Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الْحَمد لله الَّذِي اتخذ الْحَمد لنَفسِهِ لينيل بِهِ ثَوابًا عباده فَفتح بِهِ كِتَابه وَختم بِهِ دُعَاء اهل جنته فَقَالَ فِي كِتَابه ﴿أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وَصلى الله على اكرم رَسُول جَاءَ بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة هاديا لَهُم الى طَاعَته وذائدا لَهُم عَن مَعَاصيه مُحَمَّد النَّبِي وَآله الطاهرين وَسلم تَسْلِيمًا
سَأَلتنِي ايدك الله ان ابين لَك فضل الرُّسُل وَمن يصلح للرسالة والسفارة وَمن امْر من الْمُلُوك والاوائل والحكماء الافاضل بإرسال رَسُول وَمن نهى عَن ذَلِك وَكَيف تكون صفة الرُّسُل وَمَا يَنْبَغِي لمن ارسل لملك اذا كَانَ منازلا لملك ان يعْمل فِي الِاحْتِيَاط لنَفسِهِ وَلمن ارسله وَمن حمد على قديم الْوَقْت من الرل وَمن ذمّ وَمَا قَالَت الْحُكَمَاء والبلغاء وَالشعرَاء فِي ذَلِك وَمَا ورد من ذكر الرَّسُول فِي كتاب الله الْعَظِيم الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ
стр. 2
وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد وَمن خَان ملكه لمتعجل بر اَوْ فَائِدَة وَمَا جازاه بِهِ مرسله على ذميم فعله وَمن رسل برسالة غَلِيظَة فأداها وَالْوَجْه الَّذِي بِهِ احتال الى ان نجا من شَرّ مَا حمله وَمن نصح من الرُّسُل لملكه وزانه برسالته وَرفع من ملكه ببيانه وَعبارَته فأدبتك الى سؤالك اعْتِمَادًا مني لمسرتك وعلما انك غَنِي عَن يسير مَا اعْلَم بِكَثِير مَا تعلم آخِذا بالادب فِي مسارعتي الى الامر والى الله ارغب فِي الْهِدَايَة والتوفيق برحمته
стр. 3
الْبَاب الأول
أذكر فِيهِ مَا جَاءَ فِي كتاب الله من ذكر الرُّسُل
وَوُجُوب حق تعظيمهم والانقياد إِلَيْهِم
قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم يَتْلُو عَلَيْكُم آيَاتنَا ويزكيكم ويعلمكم الْكتاب وَالْحكمَة ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾
وَقَالَ تبَارك اسْمه ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾
وَقَالَ عز من قَائِل يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم على فَتْرَة من الرُّسُل أَن تَقولُوا مَا جَاءَنَا من بشيرٍ وَلَا نذيرٍ فقد جَاءَكُم بشيرٌ ونذيرٌ وَالله على كل شيءٍ قدير
وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم
стр. 4
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾
وَقَالَ تَعَالَى فِي أَنه لَا يجوز أَن يُرْسل إِلَى أمة إِلَّا مِنْهُم من يفهم لغتهم وَمن هُوَ دربٌ بهَا فَهُوَ أحج عَلَيْهِم ﴿وَمَا أرسلنَا من رسولٍ إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أرسلنَا إِلَيْكُم رَسُولا شَاهدا عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول فأخذناه أخذا وبيلاً﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فعصوا رَسُول رَبهم فَأَخذهُم أَخْذَة رابية﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجاً منيراً﴾
أَسمَاء رسل رَسُول الله ﷺ
ارسل جرير بن عبد الله إِلَى ذِي الكلاع وَأرْسل إِلَى جبلة بن الْأَيْهَم شُجَاع بن وهب الْأَسدي قَالَ الْوَاقِدِيّ بل إِلَى شمر بن الْحَارِث بن أبي شمر وَأرْسل إِلَى الْمُقَوْقس صَاحب مصر
стр. 5
حَاطِب بن أبي بلتعة حَلِيف بني أَسد فَأكْرمه وَوَصله وَبعث إِلَى رَسُول الله ﷺ بمارية أم إِبْرَاهِيم ﷺ وَمَعَهَا خصيٌ وَأُخْتهَا أم عبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت وببغلته دُلْدُل وَحِمَاره يَعْفُور وَأرْسل عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى جَيْفَر وَعبد ابْني الجلندي بن المستكبر الأزديين بعمان فَأَسْلمَا وغلبا
стр. 6
على عمان وارسل دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ إِلَى قَيْصر ملك الرّوم فَأخذ كتاب رَسُول الله ﷺ وَوَضعه على خاصرته وَوصل دحْيَة وَقَالَ لَو كَانَ فِي بلادي لأتبعته ونصرته وَأرْسل عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي إِلَى النَّجَاشِيّ وَأرْسل سليط بن عَمْرو أَخا عَامر بن لؤَي إِلَى أهل الْيَمَامَة قَالَ الْوَاقِدِيّ وَأرْسل إِلَى هَوْذَة بن عَليّ الْحَنَفِيّ وَأرْسل الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ حَلِيف بني أَسد إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى الْعَبْدي وَأهل الْبَحْرين وَكتب إِلَى الْمُنْذر كتابا فأسلموا وبعثوا بخراجهم
وَكَانَ أول مَا ورد الْمَدِينَة خراج الْبَحْرين وَهُوَ سَبْعُونَ الف دِرْهَم وَبعث الْمُهَاجِرين بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي إِلَى الْحَارِث بن عبد
стр. 7
كلال الْحِمْيَرِي ملك وَأرْسل عبد الله بن حذافة السَّهْمِي إِلَى كسْرَى بن هُرْمُز فَلَمَّا قَرَأَ كتاب رَسُول الله ﷺ قَالَ بَدَأَ باسمه قبلي وَقد كِتَابه سيوراً فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ مزق فَارس كل ممزق فَمَا أفلحوا بعد دَعْوَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 8
الْبَاب الثَّانِي
أذكر فِيهِ لم أرسل الله تَعَالَى الْبشر إِلَى الْبشر دون أَن يَجْعَل رسله
مَلَائِكَة أَو غَيرهم من خلقه وَوجه الْفَائِدَة فِي ذَلِك
قد كَانَ فِي قدرَة الله جلّ وَعلا أَن يلقِي فِي قُلُوب الْأُمَم الْإِيمَان ويوفقهم لما يرضاه من الشَّرَائِع والأديان من غير أَن يبْعَث فيهم الرُّسُل ويعرفهم الْآيَات وَالنّذر وَلكنه تبَارك اسْمه الْعَظِيم لرأفته بهم وإحسانه إِلَيْهِم بعث فيهم من أنفسهم من يخاطبهم بألسنتهم ويهديهم لمراشدهم عاطفاً عَلَيْهِم بالمجانسة ورؤوفاً بهم لِلْقَرَابَةِ قَالَ الله تَعَالَى جده ﴿لقد جَاءَكُم رسولٌ من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حريصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾
الْبَاب الثَّالِث
أذكر فِيهِ مَا أوجبه الله تَعَالَى على مخالفي الرُّسُل من الْعَذَاب
قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾
وَقَالَ جلّ اسْمه ﴿وَمَا كَانَ رَبك مهلك الْقرى حَتَّى يبْعَث فِي أمهَا رَسُولا﴾
وَأوجب سُبْحَانَهُ الْعَذَاب عِنْد عصيان الرَّسُول فَقَالَ تبَارك اسْمه ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول فأخذناه أخذا وبيلاً﴾
وَقد فضل الله سُبْحَانَهُ الْمُرْسلين من أنبيائه على غير الْمُرْسلين لتبليغ الرسَالَة وَتحمل ثقل الْأَمَانَة وَالصَّبْر على أَذَى الْكَافرين وَتَكْذيب الجاحدين
وَمن أخص الْمنَازل عِنْد الْمُلُوك وألطفها وَأقرب الْأَسْبَاب مِنْهَا وأوصلها منزلَة المترسل بَينهَا وَبَين أضدادها
стр. 9
الْبَاب الرَّابِع
أذكر فِيهِ أَن الْكتاب مَقْصُور على مَعْنَاهُ الَّذِي يتضمنه لَا يتعداه إِلَى
غَيره وَأَن الرَّسُول يتَصَرَّف فِي مَذَاهِب الْحجَّة وأبرهن أَن الْكتاب
يَد وَالرَّسُول لِسَان وَأَن الْوَاجِب على الْمُلُوك أَن يقرنوا كتبهمْ
بالرسل لما فِي ذَلِك من كَمَال الْفَائِدَة وَوُجُوب الْحجَّة ولقطع الرَّسُول
الْأَمر إِذا كَانَ مَأْمُورا من غير مُرَاجعَة وَلَا يحْتَاج إِلَى اسْتِئْذَان مرسله
قَالَ الْحَكِيم الْكتاب يدٌ وَالرَّسُول لِسَان
وَقَالَ غَيره الْكتاب مقصورٌ على مَعْنَاهُ الَّذِي يتضمنه لَا يتعداه إِلَى غَيره وَلِلرَّسُولِ أَن يتَصَرَّف فِي أنحاء الْحجَّة ويتأتى لنظم الألفة ويحرص على دَرك البغية ويجتهد فِي نجح الطّلبَة اجْتِهَاد من يرى أَن فِي تَمام الْأَمر على يَده وانتظامه بسعيه وسفارته دَلِيلا على موقعه وتيمناً بطائره وَرُبمَا حكم الرَّسُول فِي الْأُمُور وَخير فِي التَّدْبِير على حسب مَا توجبه الْمُشَاهدَة ويستصاب فِي البدء وَالْعَاقبَة
стр. 10
قَالَ بعض الادباء من الْحُكَمَاء
(لَيْسَ الْكتب ببالغٍ لَك مبلغا ... حَتَّى يكون مَعَ الْكتاب رَسُول)
(مَا فِي كتابك غير مَا حَملته ... لَكِن رَسُولك كَيفَ شَاءَ يَقُول)
(فَإِذا دمعتهما وَلم تفردهما ... بلغ التجاح وَأدْركَ المأمول)
وَقَالَ غَيره مِمَّن يجْرِي فِي الْحِكْمَة مجْرَاه
(اقرن كتابك بالرسول فَإِنَّهُ ... أقضى لما حاولت فِيهِ وأعذر)
(وَإِذا اقتصرت على الْكتاب فَإِن من ... كاتبت فِي رد الْجَواب مُخَيّر)
ان آثر التَّقَدُّم فَهُوَ مقدم ... أَو آثر التَّأْخِير فَهُوَ مُؤخر)
وَقَالَ حكمي الْعَرَب فِي التَّفْوِيض إِلَى الرَّسُول
(إِذا كنت فِي حَاجَة مُرْسلا ... فَأرْسل حكيماً وَلَا توصه)
على أَن هَذَا الْمَذْهَب مرذول عِنْد الحزمة الألباء والمجربين الْعُقَلَاء الَّذين خبروا الْأُمُور بفطر عُقُولهمْ وأضافوا إِلَيْهِ مَا استفادوا من تجارب ايامهم
стр. 11
الْبَاب الْخَامِس
فِي نهي الرَّسُول عَن تعدِي مَا ارسل بِهِ وان يخطيء بِرَأْي الْمُرْسل
وَلَا يُصِيب بِرَأْيهِ وَنَهْيه عَن الْوَهم بالرسالة أَو التحريف لَهَا وَإِلَّا أحْوج
إِلَى رَسُول ثَان
أمروا بأَدَاء الرسَالَة على وَجههَا ونهوا عَن الشَّك والتحريف خيفة احتياجٍ مَا إِلَى رَسُول ثَان فَأخذ هَذَا الْمَعْنى بعض الشُّعَرَاء المجيدين والحكماء المطبوعين فَقَالَ
(إِنِّي انتدبتك للرسالة بعد مَا ... دبرت أَمْرِي مبدئاً ومعاودا)
(اعْلَم بأنك إِن أضعت وصيتي ... فَأَصَبْت لم أك للإصابة حامدا)
(وَإِذا أَجدت بهَا فعاقك عائق ... عَمَّا أردْت بسطت عذرك جاهدا)
(إِن الرَّسُول إِذا استبد بِرَأْيهِ ... وَعصى ولي الْأَمر كَانَ معاندا)
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي سرول وهم فأحوج مرسله إِلَى رَسُول ثَان
(شَرّ الرسولين من يحْتَاج مرسله ... مِنْهُ إِلَى الْعود والأمران سيان)
(لذاك مَا قَالَ أهل الْعلم فِي مثلٍ طَرِيق كل أخي جهل طَرِيقَانِ)
стр. 12
الْبَاب السَّادِس
اذكر فِيهِ كَيفَ كَيفَ يَنْبَغِي للرسول أَن يغْفل إِذا سفر بَين ملكَيْنِ وَكَانَ
أَحدهمَا يرعد ويبرق ويعد ويستعد ليصغر إِلَيْهِ نَفسه وَمَا أجَاب
بِهِ بعض الرُّسُل وَقد عوتب على أَنه لم يعر شَيْئا مِمَّا رَآهُ طرفه مِمَّا عظم
بِهِ فِي عين من أرسل إِلَيْهِ وَملكه
قَالَ الْحَكِيم
اختر لرسالتك فِي هدنتك وصلحك ومهماتك ومناظرتك والنيابة عَنْك رجلا حصيفاً بليغاً حولا قلباً قَلِيل الْغَفْلَة منتهز الفرصة ذَا رَأْي جزل وَقَول فصل ولسان لسليط وقلبٍ حَدِيد فطناً للطائف التَّدْبِير ومستقلاً لما ترجو أَو تحاول بالحزامة وإصابة الرَّأْي ومتعقباً لَهُ بالحذر والتمييز سامياً إِلَى مَا يستدعيه إِلَيْك ويستدفعه عَنْك إِن حاول جر أمرٍ احسن اتعلاقه وَإِن رام دَفعه أحسن رده حَاضر الفصاحة مبتدر الْعبارَة ظَاهر الظلاقة وثاباً على الْحجَج مبرماً لما نقض خصمك ناقضا لما
стр. 13
أبرم يجيل الْبَاطِل فِي شخص الْحق وَالْحق فِي شخص الْبَاطِل مَتى رام احتجاجاً عَنْك أَلد على أهل اللدد فِي مواقفه ومشاهده محتالاً فِي محاورته ومكائده جَامعا مَعَ هَذَا الْعلم الْفَرَائِض وَالسّنَن وَالْأَحْكَام وَالسير ليحتذي مِثَال من سلف فِيمَا يُورِدهُ ويصدره عَالما بأحوال الْخراج والحسابات وَسَائِر الْأَعْمَال ليناظر كلا بِحَسب مَا يرَاهُ من صَوَابه وخطائه وَليكن من أهل الشّرف والبيوتات ذَا همةٍ عالية فَإِنَّهُ لَا بُد مقتفٍ آثَار أوليته محبٌ لمناقبها مساوٍ لأَهله فِيهَا فَمَتَى اجْتمعت لَك فِيهِ هَذِه الْخِصَال فاجعله من بطانتك وأطلعه طلع أَمرك خطيره وحقيره واستشره فِي بداتك لطيفها وجليلها وَمَتى أخلت بِهِ هَذِه الْخلال كَانَت جِنَايَته عَلَيْك أعظم وَكَانَ كالسالك طَرِيقا لَا يدْرِي أَيْن يؤم مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو زيد فِي السياسة المختصرة وَأَن يكون الَّذِي تختاره للتوجه فِي الرسائل جهر الصَّوْت حسن الرواء والمنظر مَقْبُول الشَّمَائِل حسن الْبَيَان جيد الْعبارَة حَافِظًا لما يتبلغ لؤديه على وَجهه وَلَا يمنعهُ الصدْق عَن سُلْطَانه رغبةٌ يقدمهَا فِيمَن يتَوَجَّه
стр. 14
إِلَيْهِ وَلَا مهانة يستشعرها فِي نَفسه وَتَقْدِيم النَّصِيحَة لرئيسه فَإِنَّهُ مَتى لم يكن المستكفى لهَذَا الْعلم وَاسْتعْمل بَابا من التحريف والتمويه فِيمَا يخْتَلف فِيهِ بَين السُّلْطَان وَبَين من يراسله ويشافهه على لِسَانه بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن عدا هَذِه الصّفة وَقع فِي أَعمال السُّلْطَان بذلك أظهر خلل وَأعظم ضَرَر وَلذَلِك يجب على السائس أَن يجْتَهد فِي تخيره لهَذَا الْعَمَل من يصلح لَهُ ويستقل بِهِ ويجريه على وَجهه وَلَا يحْتَمل متوليه على تَقْصِير يَقع مِنْهُ فَيعرض أَمر السُّلْطَان لوُقُوع الْخلَل والانتشار فِيهِ
وَقَالَ غير الْبَلْخِي يكون الرَّسُول مَذْكُورا وسيماً قسيماً لَا تَقْتَحِمُهُ الْعين وَلَا يزدرى بالخبرة عفيفاً جيد اللِّسَان حسن الْبَيَان حاد الْبَصَر ذكي الْقلب يفهم الْإِيمَاء ويناظر الْمُلُوك على السوَاء فَإِنَّهُ إِنَّمَا ينْطق بِلِسَان مرسله فَإِذا ذَكرُوهُ عرف واذا نظر اليه لم يحتقر وَيجب أَن يجمل بِكُل مَا أمكن الْوَافِد والعامة ترمق الزي أَكثر مِمَّا ترمق الْكِفَايَة والسداد وَيجب أَن تزاح علله فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ حَتَّى لَا تشره نَفسه إِلَى مَا يبْذل لَهُ وَيدْفَع إِلَيْهِ فَإِن الطمع يقطع الْحجَّة وَالرَّسُول أَمِين لَا أَمِين عَلَيْهِ فَيجب أَن يرتهن بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ والإفضال عَلَيْهِ
وَاعْلَم أَن للرسالة حدوداً لَا يَتَّسِع تعديها وحقوقاً يلْزم الْقيام بهَا اولها إِيثَار الصدْق وتعمد النصح وَأَن يصدع بالرسالة وَله
стр. 15
ان يدمج الْمَعْنى الغليظ مِنْهَا ي الْأَلْفَاظ اللينة وَأَن يتأدب بأدب الله تَعَالَى فِيمَا أدب رسله الْكِرَام حَيْثُ يَقُول ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾
وَقَالَ شَاعِر الْعَرَب
(لينوا لنا فِي القَوْل إِنَّا معشر ... نأبى مقادتنا على الإغلاظ)
(وَالله قد أَمر النَّبِي وصنوه ... فِي وحيه بإلانة الْأَلْفَاظ)
وَالرَّسُول مَعَ هَذِه الْأُمُور مُحْتَاج من الْإِقْدَام والجرأة إِلَى مثل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْوَقار والركانة لِأَنَّهُ لَيْسَ على كل الطَّبَقَات يشْتَد وَلَا لكلها يلين وَرُبمَا لم يَسعهُ إِلَّا أَن يصدع بالرسالة على مَا فِيهَا فَمن لم يكن جريئاً حرفها وأخل بهَا وأفسد مَعَانِيهَا
وَحكى أَصْحَاب السّير فِيمَا نقلوه من أَخْبَار عبد الْملك ابْن مَرْوَان أَنه أرسل بعض أَصْحَابه إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف برسالةٍ غَلِيظَة وحذره من تعديها أَو إلانة ألفاظها فأداها وَعَاد إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أدّيت مَا حَملتك قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أما لَو لم تفعل لضَرَبْت عُنُقك قَالَ الرَّسُول هَذَا عِقَاب الْمعْصِيَة فَمَا ثَوَاب الطَّاعَة فَأمر لَهُ بجائزة وحملان
стр. 16
الْبَاب السَّابِع
أذكر فِيهِ إِذا لم يكن الرَّسُول وقوراً ثَابت الْعقل وَورد من الْأَعْدَاء
على من يرعد ويبرق عَلَيْهِ وَيجمع لَهُ عدده وعدده فَأكْثر
الرَّسُول التلفت أهان مرسله
قَالَ الْمُؤلف وَمَتى لم يكن الرَّسُول وقوراً ثَابت الْعقل شجاعا وَورد من الْأَعْدَاء على من يرعد ويبرق عَلَيْهِ وَيجمع لَهُ عدده وعدده فَأكْثر الرَّسُول التلفت إِلَى ذَلِك ضعف مرسله ووهنه وأوهم الْمُرْسل إِلَيْهِ أَن صَاحبه دون قوته ومنعته
وَأورد أَصْحَاب السّير أَن رَسُولا لبَعض مُلُوك الْفرس ورد على هِشَام بن عبد الْملك وَقد كن أعد لَهُ وحشد فَلم يزدْ الرَّسُول على الإطراق وَترك التلفت وَالنَّظَر أَمَامه وَلم يعر شَيْئا مِمَّا اعد لَهُ فَقيل لَهُ ف ذَلِك فَقَالَ إِن عَيْني وقلبي مملوءان مِمَّا خلفته ورائي يشغلهما عَظِيم مَا عندنَا عَن صَغِير مَا عنْدكُمْ فَوَقع قَوْله إِلَى هِشَام فَقَالَ قَاتل الله العلج إِن صَاحبه كَانَ اعْلَم بِهِ اذا توخاه لرسالته
стр. 17
وَجَاء فِي الْخَبَر عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِذا أبردتم إِلَيّ بريداً فَلْيَكُن حسن الْوَجْه حسن الِاسْم
وَقَالَت الْحُكَمَاء ثَلَاثَة تدل على ثَلَاثَة الْهَدِيَّة على الْمهْدي وَالْكتاب على الْكَاتِب وَالرَّسُول على الْمُرْسل
وَقَالُوا رَسُول الرجل مَكَان رَأْيه وَكتابه مَكَان عقله
وَقَالَ الشَّاعِر
(تخير رَسُولك إِن الرَّسُول ... يدل على عقل من أرْسلهُ)
(ترَاهُ إِذا كَانَ ذَا حِكْمَة ... يبلغ أحسن مَا حمله)
(فيبرم منتقضات الْأُمُور ... وَيفتح أَبْوَابهَا المقفله)
(وَيرجع إِن كَانَ ذَا غرَّة ... عَلَيْهِ الامور الَّتِي هن لَهُ)
стр. 18
وَقيل لعبد الله بن الْعَبَّاس رضوَان الله عَلَيْهِ مَا منع عليا ﵁ أَن يرسلك يَوْم الْحكمَيْنِ فَقَالَ مَنعه وَالله حاجز الْقدر ومحنة الِابْتِلَاء وَوَاللَّه لَو وجهني لجلست فِي مدارج انفاسه ناقضا لما ابرم ومبرما لمن نقض أَسف إِذا طَار وأطير إِذا أَسف وَلَكِن مضى قدر وَبَقِي اسف والاخرة خيرٌ لأمير الْمُؤمنِينَ
стр. 19
الْبَاب الثَّامِن
فِي أَن الرَّسُول إِذا لم يكن متأنياً صبوراً سالما من العلق وَكَانَ
متلفتاً إِلَى مَا خَلفه من أَهله وَمَاله كَانَ سَعْيه فِيمَا على مرسله لَا لَهُ
أَو عَاد على يَدَيْهِ بِأَمْر لم يفصله ورأي لم يبرمه
وَيحْتَاج الرَّسُول من الْحلم وكظم الغيظ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الصَّبْر على طول الْمكْث وتراخي الْمقَام فَإِن الرَّسُول رُبمَا وَجه إِلَى سخيف وَدفع إِلَى طائش فبدرت إِلَيْهِ مِنْهُ الْكَلِمَة البذية فيلحقه من سُورَة الْغَضَب ويتملك عَلَيْهِ من سُلْطَان الغيظ مَا يتخون عزمه ورأيه ويقطعه عَن اسْتِيفَاء حججه ويفاء كل مَا فِي رسَالَته
وَهُوَ مَعَ الْحلم والكظم أخلق بالنجاح وبلوغ المُرَاد وَإِذا لم يكن متأنياً صبوراً مكيناً من عقله فمني بِالْملكِ الحازم المخمر لرأيه المراجع لنَفسِهِ الَّذِي لَا يمْضِي إِلَّا الرَّأْي المتعقب المنقح لم يخل الرَّسُول من أَن يهجم بِهِ الغلق والعجلة على إِحْدَى خلتين
стр. 20
لَا ثَالِث لَهما انا أَن ينقاد إِلَى مؤآتاة من أرسل إِلَيْهِ على مأتى لَهُ فِيهِ الْحَظ وعَلى مسرله الْغبن حرصاً على سرعَة الكرة وتعجل الأوبة وَإِمَّا أَن يعود بِأَمْر لم ينْفَصل ورأي لم ينبرم فَيرجع كَمَا بَدَأَ
وَمن أمثالهم رب عجلة تهب ريثاً على أَن الأول قد قَالَ وللريث فِي بعض الْأَحَايِين أسْرع
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(وَأول مَا يكون الْغَيْث طلاً ... وَيكثر ودقه فَيصير غيثاً)
وَقَالَ الآخر
(وَمَا رَاح محرومٌ وَلَا راث منجح ... )
стр. 21
الْبَاب التَّاسِع
فِي من دفع من رسل الْمُلُوك إِلَى أَن حمله ملكه إِلَى ملك آخر
رِسَالَة غَلِيظَة وَأمره أَن يُؤَدِّيهَا على وَجههَا وحظر عَلَيْهِ أَن يغيرها
عَن هيئتها أَو تَحْرِيف شيءٍ من مَعْنَاهَا ولفظها وَالْوَجْه الَّذِي بِهِ
احتال حَتَّى أدّى الرسَالَة وَسلم من معرة الْملك الْمُرْسل إِلَيْهِ
وَعَاد بِحَمْد مِنْهُ وَقد نصح لمن أرْسلهُ وَأدّى مقَالَته
ورد فِي سيرة الْفرس أَن أحد مُلُوكهمْ أنفذ إِلَى بعض الْمُلُوك المجاورين لَهُ رِسَالَة مَعَ بعض من اختبر ثقته وَعرف صدق لهجته وأمانته وَكَانَت غَلِيظَة وحظر عَلَيْهِ أَن يغيرها عَن هيئتها اَوْ يحرف شَيْئا من مَعْنَاهَا ولفظها وحذره من تجَاوز مَا رسم لَهُ من ذَلِك فَأدى إِلَى الْملك الْمُرْسل إِلَيْهِ مِنْهَا مَا أحفظه وأغاظه فَقَالَ الْملك للرسول إِن صَاحبك لم يجبهني بِهَذِهِ الْمقَالة وَأَنت المجتريء بهَا عَليّ والماليء مِنْهَا سَمْعِي وقلبي وَمَا شِفَاء غيظي وَمَا تسكين حفيظتي إِلَّا الْمُبَالغَة فِي عقابك فَقَالَ لَهُ الرَّسُول هون عَلَيْك أَيهَا الْملك فَإِن لكل مقالٍ جَوَابا وَإِن قبح أديته على حَاله
стр. 22
قَالَ لَهُ الْملك هَيْهَات إِنَّك تتَوَجَّه إِلَى من تجله عَن سَماع مَا يسوؤه وتلقيه بِمَا يحفظه فَقَالَ الرَّسُول إِن من الْعجب أَن أَلْقَاك بمقالته وآمن بادرتك ونيتي عَلَيْك ثمَّ أَلْقَاهُ بكلامك فَلَا أَثِق بحلمه ونيتي مَعَه فَأذْهب بِهَذَا القَوْل حفيظته وسل سخيمته وَقَالَ مثلك من يُرْسل بَين الْمُلُوك فالرسول مبلغ غير ملوم
стр. 23
الْبَاب الْعَاشِر
فِي أَن وَهن الرَّسُول عَائِد علؤ من أرْسلهُ وَكَذَلِكَ اختلاله
وَضَعفه وَأَن الرَّسُول إِذا كَانَ تَاما ذَا بَيَان ورواء فَمَا فِيهِ من فضل
عَائِد على من أرْسلهُ ومنسوب إِلَيْهِ
وَمَتى كَانَ الرَّسُول دون مرسله فِي رَأْي وعقل ورواء ونبل ظن بمرسله أَكثر من اختلاله وَمَتى كَانَ أتم مِنْهُ وزايد فِي هَذِه الْأَحْوَال ظن بمرسله فَوق ذَلِك من التَّمام فعوار الرَّسُول يعر الْمُرْسل وَإِن كَانَ فَاضلا واختلال الْمُرْسل لَا يعر الرَّسُول إِذا كَانَ كَامِلا وَيحْتَاج الرَّسُول من التصون والنزاهة إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من ترك الإفراط فِي الانقباض والحشمة حَتَّى لَا يكون غَرَضه فِيمَا يعرض عَلَيْهِ من عَظِيم الْبر بيع دينه وَلَا خِيَانَة مرسله وَلَا بيع أَمَانَته وَلَا يَأْبَى من يسيره ولطيفه مَا يُوجب قبُوله الْأنس ويوقع الِامْتِنَاع مِنْهُ النفار والوحشة
стр. 24
الْبَاب الْحَادِي عشر
فِي الرَّسُول المحروم وَمَا ورد فِيهِ من آيَات كتاب الله
وَكَلَام البلغاء وَالشعرَاء والحكماء
وَقد ذمّ الله سُبْحَانَهُ الرَّسُول المحروم الَّذِي لَا تنجح على يَدَيْهِ الْأُمُور وَإِن كَانَ الْعسر واليسر جاريين مقاديره جلّ وَعلا فقد قَالَ وَضرب الله مثلا ردجلين أَحدهمَا أبكم لَا يقدر على شَيْء وَهُوَ كلٌ على مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يوجهه لَا يَأْتِ بِخَير
وَيسْتَحب من الرَّسُول أَن يشْعر نَفسه النجاح وَيُمكن فِي قلبه الظفر فيتلقى الْأُمُور بنشاط الْقُدْرَة ويبائرها بعلو الهمة لَا كالمضعوف الَّذِي يبعد على نَفسه الْأُمُور ويشعرها الْيَأْس ليضع عَنْهَا مؤونة السَّعْي ويكفيها الاعمال والاحتيال والدأب فِي بُلُوغ الآمال كَمَا قَالَ بعض الشُّعَرَاء
(قل مَا يجح الرسو ... ل إِذا استشعر الخور)
стр. 25
(وَأرى الْيَأْس نَفسه ... قبل أَن يبلو الْخَبَر)
(انما المنجح الممك ... ن فِي نسفه الظفر)
(الَّذِي يركب الْعس ... ير على أَنه يسر)
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(وَكنت إِذا بعثت بِهِ رَسُولا ... بداني قبل أَن يمْضِي بياس)
(وأنساني وَمَا وجهت فِيهِ ... على أَنِّي ذكورٌ غير نَاس)
(وَيرجع لَا رعاني الله فِيهِ ... إِلَيّ بخيبة بعد احتباس)
(يرد بِرَأْسِهِ أبدا جوابي ... أرانيه الْإِلَه بغيرِ راس)
стр. 26
الْبَاب الثَّانِي عشر
أذكر فِيهِ لم اسْتحبَّ فِي الرَّسُول إِسْرَاف الْقد وعبالة الْجِسْم
وَمَا احْتج بِهِ من كَانَ قمياً من الرُّسُل وَمن كَانَ عبلاً
وَيسْتَحب فِي الرَّسُول تَمام الْقد وعبالة الْجِسْم حَتَّى لَا يكون قميئاً وَلَا ضيئلا وَإِن كَانَ الْمَرْء بأصغريه ومخبوءاً تَحت لِسَانه وَلَكِن الصُّور تسبق اللِّسَان والجثمان يستر الْجنان وَلذَلِك مَا قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ يُؤذن لكم فَيقدم أحسنكم اسْما فَإِذا دَخَلْتُم قدمنَا أحسنكم وَجها فَإِذا نطقتم ميزتكم أَلْسِنَتكُم وَكَانَت أعين الْمُلُوك تسبق إِلَى ذَوي الرواء من الرُّسُل وَإِنَّمَا توجب ذَلِك فِي رسلها لِئَلَّا ينقص اخْتِيَارهَا حظاً من حظوظ الْكَمَال ولانها تنفذ واحجدا إِلَى أمة وفذاً إِلَى جمَاعَة وشخصاً إِلَى شخوص كَثِيرَة فاجتهدوا فِي أَن يكون ذَلِك الْوَاحِد وسيما جسيما يملا الْعُيُون المتشوقة إِلَيْهِ فَلَا تَقْتَحِمُهُ ويشرف على تِلْكَ الْخلق المتصدية لَهُ فَلَا تستصغره
стр. 27
وَجَاء فِي التَّارِيخ ان الشّعبِيّ لم ادخل على عبد الْملك بن مَرْوَان برسالة الْحجَّاج اقتحمه ناظره واستصغره قبل أَن يمْتَحن مَا وَرَاء ذَلِك من عقله وَبَيَانه وفضله وحكمته فَقَالَ إِنَّك لدميمٌ يَا شعبي فَاحْتَاجَ الشّعبِيّ إِلَى تمحل الْعذر وإلطاف الْجَواب فَقَالَ زوحمت فِي الرَّحِم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَلما أوفد بعض الْمُلُوك رَسُوله إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَكَانَ وسيماً جسيماً يمْلَأ الْعين فَأحب مُعَاوِيَة عَيبه فَقَالَ مَا هَذِه الفدامة فِيكُم فَقَالَ الرَّسُول عنوان نعم الله عندنَا فَكَانَ هَذَا الْجَواب غَايَة فِي الْإِحْسَان والسداد لِأَنَّهُ اعْتد العبالة موهبة وَكَانَ جَوَاب الشّعبِيّ تمحلاً لِأَنَّهُ علم أَن الدمامة عيبٌ ونقيصة
وَقد قَالَ شَاعِر الْعَرَب
(تبين لي أَن القماءة ذلةٌ ... وَأَن أشداء الرِّجَال طوالها)
فَكَأَن الْمُلُوك أَرَادَت أَن تستجمع هَذِه الْفَضَائِل على مراتبها فِي رسلها فَيكون الرَّسُول حسن الِاسْم والخلق وَالْبَيَان
стр. 28
وَتقول الروَاة مَا نَعْرِف رَسُولا ألطف وَلَا كتابا اوجز من هدهد سُلَيْمَان وكتاه وَهُوَ قَوْله ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَلا تعلوا عَليّ وأتوني مُسلمين﴾
وعيب بعض الرُّسُل بِالْقصرِ والدمامة وَكَانَ أديباً فطناً فَأَنْشد بديهاً
(عقل الرَّسُول وبسطةٌ فِي رَأْيه ... خيرٌ لَهُ من نبله وبهائه)
(فَإِذا أخل بِذِي الترسل رَأْيه ... لم يغنه عَنهُ جميل رُوَائِهِ)
(مَا ضرّ هدهد آل دَاوُد مَعَ ال ... م إنْجَاح ظَاهر قبحه وقمائه)
(فَمضى وَعَاد إِلَى النَّبِي مبشراً ... بالنصح فِي إيداعه وأدائه)
стр. 29
الْبَاب الثَّالِث عشر
اذكر فِيهِ مَا كنت تعْمل عَلَيْهِ الْفرس إِذا آثرت أَن تتَّخذ من رعاياها
من تندبه للرسالة والسفارة والمحنة الَّتِي تمتحنه بهَا فَإِذا صَحَّ على
الِابْتِلَاء والخبرة حينئذٍ تتخذه رَسُولا
قَالَ الْحَكِيم رَسُولك ترجمان عقلك
من كتاب أَخْلَاق الْمُلُوك
وَليكن الرَّسُول صَحِيح الْفطْرَة والمزاج ذَا بَيَان وَعبارَة بَصيرًا بمخارج الْكَلَام ووجوهه مُؤديا لألفاظ الْملك ومعانيها صَدُوق اللهجة لَا يمِيل إِلَى طمع حَافِظًا لما حمل وعَلى الْملك أَن يمْتَحن رَسُوله محنة طَوِيلَة قبل أَن يَجعله رَسُولا
مَا كَانَت تعْمل عَلَيْهِ مُلُوك الْفرس فِي المحنة
إِذا آثرت أَن تتَّخذ من رعاياها من تَجْعَلهُ رَسُولا إِلَى بعض
стр. 30
مُلُوك الأَرْض كَانَت تمتحنه محنةً طَوِيلَة فَأول مَا تبتدئ بِهِ من محنته أَن توجهه رَسُولا الى بعض خَاصَّة الْملك وَمن فِي قَرَار دَاره فِي رسائلها ثمَّ تقدم عينا لَهَا عَلَيْهِ بِحِفْظ رسَالَته ويكتبها على نَص كَلَامه ومعانيه فَإِذا ردجع الرَّسُول بالرسالة وَجَاء الْعين بِمَا كتب من أَلْفَاظه قَابل بهَا الْملك أَلْفَاظ الرَّسُول فَإِن اتّفقت اَوْ اتّفقت مَعَانِيهَا عرف بهَا الْملك صِحَة عقله وَصدق لهجته ثمَّ جعله الْملك رَسُولا إِلَى عدوٍ لَهُ وَجعل عَلَيْهِ عينا يحفظ أَلْفَاظه ويكتبها ثمَّ يرفعها إِلَى الْملك فَإِن اتّفق كَلَام الرَّسُول وَكَلَام عين الْملك علم أَن رَسُوله قد صدقه عَن عدوه وَلم يتزيد للعداوة الَّتِي بَينهمَا فَإِذا صَحَّ على الِابْتِلَاء والخبرة جعله الْملك رَسُولا إِلَى مُلُوك الْأُمَم الْمُخَالفَة لَهُ ووثق بِهِ ثمَّ كَانَ من الْملك الموجه بِهِ أَن يُقيم خَبره مقَام الْحجَّة
من آيين الْفرس
стр. 31
كَانَ من سنتهمْ أَن الْملك إِذا أرسل رَسُولا جَلِيلًا ذَا مرتبَة شاهرة ومنزلة عامرة إِلَى رجل صَغِير الْمنزلَة غامض الْمرتبَة برسالة أَن يكون الْمُرْسل متذللاً لمن أرسل إِلَيْهِ وجالساً بَين يَدَيْهِ وموفياً لَهُ حق الرياسة عَلَيْهِ حَتَّى يتم ذَلِك الْأَمر ثمَّ بعد ذَلِك يعود كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى مَنْزِلَته
من السياسة الْعَامَّة
وَاعْلَم يَا اسكندر أَن الْفرس اصحاب فأل فاستعلمه مَعَهم فَإِنَّهُ بَاب من تَجْرِيد البخت فَإِذا أرْسلت إِلَيْهِم رَسُولا فَلَا ترسله سليم الْعين الْيُمْنَى فَإِنَّهُم يَتَطَيَّرُونَ بِهِ وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ إِنَّهَا للشمس وَإِذا دخل رَسُولك عَلَيْهِم فليأخذ مَا أمكنه وَلَا يدْفع إِلَيْهِم شَيْئا ومره أَلا يحك رَأسه وَلَا يُشِير بِيَدِهِ إِلَيْهِم فَإِذا قعد فَلَا يقْعد بأمرهم فِي الْمرة الاولى فَإِنَّهُم يغتمون ويتقونك بِسَبَبِهِ وليرد عَلَيْهِم رَسُولك فِي كل مَا يَقُولُونَ لَا الا ان يكون ارما بَينا فَإِن سَأَلُوهُ عَن خَاصَّة الْملك قَالَ كَمَا يجب ان يكون صديقه وَهُوَ على خلاف مَا يُرِيد أعداؤه وَإِذا انْصَرف فَلَا يكثر التلفت إِلَى
стр. 32
بِلَادهمْ فَإِنَّهُم يكْرهُونَ ذَلِك وَلَا يتَنَاوَل من دَاخل مدينتهم وَلَا من خَارِجهَا وَلَا من أنهارها شَيْئا فَإِنَّهُم يكْرهُونَ ذَلِك ويتطيرون بِهِ
قَالَ حَكِيم الْعَرَب بالرسول يعْتَبر الْمُرْسل
وَمن وَصِيَّة الْمُهلب بن ابي صفرَة اليزيد وَلَده وَليكن الرَّسُول بيني وَبَيْنك من يعقل عني وعنك وَإِذا كتبت كتابا فَأكْثر النّظر فِيهِ فَإِن كتاب الرجل مَوضِع عقله وَرَسُوله مَوضِع رَأْيه
стр. 33
الْبَاب الرَّابِع عشر
فِي النَّهْي عَن إرْسَال الرُّسُل وَمن جرى عَلَيْهِ خلل من الْمُلُوك فِي
تَدْبيره لاجل كذبل الرَّسُول وَمَا جوزي بِهِ من خَان فِي رسَالَته
والتحذير من الاستنامة إِلَى الرُّسُل وَمَا كَانَت الْفرس تعمله من
الِاحْتِيَاط على الرُّسُل ليَصِح لَهُم الْخَبَر المورد عَلَيْهِم إِذْ الْأَخْبَار مظان
الصدْق وَالْكذب
قَالَ الْحَكِيم إِذا كذب السفير بَطل التَّدْبِير
من السياسة الْخَاصَّة
أقلل الرُّسُل يَا اسكندر إِلَى الْمُلُوك فَإِن الْآفَات مِنْهُم كَثِيرَة واذا ارسلت رَسُولا فاختبر ذكاءه وفهمه وَاحْذَرْ ان يكون سَرِيعا اَوْ كثيرا الْكَلَام أَو معجباً أَو مِمَّن يحب شرب النَّبِيذ وأرسله إِن قدرت جَاهِلا بخبرك لم يقم فِي جوارك إِلَّا يَسِيرا وَغير خابر بِمَا يجْرِي عَلَيْهِ تدبيرك وَلَا قَائِم ملكك وراقبه ومره أَلا يقطع كَلَام من يحدثه فَإِنَّهَا خصْلَة لَا تكون فِي أديب وأرهبه
стр. 34
من مُجَاوزَة مَا تَأمره بِهِ ومره أَلا يشرب نبيذا فَإِن الْفرس بحتالون للرسل بالقحاب ويستخرجون بِهن مخايل صُدُورهمْ
من حِكْمَة الْفرس
كَانَ أردشير بن بابك يَقُول كم من دم سفكه الرَّسُول بِغَيْر حلَّة وَكم من جيوش قد هَلَكت وعساكر قد انتهكت وَمَال قد انتهب وعهدٍ قد نقض بخيانة الرَّسُول وأكاذيبه وحقٌ على الْملك إِذا وَجه رَسُولا إِلَى ملك آخر أَن يردفه بآخر وَإِن وَجه رسولين أتبعهما بِاثْنَيْنِ وَإِن أمكنه أَلا يجمع بَين رسولين فِي طَرِيق لِئَلَّا يتلاقيا فِيهَا وَلَا يتعارفا فيتواطأ على قَول فلايفعل ثمَّ عَلَيْهِ إِذا أَتَاهُ رَسُوله بِكِتَاب أَو رِسَالَة من ملك فِي خير أَو شَرّ أَلا يحدث فِي ذَلِك شَيْئا خيرا أَو شرا حَتَّى يكْتب إِلَيْهِ مَعَ رَسُول آخر يَحْكِي فِي كِتَابه الأول حرفا بِحرف وَمعنى معنى فَإِن الرَّسُول رُبمَا حرم بعض مَا أمل فافتعل الْكتب وحرش الْمُرْسل على الْمُرْسل إِلَيْهِ فأغراه بِهِ وَكذب عَلَيْهِ
стр. 35
من سيرة الْإِسْكَنْدَر
ذكر أَنه وَجه رَسُولا الى بعض الْمُلُوك فدجاءه برسالة على الصَّوَاب شكّ فِي حرف مِنْهَا إِذْ هُوَ نَاقض لجميعها فَقَالَ الْإِسْكَنْدَر للرسول وَيلك ان الموك لَا تَخْلُو من ممقوم إِذا مَالَتْ ومسددٍ إِذا كتبت وَقد جئتني برسالة صَحِيحَة الْأَلْفَاظ جَيِّدَة الْمعَانِي وَاضِحَة الْعبارَة فِيهَا حرف ينقضها أفعلى يقينٍ أَنْت من هَذَا الْحَرْف أم شَاك فِيهِ فَقَالَ الرَّسُول بل أَنا على يَقِين مِنْهُ قَالَ فَأمر الْإِسْكَنْدَر أَن تكْتب أَلْفَاظه حرفا حرفا وتعاد إِلَى الْملك مَعَ رسولٍ ثانٍ فتقرأ عَلَيْهِ وتترجم لَهُ قَالَ فَلَمَّا قريء عَلَيْهِ الْكتاب وَمر بِهِ الْحَرْف الَّذِي أنكرهُ الاسكندر الْملك ثمَّ أَمر المترجم لَهُ فَقَالَ ضع يَدي على هَذَا الْحَرْف فوضعها فَأمر أَن يقطع ذَلِك الْحَرْف بسكين فقظع من الْكتاب وَكتب إِلَى الْإِسْكَنْدَر رَأس المملكة صِحَة فكرة الْملك وَرَأس الْملك صِحَة لهجة الرَّسُول إِذْ كَانَ الرَّسُول عَن لِسَان الْملك ينْطق وَإِلَى أُذُنه يُؤَدِّي وَقد قطعت مَا لم يكن من كَلَامي إِذْ لم أجد إِلَى قطع لِسَان الْكَاذِب سَبِيلا
فَلَمَّا جَاءَ بِهَذَا الْكتاب الى الاسكندر دع الرَّسُول الاول
стр. 36
فَقَالَ لَهُ مَا حملك على كلمةٍ أردْت بهَا فَسَاد ملكي فَأقر الرَّسُول أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ لتقصير رَآهُ من الموجه إِلَيْهِ فَقَالَ الْإِسْكَنْدَر فَأَرَاك سعيت لنَفسك لَا لنا فَلَمَّا فاتك بعض مَا أملت جعلت نَارا فِي الْأَنْفس الخطيرة الرفيعة فَأمر بِنَزْع لِسَانه من قَفاهُ
قَالَت الْهِنْد إِذا أرْسلت رَسُولا إِلَى الْملك فَلْيَكُن فصيحاً بلغتك ولغته فَإِن لم تَجدهُ على مَا تؤثره فِي لغته فَلْيَكُن فصيحا فِي لغتك ذَا بَيَان وعاشة ولسان قد سلم من عنجهية الصبى وأحكمته التجارب وحلب الدَّهْر اشطر وَكَانَ اُحْدُ رجلَيْنِ اما رجل بعتقد الْفَوْز فِي الْآخِرَة بنصيحتك وقيمك إِمَامًا يأتم بك ويجعلك طَرِيقه إِلَى الله تَعَالَى أَو ذَا عقلٍ وصدقٍ وذيلٍ من عيالٍ وَأهل يلْتَفت إِلَيْهِم وتطالبه نَفسه بِالرُّجُوعِ والعودة وَلَا يجترم عَلَيْك جرما يعلم أَنهم / اخوذون بِهِ ومطالبون بِسَبَبِهِ ومعاقبون عَلَيْهِ
стр. 37
الْبَاب الْخَامِس عشر
فِيمَا كَانَت قُرَيْش تعْمل بِهِ إِذا أَرَادَت أَن ترسل رَسُولا إِلَى الْمُلُوك
وَمَا كَانَت توعز بِهِ إِلَى الرَّسُول وَهِي فِي جَاهِلِيَّتهَا
روى الْوَاقِدِيّ أَن قُريْشًا فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت إِذا أرْسلت رَسُولا إِلَى بعض الْمُلُوك قَالَت لَهُ احفظ شَيْئا انتهز الفريصة فَإِنَّهَا خلسة وَبت عِنْد رَأس الْأَمر لَا ذَنبه وَإِيَّاك وشفيعاً مهيناً فَإِنَّهُ أَضْعَف وَسِيلَة وَإِيَّاك وَالْعجز فَإِنَّهُ أوطأ مركب وَعَلَيْك بِالصبرِ فَإِنَّهُ سَبَب الظفر وَلَا تخض الْغمر حَتَّى تعرف الْقدر
فَإِذا توجه للمسير قَالَت اللَّهُمَّ قو ضعفته واحرس غفلته وَشد منته اللَّهُمَّ اطو عَنهُ غول الأَرْض وهولها
стр. 38
وحببه اى أَصْحَابه واحمله على ركابه وَسلم لَهُ عصبها وقصبها وادرأ عَنهُ وعنها الْأَعْرَاض والأمراض حَتَّى تُؤَدِّيه سالما إِلَى سَالِمين
من وَصِيَّة الْإِسْكَنْدَر
يَا إسكندر إياك أَن تستعين بمعينٍ مهين فَيَضَع من قدرك ويسوء ذكرك
من كتاب كليلة ودمنة
يعْتَبر عقل الْمُرْسل بِرَأْي رَسُوله ونفاذه فَمن كَانَ شَأْنه اللين والمواتاة أنجح فِي رسَالَته وَالرَّسُول يلين الْقلب إِذا رفق بخشن الصَّدْر إِذا خرق
стр. 39
الْبَاب السَّادِس عشر
فِي احتراس الرَّسُول لنَفسِهِ إِذا سفر أَو ترسل بَين ملكَيْنِ وهما على
حَرْب أَو منازلة
من حِكْمَة الْعَرَب
قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي فِي وَصيته لوَلَده لما بَعثه الى رَسُول الله ص ﷺ وَقد لبغه مبهثه لَا تحدثن أمرا دوني فَإِن الرَّسُول إِذا أحدث الْأَمر من عِنْده خرج من يَدي الَّذِي أرْسلهُ واحتفظ بِمَا يَقُول لَك إِذا ردك فَإنَّك إِن توهمت أَو نسيت أفسدت رِسَالَتك وجشمتني رَسُولا غَيْرك
من حكم يونان
قيل لافلاطون الْحَكِيم أَي الرُّسُل انجح قَالَ الَّذِي جمال وعقل
стр. 40
الْبَاب السَّابِع عشر
فِي النَّهْي عَن مفاتحة رسل بخضرة الْمَلأ من النَّاس وَالْمَنْع من
جدالهم وَأَن لَا يمكنوا إِلَّا من أَدَاء الرسَالَة وَتحمل الْجَواب
من السياسة
لَا تفاتح يَا اسكندر رسل الْمُلُوك إِلَيْك وَلَا تبسطهم الى مساءلكتك بِكَثْرَة استخبارك وَحسب الروسل إِيصَال مَا مَعَه من كتابٍ أَو رِسَالَة وَاعْلَم يَا اسكندر انك ان الزمت الْحجَّة لم يكن فِي ذَلِك فَخر وَإِن ألزمك خصمك ذَلِك عابك
следующие страницы →