← Указатели

Указатели · id 7248

مناهج التأليف عند العلماء العرب

مصطفى الشكعة

Полный текст (502 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الكتاب منذ سنوات عديدة كانت فكرة إصدار كتاب يعالج مناهج التأليف عند العلماء المسلمين تراودني وتروق لي، ولكن ما إن كنت أبدًا في التنفيذ حتى أراني أحجم وأتردد وقد تمثل أمامي خطر الموضوع الذي أحاول علاجه؛ لأنه من الاتساع والعمق بحيث يتناول تراث أمة عظيمة، تبلورت عظمتها في عقيدتها وتراثها: لغة وأدبًا وفكرًا. فلما كانت السنوات الأخيرة ألحت فكرة الكتاب على خاطري بحيث لم أستطع منها فرارًا على الرغم من اقتناعي بأن مثل هذا العمل يحتاج إلى فريق من العلماء يضطلعون به ويسهرون عليه ويولونه كل اهتمامهم ويضمنونه ثمرات تجاربهم وحصاد أفكارهم، فاستخرت الله وقررت أن أبدأ في إصدار هذا المجلد وجعلته خاصًّا بمناهج التأليف في الأدب، آملًا إن وهبني الله القدرة وفسحة الأجل أن أضطلع بمتابعة الجهد في إصدار كتب تالية تتناول مناهج التأليف في بقية موضوعات التراث. أما وإني أقدم مناهج التأليف عند العلماء العرب والمسلمين في نطاق الأدب، فإنه يجمل بي أن أعرض منهجي في هذا الكتاب. لقد حاولت أن أقدم منهجًا وسطًا بعيدًا عن التدخل بريئًا من التعقيد، بل هو أقرب إلى اليسر والبساطة، فقد جعلت الكتاب ينتظم أحد عشر بابًا، خصصت الباب الأول منه للحديث، عن فجر التحرك العقلي العربي والإسلامي والتدوين في نطاق العلوم القرآنية والحديث الشريف وألوان من العلوم والمعارف. ولما كان المؤلف لا يستطيع أن يخط حرفًا دون أن يكون متقنًا للكتابة والإنشاء، وكلاهما ثمرة للتحرك الثقافي الإسلامي -إذ لم يكن العرب يقرأون أو يكتبون قبل الإسلام- فقد خصصت الباب الثاني للحديث عن حركة الكتابة والإنشاء وتطورها ومسيرتها في إيجاز مع ذكر مصادر النثر العربي على سبيل الإجمال. وأما الفصل الثالث فقد أفردناه للحديث عن رواد التأليف الأدبي غير المتخصص، فقد كان المؤلفون آنئذ يجمعون بين الأخبار والأشعار والنوادر واللغة والتاريخ وقضايا النحو وانتجاع الحكمة بين دفتي الكتاب الواحد، وممن سلك هذا النهج على سبيل المثال النضر بن شميل وابن الكلبي وأبو عبيدة والأصمعي والهيثم بن عدي والمدائني. ونلاحظ أن أكثر هؤلاء العلماء قد عاشوا حياتهم العقلية في القرن الثاني الهجري.

стр. 2

وبمرور السنين أخذ التأليف الأدبي يتجه نحو المنهجية الواضحة والتخصص الموضوعي، الأمر الذي جعلنا نكرس الباب الرابع من كتابنا للتأليف الأدبي المنهجي، وقد شمل هذا الباب الحديث عن الجاحظ وابن قتيبة الدينوري وأبي حنيفة الدينوري والمبرد وثعلب وابن طيفور وأبي بكر الصولي والمرزباني والثعالبي، والموضوعات التي تناولوها، ومناهجهم في الكتب التي ألفوها. ولما يتمتع به كل من العقد الفريد، والأغاني من مكانة عند صفوة العلماء وخاصة الباحثين في ميدان الدراسات الأدبية، خصصنا الباب الخامس للحديث عنهما في فصلين متتاليين حديثًا أقرب إلى الشمول وأدنى إلى الغاية. والباب السادس جعلناه للحديث عن كتب الأمالي وما هو في حكمها، وذكرناها على الترتيب الزمني، ووقفنا وقفة مستأنية أمام كل كتاب. ومن الأمالي انتقلنا إلى الحديث عن كتب طبقات الشعراء، فأفردنا الباب السابع لهذا الموضوع سالكين سبيل التدرج الزمني مبتدئين بابن سلام الجمحي في كتابه طبقات الشعراء الذي ألفه في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، منتهين بسلافة العصر لابن معصوم المتوفى على رأس السنة العشرين من القرن الثاني عشر الهجري. والباب الثامن جعلناه للحديث عن كتب الاختيارات الشعرية والحماسات، وإذا كانت حماسة أبي تمام هي أشهر هذه الأنماط من الكتب، فإن مصنفها لم يكن صاحب السبق في التأليف في هذا النوع من الكتب، وإنما سبقه إلى ذلك أصحاب المفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب وشعر الهذليين، غير أن أبا تمام قد ارتقى بهذا الفن من حيث الذوق في الجمع والانتقاء في الموضوع والعناية في التبويب ثم تبعه في ذلك بقية أصحاب الحماسات. والباب التاسع من كتابنا هذا خصصنا به كتب التراجم ومناهجها ونظام ورود الأعلام فيها وابتدأنا بذكر الفهرست لابن النديم وانتهينا عند المحبي في "خلاصة الأثر". ولما كان الأدب الأندلسي من الرقة والسمو والقرب إلى أنفسنا بحيث يحتاج إلى عناية خاصة، فقد أفردنا الباب العاشر من هذه الطبعة الثانية للحديث عن مصادره ومناهج العلماء الذين عكفوا على التأليف فيه من مشارقة ومغاربة وأندلسيين، وحاولنا قدر الاستطاعة أن نيسر على دارس هذا الأدب بوضع مصادره مدروسة بين يديه. وأما الباب الحادي عشر والأخير في كتابنا هذا، فقد جعلناه للحديث عن الموسوعات بصفة عامة والمملوكية بصفة خاصة. هذا ولا يفوتني أن أنوه بالجهد الذي بذله معي تلميذاي الأستاذان حسان ماضي وأحمد عبد العزيز عمرو في إعداد النصوص التي وجهتهما إلى جمعها والإسهام في مراجعة تجارب المطبعة وهي أعمال جديرة بالشكر حرية بالتقدير. والله نسأل أن يهدينا إلى سبيل الرشاد ونهج السداد. بيروت في ١/ ١٢/ ١٩٧٣ مصطفى محمد الشكعة

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد للأمة العربية قبل الإسلام خصائص تميزت بها دون غيرها من أمم العالم، من هذه الخصائص ما هو محبب مقبول، ومنها ما هو مستكره مرذول، شأن الأمم جميعًا في مراحل تاريخها ومسيرة حياتها، وإذا كانت هذه الدراسة ليست بذات طابع اجتماعي وإنما هي تعمد أول ما تعمد إلى دراسة العمق الثقافي لهذه الأمة العربية، فإننا لن نطيل في الوقوف أمام صفات الأمة العربية قبل الإسلام إلا بالقدر الذي يخدم هذه الدراسة. كان من صفات العرب الكرم والشجاعة والحرية وإباء الضيم والفروسية والنجدة وإجارة المستجير وإغاثة الملهوف. وقد تبلورت كل هذه الصفات وتلك المميزات فيما تركه العرب الجاهليون من شعر وخطابة، إذ لم يكن العرب يملكون من الملامح الثقافية البارزة غير هذين الفرعين من فن القول، فتركوا فيهما ثروة هائلة رائعة لم تكد تترك أمة أخرى تركة مماثلة لها كمًّا وكيفًا في مثل تلك الفترة القصيرة بين إنشاء القصيد ومجيء الرسالة السماوية الإسلامية. ومن ثم فقد كان غرام العرب بالشعر يدفعهم إلى الاعتزاز بالشعراء، وكان الشاعر يحتل من قبيلته مكان الصدارة؛ لأنه المحامي عن كرامتها، الذائد عن حرماتها، المسجل لمفاخرها، الناطق بلسانها، حتى إن القبيلة كانت تقيم الاحتفالات عندما يبزغ بين أبنائها من تتفتق ملكته عن قول الشعر الجيد، ولذلك فقد أثر عنهم أنهم كانوا يحتفلون بمولد الشاعر أي ظهوره. وقد قيل الشيء نفسه فيما يتعلق بالخطيب، ذلك أن القبيلة كانت تحتفل أيضًا بميلاد الخطيب احتفالها بمولد الشاعر، فهو الآخر لسانها في المفاخرات، وممثلها في المنافرات التي كانت تستمر أيامًا وأسابيع. وكانت المنافرات بصفة خاصة تحتل مقام الاهتمام لا بين قبيلتي الخطيبين المتنافرين وحسب، بل بين هذه القبيلة وحلفائها وتلك القبيلة ونصرائها، ومن أجل ذلك فقد تضاربت الآراء حول من هو أحق بالتفضيل والتقديم في نطاق القبيلة، أهو الشاعر أم الخطيب؟ والحق أن القبائل لم تكن -بحكم العادات العربية- في غناء عن

стр. 4

الاثنين. وكان كلاهما -أي الخطيب والشاعر- في مقام التقديم أو التأخير تبعًا للظرف الذي تعيشه القبيلة، فإن كانت طبيعة الظروف التي تجتازها أحوج إلى الشاعر منها إلى الخطيب كان الشاعر مقدمًا، وإن كانت الظروف التي بها محتاجة الخطيب أكثر من احتياجها الشاعر قدمت الخطيب. وإذن فقد كان النتاج الثقافي للأمة العربية قبل الإسلام محصورًا في الشعر والخطابة ولا شيء غير ذلك من فنون القول، والأمة العربية كانت أمة غير كاتبة، الأمر الذي بسببه لم يسجل نتاجها من الشعر والخطب بالكتابة، وإنما اعتمد في ذلك على الرواية، فكان لكل شاعر رواية يحفظ كل شعره ويرويه عنه. وأحسب أن الأمر كان أيضًا فيما يتعلق بالخطيب، وإذن فقد كان التسجيل محكومًا بالذاكرة التي كان يتمتع بها الراوي والتي قد تتعرض للشيخوخة فيضيع الكثير من الكنوز التي وعت وفنون القول التي حفظت. وليس من شك في أنه كلما قدم العهد بالشاعر وزمانه كان المأثور من شعره أقل كثيرًا من القدر الذي أنشأه، وكذلك كان الأمر فيما يتعلق بالخطباء، فكان ما وصلنا من تراثهم هو الجزء وليس الكل، وما روي عنهم هو الأقل وليس الأكثر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد قامت فئة تشكك في التراث العربي بحكم أنه مروي وليس مسجلًا مسطورًا وذهب الأمر بالبعض منهم أن تقولوا كثيرًا حول التراث الأدبي الجاهلي، فمن قائل إن أكثره منحول، ومن قائل إنه منتحل كله وكتبوا في ذلك البحوث العديدة ودبجوا المقالات الطوال، وبالتالي قامت جماعة أخرى من الغيورين على تراثهم الثمين، تدحض ادعاءات الفئات الأولى أو افتراضاتها بالمنطق حينًا وبالبرهان حينًا آخر. السبب في ذلك كله أن العرب لم تكن أمة كاتبة، وأمة غير كاتبة لا تستطيع أن تكون ذات حضارة فكرية أصيلة؛ لأن هذه الحضارة بحاجة إلى التسجيل والتسطير، فلما جاء الإسلام وشجع على التعلم ومعرفة القراءة والكتابة أصبحت هذه الأمة ومن اندرج تحت لواء العقيدة الجديدة من المسلمين تشكل أرقى مبادئ فكرية وأسمى حضارة أزلية. وقبل مرور قرنين من الزمان كانت من السعة في الحدود بحيث شملت ما يقارب نصف مساحة الكرة الأرضية المعروفة في ذلك الزمان، ومن الرحابة في العقول بحيث أغنت الفكر البشري بالعديد من المؤلفات والكتب في أكثر ميادين العطاء العقلي من ديني ودنيوي.

стр. 5

الباب الأول: فجر التحرك العقلي العربي الفصل الأول: فجر الحركة العلمية ... الباب الأول: فجر التحرك العقلي الفصل الأول: فجر الحركة العلمية ذكرنا قبل قليل أن العرب لم تكن أمة كاتبة، والذي لا يكتب لا يملك كتابًا، والذين لا يملكون كتبًا يكونون بعيدين عن نطاق الثقافة التي تؤهلهم للإنتاج العقلي الذي يسموا بهم على غيرهم من الأمم درجات. لقد جاء الإسلام وليس في قريش -وهي أكثر القبائل تمدنًا- غير سبعة عشر فردًا يكتبون، هم على وجه التحديد: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة وطلحة، وأبو سفيان بن حرب، ويزيد ومعاوية ابناه، وأبو حذيفة بن عتبة، وحاطب بن عمرو، وأبو سلمة المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص وأخوه خالد، وعبد الله بن سعيد بن أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزى العامري، وجهيم بن الصلت، وعثمان بن عفان. ومن النساء الكاتبات كانت حفصة وأم كلثوم من أمهات المؤمنين، كما كانت عائشة وأم سلمة تقرآن المصحف ولا تكتبان. تلك كانت الشخصيات الكاتبة والقارئة في أكثر المجتمعات العربية أهمية قبل الإسلام وهو المجتمع المكي. فإذا انتقلنا إلى الأوس والخزرج، وهما القبيلتان اللتان ناصرتا الرسول ﷺ في يثرب وكانتا من سعة الأفق ورحابة التفكير بحيث رحب شعباهما بالإسلام قبل أن تكون مدينتهما دارًا للهجرة، هاتان القبيلتان لم يكن بينهما ممن يستطيعون الكتابة غير أحد عشر فردًا. كان الرسول ﷺ لا يقرأ ولا يكتب -وذلك في حد ذاته معجزة كبرى- فهو في حاجة إلى من يكتب له الوحي، فكان أول من كتب ما ينزل على الرسول الكريم من الآيات البينات في المدينة أبي بن كعب الأنصاري، فإذا غاب استدعى الرسول زيد بن ثابت الأنصاري. ثم

стр. 6

توالى على كتابة الوحي عدد غير قليل من الصحابة، منهم عثمان بن عفان، وأبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، ثم حنظلة بن الربيع الذي عرف من أجل ذلك بحنظلة الكاتب، على أن كتابة هذا الرعيل الأول من الكاتبين لم تكن تخلو من بعض الأخطاء الإملائية التي لم تكن من الجسامة بحيث تفسد التلاوة. إن الرسالة السامية الجديدة تؤمن بالعلم، وتمهد لتنوير القلوب والعقول، وإن أولى آيات كتابها العزيز لفظ اقرأ وهي تمجد القلم وما يسطر: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ١ وهي تخاطب العقل وتطلب إليه أن يتأمل: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ٢ وتدفع به إلى يتدبر، ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً، مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ٣ ثم تسوقه وتشوقه إلى متابعة أحداث الكون المعجزة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٤ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ٥ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٦. كان طبيعيًّا أن يهدف الإنسان إلى المعرفة في نور الدين الجديد، وتحصيل المعرفة محتاج إلى القراءة والكتابة، فدعا الرسول ﷺ إلى تعلم الكتابة حتى إنه كان بعد غزوة بدر يطلق سراح الأسير إذا علم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة. بل من المأثور أن الرسول كان يدعو إلى تعلم اللغات الأجنبية، فقد قال لزيد بن ثابت: "تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي" كما أمره بتعلم السريانية فتعلمها. وفي نطاق هذه التوجيهات، وبسبب انتشار الإسلام، ما فتئ الداخلون في الدين الجديد من غير العرب يتعلمون العربية ليتعرفوا إلى أصول دينهم، وانتشرت اللغة العربية بينهم وانتشر معها تعلم الكتابة والقراءة، وتبع ذلك تعلم النحو النظر في الأحكام العامة من زواج وطلاق ومعاملات ونظم عامة، فبدأت المعرفة توطد أسسها وتعلي بنيانها، وأمكن

стр. 7

قيام نهضة عامة في دنيا المعرفة في ظلال الفكرة الإسلامية والمجتمع الذي آمن بها وهضمها وسعى إلى تعزيزها ونشرها، فكان لا بد لذلك من خلق حركتين أساسيتين هما: الحركة الدينية والحركة الثقافية. فأما الحركة الدينية فقد كانت أوسع الحركات، إذ إنها تضم في عطفيها علوم القرآن والحديث والفقه من معاملات وعبادات وأحكام. لقد بدأت هذه الحركة بالقرآن الكريم، ثم بالحديث الشريف جمعًا وفهمًا وشرحًا وتفسيرًا وتأويلًا. وقد كان على رأس هذه الحركة في أول أمرها عدد من علماء الصحابة الذين كانوا على مرتبة سامية من العلم والفطنة، كان أشهرهم عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت وأم المؤمنين السيدة عائشة، وقد يضاف إليهم معاذ وأبو الدرداء، على أن أوفرهم علمًا فيما تكاد تجمع عليه الروايات علي وعبد الله بن عباس ١. على أن الصحابة ينقسمون من حيث أقدارهم العلمية إلى طبقات متفاوتة، وقد ألفت في ذلك كتب كثيرة لتضع كل صحابي في طبقته أو درجته، ولعل أشهر الكتب التي اهتمت بالكتابة عن الصحابة وإيفاء كل واحد منهم قدره وإعطائه حقه هي "الطبقات الكبرى" لابن سعد و "أسد الغابة" وغيرها. فمثلًا عند الكلام على ابن عباس فإنه يوصف بكونه أكثر الصحابة قدرة على التأويل والفتيا وما ورد في تفسير القرآن وأسباب النزول وحساب الفرائض والمغازي، كما أنه على إلمام بمعرفة الكتب الدينية الأخرى كالتوراة والإنجيل، وهو إلى ذلك عالم بأنساب العرب وأيامهم. وإذا كانت هذه ثقافة عبد الله بن عباس، فإنه يقابله في الناحية الأخرى عبد الله بن عمر الذي يعتبر أكثر الصحابة قدرة على جمع الحديث ومعرفته وتمييزه وتصحيحه. فإذا ما اتصلت الأمور بالقضاء فإن أكبر عقليتين قضائيتين بين الصحابة كانتا ممثلتين في عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وقد بلغ علي في ذلك مبلغًا لم يصل إليه أحد من الصحابة، حتى إنه كان حلال المشاكل مذلل المعضلات، الأمر الذي نتج عنه قول الحكمة المأثورة حين تتعقد الأمور: "قضية ولا أبا حسن لها"، وأبو حسن كنية الإمام علي، وكان يحلو للصحابة أن ينادوه بها تحببًا وتوقيرًا. إن عليًّا يصف الصحابة ويحدد القدرة العلمية لكثير منهم، فيجعل قدرة عبد الله بن

стр. 8

مسعود في القرآن والسنة، ويقول عن أبي موسى إنه صبغ في العلم ثم خرج منه، ويقول عن عمار بن ياسر إنه مؤمن نسي وإذا ذكر ذكر، ويقول عن حذيفة إنه أعلم أصحاب رسول الله بالمنافقين، ويقول عن أبي ذر إنه وعى علمًا ثم عجز عنه، ويقول عن سلمان: أدرك العلم الأول والآخر، بحر لا ينزح قعره، منا أهل البيت١. وسئل علي عن نفسه، وهو مدينة العلم، فماذا تنتظر منه أن يقول عن نفسه، إنه يقول بكل لباقة وتواضع: كنت إذا سئلت أعطيت وإذا سكت ابتدئت. لقد كان لا بد للمسلمين في البلاد الجديدة المفتوحة من معلمين ومرشدين، فكان طبيعيًّا أن يتفرق الصحابة في الأمصار معلمين ومرشدين ومثقفين، وكان عمر حينما يبعث صحابيًّا إلى بلد ما فإنه كان يزوده بخطاب يقدمه به إلى الناس الذين ربما وجدت كثرة بينهم لا تعرف قدره. وكان هذا الخطاب من الخليفة بمثابة تقديم وتكريم للصحابي المبعوث، فحينما بعث عمر عبد الله بن مسعود إلى الكوفة، وهو من خيرة الصحابة علمًا وفضلًا، بعث الخليفة إلى أهل الكوفة يقول لهم: إني بعثت إليكم بعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وآثرتكم به على نفسي فخذوا عنه. أرأيت إيجازًا أبلغ من هذا الإيجاز وتكريمًا أطيب من هذا التكريم؟ إن أمير المؤمنين عمر -وهو من هو- يقول لأهل الكوفة في مقام تكريم عبد الله بن مسعود: لقد آثرتكم به على نفسي، إن المسألة في الواقع لا تكمن في تكريم ابن مسعود بقدر ما تهدف إلى تكريم العلم نفسه، أما وأن عبد الله بن مسعود من العلماء، فهو لعلمه وفضله جدير بالإجلال والتكريم. لقد توزع الصحابة في الأمصار معلمين للناس ومستشارين وحكامًا ومفتين، ثم كان لكل صحابي مدرسة من مريديه، وهؤلاء المريدون هم التابعون، وكان للتابعين مريدون أيضًا فعرفوا بتابعي التابعين، وهكذا اتسع نطاق الثقافة الدينية ورحبت آفاقها على يد هؤلاء وأولئك في هذا المصر أو ذاك، فنشأت نواة الحركة العلمية العقلية بعد جيلين أو ثلاثة من جيل الصحابة والتابعين. وواضح أن علماء الدين كانوا جميعًا -في أول الأمر- من العرب، غير أن الإسلام لا يفرق بين عربي وغير عربي، والعلم ملك للجميع، يسموا قدر المرء بقدر ما يغترف من علم وبقدر ما يتحلى به من مكرمات، وكان طبيعيًّا أن يقدم الموالي على التعلم، فلا تلبث طبيعة العلم أن تجعل رءوس العلماء في الأمصار الإسلامية منهم.

стр. 9

ففي مكة نجد مجاهد بن جبر وكان مولى ابن عباس، وعطاء بن رباح مولى فهر وكان أسود اللون، ولكن الإسلام الذي لا يعترف بالألوان ولا بالأحساب وضعه في مكانه الطبيعي وهو مكان العلماء، وأبا الزبير محمد بن مسلم بن تدرس مولى حكيم بن خزام، ولقد كان هؤلاء وهم من الموالي يجعلون العلم ميسرًا في مكة لكل طالب وكانوا مراكز إشعاع عقلي وإنعاش روحي. فإذا نظرنا إلى الكوفة وجدنا على رأس علمائها سعيد بن جبير، وكان صاحب علم وفضل، وكان هو الآخر أسود اللون. وكانت البصرة تتضوع علمًا وتزدان بالعلماء وكانت من أكثر الأمصار إشعاع ومنطلق تفكير وكان علماؤها أيضًا من الموالي، فمنهم محمد بن سيرين وكان أبوه من سبي ميسان وأمه صفية مولاة أبي بكر الصديق، هذا ولا يستطيع الخاطر إعفال الحسن البصري كبير علماء البصرة وعظيم مفكريها وسيد فقهائها وكان أبوه أيضًا من سبي ميسان ومولى لزيد بن ثابت. فإذا ما انتقلنا إلى مصر وجدنا فيها يزيد بن حبيب مولى الأزد، وهو من أصل سوداني فأبوه من دنقله. ولقد كان يزيد مفتي أهل مصر وكبير علمائها، وهو أستاذ الليث بن سعد الإمام العالم الذي جرت بينه وبين الإمام مالك مساجلات ومكاتبات، وذهب بعض أهل الذكر إلى أن الليث كان أفقه من مالك ولكن ضيعه قومه، أي أن قومه في مصر لم يعطوه حقه، ولم يقبلوا على علمه الغزير إقبالهم على علم غيره من علماء المسلمين. إنها ليست مصادفة أن يكون على رأس المفكرين المسلمين هذا العدد الضخم من العلماء الموالي، كما أنه ليس أيضًا من قبيل التصنع والافتعال، ولكن ذلك أمر طبيعي تمامًا؛ أن الذي يقبل على العلم من أبناء المسلمين يغض النظر عن عروبته أو مولويته -يحتل المكانة اللائقة به كواحد من أهل العلم، فالطريق مفتوح والفرصة سانحة لصاحبها أن يبرز ويلمع طالما كان لذلك أهلًا وبالاحترام جديرًا. وتتسع الحركة العلمية الدينية بعد ذلك فتنشأ علوم القرآن من تفسير وتأويل وقراءات وتجويد، وتنشأ علوم الحديث أيضًا، ويستتبع ذلك ظهور علوم الفقه والتوحيد والأصول، وترتبط بها علوم اللغة من نحو وصرف، ثم علوم الأخبار وهو ما يمكن أن نسميه ببداية الحركة التاريخية الأدبية. وإذن فقد كانت الحركة في أول أمرها مستهدفة تجلية العلوم الدينية من تفسير وحديث وعلوم قرآنية وفقه وتوحيد وأصول، وهذا استتبع بدوره العناية باللغة العربية وفروعها من رواية واشتقاق ونحو وشواهد من شعر ونثر، ثم كانت مادة الأخبار والنوادر والأسماء التي

стр. 10

شكلت الحركة الأدبية التاريخية. وكان من الطبيعي أن تتمايز الحركتان، فالحركة الأدبية على ما فيها من أخبار ونوادر وسير وأسماء تركز على اللغة والشعر والنثر والخطب، والحركة التاريخية على ما اهتمت به من خطب وشعر اهتمت أيضًا بسيرة الرسول ﷺ والخلفاء والمغازي والفتوح وسير الأقدمين وأخبارهم. وهكذا تسير الحركة العلمية وئيدة في أول أمرها مستهلة نشاطها بالتدوين، ثم بالجمع والرصد والتصنيف والتأليف والإبداع. على أن الأمر الجدير بالتسجيل هو أن الثورة العلمية الفكرية قد انبثقت من الصحابة أنفسهم حين نبغ غير قليل منهم في أصول المعرفة وأصبحوا أصحاب امتياز في ميادين بعينها، فقد نبغ الإمام علي في القضاء، ونبغ معاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام، ونبغ زيد بن ثابت في المواريث وتقسيم الغنائم، ونبغ أبي بن كعب في قراءة القرآن.

стр. 11

الفصل الثاني: فجر الحركة التاريخية لم يعرف "التاريخ" عند العلماء القدامى بادئ ذي بدء كعلم محدد الوظيفة الثقافية كما هو الحال بعد ذلك بفترة طويلة من الزمان، وإنما كانت هناك حاجة إلى المعرفة العامة في نطاق التطور الجديد للمجتمع الإسلامي الواسع المترامي الأطراف الذي ضم أممًا عديدة وعناصر شتى. لم يكن هناك تسمية واضحة لجميع المعارف عن هذه الأمم وعن تلك العناصر الجديدة، ولكن كان لا بد من جمع معارف عن المملكة الإسلامية وماضي شعوبها والممكن من أخبارها، وكانت هناك ضرورات لهذا الجمع لعلها تتمثل في النقاط الآتية: - إن اتساع الدولة جعلها في حاجة شديدة إلى العلم بطرق تحصيل الأموال وحفظها وصرفها، والإدارة والتنظيم وطريقة الحكم، وسير رجال الأمم، والسياسات والحروب والمكايد، وكانت هذه هي الطريقة التي يثقف معاوية بها نفسه على سبيل المثال. - هناك فئات كثيرة دخلت الإسلام بعاداتها وتقاليدها وعقائدها وتاريخها، فاليهود مثلًا نشروا أخبارهم بين المسلمين وهو ما يسمى بالإسرائيليات، والنصارى فعلوا الشيء نفسه، والفرس دخلوا بتاريخهم وأساطيرهم، وكانت كثير من الأخبار التي يحفظونها ويرددونها لا تخلو من عصبية لأصحابها. - الاهتمام بجمع الحديث؛ لأن فيه كل ما كان يفعله الرسول من عبادات وتشريع ومعاملات، وفيه وعظ وإرشاد. وفيه كل ما يتعلق بحياة الرسول في مكة والمدينة وتحركاته وغزواته. - ضرورة الاهتمام بأعمال الخليفة الأول أبي بكر وتسجيل فتوحات الخليفة الثاني عمر وما اتصل بحكم كل منهما من أحداث هامة وما أكثرها وأجلها.

стр. 12

لقد كانت الأقسام التاريخية هي الأساس الحقيقي لكتب السير والمغازي التي لم تلبث أن تمخض عنها علم التاريخ. وهناك حقائق كبرى عن فجر تدوين كتب غير قليلة في المغازي، منها على سبيل المثال: ١- عروة بن الزبير بن العوام ٢٣ - ٩٤هـ هو أقدم من ألف في سيرة الرسول. ٢- وهب بن منبه ٣٤- ١١٠هـ ألف كتابًا في المغازي. ٣- أبان بن عثمان بن عفان ٢٢ - ١٠٥هـ جمع له تلميذه عبد الرحمن بن المغيرة المتوفى ١٠٥هـ كتابًا في السير. ٤- ابن شهاب الزهري جمع كتابًا في المغازي. ٥- موسى بن عقبة ت ١٤١هـ جمع كتابًا في المغازي. وقد عثر على قطعة منه طبعت سنة ١٩٠٤. ١ القضية إذن ليست بدوات أو أفكارًا تروح وتجيء وإنما هي عملية تأليف منظمة أو تصنيف معتنى بها، لنا أن نسميها ما شئنا ولكنها في حقيقتها عملية علمية تاريخية واضحة المعالم ملموسة الأسباب نشأت مبكرة، وكانت في بكورها أقدم مما يتصور الكثيرون من الدارسين. على أن هذا النهج لا يلبث أن يربطنا بنهج آخر كل منهما يتمم صاحبه، ونعني به القصص. والقصص بفتح القاف عرف قديمًا منذ الأيام الأولى لفجر الإسلام، وهو لا شك مصدر من مصادر المعرفة العامة، وليس القصص الذي نقصد إليه هو هذا المتعارف عليه في أيامنا المعاصرة، وإنما القصد منه عند نشأته كان الوعظ وتذكير الناس بالآخرة وصرفهم عن ضروب الملاذ التي إذا ما أغرقوا أنفسهم فيها أدى ذلك إلى فساد دينهم ودنياهم. ومن هنا كان القاص في حقيقته واعظًا، وإنما هو يستعمل أساليب القصص في وعظ الناس وهدايتهم عن طريق أخبار الأولين وقصص الأقدمين، فما من جبابرة إلا زالوا ولا أباطرة إلا ماتوا، الذكر الجميل أولى بصاحبه من الذكر القبيح وسوء ترديد السيرة. لقد كان القصص يتم في المسجد، وأول قاص في الإسلام هو تميم الداري، وقد أغرم بإرشاد الناس وهدايتهم واستأذن عمر في ذلك فرفض أول الأمر، ثم ما لبث أن وافق

стр. 13

وأذن له، على أن تكون حلقته يوم الجمعة من كل أسبوع، وهناك قول بأن تميمًا بدأ وعظه كقاصٍّ على عهد عثمان، على أن هذا لا يعنينا إلا من ناحية واحدة هي أن القصص بدأ مبكرًا في الإسلام، وأنه كان وعظًا خالصًا يتتبع فيه القاص طريقة هداية الناس بذكر أحاديث الأقدمين، وأن ذلك كان يتم في مسجد رسول الله في المدينة مرة كل أسبوع أول الأمر، وأن أول قاصٍّ في الإسلام هو تميم الداري. ومن الطريف أن نعرف أن تميمًا كان نصرانيًّا وأسلم سنة ٩هـ، وكان ذا مكانة دينية عند نصارى نجران، وربما كانت نزعته إلى الترهب والوعظ من بقايا أثر المسيحية فيه، ولذلك فقد سمي: راهب أهل عصره. ولم يكن القاص يؤلف الأخبار التي يستعين بها على وعظ الناس، وإنما كان يستعين بالقصص المتوارثة والأساطير القديمة معتمدًا في أقواله على الترغيب والترهيب. وينشط القاصون ويتقنون فنهم وينجحون في إشاعة جو روحي بين الناس فتعمد الدولة إلى جعل القصاص موظفًا رسميًّا، فإذا انتهت صلاة الصبح جلس القاص -في المسجد على ما مر بنا- ودعا للخليفة وأنصاره، ودعا على أعدائه وذكر بعض المواعظ. على أن الأمر بعد ذلك لم يلبث أن شابه بعض الشوائب حين كان القاص لا يتحرى الأخبار التي يحكيها ويقدمها للناس، فشاع الكذب بين بعض القصاص باستثناء الحسن البصري. وتتسع مهام القاص فيجمع إلى عمله عملًا آخر على جانب آخر من الأهمية وهو القضاء، فقد كان القاضي بعد ذلك قاصًّا رسميًّا. وقد قيل في هذا السبيل إن أول قاص في مصر هو سليمان التجيبي سنة ٣٨هـ جمع القصص إلى القضاء، ثم ما لبث أن تخلى عن القضاء وتفرغ للقصص١. على أن هذا الطريق كان محفوفًا بالمكاره؛ لأن كثيرًا من الأساطير اليهودية والنصرانية أفسدته وشكلت بابًا خطيرًا على جوهر العقيدة الإسلامية حين فتحت الطريق لبعض الغلاة فأنشئوا أحاديث مزيفة ونسبوها إلى الرسول قاصدين منها الترغيب والترهيب. ثم ما لبث فساد القصص أن شكل عاملًا آخر في إفساد التاريخ. والقصاصون من الكثرة بمكان، وقد كان منهم البارعون في سوق أحاديثهم وتنغيمها علوًّا وانخفاضًا، وترديدها إيجازًا وإطنابًا إلى الحد الذي كانوا يتمكنون من خلاله من استدرار دموع التوبة من السامعين، وإبكاء بعض من يعظونهم من الخلفاء حتى تبلل الدموع

стр. 14

لحاهم. لقد كانوا -والحال كذلك- على قدر كبير من البراعة في تقديم ما لديهم من مواعظ ربما استعملوا معها شيئًا من الحركات التمثيلية. وإذا كان تميم الداري هو أول قاص في الإسلام على ما مر بنا، فإن أشهر قاصين هما: وهب بن منبه وكعب الأحبار. ووهب وكعب يعتبران في الوقت نفسه أشهر منبعين للقصص الديني. فأما وهب بن منبه فهو يمني من أبناء الفرس الذين زود بهم كسرى سيف بن ذي يزن حتى يسترد ملكه من نجاشي الحبشة الذي كان قد استولى على اليمن واحتلها. فاستنجد سيف بكسرى، الذي أمده ببضعة آلاف من الجنود استردوا له عرشه، وظل عدد كبير من هؤلاء الجنود يقيم في اليمن.. فكان وهب واحدًا من سلالة هؤلاء الفرس. ويذكر ابن قتيبة أنه رأى لوهب كتابًا ترجم فيه للملوك المتوجين من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم. وكان وهب قبل إسلامه من أهل الكتاب، وكان يقول: سمعت اثنين وتسعين كتابًا كلها أنزلت من السماء، اثنان وسبعون منها في الكنائس وعشرون في أيدي الناس لا يعلمها إلا قليل، وقد نسب إليه صاحب كشف الظنون كتابين هما قصص الأنبياء وقصص الأخبار. ولقد كان وهب واسع الثقافة الدينية من إسلامية وكتابية، وقد ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء صنعاء الذي ولد ومات فيها سنة ١١٤هـ وقيل سنة١٢٠ بعد أن عمر تسعين سنة١. وأما كعب الأحبار واسمه الحقيقي كعب بن ماتع فأصله من اليمن أيضًا وكان يهوديًّا وأسلم في خلافة أبي بكر، وكان كعب الأحبار كثير التنقل، ويعتبر هذا الرجل المعين الأول للإسرائيليات التي تفشت في كثير من الكتب الإسلامية. ولقد تأثر به كل من ابن عباس وأبي هريرة، ويبدو أن كعب الأحبار هذا كان من اللباقة وسرعة البديهة وغزارة المعلومات بحيث استطاع أن يخلب لب غير قليل من أعلام المسلمين الأولين. هذا فضلًا عن جرأة غريبة كانت فيه، فابن سعد يقول إن كعب الأحبار كان يجلس في المسجد وأمامه أسفار التوراة يقرؤها غير متحرج من ذلك٢. وقد روي أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب: إنك ميت بعد ثلاثة أيام، فيقول له عمر: وما أدراك؟ فيقول: أجده في كتاب الله التوراة. فيقول عمر في شيء من

стр. 15

الاستنكار: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ فيقول كعب: اللهم لا، ولكني أجد صفتك وحليتك وأنه قد فني أجلك١. هذا وقد أخذ كثير من علماء المسلمين روايات كعب الأحبار بكثير من الحيطة، بل إن من بينهم من امتنع عن الرواية له مثل ابن قتيبة والنووي، والبعض روى عنه بشيء من التحفظ مثل ابن جرير الطبري، وهناك من نقل عنه قصص الأنبياء مثل الكسائي. ويكنى كعب الأحبار بأبي إسحاق، وهو على إسرائيلياته أخذ عن الصحابة بقدر كبير من الكتاب والسنة، وقد استقر في حمص وتوفي فيها سنة٣٢ هـ عن مائة سنة وأربع سنين٢. هذا والجدير بالذكر أن مجالس القضاء لم تكن تشتمل على الحكاية الدينية وحدها، بل كان في مجالسهم التفسير والحديث والفقه واللغة والجدل الديني، ولعل مجالس الحسن البصري دليل على ذلك، والحسن واحد من أشهر قصاصي المسلمين، وكانت مجالسه في مسجد البصرة بجوار اسطوانته الخاصة به حافلة بكل أنواع المعرفة مليئة بألوان من الجدل العقلي الذي من خلاله انبثقت مدرسة المعتزلة في الإسلام. ولذلك فإن الغزالي حينما أنحى على هؤلاء القصاص باللائمة واعتبر عملهم شيئًا منكرًا لا يليق بحرمة المساجد استثنى من بينهم الحسن البصري الذي كان الغزالي يكن له كل تقدير واحترام. على أن الغزالي برأيه في القصاص لا يجعلنا نغفل قدر عدد من علماء المسلمين الذين كانوا يجعلون من القصص وسيلة لإفشاء علمهم على الناس وترغيبهم فيه وتقريبهم إليه. وكانت هناك حلقات كبرى لكثير من أئمة المسملين وعلمائهم، فهذا عبد الله بن عباس يجلس في الكعبة وحوله عدد كبير من الناس يسألونه فيجيب عن أسئلتهم. وهذا ربيعة الرأي يجلس في مسجد الرسول في حلقة كبيرة من الناس يسألونه فيجيب عن أسئلتهم. وهذا ربيعة الرأي يجلس في مسجد الرسول في حلقة كبيرة من الناس وافرة العدد تجمع بين الصفوة والعامة والصغار والكبار، فالإمام الحسن بن علي يفد إليه مستمعًا فيمن يفد، والإمام مالك يتردد عليه وهو لا يزال صبيًّا يريد أن يغترف من بحر علمه. وفي مسجد الرسول أيضًا يجلس الإمام جعفر الصادق بعد فترة من الزمن واسعة تفصل بين مجلسه ومجلس ربيعة الرأي يفيض على الناس من علمه وفقهه وفضله. وفي مسجد البصرة يجلس الحسن البصري في مجلسه الذي مر ذكره قبل قليل، ذلك

стр. 16

المسجد الذي كانت تتعدد حلقات الدرس فيه. ومهما قيل في حلقات الدرس هذه التي كانت تسمى أحيانا بحلقات القصاص أو مجالسهم، فإنها خرجت عددًا كبيرًا من علماء المسلمين وأئمتهم كما نشطت العقل الإسلامي ودربته على الجدل الذي نشط لمناقشة اليهود والنصارى في محافل عامة، أو مجادلة الفرق الإسلامية بعضها بعضًا. صحيح أنه كان بالقصص على بداية عهد بني أمية مسحة من سياسة، ولكنه في الوقت نفسه ساعد في نطاق المجالس المشار إليها على تنمية العلوم الدينية والعقلية وإنعاشها من تفسير وحديث وفقه، ومن لغة وجدل وبداية لعلم التاريخ تمهيدًا لظهور التأليف عند المسلمين. على أن القصص كان في واقع أمره مرتبطًا بالفكرة الدينية أكثر من استهدافه تسجيل الحقائق التاريخية، ولكن الحاجة إلى معرفة الأمم الماضية -وبخاصة تلك التي فتح الإسلام أراضيها- كانت من الأهمية بالنسبة للحكام ولعامة المسلمين بمكان. وآية ذلك ما روي عن معاوية بن أبي سفيان من أنه كان يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم ينام طرفًا من الليل ولا يلبث أن يستيقظ، فتبسط أمامه الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب ومكايدها، ويقوم بقراءة ذلك عليه غلمان مرتبون لهذا العمل١.

стр. 17

الفصل الثالث: حركة التدوين مدخل ... الفصل الثالث: حركة التدوين إن للتدوين أهميته وخطره، ذلك أن المادة المدونة هي الأساس الذي منه يلتقط المرء صنوف المعرفة يثقف بها نفسه ويروض بها عقله، ثم تختمر فيه لكي تجعل منه بعد ذلك منبعًا معطاء سواء في مجال التصنيف أو في التأليف. ولكن إذا سألنا أنفسنا عما إذا كان هناك تدوين قبل الإسلام في النطاق العربي فماذا يكون الجواب؟ الواقع أن التدوين بالشكل المألوف الذي يؤدي إلى صور المعرفة المتعددة الألوان لم يكن معروفًا قبل الإسلام، باستثناء حالات قليلة لا تنهض لكي تشكل أساسًا يمكن أن ننطلق منه إلى عطاء يؤدي إلى معرفة واسعة. لقد أدت الاكتشافات الأثرية إلى أن الحميريين كانوا يدونون أخبارهم والكثير من حوادثهم على الأحجار بخطهم الخاص بهم، وعلى أطراف الجزيرة العربية عرف أهالي الحيرة الكتابة ولكن بشكل محدود، وفي الحجاز وجد عدد قليل من الناس يعرف الكتابة، وكانت قلة من الشعراء تعرف الكتابة، وكان بعضهم يكتب قصائد وينسقها بنفسه، وفي بعض الروايات أن الرسول "ص" لقي سويد بن الصامت ومعه مجلة لقمان يعني صحيفة كتب فيها حكم لقمان، إلا أن ذلك كله لا ينتهي بنا إلى نتيجة مريحة حول وجود تدوين قبل الإسلام. فوسائل التدوين إن وجدت كانت بدائية.

стр. 18

تدوين القرآن الكريم وتفسيره: ولما أنزل القرآن الكريم لم يكن بد من كتابته، وكان للوحي كتاب كما مر بنا، كانوا قلة من حيث عددهم، وكانوا يكتبون ما قد أنزل من الآيات على الرباع والأضلاع وسعف النخل والحجارة والرقاق البيض.

стр. 19

إنها وسائل بسيطة ابتدائية، ثم كان العمل الجليل الخطير الذي قام به أبو بكر في خلافته، بوصية من عمر، ونعني به جمع القرآن من صدور الحفاظ، ومن الرقاق والأضلاع والرقاع والسعف والحجارة التي كتب عليها، فبدأت عملية التدوين الكبرى الخالدة التي تخطئ قيد أنملة فيما قامت به من مهمة ليس لها مثيل في التاريخ. إن تدوين القرآن الكريم بعد جمعه يعتبر البداية الفعلية الخطيرة لعلم التدوين. والحق أن عملية جمع القرآن كانت من الدقة والعناية والحذق بمكان، ولكن الأمر لم يقف بالقرآن الكريم عند جمعه ولا بالمسلمين عند ذلك الجهد المخلص العظيم، وإنما احتاج المسلمون إلى فهم ما قد يستغلق عليهم فهمه من معاني آياته، فكان لا بد من وجود المفسر. ولما لم يكن كل مسلم صالحًا للتفسير، وإنما هي مؤهلات بعينها ينبغي لمن يتصدى لتفسير الكتاب العزيز أن يتحلى بها، فقد كان على صفوة الصحابة ممن عايشوا الرسول ﷺ أن يقوموا بتلك المهمة كل قدر استعداده. ولم يكن الصحابي يشعر بأي حرج إذا لم يفهم الآية، بل إن عمر العظيم كان في بعض الأحيان إذا استغلق عليه استخلاص حكم من آية، يسأل غيره من الصحابة عن تفسير آية بعينها مثل ما فعله مع عبد الله بن عباس١ فأصبح ذلك تقليدًا في نطاق علم التفسير لا يزال ساري المفعول إلى يومنا هذا وإلى كل يوم في المستقبل. فالذي لا شك فيه أن في الكتاب العزيز آيات كثيرة تحتاج إلى تفسير، فهناك الآيات المحكمات، وفيه أيضًا الآيات المتشابهات، وفيه الآيات التي يحتاج تفسيرها إلى أسباب نزولها، وفيه آيات العبادة والتشريع والمعاملات. وفي الآيات من الألفاظ ما يحتاج فيه إلى معرفة اللغة وإتقان فهمها والإلمام بعلومها، كل ذلك حد من عدد المفسرين بحيث كان عدد الصحابة ممن تصدوا لتفسير الكتاب العزيز من قلة العدد بمكان، وأشهر الذين جلسوا للتفسير علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب. ويمضي جيل الصحابة ويليه جيل التابعين الذين أخذوا عن الصحابة من علوم الدين ما أخذوا وبينها التفسير، ثم يلي ذلك جيل تابعي التابعين، ومع كل جيل تتسع آفاق المعرفة خاصة وأنهم كانوا قد تفرقوا في الأمصار حيث ألوان جديدة من الثقافات، ولكنهم في الوقت نفسه محافظون على ما في صدورهم من علم موروث بالرواية والدراية، وبالجهد المخلص المكتسب، حتى ظهرت التفاسير المكتوبة التي اعتمد المفسرون فيها على مؤهلات المفسر وفي مقدمتها الرواية الموروثة المتسلسلة عن الصحابة والتابعين. وهذا

стр. 20

النوع من التفسير هو التفسير بالمأثور. ولكن اتجاهًا آخر في نطاق التفسير عند جانب من علماء المسلمين وهو التفسير بالرأي، وكان المفسرون الذين اتخذوا هذا النهج طريقًا يعتمدون على عقولهم مع إتقانهم العربية وعلومها والحديث وأحكامه، فضلًا عن عدم الشذوذ عن روح التفسير المأثور. هذا وقد ند عن هذا السبيل بعض من عرضوا للتفسير بغير عدة من روح الكتاب العزيز والسنة واللغة والإلمام بالأحداث المهمة التي تساعد على فهم القرآن مثل ابن جريج والسدي ومقاتل بن سليمان. ولقد تأثر هذا الأخير ببعض الإسرائيليات التي هي بعيدة كل البعد عن المقصد القرآني، هذا وإن عددًا آخر من الذين أثرت عنهم تفاسير لم تصل إلينا لحسن الحظ قد تورطوا فيما تورط فيه مقاتل بن سليمان من تأثر بالآراء اليهودية والنصرانية التي لم تتفق مع المعنى القرآني، ومن بين هؤلاء المفسرين محمد بن إسحاق ووهب بن منبه وكعب الأحبار. على أنه يمكن القول بأن أول من فسر القرآن تفسيرًا أمينًا، هو يحيى بن زياد بن عبد الله ابن منظور المشهور بالفراء، إمام الكوفيين الذي كان يلقب بأمير المؤمنين في النحو والمتوفى سنة ٢٠٧ هـ عن ثلاثة وستين عامًا، وكان المأمون قد اختاره لعلمه وفضله ودينه مؤدبًا لولديه. والتفسير الذي نقصده هو كتاب "معاني القرآن"١ ثم تتابع بعد ذلك المفسرون بمدارسهم العديدة ومناهجهم المتباينة، فكان أشهر مفسري المأثور ابن جرير الطبري وأبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، والقرطبي، وأشهر المفسرين بالرأي مفسرو المعتزلة ويمثلهم الزمخشري، والشيعة ويمثلهم الطبرسي.

стр. 21

تدوين الحديث: كان حديث رسول الله ﷺ ، هو المصدر الثاني للعقيدة الإسلامية بعد القرآن الكريم، وتدوينه أمر من الأهمية بمكان؛ لأنه يمثل الناحية التطبيقية للعقيدة والشريعة، ومن هنا فقد فطن بعض الصحابة إلى ذلك وأخذوا يدونونه من تلقاء أنفسهم، وكان على رأس الصحابة الذين دونوا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يقول: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، وهو في ذلك قد قصد إلى الحفظ قصدًا، أو قصد إلى التسجيل تمهيدًا للرواية عنه كاتبًا أو حافظًا. وكان أبو هريرة المعروف بحفظه لأحاديث رسول الله وروايتها المشهور يشهد لعبد الله

стр. 22

ابن عمرو بن العاص، فيقول: ما أجد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب. ومعنى ذلك أن كبير رواة الحديث على عهد الرسول وبعده وهو عبد الله بن عمرو، ويأتي من بعده أبو هريرة وسائر الصحابة وأهل بيت الرسول. ولما كان الحديث الشريف هو المكمل للأحكام التي لم تأتِ صريحة في القرآن الكريم، ولما كان يمثل الناحية التطبيقية في الدين، فقد كان الاهتمام به وبكتابته أمرًا على جانب كبير من الأهمية، ولكن الرسول ﷺ كان ينهى عن كتابته بل إنه قال ما معناه: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني فلا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، لقد اقتضت حكمة الرسول ﷺ في هذا الحديث أنه لا شيء جدير بالكتابة والتسجيل إلا كتاب الله سبحانه تعزيزًا لقدره وتكريمًا لشأنه، وربما خطر للرسول ﷺ أنه بتدوين أحاديثه ربما وقع بعض الجهلاء في الخلط بين القرآن والحديث، وإن كان ذلك أمرًا بعيدًا كل البعد؛ لأن للصيغة الإلهية في القرآن الكريم بيانها وإعجازها وتميزها الذي لا يمكن أن يجعل هناك شبهة خلط بين القرآن الكتاب الإلهي، والحديث القول النبوي الإنساني، وإن كان ﷺ لا ينطق عن الهوى. لكن بعض الأحكام التي لم تفصل في القرآن الكريم قد أوقعت الصحابة والخلفاء الراشدين في مواقف لم يكن الخروج منها والحكم فيها من اليسر بمكان، فعن الخمر مثلًا تكون صيغة التحريم القرآنية في نطاق الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. وفي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢. أما مقدار التحريم وكيفيته وهل هو تحريم كلي أو تحريم جزئي فإن ذلك لم يرد تفصيلًا في الكتاب العزيز وهناك يلجأ الحكام والفقهاء إلى حديث الرسول ﷺ فيجدون فيه الملجأ والعاصم وفصل الخطاب في الحديث الشريف: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وبذلك يقطع الشك باليقين ويصدر الحكم واضحًا لا لبس فيه ولا غموض. ومثال آخر يتعلق بالمواريث، وآية المواريث في القرآن الكريم من التفضيل بمكان الكتاب العزيز٣: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ... إلى قوله تعالى

стр. 23

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم﴾ ، ولكن جدة تأتي إلى الخليفة أبي بكر وتقول له: إن لي حقًّا في مال حفيد لي. فأجابها أبو بكر: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر ذلك شيئًا، وسأل أبو بكر في ذلك بعض الصحابة، فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله أعطاها السدس، ولكن أبا بكر مع ثقته في المغيرة أراد أن يوثق هذا القول الذي سوف يصير في ما بعد حكمًا ودستورًا، فيسأل المغيرة: ومن سمع لك معك؟ فيشهد معه محمد بن مسلمة، حينئذ أمر أبو بكر بإعطاء المرأة سدس تركة حفيدها١. إن الأحاديث الشريفة إذن من أهمية الجمع والتدوين بمكان، لقد كان عدد من الصحابة يحفظون الحديث ولا يروونه ولكنهم لم يكتبوه امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ ، كان منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأم المؤمنين السيدة عائشة بطبيعة الحال، غير أن أكثرهم حفظًا ورواية كان أبا هريرة الذي روى ما يزيد على خمسة آلاف حديث، ويليه من حيث العدد ما روته أم المؤمنين عائشة التي روت ما يزيد قليلًا على ألفين ومئتي حديث. ولكن عدم تدوين الحديث على عهد رسول الله أو بعد وفاته بقليل أتاح الفرصة لبعض الأفراد والفئات أن تضع أحاديث تخدم بها فكرة أجنبية أو مذهبًا سياسيًّا أو تبتغي من ورائه فسادًا في الدين وتنسبه إلى رسول الله ﷺ ، إن أغلب هؤلاء كان يبغي من وراء وضع الأحاديث الدس على الإسلام، وبعضهم لم يكن حسن إسلامهم، بل كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة، فمن هؤلاء على سبيل المثال عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي كان متهمًا بالمانوية، وكان من الخبث بحيث يخترع للأحاديث التي يزيفها على الرسول أسانيد يغتر بها غير المتفقهين العلماء، وكلها محشوة بالضلالات ملأى بما يناقض جوهر الإسلام، لقد اعترف عبد الكريم هذا عندما أخذ لتضرب عنقه جزاء تزييفه بأنه وضع أربعة آلاف حديث حلل فيها ما شاء وحرم فيها ما شاء٢، وهناك فئة أخرى من واضعي الأحاديث التي تحض على العبادات وفعل الخير وتنهى عن المنكر وفعل الشر، وقد ظنوا بذلك أنهم يقدمون للدين والأخلاق قيمًا ومعايير، وأنهم يضعون الناس على طريق الصواب. وهؤلاء وإن كان خطرهم لا يساوي خطر سابقيهم إلا أنهم -مهما كان غرضهم نبيلًا- مزيفون كاذبون. وهناك أيضًا الفرق السياسية التي خاصم بعضها بعضًا كبعض الأمويين وبعض الشيعة، وكلها أحاديث لا يليق بأصحابها -مهما كانت الدوافع التي تراودهم من وراء كتابتها- أن

стр. 24

ينسبوها إلى الرسول الكريم، خاصة وأن الكثير منها يتصل بجوهر العقيدة ونقائها١. لقد كان الخليفة عمر بن الخطاب عزم على جمع الحديث الشريف وحسن له الفكرة بعض الصحابة، ولكنه في ضوء حديث رسول الله ﷺ الذي نهى فيه عن كتابة أحاديثه أخذ يترتب شيئًا فشيئًا إلى أن هداه قلبه إلى الإقلاع عنها قائلا: إني كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا ناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبًا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء٢. وإن الفكرة نفسها راودت الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز وكتب إلى الأمصار أن ينظروا إلى حديث رسول الله فيجمعوه، ولكن توجيهاته في هذا الشأن لم تنفذ. ربما لتردد القادرين على الجمع في قبولها أو لأن المنية عاجلت الخليفة فلم يتم مشروعه. على أن مشروع جمع الحديث الشريف لا يلبث أن يصبح حقيقة واقعة حين يقوم محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري المتوفى سنة١٢٤هـ بأول محاولة لتدوين الحديث٣. وقد كان أهلًا لذلك فقد كان يحفظ ألفين ومائتي حديث، وكان عمرو بن دينار ينكر فضله أول الأمر فلما أن رآه، قال: والله ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي قط٤. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه. ولقد صدق عمر بن عبد العزيز، فإن أكثر من إمام جليل قد روى عن ابن شهاب الزهري، مثل مالك وسفيان الثوري. ثم تأخذ فكرة جمع حديث رسول الله ﷺ شكلها النهائي حين يرى المسلمون أن المصدر الثاني للتشريع واجب الجمع مهما كانت العقبات التي تعترض طريقه، فيتوفر الإمام الجليل مالك بن أنس ٩٣ - ١٧٩هـ على جمعه في كتابه "الموطأ" في المدينة، ويقدم على الجهد نفسه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج في مكة ١٥٠ هـ، وعبد الرحمن الأوزاعي في الشام ١٨٣هـ، وسفيان الثوري في الكوفة ١٦١هـ، وحماد بن سلمة بن دينار في البصرة ١٧٦ هـ. إن كل هذه الجهود تتم في القرن الثاني للهجرة وإن كان الرجال موزعين في الأمصار متفرقين في الأقطار، حسبما رأينا، غير أنهم عاشوا في الفترة الزمنية نفسها وعاصر بعضهم بعضًا. وفي الثلث الأخير من القرن الثاني حتى العام الأربعين من القرن الثالث ٢٤١، عاش

стр. 25

الإمام أحمد بن حنبل الذي توفر طوال حياته على جمع الحديث الشريف فصنف كتابه الشهير المسند يضم حوالي ثلاثين ألف حديث، انتقاها من سبعمائة وخمسين ألف حديث، أثبت ما صح له منها، وحجب ما لم يثق في نسبته إلى رسول الله١. ثم يلمع في أفق المتوفرين على جمع الحديث الشريف الإمامان الجليلان: محمد بن إسماعيل البخاري١٩٤-٢٥٦هـ ومسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري٢٠٤-٢٦١هـ، عاش الأول في بخارى ومات بالقرب من سمرقند في مشرق الوطن الإسلامي الذي يعيش في عصرنا هذا تحت الحكم الروسي، وعاش الثاني في نيسابور في إيران وتوفي في إحدى ضواحيها. وكلاهما صاحب "صحيح الحديث" الذي يحمل اسمه، وهما أكثر كتب الأحاديث النبوية الشريفة ثقة عند جمهرة المسلمين. وتتسع دائرة جمع الأحاديث وتحقيقها فتظهر كتب أخرى أربعة كبيرة في السنن هي: سنن محمد بن يزيد بن ماجه المتوفى ٢٧٣هـ، وسنن أبي داود السجستاني المتوفى ٢٧٥هـ وسنن أبي عيسى محمد الترمذي ٢٨٧هـ، وسنن أحمد بن علي النسائي المتوفى ٣٠٣ هـ. وهذه الكتب الأخيرة ابتداء من صحيح البخاري وانتهاء بسنن النسائي لها في قلوب جمهرة المسلمين ثقة مطلقة واحترام كبير بحيث أطلق عليها تسمية تجمعها بعنوان الكتب الستة، هذا وإن جمع الحديث وتحقيقه وتنقيته من المدسوس أو المردود أو المدلس أو الضعيف أمر من المشقة والجهد بمكان، فكل رجال الحديث طوفوا البلدان الإسلامية طلبًا للاستماع إلى الثقات من الحفاظ. فالإمام أحمد يقول في مقدمة المسند: إن هذا الكتاب قد جمعته من سبعمائة وخمسين ألف حديث فيما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ ، فإن كان فيه وإلا ليس بحجة، وكان الإمام أحمد يشد الرحال إلى البلد النائي البعيد ليسمع حديثين أو ثلاثة. والإمام البخاري انتقى الأحاديث التي ضمها الصحيح وقدرها سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون من حوالي ثلاثمائة ألف حديث جمعها أثناء تطوافه في البلدان الإسلامية، فزار خراسان، والعراق، ومصر، والشام، وسمع من نحو ألف شيخ٢، وليس من شك في أنه انتفع كثيرًا من جهد الإمام أحمد بن حنبل في المسند. وقد لاحظ ابن خلدون في دراسته لصحيح البخاري أن عددًا كبيرًا من الأحاديث قد تكرر فيه، وعلل ذلك بأن الإمام البخاري خرج الأحاديث يسوقها في كل باب بمعنى ذلك.

стр. 26

الباب الذي تضمنه الحديث، مثل باب الوضوء، باب الصلاة: وهكذا جاء التكرار الذي وصل إلى نحو ثلاثة آلاف حديث١. ولقد قام مسلم بن الحجاج بجهد مماثل لذلك الذي قام به البخاري، فإن مسلمًا تتلمذ على الإمام ابن حنبل وانتفع منه تمامًا كما فعل البخاري. هذا وقد التقى العالمان الجليلان في نيسابور حين زيارة البخاري لها، وكان مسلم يناضل عن البخاري ويقف إلى جانبه ويحامي عنه عندما تعرض هذا الأخير لمحنة إبان إقامته في نيسابور، وأما الرحلات في سبيل جمع الحديث فقد زار مسلم بغداد أكثر من مرة وطوف في العراق، والشام ومصر والحجاز، وجمع ثلاثمائة ألف حديث سجل منها اثني عشر ألفًا فقط في مجهود استمر خمس عشرة سنة. لقد اهتم المسلمون بتدوين الحديث اهتمامًا شديدًا، نكاد لا نقرأ سيرة لمحدث إلا ونجدها مقرونة برحلات عديدة حين يأخذ الثقات من الرواة بعضهم عن بعض، وإذا تأكد لأحد العلماء في بلد ما أن عالمًا في بلد آخر ناء يحفظ حديثًا صحيحًا سارع فشد الرحال إليه، مهما طالت المسافة، وبعدت الشقة لكي يسمعه منه. هذا الاهتمام بالحديث الشريف لم يقف عند حد الرحلة والرواية وحسب، بل إنه تعدى ذلك إلى وضع معايير ورتب للمحدثين والأحاديث، فهذا راوية ثقة وذاك غير ثقة والآخر مدلس والرابع وضاع وهكذا، ولقد كان لرجال الحديث مقدرة فائقة بمعرفة أقدار الرجال ومدى صدق روايتهم بحيث جعلوا منهم طبقات يفضل بعضها بعضًا. كان للرواية قوانين وأصول علمية صحيحة بدأت في أول العهد بها سهلة ولكنها كانت في واقع الأمر من الدقة والمنطق بمكان. كان هناك أولًا التثبت من الرواية عند أخذها وعند أدائها، وهذا خبر الجدة التي ذهبت إلى أبي بكر تطلب ميراثًا من حفيد لها كان الرسول ﷺ قد حكم لها به -وقد مر الخبر قبل قليل- فيطلب منها أبو بكر شاهدًا على ذلك، فيتقدم للشهادة بصحة الخبر المغيرة بن شعبة، ولكن أبا بكر يريد أن يثبت مع عدم شكه في المغيرة ويطلب شاهدًا آخر، فيتقدم محمد بن سلمة للشهادة بتأييد الخبر وتأكيده. وكان الإمام علي بن أبي طالب شديد التحري في الأخذ بالأحاديث التي لم يكن سمعها من الرسول ﷺ ، بحيث إنه كان يستحلف من يحدثه بالحديث٢.

стр. 27

إن هذا الذي جرى من أبي بكر وعلي هو ما يسمى بالتثبت في الرواية عند أخذها أو عند أدائها. ومن مناهج استخلاص صحيح الحديث من سقيمه ما أطلق عليه نقد المرويات وذلك بعرض الحديث على نصوص الدين وقواعده، فإن وجد مخالفًا لشيء منها رد الحديث ولم يعمل به. فمن ذلك أن أم المؤمنين عائشة سمعت حديث عمر وابنه عبد الله أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله أن الله يعذب المؤمنين ببكاء أحد، ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١. وإذا ما حدث شك في حديث بعينه وبخاصة عندما كثر الوضع والتدليس في الأحاديث، أخذ المسلمون الأوائل يحتاطون لذلك بوسائل دقيقة منطقية عقلية، منها، على سبيل المثال، أن يعتني المحدث بالبحث في إسناد الحديث وفحص أحوال الرواة والتدقيق في ذلك بعد أن كان الأمر قبل ذلك يعتمد على الترجيح، ومنها الرحلة في طلب الحديث بهدف سماعه من الراوي الأصلي والتثبت منه مهما كانت مشقة الرحلة. وقد سلف القول: إن كل المحدثين كبارًا وصغارًا ارتحلوا في سبيل جمع الحديث ومنها معرفة ما إذا كان الحديث ضعيفًا أو موضوعًا وذلك بعرض حديث الراوي على رواية غيره من أهل الحفظ والإتقان، فحيث لم يجدوا له موافقًا على حديثه أو كان الأغلب في أحاديثه على نحو من المطابقة ردوا أحاديثه وتركوها. وهكذا لم يكد ينقضي القرن الأول إلا وقد أصبحت للحديث وجمعه وتمييزه بعض الأصول وعرف منه الحديث المرفوع، والحديث الموقوف، والحديث المتصل، والحديث المرسل٢. ويمضي علم الحديث أو علم مصطلح الحديث في النمو والازدهار والدقة والمنهجية بحيث لا يكاد القرن الثالث ينخرط في سلك عقود الزمان حتى تكون مجموعات كتب الحديث نصًّا، وعلومه مصطلحًا، قد توفرت أمام محبي علم الحديث الشريف، وقد وضع لها رجاله من أصول المناهج ما لم يسبقوا به في تاريخ العلوم عند أمة من الأمم السابقة ولا غيرها من الأمم اللاحقة، الأمر الذي أذهل أساتذة المنهج في الغرب الأوروبي الذين لم تخل صفوفهم من متحيز أو متحامل، الأمر الذي دفع بهذا الفريق الأخير حين لم يجد مأخذًا على منهج الرواية إلا أن يتهموا رجال الحديث -ظلمًا وجهلًا- بأن اهتمامهم

стр. 28

انصب على المنهج والرواية دون المتن والنص، وهم في ذلك أيضًا إما متحاملون وإما جاهلون، حال عجزهم عن فهم النصوص ومتابعتها بينهم وبين أن يصدروا أحكامًا سليمة تتمشى مع طبيعة أرقى منهج علمي لتوثيق رواية بعينها عند أمة من الأمم حتى يومنا هذا. لقد كان علماء الحديث من الحذق والذكاء والعبقرية وسعة المعرفة وعمق الإدراك بحيث قسموا الأحاديث من جهة قوتها وضعفها بعد دراستها دراسة واعية إلى مراتب عديدة، لكل مرتبة صفتها وتعريفها وأمثلتها، فمن هذه الرتب: الصحيح، الحسن، الضعيف، المسند، المتصل، المرفوع، الموقوف المقطوع، المرسل، المنقطع، المعضل، المدلس، المعلل، المضطرب، المدرج، الموضوع، المقلوب، المشهور، الغريب، والعزيز، المسلسل، الناسخ والمنسوخ، المصحف، المختلف، المؤتلف والمختلف، المتفق والمفترق وغير ذلك من الرتب التي توسع في التعريف بها وأكثر من التمثل لها رجال مصطلح الحديث١. ومن دراسة مراتب الحديث نفسه ينتقل علماء الحديث إلى دراسة رواية الحديث، فيذكرون صفة من تقبيل روايته، معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وسائر وجوه الأخذ والتحمل، معرفة كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده، معرفة كيفية رواية الحديث وشرط أدائه وما يتعلق بذلك، معرفة آداب المحدث، معرفة أداب طالب الحديث، معرفة الإسناد العالي والنازل. ومن دراسة الرواية يتسلسل منهج أساتذة الحديث إلى تناول المحدثين أنفسهم ورتبهم وأجناسهم وصلاتهم بعضهم ببعض، وطبقاتهم وأوطانهم وأعمارهم على هذا النحو الممتع من المنهج: معرفة الصحابة ﵃، معرفة التابعين ﵃، معرفة الأكابر من الرواة عن الأصاغر، معرفة الأخوة والأخوات من العلماء والرواة، معرفة رواية الآباء عن الأبناء معرفة رواية الأبناء عن الآباء، معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان متقدم ومتأخر تباعد ما بين وفاتيهما، معرفة من لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، معرفة من ذكر بأسماء مختلفة أو نعوت متعددة، معرفة المفردات من أسماء الصحابة والرواة والعلماء، معرفة الأسماء والكنى، معرفة كنى المعروفين بالأسماء دون الكنى، معرفة ألقاب المحدثين، معرفة الثقات والضعاف من الرواة، معرفة من خلط في آخر عمره من الثقات، معرفة طبقات الرواة والعلماء، معرفة الموالي من الرواة والعلماء، معرفة أوطان الرواة وبلدانهم. هكذا يتناول رجال الحديث موضوعهم في نطاق هذا المنهج الدقيق الذي يذهل

стр. 29

القارئ تفاصيله الدقيقة التي تدل على عبقرية القوم وبعد نظرهم وبسطة إدراكهم لمهمة العالم المحقق المدقق الذي يعرف طريقه بدقة وحصافة ومقدرة، الأمر الذي جعلهم أساتذة المنهج العلمي في التأليف العربي والتأليف الغربي١.

стр. 30

تدوين العلوم والمعارف: إن كثيرًا من النصوص والأخبار تدل على أن التدوين بدأ في وقت أكثر تبكيرًا مما يظن كثير من الدارسين، وأنه يمكن أن يكون قد بدأ في عهد معاوية بن أبي سفيان، فقد مر أن معاوية استحضر من اليمن عبيد بن شربة الجرهمي إلى دمشق وسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وأمر افتراق الناس في البلاد، إلى غير ذلك مما عن لمعاوية من أسئلة، فكان عبيد يجيبه إجابات مستفيضة مفيدة مما جعل معاوية يأمر بهذه المعلومات أن تدون وأن تنسب إلى مدونها عبيد بن شريه١. والقضية بهذا الشكل تفيد أن الخلفاء الأول كانوا حريصين على تتبع أشكال من الثقافات غير الدينية وكانوا أيضًا حريصين على تدوينها محافظة عليها من أن تضيع بموت صاحبها، وكي ينتفع الناس بها مقروءة لا مروية. هذا من ناحية، وأما الناحية الأخرى فتكمن في ما يسمى في زماننا بحق التأليف، فقد حرص معاوية على أن يحفظ لعبيد حقه الأدبي بنسبة المدونة إليه وحملها اسمه، وهو معنى راقٍ يدل على وعي مبكر بقدر العلماء ورواة الأخبار. هذا وقد عاش عبيد بن شرية طويلًا؛ لأنه أدرك النبي وإن لم يسمع منه، ومات في زمان عبد الملك بن مروان، وينسب إليه كتابان هما "كتاب الأمثال" و"كتاب أخبار الملوك الماضين". ومعنى ذلك أن التدوين العام القريب من التأليف بدأ منذ منتصف القرن الأول الهجري. وفي الفترة نفسها عاش صحار العبدي الخارجي المحدث النسابة الخطيب، وإليه ينسب واحد من كتب الأمثال بعنوان كتاب الأمثال. كما أنه فيما يذكر ابن النديم روى عن النبي ﷺ حديثين أو ثلاثة٢. ويذكر صاحب الفهرست قصة محمد بن الحسين الذي كان هاويًا لجمع الكتب ويقول

стр. 31

إنه زاره في مدينة الحديثة في أواخر القرن الرابع أو أوائل الخامس؛ لأن ابن النديم توفي بعد سنة الأربعمائة الهجرية غير أنه لا يهمنا من ابن النديم أو صاحبه محمد بن الحسين شيء إلا ما كان عند محمد بن الحسين هذا من أوراق مجموعة في خزانة شملت قطعًا من الكتب القديمة وأبوابًا من النحو واللغة والأدب. يقول ابن النديم: إنه لقي محمدًا هذا على دفعات وكان نفورًا بما عنده، خائفًا من بني حمدان، ويستطرد ابن النديم، فيقول: أخرج لي قمطرًا كبيرًا فيه نحو ثلاثمائة رطل من جلود وصكاك وقراطيس وورق صيني وورق تهامي وجلود أدم فيها تعليقات عن العرب وقصائد مفردات من أشعارهم وشيء من النحو والأخبار والحكايات والأسماء والأنساب، ولكنها كانت خلقة، أي بالية، وكان على كل ورقة مدرج توقيع بخطوط العلماء واحدًا إثر واحد. ويمضي ابن النديم قائلًا: ورأيت في جملتها مصحفًا بخط خالد بن أبي الهياج صاحب علي، ورأيت فيها بخط الإمامين الحسن والحسين، ورأيت عنده أمانات وعهودًا بخط أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وبخط غيره من كتاب النبي ﷺ ، ومن خطوط علماء النحو واللغة أمثال أبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشيباني. ويستطرد ابن النديم قائلًا إنه رأى معلومات في النحو عن أبي الأسود الدؤلي مكتوبة بخط يحيى بن يعمر، وأشياء أخرى مكتوبة بخط النضر بن شميل١. كل هذه وثائق تدل على بكور التدوين والتصنيف، فإذا صح الخير الذي يقول إن كعب الأحبار الذي مر ذكره والمتوفى سنة ٣٤هـ قد ترك كتابًا في تاريخ الإسكندر، كان أمر التأليف فضلًا عن التصنيف والتدوين بدأ مبكرًا كل التبكير. هذا وقد سبق القول قبل قليل أن وهب بن منبه قد صنف كتابًا في تاريخ المتوجين من ملوك حمير. إن كل هذه التصنيفات قد تمت في عهد الصحابة الذي يندرج تحته العهد الأموي المبكر، فإذا دلفنا إلى صميم العصر الأموي توالت علينا الأخبار التي تحمل في ثناياها ما يفيد تصنيف الكثير من الكتب التي كان الخاصة من الناس يقرءونها ويقتنونها في بيوتهم وخزائنهم. فهذا هشام بن عروة بن الزبير بن العوام يذكر أن أباه عروة بن الزبير، وهو من الطبقة العليا من التابعين، أحرق يوم الحرة كتب فقه كانت له -أي من تأليفه- ثم حزن عليها وظل يردد بعدها: لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي. وعروة هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وكان عالمًا بالدين صالحًا كريمًا، وهو أخ

стр. 32

شقيق لعبد الله بن الزبير الذي أنشأ حكومة قرشية في الحجاز وخضعت له العراق تحت قيادة أخيه مصعب، ولكن لم يكتب لها النجاح، ولقد عاش عروة بين سنتي ٢٢-٩٣هـ. ولا ينبغي أن يذهب بنا الظن إلى أن جميع الكتب صنفت في علوم الدين أو علوم العربية والأخبار وحسب، فقد روي أن خالد بن يزيد بن معاوية كتب أكثر من كتاب في الكيمياء والعلوم المعملية ذكر منها ابن النديم: كتاب الحرارات، وكتاب وصيته لابنه في الصنعة، وكتاب الصحيفة الكبير، وكتاب الصحيفة الصغير، هذا فضلًا عن ديوان شعر كبير١. وذكر أيضًا أن زياد بن أبيه قد ألف كتابًا في الأنساب طعن فيه على العرب أنسابهم لما لقيه من عنت منهم بسبب مولده من سفاح٢، وإن كنا نستبعد مثل ذلك على زياد.. فقد كان من الحصافة ورجاحة الرأي بحيث يتردد في الإقدام على مثل هذا العمل. وليس هناك ثمة شك في أن كتبًا كثيرة وفيرة قد ألفت أو صنفت في هذه الفترة الباكرة من زمن الأمويين، ولقد أغرم بها بعض من أحبوا المعرفة وأقبلوا عليها وتفرغوا لها، فهذا ابن شهاب الزهري كان يجلس في بيته ويحيط نفسه بالكتب يضعها حوله. ولا شك في أن بعض هذه الكتب كان له ومن تصنيفه والبعض الآخر لغيره من المصنفين، فهو تابعي من أكابر الرواة الحفاظ الفقهاء، وكان يحفظ ألفين ومائتي حديث نصفها مسند، وكان الزهري يطوف في البلدان ومعه ألواح وصحف يكتب عليها كل ما يسمع، وكان حجة في السنة والحديث حتى إن عمر بن عبد العزيز، قال في شأنه: عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه. ولقد شغل الزهري بكتبه عما سواها حتى كادت تسبب له مشاكل بينه وبين زوجته التي كانت كلما رأته مشغولًا بالقراءة عنها، تقول: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر٣. هذا وكان لدى الوليد بن يزيد في خزائنه كميات كبيرة من الكتب، بحيث إنه لما قتل حملت كلها لكثرتها على الدواب وكلها فيما يروي ابن سعد من علم الزهري. ومن مؤلفي الكتب وجامعيها، أو بلغة العصر أصحاب المكتبات الخاصة أبو عمرو بن العلاء -واسمه الحقيقي زبان بن عمار- كانت كتبه التي كتبها عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتًا إلى قرابة سقفه، ثم تنسك فأحرقها، فلما رجع عن تنسكه لم يكن عنده من العلوم

стр. 33

إلا ما وعاه في قلبه، هذا ومما هو جدير بالذكر أن أبا عمرو عاش بين سنتي ٧٠-١٥٤هـ. وتتسع الدائرة التي توضح الصورة لنا أكثر وأكثر في نطاق التأليف عندما يروي الأصبهاني أن هناك من أنشأ مكتبة عامة، وأنه قصر قراءها على خاصته ووفر لهم الأوراق والأقلام حتى يتيسر لهم النفع والفائدة، أو بعبارة أدق كان هناك من جعل من بيته ناديًا في العصر الأموي، اشتمل على وسائل الترفيه من شطرنج ونرد، وجعل من جملة وسائل الترفيه الذهني دفاتر من كل علم، أي من علوم دينية وأخرى دنيوية، وتيسيرًا لمهمة القراء والقصاد جعل في الجدار أوتادًا فمن جاء زائرًا أو قارئًا علق ثيابه على وتد منها، ثم جرد دفترًا فقرأه أو نهض إلى بعض ما يلعب به فلعب به. إن صاحب هذا المنتدى وهذه المكتبة هو عبد الحكيم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الذي عاش في عصر بني أمية١. وهكذا يمكن أن نقرر أن التدوين والتصنيف لم يبدأ في العصر العباسي حسبما ظن الدارسين الذين بزعمهم هذا يجعلون قضية الثقافة والتأليف تبدو وكأنها فرع من الثقافة الفارسية وليست العربية، وإنما بدأ التدوين منذ العهد الإسلامي الباكر، وهذه الأخبار التي أوردنا يمكن أن تشكل الأسباب الواقعية لذلك، غير أنه على عهد العباسيين كانت موجة التأليف قد تضخمت، ودائرته قد اتسعت، وأصوله قد تفرعت، وفروعه قد أثمرت، وهذه سنة النشوء يبدأ الشيء صغيرًا ثم يتدرج مع الأيام نموًّا، وكلما مرت الأيام كانت خطوات التقدم أوسع من ذي قبل، هذا ولا شك أن عامل الضياع الذي تعرضت له الكتب العربية ومن بينها الكتب التي صنفت في العصر الباكر قد جعلت الصورة غير واضحة المعالم عند من يهملون ربط الأحداث التاريخية ولا يأخذون ظاهرة تدرج النمو الثقافي وتداخله عند الأمم مأخذ العناية والالتفات عندما يعرضون لقضايا البحوث الثقافية والحضارية. وهناك كلمة حق يجب أن تقال، وهي أنه لا العرب ولا الفرس أصحاب فضل في التدوين ثم التأليف وإنما الفضل يكمن في العقيدة الجديدة التي حضت الجميع على العلم ودفعت بهم إلى المعرفة فكان التصنيف، ثم التأليف ثمرتين لهذه المعرفة، وكان مر أن الدقة وسلامة المنهج وسمات التأني وعلامات التثبت كلها نابعة من التجربة الرائدة التي قام بها علماء الحديث على مدى أعوام موصولة متتابعة في حلقة عقود متلاحقة من السنين في نطاق قرون مرتبطة من الزمان.

стр. 34

الباب الثاني: الكتابة والإنشاء الفصل الأول: الكتابة بدأت عربية دون تأثير فارسي مدخل ... الباب الثاني: الكتابة والإنشاء: الفصل الأول: الكتابة بدأت عربية دون تأثير فارسي تمهيد: لا يكاد يقترب القرن الأول الهجري من نهايته حتى يكون التفاعل الفكري بين الشعوب الإسلامية قد آتى ثماره نتيجة لاندماج الثقافات والقيام ببعض الترجمات من هندية وفارسية ويونانية، ونتيجة أيضًا لاتساع آفاق العلوم الإسلامية نفسها التي سارت في خدمة العقيدة والثقافة الدينية من حديث وفقه وعلم كلام وتفسير ولغة ونحو وصرف وأدب وتاريخ وغير ذلك، بحيث يمكن القول بأنه قد تشكل ما يمكن أن نسميه بالعقل الإسلامي الذي حفظ وتعلم ووعى واكتسب، ثم أعطى بوفرة وسخاء ومنح فوفى في العطاء. لقد تصور حاجي خليفة صاحب كشف الظنون التأليف على أنه يجري على سبعة أقسام لا يؤلف عالم إلا فيها وهي: إما شيء لم يسبق فيخترعه، أو شيء ناقص يتمه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصححه. هذا هو منهج التأليف كما يتصوره رجل حصر مهمته طوال عمره في نطاق الكتاب العربي يحصيه ويعرف به على صعوبة هذه المهمة واحتياجها إلى عمرين فضلًا عن عمر واحدًا، وهو في تعريفه هذا رغم بساطته أقرب إلى الصحة وأدنى إلى الصواب. على أن هناك قبل التأليف مرحلة أساسية لا بد أن يمر بها المؤلف قبل أن يقدم على عملية التأليف: إنها مرحلة الكتابة والإنشاء، فالإنشاء هو عملية بناء الجملة التي تحسن تصوير الفكرة، والفكرة بدورها لبنة من لبنات الكتاب المؤلف. لقد كان لابد للعقل العربي قبل أن يقدم على التأليف أن يملك وسيلة التأليف وهي الكتابة، ذلك أن العرب كما هو معروف لم تكن أمة كاتبة، بل كانت الأمية تشيع بينهم. والذين كانوا يعرفون الكتابة -ولا نقول: يحسنونها- لم يكن عددهم يزيد في كل من مكة

стр. 35

والمدينة على عدد أصابع اليدين، وحتى هؤلاء لم تكن قدراتهم تزيد على الكتابة التدوينية، أما الكتابة الأصيلة التي يحتاج إليها المؤلف فهي الكتابة الإنشائية التي تحتضن الفكرة وتحسن التعبير عنها وتسطرها في أسلوب مبسط يمكن القارئ من التقاطها واستيعابها. وإذن فهناك مرحلة أساسية ضرورية سابقة لمرحلة التأليف، وهي مرحلة الكتابة الإنشائية التي تلتقط الفكرة وتحسن التعبير عنها وتقدمها مهضومة سائغة للقارئين وطالبي المعرفة. إن كتب الأدب والأخبار تذكر لنا سالمًا مولى هشام بن عبد الملك على أنه رائد الكتابة العربية، وقد يكون هذا الخبر من الصحة بمكان، غير أن أثرًا واحدًا لسالم هذا لم يصل إلينا حتى نحكم له أو عليه، ومن ثم كان علينا أن نعتمد على ما بين أيدينا من نصوص كتابية نعتبرها نصوصًا رائدة في فن الكتابة العربية نستطيع من خلالها أن نتتبع تطور الكتابة العربية التي هي أداة فن التأليف في المكتبة العربية الإسلامية. ويحضرنا في هذا السبيل عدد من الكتاب الرواد بعضهم عرب خلص والبعض الآخر من الفرس المستعربين.

стр. 36

يحيى بن يعمر العدواني: فأما الأول فهو يحيى بن يعمر العدواني من قيس عيلان، كانا كاتبًا ليزيد بن المهلب بن أبي صفرة، كما كان قاضيًا لخراسان على عهد قتيبة بن مسلم الباهلي، غير أننا لا نهتم في هذا المجال بيحيى القاضي وإنما الذي يهمنا هو يحيى الكاتب، لقد كتب يحيى على لسان يزيد بن المهلب إلى الحجاج هذه الرسالة يبلغه فيها بنصر يزيد على أعداء الدولة، فقال: "إنا قابلنا العدو فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة الجبل وبات العدو بحضيضه"١. لقد كانت هناك كتابة بمعناها الحقيقي، وهي كتابة مبكرة؛ لأن يحيى بن يعمر واحد من التابعين، وشهد بعض الصحابة ودرس عليهم وروى عنهم. فقد لقي عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وقد كان يتسلح بما يتسلح به الكتاب الذين تتلمذوا على عبد الحميد وإن كان يحيى بن يعمر أسبق كتابة وزمانًا من عبد الحميد، ولم يكن يحيى مجرد كاتب أو قاضٍ

стр. 37

ولكنه بالإضافة إلى ذلك كان عالمًا بالقراءة والحديث، والفقه، والعربية، ولغات العرب، بل إنه واحد من أساتذة أبي الأسود الدؤلي صاحب علم النحو١. قد يبدو هذا الضرب من الكتابة وعر الأسلوب بمقياس زمماننا، ولكنه في حقيقته كان يعتبر مثلًا أعلى للفصاحة على زمانه، فإن هذه الصياغة قد استوقفت الحجاج وجعلته بيدي إعجابه وتعجبه في وقت واحد ظانًّا أن هذا الأسلوب من الإنشاء هو أسلوب يزيد بن المهلب، وقال: ما لابن المهلب وهذا الكلام فقيل له: إن يحيى بن يعمر عنده، فقال: ذاك إذن، يعني لقد زال العجب. واستطرادًا للحديث عن يحيى بن يعمر، نذكر أن الحجاج لما أعجب به أو بالأحرى برسالته أمر بأن يحمل إليه، فلما أتاه، قال له: أين ولدت؟ قال بالأهواز، قال: فأنى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي وجرى بينه وبين الحجاج أكثر من حوار، وكان الحجاج -فيما نعلم جميعًا- خطيبًا بليغًا فصيحًا ذا منطق وإبانة لا يشق له غبار، حتى إن أبا عمرو بن العلاء قال في شأنه: ما رأيت أحدًا أفصح من الحسن البصري والحجاج. سأل الحجاج يحيى ذات يوم قائلًا: أتجدني ألحن؟ فقال مجاملًا: الأمير أفصح من ذلك، فقال الحجاج مؤكدًا: عزمت عليك، أتجدني ألحن؟ فقال يحيى: نعم. فقال له في أي شيء فقال: في كتاب الله تعالى. فقال: ذلك أسوأ، ففي أي حرف من كتاب الله؟ قال: قرأت: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ فرفعت "أحب" وهو منصوب، فغضب الحجاج وكان من عنف الغضب ما نعلم، وقال: لا تساكنني في بلد أنا فيه، ونفاه إلى خراسان. فإذا كان الحجاج قد ملك عشرين سنة ومات سنة ٩٥هـ وإذا كان يزيد بن المهلب قد ولي إمرة خراسان ست سنوات ٨٣-٨٩هـ فإن يحيى بن يعمر يكون قد مارس الكتابة في العقد التاسع من القرن الأول الهجري، أي قبل أن يمارسها، أو بعبارة أخرى، قبل أن يستوي على عرشها عبد الحميد بن يحيى المعروف بعبد الحميد الكاتب بما يقارب ثلث قرن من الزمان أو أكثر قليلًا، ولا يقلل من هذه الحقيقة أن يحيى بن يعمر مات سنة ١٢٩ هـ وعبد الحميد قتل سنة ١٣٢هـ ذلك أن الأول كان شيخًا كبيرًا حين كان الثاني في فتوة الشباب.

стр. 38

عبد الله الطالبي: هذا ما كان من أمر كتابة يحيى بن يعمر، وهي في تقديرنا -إن كنا على جانب السلامة من الاستنتاج- أول كتابة فنية مستكملة أسباب البلاغة والبيان بمقياس عصرها، فقد كان الإيجاز آنذاك آية البيان وعنوان البلاغة، على أن قضية زمام الكتابة العربية التي هي أداة التعبير السليم عما يخالج العقل العربي في مرحلة تطوره الثقافي لم تنتقل فجأة وبغير تدرج حتى وصلت إلى سالم ثم عبد الحميد، فليس الأمر والحال كذلك على جانب من الصواب، وإنما انتقلت الكتابة من أنامل عربية خالصة ممثلة في يحيى بن يعمر العدواني القيسي والحجاج بن يوسف الثقفي، وقطري بن الفجاءة المازني إلى أنامل عربية قرشية هاشمية، ونعني بذلك عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. لقد طلب عبد الله الخلافة ونصب نفسه خليفة بالكوفة سنة ١٢٧هـ ثم انتقل إلى المدائن، واستولى على الجبال وهمذان وأصبهان والري واستفحل أمره وجبى الخراج وقصده بعض بني هاشم، مثل أبي جعفر المنصور الذي صار من أشهر ملوك العباسيين بعد ذلك بست سنوات أو سبع. لقد كان عبد الله الطالبي هذا واحدًا من الرواد الذين روضوا الكتابة من مرحلة التقعر إلى منهج البساطة، وطورها من صورة التوعر إلى أسلوب السهولة، وهو في ذلك يشكل مرحلة بين المرحلتين، مرحلة يحيى بن يعمر ومن سار على دربه، ومرحلة عبد الحميد ومدرسته، فلننظر في هذه الرسالة الباكرة التي كتبت بكل تأكيد قبل عبد الحميد، يقول عبد الله١: "أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، ابتدأتني بلطف عن غير خبرة. ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أولك في إخائك، وأيأسني آخرك من وفاتك. فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحًا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة، فسبحان من لا يشاء الكشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة فيك، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا على اختلاف. والسلام١. أرأيت كيف تطورت الكتابة بسرعة وفي ظرف حوالي ثلاثين سنة هذا التطور السريع البديع، من عربي لعربي، ولم يدخل إلى الساحة حتى الآن من واقع النصوص فارسي واحد؛ لأن سالم مولى هشام بن عبد الملك الذي قيل عنه إنه الإمام الحقيقي لمدرسة الكتابة العربية لم يظهر له أثر واحد، ومن المقطوع به أن عبد الله هذا لم يكن من أخدانه أو من تلامذته؛ لأن عبد الله على ما مر بنا القول خرج على بني أمية ١٢٧هـ وأنشأ ملكًا.

стр. 39

ولم تكن هذه الرسالة هي المثال الوحيد الذي أثر عن عبد الله بن معاوية، فإن له رسالة أخرى ذكرها صاحب البيان والتبيين وجهها إلى أبي مسلم الخراساني من السجن الذي كان أودع فيه بعد أن أسره رجال أبي مسلم في أواخر أيام بني أمية، تعتبر من أرق الرسائل وأكثرها إشراقًا وأيسرها أسلوبًا يقول فيها: "من الأسير في يديه بلا ذنب إليه، ولا خلاف عليه، أما بعد: فأتاك الله حفظ الوصية، ومنحك نصيحة الرعية، وألهمك عدل القضية، فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع، فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك، فالودائع عارية والصنائع مرعية، وما النعم عليك وعلينا فيك بمنذور نداها ولا بمبلوغ مداها. فنبه للتفكر قلبك، واتق الله ربك، وأعط من نفسك لمن هو تحتك ما تحب أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة، فقد أنعم الله عليك، بأن فوض أمرنا إليك، فاعرف لنا لين شكر المودة، واغتفار مس الشدة والرضى بما رضيت، والقناعة بما هويت، فإن علينا من سهك الحديد وثقله أذى شديدًا مع معالجة الأغلال وقلة رحمة العمال الذين تسهيلهم الغلظة وتيسيرهم الفظاظة وإيرادهم علينا الغموم وتوجيههم إلينا الهموم، وزيارتهم الحراسة وبشارتهم الإياسة. فإليك بعد الله نرفع كربة الشكوى، ونشكو شدة البلوى، فمتى تملي إلينا طرقًا، وتقول فك عطفًا، تجد عندنا نصحًا صريحًا، وودًّا صحيحًا، لا يضيع مثلك مثله، ولا ينفي مثلك أهله. فارع حرمة من أدركت بحرمته، واعرف حجة من فلجت بحجته، فإن الناس من حوضك رواء، ونحن منه ظماء، يمشون في الأبراد ونحن نرسف في الأقياد، بعد الخير والسعة، والخفض والدعة، والله المستعان وعليه التكلان، صريخ الأخيار ومنجي الأبرار، الناس من دولتك رخاء، ونحن منها في بلاء، حين أمن الخائفون، ورجع الهاربون، ورزقنا الله منك التمنن، ظاهر علينا منك التحنن، فإنك أمين مستودع، ورائد مصطنع والسلام ورحمة الله". لقد كان عبد الله الطالبي بهذا المنهج المتين المسبوك المحكم وهذا الأسلوب الأنيق المخدوم يمثل المرحلة الثانية في تطور الكتابة العربية التي لا مناص من إجادتها وإرساء قواعدها قبل الانتقال إلى مرحلة التأليف. هذا وكان عبد الله شاعرًا أيضًا وهو صاحب البيت المشهور: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا وقد وفد عليه كثير من الشعراء مادحين وممتاحين وفي مقدمتهم الشاعر الكبير إبراهيم بن هرمة الذي قال فيه مدائح تعتبر من أرق المدائح التي قالها شاعر في ممدوح بعينه. فإذا ما انتقلنا إلى مدرسة الفرس من الكتاب ونعني سالمًا وعبد الحميد فإن سالمًا مولى

стр. 40

هشام بن عبد الملك يشكل هو الآخر فيما تروي الأخبار مدرسة مرموقة الأثر، على أنه وإن كان لم تصل إلينا من إنشاء سالم أي نماذج -حسبما أشرنا قبل قليل- فإن تعاليمه تبدو واضحة في تلميذه عبد الحميد بن يحيى الذي استوى على عرش الكتابة العربية على أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني مروان وقتل معه سنة ١٣٢هـ في أبي صير بمصر، أي بعد مقتل عبد الله بن معاوية بثلاث سنوات.
следующие страницы →