يحيى بن يعمر العدواني:
فأما الأول فهو يحيى بن يعمر العدواني من قيس عيلان، كانا كاتبًا ليزيد بن المهلب بن أبي صفرة، كما كان قاضيًا لخراسان على عهد قتيبة بن مسلم الباهلي، غير أننا لا نهتم في هذا المجال بيحيى القاضي وإنما الذي يهمنا هو يحيى الكاتب، لقد كتب يحيى على لسان يزيد بن المهلب إلى الحجاج هذه الرسالة يبلغه فيها بنصر يزيد على أعداء الدولة، فقال:
"إنا قابلنا العدو فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة الجبل وبات العدو بحضيضه"١.
لقد كانت هناك كتابة بمعناها الحقيقي، وهي كتابة مبكرة؛ لأن يحيى بن يعمر واحد من التابعين، وشهد بعض الصحابة ودرس عليهم وروى عنهم. فقد لقي عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وقد كان يتسلح بما يتسلح به الكتاب الذين تتلمذوا على عبد الحميد وإن كان يحيى بن يعمر أسبق كتابة وزمانًا من عبد الحميد، ولم يكن يحيى مجرد كاتب أو قاضٍ
стр. 37
ولكنه بالإضافة إلى ذلك كان عالمًا بالقراءة والحديث، والفقه، والعربية، ولغات العرب، بل إنه واحد من أساتذة أبي الأسود الدؤلي صاحب علم النحو١.
قد يبدو هذا الضرب من الكتابة وعر الأسلوب بمقياس زمماننا، ولكنه في حقيقته كان يعتبر مثلًا أعلى للفصاحة على زمانه، فإن هذه الصياغة قد استوقفت الحجاج وجعلته بيدي إعجابه وتعجبه في وقت واحد ظانًّا أن هذا الأسلوب من الإنشاء هو أسلوب يزيد بن المهلب، وقال: ما لابن المهلب وهذا الكلام فقيل له: إن يحيى بن يعمر عنده، فقال: ذاك إذن، يعني لقد زال العجب.
واستطرادًا للحديث عن يحيى بن يعمر، نذكر أن الحجاج لما أعجب به أو بالأحرى برسالته أمر بأن يحمل إليه، فلما أتاه، قال له: أين ولدت؟ قال بالأهواز، قال: فأنى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي وجرى بينه وبين الحجاج أكثر من حوار، وكان الحجاج -فيما نعلم جميعًا- خطيبًا بليغًا فصيحًا ذا منطق وإبانة لا يشق له غبار، حتى إن أبا عمرو بن العلاء قال في شأنه: ما رأيت أحدًا أفصح من الحسن البصري والحجاج. سأل الحجاج يحيى ذات يوم قائلًا: أتجدني ألحن؟ فقال مجاملًا: الأمير أفصح من ذلك، فقال الحجاج مؤكدًا: عزمت عليك، أتجدني ألحن؟ فقال يحيى: نعم. فقال له في أي شيء فقال: في كتاب الله تعالى. فقال: ذلك أسوأ، ففي أي حرف من كتاب الله؟ قال: قرأت: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ فرفعت "أحب" وهو منصوب، فغضب الحجاج وكان من عنف الغضب ما نعلم، وقال: لا تساكنني في بلد أنا فيه، ونفاه إلى خراسان.
فإذا كان الحجاج قد ملك عشرين سنة ومات سنة ٩٥هـ وإذا كان يزيد بن المهلب قد ولي إمرة خراسان ست سنوات ٨٣-٨٩هـ فإن يحيى بن يعمر يكون قد مارس الكتابة في العقد التاسع من القرن الأول الهجري، أي قبل أن يمارسها، أو بعبارة أخرى، قبل أن يستوي على عرشها عبد الحميد بن يحيى المعروف بعبد الحميد الكاتب بما يقارب ثلث قرن من الزمان أو أكثر قليلًا، ولا يقلل من هذه الحقيقة أن يحيى بن يعمر مات سنة ١٢٩ هـ وعبد الحميد قتل سنة ١٣٢هـ ذلك أن الأول كان شيخًا كبيرًا حين كان الثاني في فتوة الشباب.
стр. 38
عبد الله الطالبي:
هذا ما كان من أمر كتابة يحيى بن يعمر، وهي في تقديرنا -إن كنا على جانب السلامة من الاستنتاج- أول كتابة فنية مستكملة أسباب البلاغة والبيان بمقياس عصرها، فقد كان الإيجاز آنذاك آية البيان وعنوان البلاغة، على أن قضية زمام الكتابة العربية التي هي أداة التعبير السليم عما يخالج العقل العربي في مرحلة تطوره الثقافي لم تنتقل فجأة وبغير تدرج حتى وصلت إلى سالم ثم عبد الحميد، فليس الأمر والحال كذلك على جانب من الصواب، وإنما انتقلت الكتابة من أنامل عربية خالصة ممثلة في يحيى بن يعمر العدواني القيسي والحجاج بن يوسف الثقفي، وقطري بن الفجاءة المازني إلى أنامل عربية قرشية هاشمية، ونعني بذلك عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. لقد طلب عبد الله الخلافة ونصب نفسه خليفة بالكوفة سنة ١٢٧هـ ثم انتقل إلى المدائن، واستولى على الجبال وهمذان وأصبهان والري واستفحل أمره وجبى الخراج وقصده بعض بني هاشم، مثل أبي جعفر المنصور الذي صار من أشهر ملوك العباسيين بعد ذلك بست سنوات أو سبع.
لقد كان عبد الله الطالبي هذا واحدًا من الرواد الذين روضوا الكتابة من مرحلة التقعر إلى منهج البساطة، وطورها من صورة التوعر إلى أسلوب السهولة، وهو في ذلك يشكل مرحلة بين المرحلتين، مرحلة يحيى بن يعمر ومن سار على دربه، ومرحلة عبد الحميد ومدرسته، فلننظر في هذه الرسالة الباكرة التي كتبت بكل تأكيد قبل عبد الحميد، يقول عبد الله١:
"أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، ابتدأتني بلطف عن غير خبرة. ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أولك في إخائك، وأيأسني آخرك من وفاتك. فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحًا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة، فسبحان من لا يشاء الكشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة فيك، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا على اختلاف. والسلام١.
أرأيت كيف تطورت الكتابة بسرعة وفي ظرف حوالي ثلاثين سنة هذا التطور السريع البديع، من عربي لعربي، ولم يدخل إلى الساحة حتى الآن من واقع النصوص فارسي واحد؛ لأن سالم مولى هشام بن عبد الملك الذي قيل عنه إنه الإمام الحقيقي لمدرسة الكتابة العربية لم يظهر له أثر واحد، ومن المقطوع به أن عبد الله هذا لم يكن من أخدانه أو من تلامذته؛ لأن عبد الله على ما مر بنا القول خرج على بني أمية ١٢٧هـ وأنشأ ملكًا.
стр. 39
ولم تكن هذه الرسالة هي المثال الوحيد الذي أثر عن عبد الله بن معاوية، فإن له رسالة أخرى ذكرها صاحب البيان والتبيين وجهها إلى أبي مسلم الخراساني من السجن الذي كان أودع فيه بعد أن أسره رجال أبي مسلم في أواخر أيام بني أمية، تعتبر من أرق الرسائل وأكثرها إشراقًا وأيسرها أسلوبًا يقول فيها:
"من الأسير في يديه بلا ذنب إليه، ولا خلاف عليه، أما بعد: فأتاك الله حفظ الوصية، ومنحك نصيحة الرعية، وألهمك عدل القضية، فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع، فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك، فالودائع عارية والصنائع مرعية، وما النعم عليك وعلينا فيك بمنذور نداها ولا بمبلوغ مداها. فنبه للتفكر قلبك، واتق الله ربك، وأعط من نفسك لمن هو تحتك ما تحب أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة، فقد أنعم الله عليك، بأن فوض أمرنا إليك، فاعرف لنا لين شكر المودة، واغتفار مس الشدة والرضى بما رضيت، والقناعة بما هويت، فإن علينا من سهك الحديد وثقله أذى شديدًا مع معالجة الأغلال وقلة رحمة العمال الذين تسهيلهم الغلظة وتيسيرهم الفظاظة وإيرادهم علينا الغموم وتوجيههم إلينا الهموم، وزيارتهم الحراسة وبشارتهم الإياسة.
فإليك بعد الله نرفع كربة الشكوى، ونشكو شدة البلوى، فمتى تملي إلينا طرقًا، وتقول فك عطفًا، تجد عندنا نصحًا صريحًا، وودًّا صحيحًا، لا يضيع مثلك مثله، ولا ينفي مثلك أهله. فارع حرمة من أدركت بحرمته، واعرف حجة من فلجت بحجته، فإن الناس من حوضك رواء، ونحن منه ظماء، يمشون في الأبراد ونحن نرسف في الأقياد، بعد الخير والسعة، والخفض والدعة، والله المستعان وعليه التكلان، صريخ الأخيار ومنجي الأبرار، الناس من دولتك رخاء، ونحن منها في بلاء، حين أمن الخائفون، ورجع الهاربون، ورزقنا الله منك التمنن، ظاهر علينا منك التحنن، فإنك أمين مستودع، ورائد مصطنع والسلام ورحمة الله".
لقد كان عبد الله الطالبي بهذا المنهج المتين المسبوك المحكم وهذا الأسلوب الأنيق المخدوم يمثل المرحلة الثانية في تطور الكتابة العربية التي لا مناص من إجادتها وإرساء قواعدها قبل الانتقال إلى مرحلة التأليف. هذا وكان عبد الله شاعرًا أيضًا وهو صاحب البيت المشهور:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقد وفد عليه كثير من الشعراء مادحين وممتاحين وفي مقدمتهم الشاعر الكبير إبراهيم بن هرمة الذي قال فيه مدائح تعتبر من أرق المدائح التي قالها شاعر في ممدوح بعينه.
فإذا ما انتقلنا إلى مدرسة الفرس من الكتاب ونعني سالمًا وعبد الحميد فإن سالمًا مولى
стр. 40
هشام بن عبد الملك يشكل هو الآخر فيما تروي الأخبار مدرسة مرموقة الأثر، على أنه وإن كان لم تصل إلينا من إنشاء سالم أي نماذج -حسبما أشرنا قبل قليل- فإن تعاليمه تبدو واضحة في تلميذه عبد الحميد بن يحيى الذي استوى على عرش الكتابة العربية على أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني مروان وقتل معه سنة ١٣٢هـ في أبي صير بمصر، أي بعد مقتل عبد الله بن معاوية بثلاث سنوات.
стр. 41
الفصل الثاني: إسهام المسلمين في تطوير الكتابة من منطلق عربي
عبد الحميد بن يحيى:
إن عبد الحميد لم يكن عربيًّا، وإنما هو فارسي، وفارسيته إن كانت تعني شيئًا لدى بعض الدارسين فيما يتصل بنبوغه في الكتابة وسلاسة أسلوبه فيها، فإنها عندنا لا تعني شيئًا ذا بال، فإن عبد الحميد بن يحيى يعتبر امتدادًا طبيعيًّا لمدرسة الكتابة التي بدأت بيحيى بن يعمر وأمثاله الذين لا شك قد وجدوا. فلدينا نماذج أخرى من رسائل جرت بين الحجاج وقطري بن الفجاءة تسير على النهج نفسه الذي رسمه يحيى بن يعمر من تقعر في الألفاظ، وتوعر في العبارات، ولدينا نماذج أيضًا لرسائل بعث بها الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يصف فيها حال العراق في إحدى سنوات ولايته وكأنه أراد أن يرسل إلى الملك المرواني في دمشق بتقرير عن أحوال رعيته في العراق. ثم بعد ذلك جاءت مرحلة التوسط التي مثلها عبد الله الطالبي.
نقول إن مدرسة عبد الحميد إن هي إلا امتداد متطور متدرج للنهج العربي في الكتابة جعل منها مهنة لها مبادئ وأصول وتقاليد ودستور، وقد فصل عبد الحميد مبادئه في رسالته المشهورة إلى الكتاب التي ملأها بالنصح وبين فيها مكانة الكاتب وشرف مهنته، وفضل الكتاب وأثرهم على الدولة وانتظام شئونها، كما ركز على الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الكتاب، والأسلحة التي يجمل بهم أن يتسلحوا بها، من خلق، وعلم وأدب وفقه، ودين، وحفظ لكتاب الله، وتعلم اللغة، ورواية للأشعار، ومعرفة بأيام العرب والعجم، ثم هو يحضهم في رسالته على احترام الناس، واحترام بعضهم بعضًا، وتوقير الكبير وتشجيع الصغير والعطف على المسنين، ويطلب إليهم الكياسة والنظافة والأناقة، كل ذلك في رسالته المطولة التي جعلت منه إمامًا لمدرسة الكتاب حتى جرى المثل السائر الذي يقال: "بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد".
стр. 42
وحتى نكون على الخط العربي في غير ما عصبية أو تحمس فإن جميع نصائح عبد الحميد للكاتب لكي يكون ناجحًا لم تخرج عن حفظ القرآن الكريم، واستيعاب لغة العرب ورواية أشعارهم ومعرفة أيامهم ثم أيام العجم، وإذن فالكتابة معينها عربي وسبيلها عربي حتى لو جرى بها قلم من لم يكن عربي الأرومة مثل عبد الحميد، على أنه إذا لم يكن عربي الأرومة فقد كان عربي الثقافة واللسان والمعرفة والمشاعر.
لقد كان عبد الحميد بليغًا كل البلاغة في كتابته. وكما كان بليغًا في كتابته، فإنه كان بليغًا في حديثه المرتجل وحواره الذي يجري على لسانه عفو الخاطر. وتحكى في ذلك قصص كثيرة طريفة، فقد كان يساير يومًا مروان على دابة طالت حيازته لها، فقال له الخليفة: قد طالت صحبة هذه الدابة لك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن بركة الدابة طول صحبتها، وقلة علفها، فقال له: فكيف أسيرها، فقال عبد الحميد: همها أمامها وسوطها عنانها، وما ضربت قط إلا ظلمًا.
ويعظم قدر عبد الحميد في السياسة والكتابة، وكان أبو جعفر المنصور كثيرًا ما يقول بعد أن أصبح خليفة: غلبنا بنو مروان بثلاثة أشياء، بالحجاج وبعبد الحميد بن يحيى والمؤذن البعلبكي.
ولعبد الحميد كلمات مأثورة لعلها من أبلغ ما أثر عن الأدب العربي من جمل قصار منها قوله:
العلم شجرة ثمرتها الألفاظ والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.
ومن كلماته الجميلة أيضًا قوله:
الناس أصناف مختلفون، وأطوار متباينون، منهم علق مضنة لا يباع، ومنهم غل مظنة لا يبتاع. وكان إبراهيم بن العباس يقول: ما تمنيت من كلام أحد أن يكون لي إلا كلام عبد الحميد حيث يقول: الناس أصناف ...
وإذا كان لنا أن نعرض لأنموذج من رسائل عبد الحميد، وهو المستوى الذي وصل إليه القلم العربي بحيث أصبح قادرًا على التصرف في المعاني ثم تصوير الأفكار، وبالتالي أصبح قادرًا على تأليف الكتاب الناضج الكامل الاستواء، فلا بأس من أن نعرض طرفًا من رسالة كتبها إلى أهله.
حينما أحس عبد الحميد بنهايته كتب إلى أهله، وكانوا ينزلون بالقرب من الرقة يعزيهم في نفسه، ضمنها الكثير من فلسفته وبلاغته وشفافية أسلوبه وفيها يقول:
أما بعد، فإن الله جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقسامًا مختلفة بين أهلها، فمن درت له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها، سكن إليها ورضي بها، وأقام عليها،
стр. 43
ومن قرصته بأظفارها، وتوطأته بثقلها، قلاها نافرًا عنها، وذمها ساخطًا عليها، وشكاها مستزيدًا منها. وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها، وأرضعتنا من درها أفاويق استحلبناها، ثم شمست منا نافرة، وأعرضت عنا متنكرة، ورمحتنا مولية، فملح عذبها، وأمر حلوها، وخشن لينها، ففرقتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان، فدارنا نازحة، وطيرنا بارحة، قد أخذت كل ما أعطت وتباعدت مثل ما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبًا، وبالجذل هما، وبالأمن خوفًا، وبالعز ذلًّا، وبالخبرة حاجة، وبالسراء ضراء، وبالحياة موتًا، لا ترحم من استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبة له، منفيين عن الأولياء، مقطوعين عن الأحياء.
ويمضي عبد الحميد في رسالته الحزينة البليغة التي وصف حال الدنيا فيها وصفًا لم يكد يسبقه إليه كاتب آخر فلسفةً وعمقًا وثراء معنى وغنى لفظ فيقول:
"وكتبت إليكم والأيام تزيدنا منكم بعدًا، وإليكم صبابة ووجدًا، فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها، يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم نرجع إليكم بذل الإسار والصغار، والذل شر دار، وألأم جار، يائسين من روح الطمع وفسحة الرجاء، نسأل الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة، في دار آمنة، تجمع سلامة الأديان والأبدان، فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين"١.
وهذه الرسالة كما ذكرنا هي آخر ما خطت يراع عبد الحميد في حياته الحافلة بألوان الكتابة الممتعة الثرية المترفة البليغة التي تصور شخصية عبد الحميد أصدق تصوير.
إننا نحس ونحن نقرأ لعبد الحميد رسالته إلى أهله أنه سيد القلم، سيد اللفظ، سيد التعبير العربي النابع من ثقافته الإسلامية المحضة، وليس -كما ذهب بعض الأساتذة ممن عرضوا لهذا الموضوع- من ثقافته الفارسية التي ورثها عن أهله أو الثقافة اليونانية التي أخذها من أستاذه سالم، ذلك أن سالمًا لم يترك أثرًا نحكم به عليه من خلاله.
إن عبد الحميد لم يقل إنه أوتي البلاغة من الفرس أو الروم وإنما قال إنه أخذها عن العرب والمسلمين، لقد قيل له: ما الذي مكنك من البلاغة، وخرجك فيها، فأجاب حفظ كلام الأصلع -يعني بذلك أمير المؤمنين- وإمام البلغاء علي بن أبي طالب.
وخير لهؤلاء الذين يعانون عقدة الفارسية، وعقدة اليونانية حتى يردون كل جيد في
стр. 44
نطاق الحضارة العربية الإسلامية إليهما، أن يربطوا بين النتاج العربي الإسلامي بعضه مع البعض الآخر، ذلك أنهم إن فعلوا فسيجدون أن الفيض الحضاري الإسلامي نشأ متواضعًا، ثم بدأ ينمو ويزدهر ويثمر في سرعة نمو الشجرة المباركة التي صادف غرسها أرضًا طيبة سخية خصيبة. إنه من الخير أن نربط بين كلام عبد الحميد وأسلوبه المشرق العذب، وكلام بعض من سبقوه من بلغاء العرب من خطباء وناثرين من أمثال الحسن البصري وغيلان الدمشقي ويحيى بن يعمر وقطري بن الفجاءة وعبد الله بن معاوية الطالبي بدلًا من أن نربطه بمعين نجهل ويجهل غيرنا وشائج الصلة المباشرة بين عبد الحميد وهذا المعين، الذي يقوم الربط به على الاستنتاج لا على القياس.
لقد اكتملت للمؤلف العربي عدته حينما وصل بأسلوب الكتابة إلى هذا المستوى السامي المتطور الرفيع، وهو في الوقت نفسه لا ينقصه الفكر ولا تجانبه الثقافة: قلم وفكر وثقافة مجتمعة معًا لا بد وأنها خليقة بصنع كتاب، وهذا ما كان بالفعل.
أما وقد استوى الأسلوب العربي على عوده، وصار من النضج بحيث يمكن أن يكون وسيلة للتأليف في مختلف فنون المعرفة وأبواب العلوم فقد بدأت موجات التأليف تترى، وسيلها يفيض مؤتيًا من الثمار أطيبها ومن الحصاد أوفره.
стр. 45
عبد الله بن المقفع وتصانيفه
غير أنه من الإنصاف أن نعترف بوجود مرحلة في التأليف جمعت بين الأصالة والتقليد أو بالأحرى بين الأصالة والترجمة، ولقد تمثلت هذه المرحلة في عبد الله بن المقفع الفارسي الأصل المستعرب بعد ذلك لسانًا وبيانًا.
على أنه من التجاوز بمكان أن نعد ابن المقفع من المؤلفين، فهو لم يكن كذلك، وإنما هو يمثل مرحلة تجمع بين الكتابة والترجمة والتصنيف، لقد نبه عبد الله في كل ذلك، نبه شأنه وتفرد بأسلوبه السهل الممتنع الذي يستمتع به كل من يستعرض ما خلف من آثار منشأة أو مصنفة أو مترجمة، ومن ثم كان ابن المقفع يمثل مرحلة تطور طبيعي من ساحة الكتابة إلى ساحة التصنيف التي تؤدي بعد ذلك إلى مرحلة التأليف.
إن عبد الله، هو اسمه بعد أن استعرب وأسلم -أو ادعى الإسلام على رأي من طعن في إسلامه- وكان اسمه الحقيقي روزبه بن داذويه، لكنه نشأ في البصرة عند بني الأهتم الفصحاء وخالط الأعراب فأخذ عنهم الفصاحة واستقامة الكلام، ثم اتصل بعمال بني أمية على عهد مروان بن محمد وعمل كاتبًا لهم، أي أنه كان سوي العود مكتملًا أسباب الثقافة العربية التي تؤهله للكتابة في الربع الأول من القرن الثاني، ثم اتصل روزبه بعيسى بن علي،
стр. 46
عم السفاح، أول ملك عباسي وأسلم على يديه أي على يد عيسى وتسمى باسمه هذا الذي يعرف به في كتب الأدب والتاريخ، وعاش عبد الله بن المقفع حتى زمن أبي جعفر المنصور الذي قتله سنة ١٤٢هـ لأسباب اختلف حولها جمهرة الرواد.
وما دمنا قد ذكرنا عبد الحميد الكاتب قبل قليل فإنه من الأهمية بمكان أن نذكر أن عبد الله بن المقفع كان صديقًا له، وكان من الوفاء له بحيث أراد أن يفتديه بنفسه حينما قبض على عبد الحميد، ذلك أن الشرطة العباسية دهمت المنزل الذي كانا يختبئان فيه، فلما واجهتهما قال الشرطي: من منكما عبد الحميد؟ فقال كل منهم في الوقت نفسه: أنا عبد الحميد، الأمر الذي أوقع الشرطة في حيرة، فكل واحد منهما يصر على أنه عبد الحميد، وأخيرًا حسم عبد الحميد الأمر بإبداء علامة في جسده كان معروفًا بها فألقى القبض عليه ثم سيق إلى حيث قتل. أما عبد الله فقد عاش بعد ذلك قرابة عشر سنوات إلى أن لقي مصرعه حسبما مر قبل قليل، ومهما كان من أمر فقد عرف عن ابن المقفع رغم الطعن في دينه الكثير من النبل والكرم ومساعدة ذوي الحاجات.
لقد كان ابن المقفع واحدًا من رواد التصنيف والترجمة عن الفارسية، وهو لم يعمد إلى التأليف ولم يتجه إلى الترجمة قبل أن يتقن اللسان العذب الجديد الذي سوف يكتب به ويؤلف فيه ويثقف عن طريقه نفسه ثقافة عربية عميقة أصيلة بليغة، وقد سئل يومًا: ما البلاغة؟ فقال: البلاغة اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون جوابًا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما يكون سجعًا وخطبًا ومنها ما يكون رسائل.
لا شك أن هذا التعريف للبلاغة لا يصدر إلا عن ذهن منفتح يقتل السؤال بحثًا قبل أن يجيب على السائل. إنها نفسها -أي الإجابة- هي الحكمة المأثورة: "البلاغة مطابقة القول لمقتضى الحال". ولكن هذه الإجابة رغم جودتها ينقصها ذلك النمط التعليمي التفصيلي الذي قدمه ابن المقفع.
بل إنه سئل مرة: ما البلاغة؟ فقال: التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها.
لقد التقى كل من عبد الله بن المقفع والخليل بن أحمد وبقيا يتحادثان ثلاثة أيام ولياليهن، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ فقال: ما رأيت مثله، وعلمه أكبر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: ما رأيت مثله، وعقله أكبر من عمله١.
стр. 47
والغريب أن ابن المقفع رغم أنه مدين للقرآن والحديث والإسلام إجمالًا بثقافته فإن المهدي العباسي١ يقول عنه: ما رأيت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع، بل هناك من يروي أن ابن المقفع كان إذا مر على بيت النار الخاص بالمجوس بعد أن أسلم تمثل بقول الأحوص بن محمد:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل
على أن الذي نهتم له الاهتمام كله في هذا المجال هو آثار ابن المقفع العلمية أو الأدبية. لقد قدم ابن المقفع ثلاثة أعمال أدبية وعملًا مترجمًا، فأما الأعمال الأدبية الثلاثة فهي:
١- كتاب الأدب الصغير: والقصد منه تهذيب النفس، وهو مشتمل على خطرات نفسه وأقوال حكيمة ونماذج أخلاقية، فمن الحكم التي ضمها هذا الكتاب قوله: أربعة أشياء لا يستقل منها: النار، المرض، العدو، الدين. ويغلب على الكتاب صفة الجمع أكثر من صفة التأليف.
٢- الأدب الكبير أو الدرة اليتيمة، وهو مجموعة أكبر من القول الحكيم، ومزاج من أمثال وأقوال وثقافات متعددة المنابع والمصادر بين فارسية ويونانية وإسلامية.
على أنه إذا كانت روح الحكمة تبدو واضحة في هذا الكتاب فإن الروح الدينية فيه وفي غيره نادرة إلى حد يجعلها منعدمة، الأمر الذي يجعل لاتهامه بالزندقة أصلًا وسببًا.
٣- رسالة الصحابة، وليس المقصود بالصحابة هنا كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان صحابة رسول الله ﷺ ، وإنما الذي قصده ابن المقفع بالصحابة الأصحاب المقربون إلى الأمراء والخلفاء كالمستشارين والحجاب والوزارء والندمان والقواد ومن إليهم. والرسالة تشكل نقدًا لنظم الحكم وتوجيهًا له، وقد كتبها لبني العباس وأورد فيها وجهات مختلفة، ونصائح في شئون عديدة، مثل نصائح لولي الأمر في شأن الجند. ولعله لم يأت في ذلك بجديد إذا ما راجعنا رسالة أبي بكر إلى يزيد بن أبي سفيان حين وجهه لفتح الشام، الأمر الذي ينفي أن رسالة ابن المقفع مستمدة من أصول حضارية فارسية. وتشتمل الرسالة أيضًا على إصلاح القضاء وضرورة الاهتمام بأهل الشام والعطف عليهم، كما تناول قضايا الخراج وغير ذلك من قضايا الحكم والإدارة.
وابن المقفع في رسالة الصحابة هذه يعمد إلى تخريجات وتأويلات للمأثور من
стр. 48
الأحاديث أو أقوال صحابة الرسول، فهو يفسر لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بأن الخليفة يطاع في ما لا يطاع فيه غيره، ويورد وجهات نظر مختلفة متعددة.
٤- كليلة ودمنة: وهذا العمل من لدن ابن المقفع هو من قبيل الترجمة. والكتاب هندي أصلًا نقل إلى البهلوية على أيام كسرى أنوشروان، ثم تولى ابن المقفع نقله من البهلوية إلى العربية الناصعة البليغة بحيث أصبح أسلوبه فيه معروفًا بالأسلوب السهل الممتنع.
لقد قيل إن ابن المقفع بترجمته هذا الكتاب وكتابة مقدمته مكن لنفسه أن يقول فيها ما لم يستطيع أن يقوله في رسالة الصحابة، حين جعل نفسه من المنصور العباسي بمثابة بيدبا الفيلسوف الهندي من الملك الهندي دبشليم، وهو لذلك يقول في تلك المقدمة: فلما استوثق له الأمر واستقر له الملك، طغى وبغى، وتجبر وتكبر، وجعل يغزو من حوله من الملوك وكان مع ذلك مؤيدًا مظفرًا منصورًا، فهابته الرعية، فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة عبث بالرعية واستصغر أمرهم، وأساء السيرة فيهم، وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتوًّا فمكث على ذلك برهة من دهره. وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة، فاضل حكيم يعرف بفضله ويرجع في الأمور إلى قوله، يقال له: بيدبا، فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية، فكر في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه ورده إلى العدل والإنصاف ... إلى آخر المقدمة التي جعلت من بيدبا موجهًا وناصحًا مؤنبًا للملك الهندي.
إنه لا يعنينا ما قد ذهب إليه بعض الدارسين من أن ابن المقفع قد اصطنع هذه المعاني اصطناعًا ليقرأها المنصور العباسي حينما كان الكاتب لا يستطيع أن يواجهه بها، فذلك ضرب من الافتراض، واجتهاد في الاستنتاج قد يصح وقد يخطئ، وإنما الذي يعنينا هو هذه اللغة السهلة، وهذا الأسلوب الواضح الرائق الذي وصل إليه القلم العربي فأصبح العقل من خلاله قادرًا على التعبير والابتكار والتأليف.
وإذًا، فابن المقفع في حد ذاته يعتبر ظاهرة واضحة المعالم في مرحلة التأليف الفكري العربي بعيدًا عن التزام العلوم الدينية، ونحن لا ندخل في ذلك أي اعتبار من فارسية أو غيرها، فالرجل شأنه في ثقافته شأن عبد الحميد، كلاهما تعلم العربية من مصادرها وثقف نفسه ثقافة فكرية إسلامية دينية واجتماعية، ومن خلال هذه الثقافة انبثق المعين الفياض على يد ابن المقفع ومن عاصره، ثم من جاء بعده من كبار مؤلفي العربية في فترة لم تبعد زمنيًّا عن حياته بعد بيِّنًا.
стр. 49
الفصل الثالث: مسيرة الكتابة العربية كأداة للتأليف:
إن المتابع لمسيرة التأليف ومناهجه في الثقافة العربية لا يستطيع أن ينتهي إلى نتائج سليمة وأحكام ثابتة دون أن يواكب مسيرة الكتابة نفسها كفن أساسي ولد في رحاب الحضارة الإسلامية، وأخذ ينمو ويرتقي ويسمو نهجًا وفنًّا؛ لأنه أداة التعبير ووسيلة تسطير التفكير الذي يشكل قضية أو رسالة أو مسألة أو كتابًا -سمّها ما شئت- غير أن حصاد ذلك هو المكتبة العربية الغنية بكل فنون العلوم ووجوه المعرفة.
إن الكتابة تصبح مدرسة، ويصبح الكتاب أساتذة مجتمعاتهم، ثم توكل إليهم شئون الدولة فيسند إليهم الخلفاء العباسيون مناصب الوزارة. وقد سبقهم إلى ذلك بعض الأمويين على آخر العهد بدولة بني مروان. فنحن نسمع عن أسر بعينها تولت الوزارة عن طريق الكتابة وإتقان شئون السياسة والثقافة كالبرامكة، والصوليين، وبني سهل، وبني وهب وبني ثوابة وبني الفرات وغيرهم أسر كثيرة يمكن مراجعة أخبارهم وآدابهم في كتب الأدب والتاريخ.
ففي نطاق البرامكة كان أبلغهم أسلوبًا وأفصحهم كتابة يحيى بن خالد وولداه الفضل وجعفر، وكان يحيى وابنه الفضل بالذات من أرفع الناس خلقًا وأكثرهم شمائل.
إن ليحيى بن خالد كلمات ينبغي أن تخلد في سمع الزمان لعمق معناها ونفاسة محتواها، كقوله: لست ترى أحدًا تكبر في إمارة إلا وقد دل على أن الذي نال فوق قدره، ولست ترى أحدًا تواضع في إمارة إلا وهو في نفسه أكبر مما نال في سلطانه١. إنه مطلوب من كل حاكم مشرقي أن يعي هذا الذي قاله يحيى البرمكي قبل اثنى عشر قرنًا من الزمان، ويحيى نفسه هو القائل: الكريم إذا تقرأ -يعني تنسك- تواضع، واللئيم إذا تقرّأ تكبّر، والخسيس إذا أيسر تجبّر.
стр. 50
إن يحيى البرمكي تحل به المصيبة في ولده وماله وجاهه ويوضع في السجن، وهو شيخ كبير هو ومن بقي من أولاده، ويحس الرجل ببراءته وبأن الذي حل به وبأولاده لم يزد على كونه مؤامرة لإقصائهم ووصول حساده إلى الحكم فيكتب إلى الرشيد من سجنه هذه الصفحات المشرقة من أسلوب الكتابة العربية١:
"لأمير المؤمنين وخليفة المهديين، وإمام المسلمين، وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه، وأوبقته عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه صديقه، ومال به الزمان، ونزل به الحدثان، فحل في الضيق بعد السعة، وعالج البؤس بعد الضعة، وافترش السخط بعد الرضى، واكتحل السهاد بعد الهجود، ساعته شهر، وليلته دهر، وقد عاين الموت، وشارف الفوت، جزعًا لموجدتك يا أمير المؤمنين وأسفًا على ما فات من قربك، لا على شيء من المواهب؛ لأن الأهل والمال إنما كانا لك وبك، وكانا في يدي عارية؛ والعارية مردودة، وأما ما أصبت به من ولدي فبذنبه، ولا أخشى عليك من الخطأ في أمره، ولا أن تكون تجاوزت به فوق حده، فتذكر يا أمير المؤمنين كبر سني، وضعف قوتي، وارحم شيبي وهب لي رضاك، بالعفو عن ذنب إن كان، فمن مثلي الزلل، ومن مثلك الإقالة، وإنما أعتذر إليك بإقرار ما يجب به الإقرار حتى ترضى عني، فإذا رضيت رجوت إن شاء الله أن يتبين لك من أمري وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك بعده ذنب أن تعفره، مد الله لي في عمرك، وجعل يومي قبل يومك".
هذا النمط السامي القدر الرفيع الصوغ من الكتابة عاش في الثلث الأخير من القرن الثاني الهجري، فأي سرعة فائقة تلك التي واكبت الكتابة العربية فسمت بها في هذه المدة القصيرة من الزمان وكانت قبل ذلك عدمًا، إننا نكاد نحس بالمعاني وكأن وعاء اللفظ لا يسعها، ونكاد نحس بالألفاظ، وهي تصرخ معبرة عن معانٍ عميقة تشرح لوعة منكوب وذل عزيز مظلوم وصيحة شيخ لا حول له ولا قوة، إن لغة مثل هذه لا يستعصي عليها أن تكون أداة طيعة لتأليف الكتب لبداية بناء المكتبة العربية.
ويموت يحيى البرمكي السياسي الحاذق الحكيم في السجن، ويبحث له عن وصية فإذا بورقة تحت وسادته تضم أشهر وأبلغ الوصايا مرارة في تاريخ العربية: "قد تقدم الخصم، والمدَّعَي عليه في الأثر، والحكم لا يحتاج إلى بينة"٢.
وتنتهي أجيال الحكام من البرامكة، وتأتي أجيال أخرى لأسرة أخرى تركية هي أسرة بني
стр. 51
صول، ويلمع منها ثلاثة: الوزير عمرو بن مسعدة الكاتب البليغ ذو القلم الرهيب والرأي الحصيف. إن رواتب قواد المأمون وجنوده تتوقف وتتأخر، ومعنى ذلك في زمن العباسيين وثورة تطيح بالخلافة والحكم، وإن أمرًا كهذا أودى بخلافة موقتة تسنم سدتها إبراهيم بن المهدي، وبخلافة أخرى كان على سدتها المعتز بالله بن المتوكل. وإذا ما أراد أي كاتب أن يكتب للخليفة في مثل هذا الأمر فر مفر من أن يهتز القلم في يده ليصدر عن عبارات الإنذار والخوف وتوقع المكروه. ولكن عمرو بن مسعدة يبلغ الخليفة بهذا الأمر الخطير على هذا النهج من المقال: "كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة، على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم، واختلت لذلك أحوالهم، والتاثت معه أمورهم"١.
هذا أيضًا ضرب جديد من بلاغة القول ونبوغ التنبيه وبراعة التعبير، ولذلك فإن المأمون الخليفة يمسك بالكتاب في يده، ويعيد قراءته، يصعد البصر فيه ويصوبه ويقول لسامعه: قرأت كتابًا وجدته نظير ما سمعت الرشيد يقوله في البلاغة، فإني سمعته يقول: "البلاغة التباعد من الإطالة، والتقريب من البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى".
ويلمع نجم آخر في أسرة الصوليين في الكتابة والشعر، إنه إبراهيم بن العباس الصولي. إنه يكتب رسالة في خمسة أسطر لا غير على لسان المتوكل إلى أهل حمص وكانوا خارجين عليه متعصبين ضده، فما تكاد تقرأ على منبرهم حتى تخمد الفتنة لقوة ما صدعت الرسالة على قصرها من أفئدتهم، إنها أربعة أسطر وبيت شعر، وفيها يقول إبراهيم:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين يرى من حق الله عليه ما قوم به من أود، وعدل به من زيغ، ولم به من منتشر، استعمال ثلاث يقدم بعضها على بعض، أولاهن ما يتقدم به من تنبيه وتوقيف، ثم ما يستظهر به من تخدير وتخويف، ثم التي لا يقع بحسم الداء غيرها:
أناة، فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيدًا، فإن لم يغن أغنت عزائمه٢
إن المتوكل يسمع الكتاب يتلى على مسامعه قبل إرساله، فينظر إلى صديقه ووزيره الفتح بن خاقان قائلًا له بل صارخًا في إعجاب: أما تسمع؟!!
هذا ما كان من إبراهيم الصولي والكتابة، وأما في ميدان الشعر فإن دعبلًا الخزاعي الشاعر المطبوع المرموق يقول عنه: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير
стр. 52
شيء، غير أنه لم يصل إلينا من شعر إبراهيم إلا القليل حتى نحكم عليه.
ويلتمع في سماء أسرة الصوليين نجم ثالث، هو أبو بكر محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي ويكون لمعانه في ميادين عدة ولكن أهمها التأليف الأدبي، لقد ألف كتبًا في أخبار عدد من الشعراء، وفي أشعار أولاد الخلفاء، وجمع شعر نوابغ شعراء العربية على ما سوف نبينه تفصيلًا في باب التأليف.
على أن النبوغ في الكتابة لم يكن مقصورًا على أسر بعينها، فكم من أفراد من عامة الناس فرضوا أدبهم على الخلفاء وعلى التاريخ دون ما سند من جاه إلا جاه العلم، أو ركيزة من قوة إلا قوة الثقافة، إن من بين هؤلاء من تولى الوزارة مثل أحمد بن يوسف، ومثل محمد بن عبد الملك، وكان أبوه يبيع الزيت في بغداد، وقد كان كلاهما من ألمع وأبلغ وآدب وزراء العباسيين. ومنهم من فرض نفسه على التاريخ لنبوغه وعبقريته دون ما سند ما وظيفة أو جاه من سلطان مثل أبي عثمان الجاحظ، وابن قتيبة الدينوري. إن للجاحظ رسائل تضعه بل وضعته في قمة كتاب العربية سواء من ناحية الفكرة أو من ناحية الأسلوب، وهو بتملكه الأسلوب وانقياد القلم لقريحته قدم من صنوف المعرفة على صفحات كتبه التي تعد بالمئات ما تفخر به المكتبة العربية إلى يومنا هذا الذي نعيشه، بل لا نكون مبالغين إذا ما قلنا: إن الفكر الإنساني ليفخر به.
إنه ليس من شأن هذا الكتاب أن يخوض في فن الكتابة إلى أعماق أكثر من ذلك، فهذا لا يدخل في منهج هذ الكتاب، وإنما الذي نريد أن نصل إليه، هو أن الكتابة، وهي أداة التأليف، قد اكتمل شبابها واستوى عدوها بحيث أصبحت هي نفسها فنًّا مستقلًّا هو فن النثر، وهي بالإضافة إلى ذلك كانت أداة النابهين من مؤلفينا في تأليفهم كتبهم الكثيرة الوفيرة الثمينة التي سوف يأتي ذكرها وذكر أصحابها من المؤلفين في مكانهم المناسب من هذا الكتاب.
غير أن الموضوع الذي نقف أمامه هنا هو الكتابة من حيث كونها، فنًّا أعني من حيث كونها نثرًا، وبالتالي فإن منهج هذا الكتاب يقتضينا أن نضع بين يدي قارئه مصادر النثر العربي.
стр. 53
الفصل الرابع: مصادر النثر العربي
الكتابة حسبما ذكرنا هي أداة المؤلف وسلاحه في حشد معلوماته على صفحة كتاب، وهي قد نمت واكتملت أسباب نضجها حسبما مر بنا حيث أصبحت صالحة لرفد هذه الموجات الهائلة من التأليف، وتلك القوافل السخية من الكتب التي ضمتها المكتبة العربية على هذا الكتاب من فصول. ولكن الذي نريد عرضه هنا هو مصادر النثر من حيث كونه لونًا بارعًا من الكتابة الفنية أو الخطابة البليغة.
إن هذه المصادر من الكثرة والتنوع ومن التخصص والشمول، بحيث ينبغي أن نصنفها تحت أكثر من نوع على النحو التالي:
أولًا: رسائل الكتاب المرموقين، وهذه قد وجد بعضها متكاملًا بين دفتي كتاب أو بالأحرى بين دفتي ديوان، فقد كان الكتاب يجمعون رسائلهم أو يجمعها لهم غيرهم في دواوين تمامًا كما كان يفعل بشعر الشعراء. ورسائل الكتاب التي وجدت طريقها مجموعة إلينا ثم مطبوعة هي: رسائل الجاحظ، رسائل ابن العميد، رسائل الصاحب بن عباد، رسائل أبي بكر الخوارزمي، رسائل أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني، رسائل قابوس بن وشمكير، رسائل أبي إسحاق الصابي والشريف الرضي، رسائل إخوان الصفا، رسائل أبي العلاء المعري، الفصول والغايات لأبي العلاء المعري١. وأما رسائل بعض كبار الكتاب مثل عبد الحميد، وابن عبد كان، والنجيرمي، وعمرو بن مسعدة، وعبد العزيز بن يوسف، وإبراهيم
стр. 54
ابن العباس الصوفي، وأبناء البرامكة، وأبناء وهب وأبناء ثوابه، والقاضي الفاضل ومن إليهم فقد وصل إلينا أكثرهم منتثرًا في بطون كتب الأدب الكبيرة الشهيرة التي سوف نعرض لها بعد قليل.
ثانيًا: القصص أو ما كان في حكمها مثل المقامات والروايات، وقد وصل إلينا بعضها كاملًا ثم مطبوعًا، والبعض الاخر مفرقًا في ثنايا كتب الأدب الكبيرة، فأما الذي بين أيدينا من هذا المتكامل فهو مقامات بديع الزمان الهمذاني، مقامات الحريري، رسالة الغفران للمعري، قصة الإنسان والحيوان أمام محكمة الجن١، قصة حي بن يقظان لابن الطفيل.
ثالثًا: رسائل كبار الكتاب التي ألمحنا إليها في الفقرة "أولًا" والخطب وألوان الحوار البليغ والمناظرات الممتعة والنوادر الفكهة والأمثال -فيما لو اعتبرنا الأمثال ضربًا من الكتابة الفنية- كل ذلك يقع موزعًا بين ازدحام وتفرق في كتب الأدب الكبيرة التي أشهرها وأهمها -مرتبًا- ما يلي:
١- صبح الأعشى للقلقشندي.
٢- الوزراء والكتاب للجهشياري.
٣- البيان والتبيين للجاحظ.
٤- عيون الأخبار لابن قتيبة.
٥- يتيمة الدهر للثعالبي، ويجمع مؤلفها بين شعر الشعراء ونثر الكتاب.
٦- العقد الفريد لأحمد بن عبد ربه*.
٧- زهر الآداب للحصري القيرواني ويجمع إلى روائع الشعر بدائع النثر.
٨- الأمالي لأبي علي القالي*.
٩- نهاية الأرب في فنون العرب للنويري.
١٠- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لأحمد بن يحيى بن فضل الله العمري.
١١- الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي*.
١٢- البخلاء للجاحظ.
١٣- المحاسن والمساوئ للبيهقي.
١٤- طبقات الشعر لابن المعتز* وهو يأتي بنماذج نثرية لمن جمع بين الشعر والنثر من الشعراء.
١٥- الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني* يورد نماذج عديدة من نثر أعلام الكتاب والشعراء.
стр. 55
رابعًا: كل كتب التراجم على وجه التقريب مليئة بنماذج نثرية مختارة من كتابة وخطابة للمترجم لهم إذا كانوا كتابًا أو خطباء أو مفكرين، وأهم هذه المصادر هي:
١- تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
٢- معجم الأدباء لياقوت الحموي الرومي.
٣- وفيات الأعيان لابن خلكان.
٤- الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي.
٥- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي.
خامسًا: كتب التاريخ -وبخاصة التي ألفت في وقت مبكر- تحتوي جميعها على نماذج عديدة من الخطب والرسائل والمحاورات، والمناظرات وأهمها ما يلي:
١- السيرة لابن هشام.
٢- تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري.
٣- مروج الذهب للمسعودي.
٤- فتوح البلدان للبلاذري.
٥- تجارب الأمم لابن مسكويه.
٦- المنتظم في تاريخ الأمم لابن الجوزي.
٧- الكامل لابن الأثير.
سادسا: المصادر التي تحوي نثر كتاب الأندلس، وبعضها لمؤلفين أندلسيين وبعضها الآخر لكتاب مشارقة، وأهم الكتب الأندلسية في هذا السبيل هي:
١- الذخيرة في محاسن الجزيرة لابن بسَّام.
٢- نفح الطيب للمقري.
٣- قلائد العقيان للفتح بن خاقان.
٤- مطمح الأنفس للفتح بن خاقان.
٥- أعمال الأعلام للسان الدين بن الخطيب.
٦- المغرب في حلي المغرب للحجاري وابن سعيد.
٧- البيان المغرب لابن عذاري المراكشي.
٨- الكتيبة الكامنة للسان الدين بن الخطيب.
٩- الحلة السيراء لابن الأبار القطاعي.
والمصادر المشرقية التي اهتمت بالنثر في الأندلس أكثرها من كتب الطبقات التي مر ذكر بعضها وأهمها:
стр. 56
١- يتيمة الدهر للثعالبي.
٢- وفيات الأعيان لابن خلكان.
٣- الوافي الوفيات لصلاح الدين الصفدي.
٤- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي.
٥- معجم الأدباء لياقوت الحموي.
٦- تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون لصلاح الدين الصفدي.
٧- شرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون لابن نباتة المصري.
٨- صبح الأعشى للقلقشندي.
سابعًا: وبالمكتبة العربية المعاصرة جهد طيب بذله الأستاذ أحمد زكي صفوت في جمع حشد كبير من الرسائل والخطب العربية وضمها جهده هذين الكتابين:
١- جمهرة رسائل العرب.
٢- جمهرة خطب العرب.
وفي الكتابين غناء كبير لمن كانت كتب الأصول التي ذكرناها بعيدة عن متناول يده وإلا فإن الاعتماد على الأصل خير من الاستعانة بالفرع، وعلى الدارس المجد والباحث المحقق أن يعتمد أول ما يعتمد على الأصول، ولا بأس من أن تكون الفروع مكملة له أو سدًّا للذريعة.
هذا وسوف يكون لنا موقف مع كثير من هذه الكتب التي ذكرنا من حيث التعريف بالمهم منها والإبانة عن منهج مؤلفها في تناوله لمادتها.
стр. 57
الباب الثالث: رواد التأليف الأدبي غير المتخصص
الفصل الأول: التأليف يبدأ شاباًَ بغير طفولة
بدأ التأليف في الأدب في زمن مبكر كل التبكير، فبعد مرحلة الرواية والسماع والتدوين التي لم تستمر -كمرحلة- طويلًا وأنتجت كثيرًا، لم تلبث العقليات العربية الكبيرة أن عكفت على التفرغ للتأليف والعطاء في علوم العربية المختلفة وفنونها، ومن بينها المؤلفات الأدبية بطبيعة الحال.
وفي بداية كل قضية جديدة تكون -عادة- عناصرها متشابكة ومناهجها متداخلة، وهذا الأمر قد حدث بالنسبة للتأليف الأدبي في أول العهد به، فلقد انبثق هذا النوع من التأليف مشتبكًا مع التأليف في علوم اللغة بفروعها من نحو وصرف ورواية وأخبار وأنساب وشعر ونوادر.
غير أن ذلك لم يمنع من ظهور التأليف الأدبي الدقيق اعتبارًا من النصف الثاني من القرن الثاني عندما بدأ عالم العربية الكبير، أبو عثمان الجاحظ يطرق موضوعات الأدب طرقًا واضحًا ومباشرًا في أكثر ما كتب من كتب ورسائل. وتتكرر الظاهرة نفسها مع معاصره العظيم ابن قتيبة الدينوري. ولا يلبث المعنيون بالأدب من حيث هو أدب بمفهومه الحديث، أن يثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم القيمة الثمينة من أمثال المبرد وابن طيفور وثعلب وأبي بكر الصولي وأحمد بن عبد ربه وأبي الفرج الأصفهاني وأبي منصور الثعالبي.
ولكنه من العدل بمكان أن نعرض لأولئك الذين أسهموا في التأليف في الأدب في نطاق مفهومه القديم ومفهومهم أنفسهم آنذاك. وإذا كان لنا أن نتمثل بذكر أسماء بعضهم على التسلسل الزمني فإنه من العدالة أن نذكر كلا من المفضل الضبي، الخليل بن
стр. 58
أحمد، يونس بن حبيب، النضر بن شميل، هشام بن الكلبي، أبا عبيدة، الأصمعي، الهيثم بن عدي، المدائني، ابن الأعرابي، أبا عثمان الجاحظ، ابن قتيبة الدينوري، أبا حنيفة الدينوري، ابن أبي الدنيا، العباس المبرد، أبا العباس ثعلب، ابن طاهر طيفور، أبا بكر الصولي، أبا عبد الله المرزباني، أبا منصور الثعالبي.
كل هؤلاء وغيرهم كثيرون قدموا من عصارة أفكارهم وينابيع أفهامهم ما يقف المرء أمامه متعجبًا لقدرتهم، حانيًا هامته إجلالًا لمقامهم وإنتاجهم، فإن كثيرين منهم قد تراوحت مؤلفاتهم بين المائة والمائتين، هذا فضلًا عمن نيفت مؤلفاتهم على الثلاثمائة حسبما يتضح لنا عند الحديث عن كل منهم على حدة.
ولكنه قد يقفز إلى أذهان بعض القارئين المحدثين سؤال حول طاقات هؤلاء العلماء وحول أعداد الكتب للمؤلف الواحد، ومدى إمكانه أن يقدم كل هذا العلم الوفير الثمين القيم المتنوع، وهو سؤال حق في زمان مثل زماننا. إن الإجابة عن مثل هذا السؤال سهلة يسيرة إذا ما نظرنا إلى تاريخ القوم وحياتهم.
لقد كانت الفترة الزمنية التي عاشها هؤلاء الكبار فترة السمو الفكري، والتفجر العقلي، نتيجة الثقافة الإسلامية والعمل على تفريع علومها، فضلًا عن التقائها مع حضارات وإمكانات الأمم التي اعتنقت الإسلام وأخلصت له عقيدة وولاء، ومن ثم التفتت إلى اللغة العربية -لغة القرآن الكريم- فتوفرت على خدمتها والإبداع في نطاق موضوعاتها.
والسبب الثاني: هو إخلاص العلماء للعلم دون غيره، لم يشغل أحدهم بالسياسة ولا استهدف رئاسة ولا سعى إلى زعامة، ولا تقرب إلى العامة يمالئهم ويتقرب إليهم إلا بالقدر الذي يمكنه من رفع شأنهم وتقريب العلم إليهم. ومن ثم فقد كان القوم ناسكين في محراب العلم جعلوا منه صناعة وعبادة وحياة ودنيا وآخرة.
والسبب الثالث: أن القوم كانوا في مأمن من عدوان السلطان ومصادرة أعمالهم وأفكارهم، بل كان السلطان يستدنيهم ويكرمهم. وكان السلطان نفسه متعلمًا مهذبًا ملمًّا بأطراف من العلم، آخذًا منه بأسباب وألوان. إن مناقشات الرشيد والمأمون وغيرهما من خلفاء بني العباس ووزرائهم وقوادهم وقضاتهم مع هؤلاء العلماء توضح إلى أي مدى كان العالم محترمًا مبجلًا موسعًا عليه في رزقه مكرمًا بين الخاصة والعامة، فإذا لم يكن لدى العالم وقت لكي يقابل السلطان إليه بنفسه مجاملًا له مطمئنًّا عليه. وكثيرًا ما كان يفعل ذلك عضد الدولة بن بويه مع العالم الجليل، أبي عبد الله المرزباني. بل إن بعض هؤلاء العلماء -وهم قلة نادرة- كان ذكاؤهم المفرد قد أثر على تصرفاتهم في ندوات الخلفاء والملوك والوزراء، ومع ذلك فقد كانوا يلقون من التسامح والمجاملة ما لم يصدر
стр. 59
من سلطان في مثل تلك المناسبة في أي عصر من العصور، والمثال على ذلك واضح في تعامل أبي الفرج الأصبهاني مع الوزير المهلبي، أو في تعامل العلماء في الأندلس مع ملوكها١.
والسبب الرابع: هو أن الكثرة الغالبة من هؤلاء العلماء قد آتاهم الله بسطة في العمر وفسحة في الأجل قضوها كلها في تحصيل العلم، ثم في التأليف فيه، وكان متوسط أعمارهم بين الثمانين والمائة، فالأصمعي عاش مائة سنة وأربع سنوات، ويونس بن حبيب عاش ثمانية وثمانين عامًا، وهشام الكلبي عاش نحوًا من مائة سنة، وأبو عبيدة عاش تسعة وتسعين عامًا، والهيثم بن عدي عاش سبعة وتسعين عامًا، والمدائني عاش ثلاثة وتسعين عامًا، وابن الأعرابي عاش واحدًا وثمانين عامًا، والجاحظ عاش مائة عام وخمسة أعوام، وأبو العباس ثعلب عاش واحدًا وتسعين عامًا، وابن طيفور عاش ستة وسبعين عامًا، والمرزباني عاش سبعة وثمانين عامًا، والثعالبي عاش ثمانين عامًا.
وأما الذين ماتوا صغارًا فابن قتيبة الدينوري وقد عاش ثلاثة وستين عامًا والخليل بن أحمد وقد عاش سبعين عامًا، وأبو محمد اليزيدي، وقد عاش أربعة وستين عامًا.
ليست هذه وحدها أسباب العطاء، وإنما جوهر العقول وترابط المجتمع ثقافيًّا، والمثل الخلقية في إتقان العمل، والقيم الإنسانية في احترام عقل الإنسان، ورحيق الحضارة الإسلامية وقوة دفعها ونضارة وجهها وصفاء جوهرها وسماحة عنصرها، كل ذلك كان سندًا للعلماء كي يتفرغوا ونداء للعلم كي يبزغ ويتلألأ ويعم ويترعرع ويشيع ويضيء.
فإلى لقاء مع بعض هذه الصفوة من العلماء.
стр. 60
الفصل الثاني: المفضل الضبي: ... -حوالي ١٧٥ هـ
يعتز أبو العباس، المفضل بن محمد بن أبي يعلى الضبي من الرواد الأوائل لرواية الشعر والأدب وأيام العرب، بل هو أوثق من روى شعر الأوائل.
إنه كوفي المولد، وقد اشتغل بالسياسة مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن. فقد خرج على المنصور العباسي مناصرًا إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، ولكن المنصور ظفر به ثم عفا عنه وألزمه المهدي فتفرغ له وصنف له كتاب المفضليات المعروف١.
كان المفضل واسع الثقافة وافر الحفظ صادق الرواية، روى القراءات والحديث عن عاصم بن أبي النجود، كما روى عن أبي إسحاق السبيعي وسماك بن حرب. وأما الذين رووا عنه فهم رجالات العربية الكبار مثل علي بن حمزة الكسائي وأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء وأبي عبد الله بن الأعرابي، وأبي زيد الأنصاري وخلف الأحمر٢.
وقد عد المفضل الضبي من المحدثين، وكان ذا خلق ودين، فقد كان يكتب المصاحف ويقفها في المساجد تكفيرًا عما كتبه بيده من شعر الهجاء.
ومن الطريف أن المفضل قد جعل من المهدي بمصاحبته له ناقدًا جيدًا للشعر صيرفيًّا فيه، يميز الصحيح من المنحول، فقد روى ياقوت خبرًا يفيد أن المهدي سأل كلا من المفضل وحمادًا الراوية سؤالًا حول استفتاح زهير بن أبي سلمى قصيدته بقوله:
دَعْ ذا وعد القول في هَرَمِ
стр. 61
فأجاب المفضل الضبي الخليفة إجابة تبدو صادقة مقنعة، وأما حماد، فقال: ليس هكذا قال زهير، يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشد حماد بيتين سبق بهما الاستفتاح المعروف، الأمر الذي أدخل الشك في روع المهدي، فأطرق ساعة ثم التفت إليه واستحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة عن مدى توثيق هذه الأبيات، فلم ير حماد بدًّا من أن يعترف للملك العباسي ذي الحس النقدي ويقر أنها من قوله. فما كان من المهدي إلا أن أمر له بعشرين ألف درهم وللمفضل بخمسين ألفًا، ثم أمر حسينًا خادمه أن ينادي: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفًا لصدقه وصحة رواتيه، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا فليسمعه من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل١.
هذا ولقد عاش المفضل إلى حكم الرشيد، وله معه أخبار أدبية طريفة، فقد سأله الرشيد ذات يوم: ما أحسن ما قيل في الذئب ولك هذا الخاتم الذي في يدي وشراؤه ألف وستمائة دينار؟ فقال المفضل على الفور: قول الشاعر
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
فقال الرشيد معجبًا، وربما متحسرًا: ما ألقي هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم، ثم أعطاه إياه. فاشترته أم جعفر بألف وستمائة دينار وبعثت به إلى الرشيد قائلة: قد كنت أراك تعجب به، ولكن الرشيد -بما عرف عنه من هيبة- ألقاه إلى الضبي قائلًا: خذه وخذ الدنانير، فما كنا نهب شيئًا فنرجع فيه٢.
هذا وللمفضل مجموعة من الكتب أشهرها بطبيعة الحال كتابه المفضليات الذي جمعه المهدي وسوف يأتي حديثه في مكانه من هذا الكتاب، وأما كتبه الأخرى فهي الأمثال، وهو مطبوع أيضًا، وكتاب معاني الشعر، وكتاب الألفاظ، وكتاب العروض.
لقد كانت بداية طيبة مباركة في دنيا التأليف والأدب على كل حال.
стр. 62
الفصل الثالث: النضر بن شميل المازني ... -٢٠٤هـ.:
عاش النضر النصف الثاني من القرن الثاني وسنوات أربع من القرن الثالث، وأقام بين مرو والبصرة، وكانت أبرز معارفه في علوم اللغة، وله مع المأمون مسامرات ومناقشات لغوية وأدبية درت عليه من العطاء ما أغناه. إن صاحب الوفيات يصفه فيقول: "كان عالمًا بفنون من العلم، صدوقًا ثقة، صاحب غريب وفقه وشعر ومعرفة بأيام العرب ورواية حديث١" فأي عالم جليل كان هذا الإنسان؟ ومع ذلك فقد ضاقت به الدنيا وذاق مرارة الحاجة وبطش الفقر فخرج من البصرة يريد خراسان فخرج لتشييعه نحو ثلاثة آلاف رجل من أهل البصرة ليس فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو عروضي أو أخباري، فلما صار بالمربد جلس وقال: يا أهل البصرة يعز علي فراقكم، ووالله لو وجدت كل يوم كيلجة "نوع من المكاييل" باقلَّاء ما فارقتكم. ومع ذلك فلم يتكفل واحد منهم بذلك الأمر الذي دفع به إلى السير إلى خراسان والإقامة بمرو حين صلحت حاله هناك، ولذلك فإن أبا عبيدة ذكر هذه القصة في كتابه "مثالب البصرة".
وهناك طرفة قد يكون من الخير أن نذكرها ونحن نعرف بالنضر بن شميل، فهو الرجل الذي كسب من حرف السين وحده ثمانين ألف درهم. فكيف كان ذلك؟
كان النضر جالسًا -وهو في حال فقره- في مجلس المأمون بمرو، وكان للمأمون مشاركة في العلوم الدينية ويردد أحاديث الرسول في مناسباتها، فقال والنضر جالس في ندوته: حدثني هشيم بن بشير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد "بفتح السين" من عوز فرد النضر قائلًا:
стр. 63
صدقوك يا أمير المؤمنين، وحدثني عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سِداد "بكسر السين" من عوز" وهنا يستوي المأمون في مجلسه ويوجه سؤالًا ربما لم يخل من غضب إلى النضر قائلًا: السداد "بفتح السين" لحن عندك -أي من وجهة نظرك- يا نضر؟ فيجيب النضر: نعم ها هنا يا أمير المؤمنين، فيقول المأمون في غضب: أوتلحنني؟ وهنا يرد النضر بكل أدب وذكاء وجرأة: إنما لحن هشيم يا أمير المؤمنين وكان لحانًا فتبع أمير المؤمنين لفظه. وهنا يهدأ المأمون لهذه اللباقة، ويقول: وما الفرق بينهما -أي بين لفظة السَّداد المفتوحة السين والسِّداد بكسرها، فيجيب النضر: السَّداد -بالفتح- هو القصد في الدين والطريقة والأمر، والسَّداد -بالكسر- البلغة وكل ما سددت بها شيئًا فهو سِداد، ثم يستشهد النضر ببيت للعرجي الشاعر، والبيت مشهور:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وهنا يطرق المأمون مليًّا ثم يقول: قبح الله من لا أدب له. ثم يطلب من النضر أن ينشده أخلب بيت للعرب فينشده أبياتًا لحمزة بن بيض، فيسر المأمون كل السرور ويقول له: لله درك، كأنما شق لك عن قلبي، ثم يطلب منه أن يشنده أنصف بيت للعرب، ثم أقنع بيت للعرب، والنضر يختار له من الأبيات أنسبها وكان راوية أديبًا، فيكتب المأمون شيئًا في ورقة ويعطيها لغلام واقف على بابه ويطلب إليه أن يصطحب النضر إلى الوزير الفضل بن سهل، فلما قرأ الفضل الكتاب قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب؟ فقص عليه النضر القصة، فقال له: لحنت أمير المؤمنين؟ فقال النضر: لا وإنما لحن هشيم بن بشير وكان لحانًا فتبع أمير المؤمنين لفظه، فأمر له الفضل بثلاثين ألفًا أخرى وهكذا يكون النضر قد استفاد ثمانين ألف درهم من حرف واحد١.
إننا لم نذكر هذه القصة من أجل الثمانين ألفًا التي حصل عليها النضر بسبب كبسر السين، وإنما ذكرناها لنرى أي نوع من الرجال كان هذا الصنف من علمائنا جرأة ولباقة، وكيف أنه لم يهب تصويب المأمون، أكثر ملوك العباسيين ثقافة وعلمًا، حين أخطأ ولكنه في الوقت نفسه صوب خطأه في قالب مهذب لم يجرح كبرياءه كملك له في العلم سهم وله في الثقافة نصيب.
فماذا ألف النضر من كتب في زمانه هذا الباكر؟ يقول ابن خلكان: إنه ألف كتبًا كثيرة أهمها "كتاب الصفات"، ويتكون من خمسة أجزاء، الجزء الأول منه ما يحتوي على خلق
стр. 64
الإنسان والجود والكرم وصفات النساء، والجزء الثاني، يحتوي على الأخبية والبيوت وصفات الجبال والشعاب. والجزء الثالث، يحتوي على الإبل فقط. والجزء الرابع، يحتوي على الغنم والطير والشمس والقمر والليل والنهار والألبان والكماة والآبار والحياض والأرشية والدلاء وصفة الخمر. والجزء الخامس، يحتوي على الزرع والكرم والعنب وأسماء البقول والأشجار والرياح والسحاب والأمطار.
هذا هو محتوى الكتاب الأول وموضوعاته. وللنضر من الكتب أيضًا كتاب السلاح وكتاب خلق الفرس، وكتاب الأنواء، وكتاب المعاني، وكتاب غريب الحديث، وكتاب المصادر، وكتاب المدخل إلى كتاب العين للخليل بن أحمد، ويضيف ابن النديم، وياقوت إلى هذه الكتب كتابًا آخر هو كتاب الجيم، ويذكر كل من ياقوت وابن خلكان أن للنضر كتبًا أخرى غير تلك التي ذكروها.
стр. 65
الفلصل الرابع: ابن الكلبي
...
الفصل الرابع: هشام بن محمد بن السائب الكلبي: ... - ٢٠٤ هـ
إن أبا المنذر هشام بن محمد الكلبي من أشهر النسابين على الإطلاق وأكثر المؤلفين الأوائل عدد كتب وتنوع موضوعات، وإن كانت شهرته في التأليف قد ارتبطت بالأنساب لأنه كتب فيها أكثر من كتاب، على ما سوف نفصل بعد حين.
إن أبا المنذر كوفي المولد والإقامة والوفاة وإن كان قد زار بغداد وحدَّث بها بعض الوقت١، وهو من أسرة تعيش العلم وتعيه وتمنحه للناس، فقد كان أبوه محمد بن السائب الكلبي من كبار علماء الكوفة ومن الذين يجلسون للحديث والرواية والتفسير، فتتلمذ هشام على أبيه وعلى كبار علماء زمانه، وبعد ذلك تتلمذ عليه ولده العباس وجماعة من أعيان زمانه.
وكان ابن الكلبي سريع الحفظ سريع النسيان وهو القائل: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، ويحاول أن يدلل على سرعة مقدرته في الحفظ فيقول: عاتبني عم لي على حفظ القرآن فدخلت بيتًا، وحلفت لا أخرج منه حتى أحفظ فحفظته في ثلاثة أيام ويدلل على نسيانه فيقول: نظرت يومًا في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة٢.
ونحن نصدق الرجل في الشطر الثاني من قصته، وأما الشطر الأول فإننا نتحفظ إزاءه، فإن ثلاثة أيام لا تكاد تكفي إلا لتلاوة واحدة للقرآن، وربما قصد ابن الكلبي إلى أنه لم يكن مجيدًا للحفظ، فحبس نفسه ثلاثة أيام عكف فيها على تلاوة الكتاب العزيز فاسترجع ما كان
стр. 66
قد نسيه من بعض سوره وآياته.
وربما كانت مثل هذه الروايات تقلل من ثقة الناس في روايته للحديث، وقد مر بنا أنه جلس للحديث ببغداد، فالخطيب البغدادي يذكر لم يثق بروايته الحديث؛ لأنه صاحب نسب وسير. ويذكر ياقوت أن الإمام أحمد بن حنبل، قال عنه: كان صاحب سير ونسب وما ظننت أن أحدًا يحدث عنه١.
ولكن عدم الثقة بابن الكلبي كمحدث لا تنال من قدره كعالم بالأنساب والأخبار وأيام العرب وقبائلهم وملوكهم وتاريخهم وبلدانهم وأقاليمهم وألقابهم، وأديانهم ومحاسنهم ومثالبهم وعاداتهم ومجتمعهم وخيلهم وموءوداتهم إلى غير ذلك من الموضوعات التي ضمنها أكثر من مائة وخمسين كتابًا ملأت ما يقارب الأربع صفحات من كتاب الفهرست لابن النديم٢.
إن إسحاق الموصلي، يقول في معرض ذكر فضل ابن الكلبي: رأيت ثلاثة كانوا إذا رأوا ثلاثة يذوبون: علوية إذا رأى مخارقًا، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية، والزهري إذا رأى هشامًا٣.
ولقد تخصص ابن الكلبي أكثر ما تخصص في الأنساب بحيث إن صفة النسابة تلصق باسمه على الأغلب، وله أربعة كتب مشهورة في أولها كتاب الجمهرة في معرفة الأنساب وهو -يروي ياقوت- أحسن كتبه، وله في النسب أيضًا كتاب "المنزل" وهو أكبر من الجمهرة، وكتاب "الفريد" صنعه للمأمون في الأنساب، وكتاب "الملوكي" صنعه لجعفر البرمكي في الموضوع نفسه٤.
ولشهرة أبي المنذر الكلبي عرضت له في حياته بعض الطرائف، فقد كان بعض الفرس على أيامه يدعون أنسابًا عربية ويذهبون إلى بعض النسابين المدلسين ليلحقوهم بإحدى القبائل نظير أجر معلوم، فعن لأبي نواس ذات يوم أن ينتحل نسبًا عربيًّا وطلب إلى ابن الكلبي أن يحقق له بغيته، ولكنه رفض ذلك، فكتب إليه أبو نواس هذين البيتين الطريفين:
أبا منذر ما بال أبواب مذحج ... مغلقة دوني وأنت صديقي
стр. 67
فإن تأتني يأتك ثنائي ومدحتي ... وإن تأب لا يُسدد علي طريقي
وأما مؤلفات ابن الكلبي الأخرى فإننا نذكر منها على سبيل المثال غير كتب الأنساب التي مر ذكرها: كتب الأصنام، وكتاب نسب الخيل وهما مطبوعان، ومن كتبه المخطوطة التي يمكن الاطلاع عليها غير جمهرة الأنساب كتاب المثالب، وكتاب أخبار بكر وتغلب.
ولقد قسم ابن النديم موضوعات كتب ابن الكلبي إلى تسعة موضوعات، هي:
أولًا: كتبه في الأحلاف.
ثانيًا: كتبه في المآثر والبيوتات والمنافرات والموءودات.
ثالثًا: كتبه في أخبار الأوائل.
رابعًا: كتبه فيما يقارب الإسلام من أخبار الجاهلية.
خامسًا: كتبه في أخبار الإسلام.
سادسًا: كتبه في أخبار البلدان.
سابعًا: كتبه في أخبار الشعر ومآثر العرب.
ثامنًا: كتبه في الأخبار والأسماء.
تاسعًا: كتبه في الأنساب وتشمل قسمين: قسمًا في أنساب اليمن، وقسمًا في أنساب العدنانية.
ثم ذكر ابن النديم عددًا آخر من الكتب المتفرقة تحت عنوان: "ومن كتبه أيضًا" ذكر بينها كتاب أولاد الخلفاء، كتاب أمهات النبي ﷺ ، كتاب أمهات الخلفاء، كتاب تسمية ولد عبد المطلب، كتاب كنى آباء الرسول ﷺ ، ثم أردف ابن النديم قائلًا: وله أيضًا كتاب جمهرة الجمهرة رواية ابن سعد.
ولنا ملاحظات على طريقة تقسيم ابن النديم لموضوعات كتب ابن الكلبي، أو على الأقل على وضعه كتبًا تحت عناوين لا تندرج تحتها موضوعات هذه الكتب، كأن يضع مثلًا "كتاب المصلين" تحت كتبه في أخبار الإسلام، فنحن نميل إلى أن المقصود بالمصلين هنا هي الخيل التي تأتي وترتيبها الثاني في السباق، ومعروف أن العرب كانت تهتم كثيرًا بالخيل، ولكثير من المؤلفين كتب عن الخيل، بل إن الكلبي نفسه له كتاب آخر بعنوان نسب الخيل، وهو مطبوع. ومن ذلك أيضًا "كتاب الديباج في أخبار الشعراء" فقد وضعه تحت "كتبه فيما قارب الإسلام من أخبار الجاهلية"، وكان من الأفضل له جعله تحت "كتبه في أخبار الشعر وأيام العرب"، ومن ذلك أيضًا كتابه "لغات القرآن" وضعه تحت عنوان كتبه في أخبار الأوائل وكان من الأفضل أن يضعه تحت "كتب في أخبار الإسلام" وهكذا يمكن
стр. 68
إبداء الكثير من الملاحظات على تصنيف ابن النديم لموضوعات كتب الكلبي، ولكن التماس العذر أمر واجب تجاه ابن النديم، فقد كان الرجل يعدد كثيرًا من الكتب التي لم يرها وإنما يتلقى أسماءها، ومن ثم جاز عليه بعض الخلط في عناوين بعض الكتب وصلتها والموضوع الذي كتبت فيه.
هذا وكتب ابن الكلبي ليست قيمتها في كثرتها، وإنما تقع أهميتها في موضوعاتها، ولو كانت وصلت إلينا جميعًا لأسهمت إسهامًا إيجابيًّا عمليًّا في إثراء العقل العربي المعاصر ووضحت جوانب عديدة من الحضارة العربية قبل الإسلام وبعده.
ولعل من الخير أن نعرض لأسماء بعض كتب ابن الكلبي التي ذكرها ابن النديم، ومنها نعرف قيمتها ومدى أهمية الموضوعات التي طرقتها.
من كتب "الأحلاف": كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة، كتاب حلف كلب وتميم كتاب حلف أسلم في قريش.
من كتب "المآثر والبيوتات والمنافرات": كتاب المنافرات، كتاب بيوتات قريش كتاب فضائل قيس عيلان، كتاب الكنى، كتاب أخبار العباس بن عبد المطلب، كتاب الموءودات، كتاب ألقاب قريش، وكتب أخرى لألقاب قيس عيلان، وبني طابخة، وربيعة واليمن، وكتاب من نقل من عاد وثمود والمعاليق وجرهم وبني إسرائيل من العرب، وكتاب ادعاء زياد معاوية، وكتاب أخبار زياد بن أبيه، وكتاب كل من المساجرات، المناقلات، المعاتبات، المشاغبات، وكتاب ملوك الطوائف، وكتاب ملوك كندة، وكتاب ملوك اليمن من التبابعة، وكتاب طسم وجديس.
من كتب "أخبار الأوائل": كتاب عاد الأولى والآخرة، كتاب تفرق عاد، كتاب أصحاب الكهف، كتاب رفع عيسى، كتاب أمثال حمير، كتاب منطق الطير، كتاب لغات القرآن، كتاب المعمرين، كتاب الأصنام، كتاب القراح، كتاب أديان العرب، كتاب حكام العرب، كتاب الخيل، كتاب فحول العرب، كتاب الكهان، كتاب الجن، كتاب ما كانت تفعله الجاهلية ويوافق حكم الإسلام.
من كتب "ما قارب الإسلام من أمر الجاهلية": كتاب اليمن وأمر سيف "لعله قصد بسيف سيف بن ذي يزن"، كتاب الوفود، كتاب زيد بن حارثة، كتاب من قال بيتًا أو قيل فيه، كتاب الديباج في أخبار الشعراء، كتاب دخول جرير على الحجاج، كتاب أخبار عمرو بن معد يكرب.
من كتب "أخبار الإسلام": كتاب التاريخ، كتاب تاريخ أجناد الخلفاء، كتاب صفات الخلفاء.
стр. 69
من كتب "أخبار البلدان": كتاب البلدان الكبير، كتاب البلدان الصغير، كتاب تسمية من بالحجاز من أحياء العرب، كتاب قسمة الأرضين، كتاب الأنهار، كتاب الحيرة، كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات، كتاب أسواق العرب.
من كتب أخبار الشعر وأيام العرب: كتاب تسمية ما في شعر امرئ القيس من أسماء الرجال والنساء وأنسابهم وأسماء الأرضين والجبال والمياه، كتاب من قال بيتًا من الشعر فنسب إليه، كتاب المنذر ملك العرب، كتاب داحس والغبراء، كتاب فزارة ووقائع بني شيبان، كتاب الكلاب وهو يوم السنابس، كتاب أيام بني حنيفة، كتاب الأيام، كتاب مسيلمة الكذاب.
من كتب "الأخبار والأسماء" كتاب الفتيان الأربعة، كتاب السمر، كتاب الأحاديث، كتاب حبيب العطار، كتاب عجائب البحر.
إنه من الجدير بالذكر أن كتب ابن الكلبي تلك التي مر ذكرها أو تلك التي لم نذكرها ليست كلها من الأحجام الكبيرة ولكنها تترجح بين الكبر بحيث يحتل الواحد منها أكثر من مجلد، وبين الصغر بحيث يمكن أن يعتبر بعضها رسالة وليس كتابًا، ولكنها في جملتها ثرية غنية معطاءة، إنها عطاء مبكر وفير في فجر التأليف العربي، وهي إلى ذلك قد غطت أكثر فروع المعرفة في ذلك الزمان من أدب بفروعه، وتاريخ، وأخبار، وأسماء، وأنساب، وبلدان، وأمثال، ولغة، وحديث، وعلوم دينية، وعقائد، وحيوان، وقصص.
стр. 70
الفصل الخامس: أبو عبيدة: ١١٠-حوالي ٢٠٩ هـ
وهذا ليس في الحقيقة اسمه، وإنما تلك كنيته. وأما اسمه الحقيقي، فهو معمر بن المثنى التيمي بالولاء، وكان أعجميًّا لا يستقيم له نطق ببيت شعر، وكان يخطئ في القرآن الكريم إذا قرأه، وكان شعوبيًّا يكره العرب ويتعصب عليهم ويطعن في أنسابهم وله كتاب في فضائل الفرس. وقد مر بنا قبل قليل أنه ألف كتابًا في مثالب أهل البصرة مع كونه بصريًّا، وبسبب ذلك، وعلى الرغم من كثرة علمه فإنه لما مات لم يحضر جنازته أحد؛ لأنه لم يسلم منه شريف ولا غير شريف. وكان خارجي المذهب، ولكنه برغم ذلك كان ديوان العرب في بيته.
ونحن لا نود أن نستطرد طويلًا في أخبار أبي عبيدة، فهو على طول مسيرة عمره التي ناهزت قرنًا من الزمان ليس فيها ما يعجب أو يطرب، ويكفي أنه كان كارهًا للقوم الذين عاش بتراثهم.
إن ابن خلكان يذكر أنه ترك مائتي كتاب١، وابن النديم يعدد له مائة كتاب وثلاثة كتب٢، وهي متعددة الموضوعات متشعبة الجوانب مما يدل على أن الرجل كان وافر الثقافة فياض المعرفة، فقد ظل يؤلف حتى وقت وفاته، وعناوين كتبه تدل على أنه ألف في الأدب من شعر وشعراء وفي اللغة والنحو وعلوم القرآن، وعلوم الحديث والأنساب والقبائل وأيام العرب ومآثرهم ومساوئهم، كما ألف في التاريخ في العصرين الجاهلي والإسلامي، والفتوحات. كما ألف في الحيوان وفي الطيور والحيات والعقارب والخيل والزرع مما يدل
стр. 71
على وفرة محصوله.
وأما الكتب المطبوعة لأبي عبيدة فهي نقائض جرير والفرزدق، ومجاز العرب والعققة والبررة، والخيل، ومن كتبه المخطوطة التي لم تطبع بعد كتاب طبقات المعالم وكتاب المحاضرات والمحاورات، وكتاب الأنباذ، وكتاب إعراب القرآن، وكتاب أزواج النبي وكتاب الخيل١.
وأما كتبه المؤكدة التي نقل منها معاصروه ومن جاءوا بعده من مؤلفي كتب الطبقات والتراجم وجاءوا بنصوص منها فهي كتاب المثالب، وكتاب مقاتل فرسان العرب، وكتاب الضيفان، وكتاب التاج في الإنسان، وكتاب المصنف، وكتاب الديباجة، وكتاب الفرق وكتاب أيام العرب، وكتاب غريب الحديث، وكتاب الديباج، وكتاب الدرع والبيضة.
стр. 72
الفصل السادس: الأصمعي ١١٢ - ٢١٦ هـ:
إنًّ عبد الملك بن قريب أبا سعيد الأصمعي واحد من ألمع علماء العربية وأدبائها ومن أشهرهم في الأسماع وأكثرهم ذكرًا في الكتب وجريًا على الألسنة وفضله وأدبه ونوادره وظرفه وآثاره وكتبه.
لقد عاش في تلك الفترة المزدحمة بالعلماء الذين مر طرف من ذكرهم، فترة الخصوبة والعطاء والإنتاج والمناظرة والمزاحمة العلمية بالمناكب، وعاصر أكثر هؤلاء العلماء وله معهم قصص وأخبار ومناظرات، وله مع أعلام عصره من خلفاء ووزراء وحجاب وقواد طرائف تحكى ونكت تذكر.
كان الأصمعي بصري المولد والوفاة مخلصًا لوطنه الصغير متعلقًا به، خرج يطوف في البوادي يسمع من الأعراب الغريب من الألفاظ والطريف من النوادر ويجلس إلى الخلفاء يطرفهم بها ويزيل ضجرهم، فكان يلقى منهم العطاء الوفير، فلما تقدمت به السن عاد إلى موطنه البصرة وظل فيه إلى أن توفي سنة ٢١٦هـ وقيل قبل ذلك بعام حسب الروايات التي جاءت بها كتب التراجم، ومهما كان الأمر فقد عاش الرجل ما يناهز خمسة وثمانين عامًا، شأنه شأن أقرانه من علماء زمانه الذين عرفوا بطول العمر وسخاء العطاء الفكري والأدبي.
قلنا إن الأصمعي كان يجوب البوادي ليحصل الغريب ويجمع النوادر، وهو في ذلك يسعى إلى العلم سعيًا يجمعه بنفسه في تعب وكد، تمامًا كما كان يفعل رجال الحديث الذين كان يسافر الواحد منهم مئات عديدة من الأميال لكي يحقق حديثًا شريفًا أو حديثين، ولكن الأصمعي لم يفعل ذلك وحسب، ولكنه كان يختلف إلى علماء عصره ليسمع منهم ويتعلّم.
стр. 73
على أيديهم. فقد سمع شعبة بن الحجاج، والحمادين: حماد بن الزبرقان وحماد الراوية، وسليمان بن المغيرة، وقرة بن خالد، وأبا زيد الأنصاري وهم صفوة من الأعلام والعلماء.
وكما أفاد الأصمعي من هؤلاء وغيرهم، فقد كان صاحب حلقة درس كبيرة يجتمع إليه الباحثون عن المعرفة فيسمعونه ويأخذون عنه وفي مقدمة هؤلاء عبد الرحمن بن أخيه عبد الله، وأبو حاتم السجستاني، وأبو عبيد الله القاسم بن سلام، وأبو الفضل الرياشي، وأحمد بن محمد اليزيدي وأبو العباس الكديمي وغيرهم١، وكل هؤلاء يمثلون قمة العلم في زمانهم في النحو واللغة، والرواية، والشعر، والنوادر، والأخبار.
لقد كان الأصمعي جديرًا بمكانته العلمية لذكائه المفرط وصدقه واستقامته، فقد ذكر بنفسه أنه يحفظ من الأراجيز وحدها ستة عشر ألف أرجوزة، وفي رواية عشرة آلاف أرجوزة، وسواء أكان العدد عشر آلاف أو ستة عشر ألفًا فإن ذلك يدل على حافظة قليلة النظير بين العلماء، وروي عن ذاكرته أخبار أخرى مثيرة٢ نذهب إلى تصديق أكثرها؛ لأن صفوة الأئمة والعلماء والأدباء والشعراء قد امتدحوه وأكثروا في إطرائه، فالإمام الشافعي يقول٣: ما رأيت بذلك العسكر أصدق من الأصمعي. وفي وصف آخر له قوله: ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي، والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يثنيان عليه٤، وشهادة هؤلاء الثلاثة الأئمة ترفع قدر الأصمعي درجات، وهذا إسحاق الموصلي، يقول: لم أر كالأصمعي يدعي شيئًا من العلم فيكون أحد أعلم به منه.
وبلغ من ثقة الخاصة والمثقفين بعلم الأصمعي أن المأمون -وهو من نعرف علمًا وثقافة- كان قد أرسل إليه في البصرة يستقدمه إلى ندوته لكي يستعين بعلمه وفضله فيما يعن له من مشاكل لغوية أو أدبية، ولكن الأصمعي كان من تقدم السن وضعف الشيخوخة بحيث لم يستطع أن يستجيب إلى رغبة المأمون في السفر إليه، فكان المأمون يجمع المسائل ويبعث بها إليه في البصرة فيجيب عنها٥.
والحق أن الرجل على مخالطته الخلفاء ورجال البلاط والوزراء -ومخالطة هؤلاء وأمثالهم قد تدفع بأكثر الناس إلى شيء من النفاق والرياء- كان صدوقًا عفًّا متدينًا إلى المدى الذي كان يجعله يحجم عن تفسير آية من الكتاب العزيز أو شرح حديث شريف خشية
стр. 74
أن يخطئ في التفسير أو التأويل، وإذا اضطر إلى شيء من ذلك كان يردف، قائلًا: هكذا قال العرب، أو هكذا قال العلماء. بل إنه رفض أن يشرب الماء في آنية من الفضة لعلمه أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك١. ولقد تواترت الأقوال عن استقامة عقيدته وصحة دينه، فما كان أيسر على مؤرخي زمانه أن يتهموا هذا بالزندقة وذاك بالمجوسية إلى غير ذلك من الانحرافات الاعتقادية التي كانت شائعة بالفعل في محيط البصرة، وأما الأصمعي وأبو عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب والخليل بن أحمد فهناك ما يشبه الإجماع على صحة عقيدتهم، فقد قيل: أهل البصرة كانوا أهل أهواء إلا أربعة كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد ويونس بن حبيب والأصمعي٢.
ومع هذه الصفات المسلكية والخلقية الجليلة كان الأصمعي صاحب طرف ونكت ونوادر وأسمار يستمتع بها الخلفاء والوزراء والحجاب ويجزلون له العطاء عليها. فقد كان الرشيد على سبيل المثال -وهو يقضي الصيف بعيدًا عن بغداد في الرقة على شاطئ الفرات غير بعيد عن حلب- يطلب إلى رجاله في بغداد أن يحملوا إليه الأصمعي على البريد، فيسافر الرجل هذه المسافات الطويلة ليقضي مع الخليفة المصطاف أسبوعًا أو بعض أسبوع يسليه ويثقفه بما يسمعه من أخبار وأشعار ويزيل بعض ضجره، ثم يعيده إلى بغداد. وفي إحدى هذه السفرات طلب إليه الرشيد أن يمتحن جاريتين في الأدب والرواية والشعر والأخبار فأنجح واحدة منهما فوهبت له عشرة آلاف دينار، أما الرشيد فبعد أن استمع إلى بعض أسماره -وهي حفية أن يستمع إليها- زال عنه بعض ما كان يساوره من ضجر وأمر له بمائة ألف درهم٣.
وله مع الرشيد قصة أخرى طريفة تدل على وفرة محصول الرجل من الأخبار التاريخية الدقيقة التي قلما يهتم المؤرخون بتدويها، يحكيها الأصمعي في مجال الإطراف والتسرية عن جليسه. فقد ذكر الأصمعي يومًا للرشيد في مجال السمر نهم سليمان بن عبد الملك وكيف كان يجلس للطعام وأمامه الخراف المشوية الملتهبة لخروجها في الوقت نفسه من تنانيرها، فيريد أخذ كلاها فتمنعه الحرارة من ذلك فيجعل يده على طرف جبته ويدخلها في جوف الخروف فيأخذ كلاه، فيعجب الرشيد بالحديث ويقول للأصمعي في تلطف وتعجب: قاتلك الله، ما أعلمك بأخبارهم!! أعلم أنه عرضت علي ذخائر بني أمية، فنظرت إلى ثياب مذهبة ثمينة وأكمامها ودكة بالدهن فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني الحديث، ثم أمر الرشيد بأن
стр. 75
يؤتى له بثياب سليمان بن عبد الملك ونظر فيها فإذا آثار الدهن ظاهرة فيها، فكسا الأصمعي حلة منها. ومن الطريف أن الأصمعي كان يخرج مرتديًا إياها أحيانًا، ويقول: هذه جبة سليمان بن عبد الملك كسانيها الرشيد١.
وللأصمعي مع جعفر بن يحيى نادرة لطيفة حين أراد جعفر أن يعاقب إحدى جواريه الجميلات بأن يزوجها للأصمعي وكان كبير السن قبيح الخلقة، فلما رأته الجارية جزعت جزعًا شديدًا، وهنا يقول الأصمعي لجعفر: هلَّا أعلمتني قبل ذلك، فإني لم آتك حتى سرحت لحيتي وأصلحت عمتي، ولو عرفت أنك تريد عقابها لصرت على هيئة خلقتي فوالله لو رأتني كذلك لما عاودت شيئًا تنكره منها أبدًا ما بقيت٢.
ومن طرائف الأصمعي ونوادره التي يحكيها قوله: رأيت بعض الأعراب يفلي ثيابه فيقتل البراغيث ويدع القمل، فقلت: يا أعرابي ولم تصنع هذا؟ قال: أقتل الفرسان ثم أعطف على الرجالة٣. ولقد ذاعت صفات العلم والفضل والسماحة والفكاهة والسمر عن الأصمعي حتى إن الذين عرضوا لرثائه حين وفاته لم يغفلوا عن ذكر ذلك، فأبو العالية الشامي يذكر علمه وفضله حين رثاه بقوله:
لا در در نبات الأرض إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفا٤
وأما أبو العتاهية فيجمع في مرثيته بين ذكر العلم والفضل والبشاشة والأسمار في قوله:
ألهفي لفقد الأصمعي لقد مضى ... حميدًا له في كل صالحة سهم
تقضت بشاشات المجالس بعده ... وودعنا إذ ودع الأنس والعلم