للْملك أَلا يقطع إحسانه عَمَّن يسيء إِلَيْهِ من الرّعية ولتقتد فِي ذَلِك بِرَبِّك سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ تَعَالَى خلق
стр. 122
الْخلق أَجْمَعِينَ وأنعم عَلَيْهِ أَنْوَاع النعم فأكمل حواسهم وَخلق فيهم الشَّهَوَات ثمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِم نعمه فكملت لَهُم اللَّذَّات وَبعد هَذَا فَمَا قدرُوا الله حق قدره وَلَا عظموه حق عَظمته بل قَالُوا فِيهِ مَا لَا يَلِيق بِهِ ووصفوه بِمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وسلبوه مَا يجب لَهُ من الْأَسْمَاء الْحسنى وَالصِّفَات الْعليا فَمنهمْ من قَالَ هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة وَمِنْهُم من قَالَ لَهُ زَوْجَة وَمِنْهُم من قَالَ لَهُ الْبَنَات وَله البنون وَمِنْهُم من يجسمه ويشبهه وَمِنْهُم من أنكرهُ رَأْسا وَقَالَ مَا لِلْخلقِ صانع كَمَا حَكَاهُ الخلاق عَنْهُم فَقَالَ ﴿نموت ونحيا وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر﴾ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يحييهم ويبقيهم وَيصِح أجسامهم وحواسهم ويرزقهم وَيَقْضِي مآربهم وأوطارهم ويمتعهم مَتَاعا حسنا ويبلغهم أمانيهم فِي مُعظم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فمعاصيهم إِلَيْهِ صاعدة وَبَرَكَاته عَلَيْهِم نازلة كل يعْمل على شاكلته وَينْفق مَا عِنْده
٢٥٦ - وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ يَقُول الله تَعَالَى (مَا أحد أَصْبِر على أَذَى من الله يجْعَلُونَ لَهُ ولدا وَهُوَ
стр. 123
يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم ويكلؤهم فِي مضاجعهم كَأَنَّهُمْ لم يعصوني)
٢٥٧ - وَفِي مُنَاجَاة مُوسَى أَنه قَالَ (إلهي أَسأَلك أَلا يُقَال فِي مَا لَيْسَ فِي) فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا مُوسَى هَذَا شَيْء مَا فعلته لنَفْسي فَكيف أَفعلهُ لَك
٢٥٨ - وَفِي هَذِه السّير عِبْرَة لمن اعْتبر وَتَذْكِرَة لمن اذكر
٢٥٩ - ويروى أَن هِلَال بن يسَاف قَالَ اسْتعْمل النَّبِي ﷺ الْمِقْدَاد على سَرِيَّة فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ النَّبِي ﷺ (كَيفَ رَأَيْت الْإِمَارَة) قَالَ خرجت يَا رَسُول الله وَمَا أرى أَن لي فضلا على أحد من الْقَوْم فَمَا رجعت إِلَّا وَكلهمْ عبيد لي قَالَ ﷺ (وَكَذَلِكَ الْإِمَارَة أَبَا معبد)
стр. 124
الْفَصْل السَّادِس عشر الْمُسَاوَاة فِي الْقصاص
٢٦٠ - من الْعدْل إِقَامَة الْوَالِي الْقصاص بَين الشريف والمشروف وَالْكَبِير والحقير وَلَا يحابي فِيهِ أحدا وَيَأْخُذ الْحق وَلَو من نَفسه
٢٦١ - فقد روى ابْن وهب فِي موطئِهِ عَن ابْن شهَاب قَالَ وَقد أقاد النَّبِي ﷺ والخليفتان من أنفسهم ليستن بهم من بعدهمْ وَلم يتعمدوا بذلك حيفا
الرَّسُول ﷺ يقص من نَفسه
٢٦٢ - وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ قبل مَوته (من كَانَت لَهُ عِنْدِي مظْلمَة فليأت حَتَّى أقصه من نَفسِي) فَقَامَ سَواد فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّك ضربتني على بَطْني وَأَنا مَكْشُوف الْبَطن فكشف النَّبِي ﷺ بَطْنه فَإِذا هِيَ كالقباطي يَعْنِي ثِيَاب مصر فأكب عَلَيْهِ يقبله
قَالَ (يَا سَواد مَا حملك على هَذَا) فَقَالَ يَا رَسُول الله دنا لِقَاء هَؤُلَاءِ الْمُشْركين فَأَرَدْت أَن يكون آخر الْعَهْد بك أَن أقبل بَطْنك
فَهَذَا رَسُول الله ﷺ يقص من نَفسه مَعَ أَن الله تَعَالَى قد غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر لعلمه أَن الله تَعَالَى لَا يدع الْقصاص فِي الْمَظَالِم بَين الْعباد لِأَن الله تَعَالَى أعدل من يدع مظْلمَة لأحد عِنْد نَبِي أَو غَيره
٢٦٣ - وَفِي الحَدِيث يَقُول الله تَعَالَى لأسألن الْحجر لم نكب الْحجر ولأسألن الْعود لم خدش الْعود
٢٦٤ - وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ (لتؤدن
стр. 125
الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء)
مدى جَرَيَان الْقصاص بَين الْبَهَائِم
٢٦٥ - وَقد اخْتلف النَّاس فِي حشر الْبَهَائِم وَفِي جَرَيَان الْقصاص فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول حشرها مَوتهَا قَالَ وَحشر كل شَيْء الْمَوْت إِلَّا الْجِنّ وَالْإِنْس فَإِنَّهُمَا يوافيان يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ مُعظم الْمُفَسّرين إِنَّهَا تحْشر ويقتص مِنْهَا وَهُوَ قَول قَتَادَة قَالَ يحْشر كل شَيْء حَتَّى الذُّبَاب وَهُوَ الصَّحِيح لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ فَهَذَا دَلِيل
стр. 126
حشرها وَدَلِيل جَرَيَان الْقصاص بَينهَا إِخْبَار النَّبِي ﷺ (إِنَّه يقْتَصّ للشاة الْجَمَّاء من الشَّاة القرناء نطحتها يَوْم الْقِيَامَة)
وَفِي رِوَايَة لأبي حَاتِم (فتنطحها الشَّاة الْجَمَّاء) وَهَذَا لَا يحيله الْعقل وَقد صَحَّ الحَدِيث بِهِ فَيجب اعْتِقَاده
٢٦٦ - وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ والقرطبي فِي كِتَابه التَّذْكِرَة
٢٦٧ - قَالَ صِحَاب سراج الْمُلُوك قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ لَا يقطع بِإِعَادَة الْبَهَائِم والمجانين وَمن لم تبلغه الدعْوَة وَيجوز أَن يعادوا ويدخلوا الْجنَّة وَيجوز أَلا يعادوا
стр. 127
٢٦٨ - وَقَالَ أَبُو ذَر انتطحت شَاتَان فِي عهد النَّبِي ﷺ فَقَالَ (أَتَدْرُونَ فِيمَا انتطحتا قلت لَا أَدْرِي قَالَ لَكِن الله يدْرِي وسيقضي بَينهمَا وَمَا يقلب طَائِر بجناحيه فِي السَّمَاء إِلَّا ذكرنَا مِنْهُ علما) وَقَالَ أَبُو ذَر إِن الرجل ليسأل عَن نكبة أصْبع الرجل
٢٦٩ - وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا يأتيني أحدكُم على رقبته بعير لَهُ رُغَاء وعَلى رقبته بقرة لَهَا خوار وعَلى رقبته شَاة تنعر) الحَدِيث
٢٧٠ - وَقَالَ أَبُو الْحسن لَا تجْرِي الْمُقَاصَّة بَين الْبَهَائِم لِأَنَّهَا غير مكلفة وَلَا يجْرِي الْقَلَم عَلَيْهَا قَالَ وَمَا ورد فِي ذَلِك من الْأَخْبَار نَحْو قَوْله (يقْتَصّ للشاة الْجَمَّاء من القرناء) فعلى سَبِيل
стр. 128
الْمِثَال والإخبار عَن شدَّة التَّقَصِّي فِي الْحساب وَأَنه لابد أَن يقْتَصّ للمظلوم من الظَّالِم وأبى ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني فَقَالَ يجْرِي بَينهمَا الْقصاص قَالَ وَيحْتَمل أَنَّهَا كَانَت تعقل هَذَا الْقدر فِي الدُّنْيَا وَلِهَذَا جرى فِيهِ الْقصاص
٢٧١ - قَالَ صَاحب السراج وَكَلَام الْأُسْتَاذ لَهُ وَجه لِأَن الْبَهِيمَة تعرف النَّفْع وَالضَّرَر فتنفر من العصى وَتقبل على الْعلف وينزجر الْكَلْب إِذا زجر ويستأسد إِذا أشلى وَالطير والوحش تَفِر من الْجَوَارِح والوحش تَفِر من الْجَوَارِح استدفاعا لشرها
٢٧٢ - فَإِن قيل الْقصاص هُوَ جَزَاء على جِنَايَة مُخَالفَة لأمر والبهائم غير مكلفة وَلَا عقول لَهَا وَلَا جاءها رَسُول والعقول لَا يجب بهَا شَيْء عنْدكُمْ على الْعُقَلَاء فضلا عَن الْبَهَائِم وَهَذَا مُتَّجه على قَول الْأُسْتَاذ أَنَّهَا كَانَت تعقل هَذَا الْقدر وَلَا يجب بِالْعقلِ شَيْء وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾
وَالْجَوَاب أَنَّهَا لَيست مكلفة لِأَن من ضَرُورَة التَّكْلِيف أَن يعلم الرَّسُول والمرسل وَذَلِكَ من خَصَائِص الْعُقَلَاء وهما الثَّقَلَان فَإِذا لم يَكُونَا مكلفين كَانُوا فِي الْمَشِيئَة يفعل الله بهم مَا يَشَاء كَمَا سلط عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا الذّبْح والاستسخار فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ
стр. 129
سُبْحَانَهُ يفعل فِي ملكه مَا يَشَاء لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ من تنعيم وتعذيب وَإِذا جَازَ أَن يؤلم الْبَهِيمَة ابْتِدَاء جَازَ أَن يؤلمها لما ذكرنَا من الاقتصاص وَالْآيَة مَحْمُولَة على من يعلم الرَّسُول والمرسل ثمَّ إِن لم يجر عَلَيْهِم الْقَلَم فِي الدُّنْيَا فَإِنَّمَا رفع الْقَلَم عَنْهَا فِي الْأَحْكَام وَلَكِن فِيمَا بَينهم يؤاخذون بِهِ
٢٧٣ - وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اقْتُلُوا الوزغ فَإِنَّهُ كَانَ ينْفخ على إِبْرَاهِيم ﵇ فَهَذِهِ عجماء عوقبت على صَنِيع جِنْسهَا وَقد ضرب مُوسَى الْحجر الَّذِي فر بِثَوْبِهِ وَبَنُو إِسْرَائِيل تنظر عَوْرَته
٢٧٤ - وَرُوِيَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ أَنَّهَا الَّتِي نكبت النَّاس فِي الدُّنْيَا
٢٧٥ - وَرُوِيَ أَن الْمَسِيح مر بجبل فَسمع أنينه فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ سَمِعت الله يَقُول وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة فَلَا أَدْرِي أكون من تِلْكَ الْحِجَارَة أم لَا
стр. 130
الْفَصْل السَّابِع عشر وجوب دفع الضَّرَر عَن الْمُسلمين
٢٧٦ - فِي أمره تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ دَلِيل على وجوب دفع الضَّرَر عَن الْمُسلمين وإغاثة المستغيثين فِي النائبات لِأَنَّهُ من الْإِحْسَان وَكَذَلِكَ سد فاقاتهم كستر عَوْرَاتهمْ وإطعام الجائعين مِنْهُم
٢٧٧ - وَهَذَا يجب على الإِمَام إِذا كَانَ فِي بَيت المَال مَا يقوم بكفايتهم فَإِن لم يكن فِي بَيت المَال مَا يكفيهم وَلَا فِي زَكَاة أَمْوَال الْأَغْنِيَاء ذَلِك وَجب على الْأَغْنِيَاء مواساتهم بِمَا يكفيهم من طَعَام وشراب ومسكن وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه الغياثي يجب على الْمُوسر الْمُوَاسَاة بِمَا زَاد على كِفَايَة نَفسه
من لَا يرحم النَّاس لَا يرحم
٢٧٨ - وَثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من لَا يرحم النَّاس لَا يرحمه الله)
стр. 131
٢٧٩ - وَثَبت من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أَن أَصْحَاب الصّفة كَانُوا فُقَرَاء وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من كَانَ عِنْده طَعَام اثْنَيْنِ فليذهب بثالث وَمن كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فليذهب بخامس أَو سادس)
٢٨٠ - وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يُسلمهُ) فَمن تَركه يجوع ويعرى وَهُوَ قَادر على الْإِحْسَان فقد أسلمه للمكروه
٢٨١ - وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من كَانَ مَعَه فضل ظهر فليعد بِهِ على من لَا ظهر لَهُ وَمن كَانَ عِنْده فضل من زَاد فليعد بِهِ على من لَا زَاد لَهُ) قَالَ فَذكر من أَصْنَاف المَال مَا ذكر حَتَّى رَأينَا أَنه لَا حق لأحد منا فِي فضل
٢٨٢ - قَالَ ابْن حزم الظَّاهِرِيّ وروينا من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن
стр. 132
مهْدي قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لأخذت فضول أَمْوَال الْأَغْنِيَاء فقسمتها على فُقَرَاء الْمُهَاجِرين قَالَ وَهَذَا إِسْنَاد فِي غَايَة الصِّحَّة
وجوب الْإِحْسَان فِي كل شَيْء
٢٨٣ - وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي يعلى شَدَّاد بن أَوْس عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (أَن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذّبْح وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته)
وَإِنَّمَا ذكر ﷺ القتلة وَالذّبْح لِأَنَّهُمَا الْغَايَة من الْفَاعِل فِي أَذَى الْحَيَوَان وَلَا يبْقى بعدهمَا للإحسان وَجه فَإِذا كَانَ مَأْمُور بِالْإِحْسَانِ فِي فعل مَا هُوَ الْغَايَة فِي الْأَذَى فَكيف بِغَيْر ذَلِك فالإحسان مَأْمُور بِهِ على كل حَال
وَالْحَمْد لله ذِي الْجلَال وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وعترته الطاهرين وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
كتب فِي شهر جُمَادَى الأولى سنة ١٢٠٤ من الْهِجْرَة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَأتم التَّسْلِيم على يَد أفقر عباد الله وأحوجهم
стр. 133
إِلَيْهِ أَحْمد بن المرحوم عَلَاء الدّين الْغَزِّي بَلَدا الشَّافِعِي مذهبا الوفائي طَريقَة غفر الله لَهُ ولوالديه ولمشايخه وإخوانه وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات الْأَحْيَاء مِنْهُم والأموات وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم