Полный текст (133 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْمُؤمنِينَ مَشى معي إِلَى قاضيه فَقضى عَلَيْهِ فَرضِي بِهِ صدقت إِنَّهَا لدرعك سَقَطت مِنْك يَوْم كَذَا وَكَذَا عَن جمل لَك أَوْرَق فالتقطتها وَأَنا أشهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَقَالَ عَليّ هَذِه الدرْع وَهَذِه الْفرس لَك وَفرض لَهُ كل سنة تِسْعمائَة وَلم يزل مَعَه حَتَّى قتل بصفين وَكَانَ شُرَيْح قد قضى لعمر وَعلي ﵄ وَمَات فِي خلَافَة عبد الْملك
التَّسْوِيَة بَين الْخَلِيفَة وَأحد من الرّعية
١٥٦ - قَالَ الشّعبِيّ أَخذ عمر بن الْخطاب من رجل فرسا على سوم فَحمل عَلَيْهِ رجلا فَعَطب الْفرس فَقَالَ عمر اجْعَل بيني وَبَيْنك رجلا فَقَالَ صَاحب الْفرس اجْعَل بيني وَبَيْنك شريحا الْعِرَاقِيّ فَجعله فَقَالَ شُرَيْح يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخَذته صَحِيحا سليما على سوم فَعَلَيْك أَن ترده كَمَا أَخَذته فأعجب عمر قَوْله وَبعث بِهِ قَاضِيا وَقَالَ مَا وجدته فِي كتاب الله فَلَا تسْأَل عَنهُ أحدا وَمَا لم تستبن من كتاب الله فَالْزَمْ السّنة وَإِن لم تكن السّنة فاجتهد رَأْيك وَلَا تشَاور وَلَا تمار وَلَا تشتر وَلَا تبع
стр. 72
كَيْفيَّة الْقَضَاء
١٥٧ - وَعَن عبد الله بن الزبير قَالَ قضى رَسُول الله ﷺ (أَن الْخَصْمَيْنِ يقعدان بَين يَدي الْحَاكِم) أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد
١٥٨ - وَعَن عَليّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَى الْيمن قَاضِيا فَقَالَ يَا رَسُول الله تبعثني وَأَنا حَدِيث السن وَلَا علم لي بِالْقضَاءِ فَقَالَ (إِن الله سيهدي قَلْبك ويسدد لسَانك فَإِذا جلس بَين يَديك الخصمان فَلَا تقضين حَتَّى تسمع من الآخر كَمَا سَمِعت من الأول فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يتَبَيَّن لَك الْقَضَاء) فَمَا زلت قَاضِيا وَمَا تشككت فِي قَضَاء بعد أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا وَقَالَ // حَدِيث حسن //
وَهَذَا الَّذِي علمه رَسُول الله ﷺ عليا هُوَ الْعدْل وَبِه يتفطن الْحَاكِم لوجه الْحق وتلوح لَهُ بوادره لَا سِيمَا إِن كَانَ الْحَاكِم لبيبا فطنا لَهُ فراسة صائبة كَمَا وَقع لِسُلَيْمَان بن دَاوُد
стр. 73
صلى الله عَلَيْهِمَا فِي الْقَضَاء بَين الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْوَلَد وَهُوَ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابناهما جَاءَ الذِّئْب فَذهب بِابْن إِحْدَاهمَا فَقَالَت هَذِه لصاحبتها إِنَّمَا ذهب بابنك أَنْت قَالَت الْأُخْرَى إِنَّمَا ذهب بابنك فتحاكما إِلَى دَاوُد ﷺ فَقضى بِهِ للكبرى فخرجتا على سُلَيْمَان فأخبرتاه فَقَالَ ائْتُونِي بالسكين لأشقه بَيْنكُمَا فَقَالَت الصُّغْرَى لَا يَرْحَمك الله هُوَ ابْنهَا فَقضى بِهِ للصغرى) وَأخرجه النَّسَائِيّ وَترْجم عَلَيْهِ بَاب السعَة للْحَاكِم أَن يَقُول الشَّيْء لَا يَفْعَله أفعل ليستبين الْحق
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم فَقَالَ (ائْتُونِي بسكين فَقَالَت الصُّغْرَى مَه قَالَ أشقه بَيْنكُمَا قَالَت ادفعه إِلَيْهَا وَقَالَت الْكُبْرَى شقَّه بَيْننَا قَالَ فَقضى بِهِ للصغرى وَقَالَ لَو كَانَ ابْنك لم ترض أَن أشقه
وَعَن الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ففهمناها سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ فَحَمدَ سُلَيْمَان وَلم يلم دَاوُد وَلَوْلَا مَا ذكر الله من أَمر هذَيْن لرأيت أَن الْقُضَاة قد هَلَكُوا فَإِنَّهُ أثنى على هَذَا بِعِلْمِهِ
стр. 74
وَعذر هَذَا بِاجْتِهَادِهِ
إصْلَاح الْحَاكِم بَين الْخَصْمَيْنِ
١٥٩ - وَمن أعجب الْأَقْضِيَة وأحسنها مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اشْترى رجل من رجل عقارا فَوجدَ الَّذِي اشْترى الْعقار فِي عقاره جرة فِيهَا ذهب فَقَالَ الَّذِي اشْترى الْعقار خُذ ذهبك مني إِنَّمَا اشْتريت مِنْك الأَرْض وَلم أشتر مِنْك الذَّهَب وَقَالَ الَّذِي شرى الأَرْض إِنَّمَا بِعْتُك الأَرْض وَمَا فِيهَا قَالَ فتحاكما إِلَى رجل فَقَالَ الَّذِي تحاكما إِلَيْهِ ألكما ولد فَقَالَ أَحدهمَا لي غُلَام وَقَالَ الآخر لي جَارِيَة فَقَالَ أنكحوا الْغُلَام الْجَارِيَة وأنفقا على أنفسكما مِنْهُ وتصدقا
стр. 75
الْفَصْل الْحَادِي عشر يجب على الْحَاكِم الحذر من الْهوى
أثر الْهوى
١٦٠ - وليحذر الْحَاكِم كل الحذر من الْهوى فَإِنَّهُ يعمي ويصم كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَر بِإِسْنَاد عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (حبك الشَّيْء يعمي ويصم)
معنى الْهوى
١٦١ - وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ يعمي الْعين عَن النّظر إِلَى مساويه ويصم الْأذن عَن اسْتِمَاع الْعدْل فِيهِ وَأَنْشَأَ يَقُول
(وكذبت طرفِي فِيك والطرف صَادِق ... وأسمعت فِيك الْأذن مَا لَيْسَ تسمع)
стр. 76
الْفَصْل الثَّانِي عشر الرِّشْوَة والهدية
الحذر من الرِّشْوَة
١٦٢ - وليحذر من الرِّشْوَة والهدية فَإِنَّهُمَا يجعلان الْحق بَاطِلا وَالْعدْل جورا
الدَّلِيل من السّنة
١٦٣ - روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لعن الله الراشي والمرتشي فِي الحكم) أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ
١٦٤ - وَعَن ثَوْبَان قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرايش يَعْنِي الَّذِي يمشي بَينهمَا رَوَاهُ أَحْمد
стр. 77
الرِّشْوَة الوصلة إِلَى الْحَاجة وَأَصلهَا من الرشا الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى المَاء قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ والراشي الَّذِي يُعْطي من يُعينهُ على الْبَاطِل أَو إبِْطَال الْحق أَو مَنعه والمرتشي الْآخِذ والرايش الَّذِي يمشي بَينهمَا يستزيد هَذَا وينتقص لهَذَا
حكم الرِّشْوَة لدفع الظُّلم أَو للتوصل إِلَى الْحق
١٦٥ - وَأما مَا أعْطى لدفع الظُّلم أَو للتوصل إِلَى الْحق فَغير دَاخل فِيمَا ذكرنَا
وَرُوِيَ عَن جمَاعَة من التَّابِعين الْحسن وَالشعْبِيّ وَجَابِر بن زيد وَعَطَاء أَنهم قَالُوا لَا بَأْس أَن يصانع الْإِنْسَان عَن نَفسه وَمَاله إِذا خَافَ الظُّلم
هَدَايَا الْعمَّال غلُول
١٦٦ - وروى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي كتاب الْهَدَايَا عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (هَدَايَا الْعمَّال غلُول)
стр. 78
التطبيق فِي عهد رَسُول الله ﷺ
١٦٧ - وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ رجلا من الأزد يُقَال لَهُ ابْن اللتبية على الصَّدَقَة فَلَمَّا قدم قَالَ هَذَا لكم وَهَذَا أهدي إِلَيّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا بَال الرجل نَسْتَعْمِلهُ على الْعَمَل بِمَا ولاني اله فَيَقُول هَذَا لكم وَهَذَا أهدي إِلَيّ فَهَلا جلس فِي بَيت أَبِيه أَو بَيت أمه فَينْظر أيهدى إِلَيْهِ أم لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يحملهُ على رقبته إِن كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَو بقرة لَهَا خوار أَو شَاة تَيْعر) ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى رَأينَا عفرتي إبطَيْهِ وَقَالَ (اللَّهُمَّ هَل بلغت اللَّهُمَّ هَل بلغت ثَلَاثًا) العفر بِضَم الْعين الْمُهْملَة وبالفاء الْبيَاض الَّذِي لَيْسَ بناصع
مُحَابَاة الْوُلَاة فِي الْمُعَامَلَة من نوع الْهَدِيَّة
١٦٨ - وَكَذَا مُحَابَاة الْوُلَاة فِي الْمُعَامَلَة من نوع الْهَدِيَّة وَلِهَذَا شاطر سيدنَا عمر بن الْخطاب ﵁ من عماله من كَانَ لَهُ فضل وَدين لَا يتهم بخيانة وَإِنَّمَا شاطرهم لما خصوا بِهِ
стр. 79
لأجل الْولَايَة من الْمُحَابَاة وَغَيرهَا
١٦٩ - وَعَن عدي بن عميرَة الْكِنْدِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (من استعملناه مِنْكُم على عمل فكتمنا مخيطا فَمَا فَوْقه كَانَ غلولا يَأْتِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة) قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ رجل من الْأَنْصَار أسود كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ فَقَالَ اقبل عني عَمَلك قَالَ وَمَالك قَالَ سَمِعتك تَقول كَذَا وَكَذَا قَالَ (وَأَنا أقوله الْآن من استعملناه مِنْكُم على عمل فليجيء بقليله وَكَثِيره فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخذ وَمَا نهي عَنهُ انْتهى) أخرجه أَحْمد وَمُسلم
الْوَاجِب كف الظُّلم وَقَضَاء الْحَوَائِج الْمُبَاحَة
١٧٠ - وَقد يبتلى النَّاس من الْوُلَاة بِمن يمْتَنع من قبُول الْهَدِيَّة وَنَحْوهَا ليتَمَكَّن بذلك من اسْتِيفَاء الْمَظَالِم مِنْهُم وَيتْرك مَا أوجبه الله من قَضَاء حوائجهم فَيكون من أَخذ مِنْهُم عوضا على كف ظلم وَقَضَاء حَاجَة مُبَاحَة أحب إِلَيْهِم من هَذَا وَإِنَّمَا الْوَاجِب
стр. 80
كف الظُّلم عَنْهُم وَقَضَاء حوائجهم الَّتِي لَا تتمّ مصالحهم إِلَّا بهَا
الإهداء بعد قَضَاء الْحَاجة
١٧١ - وَقد روى الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من شفع لِأَخِيهِ بشفاعة فأهدى إِلَيْهِ هَدِيَّة فقبلها فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الرِّبَا)
١٧٢ - وروى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ السُّحت أَن يطْلب الرجل الْحَاجة للرجل فتقضى لَهُ فيهدي إِلَيْهِ فيقبلها
١٧٣ - وَرُوِيَ أَيْضا عَن مَسْرُوق أَنه كلم ابْن زِيَاد فِي مظْلمَة فَردهَا فأهدى إِلَيْهِ صَاحبهَا وصيفا فَردهَا عَلَيْهِ وَقَالَ سَمِعت ابْن مَسْعُود يَقُول من رد على مُسلم مظْلمَة فرزقه عَلَيْهَا قَلِيلا أَو كثيرا فَهُوَ سحت فَقلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا كُنَّا نرى السُّحت إِلَّا الرِّشْوَة فِي الحكم قَالَ ذَلِك كفر
стр. 81
شريك وَطَعَام الْمُلُوك
١٧٤ - وَدخل يَوْمًا على الْمهْدي أَبُو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك فَقَالَ لَهُ لَا بُد أَن تُجِيبنِي إِلَى خصْلَة من ثَلَاث خِصَال إِمَّا أَن تلِي الْقَضَاء أَو تحدث وَلَدي وتعلمهم أَو تآكل عِنْدِي أَكلَة وَذَلِكَ قبل أَن يَلِي الْقَضَاء فأفكر ثمَّ قَالَ الْأكلَة أخفها على نَفسِي فاحتبسه وَأمر الطباخ أَن يصلح لَهُ ألوانا من المخ الْمَعْقُود بالسكر وَالْعَسَل غير ذَلِك فَعمل وَقدم إِلَيْهِ فَأكل فَلَمَّا فرغ من الْأكل قَالَ الطباخ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ يفلح الشَّيْخ بعده هَذِه الْأكلَة أبدا فَحَدثهُمْ شريك بعد ذَلِك وَعلم أَوْلَادهم وَولي الْقَضَاء وَكتب لَهُ برزقه على الصَّيْرَفِي فضايقه فِي النَّقْد وَقَالَ إِنَّك لن تبيع بِهِ بزا فَقَالَ وَالله بِعْت بِهِ أَكثر من الْبَز بِعْت بِهِ ديني
حكم أَخذ أَمْوَال النَّاس بِغَيْر حق
١٧٥ - وَإِذا أَخذ السُّلْطَان أَو غَيره من الْوُلَاة أَمْوَال النَّاس بِغَيْر حق وَقد تعذر ردهَا على أَصْحَابهَا ككثير من الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة وعَلى ورثتهم فَالْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يصرفهَا مَعَ التَّوْبَة إِن
стр. 82
كَانَ هُوَ الظَّالِم إِلَى مصَالح الْمُسلمين هَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء وَإِن كَانَ غَيره قد أَخذهَا وَتعذر ردهَا على أَصْحَابهَا وَثمّ إِمَام عَادل يصرفهَا فِي مصَالح الْمُسلمين دَفعهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا صرفهَا هُوَ بِنَفسِهِ إِلَى أهم الْمصَالح فأهمها وَلَا يَدْفَعهَا إِلَى وَال يأكلها وَهَذَا فِيهِ المعاونة على الْبر وَالتَّقوى
مدَار الشَّرِيعَة
١٧٦ - ومدار الشَّرِيعَة على قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ الْمُفَسّر لقَوْله تَعَالَى (اتَّقوا الله حق تُقَاته) وعَلى قَوْله ﷺ (اذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم) أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
الْوَاجِب تَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها
١٧٧ - وعَلى أَن الْوَاجِب تَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها وتبطيل الْمَفَاسِد وتقليلها فَإِذا تَعَارَضَت كَانَ تَحْصِيل أعظم المصلحتين
стр. 83
بتفويت أدناهما وَدفع أعظم المفسدتين مَعَ احْتِمَال أدناهما هُوَ الْمَشْرُوع
جَوَاز الْأَخْذ على الحكم إِذا لم يكن لَهُ رزق
١٧٨ - وَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فَمَا أَخذ بعد ذَلِك فَهُوَ غلُول) أخرجه أَبُو دَاوُود وَمَفْهُومه جَوَاز الْأَخْذ على الحكم إِذا لم يكن لَهُ رزق وَقد جوزه بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي بِشَرْط أَلا يكون لَهُ رزق على بَيت المَال وَأَن يَأْخُذ مِقْدَار أُجْرَة الْعَمَل
١٧٩ - فَإِن قيل فقد كَانَ رَسُول ﷺ يقبل الْهَدِيَّة قيل قَالَ بعض الْعلمَاء بتخصيصه ﷺ بذلك وَأَنه لَيْسَ لأحد بعده من الْخُلَفَاء والقضاة والولاة قبُولهَا لعُمُوم قَوْله ﷺ (هَدَايَا الْعمَّال غلُول)
١٨٠ - وَرُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ (كَانَت للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 84
هَدِيَّة وللأمراء بعده رشوة)
١٨١ - وَرُوِيَ عَن سيدنَا عَليّ ﵁ أَنه يردهَا إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف مَا أهْدى إِلَيْهِ أهل الْحَرْب فَهُوَ لَهُ دون بَيت مَال الْمُسلمين
١٨٢ - وَمِمَّا نظمته فِي الرِّشْوَة
(تَبًّا لقاض حَاكم بالهوى ... كالذئب لَكِن بَين أَثوَاب)
(إِن دخلت منزله رشوة ... أخرجت الْحق من الْبَاب)
١٨٣ - ولبعضهم فِي قبُول الْهَدِيَّة
(إِن الْهَدِيَّة حلوة هِيَ ... كالسحر تجتلب القلوبا)
(تدني الْبعيد من الْهوى ... حَتَّى تصيره قَرِيبا)
(وتعيد مصطفى الْعَدَاوَة ... بعد جفوته حبيبا)
منزلَة السُّلْطَان من بَيت مَال الْمُسلمين
١٨٤ - وَيَنْبَغِي للسُّلْطَان أَن ينزل نَفسه منزلَة وَاحِد من الْمُسلمين فَلَا يتَنَاوَل من بَيت المَال فَوق كِفَايَته
١٨٥ - فقد روى الْبَيْهَقِيّ أَن أَبَا بكر لما اسْتخْلف غَدا إِلَى السُّوق فَقَالَ لَهُ عمر أَيْن تُرِيدُ قَالَ السُّوق قَالَ إِنَّه قد جَاءَك مَا يشغلك
стр. 85
عَن السُّوق قَالَ سُبْحَانَ الله يشغلني عَن عيالي قَالَ فَفرض لَهُ بِالْمَعْرُوفِ
١٨٦ - وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة قَالَت لما اسْتخْلف أَبُو بكر قَالَ لقد علم قومِي أَن حرفتي لم تكن تعجز عَن معشية أَهلِي وشغلت بِأَمْر الْمُسلمين فيأكل آل أبي بكر من هَذَا المَال ويحترف للْمُسلمين فِيهِ وَمعنى الحرفة الْكسْب أَي يكْتَسب لَهُم بِقدر مَا يَأْكُل من أَمْوَالهم
وَعَن عمر ﵁ قَالَ إِنَّمَا أنزلت نَفسِي من هَذَا المَال منزلَة ولي الْيَتِيم إِن احتجت أخذت فَإِذا أَيسَرت رَددته وَإِن اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت وَإِن افْتَقَرت أكلت بِالْمَعْرُوفِ وَلم يذكر الرَّد أخرجه الْبَيْهَقِيّ
حُقُوق الْعَامِل فِي عهد رَسُول الله ﷺ
١٨٧ - وَعَن الْمُسْتَوْرد بن شَدَّاد قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول (من كَانَ لنا عَاملا فليكتسب زَوْجَة فَإِن لم يكن لَهُ خَادِم فليكتسب خَادِمًا فَإِن لم يكن لَهُ مسكن فليكتسب مسكنا) قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر أخْبرت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (وَمن اتخذ غير ذَلِك فَهُوَ
стр. 86
غال أَو سَارِق) أخرجه أَبُو دَاوُد
١٨٨ - وَقَالَ الْخطابِيّ هَذَا يتَأَوَّل على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه يُبَاح لَهُ اكْتِسَاب الْخَادِم والمسكن ذَلِك من عمالته الَّتِي هِيَ أُجْرَة مثله وَلَيْسَ لَهُ أَن يرتفق بِشَيْء سواهَا
وَالْوَجْه الآخر لِلْعَامِلِ السُّكْنَى وَالْخَادِم فَإِن لم يَكُونَا لَهُ اُسْتُؤْجِرَ لَهُ مسكن مُدَّة مقَامه فِي عمله وخادم يَكْفِيهِ مهنة مثله
١٨٩ - وَعَن الْأَحْنَف بن قيس قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد بَاب عمر فَخرجت علينا جَارِيَة فَقُلْنَا هَذِه سَرِيَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَت وَالله مَا أَنا بسرية وَلَا أحل لَهُ وَإِنِّي لمن مَال الله ثمَّ دخلت فَخرج علينا عمر فَقَالَ مَا ترَوْنَ يحل لي من هَذَا المَال أَو من مَال الله قَالَ قُلْنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم قَالَ إِن شِئْتُم أَخْبَرتكُم مَا أستحل مِنْهُ مَا أحج وأعتمر عَلَيْهِ من الظّهْر وحلتي فِي الشتَاء وحلتي فِي الصَّيف وقوت عيالي وشبعي وسهمي فِي الْمُسلمين
стр. 87
للوالي أَن يَأْخُذ من بَيت المَال قدر كِفَايَته
١٩٠ - قَالَ معمر يجوز للوالي أَن يَأْخُذ من بَيت المَال قدر كِفَايَته من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة لَهُ وَلمن تلْزمهُ نَفَقَته ويتخذ مسكنا وخادما
أجر القَاضِي
١٩١ - وَكَانَ شُرَيْح يتَّخذ على الْقَضَاء أجرا
١٩٢ - قَالَ الشَّافِعِي يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يَجْعَل مَعَ رزق القَاضِي شَيْئا لقرطاسه
١٩٣ - وَكَانَ ابْن مَسْعُود يكره لقَاضِي الْمُسلمين أَن يَأْخُذ أجرا أَو عمالة
يُوسُف ﵇ وخزائن الأَرْض
١٩٤ - ويروى أَن يُوسُف ﵇ لما ملك خَزَائِن الأَرْض كَانَ يجوع وَيَأْكُل خبز الشعيلر فَقيل لَهُ أتجوع وبيدك خَزَائِن الأَرْض قَالَ أَخَاف أَن أشْبع فأنسى الجائعين
أَبُو بكر الصّديق ﵁ وَبَيت مَال الْمُسلمين
١٩٥ - وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ لما حضرت أَبَا بكر الْوَفَاة قَالَ
стр. 88
انْظُرُوا كم أنفقت من مَال الله فوجدوا قد أنْفق فِي سنتَيْن وَنصف ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم قَالَ اقضوها عني فقضوها عَنهُ ثمَّ قَالَ يَا معشر الْمُسلمين إِنَّه قد حضر من أَمر الله مَا ترَوْنَ فَلَا بُد لكم مِمَّا يَلِي أَمركُم وَيُصلي بكم وَيُقَاتل عَدوكُمْ فَإِن شِئْتُم اجْتَمَعْتُمْ أَنْتُم وذلكم وَإِن شِئْتُم اجتهدت لكم فو الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا ألوكم وَنَفْسِي خيرا فبكوا وَقَالُوا أَنْت خيرنا وَأَعْلَمنَا فاختر لنا فَقَالَ قد اخْتَرْت لكم عمر
عمر بن الْخطاب ﵁ وعماله وأموال بَيت المَال
١٩٦ - وَقَالَ أنس بن مَالك غلا الطَّعَام على عهد عمر بن الْخطاب فَأكل عمر الشّعير وَكَانَ قبل ذَلِك لَا يَأْكُلهُ فاستنكر بِهِ بَطْنه فَضَربهُ بِيَدِهِ وَقَالَ هُوَ وَالله مَا ترى حَتَّى يُوسع الله على الْمُسلمين
١٩٧ - وَقَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ رَأَيْت عمر بن الْخطاب يطوف بِالْبَيْتِ وَعَلِيهِ جُبَّة صوف فِيهَا اثْنَتَا عشرَة رقْعَة إِحْدَاهَا بأدم أَحْمَر
١٩٨ - وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب اسْتعْمل عمر بن الْخطاب السَّائِب
стр. 89
ابْن الْأَقْرَع على الْمَدَائِن فَدخل إيوانا لكسرى فَإِذا صنم يُشِير بِأُصْبُعِهِ إِلَى الأَرْض قد عقد أَرْبَعِينَ قَالَ وَالله مَا يُشِير هَذَا بإصبعه إِلَى الأَرْض إِلَّا وَثمّ شَيْء فحفر فَاسْتَخْرَجُوا سفطا فِيهِ جَوْهَر فَكتب إِلَى عمر بن الْخطاب أما بعد فَإِنِّي دخلت إيوانا لكسرى فَرَأَيْت كَذَا وَكَذَا فاحتفرت فأخرجت سفطا فِيهِ جَوْهَر فَلم أجد أَحَق بِهِ مِنْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يكن من فئ الْمُسلمين فأقسمه بَينهم إِنَّمَا أصبْنَا شَيْئا تَحت الأَرْض فَلَمَّا قدم السفط على عمر وَعَلِيهِ خَاتم السَّائِب فَرَأى عمر فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن نَارا أججت وَهُوَ يُرِيد أَن يلقى فِيهَا فَكتب إِلَى السَّائِب أَن أقدم عَليّ
قَالَ فَلَمَّا قدمت عَلَيْهِ وَهُوَ يطوف فِي إبل الصدقه فطفت مَعَه إِلَى نصف النَّهَار ثمَّ دَعَا بِمَاء فاغتسل ثمَّ دَعَا لي بِمَاء فاغتسلت ثمَّ ذهب إِلَى منزله فَأتى بِلَحْم غليظ وخبز مستخشن ثمَّ قَالَ انْظُر من على الْبَاب فَإِذا أسودان فَجعل يَأْكُل مَعَهم فَإِذا لحم غليظ لَا أَسْتَطِيع أسيغه وَقد كنت تعودت درمك أَصْبَهَان إِذا وَضعته فِي فِي دخل بَطْني ثمَّ دَعَا بالسفط فَقَالَ أتعرف خاتمك قَالَ نعم قَالَ كتبت ترقق لي تزْعم أَنِّي أَحَق بِهِ من أَيْن أصبته فَقَالَ اذْهَبْ فاجعله فِي بَيت الْمُسلمين حَتَّى أقسمه بَينهم
стр. 90
١٩٩ - وَقَالَ قَتَادَة قدم عمر الشَّام فَصنعَ لَهُ طَعَام لم ير قبله مثله فَقَالَ هَذَا لنا فَمَا لفقراء الْمُسلمين الَّذين مَاتُوا وهم لَا يشبعون من خبز الشّعير قَالَ خَالِد بن الْوَلِيد لَهُم الْجنَّة فاغرورقت عينا عمر وَقَالَ لَئِن كَانَ حظنا فِي هَذَا الطَّعَام وذهبوا وحظهم بِالْجنَّةِ لقد باينونا بونا بَعيدا
عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة الْجراح ﵄
٢٠٠ - وَقَالَ عبد الله بن عمر الْعمريّ قَالَ عمر حِين قدم الشَّام لأبي عُبَيْدَة اذْهَبْ بِنَا إِلَى مَنْزِلك قَالَ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَن تعصر عَيْنَيْك عَليّ قَالَ فَدخل منزله فَلم ير شَيْئا
قَالَ عمر أَيْن متاعك لَا أرى إِلَّا لبدا وشنا وصحفة وَأَنت أَمِير أعندك طَعَام فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَة إِلَى جونة فَأخْرج مِنْهَا كسيرات فَبكى عمر فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة ألم أقل لَك فَمَا تُرِيدُ إِلَّا أَن تعصر عَيْنَيْك عَليّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَكْفِيك من الدُّنْيَا مَا بلغك المقيل فَقَالَ عمر غيرتنا الدُّنْيَا بعْدك يَا أَبَا عُبَيْدَة
٢٠١ - وَقَالَ النَّخعِيّ بعث أَمِير الْمُؤمنِينَ مُصدقين فأبطأوا عَلَيْهِ وبالناس حَاجَة شَدِيدَة فَجَاءُوا بالصدقات فَقَامَ مؤتزرا بعباءة
стр. 91
يخْتَلف فِي أَولهَا وَآخِرهَا وَيَقُول هَذِه لآل فلَان وَهَذِه لآل فلَان حَتَّى انتصف النَّهَار وجاع دخل بَيته حَتَّى إِذا أمكن أكله ثمَّ قَالَ من أدخلهُ النَّار بَطْنه فَأَبْعَده الله
٢٠٢ - وَقَالَ طَاوس أجدب النَّاس على عهد عمر فَمَا أكل عمر سمنا وَلَا سمينا حَتَّى أكل النَّاس
عَليّ بن أبي طَالب وزهده
٢٠٣ - وَقَالَ سعيد بن جُبَير إِن عليا قدم الْكُوفَة وَهُوَ خَليفَة وَعَلِيهِ إزاران قطويان قد رقع إزارا مِنْهُمَا بِخرقَة لَيست بقطوية من وَرَائه فجَاء أَعْرَابِي فَنظر إِلَى تِلْكَ الْخِرْقَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كل من هَذَا الطَّعَام والبس من هَذَا اللبَاس واركب فَإنَّك ميت أَو مقتول قَالَ إِن هَذَا خير لي فِي صَلَاتي وَأصْلح لقلبي وأشبه بِسنة الصَّالِحين قبلي وأجدر أَن يَقْتَدِي بِي من أَتَى من بعدِي
نَفَقَة عمر بن الْخطاب ﵁ فِي الْحَج
٢٠٤ - وَلما حج عمر قَالَ كم بلغت نفقتنا يَا يرفأ قَالَ ثَمَانِيَة عشر دِينَارا قَالَ وَيحك أجحفنا بَيت مَال الْمُسلمين
عمر بن الْخطاب وعامله سعيد بن عَامر
٢٠٥ - وَقَالَ شهر بن حَوْشَب لما بلغ عمر الشَّام طَاف بكورها
стр. 92
حَتَّى نزل حمص فَقَالَ اكتبوا لي فقراءهم فَرفعُوا إِلَيْهِ الرقعة فَإِذا سعيد بن عَامر فَقَالَ من سعيد بن عَامر قَالُوا أميرنا قَالَ فَعجب وَقَالَ كَيفَ يكون أميركم فَقِيرا قَالُوا إِنَّه لَا يمسك شَيْئا فَبكى عمر وَبعث بِأَلف دِينَار يَسْتَعِين بهَا فِي حَاجته فَجعل يسترجع فَقَالَت لَهُ امْرَأَته مَالك أَصَابَك أَمِير الْمُؤمنِينَ بشر قَالَ أعظم من ذَلِك أَتَتْنِي الدُّنْيَا دخلت عَليّ الدُّنْيَا وَإِنِّي سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول (إِن فُقَرَاء الْمُسلمين يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائها بِأَرْبَعِينَ عَاما) فو الله مَا يسرني أَنِّي احْتبست عَن الرعيل الأول وَأَن لي بِهِ مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس
قَالَت فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت قَالَ هَل عنْدك معاونة قَالَت نعم فَأَتَتْهُ بخمارها فصر فِيهِ الدَّنَانِير صررا ثمَّ جعلهَا فِي مخلاة وَبَات يُصَلِّي ويبكي حَتَّى أصبح فَأَعْرض جَيْشًا من جيوش الْمُسلمين فأمضاها كلهَا فَقَالَت امْرَأَته رَحِمك الله لَو حبست مِنْهَا شَيْئا نستعين بِهِ فَقَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول (لَو اطَّلَعت امْرَأَة من نسَاء الْجنَّة إِلَى الأَرْض لملأت الأَرْض من ريح الْمسك)
стр. 93
وَإِنِّي وَالله مَا أختارك عَلَيْهِنَّ فَسَكَتَتْ
عمر بن الْخطاب ﵁ وعامله عُمَيْر بن سعد
٢٠٦ - وَرُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ اسْتعْمل رجلا على حمص يُقَال لَهُ عُمَيْر بن سعد فَلَمَّا مَضَت السّنة كتب إِلَيْهِ أَن يقدم عَلَيْهِ فَلم يشْعر بِهِ عمر إِلَّا أَن قدم مَاشِيا حافيا مَعَه عكازته ومزوده وقصعته على ظَهره فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ عمر قَالَ لَهُ يَا عُمَيْر أخنتنا أم الْبِلَاد بِلَاد سوء
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا نهاك الله أَن تجْهر بالسوء وَعَن سوء الظَّن وَمَا ترى من سوء الْحَال وَقد جئْتُك بالدنيا أجرهَا بقرابها قَالَ وَمَا مَعَك من الدُّنْيَا قَالَ عكازة أتوكأ عَلَيْهَا وأدفع بهَا عدوا إِن لَقيته ومزودي أحمل فِيهِ طَعَامي وإدواوتي هَذِه أحمل فِيهَا المَاء لشربي وصلاتي وقصعتي هَذِه أتوضا فِيهَا وأغسل فِيهَا رَأْسِي وآكل فِيهَا طَعَامي فو الله يَا أَمِير لمؤمنين مَا الدُّنْيَا بعد إِلَّا تبع لما معي
قَالَ فَقَامَ عمر من مَجْلِسه إِلَى قبر رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر فَبكى ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ ألحقني بصاحبي غير مفتضح وَلَا مبدل ثمَّ عَاد إِلَى مَجْلِسه ثمَّ قَالَ مَا صنعت فِي عَمَلك يَا عُمَيْر قَالَ أخذت الرقة من أهل الرقة وَالْإِبِل من أهل الْإِبِل وَأخذت الْجِزْيَة من أهل الذِّمَّة عَن يَد وهم صاغرون ثمَّ قسمتهَا بَين الْفُقَرَاء
стр. 94
وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل فو الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو بَقِي مِنْهَا عِنْدِي شَيْء لأتيتك بِهِ فَقَالَ عمر عد إِلَى عَمَلك فَقَالَ عُمَيْر أنْشدك الله أَلا تردني إِلَى عَمَلي وَلم أسلم مِنْهُ حَتَّى قلت لذِمِّيّ أخزاك الله وَلَقَد خشيت أَن يخصمني لَهُ مُحَمَّد ﷺ وَلَقَد سمعته يَقُول (أَنا حجيج المظلومين) وَلَكِن ائْذَنْ لي آتِي أَهلِي فَأذن لَهُ فَأتى أَهله
فَبعث عمر رجلا يُقَال لَهُ خبيب بِمِائَة دِينَار فَقَالَ ائْتِ عُمَيْرًا فَانْزِل عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن يَك خائنا لم يخف عَلَيْك فِي عيشه وَأهل بَيته وادفع إِلَيْهِ الْمِائَة دِينَار فَأَتَاهُ خبيب فَنزل عِنْده ثَلَاثًا فَلم ير لَهُ عَيْشًا إِلَّا الشّعير وَالزَّيْت فَلَمَّا مَضَت الثَّلَاث قَالَ لَهُ يَا خبيب إِن رَأَيْت أَن تتحول إِلَى جيراننا فلعلهم أَن يَكُونُوا أوسع عَيْشًا منا أما نَحن فَلَو كَانَ عندنَا وَالله غير هَذَا لآثرناك بِهِ قَالَ فَدفع إِلَيْهِ الْمِائَة وَقَالَ قد بعثها إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَدَعَا بِفَرْوٍ خلق لامْرَأَته فصرها الْخَمْسَة والستة والسبعة فَقَسمهَا
فَقدم خبيب على عمر فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جئْتُك من عِنْد أزهد النَّاس وَمَا عِنْده من الدُّنْيَا لَا قَلِيل وَلَا كثير فَبعث إِلَيْهِ عمر وَقَالَ مَا صنعت بِالْمِائَةِ يَا عُمَيْر قَالَ لَا تَسْأَلنِي عَنْهَا قَالَ فلتخبرني قَالَ
стр. 95
قسمتهَا بيني وَبَين إخْوَانِي من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار قَالَ فَأمر لَهُ بوسقي طَعَام وثوبين قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما الثوبان فَأقبل وَأما الوسقان فَلَا حَاجَة لي بهما عِنْد أَهلِي صَاع من بر وَهُوَ كافيهم حَتَّى أرجع إِلَيْهِم
عمر بن الْخطاب وعامليه أبي عُبَيْدَة الْجراح ومعاذ بن جبل
٢٠٧ - ثمَّ إِن عمر ﵁ صر أَرْبَعمِائَة دِينَار وَقَالَ للغلام اذْهَبْ بهَا إِلَى أبي عُبَيْدَة الْجراح ثمَّ تلكأ سَاعَة حَتَّى ترى مَا يصنع فَذهب بهَا الْغُلَام إِلَيْهِ وَقَالَ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ اجْعَل هَذِه فِي بعض حَاجَتك قَالَ وَصله الله ورحمه ثمَّ قَالَ تعالي يَا جَارِيَة اذهبي بِهَذِهِ السَّبْعَة إِلَى فلَان وبهذه الْخَمْسَة إِلَى فلَان حَتَّى أنفذها
стр. 96
وَرجع الْغُلَام إِلَى عمر فَأخْبرهُ فَوَجَدَهُ قد عد مثلهَا لِمعَاذ بن جبل وَقَالَ مر بهَا إِلَى معَاذ بن جبل وتلكأ فِي الْبَيْت سَاعَة حَتَّى تنظر مَا يصنع فِيهَا فَذهب بهَا إِلَيْهِ وَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول اجْعَل هَذِه فِي بعض حَاجَتك فَقَالَ ﵀ وَوَصله ثمَّ قَالَ يَا جَارِيَة اذهبي إِلَى فلَان بِكَذَا وَإِلَى فلَان بِكَذَا فَقَالَت امْرَأَة معَاذ وَنحن وَالله مَسَاكِين أعطنا وَلم يبْق إِلَّا دِينَارَانِ قد حابهما إِلَيْهَا فَذهب الْغُلَام فَأخْبرهُ فَقَالَ إِنَّهُم إخْوَة بَعضهم من بعض
عمر بن عبد الْعَزِيز أثْنَاء خِلَافَته
٢٠٨ - وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة قدمت إِلَيْهِ الْخَيل فَقيل لَهُ هَذِه مراكب الْخلَافَة فَقَالَ مَالِي وَلها نَحْوهَا عني وقربوا إِلَيّ بغلتي فقربت إِلَيْهِ بغلته فجَاء صَاحب الشرطة يسير بَين يَدَيْهِ بالحربة فَقَالَ تَنَح عني مَالِي وَلَك إِنَّمَا أَنا رجل من الْمُسلمين ثمَّ أَمر بالستور فهتكت وَالثيَاب الَّتِي كَانَت تبسط للخلفاء فَحملت وَأمر بِبَيْعِهَا وَإِدْخَال ثمنهَا بَيت المَال ثمَّ ذهب يتبوأ مقيلا فَأَتَاهُ ابْنه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تقيل وَلَا ترد الْمَظَالِم فَقَالَ أَي بني إِنِّي سهرت البارحة فِي أَمر عمك سُلَيْمَان فَإِذا صليت الظّهْر رددت الْمَظَالِم قَالَ من لَك أَن تعيش إِلَى الظّهْر قَالَ ادن مني يَا بني فَدَنَا مِنْهُ فَالْتَزمهُ وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي خرج من صلبي من يُعِيننِي على ديني فَخرج وَلم يقل ورد الْمَظَالِم
٢٠٩ - ثمَّ سمعُوا من منزله بكاء عَالِيا فَقَالُوا مَا هَذَا قَالُوا إِنَّه
стр. 97
خير جواريه فَقَالَ إِنَّه قد نزل بِي أَمر شغلني عنكن فَمن أحب أَن أعْتقهَا عتقتها وَمن أَرَادَت أَن أمْسكهَا أَمْسَكتهَا وَلم يكن مني إِلَيْهَا شَيْء فبكين أياسا مِنْهُ
٢١٠ - وَقَالَت زَوجته فَاطِمَة مَا أعلم أَنه اغْتسل من جَنَابَة وَلَا من احْتِلَام مُنْذُ اسْتَخْلَفَهُ الله حَتَّى قَبضه وَقَالَ مُزَاحم لما اسْتخْلف عمر بن عبد الْعَزِيز قومُوا ثِيَابه فرادوها اثْنَي عشر درهما كمته وعمامته وقميصه وقباءه وقرطعته وخفيه ورداءه
٢١١ - وَقَالَ عمر بن رَاشد أُتِي بالطيب الَّذِي كَانَ يصنع للخلفاء من بَيت المَال فَأمْسك على أَنفه وَقَالَ إِنَّمَا ينْتَفع بريحه
٢١٢ - وَقَالَ رَجَاء بن حَيْوَة قدمت امْرَأَة من أهل الْعرَاق على عمر ﵁ فَلَمَّا صَارَت إِلَى بَابه قَالَت هَل على أَمِير الْمُؤمنِينَ من صَاحب فَقَالُوا لَا إِن أَحْبَبْت فلجي فَدخلت الْمَرْأَة على فَاطِمَة زَوْجَة عمر وَهِي جالسة فَبَكَتْ وَقَالَت إِنَّمَا جِئْت لأعمر بَيْتِي من هَذَا الْبَيْت الخراب فَقَالَت لَهَا فَاطِمَة وَالله مَا خربه إِلَّا عمَارَة بيُوت أمثالك
стр. 98
وَأَقْبل عمر حَتَّى دخل الدَّار فَمَال إِلَى بِئْر هُنَاكَ فَنزع الدَّلْو فَصَبَّهُ على طين كَانَ هُنَاكَ وَهُوَ يكثر النّظر إِلَى زَوجته فَقَالَت الْمَرْأَة استتري من هَذَا الطيان فَإِنِّي رَأَيْته يديم النّظر إِلَيْك فَقَالَت لَيْسَ هُوَ بالطيان هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبَكَتْ حَتَّى كَادَت أَن تهْلك ثمَّ غسل عمر رجلَيْهِ فَمَال إِلَى مصلى لَهُ فصلى مَا شَاءَ الله ثمَّ قدم زنبيلا فِيهِ عِنَب وَجعل يتَخَيَّر للْمَرْأَة ثمَّ قَالَ من أَيْن الْمَرْأَة قَالَت من أهل الْعرَاق فَقَالَ مَا حَاجَتك فَقَالَت لي خمس بَنَات كاسدات فَجعل يبكي وَيَقُول كاسدات ثمَّ قَالَ سمي الأولى فسمتها لَهُ فَفرض لَهَا وللثانية وللثالثة وللرابعة وَهِي تَقول الْحَمد لله فَلَمَّا بلغت إِلَى الْخَامِسَة شكرته فَرمى الْقَلَم من يَده ثمَّ قَالَ كنت أفرض لَهُنَّ لما كنت تولين الْحَمد لوَلِيِّه فَالْآن لما أوليتيني الْحَمد لَا أكتب للخامسة مري الْأَرْبَع أَن يواسين أختهن فدعَتْ لَهُ وانصرفت
فَلَمَّا قدمت الْعرَاق جَاءَت بِالْكتاب إِلَى واليه فَلَمَّا نظره بَكَى وَاشْتَدَّ بكاؤه وَقَالَ رحم الله صَاحب هَذَا الْكتاب فَقَالَت أمات قَالَ نعم فصاحت وولولت فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك أَنا أفرض لَك وَالله مَا أرد كِتَابه فِي شَيْء مَا كنت لأطيعه فِي حَيَاته وأعصيه بعد مماته فَفرض لَهَا
٢١٣ - وَدخل عمر بن عبد الْعَزِيز يَوْمًا فَرَأى تفاحة فِي يَد ولد لَهُ
стр. 99
صَغِير فأخرجها بِأُصْبُعِهِ فَبَكَتْ فَاطِمَة فَقَالَ يَا فَاطِمَة إِن هَذَا من فَيْء الْمُسلمين وَلَا يحل لنا فَبعثت فاشترت لَهُ تفاحا عوض ذَلِك
وَمِمَّا نظمته فِي الحض على التخلق بأخلاقهم
(فهذي صِفَات الْقَوْم زهدا وعفة ... وَنصحا فَأَيْنَ المقتدى بفعالهم)
(رجال أماتوا الْيَوْم عَاجل حظهم ... ليحيوا بعز دَائِم فِي مآلهم)
(يعطر أرجاء المحافل ذكرهم ... وتفرق أساد الشرى من ظلالهم)
(فطوبى لراع يَقْتَدِي حسن هديهم ... وويل لوال قد خلا من خلالهم)
стр. 100
الْفَصْل الثَّالِث عشر عدم تَوْلِيَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى على الْمُسلمين
٢١٤ - لَا يجوز تَوْلِيَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى على الْمُسلمين وَلَا استكتابهم على بَيت مَال الْمُسلمين
عمر بن الْخطاب وَكَاتب أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ
٢١٥ - وَقد أنكر ذَلِك من السّلف عمر بن الْخطاب ﵁ فَإِن عمر كَانَ قد ولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ على الْبَصْرَة فجَاء إِلَيْهِ فَقَالَ اكْتُبْ لي الْحساب فَانْطَلق فَكتب أنفقت فِي كَذَا كَذَا ثمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى عمر ﵁ فَلَمَّا رَآهُ أعجبه قَالَ من كتب لَك هَذَا قَالَ كَاتب لي قَالَ فَادعه حَتَّى يقْرَأ كتبا جاءتنا من الشَّام فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يدْخل الْمَسْجِد فَقَالَ لم أجنب هُوَ قَالَ لَا وَلكنه نَصْرَانِيّ قَالَ فَضرب عمر فَخذي ضَرْبَة كَاد يكسرها ثمَّ قَالَ أما سَمِعت الله تَعَالَى يَقُول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ أَفلا اتَّخذت كَاتبا حَنِيفا يكْتب لَك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالِي وَله لَهُ دينه ولي كِتَابَته فَقَالَ عمر ﵁ لَا نأمنهم إِذْ
стр. 101
خَوَّنَهُمْ الله وَلَا نكرمهم إِذْ أَهَانَهُمْ الله وَلَا ندنيهم إِذْ أَقْصَاهُم الله
٢١٦ - ويروى أَن خَالِد بن الْوَلِيد كتب إِلَى عمر بن الْخطاب أَن بِالشَّام كَاتبا لَا يصلح خراج الشَّام إِلَّا بِهِ فَكتب إِلَيْهِ لَا تستعمله فَرَاجعه وَأخْبر أَنه لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ ينهاه عَن اسْتِعْمَاله فعاوده وَذكر أَن المَال يضيع إِذا لم نَسْتَعْمِلهُ فَكتب إِلَيْهِ عمر مَاتَ النَّصْرَانِي وَالسَّلَام يُرِيد بذلك أَنه لَو مَاتَ لَكُنْت تَسْتَغْنِي عَنهُ فَقدر مَوته
٢١٧ - فَأخذ هَذَا الْمَعْنى الشريف ابْن مَسْعُود البياضي كَمَا يرْوى أَنه رُؤِيَ فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي بِأَبْيَات قلتهَا وكتبت بهَا إِلَى الراضي وَهِي
стр. 102
يَا ابْن الخلائف من قُرَيْش وَالْأولَى ... طهرت منابتهم من الأدناس)
(قلدت أَمر الْمُسلمين عدوهم ... مَا هَكَذَا فعلت بَنو الْعَبَّاس)
(مَا الْعذر إِن قَالُوا غَدا هَذَا الَّذِي ... ولى الْيَهُود على رِقَاب النَّاس)
(أَتَقول كَانُوا وفروا أَمْوَالهم ... فبيوتهم قفر بِغَيْر أساس)
(لَا تعتذر عَن صرفهم بتعذر ... المتصرفين الحذق الأكياس)
(مَا كنت تفعل بعدهمْ لَو أهلكوا ... فافعل وعد الْقَوْم فِي الأرماس)
تمكن أهل الذِّمَّة فِي دوله الْمهْدي
٢١٨ - وَرُوِيَ أَن بعض الزهاد لما رأى تمكن أهل الذِّمَّة فِي دولة الْمهْدي وإهمال الْمُسلمين كتب إِلَيْهِ شعرًا
(بِأبي وَأمي ضَاعَت الأحلام ... أم ضَاعَت الأذهان والأفهام)
(من صد عَن دين النَّبِي مُحَمَّد ... أَله بِأَمْر الْمُسلمين قيام)
(إِلَّا تكن أسيافهم مَشْهُورَة ... فِينَا فَتلك سيوفهم أَقْلَام)
ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك تحمل أَمَانَة هَذِه الْأمة وَقد عرضت على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن
стр. 103
مِنْهَا أفتسلم أَنْت هَذِه الْأَمَانَة الَّتِي تدركت بهَا وخصك الله بهَا إِلَى أهل الذِّمَّة دون الْمُسلمين يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما سَمِعت تَفْسِير جدك عبد الله بن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها﴾ وَأَن الصَّغِيرَة التبسم والكبيرة الضحك فَمَا ظَنك بِأُمُور الْمُسلمين وأماناتهم وأسرارهم وَقد نَصَحْتُك وَهَذِه النَّصِيحَة حجَّة عَليّ مَا لم تصل إِلَيْك
فَلَا يَنْبَغِي أَن يُؤمنُوا على بَيت مَال الْمُسلمين اعتذارا بِأَنَّهُم حذاق فِي الْكِتَابَة فَمَا من فضل يُوجد فِي غير هَذِه الْأمة إِلَّا وَهُوَ فِي الْملَّة الإسلامية أفضل وأكمل وَلَا عيب يُوجد فِي بَعضهم إِلَّا وَهُوَ فِي غَيرهم أفحش فهم أكمل من غَيرهم علما وعقلا وخبرة وَأَمَانَة وبيانا وكفاية وَكِتَابَة وحلما وسخاء وعفافا وَبرا وإحسانا
стр. 104
وسياسة ونجدة وشجاعة ورأيا ونصيحة هَذَا لَا شكّ فِيهِ لمن تَأمله وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون﴾ فنهانا الله تَعَالَى أَن نستبطن فِي أمورنا قوما غَيرنَا وَأخْبر تَعَالَى بقوله ﴿لَا يألونكم خبالا﴾ أَنهم لَا يقصرون فِي طلب الخبال لنا يحبونَ فَسَاد احوالنا وَقد قيل
(كل الْعَدَاوَة قد ترجى مودتها ... إِلَّا عَدَاوَة من عاداك فِي الدّين)
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم إِن كُنْتُم خَرجْتُمْ جهادا فِي سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إِلَيْهِم بالمودة وَأَنا أعلم بِمَا أخفيتم وَمَا أعلنتم وَمن يَفْعَله مِنْكُم فقد ضل سَوَاء السَّبِيل إِن يثقفوكم يَكُونُوا لكم أَعدَاء ويبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لَو تكفرون لن تنفعكم أَرْحَامكُم وَلَا أَوْلَادكُم يَوْم الْقِيَامَة يفصل بَيْنكُم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك وَمَا أملك لَك من الله من شَيْء﴾
стр. 105
) يَعْنِي اقتدوا بإبراهيم فِي التبرؤ مِنْهُم ومعاداتهم وبغضهم وَلَا تقتدوا بِهِ فِي وعده لِأَبِيهِ بالأستغفار فَإِن هَذَا حرَام كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ وَلَا تعتقدوا أَن معاداتكم لَهُم تضركم بل قُولُوا ﴿رَبنَا عَلَيْك توكلنا وَإِلَيْك أنبنا وَإِلَيْك الْمصير رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا واغفر لنا رَبنَا إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾
وَكَذَلِكَ لما أَمرهم الله أَن يمنعوا الْكفَّار من دُخُول الْحرم قَالُوا تَنْقَطِع تِجَارَتِنَا فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا وَإِن خِفْتُمْ عيلة﴾ أَي فقرا وحاجة ﴿فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ إِن الله عليم حَكِيم﴾ فَمن كَانَ يظنّ أَن بعض الْمُعَامَلَات تنقص بعزل الْكفَّار من الْيَهُود وَالنَّصَارَى قيل لَهُ (وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ) وَمن ترك شَيْئا عوضه الله خيرا مِنْهُ فَكيف وَفِي أَوْلِيَاء الله الْكِفَايَة عَن الِاسْتِعَانَة بأعداء الله
стр. 106
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (أوثق عرى الْإِيمَان الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله) وَهَؤُلَاء قد كفرُوا بِكِتَاب الله الَّذِي هُوَ الْقُرْآن وبرسوله الَّذِي هُوَ خَاتم الرُّسُل وبدينه الَّذِي هُوَ خير الْأَدْيَان وأبغضوه وعادوه وَالله يبغضهم وَقد غضب عَلَيْهِم ولعنهم كَمَا وصف ذَلِك فِي الْقُرْآن فَكيف يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن يكرم من أهانة الله وَيقرب من أبعده الله أَلَيْسَ لَو أَن رجلا كَانَ يخْدم سُلْطَانا وَكَانَ للسُّلْطَان عَدو يبغضه ويعاديه أفيحسن بخادم السُّلْطَان أَن يقرب عَدو السُّلْطَان ويكرمه فَكَذَا حَال من قرب أَعدَاء الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ أَو أكْرمهم أَو والاهم كَيفَ يكون حَاله عِنْد الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة
стр. 107
عمر بن عبد الْعَزِيز وتولية أهل الْقُرْآن
٢١٩ - وَقَالَ عمرَان بن أَسد أَتَانَا كتاب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى مُحَمَّد بن الميسر أما بعد فَإِنَّهُ بَلغنِي أَن فِي عَمَلك رجلا يُقَال لَهُ حسان على غير دين الْإِسْلَام وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَادعه إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أسلم فَهُوَ منا وَإِن أَبى فَلَا تستعن بِهِ وَلَا تَأْخُذ من غير أهل الْإِسْلَام على شَيْء من أَعمال الْمُسلمين فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكتاب فَأسلم
٢٢٠ - وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عماله أَلا توَلّوا على أَعمالنَا إِلَّا أهل الْقُرْآن فَكَتَبُوا إِلَيْهِ إِنَّا وجدنَا فيهم خِيَانَة فَكتب إِلَيْهِم إِن لم يكن فِي أهل الْقُرْآن خير فأجدر أَلا يكون فِي غَيرهم خير
٢٢١ - وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تستضيئوا بِنَار الْمُشْركين وَلَا تنقشوا على خواتيمكم عَرَبيا) أخرجه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ
стр. 108
٢٢٢ - وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت خرج رَسُول الله ﷺ قبل بدر فَلَمَّا كَانَ بحرة الْوَبرَة أدْركهُ رجل قد كَانَ يذكر مِنْهُ جرْأَة ونجدة ففرح بِهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ جئْتُك لأتبعك وَأُصِيب مَعَك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ (تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله) قَالَ لَا قَالَ (فَارْجِع فَلَنْ استعين بمشرك)
قَالَ ثمَّ مضى حَتَّى إِذا كَانَ بِالشَّجَرَةِ أدْركهُ الرجل فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أول مرّة فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ كَمَا قَالَ أول مرّة (تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله) قَالَ لَا قَالَ (فَارْجِع فَلَنْ أستعين بمشرك) فَرجع فأدركه بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أول مرّة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ كَمَا قَالَ أول مرّة (أتؤمن بِاللَّه وَرَسُوله) قَالَ نعم قَالَ لَهُ (انْطلق)
وَهَذَا أصل عَظِيم فِي أَلا يستعان بمشرك مَعَ أَن هَذَا خرج لِيُقَاتل مَعَ النَّبِي ﷺ فَكيف يجوز استعمالهم على رِقَاب الْمُسلمين
٢٢٣ - لَكِن قد رُوِيَ أَنه اسْتَعَانَ بناس من الْيَهُود فِي حربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 109
كَمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ اسْتَعَانَ بناس من الْيَهُود فِي حربه وأسهم لَهُم أخرجه أَبُو دَاوُد مُرْسلا
الِاسْتِعَانَة بِأَهْل الذِّمَّة فِي الْقِتَال
٢٢٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ اسْتَعَانَ بيهود بني قينقاع ورضخ لَهُم واستعان بِصَفْوَان بن أُميَّة فِي قتال هوزان يَوْم حنين أخرجه الْحَازِمِي
٢٢٥ - فَإِن صَحَّ هَذَا فَيكون تألفا لقلب من علم مِنْهُ حسن رَأْي فِي الْإِسْلَام وَلَيْسَ فِي قِتَالهمْ مَعَه ﷺ نوع ولَايَة وَلَا استئمان لَهُم بِخِلَاف استكتابهم لَا يجوز لما فِيهِ من استئمانهم وَقد خَوَّنَهُمْ الله
موقف الْأَئِمَّة مِنْهُ
٢٢٦ - قَالَ الشَّافِعِي وَآخَرُونَ إِن كَانَ الْكَافِر حسن الرَّأْي
стр. 110
بِالْمُسْلِمين ودعت حَاجَة إِلَى الإستعانة بِهِ استعين بِهِ وَإِلَّا فَيكْرَه وَحمل الْحَدِيثين على هذَيْن الْحَالَتَيْنِ
٢٢٧ - وَقَالَ مَالك وَأحمد وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ لَا يستعان بهم وَلَا يعانون على الْإِطْلَاق وَاسْتثنى مَالك فَقَالَ إِلَّا أَن يَكُونُوا خدما للْمُسلمين فَيجوز
٢٢٨ - وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ يستعان بهم ويعاونون على الْإِطْلَاق
٢٢٩ - وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا يجوز الِاسْتِعَانَة بهم فِي الْحَرْب إِذا أمنت خيانتهم وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَو انضمت فرقتا الْكفْر لقدر الْمُسلمُونَ على مقاومة الْفرْقَتَيْنِ
وَبِهَذَا يظْهر لَك تَحْرِيم استعمالهم على بَيت المَال لِأَن خيانتهم فِيهِ لَا تؤمن وَهِي ولَايَة يشْتَرط فِيهَا الْأَمَانَة وَالله تَعَالَى قد
следующие страницы →