Полный текст (133 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مُقَدّمَة الْمُؤلف
قَالَ العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الْموصِلِي الشَّافِعِي غفر الله لَهُ ولوالديه وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين
١ - الْحَمد لله الْآمِر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى الناهي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي موعظة للألباء الدَّاعِي إِلَى مغْفرَة مِنْهُ ورضوان يَقُول (هَل من دَاع فيلبى هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ هَل من سَائل فنجيبه)
البادي بالنوال قبل السُّؤَال فكم ستر عَيْبا وَغفر ذَنبا وكشف كربا
стр. 2
أَحْمَده على نعمه وأنعم بِحَمْدِهِ وأقصد كرمه ونكرم بِقَصْدِهِ
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة لَا تنبغي لأحد من بعده
وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ وشرك الشّرك قد نصب على مُرَاد المُرَاد وعماد التَّوْحِيد من عناد أهل التَّثْلِيث قد وهى أوكاد وسوق شجر الطغيان فِي بسوق وسوق حبر الْإِيمَان فِي كساد فَلم يزل يَدْعُو إِلَى الله بجد واجتهاد حَتَّى انتشرت كلمة الْحق فِي أقطار الْبِلَاد وسطعت أنوار الْهِدَايَة فِي أفكار الْعباد
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار صَلَاة دائمة آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار أما بعد
٢ - فقد ندبني من وَجب إِجَابَة سُؤَاله وتعينت تَلْبِيَة مقاله لما لَهُ عَليّ من الْإِحْسَان الوافر وَالْبر الْمُتَوَاتر أَن أكتب لَهُ من الْعلم مَا يَلِيق بِحَالهِ ويبلغه من خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة نِهَايَة آماله وَكَانَ ذَلِك إِحْسَان ظن مِنْهُ بالفقير وإحسان الظَّن سَبَب للخير الْكثير فَرَأَيْت أَن أكتب لَهُ مَا ورد فِي فضل الْعدْل وَالْإِحْسَان فَإِنَّهُ متصف بهما مَعَ مَا فِيهِ من الْفَضَائِل الحسان وأقص فِي ضمن ذَلِك
стр. 3
السياسة الشَّرْعِيَّة مِمَّا فِيهِ مصلحَة الرَّاعِي والرعية منبها على أَن من لزم مَا أوردهُ فِيهِ من السياسة كَانَت دولته مَحْفُوظَة وَهِي بِعَين الْعِنَايَة من الله الْكَرِيم ملحوظة رَجَاء أَن تنْتَفع الدولة الزاهرة بِهَذَا التَّأْلِيف وَأَن يقوم لَهُم بِالنَّصِيحَةِ الجالبة لكل خلق شرِيف فَإِنَّهُ الْأمين الْمَأْمُون والثقة الْعَفِيف يسره الله لليسرى وَجعله من الَّذين لَهُم فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الْبُشْرَى وَفِي الْأُخْرَى
стр. 4
الْفَصْل الأول الْعدْل
تَعْرِيفه
٣ - الْعدْل هُوَ الحكم بِمَا أنزل الله تَعَالَى
دَلِيله فِي الْكتاب وَالسّنة
٤ - قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾
стр. 5
فَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله تَعَالَى وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فقد اجْتمعت فِيهِ هَذِه الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة الظُّلم وَالْكفْر والفسوق
٥ - وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله إِمَام عَادل وشاب نَشأ فِي عبَادَة الله وَرجل قلبه مُعَلّق بالمساجد ورجلان تحابا فِي الله اجْتمعَا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الله وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ)
٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن المقسطين عِنْد الله على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوا) رَوَاهُ مُسلم
стр. 6
وَعَن عَوْف بن مَالك قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (خِيَار ائمتكم الَّذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عَلَيْهِم وَيصلونَ عَلَيْكُم وشرار أئمتكم الَّذين يبغضونكم وتبغضونهم وتلعنونهم ويلعنونكم) قُلْنَا يَا رَسُول الله أَفلا ننابذهم بِالسَّيْفِ قَالَ (لَا مَا أَقَامُوا فِيكُم الصَّلَاة) رَوَاهُ مُسلم وَمعنى تصلونَ عَلَيْهِم تدعون لَهُم
٧ - وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عِيَاض بن حمَار قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (أهل الْجنَّة ثَلَاثَة ذُو سُلْطَان مقسط متصدق موفق وَرجل رَحِيم رَقِيق الْقلب لكل ذِي قربى وَمُسلم وعفيف متعفف ذُو عِيَال)
٨ - وَعَن عبد الله بن أبي أوفى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله تَعَالَى مَعَ القَاضِي مَا لم يجر فَإِذا جَار تخلى عَنهُ وَلَزِمَه الشَّيْطَان) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ (فَإِذا
стр. 7
جَار وَكله إِلَى نَفسه)
٩ - وَعَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن أحب النَّاس إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة وأقربهم مِنْهُ مَجْلِسا إِمَام عَادل وَإِن أبْغض النَّاس إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة وأشدهم عذَابا إِمَام جَائِر) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب
١٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَوْم من إِمَام عَادل أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة وحد يُقَام فِي الأَرْض أزكى فِيهَا من مطر أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) يَعْنِي سنة أخرجه محب الدّين الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه
стр. 8
١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (أَرْبَعَة يبغضهم الله البياع الحلاف وَالْفَقِير المختال وَالشَّيْخ الزَّانِي وَالْإِمَام الجائر) أخرجه أَبُو حَاتِم
١٢ - وَعَن ابْن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (كلكُمْ رَاع وكلكم مسؤول عَن رَعيته وَالْإِمَام رَاع ومسؤول عَن رَعيته وَالرجل رَاع فِي أَهله ومسؤول عَن رَعيته وَالْمَرْأَة فِي بَيت زَوجهَا راعية وَهِي مسؤولة عَن رعيتها وَالْخَادِم فِي بَيت سَيّده رَاع وَهُوَ مسؤول عَن رَعيته) قَالَ سَمِعت هَؤُلَاءِ عَن النَّبِي ﷺ وأحسب النَّبِي ﷺ قَالَ (وَالرجل فِي مَال أَبِيه رَاع وَهُوَ مسؤول عَن رَعيته فكلكم رَاع وكل مسؤول عَن رَعيته) أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
стр. 9
١٣ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا من أَمِير عشرَة إِلَّا يُؤْتى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مغلولا لَا يفكه إِلَّا عدله وَمَا من رجل تعلم الْقُرْآن ثمَّ نَسيَه إِلَّا لَقِي الله يَوْم الْقِيَامَة أَجْذم)
وَفِي رِوَايَة (إِلَّا جِيءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَدَاهُ إِلَى عُنُقه حَتَّى يُطلقهُ الْحق أَو يوبقه) أخرجه أَحْمد
١٤ - وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَن عَائِذ بن عَمْرو وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ دخل على عبيد الله بن زِيَاد فَقَالَ أَي بني إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن شَرّ الرعاء الحطمة
стр. 10
فإياك أَن تكون مِنْهُم) فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْت من نخالة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَهل كَانَت لَهُم نخالة إِنَّمَا النخالة بعدهمْ وَفِي غَيرهم) أخرجه أَحْمد وَمُسلم
١٥ - وَعَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا يسترعي الله عبدا رعية قلت أَو كثرت إِلَّا سَأَلَهُ الله عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة هَل أَقَامَ فيهم أَمر الله أم أضاعه حَتَّى يسْأَله عَن أهل بَيته خَاصَّة) أخرجه أَحْمد
١٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من طلب قَضَاء الْمُسلمين حَتَّى يَنَالهُ ثمَّ غلب عدله جوره فَلهُ الْجنَّة وَمن غلب جوره عدله فَلهُ النَّار) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
١٧ - وَعَن بُرَيْدَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْقُضَاة ثَلَاثَة وَاحِد فِي الْجنَّة وَاثْنَانِ فِي النَّار فَأَما الَّذِي فِي الْجنَّة فَرجل عرف الْحق فَقضى بِهِ وَرجل عرف الْحق فجار فِي الحكم فَهُوَ فِي النَّار وَرجل قضى للنَّاس على جهل فَهُوَ فِي النَّار) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن
стр. 11
مَاجَه
نَبِي الله دَاوُد ﵇ وَالْعدْل
١٨ - وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى﴾ الْآيَة
قيل معنى ذَلِك إِذا حضر بَين يَديك خصمان فَلَا تتمنى أَن يكون الْحق مَعَ الَّذِي ميلك إِلَيْهِ خَاصَّة وبهذه الْخصْلَة سلب سُلَيْمَان من دَاوُد ملكه
قَالَ ابْن عَبَّاس كَانَ الَّذِي أصَاب سُلَيْمَان بن دَاوُد أَن نَاسا من أهل جَرَادَة امْرَأَته وَكَانَت من أكْرم نِسَائِهِ عَلَيْهِ تحاكموا إِلَيْهِ مَعَ غَيرهم فَأحب أَن يكون الْحق لأهل جَرَادَة فَيَقْضِي لَهُم فَعُوقِبَ حَيْثُ لم يكن هَوَاهُ فيهم وَاحِدًا
آثَار الْعدْل
١٩ - وَقد ضمن الله النَّصْر لمن نصر الله وَرَسُوله بِالْغَيْبِ وَهُوَ
стр. 12
الْقيام بِالْعَدْلِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ الْآيَة ثمَّ إِنَّه تَعَالَى أوضح شَرَائِط لنصر الْمُلُوك وَشرط عَلَيْهِم شَرَائِط كَمَا ترى فَمَا تضعضعت قواعدهم أَو ظهر عَلَيْهِم عَدو أَو اضْطَرَبَتْ عَلَيْهِم الْأُمُور إِلَّا لإخلالهم بالشرائط الْمَأْخُوذَة عَلَيْهِم أَو بَعْضهَا وصلاحهم وفلاحهم بِإِقَامَة الْمِيزَان بِالْقِسْطِ الَّذِي شَرعه الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ وركوب سَبِيل الْحق وَالْعدْل الَّذِي قَامَت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَنصر الْمَظْلُوم وَالْأَخْذ على يَد الظَّالِم
عُقُوبَة الإِمَام الجائر
٢٠ - وَقَالَ طَاوُوس لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك هَل تَدْرِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ سُلَيْمَان قل فَقَالَ طَاوُوس أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة من أشركه الله فِي ملكه فجار فِي حكمه فاستلقى سُلَيْمَان على سَرِيره وَهُوَ يبكي فَمَا زَالَ يبكي حَتَّى قَامَ عَنهُ جُلَسَاؤُهُ
стр. 13
نصب السُّلْطَان لدفع الظُّلم
٢١ - وَقد امتن الله على عباده بنصبه السُّلْطَان فِي الأَرْض ليدفع الظُّلم عَن الْمَظْلُوم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ يَعْنِي لَوْلَا أَن الله أَقَامَ السُّلْطَان فِي الأَرْض يدْفع الْقوي عَن الضَّعِيف وينصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم لأهْلك الْقوي الضَّعِيف وتواثب الْخلق بَعضهم على بعض فَلَا يَنْتَظِم لَهُم حَال فتفسد الأَرْض وَمن عَلَيْهَا فَإِذا كَانَ السُّلْطَان جائرا زَاد الْفساد فَسَادًا
فضل الْقَضَاء بِالْحَقِّ
٢٢ - قَالَ مَسْرُوق لِأَن أَقْْضِي يَوْمًا بِالْحَقِّ أحب إِلَيّ من أَن أغزو سنة فِي سَبِيل الله
تصلح الْبِلَاد والعباد بالسلطان الْعَادِل
٢٣ - وكما أَنه لَيْسَ فَوق رُتْبَة السُّلْطَان الْعَادِل رُتْبَة كَذَلِك لَيْسَ فَوق رُتْبَة السُّلْطَان الشرير رُتْبَة لشره لِأَن شَره يعم وكما أَن بالسلطان الْعَادِل تصلح الْبِلَاد والعباد كَذَلِك بالسلطان الجائر تفْسد الْبِلَاد والعباد وتقترف الْمعاصِي والآثام وَكَذَلِكَ
стр. 14
السُّلْطَان إِذا عدل انْتَشَر الْعدْل فِي الرّعية فأقاموا الْوَزْن بِالْقِسْطِ وتعاطوا الْحق فِيمَا بَينهم ولزموا قوانين الْعدْل فَمَاتَ الْبَاطِل وَذَهَبت رسوم الْجور فَأرْسلت السَّمَاء غيثها وأخرجت الأَرْض بركاتها ونمت تجاراتهم وزكت زُرُوعهمْ وتناسلت أنعامهم وَدرت أَرْزَاقهم ورخصت أسعارهم فواسى الْبَخِيل وَأفضل الْكَرِيم وقضيت الْحُقُوق وأعيرت المواعين وتهادوا فضول الْأَطْعِمَة والتحف فهان كل الحطام لكثرته وذل بعد عزته فتماسكت على النَّاس مروءاتهم وحفظت عَلَيْهِم أديانهم وَبِهَذَا يتَبَيَّن لَك أَن الْوَالِي مأجور على مَا يتعاطاه من إِقَامَة الْعدْل وعَلى مَا يتعاطاه النَّاس بِسَبَبِهِ
فَسَاد الْبِلَاد والعباد بالسلطان الجائر
٢٤ - وَإِذا جَار السُّلْطَان انْتَشَر الْجور فِي الْبِلَاد وَعم الْعباد فرقت أديانهم واضمحلت مروءاتهم وقست قُلُوبهم وفشت فيهم الْمعاصِي وَذَهَبت أماناتهم فضعفت النُّفُوس وقنطت الْقُلُوب فضعفوا عَن إِقَامَة الْحق فتعاطوا الْبَاطِل وبخسوا الْكَيْل وَالْمِيزَان وروجوا البهرج فَرفعت مِنْهُم الْبركَة وَأَمْسَكت السَّمَاء غيثها وَلم تخرج الأَرْض زَرعهَا ونباتها فَقل فِي أَيْديهم الحطام فقنطوا وأمسكوا الْفضل الْمَوْجُود وتناجزوا على الْمَفْقُود فمنعوا الزكوات الْمَفْرُوضَة وبخلوا بالمواساة المسنونة
стр. 15
وقبضوا أَيْديهم عَن المكارم وفشت فِيهِ الْأَيْمَان الكاذبة والختل فِي البيع وَالشِّرَاء وَالْمَكْر والحيل فِي الْقَضَاء والاقتضاء فيظل أحدهم عَارِيا من محَاسِن دينه متجردا من جِلْبَاب مروءته وَمن عَاشَ كَذَلِك فبطن الأَرْض خير لَهُ من ظهرهَا
٢٥ - قَالَ وهب بن مُنَبّه إِذا عمل الْوَالِي بالجور أَو هم بِهِ أَدخل الله النَّقْص فِي أهل مَمْلَكَته من الزَّرْع والضرع وكل شَيْء وَكَذَلِكَ إِذا هم بِالْعَدْلِ أَو عمل بِهِ أَدخل الله الْبركَة فِي أهل مَمْلَكَته
٢٦ - قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز تهْلك الْعَامَّة بذنب الْخَاصَّة وَلَا تهْلك الْخَاصَّة بِعَمَل الْعَامَّة والخاصة هم الْوُلَاة وَفِي هَذَا الْمَعْنى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة﴾
صَلَاح الْحَاكِم صَلَاح الْأمة
٢٧ - وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور إِنِّي لأعْلم رجلا إِن صلح صلحت الْأمة قَالَ وَمن هُوَ قَالَ أَنْت
٢٨ - قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِن ملكا من الْمُلُوك خرج يسير فِي مَمْلَكَته مستخفيا فَنزل على رجل لَهُ بقرة فراحت فحلبت لَهُ
стр. 16
وزن ثَلَاثِينَ بقرة فَعجب الْملك من ذَلِك وَحدث نَفسه بأخذها فَلَمَّا راحت عَلَيْهِ من الْغَد حلبت على النّصْف فَقَالَ الْملك مَا بَال حلابها انْتقصَ أرعيت فِي غير مرعاها بالْأَمْس فَقَالَ لَا وَلَكِن أَظن أَن ملكنا هم بأخذها فنقص لَبنهَا فَإِن الْملك إِذا ظلم أَو هم بظُلْم ذهبت الْبركَة فعاهد الله سُبْحَانَهُ فِي نَفسه أَلا يَأْخُذهَا وراحت من الْغَد فحلبت حلاب ثَلَاثِينَ بقرة فَتَابَ الْملك وَعَاهد ربه ليعدلن مَا بَقِي
٢٩ - وَمن الْمَشْهُور بِأَرْض الْمغرب أَن السُّلْطَان بلغه أَن امْرَأَة لَهَا حديقة فِيهَا الْقصب الحلو وَأَن القصبة الْوَاحِدَة مِنْهَا تعصر قدحا فعزم على أَخذهَا مِنْهَا ثمَّ أَتَاهَا وسألها عَن ذَلِك فَقَالَت نعم ثمَّ إِنَّهَا عصرت قَصَبَة فَلم تعصر نصف قدح فَقَالَ لَهَا أَيْن الَّذِي كَانَ يُقَال فَقَالَت هُوَ الَّذِي بلغك إِلَّا أَن يكون السُّلْطَان عزم على أَخذهَا مني فارتفعت الْبركَة مِنْهَا فَتَابَ السُّلْطَان وأخلص نِيَّته لله تَعَالَى أَلا يَأْخُذهَا أبدا ثمَّ أمرهَا فعصرت قَصَبَة فَجَاءَت ملْء قدح
٣٠ - قَالَ صَاحب سراج الْمُلُوك وَشهِدت أَنا بالإسكندرية وَالصَّيْد بالخليج مُطلق للرعية والسمك فِيهِ يغلب المَاء كَثْرَة ويصيده الْأَطْفَال بالخرق ثمَّ حجره الْوَالِي وَمنع النَّاس من صَيْده فَذهب السّمك حَتَّى لَا تكَاد تُوجد مِنْهُ إِلَّا الْوَاحِدَة بعد الْوَاحِدَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا
стр. 17
قَالَ وَهَكَذَا تتعدى سرائر الْمُلُوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إِلَى الرّعية إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر
النَّاس تبع لملوكهم
٣١ - قَالَ وروى أَصْحَاب التواريخ فِي كتبهمْ أَن النَّاس كَانُوا إِذا أَصْبحُوا فِي أَيَّام الْحجَّاج يتسألون من قتل البارحة وَمن صلب وَمن جلد وَمن قطع وَفِي أَمْثَال ذَلِك
٣٢ - وَكَانَ الْوَلِيد صَاحب ضيَاع وَاتخذ مصانع فَكَانَ النَّاس يتسألون فِي زَمَانه عَن الْبُنيان والمصانع والضياع وشق الْأَنْهَار وغرس الْأَشْجَار
٣٣ - وَلما ولي سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَكَانَ صَاحب نِكَاح وَطَعَام فَكَانَ النَّاس يتحدثون فِي الْأَطْعِمَة الرفيعة ويتخذونها ويتوسعون فِي الْأَنْكِحَة والسراري ويعمرون مجَالِسهمْ بِذكر ذَلِك
٣٤ - وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ النَّاس يتسألون فِي زَمَانه كم تحفظ من الْقُرْآن وَكم وردك وَكم يحفظ فلَان وَكم يَصُوم وأمثال ذَلِك
الْعدْل قوام الْملك ودوام الدول
٣٥ - وَاعْلَم أَن الْعدْل قوام الْملك ودوام الدول وأس كل مملكة
стр. 18
سَوَاء كَانَت نبوية أَو اصطلاحية
الْإِحْسَان
٣٦ - وَقد أَمر الله تَعَالَى بِالْعَدْلِ ثمَّ علم سُبْحَانَهُ أَنه لَيْسَ كل النُّفُوس تصلح على الْعدْل بل تطلب الْإِحْسَان وَهُوَ فَوق الْعدْل فَقَالَ ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾
فَلَو وسع الْخلق الْعدْل لما قرن الله بِهِ الْإِحْسَان فَمن لم يصلح حَتَّى يُزَاد على الْعدْل كَيفَ يصلح إِذا لم يبلغ بِهِ الْعدْل
٣٧ - وَحكى ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره حِكَايَة مَعْنَاهَا أَنه شكي على بعض الْعمَّال عِنْد خَليفَة زَمَانه فكشف عَن سيرته فَلم يُوجد عَلَيْهِ شَيْء من الْجور فَقَالَ الْخَلِيفَة لَا أعزله عَنْكُم وَهُوَ عَادل فَقَالَ لَهُ بعض النَّاس صدق أَمِير الْمُؤمنِينَ هُوَ عَادل وَلَكِن لم يحسن وَقد أَمر الله بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان فَعَزله عَنْهُم
стр. 19
قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِمَام عَادل خير من مطر وابل وَأسد حطوم خير من سُلْطَان ظلوم وسلطان ظلوم خير من فتْنَة تدوم
٣٨ - وَقَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد صلى الله عَلَيْهِمَا وعَلى جَمِيع الْأَنْبِيَاء الْعدْل وَالرَّحْمَة يحرزان الْملك
الْعدْل أساس لسَائِر الأساسات
٣٩ - وَاتفقَ حكماء الْعَرَب والعجم على هَذِه الْكَلِمَات فَقَالُوا الْملك بِنَاء والجند أساسه فَإِذا قوي الأساس دَامَ الْبناء وَإِذا ضعف الأساس انهار الْبناء فَلَا سُلْطَان إِلَّا بالجند وَلَا جند إِلَّا بِمَال وَلَا مَال إِلَّا بجباية وَلَا جباية إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل فَصَارَ الْعدْل أساسا لسَائِر الأساسات
стр. 20
الْفَصْل الثَّانِي
الطّرق إِلَى الْعدْل
٤٠ - وَمن أَرَادَ من وُلَاة الْأُمُور الْعدْل الَّذِي أَمر الله بِهِ والتوصل إِلَيْهِ فليسلك مَا نأمره بِهِ من الطّرق يحفظ عَلَيْهِ ملكه فِي الدُّنْيَا وَيكون سَببا إِلَى الْملك الْحق فِي الدَّار الْأُخْرَى
حَملَة الْعلم
٤١ - وَجُمْلَة القَوْل فِيهِ أَن يجمع السُّلْطَان إِلَى نَفسه حَملَة الْعلم الَّذين هم حفاظه ورعاته وفقهاؤه فهم الأدلاء على الله والقائمون بِأَمْر الله والحافظون لحدود الله والناصحون لعباد الله
٤٢ - وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الدّين النَّصِيحَة قُلْنَا لمن قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولكتابه ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم
٤٣ - فيتخذ الْعلمَاء شعارا وَالصَّالِحِينَ دثارا فتدور المملكة على نصائح الْعلمَاء ودعوات الصلحاء فياسعد ملك يَدُور
стр. 21
بَين هَاتين الخصلتين لقد قَامَ عوده وأورق عموده وَكَيف لَا وَقد قرنهم الله حِين الشَّهَادَة بالوحدانية بِالْمَلَائِكَةِ المقربين فَقَالَ تَعَالَى ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ فَبَدَأَ سُبْحَانَهُ بِنَفسِهِ ثمَّ ثنى بملائكته ثمَّ ثلث بالعلماء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء فَفِي تعظيمهم وتوقيرهم وتقريبهم امْتِثَال لأمر الله وتعظيم لمن أثنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ واستمالة لقلوب الرّعية فَلَا يقطع أمرا دونهم وَلَا يفصل أمرا وَلَا حكما إِلَّا بمشاورتهم لِأَنَّهُ فِي ملك الله يحكم وَفِي رَعيته يتَصَرَّف وَفِي شَرِيعَته يقطع
ينزل نَفسه مَعَ الله تَعَالَى منزلَة ولاته مَعَه
٤٤ - وَأَقل الْوَاجِبَات على السُّلْطَان أَن ينزل نَفسه مَعَ الله تَعَالَى منزلَة ولاته مَعَه
أَلَيْسَ إِذا خَالف واليه أمره ومارسم بِهِ لَهُ من الْأَحْكَام عَزله وعاقبه وَلم يَأْمَن سطوته وَإِذا امتثل أوامره وانْتهى عَن مناهيه حل عِنْده مَحل الرِّضَا فواعجبا مِمَّن يغْضب على واليه إِذا خَالفه ثمَّ لَا يخَاف سطوة ربه عَلَيْهِ إِذا خَالفه
خِصَال ورد الشَّرْع بهَا فِيهَا نظام الْملك والدول
٤٥ - وَقد ورد الشَّرْع بِبَيَان خِصَال فِيهَا نظام الْملك والدول وَهِي
стр. 22
ثَلَاثَة اللين وَترك الفظاظة والمشاورة وَألا يسْتَعْمل على الْأَعْمَال والولايات رَاغِب فِيهَا وَلَا طَالب لَهَا فاثنتان مِنْهَا نزلتا من السَّمَاء وَوَاحِدَة قَالَهَا الرَّسُول ﷺ
اللين وَترك الفظاظة
٤٦ - أما الإلهية قَالَ الله تَعَالَى ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر﴾
٤٧ - وَفِي الْآيَة إشارتان إِحْدَاهمَا أَن الفظاظة تنفر الْأَصْحَاب والجلساء وتفرق الجموع وَإِنَّمَا الْملك ملك بجلسائه وَأَصْحَابه وجنده وأخلق بخصلة تنفر الْأَوْلِيَاء وَأَن يطْمع فِيهَا الْأَعْدَاء فَيَنْبَغِي لكل سُلْطَان رفضها والاحتراز من سوء مغبتها فَإِنَّهَا مفرقة للجموع ومنفرة للتابع عَن الْمَتْبُوع
٤٨ - وَليكن كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾
٤٩ - وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ جَالِسا مَعَ أَصْحَابه فجَاء رجل فَقَالَ أَيّكُم ابْن عبد الْمطلب فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 23
قد أحببتك فَفِيهِ دَلِيل على أَنه ﷺ لم يكن يستأثر على أَصْحَابه وجلسائه بشرف الْمجْلس وَلَا يباينهم بزِي وَلَا مقْعد نعم لما كثرت الْوُفُود عَلَيْهِ وَكَانَ الْغَرِيب يَأْتِي فَلَا يعرفهُ من بَين أَصْحَابه أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابه أَن يتَّخذ لَهُ دكانا يجلس عَلَيْهَا ليعرفه الْوُفُود فَفعل
٥٠ - وَقد يبلغ باللين مَا لَا يبلغ بالغلظة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مَا كَانَ الرِّفْق فِي شَيْء قطّ إِلَّا زانه)
الشورى
٥١ - وَالْإِشَارَة الثَّانِيَة فِي الْآيَة قَوْله تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ كَيفَ يشاورهم وَهُوَ نَبِيّهم وإمامهم وواجب عَلَيْهِم مشاورته وَألا يفصلوا أمرا دونه فَالْجَوَاب إِن هَذَا أدب أدب الله بِهِ نبيه ﷺ وَجعله الله أدبا لسَائِر الْمُلُوك والأمراء لما علم الله تَعَالَى فِي الْمُشَاورَة من حسن الْأَدَب مَعَ الجليس ومساهمته فِي الْأُمُور فَإِن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عَلَيْهِ
٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ مَا رَأَيْت أحدا قطّ أَكثر مشورة من
стр. 24
رَسُول الله ﷺ أخرجه الشَّافِعِي فِي مُسْنده وَأَبُو حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ
٥٣ - وَقَالَ الْحسن إِن كَانَ النَّبِي ﷺ لغنيا عَن مشاورتهم وَلَكِن أَرَادَ أَن يستن بذلك الْحُكَّام بعده
٥٤ - قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل والمشاورة قبل الْعَزْم والتبين
٥٥ - قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾
٥٦ - وشاور النَّبِي ﷺ أَصْحَابه يَوْم أحد فِي الْمقَام أَو الْخُرُوج فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوج فَلَمَّا لبس لأمته وعزم قَالُوا أقِم فَلم يجنح إِلَيْهِم بعد الْعَزْم قَالَ (مَا يَنْبَغِي لنَبِيّ إِذا لبس لأمته أَن يَضَعهَا حَتَّى يحكم الله)
стр. 25
وَقَالَ الزُّهْرِيّ كَانَ مجْلِس عمر مغتصا من الْقُرَّاء شبانا كَانُوا أَو كهولا وَرُبمَا اسشارهم فَيَقُول لَا يمْنَع أحدكُم أَن يُشِير بِرَأْيهِ فَإِن الْعلم لَيْسَ على قدر السن وَلَكِن الله يَضَعهُ حَيْثُ شَاءَ
٥٨ - وَقَالَ مُزَاحم بن زفر قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز خمس إِذا أَخطَأ القَاضِي خصْلَة مِنْهُم كَانَت فِيهِ وصمة أَن يكون حَلِيمًا عفيفا صليبا عَالما سؤولا عَن الْعلم
عمر بن الْخطاب ﵁ وبطانة الْخَيْر
٥٩ - وَالَّذِي فعل عمر ﵁ من جمع الْقُرَّاء من كَمَال فقهه وَعلمه فَإِنَّهُ أَرَادَ تَكْبِير بطانة الْخَيْر على بطانة الشَّرّ
٦٠ - وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن
стр. 26
رَسُول الله ﷺ قَالَ (مَا بعث الله من نَبِي وَلَا اسْتخْلف من خَليفَة إِلَّا كَانَت لَهُ بطانتان بطانة تَأمره بِالْخَيرِ وتحضه عَلَيْهِ وبطانة تَأمره بِالشَّرِّ وتحضه عَلَيْهِ والمعصوم من عصم الله) والبطانة هم الْأَوْلِيَاء والأصفياء
٦١ - وَعَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا أَرَادَ الله بالأمير خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ وَإِذا أَرَادَ الله بِهِ غير ذَلِك جعل لَهُ وَزِير سوء إِن نسي لم يذكرهُ وَإِن ذكر لم يعنه) اخرجه أَبُو دَاوُد وَأَبُو حَاتِم
طَالب الْولَايَة لَا يُولى
٦٢ - وَأما الْخصْلَة الثَّالِثَة الَّتِي وَردت بهَا السّنة فألا يسْتَعْمل السُّلْطَان على الْقَضَاء وَالْحكم بَين النَّاس والولايات من سَأَلَهَا أَو حرص عَلَيْهَا
٦٣ - لما فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ دخلت على النَّبِي ﷺ أَنا ورجلان من بني عمي فَقَالَ أَحدهمَا يَا رَسُول الله أمرنَا على بعض مَا ولاك الله وَقَالَ الآخر مثل ذَلِك فَقَالَ (أما وَالله إِنَّا لَا نولي هَذَا الْعَمَل أحدا سَأَلَهُ أَو أحدا حرص عَلَيْهِ)
٦٤ - وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ دَلِيل على أَن من تعاطى أمرا وسولت لَهُ نَفسه أَن يقوم بذلك أَن يخذل فِيهِ فِي أغلب أَحْوَاله لِأَن من سَأَلَ الْإِمَارَة لَا يسْأَلهَا إِلَّا وَهُوَ يرى نَفسه أَهلا لَهَا
٦٥ - وَقَالَ ﷺ (من سَأَلَهَا وكل إِلَيْهَا) بِمَعْنى أَنه لم يعن عَلَيْهَا والتعاطي أبدا مقرون بالخذلان وَأَن من دعِي إِلَى عمل فَرَأى نَفسه تقصر عَنهُ وهاب أَمر الله رزقه الله المعونة وَهَذَا من بَاب من تواضع لله رَفعه الله
مَتى يجوز طلب الْولَايَة
٦٦ - قَالَ الشَّيْخ محب الدّين الطَّبَرِيّ وَهَذَا كُله فِي حق من طلب الْولَايَة لَا لغَرَض سواهَا أما من طلبَهَا لرزق يرزقه عَلَيْهَا أَو خشيَة حُصُولهَا فِي غير محلهَا فَذَلِك جَائِز إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٦٧ - قَالَ مُؤَلفه ﵀ وَفِي الحَدِيث دَلِيل على منع من
стр. 27
طلب الْقَضَاء من ولَايَته يقسم رَسُول الله ﷺ أَنه لَا يُولى هَذَا الْأَمر أحدا طلبه وَلِأَن من طلبَهَا لم يكن مَعَه من الله تَعَالَى عون وَكَانَ مخذولا فِي ولَايَته كَمَا قدمْنَاهُ وَإِذا لم يكن معانا من الله عَلَيْهَا كَانَ عَاجِزا عَنْهَا غير كفؤ لَهَا لَا محَالة وَلَا يجوز توليه غير الكفؤ وَلِأَن السَّائِل لَهَا الْحَرِيص عَلَيْهَا مُتَّهم
٦٨ - ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ (يَا عبد الرَّحْمَن لَا تسْأَل الْإِمَارَة فَإنَّك إِن أعطيتهَا عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا وَإِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا
وَقَوله (وكلت إِلَيْهَا) أَي أسلمت إِلَيْهَا فضعفت عَنْهَا
طلب ولَايَة الْقَضَاء
٦٩ - وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من سَأَلَ الْقَضَاء وكل إِلَى نَفسه وَمن أكره عَلَيْهِ نزل ملك يسدده) أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ // حَدِيث حسن //
стр. 28
٧٠ - فَلَا يَنْبَغِي تَوْلِيَة من طلب الْقَضَاء لِأَن الولايات أمانات وَتصرف فِي أَرْوَاح الْخَلَائق وَأَمْوَالهمْ فالتسرع إِلَى الْأَمَانَة دَلِيل على الْخِيَانَة وَإِنَّمَا يخطبها من يُرِيد أكلهَا وَمن ائْتمن خائنا على مَوَاضِع الْأَمَانَات كَانَ كمن استرعى الذِّئْب على الْغنم
وَمن هَذِه الْخصْلَة تفْسد قُلُوب الرعايا على مُلُوكهَا لِأَنَّهُ إِذا اهتضمت حُقُوقهم وأكلت أَمْوَالهم فَسدتْ نياتهم أطْلقُوا ألسنتهم بِالدُّعَاءِ والتشكي
٧١ - وَفِي أَخْبَار الْقُضَاة أَن قَاضِيا قدم إِلَى بلد فَجَاءَهُ رجل لَهُ عقل وَدين فَقَالَ أَيهَا القَاضِي أبلغك قَول النَّبِي ﷺ (من قدم للْقَضَاء فقد ذبح بِغَيْر سكين) فَقَالَ نعم قَالَ فبلغك أَن أُمُور النَّاس ضائعة فِي بلدنا فَجئْت بخبرها قَالَ لَا قَالَ فاشهد أَنِّي لَا أَطَأ لَك مَجْلِسا وَلَا أؤدي عنْدك شَهَادَة
стр. 29
الْفَصْل الثَّالِث الولايات
مشروعيتها
٧٢ - قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا وَإِذا حكمتم بَين النَّاس أَن تحكموا بِالْعَدْلِ﴾
الْولَايَة الْعَامَّة
٧٣ - فالولاية أَمَانَة وَكَانَ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أَن النَّبِي ﷺ لما فتح مَكَّة وتسلم مَفَاتِيح الْكَعْبَة من بني شيبَة طلبَهَا مِنْهُ
стр. 30
الْعَبَّاس ليجمع لَهُ بَين سِقَايَة الْحجَّاج وسدانة الْبَيْت فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَدفع مَفَاتِيح الْكَعْبَة إِلَى بني شيبَة
٧٤ - فَيجب على الإِمَام أَن يولي على كل عمل من أَعمال الْمُسلمين أصلح من يجده لذَلِك الْعَمَل
٧٥ - فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (من ولي من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فولى رجلا وَهُوَ يجد من هُوَ أصلح للْمُسلمين فقد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ) رَوَاهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحه
٧٦ - ويروى ذَلِك من قَول عمر ﵁ قَالَ من ولي من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فولى رجلا لمودة أَو قرَابَة بَينهمَا فقد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُسْلِمين
٧٧ - وَعَن يزِيد بن أبي سُفْيَان قَالَ قَالَ أَبُو بكر حِين بَعَثَنِي إِلَى الشَّام يَا يزِيد إِن لَك قرَابَة عَسَيْت أَن تؤثرهم بالإمارة وَذَلِكَ أَكثر مَا أَخَاف عَلَيْك فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من ولي من أَمر الْمُسلمين
стр. 31
شَيْئا فَأمر عَلَيْهِم أحدا مُحَابَاة فَعَلَيهِ لعنة الله لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا حَتَّى يدْخلهُ جَهَنَّم وَمن أعْطى أحدا حمى الله فقد انتهك فِي حمى الله شَيْئا بِغَيْر حَقه فَعَلَيهِ لعنة الله أَو قَالَ تبرأت مِنْهُ ذمَّة الله) أخرجه أَحْمد
تَوْلِيَة الْأَصْلَح
٧٨ - فَيجب على السُّلْطَان أَن يبْحَث عَمَّن يسْتَحق الْولَايَة من نوابه على الْأَمْصَار من الْأُمَرَاء الَّذين هم نوابه والقضاة وَنَحْوهم وَمن أُمَرَاء الأجناد ومقدمي العساكر وولاة الْأَمْوَال من الوزراء وَالْكتاب والشادين والسعاة على الْخراج وَالصَّدقَات وَغير ذَلِك من أَمْوَال الْمُسلمين وَأَن يسْتَعْمل عَلَيْهِم أصلح من يجده وَيَنْتَهِي ذَلِك إِلَى أَئِمَّة الصَّلَاة والمؤذنين والمعلمين وأمراء الْحَج وَالْبرد والعيون الَّذين هم القصاد وحراس الْحُصُون والحدادين الَّذين هم البوابون على الْحُصُون والمدائن ونقباء العساكر وعرفاء الْقَبَائِل والأسواق
حكم التَّوْلِيَة لقرابة أَو صداقة
٧٩ - وَلَا يقدم إِلَّا الْأَصْلَح فَإِن عدل عَن الْأَصْلَح إِلَى غَيره لأجل
стр. 32
قرَابَة بَينهمَا أَو عتاقة أَو صداقة أَو مُوَافقَة فِي الْمَذْهَب أَو الدّين أَو الْبَلَد أَو الْجِنْس كالتركية أَو الْعَرَبيَّة والعجمية والرومية أَو لرشوة أَو لضغن فِي قلبه على الأحق فقد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ وَدخل فِيمَا نهى الله عَنهُ من قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ فَإِن الرجل لحبه وَلَده أَو قَرِيبه قد يؤثره فِي بعض الولايات أَو يُعْطِيهِ مَالا يسْتَحقّهُ فَيكون قد خَان أَمَانَته ثمَّ إِن مؤدي الْأَمَانَة مَعَ مُخَالفَة هَوَاهُ يثيبه الله فيحفظه فِي أَهله وَمَاله بعده والمطيع لهواه يُعَاقِبهُ الله بنقيض قَصده فيذل أَهله وَيذْهب مَاله
٨٠ - وَفِي مثل هَذَا الْمَعْنى الْحِكَايَة الْمَشْهُورَة أَن بعض خلفاء بني الْعَبَّاس سَأَلَ بعض الْعلمَاء أَن يحدثه عَمَّا أدْرك فَقَالَ أدْركْت عمر بن عبد الْعَزِيز فَقيل لَهُ أفغرت أَفْوَاه بنيك من هَذَا المَال وتركتهم فُقَرَاء لَا شَيْء لَهُم وَكَانَ فِي مرض مَوته فَقَالَ أدخلوهم عَليّ فأدخلوهم وهم بضعَة عشر ذكرا لَيْسَ فيهم بَالغ فَلَمَّا رَآهُمْ فرقت عَيناهُ ثمَّ قَالَ وَالله يَا بني مَا منعتكم حَقًا هُوَ لكم وَلم أكن بِالَّذِي يَأْخُذ أَمْوَال النَّاس فأدفعها إِلَيْكُم وَإِنَّمَا أَنْتُم أحد رجلَيْنِ إِمَّا صَالح فَالله يتَوَلَّى الصَّالِحين وَإِمَّا غير صَالح فَلَا
стр. 33
أخلف لَهُ مَا يَسْتَعِين بِهِ على مَعْصِيّة الله قومُوا عني
قَالَ فَلَقَد رَأَيْت بعض وَلَده مَا حمل على مئة فرس فِي سَبِيل الله يَعْنِي أَعْطَاهَا لمن يَغْزُو عَلَيْهَا وَإِنَّمَا أَخذ كل وَاحِد من أَوْلَاده من تركته شَيْئا يَسِيرا يُقَال أقل من عشْرين درهما
٨١ - قَالَ وَحَضَرت بعض الْخُلَفَاء وَقد اقتسم بنوه فَأخذ كل وَاحِد سِتّمائَة ألف دِينَار وَلَقَد رَأَيْت بَعضهم يَتَكَفَّف النَّاس أَي يسألهم بكفه
٨٢ - وَقد دلّ كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ أَن الْولَايَة أَمَانَة يجب ردهَا وأداؤها فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن مثل مَا تقدم وَمثل قَوْله ﷺ لأبي ذَر فِي الْإِمَارَة (إِنَّهَا أَمَانَة وَإِنَّهَا يَوْم الْقِيَامَة خزي وندامة إِلَّا من أَخذهَا بِحَقِّهَا وَأدّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) رَوَاهُ مُسلم
التَّصَرُّف بالأصلح للمشمول بِالْولَايَةِ
٨٣ - وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على هَذَا فَإِن وَصِيّ الْيَتِيم وناظر الْوَقْف ووكيل الرجل فِي مَاله يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَرَّف لَهُ بالأصلح فالأصلح كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ﴾
стр. 34
أحسن) وَلم يقل إِلَّا بِالَّتِي هِيَ حَسَنَة فَإِذا كَانَ الْوَلِيّ معزولا عَن غير الْأَصْلَح فِي مَال الْيَتِيم فمصلحة جَمِيع الْمُسلمين أولى بذلك
٨٤ - وَفِي الصَّحِيح عَن معقل بن يسَار قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا من عبد يسترعيه الله تَعَالَى رعية يَمُوت يَوْم يَمُوت وَهُوَ غاش لرعيته إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة)
٨٥ - وَفِي لَفْظَة عِنْد مُسلم (مَا من أَمِير يَلِي أُمُور الْمُسلمين لَا يجْهد وَينْصَح لَهُم إِلَّا لم يدْخل مَعَهم الْجنَّة)
الْأَمِير أجِير للْمُسلمين
٨٦ - وَدخل أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَجِير فَقَالُوا قل السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَجِير فَقَالُوا قل الْأَمِير فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَجِير فَقَالَ مُعَاوِيَة دعوا أَبَا مُسلم فَإِنَّهُ أعلم بِمَا يَقُول فَقَالَ إِنَّمَا أَنْت أجِير أستأجرك رب هَذِه الْغنم لرعايتها فَإِن أَنْت هنأت جَرْبَاهَا وداويت مرضاها وحبست أولاها على
стр. 35
أخراها وفاك سَيِّدهَا أجرك وَإِن أَنْت لم تهنأ جَرْبَاهَا وَلم تداو مرضاها وَلم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سَيِّدهَا
الْوُلَاة نواب الله على عباده
٨٧ - وَهَذَا ظَاهر فِي الِاعْتِبَار فَإِن الْخلق عباد الله والولاة نواب الله على عباده وهم وكلاء الْعباد على نُفُوسهم بِمَنْزِلَة أحد الشَّرِيكَيْنِ مَعَ الآخر ففيهم معنى الْولَايَة وَالْوكَالَة
ثمَّ الْوَلِيّ وَالْوَكِيل مَتى استناب فِي أُمُوره رجلا وَترك من هُوَ أصلح للتِّجَارَة مِنْهُ أَو بَاعَ السّلْعَة بِثمن وَهُوَ يجد من يَشْتَرِيهَا بِخَير من ذَلِك الثّمن فقد خَان صَاحبه لَا سِيمَا إِن كَانَ بَينه وَبَين من حاباه مَوَدَّة أَو قرَابَة فَإِن صَاحبه يبغضه ويذمه وَيرى أَنه قد خانه وداهن قَرِيبه أَو صديقه
تَقْدِيم الْأَصْلَح للْإِمَامَة
٨٨ - قَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِده إِذا شغر الزَّمَان عَن الْولَايَة الْعُظْمَى وَحضر اثْنَان يصلحان للْإِمَامَة لم يجز الْجمع بَينهمَا لما يُؤَدِّي إِلَيْهِ من الْفساد باخْتلَاف الآراء فتتعطل الْمصَالح بِسَبَب ذَلِك لِأَن أَحدهمَا يرى مَا لَا يرَاهُ الآخر من جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد وَإِنَّمَا تنصب الْوُلَاة للْقِيَام بجلب مصَالح
стр. 36
الْمولى عَلَيْهِ ودرء الْمَفَاسِد عَنهُ بِدَلِيل قَول مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُون ﴿اخلفني فِي قومِي وَأصْلح وَلَا تتبع سَبِيل المفسدين﴾ فَإِن كَانَا متساويين من كل وَجه تخير بَينهمَا وَيحْتَمل أَن يقرع دفعا لتأذي من يُؤَخر مِنْهُمَا
تَقْدِيم الصَّالح على الْأَصْلَح
٨٩ - وَإِن كَانَ أَحدهمَا أصلح تعيّنت ولَايَة الْأَصْلَح على الصَّالح إِلَّا أَن يكون الْأَصْلَح بغيضا إِلَى النَّاس أَو محتقرا عِنْدهم وَيكون الصَّالح محببا إِلَيْهِم أَو عَظِيما فِي أَعينهم فَيقدم الصَّالح على الْأَصْلَح لِأَن الإقبال عَلَيْهِ مُوجب للمسارعة إِلَى طواعيته وامتثال أمره فِي جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد فَيصير حِينَئِذٍ أرجح مِمَّن ينفر عَنهُ لتقاعد أعوانه عَن المسارعة إِلَى مَا يَأْمر بِهِ من الْمصَالح وَدفع الْمَفَاسِد فَيصير الصَّالح بِهَذَا السَّبَب أصلح
اجْتِمَاع اثْنَيْنِ يصلحان لولاية الْأَحْكَام
٩٠ - وَإِذا اجْتمع اثْنَان يصلحان لولاية الْأَحْكَام فَإِن تَسَاويا من كل وَجه ولينا كل وَاحِد قطرا إِن شغرت الأقطار وَإِن كَانَت مشحونة بالقضاة والحكام تخيرنا بَينهمَا أَو ولينا كل وَاحِد جانبا من جَوَانِب الْبَلَد أَو أقرعنا بَينهم
стр. 37
الْقيام بِأَمْر الْأَيْتَام
٩١ - قَالَ وَإِذا اجْتمع جمَاعَة يصلحون للْقِيَام بِأَمْر الْأَيْتَام قدم الْحَاكِم أقومهم بذلك وأعرفهم بمصالح الْأَيْتَام وأشدهم شَفَقَة ومرحمة فَإِن تساووا من كل وَجه تخير وَيجوز أَن يولي كل وَاحِد مِنْهُم بعض الْولَايَة مَا لم يكن بَينهمَا تنَازع فيهمَا وَاخْتِلَاف يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل مصالحها ودرء مفاسدها لِأَن الْولَايَة كلما ضَاقَتْ قوي الْوَالِي على جلب مصالحها ودرء مفاسدها
الْقيام بِأَمْر الْأَذَان
٩٢ - قَالَ وَإِذا اجْتمع جمَاعَة يصلحون للأذان فَإِن تساووا أقرعنا بَينهم لقَوْله ﷺ (لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ثمَّ لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا عَلَيْهِ) وَإِن تفاوتوا فِي الثِّقَة والعفة وَالْأَمَانَة وَمَعْرِفَة الْمَوَاقِيت وَحسن الصَّوْت قدمنَا الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل لِأَن الْمصلحَة فِيهِ أعظم
الْقيام بِأَمْر الحروب
٩٣ - قَالَ وَلَا يقدم فِي ولَايَة الحروب إِلَّا أَشْجَع النَّاس وأعلمهم بمكايد الحروب والقتال مَعَ النجدة والشجاعة وَحسن السِّيرَة فِي الأتباع فَإِن كَانُوا مستوين فِي كل ذَلِك فَإِن كَانَت الْجِهَة وَاحِدَة تخير الإِمَام وَله أَن يقرع بَينهم كَيْلا يجد بَعضهم على الإِمَام بِتَقْدِيم غَيره عَلَيْهِ وَإِن تعدّدت الْجِهَات صرف كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى جِهَة تلِيق بِهِ
الضَّابِط فِي الولايات
٩٤ - وَالضَّابِط فِي الولايات كلهَا أَنا لَا نقدم فِيهَا إِلَّا أقوم النَّاس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها فَيقدم الأقوم بأركانها وشرائطها على الأقوم بسننها وآدابها
الإِمَام فِي الصَّلَاة
٩٥ - فَيقدم فِي الْإِمَامَة الْفَقِيه على القارىء عِنْد الشَّافِعِي والأفقه على الْأَقْرَاء لِأَن الْفَقِيه أعلم باختلال الْأَركان والشرائط بِمَا يطْرَأ على الصَّلَاة من المفسدات وَكَذَلِكَ يقدم الْوَرع على غَيره لِأَن ورعه يحثه على إِكْمَال الشَّرَائِط وَالسّنَن والأركان فَيكون إِذن أقوم بمصلحة الصَّلَاة وَقدم بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي بنظافة الثَّوْب لِأَن الْغَالِب أَن المتنزه من الأقذار الَّتِي لَيست بأنجاس أَنه يتنزه من النَّجَاسَات فَيكون أقوم بِشَرْط الصَّلَاة
وَكَذَلِكَ يقدم الْبَصِير على الْأَعْمَى عِنْد بَعضهم لِأَنَّهُ يرى من
стр. 38
النَّجَاسَات مَا لَا يرَاهُ الْأَعْمَى فَيكون أَشد تَحَرُّزًا من النَّجَاسَات الَّتِي اجتنابها شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة
وَأما غض الْأَعْمَى عَن الْمُحرمَات فَلَيْسَ غضه شرطا فِي صِحَة الصَّلَاة
الْقيام بِأَمْر الْمَوْتَى
٩٦ - وَأما غسل الْمَوْتَى وتكفينهم فَيقدم الْقَادِر على إِكْمَال الْقيام بمصالح هَذِه الْوَاجِبَات وَلِهَذَا يقدم الْآبَاء على الْأَوْلَاد لِأَن حنو الْآبَاء أكمل من حنو الْأَوْلَاد وَلذَلِك يقدم الْقَرِيب فِي الصَّلَاة على الْمَيِّت على جَمِيع أهل الولايات لِأَن الْمَقْصُود من الصَّلَاة الشَّفَاعَة للْمَيت والقريب لفرط شفقته وَشدَّة حزنه عَلَيْهِ يُبَالغ فِي الدُّعَاء مَا لَا يَفْعَله الْأَجَانِب
الْقيام بِأَمْر الصغار الْحَضَانَة الْأَمْوَال
٩٧ - وَكَذَلِكَ تقدم الْأُم على الْأَب فِي الْحَضَانَة لمعرفتها بهَا وفرط حنوها على الطِّفْل وَإِذا اسْتَوَى النِّسَاء فِي دَرَجَات الْحَضَانَة فقد يقرع بَينهُنَّ وَقد يتَخَيَّر والقرعة أولى
٩٨ - وَيقدم الْآبَاء على الْأُمَّهَات فِي النّظر فِي مصَالح أَمْوَال
стр. 39
المجانين والأطفال وَفِي التَّأْدِيب وارتياد الْحَرْف والصناعات لأَنهم أقوم بذلك وَأعرف بِهِ من الْأُمَّهَات
الْولَايَة فِي أَمر النِّكَاح
٩٩ - وَكَذَلِكَ يقدم فِي ولَايَة النِّكَاح الْأَقَارِب على الموَالِي والحكام وَيقدم من الْأَقَارِب أرفقهم بالمولى عَلَيْهِ كالآباء والأجداد وَيقدم الْجد على الأوصياء وَالْأَئِمَّة والحكام وَيقدم الأوصياء على الْحُكَّام
стр. 40
الْفَصْل الرَّابِع أَرْكَان الْولَايَة
١٠٠ - وَالْولَايَة لَهَا ركنان الْقُوَّة وَالْأَمَانَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين﴾ وَقَالَ صَاحب مصر ليوسف فِيمَا حَكَاهُ الله تَعَالَى ﴿إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي صفة جِبْرِيل ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين﴾
١٠١ - وَالْقُوَّة فِي كل ولَايَة بحسبها
الْقُوَّة فِي إِمَارَة الْحَرْب
١٠٢ - فالقوة فِي إِمَارَة الْحَرْب ترجع إِلَى شجاعة الْقلب والخبرة بالحروب والمخادعة فِيهَا فَإِن الْحَرْب خدعة وَإِلَى الْقُدْرَة على أَنْوَاع الْقِتَال من رمي وَطعن وَضرب وركوب وكر وفر وَنَحْو ذَلِك كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾
следующие страницы →