Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْحق معزا لمن اعتقده وتوخاه ومعينا لمن اعْتَمدهُ وابتغاه وَجعل الْبَاطِل مذلا لمن آثره وارتضاه ومذلا لمن أظهره واقتفاه واختص ملك الْمُلُوك بهاء الدولة وضياء الْملَّة وغياث الْأمة باعتقاد الْحق وَاجْتنَاب الْبَاطِل حَتَّى تمكن من نواصي من راده وَمَانعه وَجعل لَهُ من وَلَده سندا يظاهره وعضدا يؤازره
فَالْحَمْد لله حمدا يوازي جميل نعمه ويضاهي جزيل قسمه وَصلى الله على بشير كل تَقِيّ مهتد ونذير كل مُعْتَد مُحَمَّد وَآله وصحابته هداة الصَّالِحين الأخيار وعداة الطالحين الأشرار وَسلم كثيرا
أما بعد فَإِن الله سُبْحَانَهُ ببليغ حكمته وَعدل قَضَائِهِ جعل النَّاس أصنافا مُخْتَلفين وأطوارا متباينين ليكونوا بالاختلاف مؤتلفين وبالتباين متفقين واختص مِنْهُم رَاعيا أوجب عَلَيْهِ حراسة رَعيته وَأوجب على الرّعية صدق طَاعَته وَجعله الْوَسِيط بَينه وَبَين عباده وَلم يَجْعَل بَينه وَبينهمْ أحدا سواهُ فَكَانَ ملك الْمُلُوك بهاء الدولة مِمَّن خصّه الله باسترعاء خلقه واستودعه حفاظ حَقه
стр. 2
وَجَعَلنَا أهل طَاعَته نتمسك بعصم الْمُوَالَاة ونمت بإخلاص المصافاة وأخلص الرّعية من كَانَ لحق الرّعية مذكرا وبحق سُلْطَانه معترفا وَقد دَعَاني صدق الطَّاعَة إِلَى إنْشَاء كتاب وجيز ضمنته من جمل السياسة مَا إِن كَانَ الْملك قد حَاز علم أضعافه بِحسن بديهته وأصيل رَأْيه فَإِنِّي لن أعدم أَن أكون قد أدّيت من لَوَازِم الطَّاعَة أم يحسن موقعه إِن شَاءَ الله
وقسمته بَابَيْنِ
الْبَاب الأول فِي أَخْلَاق الْملك
الْبَاب الثَّانِي فِي سياسة الْملك
وترجمته بدرر السلوك فِي سياسة الْمُلُوك إِذا كَانَ مَا تضمنه دَاعيا إِلَيْهِ وحاثا عَلَيْهِ وَأَنا أسأَل الله تَعَالَى حسن المعونة والتوفيق وَإِلَيْهِ أَرغب فِي إمدادي بِالرشد والتسديد وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
стр. 3
الْبَاب الأول فِي أَخْلَاق الْملك
الْأَخْلَاق بَين الْمَدْح والذم
اعْلَم أَن الْإِنْسَان مطبوع على أَخْلَاق قل مَا حمد جَمِيعهَا أَو ذمّ سائرها وَإِنَّمَا الْغَالِب أَن بَعْضهَا مَحْمُود وَبَعضهَا مَذْمُوم قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا هَذِه الْأَخْلَاق إِلَّا طبائع ... فمنهن مَحْمُود وَمِنْهَا مذمم)
إصْلَاح الْأَخْلَاق المذمومة بالتأديب
وَلَيْسَ يُمكن صَلَاح مذممومها بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الطبيعة والتفويض إِلَى النحيزة إِلَّا أَن يرتاض لَهَا رياضة تَأْدِيب وتدريج فيستقيم لَهُ
стр. 4
الْجَمِيع بَعْضهَا خلق مطبوع وَبَعضهَا تخلق مسموع لِأَن الْخلق طبع وتكلف
قَالَ الشَّاعِر
(يَا أيتها المتحلي غير شيمته ... وَمن سجيته الْإِكْثَار والملق)
(عَلَيْك بِالْقَصْدِ فِيمَا أَنْت فَاعله ... إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
شرِيف الْأَخْلَاق ثَمَرَته شرِيف الْأَفْعَال
وشريف الْأَفْعَال لَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا شرِيف الْأَخْلَاق سَوَاء كَانَ ذَلِك طبعا أَو تطبعا وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك فِي كِتَابه الْكَرِيم بقوله لنَبيه ﷺ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ لِأَن النُّبُوَّة لما كَانَت أشرف منَازِل الْخلق ندب إِلَيْهَا من أكمل فَضَائِل الْأَخْلَاق
стр. 5
سياسة الْإِنْسَان لنَفسِهِ
فَإِذا بَدَأَ الْإِنْسَان بسياسة نَفسه كَانَ على سياسة غَيره أقدر وَإِذا أهمل مُرَاعَاة نَفسه كَانَ بإهمال غَيره أَجْدَر
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين من بَدَأَ بسياسة نَفسه أدْرك سياسة النَّاس
وَقد قيل فِي منثور الحكم لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يطْلب طَاعَة غَيره وَطَاعَة نَفسه ممتنعة عَلَيْهِ
قَالَ الشَّاعِر
(أتطمع أَن يطيعك قلب سعدى ... تزْعم أَن قَلْبك قد عصاكا) وَرُبمَا حسن ظن الْإِنْسَان بِنَفسِهِ فأغفل مُرَاعَاة أخلاقه
стр. 6
فَدَعَاهُ حسن الظَّن بهَا إِلَى الرِّضَا عَنْهَا دَاعيا إِلَى الانقياد لَهَا ففسد مِنْهُ مَا كَانَ صَالحا وَلم يصلح مِنْهَا مَا كَانَ فَاسِدا لِأَن الْهوى أغلب من الآراء وَالنَّفس أجور من الْأَعْدَاء لِأَنَّهَا بالسوء أَمارَة وَإِلَى الشَّهَوَات مائلة وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ الشَّديد من ملك نَفسه
قَالَ بعض الْحُكَمَاء من رَضِي عَن نَفسه أَسخط عَلَيْهِ النَّاس ولحسن الظَّن بهَا أَسبَاب فَمن أقوى أَسبَابه الْكبر والإعجاب وَهُوَ بِكُل أحد قَبِيح وبالملوك أقبح لِأَنَّهُ دَال على صغر الهمة مخبر بعلو الْمنزلَة وَكفى بِالْمَرْءِ ذما أَن تكون همته دون مَنْزِلَته وَقد قَالَ بعض أَشْرَاف السّلف لَا يَنْبَغِي أَن يرى شَيْئا من الدُّنْيَا لنَفسِهِ خطرا فَيكون بِهِ تائها والملوك أَعلَى النَّاس همما وأبسطهم أملا فَلذَلِك كَانَ الْكبر
стр. 7
والإعجاب بهم أقبح وَكَانَ عبد الله بن الْعَبَّاس رضوَان الله عَلَيْهِ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الصّديق رضوَان الله عَلَيْهِ يَقُول
(إِذا أردْت شرِيف النَّاس كلهم ... فَانْظُر إِلَى ملك فِي زِيّ مِسْكين)
(ذَاك الَّذِي حسنت فِي النَّاس رأفته ... وَذَاكَ يصلح للدنيا وَالدّين)
السكينَة وَالْوَقار أَحْمد من الْكبر والإعجاب
لَكِن السكينَة وَالْوَقار أَحْمد وَأولى بِهِ من الْكبر والإعجاب وَمن النَّاس من لَا يفرق بَين الْكبر وَالْوَقار وَهَذَا جهل بمعناهما
الْفرق بَين الْكبر والإعجاب
فإمَّا الْكبر والإعجاب فقد يَجْتَمِعَانِ فِي الذَّم ويفترقان فِي الْمَعْنى فالإعجاب يكون فِي النَّفس وَمَا تظنه من فضائلها وَالْكبر يكون بالمنزلة وَمَا تظنه من علوها
أَسبَاب الْكبر
وللكبر أَسبَاب فَمن أقوى أَسبَابه علو الْيَد ونفوذ الْأَمر
стр. 8
وَقلة مُخَالطَة الْأَكفاء وللإعجاب أَسبَاب فَمن أقوى أَسبَابه كَثْرَة مديح المقربين وإطراء المتملقين الَّذين استبضعوا الْكَذِب والنفاق واستصحبوا الْمَكْر وَالْخداع فَإِذا وجدوا لنفاقهم سوقا ولكذبهم تَصْدِيقًا جَعَلُوهُ فِي ذمم النوكي فاعتاضوا بِهِ رتبا وعوضوا مِنْهُ نشبا وحسبوه زينا فَصَارَ شينا وَحكم الممدوح بكذب قَوْلهم على صدق علمه وَجعل لَهُم طَرِيقا إِلَى الِاسْتِهْزَاء بِهِ وَمن أجل ذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ احثوا فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب
وَقيل لأنوشروان لم تتهاونون بالمدح إِذا مدحتم قَالَ لأننا رَأينَا ممدوحا هُوَ بالذم أَحَق
стр. 9
بَين التملق وَصدق النَّصِيحَة
وَهَذَا أَمر يَنْبَغِي لكل وَاحِد أَن يراعيه من نَفسه وَيفرق بَين متملقه احتيالا وَبَين مخلص لَهُ النَّصِيحَة من أهل الصدْق وَالْوَفَاء الَّذين هم مرايا محاسنه وعيونه فَإِنَّهُ إِن أغفل ذَلِك داهن نَفسه ونافق عقله واستفسد أهل الْوَفَاء والصدق ومار مأكله النِّفَاق والملق فأعقبه ذَلِك ضَرَرا وأورثه تهجينا وذما وَالْملك أولى من حذر ذَلِك وتوقاه لِأَن حَضْرَة الْمُلُوك كالسوق الَّتِي يجلب إِلَيْهَا مَا ينْفق فِيهَا وكل دَاخل عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يُرِيد التَّقَرُّب إِلَيْهِ بقوله وَفعله فَإِذا علمُوا مِنْهُ إِيثَار الْمُوَافقَة على الْهوى وَحب الْمَدْح والإطراء جعلُوا ذَلِك أربح بضائعهم لَدَيْهِ وَمن أجل مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَيْهِ فيتصور ذمه حمدا وَقد كسب بِهِ ذما وَيتَصَوَّر قبحه حسنا وَقد كسب بِهِ قبحا فَهَذَا مِمَّا يجب أَن يتوقاه الْملك ويحذره
دَلَائِل الْوَقار
وَإِذا كَانَ الْوَقار مَحْمُودًا وَكَانَ الْإِنْسَان بِهِ مَأْمُورا فَوَاجِب أَن نصف مِنْهُ فصولا دَالَّة يتبع بَعْضهَا بَعْضًا
فَمن ذَلِك قلَّة التسرع إِلَى الشَّهَوَات والتثبت عِنْد الشُّبُهَات
стр. 10
وَاجْتنَاب سرعَة الحركات وخفة الإشارات ثمَّ إطراق الطّرف وَلُزُوم الصمت فَإِنَّهُ أبلغ فِي الْوَقار وَأسلم من هَذَا الْكَلَام مَعَ أَن الْملك ملحوظ الأنفاس مَنْقُول اللَّفْظ
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحصْر خير من الهذر لِأَن الْحصْر يضعف الْحجَّة والهذر يتْلف المهجة
وَقَالَ بعض البلغاء الزم الصمت فَإِنَّهُ يكسبك صفو الْمحبَّة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الْوَقار وَيَكْفِيك مُؤنَة الِاعْتِذَار وَتكلم أَرْبَعَة من حكماء الْمُلُوك بأَرْبعَة كَلِمَات كَأَنَّهَا رميت عَن قَوس
فَقَالَ ملك الرّوم أفضل علم الْعلمَاء السُّكُوت
وَقَالَ ملك الْفرس إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَلم أملكهَا
وَقَالَ ملك الْهِنْد أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت
وَقَالَ ملك الصين نَدِمت على الْكَلَام وَلم أندم على السُّكُوت
стр. 11
وليعلم أَن الْحَاجة إِلَى الصمت أَكثر من الْحَاجة إِلَى الْكَلَام لِأَن الْحَاجة إِلَى الصمت عَامَّة وَالْحَاجة إِلَى الْكَلَام عارضة فَلذَلِك مَا وَجب أَن يكون صمت الْعَاقِل فِي الْأَحْوَال أَكثر من كَلَامه فِي كل حَال
حُكيَ أَن بعض الْحُكَمَاء رأى رجلا يكثر الْكَلَام ويقل السُّكُوت فَقَالَ لَهُ إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا جعل لَك أذنين وَلِسَانًا وَاحِدًا ليَكُون مَا تسمعه ضعف مَا تَتَكَلَّم بِهِ فَإِذا دَعَتْهُ الْحَاجة إِلَى الْكَلَام سبره وَقيل اللِّسَان وَزِير الْإِنْسَان فَإِذا تكلم تحذر من الْإِكْثَار فَقل من كثر كَلَامه إِلَّا وَكثر ندمه
وَقد قيل من كثر كَلَامه كثرت آثامه وَلَا يَنْبَغِي أَن يعجب بجيد كَلَامه وَلَا بصواب مَنْطِقه فان الْإِعْجَاب بِهِ سَبَب الْإِكْثَار مِنْهُ وَقد قيل من أعجب بقوله أُصِيب بعقله
اعْتِمَاد الصدْق والحذر من الْكَذِب
ويعتمد الصدْق فِي مقاله وَاجْتنَاب الْكَذِب من مقاله
فقد
стр. 12
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ رحم الله امْرَءًا أصلح من لِسَانه واقصر من عنانه وألزم طَرِيق الْحق مقوله وَلم يعود الخطل مفصله
فيحذر الْكَذِب وَلَا يرخص لنَفسِهِ فِيهِ إِلَّا على وَجه التورية فِي خداع الحروب فَإِن الْحَرْب خدعة
وَقد جَاءَت السّنة بإرخاص الْكَذِب فِيهَا على وَجه التورية دون التَّصْرِيح فان أرخص لنَفسِهِ فِيهِ على غير هَذَا الْوَجْه صَار بِهِ موسوما لِأَن الْإِنْسَان بِقدر مَا يسْبق إِلَيْهِ يعرف وَبِمَا يظْهر من أخلاقه يُوصف وَبِذَلِك جرت عَادَة الْخلق أَنهم يعدلُونَ الْعَادِل بالغالب من أَفعاله وَرُبمَا أَسَاءَ ويفسقون الْفَاسِق بالغالب من أَفعاله وَرُبمَا أحسن فَإِذا وسم بِالصّدقِ وَقصر كَلَامه على المهم كَانَ تبشيره وإنذاره على حسب خطر الْأُمُور الَّتِي يجْرِي فِيهَا وعده أَو وعيده كَانَت أَلْفَاظه ألقابا وَكَانَ ذمه عذَابا وَاسْتغْنى عَن كثير من الإرغاب والإرهاب
وَقد اختير للملوك عذوبة
стр. 13
الْكَلَام وجهارة الصَّوْت لِأَنَّهُ أرعب وأرهب
وَحكي أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ كتب إِلَى عِكْرِمَة ابْن أبي جهل وَهُوَ عَامله بعمان إياك أَن توعد على مَعْصِيّة بِأَكْثَرَ من عقوبتها فَإنَّك إِن فعلت أثمت وَإِن تركت كذبت
الحذر من الْغَضَب
ويحذر الْغَضَب ويتجنبه فَإِنَّهُ شَرّ قاهر وأضر معاند وَلَيْسَ يفْسد الْأُمُور وينتقص التَّدْبِير إِلَّا عِنْد غلبته وَشدَّة فورته فَإِن مني بِهِ فَلَا يمْضِي فعلا وَلَا ينفذ حكما حَتَّى يَزُول
стр. 14
وروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذا استشاط السُّلْطَان تسلط الشَّيْطَان
وَحكي أَن بعض مُلُوك الْفرس كتب كتابا فَدفعهُ إِلَى وزيره وَقَالَ إِذا غضِبت فناولنيه وَكَانَ فِيهِ مَكْتُوب مَالك وَالْغَضَب إِنَّك لست بإله إِنَّمَا أَنْت بشر ارْحَمْ من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء
وَإِنَّمَا كَانَ يفعل هَذَا ليزول عَنهُ الْغَضَب خوفًا من قبح آثاره وَشدَّة إضراره
الحذر من الْمحل واللجاج
وَكَذَلِكَ الْمحل واللجاج يجب أَن يحذرهُ فَهُوَ أليف الْغَضَب وحليف العطب والانقياد للرأي أَحْمد والرفق فِي الْأُمُور أوفق
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الرِّفْق لم يكن فِي شَيْء قطّ إِلَّا
стр. 15
زانه وَلَا نزع مِنْهُ إِلَّا شانه
وليعلم أَن فِي الْأُمُور الَّتِي تدبرها مَا لَا يمْضِي إِلَّا بفرط الصرامة والهيبة وَأَن ذَلِك لَا يكون إِلَّا لمن خيف غَضَبه وخشيت سطوته فليجعل من الْغَضَب تغضبا لَا غَضبا لِأَن التغاضب فعله يُمكنهُ أَن يقف مِنْهُ على الْحَد الْمَطْلُوب وَالْغَضَب انفعال فِيهِ اضْطر إِلَيْهِ لَا يُمكنهُ أَن يقف مِنْهُ على حد وَلَقَد أصَاب من كَانَت عُقُوبَته للأدب وَأَخْطَأ من كَانَت عُقُوبَته للغضب وَهَذَا مِمَّا ذكرنَا فِي معنى الطَّبْع والتطبع
وعَلى هَذَا الْقيَاس فَلَا يَنْبَغِي أَن يستفزه السرُور فتملأ البشائر قلبه وتخلب الأفراح لبه فينسبه الْعَدو إِلَى ضعف الْعَزِيمَة ولين الهمة بل يصور فِي نَفسه وَيقدر فِي فكره أَن البشائر وَإِن جلت محتقرة إِذا قيست بكبر همته وأضيفت إِلَى عظم مَنْزِلَته
الصَّبْر وأقسامه
وَكَذَلِكَ الْحَوَادِث إِذا طرقت والنوازل إِذا ألمت كَانَت سهلة الْوَطْأَة فِي جنب صبره وشهامته قَليلَة الْأَثر لسعة صَدره
стр. 16
وَبعد همته فَإِن طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْهَا طَارِئ بَان فَضله على سواهُ بِالصبرِ والمسكة عِنْد جزعهم وَالْوَقار والأناة عِنْد استفزازهم فَيكون بصبره ممتثلا لأمر الله فِيمَا أَتَاهُ راجيا للظفر فِيمَا يَقْصِدهُ ويتوخاه وَقد قَالَت الْحُكَمَاء بِالصبرِ على مواقع الكره تدْرك الحظوة
وَقد قَالَ الشَّاعِر
(إِذا الْمَرْء لم يَأْخُذ من الصَّبْر حَظه ... تقطع من أَسبَابه كل مبرم)
وليعلم أَن الصَّبْر قد يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام وَهُوَ فِي كل قسم مِنْهَا مَحْمُود
فَأول أقسامه الصَّبْر على مَا فَاتَ إِدْرَاكه من نيل الرغائب أَو نقضت أوقاته من نزُول المصائب وبالصبر فِي هَذَا تستفاد رَاحَة الْقلب وهدوء الْحَواس وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى شدَّة الأسى وإفراط الْحزن فَإِن صَبر طَائِعا وَإِلَّا احْتمل كَارِهًا هما لَازِما وَصَارَ إِثْمًا لعمله راغما
وَثَانِي أقسامه الصَّبْر على مَا نزل من مَكْرُوه أَو حل من أَمر مخوف وَالصَّبْر فِي هَذَا يفتح وُجُوه الآراء ويتوقى مكايد الْأَعْدَاء وَفِي مثله قَالَ الله ﴿واصبر على مَا أَصَابَك إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾
وَقَالَت الْحُكَمَاء مِفْتَاح عَزِيمَة الصَّبْر يعالج مغاليق
стр. 17
الْأُمُور وفقد الصَّبْر فِي هَذَا مَنْسُوب إِلَى الْخرق
وثالث أقسامه الصَّبْر فِي مَا ينْتَظر وُرُوده من رَغْبَة يرجوها أَو يخْشَى حُدُوثه من رهبة يخافها وبالصبر والتلطف فِي هَذَا يدْفع عَادِية مَا يخافه من الشَّرّ
وينال نفع مَا يرجوه من الْخَيْر وَفِي مثله قَالَت الْحُكَمَاء من اسْتَعَانَ بِالصبرِ نَالَ جسيمات الْأُمُور وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى الطيش
كتمان السِّرّ
وَلَيْسَ يَصح الصَّبْر فِي الْأُمُور بترك التسرع إِلَيْهَا دون كتمان السِّرّ فِيهَا فَإِن كتمان السِّرّ من أقوى أَسبَاب الظفر وأبلغ فِي كيد الْعَدو وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ اسْتَعِينُوا على الْحَاجَات بِالْكِتْمَانِ
стр. 18
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ سرك أسيرك فَإِذا تَكَلَّمت بِهِ صرت أسيره وَقَالَ أنوشران من حصن سره فَلهُ بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات وليعلم أَن من الْأَسْرَار مَالا يسْتَغْنى فِيهَا عَن مطالعة ولي مخلص واستشارة نَاصح فليتحفظ فِيهَا وليختر لَهَا أمناءها فَإِن الركون إِلَى حسن الظَّن ذَرِيعَة إِلَى إفشاء السِّرّ فَلَيْسَ كل من كَانَ على الْأَمْوَال أَمينا يجب أَن يكون على الْأَسْرَار مؤتمنا والعفة على الْأَمْوَال أيسر من الْعِفَّة عَن إذاعة الْأَسْرَار لِأَن الْإِنْسَان قد يذيع سر نَفسه لمبادرة لِسَانه وَسقط كَلَامه ويشح على الْيَسِير من مَاله ضنا بِهِ وحفاظا عَلَيْهِ وَلَا يرى مَا أذاع من سره كَبِيرا فِي جنب مَا حفظه من يسير مَاله مَعَ عظم الضَّرَر الدَّاخِل عَلَيْهِ فَمن أجل ذَلِك كَانَ أُمَنَاء الْأَسْرَار أَشد تعذرا وَأَقل وجودا من أُمَنَاء الْأَمْوَال فَإِذا ظفر بِهَذَا الْأمين المعوز أودعهُ إِيدَاع متحفظ فَإِن وجده مؤثرا للوقوف عَلَيْهِ حذره وتوقاه فَإِن طَالب الْوَدِيعَة خائن
стр. 19
وَقد قَالَ الشَّاعِر
(لَا تذع سرا إِلَى طَالبه ... إِن الطَّالِب للسر مذيع)
وَأولى الْأُمُور فِي الْأَسْرَار كتمها لتؤمن مخاوف الإذاعة والإستطالة بالإدلال
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء من أفشى سره كثر عَلَيْهِ المتآمرون
وَقد قَالَ الشَّاعِر
(ألم تَرَ أَن وشَاة الرِّجَال ... لَا يتركون أديما صَحِيحا)
(فَلَا تفش سرك إِلَّا إِلَيْك ... فَإِن لكل نصيح نصيحا)
стр. 20
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا وقفت الرّعية على سرائر الْمُلُوك هان عَلَيْهَا أمرهَا
المشورة
وَيَنْبَغِي للْملك أَن لَا يمْضِي الْأُمُور بهاجس رَأْيه ونتائج فكره تَحَرُّزًا من إفشاء سره والاستعانة بِرَأْي غَيره حَتَّى يشاور ذَوي الأحلام والنهى وَأهل الْأَمَانَة والتقى مِمَّن قد حنكتهم التجارب فارتضوا بهَا وَعرفُوا عِنْد موارد الْأُمُور حقائق مصادرها فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ استبداده بِرَأْيهِ أضرّ عَلَيْهِ من إذاعة سره وَلَيْسَ كل الْأُمُور المبرمة أسرارا مكتومة وَلَا الْأَسْرَار المكتومة بمشاورة النصحاء فَاشِية مَعْلُومَة
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ مَا سعد أحد بِرَأْيهِ وَلَا شقي عَن مشورة
стр. 21
قَالَ بعض الْحُكَمَاء الاستشارة عين الْهِدَايَة وَقد خاطر من اسْتغنى بِرَأْيهِ
وَقَالَ بعض البلغاء من حق الْعَاقِل أَن يضيف إِلَى رَأْيه آراء الْعلمَاء وَيجمع إِلَى عقله عقول الْحُكَمَاء فَالرَّأْي الْفَذ رُبمَا زل وَالْعقل الْفَرد رُبمَا ضل ويعتمد على استشارة من صَلَاحه مَوْصُول بصلاحه إِذا كَانَ عريا من الْهوى فِي المشورة فَإِن الْهوى يصد عَن الرَّأْي وَيمْنَع من الرُّؤْيَة
وَقَالَ النَّبِي ﷺ حبك للشَّيْء يعمي ويصم أَي يعمي عَن الرشد ويصم عَن الموعظة
стр. 22
وَلَا يصور فِي نَفسه قبح الْحَاجة إِلَى رَأْي غَيره فَإِنَّهُ لَيْسَ يُرِيد الرَّأْي للإفتخار بِهِ وَإِنَّمَا يُريدهُ للِانْتِفَاع
وَقد قَالَت الْحُكَمَاء من كَمَال عقلك استظهارك على عقلك
وَقَالَ بعض البلغاء إِذا أشكلت عَلَيْك الْأُمُور وَتغَير لَك الْجُمْهُور فَارْجِع إِلَى رَأْي الْعُقَلَاء وافزع إِلَى استشارة الْعلمَاء وَلَا تأنف من الاسترشاد وَلَا تستنكف من الاستمداد فَلِأَن تسْأَل وتسلم خير من أَن تستبد وتندم
وتكثر من استشارة ذَوي الْأَلْبَاب لاسيما فِي الْأَمر الْجَلِيل فَإِن لكل عقل ذخيرة من الصَّوَاب ومسكنا من التَّدْبِير ولقلما يضل عَن الْجَمَاعَة رَأْي أَو يذهب عَنْهُم الصَّوَاب
وَلَا يجمعهُمْ على المشورة فَيكون الرَّأْي وَاحِدًا أَو يُوقع بَينهم إحنا وَلَا يطلع بَعضهم على استشارة بعض ليحيل كل وَاحِد مِنْهُم فكره فِي الرَّأْي طَمَعا فِي الحظوة بِالصَّوَابِ
وَليكن مَعَ ذَلِك غير وان فِي الفكرة وَلَا مقصرا فِي الارتياء اتكالا على الِاسْتِعَانَة بآرائهم فَيكون فِي الرَّأْي مفوضا وَفِي الْأَمر
стр. 23
مُقَلدًا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الاستسلام لرأي المشير هُوَ الْعَزْل الْخَفي فَإِذا أظهروه من مَكْنُون آرائهم سبرها بِرَأْيهِ واختبرها بعقله وسألهم عَن أُصُولهَا وفروعها وباحثهم عَن أَسبَابهَا ونتائجها وَلم يبد لَهُم رَأْيه فَإِنَّهُ يَسْتَفِيد بذلك ثَلَاث خِصَال
إِحْدَاهُنَّ معرفَة عقله وَصِحَّة رُؤْيَته
وَالثَّانيَِة معرفَة عقل صَاحبه وصواب رَأْيه
وَالثَّالِثَة وضوح مَا انغلق من الصَّوَاب
فَإِذا تقرر لَهُ الرَّأْي أَمْضَاهُ وَلم يَأْخُذهُمْ بعواقب الإكداء فِيهِ فَإِنَّمَا على الناصح الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَان النجاح
وَقد قيل فِي الْمثل الطَّالِب للنجاح كالضارب للقداح سهم لَهُ وَسَهْم عَلَيْهِ
الْأَخْلَاق المتقابلة فِي الْمُلُوك
وليعلم أَن أَرْبَعَة أَخْلَاق مُقَابلَة لَيْسَ يعرى مِنْهَا أَو من أبدالها ملك فَإِن اسْتعْملت فِي غير موضعهَا أَو أخرجت عَن حَدهَا
стр. 24
إِلَى زِيَادَة أَو نُقْصَان ذمت وَإِن اسْتعْملت فِي موضعهَا ووقف مِنْهَا على حَدهَا حمدت
١ - الرقة وَالرَّحْمَة
فأحدها الرقة وَالرَّحْمَة تحمد عِنْد اعتدالها وَفِي موضعهَا وتذم عِنْد غلبتها وميلها لِأَنَّهَا إِذا غلبت أفضت بِهِ إِي ترك الْحُدُود وإضاعة الْحُقُوق فيدعو ذَلِك إِلَى هياج طبائع المفسدين وتحريك آمال المتغلبين وانحل من عرى السياسة مَا كَانَ بالرهبة ملتئما وبخوف الْعقُوبَة منتظما
وَمن نسب إِلَى رَحْمَة تبطل حدا أَو تضيع حَقًا كَانَ كَمَا قَالَ المقدمون كالطبيب الَّذِي يرحم العليل من ألم الْحَدِيد ومرارة الْأَدْوِيَة فتؤديه رَحمته إِيَّاه إِلَى هَلَكته وتورده حِيَاض منيته فَتَصِير رَحمته لَهُ أبلى من قسوته ورفقه بِهِ أضرّ من غلظته
٢ - الْقَسْوَة والغلظة
ثمَّ الْخلق الثَّانِي الْمُقَابل لهَذَا الْخلق هُوَ الْقَسْوَة والغلظة فَإِنَّهَا إِذا غلبت أفضت إِلَى مُجَاوزَة الْحُدُود فِي الجناة وعقوبة الأتقياء البراة فيدعو ذَلِك إِلَى إيحاش المستأنسين وتفرق المتآلفين وإساءة ظنون المناصحين وَيصير كل ولي لَهُ خصيما وكل امْرِئ عَلَيْهِ حنقا وَرُبمَا
стр. 25
ظن بعض النَّاس القساوة صرامة فَيذْهب فِي ذَلِك بَعيدا لِأَن الصرامة قلَّة الْغَفْلَة عَن الجرائر وَمَعْرِفَة الْأُمُور على الْحَقَائِق حَتَّى لَا يتدلس عَلَيْهِ السقيم بالسليم وَلَا يتَصَوَّر الخالع بِصُورَة الطائع والقساوة تهور فِي الْحُدُود وتعد فِي الْحُقُوق يقفه عَلَيْهِ أَتبَاع أهوائه وتحكيم فَاسد رَأْيه
٣ - السماحة وَالعطَاء
ثمَّ الْخلق الثَّالِث وَهُوَ السماحة وَالعطَاء فَإِن وقف على حَده وَهُوَ بذل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْحَاجة وإيصاله إِلَى مُسْتَحقّه بِقدر الطَّاقَة كَانَ مَحْمُودًا
وَإِن تجَاوز هَذَا الْحَد صَار مَنْسُوبا إِلَى التبذير والإضاعة وَصَارَ بِإِزَاءِ تبذيره حُقُوق مضاعة وَإِذا انْتَشَر فِي النَّاس أَن أَمْوَاله تنَال بِغَيْر اسْتِحْقَاق وتدرك بِغَيْر سعي أثار ذَلِك مطامع المحتذين وتوجهت إِلَيْهِ وُفُود السَّائِلين قد ألقوا كلف الاحتراف واستبدلوا بِهِ دني الاقتراف فَإِن رام إرضاء جَمِيعهم لم يطق لاتساع آمالهم وَقُوَّة
стр. 26
أطماعهم وَلَو أطَاق لأفسد سعي أَتْبَاعه وخبثت نيات أشياعه إِذْ سوى بَينهم فِي الْعَطاء بَين من لم يسع سَعْيهمْ وَلَا سد مسدهم
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا خير فِي السَّرف وَلَا سرف فِي الْخَيْر
وَإِن خص بالعطاء قوما وَحرم قوما لحقه من ذمّ من حرمه أَضْعَاف مَا لحقه من حمد من وَصله
٤ - الْبُخْل والإمساك
ثمَّ الْخلق الرَّابِع الْمُقَابل لهَذَا الْخلق وَهُوَ الْبُخْل والإمساك الْمُؤَدِّي إِلَى تفرق الْكِرَام وذم الْخَاص وَالْعَام وانصراف قُلُوب الْأَوْلِيَاء واستطالة أَلْسِنَة الْأَعْدَاء فَيصير ذَلِك مفضيا إِلَى إِيثَار الْخِيَانَة على الْأَمَانَة والغش على النَّصِيحَة لِأَنَّهُ إِذا حرم الناصح الْأمين كحرمان الخائن الظنين وَلم ير الناصح مؤثرا كَانَ للخيانة مؤثرا ثمَّ يفتح للحاشية أَبْوَاب الريب فِي قَبِيح المكاسب وخبيث المطالب وَقبُول الرشا فَهَذِهِ
стр. 27
الْأَخْلَاق إِذا أَخذ الْملك نَفسه بتعديلها اتسق نظام مَمْلَكَته واستقام أَمر دولته
تجنب الْحَسَد
ثمَّ يحفظ نَفسه من حسد غَيره فَإِن قدره يجل عَن مذمته وَظَاهر الْحَسَد أقبح من بَاطِنه وباطنه أضرّ من ظَاهره لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِر شدَّة الأسى على الْخَيْر أَن يكون للنَّاس الأفاضل وَهَذَا قَبِيح فِي الظَّاهِر وخاصة بالملوك الَّذين هم أس الْفَضَائِل ومعدن الْخيرَات وباطنه أَنه مغم للنَّفس كدود للحسد غير جالب لنفع وَلَا دَافع لضَرَر وَلَا مُؤثر فِي عَدو
المنافسة
فَأَما المنافسة فَهِيَ غير الْحَسَد فَلَا بَأْس أَن يتنافس الْأَكفاء فِي فضائلهم وَرُبمَا غلط قوم فظنوا أَن المنافسة فِي الْخَيْر هِيَ الْحَسَد وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظنُّوا لِأَن المنافسة طلب التَّشَبُّه بالأفاضل من غير إِدْخَال ضَرَر على الْفَاضِل والحسد مَصْرُوف إِلَى الضَّرَر لِأَن غَايَته أَن يعْدم الْفَاضِل فَضله فَهَذَا هُوَ الْفرق بَين المنافسة والحسد
стр. 28
الامتنان
ويجتنب الامتنان فِي الْإِحْسَان والبذخ بالجميل فَإِنَّهُ من ضيق النَّفس وتابع لفساد الْأَخْلَاق إِلَّا أَن يرى قوما كفرُوا إحسانه وقاربوا عصيانه فَيخرج ذَلِك مخرج التهديد جَزَاء لقلَّة شكرهم وَكفر إحسانه إِلَيْهِم وَيكون ذَلِك مِنْهُ إحسانا آنِفا يسْتَوْجب بِهِ الشُّكْر
تصفح الْأَعْمَال
وَليكن من رَأْيه أَن يتصفح فِي ليلته مَا فعله فِي نَهَاره فَإِن اللَّيْل أجمع للفكر وأحضر للخاطر فَإِن كَانَ صَوَابا أحكمه وأمضاه وَإِن كَانَ قد مَال فِيهِ عَن الصَّوَاب بَادر إِلَى استدراكه إِن أمكن وانْتهى عَن مثله فِي الْمُسْتَقْبل وليعلم إِنَّمَا صدر من أَفعاله فَلَيْسَ يَخْلُو فِيهِ ثَلَاثَة أَحْوَال
إِمَّا أَن يكون قد اقتصد فِي فعلهَا ووقف مِنْهَا على حَدهَا وَهُوَ الْعدْل فِي كل الْأُمُور
أَو يكون قد أفرط فِيهَا أَو قصر عَنْهَا وَكِلَاهُمَا ميل عَن الْقَصْد وَخُرُوج عَن الْحق فليعرف ذَلِك بصبره وتحريه وليفكر فِيهِ قبل نُفُوذه وتقصيه
وَليكن مَعَ ذَلِك متصفحا لأفعال غَيره فَمَا أعجبه من جميلها وَاسْتَحْسنهُ من فضائلها بَادر إِلَى فعله وزين نَفسه بِالْعَمَلِ بِهِ فَإِن
стр. 29
السعيد من تصفح أَفعَال غَيره فَانْتهى عَن سيئها واقتدى بأحسنها فنال هنيء الْمَنَافِع وَأمن خطر التجارب
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ
وَقَالَ الشَّاعِر
(إِن السعيد لَهُ من غَيره عظة ... وَفِي التجاريب تحكيم ومعتبر)
الحذر والاحتراس
وَلَا يغْفل عَن الحذر والاحتراس وَيجْعَل التَّوَكُّل على الأقدار
стр. 30
طَرِيقا إِلَى إِضَاعَة الحزم وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء مَا الحزم فَقَالَ أَن تحذر مَا يُمكن كَونه قيل فَمَا الْعَجز قَالَ أَن تأمن مَا يُمكن كَونه
وليعلم أَن بعض شدَّة الاتقاء والحذر مِمَّا يَدْعُونَا إِلَيْهِ مَا يتقى ويحذر فَإِن اسْتعْمل ذَلِك فِي غير مَوْضِعه أدخلهُ شدَّة اتقائه فِيمَا كَانَ مِنْهُ بَدْء إشفاقه وَقيل من التوقي ترك الإفراط فِي التوقي
الطَّيرَة والفأل
ويحذر من اعْتِقَاد الطَّيرَة فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء أضرّ بِالرَّأْيِ وَلَا أفسد للتدبير مِنْهَا مَعَ وُرُود السّنة باجتنابها وَالنَّهْي عَنْهَا وَمن ظن أَن الطَّيرَة ترد قَضَاء أَو تدفع محذورا فقد وهم فَأَما الفأل فمحمود لِأَن فِيهِ تَقْوِيَة للعزم وباعثا على الْجد فقد تفاءل رَسُول الله ﷺ فِي غَزَوَاته وحروبه
стр. 31
وَلَا يُحَرك من الْأُمُور مَا كَانَ سَاكِنا وَلَا يفتح مِنْهَا مَا كَانَ مرتقبا مَا لم يغلبه أضرار فقد قيل فِي الْمثل لَا تفتح بَابا يعييك سَده وَلَا ترم سَهْما يعجزك رده وَلَا تفْسد أمرا يعييك إِصْلَاحه وَلَا تغلق بَابا يعجزك افتتاحه
وَقد قَالَ الشَّاعِر
(إياك وَالْأَمر الَّذِي إِن توسعت ... موارده أعيت عَلَيْك المصادر)
(فَمَا حسن أَن يعْذر الْمَرْء نَفسه ... وَلَيْسَ لَهُ من سَائِر النَّاس عاذر)
الْمُلُوك قدوة للرعية
وَلَا يَأْمر بِمَعْرُوف إِلَّا بَدَأَ بِفِعْلِهِ وَلَا ينْهَى عَن مُنكر إِلَّا بَدَأَ بِتَرْكِهِ وَلَا يلم أحدا فِيمَا لَا يلوم عَلَيْهِ نَفسه وَلَا يَأْمُرهُم ببر لَا يأتمر بِهِ فَإِن النَّاس بأخلاق مُلُوكهمْ يستنون وعَلى شاكلتهم يجرونَ لأَنهم الْعلم الْمشَار إِلَيْهِ وَالْغَرَض الْمَقْصُود نَحوه
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء أصلح نَفسك لنَفسك يكن النَّاس تبعا
стр. 32
لَك
وَقَالَ الْمَأْمُون أسوس الْمُلُوك من سَاس نَفسه لرعيته فأسقط عَنهُ مواقع حجتها وَقطع مواقع محبته عَنْهَا
الرُّجُوع إِلَى الْحق
لَا يأنف من حق إِن لزمَه أَو حجَّة إِن قَامَت فَإِن الرُّجُوع إِلَى الْحق أولى من الْمقَام على مَا سواهُ لمن علم وضوح حجَّته فَإِن كل امْرِئ إِنَّمَا يُخَاطب بأصغر لسانيه وَيحبس نَفسه عَن إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ
ويراعي أَمر شهواته فَإِنَّهَا من نتائج الْهوى المذموم فَيَأْتِي مِنْهَا مَا لم يكن فِي الْعقل قبيحا وَلَا فِي الشَّرْع مَحْظُورًا
فقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا تفرغ الْملك للهوى تفرغت الرّعية لإفساد ملكه
стр. 33
وَقَالَ بعض البلغاء من آثر الْهوى ضَاعَت رَعيته وَمن داوم السكر فَسدتْ رويته
محاسبة النَّفس
فيهذب نَفسه بسبر أخلاقه ويراقب وليه كمراقبة عدوه وَلَا يحدث لَهُ الأنسة والانبساط بترك التحفظ عِنْد ولي أَو نسيب فقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء ليكن استحياؤك من نَفسك أَكثر من استحيائك من غَيْرك فَهَذِهِ كلمة كَافِيَة فِي أَخْلَاق الْملك الرشيد
стр. 34
الْبَاب الثَّانِي فِي سياسة الْملك
شكر النِّعْمَة وَحسن السِّيرَة
حق على كل من مكنه الله فِي أرضه وبلاده وائتمنه على خلقه وعباده أَن يُقَابل جزيل نعمه بِحسن السريرة وَيجْرِي فِي الرّعية بجميل السِّيرَة
قَالَ الله ﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر العاملين بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر العاملين بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء
стр. 35
وَحكي أَن عُثْمَان بن عبد الله وقف على مُحَمَّد بن سَمَّاعَة القَاضِي وَهُوَ فِي مجْلِس قَضَائِهِ يحكم بَين النَّاس فَقَالَ اسْمَع لَا سَمِعت يَا ابْن سَمَّاعَة ثمَّ أنشأ يَقُول
(لقد كلفت يَا مِسْكين أمرا ... تضيق لَهُ قُلُوب الخائفينا)
(أتعلم أَن رب الْعَرْش قَاض ... وتقضي أَنْت بَين العالمينا)
فَقَامَ ابْن سَمَّاعَة من مَجْلِسه ودموعه جَارِيَة على خَدّه
وَلَيْسَ أحد أولى بالحذر والإشفاق وَأَحْرَى بِالنّصب وَالِاجْتِهَاد مِمَّن تقلد أُمُور الرّعية لانقيادهم لحكمه وتصرفهم بَين أمره وَنَهْيه وَصَلَاح جَمَاعَتهمْ بصلاحه وَفَسَاد أُمُورهم بفساده
وَقد قَالَت الْحُكَمَاء رشاد الْوَالِي خير من خصب الزَّمَان
стр. 36
وأرشد الْوُلَاة من حرس ولَايَته بِالدّينِ وانتظم بنظره صَلَاح الْمُسلمين وَرُبمَا أهمل بعض الْمُلُوك أَمر الدّين وعول فِي أُمُوره على قوته وَكَثْرَة أجناده وَلَيْسَ يعلم أَن أجناده إِذا لم يعتقدوا وجوب طَاعَته فِي الدّين كَانُوا أضرّ عَلَيْهِ من كل ضرّ مباين لاقتراحهم عَلَيْهِ مَا لَا ينْهض بِهِ وتحكمهم عَلَيْهِ بِمَا لَا يثبت لَهُ فَإِن سمعُوا بنابغ نبغ عَلَيْهِ قوي طمعهم فِي اجتياج أَمْوَاله وَلم يقنعهم اسْتِيعَاب حَاله فَكَانَ مِنْهُم على شفا جرف لَا يَأْمَن من سطوتهم بِهِ
وَقد قيل من جعل ملكه خَادِمًا لدينِهِ انْقَادَ لَهُ كل سُلْطَان وَمن جعل دينه خَادِمًا لملكه طمع فِيهِ كل إِنْسَان
الدّين وَالْملك
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء يَنْبَغِي للْملك أَن يأنف أَن يكون فِي رَعيته من هُوَ أفضل دينا مِنْهُ كَمَا يأنف أَن يكون فيهم من هُوَ أنفذ أمرا مِنْهُ
стр. 37
وَقَالَ أردشير بن بابك فِي عَهده إِلَى مُلُوك فَارس إِن الدّين وَالْملك توأمان لَا قوام لأَحَدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ لِأَن الدّين أس وَالْملك حارس وَلَا بُد للْملك من أسه وَلَا بُد للدّين من حارسه لِأَن مَا لَا حارس لَهُ ضائع وَمَا لَا أس لَهُ منهدم
وَكَيف يَرْجُو من تظاهر بإهمال الدّين استقامة ملك وَصَلَاح حَال وَقد صَار أعوان دولته أضدادها وَسَائِر رَعيته أعداءها مَعَ قبح أَثَره وَعظم وزره وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ ستحرصون على
стр. 38
الأمارة ثمَّ تكون حسرة وندامة يَوْم الْقِيَامَة فنعمت الْمُرضعَة وبئست الفاطمة
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك خَليفَة الله فِي عباده وبلاده وَلنْ يَسْتَقِيم أَمر خِلَافَته مَعَ مُخَالفَته
فالسعيد من الْمُلُوك من وقى الدّين بِملكه وَلم يق الْملك بِدِينِهِ وأحيى السّنة بعدله وَلم يمتها بجوره وحرس الرّعية بتدبيره ليَكُون لقواعد ملكه موطدا ولأساس دولته مشيدا ولأمر الله تَعَالَى فِي عباده ممتثلا
أصُول السياسة العادلة
وأصل مَا تبنى عَلَيْهِ السياسة العادلة فِي سيره الرَّغْبَة والرهبة والإنصاف
الرَّغْبَة
فَأَما الرَّغْبَة فتدعو إِلَى التآلف وَحسن الطَّاعَة وتبعث على الإشفاق وبذل النَّصِيحَة وَذَلِكَ من أقوى الْأَسْبَاب فِي حراسة
стр. 39
المملكة
وَقد قيل من وثق بإحسانك أشْفق على سلطانك
وَقَالَ أبرويز أَجْهَل النَّاس من يعْتَمد فِي أُمُوره على من لَا يأمل خَيره وَلَا يَأْمَن شَره
الرهبة
وَأما الرهبة فتحسم خلاف ذَوي العناد وتمنع سعي أهل الْفساد وَذَلِكَ من أقوى الْأَسْبَاب فِي تَهْذِيب المملكة
وَقد قيل من أَمَارَات الْجد حسن الْجد وَمن عَلَامَات الدولة قلَّة الْغَفْلَة
وَقَالَ بعض البلغاء من أعرض عَن الحذر والاحتراس وَبنى أمره على غير أساس زَالَ عَنهُ الْعِزّ وَاسْتولى عَلَيْهِ الْعَجز
стр. 40
الْإِنْصَاف
وَأما الْإِنْصَاف فَهُوَ الْعدْل الَّذِي بِهِ يَسْتَقِيم حَال الرّعية وتنتظم أُمُور المملكة
وَقد قيل من عدل فِي سُلْطَانه اسْتغنى عَن أعوانه
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك يبْقى على الْكفْر وَلَا يبْقى على الظُّلم فَأَخذه بعض هَذَا الْعَصْر فَقَالَ عَلَيْك بِالْعَدْلِ إِن وليت مملكة وَاحْذَرْ من الْجور غَايَة الحذر (فالملك يبْقى على الْكفْر البهيم وَلَا ... يبْقى مَعَ الْجور فِي بَدو وَلَا حضر)
وَقَالَ الْإِسْكَنْدَر لحكماء الْهِنْد أَيهمَا أفضل الْعدْل أم الشجَاعَة
следующие страницы →