على وفرة محصوله.
وأما الكتب المطبوعة لأبي عبيدة فهي نقائض جرير والفرزدق، ومجاز العرب والعققة والبررة، والخيل، ومن كتبه المخطوطة التي لم تطبع بعد كتاب طبقات المعالم وكتاب المحاضرات والمحاورات، وكتاب الأنباذ، وكتاب إعراب القرآن، وكتاب أزواج النبي وكتاب الخيل١.
وأما كتبه المؤكدة التي نقل منها معاصروه ومن جاءوا بعده من مؤلفي كتب الطبقات والتراجم وجاءوا بنصوص منها فهي كتاب المثالب، وكتاب مقاتل فرسان العرب، وكتاب الضيفان، وكتاب التاج في الإنسان، وكتاب المصنف، وكتاب الديباجة، وكتاب الفرق وكتاب أيام العرب، وكتاب غريب الحديث، وكتاب الديباج، وكتاب الدرع والبيضة.
стр. 72
الفصل السادس: الأصمعي ١١٢ - ٢١٦ هـ:
إنًّ عبد الملك بن قريب أبا سعيد الأصمعي واحد من ألمع علماء العربية وأدبائها ومن أشهرهم في الأسماع وأكثرهم ذكرًا في الكتب وجريًا على الألسنة وفضله وأدبه ونوادره وظرفه وآثاره وكتبه.
لقد عاش في تلك الفترة المزدحمة بالعلماء الذين مر طرف من ذكرهم، فترة الخصوبة والعطاء والإنتاج والمناظرة والمزاحمة العلمية بالمناكب، وعاصر أكثر هؤلاء العلماء وله معهم قصص وأخبار ومناظرات، وله مع أعلام عصره من خلفاء ووزراء وحجاب وقواد طرائف تحكى ونكت تذكر.
كان الأصمعي بصري المولد والوفاة مخلصًا لوطنه الصغير متعلقًا به، خرج يطوف في البوادي يسمع من الأعراب الغريب من الألفاظ والطريف من النوادر ويجلس إلى الخلفاء يطرفهم بها ويزيل ضجرهم، فكان يلقى منهم العطاء الوفير، فلما تقدمت به السن عاد إلى موطنه البصرة وظل فيه إلى أن توفي سنة ٢١٦هـ وقيل قبل ذلك بعام حسب الروايات التي جاءت بها كتب التراجم، ومهما كان الأمر فقد عاش الرجل ما يناهز خمسة وثمانين عامًا، شأنه شأن أقرانه من علماء زمانه الذين عرفوا بطول العمر وسخاء العطاء الفكري والأدبي.
قلنا إن الأصمعي كان يجوب البوادي ليحصل الغريب ويجمع النوادر، وهو في ذلك يسعى إلى العلم سعيًا يجمعه بنفسه في تعب وكد، تمامًا كما كان يفعل رجال الحديث الذين كان يسافر الواحد منهم مئات عديدة من الأميال لكي يحقق حديثًا شريفًا أو حديثين، ولكن الأصمعي لم يفعل ذلك وحسب، ولكنه كان يختلف إلى علماء عصره ليسمع منهم ويتعلّم.
стр. 73
على أيديهم. فقد سمع شعبة بن الحجاج، والحمادين: حماد بن الزبرقان وحماد الراوية، وسليمان بن المغيرة، وقرة بن خالد، وأبا زيد الأنصاري وهم صفوة من الأعلام والعلماء.
وكما أفاد الأصمعي من هؤلاء وغيرهم، فقد كان صاحب حلقة درس كبيرة يجتمع إليه الباحثون عن المعرفة فيسمعونه ويأخذون عنه وفي مقدمة هؤلاء عبد الرحمن بن أخيه عبد الله، وأبو حاتم السجستاني، وأبو عبيد الله القاسم بن سلام، وأبو الفضل الرياشي، وأحمد بن محمد اليزيدي وأبو العباس الكديمي وغيرهم١، وكل هؤلاء يمثلون قمة العلم في زمانهم في النحو واللغة، والرواية، والشعر، والنوادر، والأخبار.
لقد كان الأصمعي جديرًا بمكانته العلمية لذكائه المفرط وصدقه واستقامته، فقد ذكر بنفسه أنه يحفظ من الأراجيز وحدها ستة عشر ألف أرجوزة، وفي رواية عشرة آلاف أرجوزة، وسواء أكان العدد عشر آلاف أو ستة عشر ألفًا فإن ذلك يدل على حافظة قليلة النظير بين العلماء، وروي عن ذاكرته أخبار أخرى مثيرة٢ نذهب إلى تصديق أكثرها؛ لأن صفوة الأئمة والعلماء والأدباء والشعراء قد امتدحوه وأكثروا في إطرائه، فالإمام الشافعي يقول٣: ما رأيت بذلك العسكر أصدق من الأصمعي. وفي وصف آخر له قوله: ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي، والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يثنيان عليه٤، وشهادة هؤلاء الثلاثة الأئمة ترفع قدر الأصمعي درجات، وهذا إسحاق الموصلي، يقول: لم أر كالأصمعي يدعي شيئًا من العلم فيكون أحد أعلم به منه.
وبلغ من ثقة الخاصة والمثقفين بعلم الأصمعي أن المأمون -وهو من نعرف علمًا وثقافة- كان قد أرسل إليه في البصرة يستقدمه إلى ندوته لكي يستعين بعلمه وفضله فيما يعن له من مشاكل لغوية أو أدبية، ولكن الأصمعي كان من تقدم السن وضعف الشيخوخة بحيث لم يستطع أن يستجيب إلى رغبة المأمون في السفر إليه، فكان المأمون يجمع المسائل ويبعث بها إليه في البصرة فيجيب عنها٥.
والحق أن الرجل على مخالطته الخلفاء ورجال البلاط والوزراء -ومخالطة هؤلاء وأمثالهم قد تدفع بأكثر الناس إلى شيء من النفاق والرياء- كان صدوقًا عفًّا متدينًا إلى المدى الذي كان يجعله يحجم عن تفسير آية من الكتاب العزيز أو شرح حديث شريف خشية
стр. 74
أن يخطئ في التفسير أو التأويل، وإذا اضطر إلى شيء من ذلك كان يردف، قائلًا: هكذا قال العرب، أو هكذا قال العلماء. بل إنه رفض أن يشرب الماء في آنية من الفضة لعلمه أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك١. ولقد تواترت الأقوال عن استقامة عقيدته وصحة دينه، فما كان أيسر على مؤرخي زمانه أن يتهموا هذا بالزندقة وذاك بالمجوسية إلى غير ذلك من الانحرافات الاعتقادية التي كانت شائعة بالفعل في محيط البصرة، وأما الأصمعي وأبو عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب والخليل بن أحمد فهناك ما يشبه الإجماع على صحة عقيدتهم، فقد قيل: أهل البصرة كانوا أهل أهواء إلا أربعة كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد ويونس بن حبيب والأصمعي٢.
ومع هذه الصفات المسلكية والخلقية الجليلة كان الأصمعي صاحب طرف ونكت ونوادر وأسمار يستمتع بها الخلفاء والوزراء والحجاب ويجزلون له العطاء عليها. فقد كان الرشيد على سبيل المثال -وهو يقضي الصيف بعيدًا عن بغداد في الرقة على شاطئ الفرات غير بعيد عن حلب- يطلب إلى رجاله في بغداد أن يحملوا إليه الأصمعي على البريد، فيسافر الرجل هذه المسافات الطويلة ليقضي مع الخليفة المصطاف أسبوعًا أو بعض أسبوع يسليه ويثقفه بما يسمعه من أخبار وأشعار ويزيل بعض ضجره، ثم يعيده إلى بغداد. وفي إحدى هذه السفرات طلب إليه الرشيد أن يمتحن جاريتين في الأدب والرواية والشعر والأخبار فأنجح واحدة منهما فوهبت له عشرة آلاف دينار، أما الرشيد فبعد أن استمع إلى بعض أسماره -وهي حفية أن يستمع إليها- زال عنه بعض ما كان يساوره من ضجر وأمر له بمائة ألف درهم٣.
وله مع الرشيد قصة أخرى طريفة تدل على وفرة محصول الرجل من الأخبار التاريخية الدقيقة التي قلما يهتم المؤرخون بتدويها، يحكيها الأصمعي في مجال الإطراف والتسرية عن جليسه. فقد ذكر الأصمعي يومًا للرشيد في مجال السمر نهم سليمان بن عبد الملك وكيف كان يجلس للطعام وأمامه الخراف المشوية الملتهبة لخروجها في الوقت نفسه من تنانيرها، فيريد أخذ كلاها فتمنعه الحرارة من ذلك فيجعل يده على طرف جبته ويدخلها في جوف الخروف فيأخذ كلاه، فيعجب الرشيد بالحديث ويقول للأصمعي في تلطف وتعجب: قاتلك الله، ما أعلمك بأخبارهم!! أعلم أنه عرضت علي ذخائر بني أمية، فنظرت إلى ثياب مذهبة ثمينة وأكمامها ودكة بالدهن فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني الحديث، ثم أمر الرشيد بأن
стр. 75
يؤتى له بثياب سليمان بن عبد الملك ونظر فيها فإذا آثار الدهن ظاهرة فيها، فكسا الأصمعي حلة منها. ومن الطريف أن الأصمعي كان يخرج مرتديًا إياها أحيانًا، ويقول: هذه جبة سليمان بن عبد الملك كسانيها الرشيد١.
وللأصمعي مع جعفر بن يحيى نادرة لطيفة حين أراد جعفر أن يعاقب إحدى جواريه الجميلات بأن يزوجها للأصمعي وكان كبير السن قبيح الخلقة، فلما رأته الجارية جزعت جزعًا شديدًا، وهنا يقول الأصمعي لجعفر: هلَّا أعلمتني قبل ذلك، فإني لم آتك حتى سرحت لحيتي وأصلحت عمتي، ولو عرفت أنك تريد عقابها لصرت على هيئة خلقتي فوالله لو رأتني كذلك لما عاودت شيئًا تنكره منها أبدًا ما بقيت٢.
ومن طرائف الأصمعي ونوادره التي يحكيها قوله: رأيت بعض الأعراب يفلي ثيابه فيقتل البراغيث ويدع القمل، فقلت: يا أعرابي ولم تصنع هذا؟ قال: أقتل الفرسان ثم أعطف على الرجالة٣. ولقد ذاعت صفات العلم والفضل والسماحة والفكاهة والسمر عن الأصمعي حتى إن الذين عرضوا لرثائه حين وفاته لم يغفلوا عن ذكر ذلك، فأبو العالية الشامي يذكر علمه وفضله حين رثاه بقوله:
لا در در نبات الأرض إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفا٤
وأما أبو العتاهية فيجمع في مرثيته بين ذكر العلم والفضل والبشاشة والأسمار في قوله:
ألهفي لفقد الأصمعي لقد مضى ... حميدًا له في كل صالحة سهم
تقضت بشاشات المجالس بعده ... وودعنا إذ ودع الأنس والعلم
стр. 76
وقد كان نجم العلم فينا حياته ... فلما انقضت أيامه أفل النجم١
لقد كان الأصمعي يسحر الخاصة والعامة بعذب كلامه ونقاء أدبه، وكان معلم الرشيد وملقنه طاقات من الأدب، بل إنه كان بالنسبة إليه -بلغة عصرنا- مستشاره الثقافي، ولم يقف إعجاب التأبين بالأصمعي عند تلك الأقوال القيمة التي رثاه الشعراء بها، بل لقد ظلت طرائفه تتسرب إلى قلوب الناس وعقولهم حتى بعد وفاته بفترات طويلة من الزمان. إن أبا منصور الثعالبي يمدح الأمير الجليل أبا الفضل الميكالي، فلا يجد من المعاني التي تليق به إلا تشبيهه بفصاحة الأصمعي ورقة لفظه وذلك في قوله:
لك في المفاخر معجزات جمة ... أبدًا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران: بحر في البلاغة شأنه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي٢
هذا والأصمعي لامع بين معاصريه من العلماء، مبرز عليهم في كثير من فنون المعرفة، وإذا قصر عن أحدهم في فن برز عليه وفاقه في فن آخر، وما من معاصر له لامع إلا وقد قرن اسم الأصمعي به في مجال المفاضلة، فمن الآراء التي وردت في هذا الشأن قول محمد بن يزيد المبرد: أبو زيد الأنصاري أحسن في النحو، وأبو عبيدة ألمع بالأنساب والأيام والأخبار، والأصمعي بحر في اللغة وكثرة الرواية٣. ويقول الأخفش: ما رأيت أحدًا أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف، فقيل له: أيهما أعلم؟ قال: الأصمعي.
وكان الأصمعي من تمكن العلم في اللغة والتفقه فيها وفهم الشعر بحيث لم يجاره في ذلك معاصر حسبما ذكر الأخفش قبل قليل، وحسبما ذكر المبرد قبل سطور. لقد كان الكسائي والأصمعي وغيرهما في مجلس الرشيد حيث كانت تكثر المناظرات وتثار القضايا اللغوية والنحوية والأدبية في أحيان كثيرة فقال الرشيد سائلًا: ما معنى بيت الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا
فقال الكسائي: أحرم بالحج، فرد الأصمعي: والله ما كان أحرم بالحج ولا أراد الشاعر أنه أيضًا في شهر حرام، فيقال: أحرم إذا دخل في شهر حرام كما يقال أشهر إذا دخل
стр. 77
الشهر وأعام إذا دخل العام، فقال الكسائي متسائلًا مستنكرًا، ما هو غير هذا؟ وفيم أراد؟ فيعمد الأصمعي إلى الطريقة الجدلية المثيرة مجيبًا السؤال بسؤال: ما أراد عدي بن زيد بقوله:
قتلوا كسرى بليل محرما ... فتولى لم يمتع بكفن
أي إحرام لكسرى؟ وهنا يتدخل الرشيد سائلًا: فما المعنى؟ فيجيب الأصمعي: كل من لم يأت شيئًا يوجب عليه عقوبة فهو محرم، فقوله: محرمًا يعني في حرمة الإسلام، وقوله محرمًا في كسرى يعني حرمة العهد الذي كان في عنق أصحابه. فقال الرشيد: ما تطاق في الشعر يا أصمعي١.
وهناك بين الأصمعي وأبي عبيدة بن المثنى قصة كتاب كل منهما في الخيل والقصة يحكيها الأصمعي قائلا: دخلت أنا وأبو عبيدة على الفضل بن الربيع، فقال: يا أصمعي، كم كتابك في الخيل؟ قلت: جلد واحد -أي مجلد واحد- فسأل أبا عبيدة عن كتابه في الموضوع نفسه، فقال: خمسون جلدًا، فأمر بإحضار الكتابين ثم أمر بإحضار فرس فقال لأبي عبيدة: اقرأ كتابك حرفًا حرفًا وضع يدك على كل موضع: فقال أبو عبيدة: لست بيطارًا، إنما هذا شيء أخذته عن العرب وعلمته وألفته. فقال لي: يا أصمعي، قم فضع يدك على كل موضع من الفرس، فقمت فحسرت عن ذراعي وساقي، ثم وثبت فأخذت بأذني الفرس، ثم وضعت يدي على ناصيته فجعلت أقبض منه بشيء فشيء فأقول هذا اسمه كذا، وأنشد فيه، حتى بلغت حافره، فأمر لي بالفرس٢. والأصمعي -بما عرف عنه من مزح وخفة روح- يقول: فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبت الفرس إليه.
ويذهب بعض الروايات إلى أن هذه القصة حدثت تمامًا كما رويت ولكن عند الرشيد وليس عند الفضل بن الربيع، وتضيف هذه الرواية أن الرشيد سأل أبا عبيدة بعد أن انتهى الأصمعي من ذكر أعضاء الفرس: ما تقول فيما قال؟ فأجاب أبو عبيدة: أصاب في بعض وأخطأ في بعض، فالذي أصاب فيه مني تعلمه، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به٣.
لقد كان الأصمعي يسحر الخاصة قبل عامة المثقفين بأدبه وكلامه، وكان من الرشيد بمثابة المعلم والمرجع أو كان -بلغة هذا العصر- مستشاره الثقافي.
إن أخبار الأصمعي سواء منها ما يتعلق بما رواه، أو ما يتصل بعلمه المكتسب، أو
стр. 78
ذكائه الموهوب من الكثرة بمكان، ولكن الأمر الذي نقف عنده هو طريقته في كتابة كتبه وتأليفها، فهو صاحب منهج فريد. لقد كان يجوب البوادي بنفسه ويعايش الأعراب ويعاشرهم ويأخذ عنهم أخذًا مباشرًا، ثم يروي ذلك أو يضمنه صفحة كتاب. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى كان يعرف على الطبيعة كل ما يكتب، يعرفه حسًّا ويفقهه معنى. والدليل على ذلك قصة كتاب الخيل ومعرفته بأجزاء جسم الفرس جزءًا جزءًا وعضوًا عضوًا. إنه منهج فريد في الكتابة والوعي والتأليف.
فأما مؤلفات الأصمعي فقد ذكر له صاحب الفهرست سبعة وأربعين كتابًا في اللغة وما يتصل بها من أدب ونحو وصرف وشعر ورجز، وفي الإنسان وخلقه، وفي الحيوان من إبل وخيل وشاء ووحوش وخلقها وما يتصل بها، وفي النبات والشجر والنخيل وأنواعها، وفي جزيرة العرب وداراتها ومياهها وأنوائها، وفي الأعراب ونوادرهم وأخبارهم، وفي موضوعات أخرى تتصل بالحياة العامة وجوانب المجتمع والبيئة١. ويمكن أن نقدم مؤلفات هذا العالم الجليل على النحو التالي:
أولًا: كتب الحديث واللغة من شعر ورجز ونحو وصرف وغيرها:
كتاب المقصور والممدود، كتاب الهمز، كتاب فعل وأفعل، كتاب الأضداد، كتاب الألفاظ، كتاب اللغات، كتاب الاشتقاق، كتاب أصول الكلام، كتاب القلب والإبدال، كتاب الأصوات، كتاب الصفات، كتاب النسب، كتاب المذكر والمؤنث، كتاب معاني الشعر، كتاب الأراجيز، كتاب القصائد الست، كتاب مختاراته من الشعر وهو الذي أطلق عليه الشنقيطي الأصمعيات وسوف يأتي حديثه في مقدمة حديثنا عن طبقات الشعراء، كتاب غريب الحديث، كتاب غريب الحديث والكلام الوحشي، كتاب النوادر، كتاب نوادر الأعراب.
ثانيًا: كتب اللغة والأدب والنحو والصرف والشعر:
كتاب خلق الإنسان، وكتاب الفرق "يعني الفرق بين أسماء الأعضاء في الإنسان والحيوان"، وكتاب الأجناس، وكتاب خلق الفرس، وكتاب الخيل، وكتاب السرج واللجام والشورى، وكتاب الإبل، وكتاب الرحل، وكتاب الشاء، وكتاب الوحوش، وكتاب السلاح.
ثالثًا: كتبه في النبات والشجر والنخيل وهما كتابان:
стр. 79
كتاب النبات والشجر، وكتاب النخلة الذي نشره الدكتور أوجست هغنر والأب لويس شيخو مع كتاب النبات وكتاب الدارات، وسماه كتاب النخل والكرم١.
رابعًا: كتبه في الجزيرة العربية وما يتصل بها وهي:
كتاب جزيرة العرب، كتاب الدارات، كتاب الأخبية والبيوت، كتاب مياه العرب، كتاب الدلو.
خامسًا: كتبه في الموضوعات التي تتصل بالحياة العامة وهي:
كتاب الأثواب، كتاب الأوقاف، كتاب الميسر والقداح، كتاب الجراح٢.
والأصمعي بعد ذلك كله ملء السمع والبصر والفؤاد لكل دارس لغة أو متبحر في أدب وهو من رواد جامعي الشعر العربي ومحققي مختارات منه.
стр. 80
الفصل السابع: الهيثم بن عدي: ١١٤ - ٢٠٧ هـ
كان الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن معاصرًا لابن الكلبي، ومن وزنه وطبقته علمًا وفضلًا ورواية وحفظًا لشعر العرب وأخبارهم وأنسابهم، وهو من الذين تركوا عددًا كبيرًا من الكتب النفيسة التي لا تخرج في مجمل موضوعاتها عن تلك التي ألفها ابن الكلبي، فقد كانت موضوعات القبائل والأنساب والأخبار والأشعار والرواية والبلدان وعلوم اللغة مما يهتم له المتأدبون والمثقفون. وبمرور الأزمنة تغيرت أسماء الموضوعات وإن بقيت محتويات الكتب على طبيعتها، فالأخبار أصبحت تاريخًا، والبلدان أصبحت جغرافية، والأشعار أصبحت أدبًا، وهلم جرًّا.
وأصل الهيثم بن عدي من منبج ولكنه، ولد في الكوفة سنة ١١٤هـ وعاش فيها ومارس نشاطه العلمي، ومات في بلدة قرب واسط يقال لها فم الصلح١ وقد قارب المائة.
وبالرغم من أن الرجل كان صاحب علم وفضل وجالس أربعة من الخلفاء هم المنصور والمهدي والهادي والرشيد فقد امتحن في حياته أكثر من مرة: امتحن بالسجن عدة سنين؛ لأنه ذكر العباس بن عبد المطلب بشيء لا يليق بمقامه، وربما كان السبب الأصلي في سجنه أنه كان يرى رأي الخوارج٢. ولعل ذلك أيضًا من الأسباب التي جعلت كلا من البخاري والنسائي وأبي داود لا يثقون بروايته في الحديث ويتهمونه بالكذب، بل إنه مما زاد الطين
стр. 81
بلّة أن جاريته كانت تقول: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب١.
وامتحن مرة ثانية بهجاء أبي نواس له، فقد زاره أبو نواس في مجلس، فلم يعرفه وبالتالي لم يستدنه أو يحتفل به فانصرف مغضبًا، فسأل الهيثم عنه فقيل له: إنه أبو نواس، فقال: هذه والله بلية لم أجنها على نفسي، قوموا بنا نعتذر إليه، وذهب إلى أبي نواس يعتذر إليه خشية لسانه، ولكنه كان قد سبق السيف العذل فقد كان أبو نواس أنشأ فيه:
يا هيثم بن عدي لست للعرب ... ولست من طيء إلا على شغب
إذا نسبت عديًّا في بني ثعل ... فقدم الدال قبل العين في النسب٢
وهي قصيدة مريرة الهجاء كان البيت الثاني منها سببًا في محنة ثالثة للعالم الجليل، فقد كان الهيثم تزوج في بني الحارث بن عدي بن كعب فلم يرتضوه، وأرادوا تطليق ابنتهم منه فادعوا أنه ذكر العباس بن عبد المطلب بسوء فحبس ذلك حسبما سلف القول قبل قليل. ثم ركب محمد بن زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي ومعه بعض جماعته إلى هارون الرشيد، وسألوه أن يفرق بين الهيثم وبين التي تزوجها من بني الحارث، فقال الرشيد -وكان حافظ أشعار- أليس هو الذي يقول فيه الشاعر:
إذا نسبت عديًّا في بني ثعل ... فقدم الدال قبل العين في النسب
قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، فأمر الرشيد أن يفرق بينهما، وأخذ الهيثم وضرب ضربًا بالعصا حتى طلقها٣.
وكان الهيثم بمثابة نقطة إثارة للشعراء فيهجونه، فقد أراد الخريمي الشاعر الكبير أن يهجوه فلم تسعفه قريحته فذهب إلى صديقه الشاعر الأعمى علي بن جبلة المعروف بالعكوك قال له: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تهجو لي الهيثم بن عدي، قال: ومالك لا تهجوه أنت وأنت شاعر؟ قال: قد فعلت فما جاءني شيء كما أريد. قال: فكيف أهجو رجلًا لم يتقدم إلي منه إساءة ولا له إلى جرم يحفظني؟ قال: تقرضني فإني ملي بالوفاء والقضاء، قال: فأمهلني، ثم كان أن هجا العكوك هيثما بهذه الأبيات التي يذكر فيها قصة تطليقه الحارثية، وهي قصة موجعة جعلتها الأبيات أكثر إيجاعًا:
стр. 82
للهيثم بن عدي نسبة جمعت ... آباءه فأراحتنا من العدد
اعدد عديا فلو مد البقاء له ... ما عمر الناس لم ينقص ولم يزد
نفسي فداء بني عبد المدان وقد ... تلوه* للوجه واستغلوه بالعمد
حتى أزالوه كرها عن كريمتهم ... وعرفوه بذل أين أصل عدي
يا ابن الخبيثة من أهجو فأفضحه ... إذا هجوت وما تنمى إلى أحد
وهكذا يكون الرجل الفاضل العالم الجليل رمية لكل رامٍ حتى من أولئك الذين لم يسئ إليهم، ذلك أنه لم يسئ إلى العكوك الذي يهجوه استجابة لشاعر صديق له عجز عن أن يهجوه بنفسه. بل إن الرجل يهجى في مقام هجاء الآخرين، فقد أراد دعبل أن يهجو أحمد بن أبي دؤاد، وإذا به يجتاح عديًّا معه في الطريق وذلك في قوله:
سألت أبي وكان أبي عليمًا ... بأخبار الحواضر والبوادي
فقلت له أهيثم من عديٍّ ... فقال كأحمد بن أبي دؤاد
فإن يك هيثم منهم صميمًا ... فأحمد غير شك من إيادِ
متى كانت إياد رءوس قوم ... لقد غضب الإله على العباد١
إن ذلك كله لا ينال من قدر الهيثم الأخباري الراوية العالم المؤرخ الأديب الفكه القصاص السمار، إن الجاحظ على قدره الكبير يجعل منه واحدًا من مصادره الأصيلة في كتابيه البيان والتبيين والحيوان فخطبة الحجاج المشهورة في أهل العراق، ووصية معاوية لولده يزيد التي قالها وكان يزيد غائبًا، وأخبار الوفود التي كانت تفد على الخلفاء حين يبدأون ولايتهم -كل ذلك يرويه الجاحظ عن الهيثم٢ فضلًا عن أخبار أخرى كثيرة مصدر الجاحظ فيها أقوال الهيثم بن عدي.
وكان الهيثم صاحب قصص طريفة أكثرها حول الأعراب الأمر الذي حببه إلى
стр. 83
الخلفاء، ولولا أن هذا المقام يضيق عنها لذكرنا بعضًا منها١.
وهو صاحب فكاهة ودعابة مع علمه وفضله، والفكاهة لا تتنافى مع العلم والمروءة، فقد كان الجاحظ على علمه الوفير وفضله الكثير صاحب نكتة وحليف فكاهة، يقولها رواية حينًا ويبتكرها ويمارسها حينًا آخر. فأما فكاهات الهيثم التي رويت على لسانه فمنها ما رواه عن الضحاك بن زمل: بينا معاوية بن مروان بن الحكم واقفًا بدمشق ينتظر عبد الملك على باب طحان وحمار له يدور بالرحى وفي عنقه جلجل إذ قال للطحان: لم جعلت في عنق هذا الحمار هذا الجلجل؟ فقال الطحان: ربما أدركتني سآمة أو نعسة فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنه قد قام فصحت به. قال معاوية: أفرأيت إن قام ثم مال برأسه هكذا وهكذا -وجعل يحرك رأسه يمنة ويسرة- ما يدريك أنه قائم؟ فقال الطحان: ومن لي بحمار يعقل مثل عقل الأمير٢.
ويجعل الجاحظ من الهيثم مصدرًا ثرًّا لطرائفه التي يضمنها كتابه البيان والتبيين عن النوكى والحمقى، فمن ذلك ما رواه الجاحظ عن الهيثم: خطب قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة وهو خليفة أبيه على خراسان وأتاه كتابه فقال: هذا خطاب الأمير، وهو والله أهل لأن أطيعه، وهو أبي وأكبر مني٣. وقال الهيثم هذه النكتة اللطيفة: قيل لصبي، من أبوك؟ قال وَوْ وَوْ؛ لأن أباه كان يسمى كلبًا٤.
على أن الهيثم بعد ذلك كله كان معترفًا بعلمه وفضله ودرايته وروايته حتى من أولئك الذين يكنون له البغضاء، فقد مر بنا قبل قليل كيف أراد الخريمي أن يهجوه فلما لم تسعفه القريحة أناب عنه الشاعر العكوك كي يهجوه. هذا الخريمي الذي فعل هذه الفعلة الشنعاء قبل الرجل العالم البريء يقول في مقام تمجيده: ما رأيت كثلاثة رجال كانوا يأكلون الناس أكلًا، حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الرصاص على النار، كان هشام بن الكلبي علامة نسابة راوية للمثالب عيابة، فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص، ويمضي الخريمي قائلًا الشيء نفسه بالنسبة إلى علي بن الهيثم إذا رأى موسى الضبي وعلويه المغني الضارب إذا رأى مخارقًا٥. فإذا عرفنا أن هشام بن الكلبي كان من وفرة العلم بحيث قال عنه إسحاق الموصلي -حسبما مر بنا عند الحديث عنه في الفصل السابق- إن الزهري
стр. 84
كان يذوب إذا رآه استطعنا أن نضع الرجل في مكانه الصحيح من الفضل والعلم.
وأما مؤلفات الهيثم فتتسم بالكثرة وإن لم تصل إلى كتب ابن الكلبي من حيث العدد، فقد روى له ابن النديم واحدًا وخمسين كتابًا فقط أكثرها في التاريخ، وعدد منها في الأنساب، وعدد آخر في الطبقات والباقي في صنوف المعرفة المختلفة والآداب.
وقد كان الهيثم منسجمًا مع نفسه في بعض كتبه، ولما كان قد عرف عنه ميله إلى الخوارج، ولما كان أيضًا قد عاش في الكوفة أكثر سني حياته، فقد ألف أكثر من كتاب عنها، ألف كتاب خطط الكوفة، وكتاب ولاة الكوفة، وكتاب قضاة الكوفة والبصرة، وكتاب فخر أهل الكوفة على البصرة. ولما كان طائيًّا فقد ألف كتابًا عن نسب طيء.
وأما كتبه في التاريخ والأخبار فتشترك موضوعاتها مع موضوعات معاصريه من أمثال ابن الكلبي والمدائني وغيرهما، فمن كتبه هذه: كتاب المعمرين، كتاب نزول العرب بخراسان، كتاب تاريخ العجم وبني أمية، كتاب الوفود، كتاب الجامع، كتاب بغايا قريش في الجاهلية وأسماء من ولدن، تاريخ الأشراف الكبير، تاريخ الأشراف الصغير، كتاب التاريخ على السنين، خواتيم الخلفاء، كتاب أخبار الحسن بن علي، كتاب أخبار زياد بن أبيه، كتاب أخبار الفرس، هذا فضلًا عن الكتب التي ألفها عن الكوفة التي مر ذكرها.
وأما كتبه في الأنساب فمنها، بيوتات قريش، بيوتات العرب، نسب طيء.
وفي الطبقات كتب الهيثم هذه الكتب: طبقات الفقهاء والمحدثين، طبقات من روى عن النبي ﷺ من الصحابة، كتاب تسمية الفقهاء والمحدثين.
وللهيثم عدد آخر كبير من الكتب ذات السمات الأدبية والاجتماعية والتاريخية، مثل كتاب النوادر، كتاب النساء، كتاب المواسم، كتاب الدولة، كتاب المثالب الكبير، كتاب المثالب الصغير، كتاب النوافل، كتاب الصوائف، كتاب مديح أهل الشام، كتاب النكد.
والحق أن الهيثم كان دنيا من العلم وأمة من المعرفة، وهو واحد من رواد المؤلفين المكثرين في الثقافة العربية.
стр. 85
الفصل الثامن: المدائني: ١٣٢ - ٢٢٥هـ
وفي مجال وفرة التأليف والاحتفال به في فجر النهضة العلمية، والحركة الثقافية العربية الإسلامية لا ينبغي أن نغفل عن ذكر أبي الحسن علي بن محمد المدائني، البصري ميلادًا ونشأة، الذي سكن المدائن فترة من الزمن فنسب إليها، ثم ما لبث أن تحول إلى بغداد وجعل منها دار إقامة إلى آخر حياته الطويلة التي ناهزت قرنًا من الزمان. إنه ولد مع مولد الدولة العباسية سنة١٣٢هـ وعاصر منذ مولده ثمانية من الخلفاء آخرهم المعتصم، ولكنه لم يتصل بهم جميعًا بل ربما لم تتوثق صلته إلا بالمأمون الذي كان يحب العلماء ويجالس الفضلاء، وقد أدخل المدائني على المأمون أكثر من مرة، وجرت بينهما أحاديث ورويت عن لقائهما أخبار١.
غير أن المدائني كان ذا صلة بإسحاق الموصلي الذي كان يبره ويملأ كمه -حسب تعبيره- من أعلاه إلى أسفله دنانير ودراهم، ويبلغ من ملازمته له أن يموت في بيته٢.
وكان المدائني ذا علم وفير، وكان ثقة في روايته ومحلًّا لتقدير العلماء، وينسب الخطيب البغدادي إلى المرزباني قوله: من أراد أخبار الجاهلية فعليه بكتب أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدانئني٣، وقد وافق المرزباني في ذلك كثرة من المؤرخين المرموقين وفي مقدمتهم صاحب النجوم الزاهرة.
وقد لزم المدائني جانب الفضل والدين حتى إنه واصل الصوم تقربًا إلى الله لمدة
стр. 86
الثلاثين سنة الأخيرة في حياته الطويلة.
وأما كتب المدائني فقد أحصيتها في كتاب الفهرست فوجدتها مائتين وثلاثة وثلاثين كتابًا١، جعلها ابن النديم تحت العناوين الآتية:
أولًا: كتبه في أخبار النبي ﷺ وقد بلغت أربعة وعشرين كتابًا، منها على سبيل المثال: كتاب أمهات النبي ﷺ ، كتاب خطب النبي ﷺ ، كتاب المغازي وهو في ثمانية مجلدات، كتاب الوفود ويحتوي على وفد اليمن ووفود مصر ووفود ربيعة، كتاب السرايا.
ثانيًا: كتبه في أخبار قريش ويضم تسعة وعشرين كتابًا منها:
كتاب نسب قريش وأخبارها، كتاب العباس بن عبد المطلب، كتاب أخبار أبي طالب وولده، كتاب عبد الله بن العباس، كتاب آل أبي العاص، كتاب ابن أبي عتيق، كتاب فضائل محمد ابن الحنفية، كتاب فضائل الحارث بن عبد المطلب، كتاب فضائل قريش، كتاب هجاء حسان لقريش، كتاب أسماء من قتل من الطالبيين٢، كتاب أخبار زياد بن أبيه٣، كتاب الجوابات ويحتوي على جوابات قريش وجوابات مضر وجوابات ربيعة وجوابات الموالي وجوابات اليمن.
ثالثًا: كتبه في أخبار مناكح الأشراف وأخبار النساء ويضم اثنين وعشرين كتابًا منها كتاب الصداق، كتاب الولائم، كتاب النواكح والنواشز، كتاب المعبرات، كتاب المغنيات، كتاب من هجاها زوجها، كتاب مناقضات الشعراء وأخبار النساء، كتاب الفاطميات، كتاب من وصف امرأة فأحسن، كتاب البكر، كتاب من تزوج من نساء الخلفاء.
رابعًا: كتبه في أخبار الخلفاء ويضم سبعة كتب هي: كتاب تسمية الخلفاء وكناهم، كتاب أعمار الخلفاء، كتاب تاريخ الخلفاء، كتاب حلي الخلفاء، كتاب أخبار الخلفاء الكبير ويضم أخبار الخلفاء ابتداء من الصديق أبي بكر شاملًا أخبار الراشدين وجميع ملوك بني أمية وملوك بني العباس حتى المعتصم، كتاب آداب السلطان.
خامسًا: كتبه في الأحداث ويضم خمسة وعشرين كتابًا منها: كتاب مقتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب الردة، كتاب الخوارج٤، كتاب النهروان، كتاب خطب علي ﵇ وكتبه إلى عماله، كتاب مرج راهط، كتاب أخبار الحجاج ووفاته، كتاب خلافة عبد
стр. 87
الجبّار الأزدي وقتله المسور، كتاب يوم سنبل.
سادسًا: كتبه في "الفتوح" وتبلغ سبعة وثلاثين كتابًا منها:
كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق، كتاب خبر البصرة وفتوحها، كتاب الإشارة، كتاب فتوح خراسان، كتاب نوادر قتيبة بن مسلم، كتاب الدولة، كتاب ثغر الهند، كتاب عمال الهند، كتاب فتوح سجستان، كتاب فارس، كتاب فتح الأبلة، كتاب أخبار أرمينية، كتاب كرمان، كتاب بعمان، كتاب فتوح جبال طبرستان، كتاب فتوح مصر، كتاب أخبار الحسن بن زيد وما مدح به في الشعر وعماله، كتاب فتوح الجزيرة، كتاب الأهواز، كتاب فتوح الشام، كتاب فتح برقة.
سابعًا: كتبه في أخبار العرب وعددها عشرة منها: كتب البيوتات، كتاب أشراف قيس، كتاب من نسب إلى أمه، كتاب من سمي باسم أبيه من العرب، كتاب الخيل والرهان، كتاب بناء الكعبة، كتاب خبر خزاعة، كتاب حمى المدينة وجبالها وأوديتها.
ثامنًا: كتبه في أخبار الشعراء وعددها اثنان وثلاثون كتابًا منها: كتاب أخبار الشعراء، كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء، كتاب الشيوخ، كتاب الغرماء، كتاب من تمثل بشعر في مرضه، كتاب من وقف على قبر فتمثل بشعر، كتبًا من تشبه بالرجال من النساء، كتاب فضل العربيات على الحضريات، كتاب من قال شعرًا على البديهة، كتاب من قال شعرًا في الأوابد، كتاب من قال شعرًا فسمى به، كتاب من قال في الحكومة من الشعراء، كتاب من ندم على المديح وندم على الهجاء، كتاب أخبار الفرزدق، كتاب خبر عمران بن حطان الخارجي، كتاب النكد.
تاسعًا: كتبه في موضوعات أخرى وعددها حوالي خمسة وأربعين منها: كتاب الأوائل، كتاب المنافرات، كتاب القيافة والفأل والزجر، كتاب الضراطين، كتاب خصومات الأشراف، كتاب الخيل، كتاب التمني، كتاب المسومين، كتاب ذم الجنيد، كتاب الحيل، كتاب قضاة المدينة، كتاب قضاة البصرة، كتاب مفاخرة أهل البصرة وأهل الكوفة، كتاب مفاخر العرب والعجم، كتاب ضرب الدراهم والصرف، كتاب صلاح المال، كتاب أدب الإخوان، كتاب البخل، كتاب النوادر، كتاب المدينة، كتاب مكة، كتاب المحتضرين١، كتاب معرفة المراتب والرسوم، كتاب المراعي والجراد.
إنها رحلة طويلة مع موضوعات عديدة تناولتها هذه المجموعة الضخمة من الكتب التي كتبها فرد واحد، أو بالأحرى عالم واحد، ولكن كان العالم من هؤلاء يهب عمره المديد
стр. 88
الطويل لخدمة العلم فيعيش عابدًا في محرابه متبتلًا في خلوته معطاء في ندوته فكانت هذه الكتب الكثيرة الوفيرة السخية التي كانت تتعامل مع أكثر فنون المعرفة في ذلك الزمان.
стр. 89
الباب الرابع: التأليف الأدبي المنهجي
الفصل الأول: أبو عثمان الجاحظ
...
الباب الرابع: التأليف الأدبي المنهجي
الفصل الأول: الجاحظ ١٥٠ - ٢٥٥هـ:
إن اسمه عمرو بن بحر بن محبوب وكنيته أبو عثمان؛ وإنما قيل له الجاحظ لأن عينيه كان بهما جحوظ أي نتوء، وكان يقال له أيضًا الحدقي، وكان الجاحظ درة ثمينة في جبين المعرفة العربية والإنسانية، عالمًا في كل فن، آخذًا من كل علم بطرف بل أطراف، ثقف نفسه ثقافة واسعة هيأت له أسباب المجد في حياته، ومكنته من تأليف نفائس الكتب التي كتبت له ولها الخلود بعد مماته.
لقد انتفع الجاحظ بكل لحظة من لحظات عمره الطويل بالقراءة والاطلاع فما كان يُرى إلا ومعه كتاب، وما وقع في يده كتاب إلا استوفاه قراءة، بل إن الطريف الممتع في حياة الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين -أي محلات بيع الكتب حسب تعبير زماننا- ويبيت فيها للنظر فيما حوته من العلم.
لقد ثقف الجاحظ نفسه في علوم الدين ومعارف الدنيا وتتلمذ على أعلام العلماء مثل الأخفش في اللغة وإبراهيم النظام في علم الكلام، كما نهل الفصاحة من مناهلها السليمة من شفاه أهل المربد بالبصرة، والجاحظ علم البصرة الذي لا تخطئه العين.
إن الجاحظ جعل لنفسه مدرسة في الأسلوب شبيهة بمدرسة ابن المقفع بل أرفع منها شأنًا وأعلى منها مقامًا، بل إن مدرسته أنقى من مدرسة عبد الحميد وأيسر، إنه ينصح من ينشد السداد في الكتابة، بأن يكون رقيق حواشي اللسان، عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة١.
стр. 90
ويقول الجاحظ في صفة الأسلوب الأمثل: "متى شاكل -أبقاك الله- اللفظ معناه، وكان لذلك الحال وفقًا، ولذلك القدر لفقًا، وخرج من سماحة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف، كان قمينًا بحسن الموقع، وحقيقًا بانتفاع المستمع، وجديرًا أن يمنع جانبه من تأول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور به مأهولة، ومتى كان اللفظ أيضًا كريمًا في نفسه، متخيرًا من جنسه وكان سليمًا من الفضول بريئًا من التعقيد حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت له الأسماع وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض، ومن أعاره من معرفته نصيبًا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبًا، حبب إليه المعاني وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كبر التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم"١.
هذه هي طريقة الجاحظ في الكتابة يصفها للمتأدبين ويمارسها بنفسه حين يكتب، لا يفتعل ولا يتوعر ولا يسجع إلا لمامًا ولكنه يعمد إلى المزاوجة وهي ضرب من الكتابة أقرب إلى السجع وإن تخلصت من القافية.
أما وقد استقام للجاحظ أسلوب الكتابة فإنه لم يلبث أن عمد إلى التأليف من خلال هذا النمط السهل الرفيع من أنماط الكتابة.
وكان الجاحظ من رجال المعتزلة ينهج نهجهم في تفكيرهم الديني ويسير في ركبهم، بل على رأسهم، فقد أصبح له مدرسة تفكير تعرف بالمدرسة الجاحظية وكان هو عميدها بطبيعة الحال. وقد تورط فيما تورط فيه بعض المعتزلة على أيام المأمون والمعتصم في فتنة خلق القرآن، ولم يستنكر ما تعرض له بعض أئمة المسلمين من تعذيب من خلال تلك الفتنة، كالذي حدث للإمام أحمد بن حنبل، بل هو واحد من الذين أرخوا لهذه المحنة تاريخًا كان من الأفضل لو لم يورط نفسه فيه.
وعلى كل حال فقد كان الجاحظ عالمًا جليلًا حتى إن المتوكل لما علم بفضله استدعاه لتأديب بعض ولده، ولكنه عندما رآه استبشع منظره فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه. وكان الجاحظ على فيض علمه ووافر أدبه لا يزال متطلعًا إلى المزيد، وكان يقول: "إذا سمعت الرجل يقول ما ترك الأول للآخر شيئًا، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح".
والجاحظ مع علمه وفضله واعتزاله، ظريف صاحب نكتة وحليف بسمة خفيف الظل سريع البديهة لماح العارضة، وله نوادر كثيرة باسمة ومضحكة حكى طرفًا منها ياقوت في
стр. 91
ترجمته له، كما ظهرت سمائها في كتابه المشهور "البخلاء".
وأما مكانة الجاحظ عند العلماء الأعلام فهي من السمو ورفعة القدر بحيث إنه ليس من اليسير حصر آراء كبار العلماء فيه، ولكن لا بأس من ضرب مثل أو أكثر للتعريف بمكانته. فقد أثر عن جماعة من الصائبين الكتاب أن ثابت بن قرة قال: ما أحسد هذه الأمة إلا على ثلاثة أنفس، فإنه:
عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم
فقيل له: احص لنا هؤلاء الثلاثة! قال: أولهم عمر بن الخطاب في سياسته ويقظته وحذره، وحفظه ودينه وتقيته، وجزالته وبذالته وشهامته، وقيامه في صغير أمره وكبيره بنفسه، مع قريحة صافية، وعقل وافر، ولسان عضب وقلب شديد....
والثاني الحسن البصري، فلقد كان من دراري النجوم علمًا وتقوى وزهدًا وورعًا وعفةً ورقةً وتألهًا وتنزهًا وفقهًا ومعرفةً وفصاحة ونصاحة، مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلتبس بالعقول ...
والثالث أبو عثمان الجاحظ خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين، ومدره المتقدمين والمتأخرين، إن تكلم حكى سحبان في البلاغة، وإن ناظر ضارع النظام في الجدال، وإن جد خرج في مسك عامر بن قيس، وإن هزل زاد على مزيد حبيب القلوب ومزاج الأرواح، رشاه آنفًا، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء. الخلفاء تعرفه، والأمراء تصافيه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم وبين الذكاء والفهم.
ويطيل ثابت بن قرة في وصف الجاحظ إطالة أملتها الضرورة التي تدفع به إلى استيفاء قدر الرجل ولكننا اكتفينا منها بهذا القدر١.
ومن سمو قدر الجاحظ ما يستفاد من هذه القصة التي تتلخص في أن بعض الناس قالوا لأبي هفان الراوية: لم لا تهجو الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بمخنقك، فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة.
والمثال الآخر على سمو قدر الجاحظ عند صفوة الخاصة ما حكاه أبو القاسم
стр. 92
السيرافي عن رجل غض من قدر الجاحظ عند ابن العميد، وكان ابن العميد وزيرًا جليلًا كاتبًا شاعرًا فارسًا عالمًا جليل القدر في نواحٍ عديدة من نواحي المعرفة.
يقول أبو القاسم السيرافي: حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد الوزير فجرى ذكر الجاحظ، فغض منه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك على الرد على أمثاله، فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له النظر في كتبه صار بذلك إنسانًا يا أبا القاسم، فكتب الجاحظ تعلم العقل أولًا والأدب ثانيًا، ولم أستصلحه لذلك١.
إذن فالجاحظ رائد كبير من رواد التأليف في الفكر العربي، والعقل الإسلامي عاش للعلم جامعًا وهاضمًا، ومانحًا، وللكتاب قارئًا وخادمًا ومؤلفًا، ملأ سماء زمانه فكرًا وحركة وعلمًا على صفحات الكتب وبين دفات المجلدات.
فما هي كتب الجاحظ تلك التي تعلم العقل والأدب حسب تعبير الوزير الجليل أبي الفضل ابن العميد وكم عددها وما موضوعاتها، وما أهمها قيمة وأجلها قدرًا؟
مؤلفات الجاحظ ومنهجه:
أما عدد كتب الجاحظ فيما يروي سبط الجوزي في كتاب مرآة الزمان فهي ثلاثمائة وستون كتاب، وهو بذلك يكون أوفر المؤلفين المسلمين عدد كتب، وهي في الوقت نفسه من أرفعها قدرًا وأسماها علمًا. وكتب الجاحظ ليست كلها مجرد تصنيف ولكنها في أكثرها ابتكار وخلق وإبداع بحيث نستطع أن نقرر أنه أول من مارس التأليف الحق في علوم الدنيا بين أساتذة العربية وعلماء الإسلام. وقد شهد له محبوه من أمثال ابن العميد، وثابت بن قرة كما أقر بفضله شانئوه من أمثال أبي هفان والمسعودي صاحب "مروج الذهب" الذي يقول عن مؤلفاته: "وكتب الجاحظ -مع انحرافه المشهور- تجلو صدأ الأذهان وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل ومن حكمة بليغة إلى نادرة طريفة. وله كتب حسان، منها البيان والتبيين، وهو أشرفها؛ لأنه جمع فيه بين المنثور والمنظوم، وغرر الأشعار ومستحسن الأخبار وبليغ الخطب ما لو اقتصر عليه مقتصر لاكتفى به، وكتاب الحيوان، وكتاب الطفيليين والبخلاء"٢.
стр. 93
والواقع أن المسعودي في كلمته هذه القصيرة لا يعرف بكتب الجاحظ وحسب، وإنما هو يشرح منهجه في التأليف ومذهبه في التفكير، وكان المسعودي من الحصافة بحيث وقف وقفة ظاهرة أمام أنفس كتب الجاحظ، وهو البيان والتبيين، كما أنه لم ينس أن يذكر الكتابين اللذين يجيئان بعده شهرة وذيوعًا وهما: كتاب الحيوان وكتاب البخلاء.
والموضوعات التي طرقها الجاحظ في كتبه متشعبة متشابكة متعددة متميزة، وبمعنى آخر كان الجاحظ يحسن طرق أي موضوع يريد طرقه، كان يعد نفسه له ويحيط بأطرافه ثم يبدأ الكلام فيه، فلا يكاد ينتهي منه إلا وقد قدم طرفة جديدة من طرائف العقل العربي. لقد سئل أبو العيناء: أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري أي شيء كان الجاحظ لا يحسن.
لقد مر بنا أن عدد الكتب التي ألفها الجاحظ بلغت ثلاثمائة وستين كتابًا، وهي في اعتقادنا ليست جميعًا مما يصلح أن يطلق عليه اسم كتاب، فبعض هذه الكتب أقرب إلى أن يكون رسالة منه إلى أن يكون كتابًا، ولكن في الوقت نفسه عنده من الكتب ما يصل حجمه الكمي والكيفي إلى سبعة مجلدات بحروف المطبعة الحديثة مثل: كتاب الحيوان، أو إلى أربعة مجلدات مثل: البيان والتبيين.
نعود مرة ثانية إلى موضوعات التأليف عند الجاحظ، ولكي تكون الفكرة واضحة عن تعددها فإننا نذكر منها على سبيل المثال كتاب البيان والتبيين، كتاب الحيوان، كتاب البخلاء، كتاب المعرفة، كتاب النبي والمتنبي، كتاب مسائل القرآن، كتاب فضيلة المعتزلة، كتاب الإمامة على مذهب الشيعة، كتاب إمامة معاوية، كتاب الرد على النصارى، كتاب القواد، كتاب اللصوص، كتاب المعلمين، كتاب الجواري، كتاب العرجان والبرصان، كتاب النساء، كتاب المقينين والغناء والصنعة، كتاب أمهات الأولاد، كتاب المغنين، كتاب ذوي العاهات، كتاب في الأسد والذئب، كتاب الكيمياء، كتاب أحدوثة العالم، كتاب نقض الطب، كتاب التفاح، كتاب الزرع والنخل، كتاب النرد والشطرنج، كتاب غش الصناعات، كتاب من يسمى من الشعراء عمرًا، كتاب فضل الفرس، كتاب التسوية بين العرب والعجم، كتاب تنبيه الملوك، كتاب الأصنام، كتاب البلدان، كتاب الربيع والخريف إلخ إلخ.
هذه بعض موضوعات كتب الجاحظ، وإن الذي يدرس ما قد وصل إلينا منها -وهي لسوء الحظ قليلة بالنسبة إلى العدد الهائل الذي ألفه يستطيع أن يرى من خلال تناوله لموضوعاته المختلفة المتشعبة شخصية العالم المتمكن والمؤلف المتماسك الحصيف الذي يفيض العلم من خاطره فيضًا وتنساب المعرفة من قلمه انسيابًا.
стр. 94
غير أننا وقد ذكرنا تلك الكتب نحسُّ أننا لا نستطيع أن نجرد الجاحظ من مسحة شعوبية حين كتب كتابًا بعنوان فضل الفرس، ثم انعطف وكتب كتابًا آخر بعنوان: التسوية بين العرب والعجم.
قد يقول قائل إن ما كتبه الجاحظ حق، فالإسلام سوى بين العرب والعجم وغيرهم من الشعوب. والجواب أنه إذا كان الأمر كذلك فإنه لم يكن هناك ما يدعو إلى تأليف كتاب بهذا العنوان، هذا فضلًا عن الكتاب الآخر الذي خصصه لفضل الفرس.
على أننا ونحن نعرض لمؤلفات الجاحظ لا بد لنا أن نقف وقفة قصيرة عند كتابيه "البيان والتبيين" و "الحيوان" محاولين استكناه قدرهما ومنهجهما الأدبي.
وعلى عادة المؤلفين القدماء الذين كانوا يعيشون من أقلامهم وكتبهم أهدى الجاحظ كتابه "البيان والتبيين" إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد وزير المأمون، وأهدى كتابه "الحيوان" إلى الوزير الأديب محمد بن عبد الملك الزيات، كما أهدى كتابه "النخل والزرع" إلى الكاتب العبقري إبراهيم بن العباس الصولي، ومعنى ذلك أن كتاب "الحيوان" أسبق تأليفًا من "البيان والتبيين"؛ لأن محمد بن عبد الملك الزيات الذي أهدى الجاحظ إليه كتاب الحيوان توفي سنة ٢٢٣هـ وأما أحمد بن أبي دؤاد الذي أهدى إليه كتاب البيان والتبيين، فقد ولى أمر الدولة بعد مقتل ابن الزيات وبقي في الحكم سبع سنوات أثار فيها فتنة خلق القرآن وتوفي سنة ٢٤٠ هـ، وأما الصولي الذي أهدى إليه كتاب الزرع والنخل فقد توفي سنة ٢٤٣هـ.
يبقى بعد ذلك معنى أكبر من طبيعة الإهداء نفسه، فذلك أمر غير ذي بال اللهم إلا في تحديد أي من هذه الكتب الكبرى قد كتب قبل أخيه، أما المعنى الذي نقصد إليه فهو أن الجاحظ قد ألف هذه الكتب التي ازدانت بها المكتبة العربية، وهو فوق الثمانين من العمر، فليس غريبًا إذن أن يكون هذان الكتابان اللذان بين أيدينا محققين مطبوعين أكثر من مرة يمثلان فكر الجاحظ وخلاصة علمه وجوهر تجربته.
البيان والتبيين:
إنه في نظرنا أفضل آثار الجاحظ جميعًا وهو واحد من أشهر كتب الأدب العربي الذي يعلم الذوق ويصقل الفكر وينبه الخاطر ويوسع المدارك وما من أدب في العربية منذ تاريخ تأليف هذا الكتاب إلى يومنا إلا وقد أفاد منه واستعان به في شئون الثقافة الإسلامية والأدب العربي، ولم يخل كتاب كبير من كتاب عباقرة العربية من أثر منه مبتدئين بابن قتيبة الذي هو نظير للجاحظ علمًا وفضًلا مارين بعلماء المشارقة والمغاربة والأندلسيين مثل المبرد وعبد
стр. 95
القاهر الجرجاني من المشارقة والحصري القيراوني من المغاربة، وابن رشيق وأحمد بن عبد ربه من الأندلسيين. بل إن نسخ البيان والتبيين وصلت إلى الأندلس في حياة الجاحظ فأعلت ذكره وجعلت الكثيرين من شباب الأندلس المرتحلين إلى المشرق طلبًا للعلم ينحدرون إلى البصرة لكي يروا الجاحظ ويتلقوا عنه.
وكل موضوعات كتاب البيان والتبيين جيدة يستوي في ذلك ما نهج فيه منهج الجد، وما جنح فيه إلى جانب الفكاهة والهزل.
فأما موضوعات الجد في الكتاب فتتلخص في الأغراض الآتية:
١- الخطابة: وقد أورد الجاحظ أخبار الخطباء في الجاهلية والإسلام، كما بين صفات الخطيب الناجح، وذكر مكانة الخطيب بين قومه حين قدموه في كثير من الأحيان على الشاعر، كما ذكر الخطباء الشعراء وأخبارهم وزودونا بعد ذلك بعدد وافر من الخطب المشهورة لمشاهير الخطباء كالحجاج، وزياد وأكثم بن صيفي وعامر بن الظرب وقس بن ساعدة وزيد بن علي، كما قدم نماذج لأغراض الخطابة المتعددة. وهو حين يتحدث الخطيب يمدح الصوت الجهير ويذم الصوت الضئيل، كما ذكر في مقام رحابة الشدق وسعة الفم ويعد الصوت وذكر في مقام الذم صغر الفم.
ويذكر أيضًا النساء الخطيبات الفصيحات مثل أم المؤمنين عائشة وصفية بن عبد المطلب وغيرهما، وللخطابة والخطباء ونماذج الخطب أمكنة رحيبة في البيان والتبيين.
٢- البلاغة والبيان: ولعل هذا الغرض الذي جاء على صفحات عديدة من الكتاب، مجمعًا تارة ومفرقًا تارة أخرى، من أهم أغراض الكتاب. فلقد تحدث الجاحظ عن اللحن واللحانين ومخارج الحروف، كما تحدث عن اللثغة وضرب لذلك مثلًا بواصل بن عطاء الذي كان خطيبًا مفوهًا ولكنه كان يتفادى الألفاظ التي فيها حرف الراء حتى لا يؤذي آذان السامعين بقبح نطقها، كما تحدث عن البلاغة في الإيجاز وعن البلاغة في الإطناب وضرب لذلك أمثلة كثيرة، هذا فضلًا عن نماذج كثيرة جدًّا لضروب من الأقوال البليغة.
٣- الشعر: لقد وشى الجاحظ كتابه هذا بمنتخبات من الأشعار اختارتها قريحة أديب لماح، وكان يقف عند كثير من المقطوعات التي يجيء بها وقفة الصيرفي الناقد البارع يبين وجوه محاسنها إن كانت حسنة، ووجوه قبحها إن كانت معيبة. ولم يكن يترك شاعرًا منذ الجاهلية إلى عصره إلا وقد اختار شيئًا من شعره في مناسبة بعينها وقدم بعضًا من أبياته في مجال الاستشهاد، والحق أن ما قد حواه البيان والتبيين من ثروة شعرية يعد شيئًا نادر المثال مثل تلك المجموعات التي اختارها أبو تمام أو البحتري وغيرهما، وأطلقوا عليها اسم كتب "الحماسة".
стр. 96
٤- الرسائل والوصايا والمحاورات: وكل هذه موقورة كثيرة في حنايا الكتاب، بعضها رسائل رسمية متعلقة بشئون الدولة وهي ما اصطلح على تسميتها بالرسائل الديوانية، وبعضها الآخر رسائل اجتماعية جرت بين أصدقاء وهي التي يطلق عليها الرسائل الإخوانية، ولما كان الجاحظ سيدًا من سادة الأسلوب في الكتابة العربية، فإنه يحسن ما يختار من رسائل في مقام الغرض الذي اختاره من أجله. هذا وقد أكثر الجاحظ من ذكر الوصايا وخاصة وصايا الخلفاء. ويهتم الجاحظ بالمحاورات، والطريف منها بشكل خاص، وما كان يبعث على الافتخار كتلك المحاورات التي كانت تجري بين عبد الملك ورجاله، أو بين الحجاج والعامة حينًا، وبينه وبين أعدائه والخارجين عليه أحيانًا أخرى والتي تنتهي عادة إما بالإفراج والعفو أو بالقتل وسفك الدم، وهي محاورات خليقة بأن تقرأ؛ لأنها تربي النفس وتنهض بالأخلاق وتعلم قوة الحجة ونصاعة البرهان.
٥- النساك والقصاص: وكان هؤلاء على أيام الجاحظ وقبله بقليل من الخطر والأهمية بمكان، وكانوا صفوة بين علماء ومعلمين. وقد تكاثروا في البصرة بلد الجاحظ بشكل خاص، ومن منا يستطيع أن يغفل شأن الحسن البصري ناسكًا، ومن ذا الذي يجرؤ على إنكار خطره عالمًا وخطيبًا! لقد أتى الجاحظ في أكثر من فصل من فصول كتابه بأسماء العشرات من أمثال مالك بن دينار وأبي حازم الأعرج ويزيد الرقاشي، ولم يغفل النساء الزاهدات مثل رابعة العدوية القيسية ومعاذة العدوية، وأم الدرداء.
وأما الجانب الساخر من فصول البيان والتبيين فهو الحكمة التي تصدر عمن لا يتوقع المرء أن تصدر منه، والجاحظ يجيد الكتابة الفكهة فهو فكه بطبعه مرح في غير تكلف، ومن ثم فقد خص الحمقى والنوكى بدراسة وافية، وكثيرًا ما كانت الحكمة تجري على ألسنتهم وهو لسوء الحظ يعد المعلمين في أكثر الأحيان من الحمقى، بل إنه يحمل عليهم في سخرية، وينسب إلى بعض الحكماء قوله: لا تستشيروا معلمًا ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء. كما أنه يذكر من أمثال العامة قولهم: أحمق من معلم كتاب، غير أنه لا يلبث في موضع آخر أن يستبعد الحماقة عن عظماء المعلمين الذين علموا أولاد الملوك المرشحين للخلافة مثل علي بن حمزة الكسائي أو محمد بن المستنير الذي يقال له قطرب.
ومن القصص الطريفة التي جاء بها الجاحظ عن النوكى بعد أن عدد أسماءهم ما ذكره عن ديسيموس اليوناني وجعيفران الموسوس الشاعر. يقول الجاحظ:
فأما ديسيموس فكان من موسوسي اليونانيين، قال له قائل: ما بال ديسيموس يعلم الناس الشعر ولا يستطيع قوله؟ قال: مثله مثل المسن الذي يشحذ ولا يقطع؟
ورآه رجل وهو يأكل في السوق فقال: ما بال ديسيموس يأكل في السوق؟ فقال: إذا
стр. 97
جاع في السوق أكل في السوق.
وألح عليه رجل بالشتيمة وهو ساكت؟ فقال: أرأيت إن نبحك كلب أتنبحه، وإن رمحك حمار أترمحه؟
وكان إذا خرج في الفجر يريد الفرات ألقى في دوارة بابه حجرًا، حتى لا يعاني دفع بابه إذا رجع. وكان كلما رجع إلى بابه وجد الحجر مرفوعًا والباب منصفقًا، فعلم أن أحدًا يأخذ الحجر من مكانه، فكمن لصاحبه يومًا، فلما رآه قد أخذ الحجر، قال: مالك تأخذ ما ليس لك؟ قال: لم أعلم أنه لك. قال: فقد علمت أنه ليس لك.
وأما جعيفران الموسوس الشاعر، فشهدت رجلًا أعطاه درهمًا، وقال له: قل شعرًا على الجيم فأنشأ، يقول:
عادني الهم فاعلتج ... كل هم إلى فرج
سل عنك الهموم بالكاس ... وبالراح تنفرج
وكان يتشيع، فقال له قائل: أتشتم فاطمة وتأخذ درهمًا؟ قال: لا بل أشتم عائشة وآخذ نصف درهم.
وهو الذي يقول:
ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه
أضحى لقوم كثير ... فكهلم يدعيه
فذا يقول بنيي ... وذا يخاصم فيه
والأم تضحك منهم ... لعلمها بأبيه
ومن أخبارهم أيضًا ما ذكره الجاحظ عن بعض من اعتلى المنبر منهم ونوادر أخرى نجتزئ منها:
خطب قبيصة بن المهلب، وهو خليفة أبيه على خراسان وأتاه كتابه، فقال: هذا كتاب الأمير، وهو والله أهل؛ لأن أطيعه، وهو أبي وهو أكبر مني.
وكان -فما زعموا- ابن لسعيد الجوهري، يقول: صلى الله ﵎ على محمد ﷺ .
ومن أخبارهم أيضًا: صعد عدي بن أرطاة على المنبر، فلما رأى جموع الناس حصر، فقال: الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم.
ومن طرائفهم أيضًا ما قد ذكر عن روح بن حاتم حين صعد المنبر فلما رأى الناس رافعين رؤوسهم متجهين بأبصارهم إليه وأسماعهم نحوه، قال: نكسوا رؤوسكم، وغضوا
стр. 98
أبصاركم، فإن المنبر مركب صعب، وإذا يسر الله فتح قفل تيسر.
خطب مصعب بن حيان، أخو مقاتل بن حيان خطبة نكاح، فحصر فقال: لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله، فقالت أم الجارية: عجل الله موتك، ألهذا دعوناك؟
وخطب أمير المؤمنين الموالي خطبة نكاح، فحصر، فقال: اللهم إنا نحمدك ونستعينك ونشرك بك.
وقال مولى خالد بن صفوان: زوجني أمتك فلانة. فقال: قد زوجتكم، قال: أفأدخل الحي حتى يحضروا الخطبة؟ قال: أدخلهم. فابتدأ خالد فقال: أما بعد فإن الله أجل وأعز من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين، وقد زوجت هذه الفاعلة من هذا ابن الفاعلة.
وقال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتز: سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الكيسى.
ودخل كثير عزة -وكان محمقًا، ويكنى أبا صخر- على يزيد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين: ما يعني الشماخ بن ضرار بقوله:
إذا الأرطي توصد أبرديه ... خدود جوازئ بالرمل عين١
قال يزيد: وما يضر أمير المؤمنين ألا يعرف ما عنى هذا الأعرابي الجلف؟ فاستحمقه وأخرجه.
وكان عامر بن كريز٢ يحمق قال عوانة٣: قال عامر لأمه: مسست اليوم برد العاص بن وائل السهمي. قالت ثكلتك أمك، رجل بين عبد المطلب بن هاشم وبين عبد شمس بن عبد مناف، يفرح أن تصيب يده برد رجل من بني سهم؟
ولما حصر عبد الله بن عامر على منبر البصرة، فشق ذلك عليه، قال له زياد: أيها الأمير إنك أقمت عامة من ترى أصابه أكثر ما أصابك.
وقيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر وتكلم. فلما صعد حصر، وقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء وبقي ساكتًا، فأنزلوه.
وصعد آخر فلما استوى قائمًا وقابل بوجهه وجوه الناس وقعت عينه على صلعة رجل٤ فقال: اللهم العن هذه الصلعة
وقيل لوازع اليشكري: قم فاصعد المنبر وتكلم. فلما رأى جمع الناس، قال: لولا أن
стр. 99
امرأتي حملتي على إتيان الجمعة اليوم ما جمعت١، وأنا أشهدكم أنها مني طالق ثلاثًا!
ولذلك قال الشاعر:
وما ضرني أن لا أقوم بخطبة ... وما رغبتي في ذا الذي قال وازع
قال وازع: ودخلت على أنس بن أبي شيخ٢، وإذا رأسه على مرفقه، والحجام يأخذ من شعره، فقلت له: ما يحملك على هذا؟ قال: الكسل. قلت: فإن لقمان قال لابنه: إياك والكسل، وإياك والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقًّا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق. قال ذاك والله أنه لم يعرف لذة الفسرلة، يعني الرزالة والنذالة٣.
فالجاحظ حينما يسخر يمعن في السخرية، ولكن في لطف، وهو قادر على الإمتاع والإضحاك والتسرية عن النفس حينما يعمد إلى ذلك، وقد يفعل ذلك عن عمد في أكثر كتبه، وخاصة في البيان والتبيين لعمق الكتاب ودقة أفكاره وسمو مستواه.
هذا ولما كان الجاحظ صاحب أسلوب ورائد كتابة فلم يفته أن يخص السجع بدراسة في كتابه، والسجع كما نعلم لازم الأسلوب العربي قولًا وإنشاء لعديد من القرون، ولذلك فقد أورد الجاحظ العديد من الأقوال المسجوعة لأعراب وحضر، ومن الرسائل والخطب التي لا تكاد تخلو واحدة منها من التزام السجع.
أما أسلوب الجاحظ نفسه في كتابه فهو أسلوبه في كل كتاب وفي كل رسالة، إشراق في غير ما تصنع، ومزاوجة يبدو الحرص على الإتيان بها واضحًا، وقبول للسجعة إذا جاءت عفو الخاطر دون ما سعى إليها أو محاولة لتوليدها.
كتاب الحيوان:
هذا الكتاب قد أهداه مؤلفه إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المتوكل على ما مر بنا ومعنى ذلك أنه كتبه قبل البيان والتبيين، وقد نال شيئًا من المكافأة عن كل من الكتابين.
هذا وإذا كان الكتاب يحمل عنوان "الحيوان" فليس معنى ذلك أن الكتاب مختص بالحيوان وحسب، ولكنه كتاب أدب عناصره أصناف الحيوان، وما حيك حولها من قصص وعلوم، وما ألف فيها من عادات وأمراض، وما قيل فيها من حكم وأشعار.
стр. 100
لقد ألف الجاحظ هذا الكتاب -والبيان والتبيين بطبيعة الحال- وهو على جانب المرض وشدة وقع الفالج والنقرس عليه، وقد صادف الجاحظ من أمراضه متاعب ومصاعب تغلب عليها بالصبر، فهو يشكو مرضه، ويقول: "أنا من جانبي الأيسر مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت به، ومن جانبي الأيمن منقرس فلو مر به الذباب لألمت".
ويحكي الجاحظ متاعبه مع تأليف كتاب "الحيوان" وهو ما لم يذكر شيئًا منها بصدد كتابه "البيان والتبيين" فيقول: "وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرداة فيه، أول ذلك العلة الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب، والرابعة أني لو تكلفت كتابًا في طوله وعد ألفاظه ومعانيه، ثم كان من كتب العرض والجوهر، والصفرة والتوليد والمداخلة والغرائز والنحاس لكان أسهل وأقصر أيامًا وأسرع فراغًا؛ لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقط الأشعار وتتبع الأمثال، واستخراج الآي من القرآن والحجج من الرواية، مع تفرق هذه الأمور في الكتب١.
والجاحظ في عباراته السابقة يوضح للقارئ أن كتابه اعتمد على القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي والأمثال الشائعة كمصدر من مصادره.
والواقع أن كتاب الحيوان هو أكبر كتب الجاحظ من حيث الحجم، فقد صدرت أفضل طبعاته وهي التي حققها الأستاذ عبد السلام هارون في سبعة مجلدات، ومعنى ذلك أن الكتاب يشكل ضعفين أو أكثر من حيث الحجم إذا ما قورن بالبيان والتبيين: ولكن ما زال للبيان والتبيين ميزة الفضل والشهرة والذيوع.
ولا يأخذ العجب قارئ كتاب الحيوان لوفرة ما فيه من علم وتجربة وأدب؛ ذلك لأن الجاحظ نفسه كان وفير العلم في مختلف نواحيه، ولما كان للحيوان من خيل وإبل وكلاب أهميتها عند العرب، فقد درسوها وفصلوا أجزاءها قولًا مرسلًا وشعرًا منظومًا. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الوحش في المنطقة العربية من ظباء وبقر وأسد وذئاب وثعالب وضباب وحيات، كل هذه الحيوانات قد أكثر العرب فيها القول وهو ما سطره الجاحظ في كتابه. هذا ويذكر الجاحظ في أمكنة مختلفة من كتابه أنه كان يأخذ علمه من أصحاب الخبرة حتى ولو كانوا من العامة، فكثيرًا ما جالس الحواة وحادثهم وناقشهم في شئون الحيات والثعابين.
وهذا إذا أراد أن يتحدث عن الطيور ذهب إلى صائد العصافير وساءله وناقشه، وهكذا نرى ثمار التجربة وحصاد الخبرة واضحًا في الكتاب.
وكتاب الحيوان مليء بأسباب الجدل الذي عرف به المعتزلة، ولكن الجدل في كتاب
стр. 101
الحيوان جدل مريح غير مجهد ولا مكد لذهن القارئ، فهنا يقول صاحب الكلب، وهناك يقول صاحب الديك، وفي مكان ثالث صاحب الحمام، ومن الطريف فعلًا أن تجرى مساجلات كلامية بين أصحاب الكلب وعلى رأسهم النظام وأصحاب الديك وعلى رأسهم معبد.
هذا والكتاب يحوي فصولًا عديدة من المعرفة في غير موضع الحيوان، مثل وسائل البيان وكتابة المعاهدات، وضروب الخطوط، وأقوال الشعراء فيها، وفي الكتاب فصول عن البلدان، وعن الأجناس البشرية وأثرها في خلق الإنسان، وعن مسائل في الفقه والدين.
ولم يهمل الجاحظ الجانب الفكه في كتابه لكي يخفف عن نفس القارئ بين الفينة والفينة بملحة يقولها أو طرفة يطلقها.
فإذا دلف الجاحظ إلى صلب موضوعه، قال: ثم النامي على قسمين: حيوان ونبات. والحيوان على أربعة أقسام: شيء يمشي، وشيء يطير، وشيء يسبح، وشيء ينساح، إلا أن كل طائر يمشي، وليس الذي يمشي يسمى طائرًا. والنوع الذي يمشي على أربعة أقسام: ناس وبهائم وسباع وحشرات ... وهكذا يكتب الجاحظ موضوعه ورائده المنطق ودليله المعرفة.
وإذ ذكر حيوانًا ما جاء الجاحظ بأكثر ما يمكن أن يجيء به حول هذا الحيوان من معلومات طريفة، ثم ذكر العديد من قصائد الشعر العربي التي قيلت فيه، أو بصدد تشبيه به أو غير ذلك. فإذا ذكر الخنزير مثلًا ذكر تفضيل الأكاسرة والقياصرة للحمها ثم انعطف أبياتًا لحماد عجرد في هجاء بشار بن برد منها هذا البيت:
ولريح الخنزير أطيب من ريـ ... ـحك يا ابن الطيان ذي التبان
وإذا ما ذكر الكلب جاء بالأمثال التي تقال في الكلاب قدحًا أو مدحًا، مثل قول كعب الأحبار لرجل أراد سفرًا: إن لكل رفقة كلبًا، فلا تكن كلب أصحابك. أو قول العرب: أحب أهلي إلي كلبهم الظاعن، إلى غير ذلك من الأمثال.
وأحيانًا يحمل الجاحظ على الكلب فيتهمه بالرشوة وبأنه الحيوان الوحيد الذي يقبل الرشوة وبإمكان اللص أن يرشوه برغيف، ثم يسرق البيت الذي يحرسه. ويصفه بالحماقة؛ لأنه الحيوان الوحيد الذي ينام في وسط الطريق ليلًا، فتدوسه حوافر السابلة فتؤلمه فيظل يئن ويعوي. ويصفه بعدم الأصالة، فهو يأكل اللحم وليس بوحشي، ويعيش في المنازل كما تعيش المستأنسات، ويجري الجاحظ على لسان صاحب الديك قوله: يقال للسفيه إنما هو
стр. 102
كلب، وإنما أنت كلب نباح، وما زال ينبح علينا منذ اليوم، وكلب من هذا، ويا كلب ابن كلب، وأخسأ كلبها.
وقال في المثل: احتاج إلى الصوف من جز كلبه. وأجع كلبك يتبعك. وأحب شيء إلى الكلب خانقه، وسمن كلبك يأكلك، وأجوع من كلبة حومل، وكالكلب يربض في الأري* فلا هو يأكل ولا يدع الدابة تعتلف.
وما يقال حول الكلب من أمثال وأشعار وحكم وأمثال، وأحكام شرعية وأخبار وأنواع يمكن أن يتكرر في كتاب الحيوان عن أصناف أخرى من الحيوان.
ومجمل القول أن كتاب الحيوان زاد من الثقافة، ومعين من المعرفة، وينبوع من اللغة ونهر من الأدب، وفيض من الظرف، وهو ممتع في القراءة، سخي في العطاء الذهني والتنشيط الفكري.
стр. 103
الفصل الثاني: ابن قتيبة الدينوري: ٢١٣ - ٢٧٦هـ
إن الذي يذكر الجاحظ وعلمه وفضله وكتبه لا يستطيع أن يقف عنده، بل لا بد له أن ينطلق مباشرة إلى عالم آخر من علماء العربية ومفكر من مفكري الإسلام ومؤلف واسع الباع عميق الإدراك متشعب الثقافة متنوع أسباب المعرفة، هو أبو محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة الدينوري. وإنما يذكر ابن قتيبة إذا ذكر الجاحظ لأن الجاحظ كان مفكر المعتزلة وخطيبهم، وابن قتيبة خطيب أهل السنة ومفكرهم. ومن هنا قيل إن ابن قتيبة لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة.
وابن قتيبة لم يعمر طويلًا كما عمر الجاحظ وإنما كانت حياته ثلاثًا وستين سنة مليئة بالعلم والمعرفة والإنتاج، فقد ولد ببغداد سنة ٢١٣هـ إلا أنه سكن الكوفة بعض الوقت وتوفي ببغداد على أرجح الروايات سنة ٢٧٦هـ. وإذا كان الجاحظ قد ألف خلال القرن الذي عاشه ثلاثمائة وستين كتابًا، فإن ابن قتيبة قد ألف ثلاثمائة كتاب١ أكثرها من المستوى الرفيع الذي تزدان به المكتبة العربية ويتشرف به الفكر الإسلامي.
لقد كان ابن قتيبة واسع العلم رحب الفكر ثقة دينًا فاضلًا، ولذلك فإن أهل المغرب قد تعصبوا للإمام مالك فقالوا: من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة يتهم بالزندقة؛ ذلك لأن كثرة من أعدائه وحاسديه قد نسبوا إليه أمورًا تنال من إيمانه ولم يكن الرجل من هذه التهم في شيء، الأمر الذي جعل المغاربة لا يتعصبون له وحسب بل يتبركون به ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيف ابن قتيبة لا خير فيه. ولعل السبب الأكبر في ذلك هو أن ابن قتيبة
стр. 104
قد ألف أكثر من كتاب عن القرآن والحديث يرد فيه على بعض انحرافات الفلاسفة وعلماء الكلام.
ومن الأمور التي تدعو إلى الإعجاب أن ابن قتيبة -على كثرة ما ألف ونفاسة ما كتب- لم يكن متفرغًا للكتابة والتأليف كل الوقت، بل إنه اشتغل بالقضاء فترة من حياته في مدينة دينور وهو من أجل ذلك قد لصق به لقب الدينوري.
لقد كان ابن قتيبة دائرة معارف بشخصه تمامًا كما كان الجاحظ الذي لا نستبعد أن يكون رآه، إذ إنه في السنة التي توفي فيها الجاحظ كان ابن قتيبة يناهز الأربعين عامًا. ومعنى ذلك أنه كان يقرأ للجاحظ وإن اختلف معه في جوهر التفكير الديني، ولكنهما من حيث طرق أبواب المعرفة والتأليف فيها نجد لكل منهما أثرًا علميًّا في الموضوع الواحد، فكلاهما كتب عن القرآن والقراءات وعن الحديث، وإن اختلف مفهوم كل منهما عن الآخر. وكلاهما ألف في الأدب والنقد والحيوان، وإن كان ابن قتيبة مال إلى التخصص فألف في الخيل وحدها دون بقية أنواع الحيوان. وكلاهما كتب أيضًا عن النبوة. وكلاهما أيضًا كتب عن النبات فلابن قتيبة كتاب بهذا الاسم، وللجاحظ كتاب باسم: النخل والزرع.
هذا وربما وجدنا لابن قتيبة كتبًا لم يطرق الجاحظ أبوابها مثل كتاب الأشربة أو كتاب الأنواء والجراثيم وحكم الأمثال والتقفية وغير ذلك.
على أننا لا نطلب من كل من العالمين الجليلين أن يكون كل واحد منهما في عناوين كتبه وموضوعاتها صورة من صاحبه، فإن واحدًا منهما والحال كذلك سوف يكون مقلدًا وسوف يكون الآخر أصيلًا. إلا أن واقع الحال هو أنه كان لكل من الجاحظ وابن قتيبة فكره المستقل الأصلي وموضوعاته التي تخصص فيها وقدم فيها الجديد من أسباب العلم والبكر من موضوعات المعرفة مع اختلاف شديد بين الطبيعتين والمذهبين.
وإذا كان ابن قتيبة يحاول في بعض كتبه أن يعمد إلى الإطراف والإضحاك فإنه لا يستطيع أن يصل في ذلك إلى ما وصل إليه الجاحظ؛ لأن الجاحظ فكه ساخر بطبعه أو بتعبير أستاذنا المرحوم الدكتور أحمد أمين في ضحى الإسلام: الجاحظ مزاح خفيف الروح مهذار واسع العقل متصرف، وابن قتيبة صاحب جد، قاضٍ، عليه وقار القضاء، يمزح أحيانًا ولكن ليس له خفة روح الجاحظ١.
هذا وإذا كنا قد ذكرنا للجاحظ كتابًا أو أكثر للتسوية بين العرب والعجم فإن ابن قتيبة مع كونه غير عربي يكتب كتابين في التحمس للعرب والدفاع عنهم وإثبات فضلهم، الأول
стр. 105
هو: الرد على الشعوبية، وهو مطبوع والثاني هو: فضل العرب على العجم وهو لا يزال مخطوطًا.
إن ابن قتيبة إذا كان قد ألف زهاء ثلاثمائة كتاب فإن له بين أيدينا أربعة عشر كتابًا مطبوعًا وثلاثين كتابًا مخطوطًا منتشرة في مختلف مكتبات العالم أورد أكثرها بروكلمان ومحقق كتاب الشعر والشعراء ومحقق أدب الكاتب.
على أننا قد نجد من الضروري أن نشير إلى كتب ابن قتيبة المطبوعة البالغ عددها أربعة عشر كما ذكرنا، وهي:
١- عيون الأخبار.
٢- الشعر والشعراء.
٣- أدب الكاتب.
٤- المعارف.
٥- المعاني.
٦- تأويل مختلف الحديث.
٧- الإمامة والسياسة.
٨- الأشربة.
٩- الرد على الشعوبية.
١٠- مشكل القرآن.
١١- الميسر والقداح.
١٢- المسائل والأجوبة "في الحديث".
١٣- الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية.
١٤- تفسير سورة النور.
عيون الأخبار:
هذا وأشهر كتب ابن قتيبة ذيوعًا وجريًا على ألسنة العلماء والمتأدبين هي الكتب السبعة الأولى، وقد تكون شهرتها وأهميتها تقع في نطاق الترتيب الذي أوردناها من خلاله.
فإذا ما استغرقنا بعض كتب ابن قتيبة من حيث موضوعاتها وإذا ما نظرنا في عيون الأخبار نجده قسمه إلى عشرة كتب أي عشرة موضوعات هي: كتاب السلطان وكتاب الحرب وكتاب السؤدد وكتاب الطبائع وكتاب العلم وكتاب الزهد وكتاب الإخوان وكتاب الحوائج وكتاب الطعام وكتاب النساء.
стр. 106
والحق أن كتاب عيون الأخبار من حيث منهجه ومحتواه يعتبر مثلًا أعلى لفن التأليف حتى عهد صاحبه، وهو بذلك يبز الجاحظ ويعلو عليه من حيث المنهج، فقد كان الجاحظ من قبله كثير الاستطراد، يبعد عن موضوعه بحيث ينقل القارئ نقلة واسعة ينسى معها الموضوع الذي كان يقرأه، وليس كذلك ابن قتيبة، بل إن ابن قتيبة يحس بهذا الامتياز في فنه ومنهجه فيقدم روح كتابه في مقدمة كتبها بنفسه يقول فيها: "قرنت الباب بشكله والخبر بمثله والكلمة بأختها ليسهل على المتعلم علمها وعلى الدارس حفظها". وهكذا يضع ابن قتيبة نفسه موضع العلم من قارئه والأستاذ من بين المؤلفين والمنشئين. وهو حين يقدم كتابه للقارئ يقول في موضع آخر من مقدمته: ولم أخله من نادرة طريفة وكلمة معجبة وأخرى مضحكة"١.
ومحتوى الكتاب يدل على سعة معرفة ابن قتيبة وسمو فكره وبراعة صوغه ووضوح أسلوبه ومنطق تسلسله، والكتاب متعة من متع الفكر العربي وحشد من المعرفة التي تخلق من قارئها إنسانًا متفتحًا مثقفًا؛ لأن ابن قتيبة متفتح العقل صافي الذهن مرتب الفكر متعدد الثقافات.
هذا ويرى بروكلمان استنتاجًا من مقدمة عيون الأخبار أن كتاب المعارف وكتاب الأشربة -لابن قتيبة- يعتبران بمثابة تكملة لعيون الأخبار، ونحن لا نذهب مذهبه، فلكل من الكتابين الأخيرين شخصيته ومنهجه وبراعة استهلاله وتمام اختتامه.
أدب الكاتب:
وإذا كان لنا أن نقدم كتابًا آخر لابن قتيبة فإن كتاب أدب الكاتب خليق بأن يكون ذلك الكتاب، فهو واحد من أربعة كتب ذكر ابن خلدون أن مشايخه وأساتذته جعلوها أصول فن التأديب، وما سواها تبع لها وفروع منها. وهذه الكتب الأربعة هي: أدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، والنوادر لأبي علي القالي.
وأدب الكاتب يختلف اختلافًا بينًا عن عيون الأخبار، فعيون الأخبار كتاب ثقافة رفيعة وإحاطة بأسباب المعرفة على تعدد موضوعاتها مستقاة من مختلف مظانها، وأما كتاب أدب الكاتب فهو تأديب للكتاب الذين ظنوا بأنفسهم العلم وهم جهلاء، وتعليم للخاملين المتطاولين الذين غفلوا عن حقيقة حالهم فنشروا على الناس جهلهم وحاولوا أن يتسلقوا إلى المراتب العليا من مراتب الفكر اغتصابًا ودون استعداد أو تحصيل أو تعلم.
стр. 107
وقد أهدى ابن قتيبة كتابه إلى الوزير أبي الحسن عبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، وكان ذلك سببًا في تقديم ابن قتيبة إلى المتوكل والاستعانة به في بعض الأعمال.
والواقع أن هدف ابن قتيبة من كتابه -على نحو ما بينا قبل قليل- هدف رفيع، فقد استهدف تعليم الجهال ممن يدعون العلم، وكشف المتطاولين على القيم الدينية، وهم أجهل الناس بمكانتها.
وعلى عادة ابن قتيبة يقدم في أكثر كتبه منهجه وهدفه، فلنقرأ له بعضًا ما وضح به هدفه هذا الرفيع١:
"..... فإني رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيرين، ولأهله كارهين٢: أما الناشئ منهم فراغب عن التعليم، والشادي تارك للازدياد، والمتأدب في عنفوان الشباب ناسٍ أو متناسٍ٣، ليدخل في جملة المجدودين، ويخرج عن جملة المحدودين٤ فالعلماء مغمورون وبكرة الجهل مقموعون٥ حين خوى نجم الخير، وكسدت سوق البر٦ وبارت بضائع أهله، وصار العلم عارًا على صاحبه، والفضل نقصًا، وأموال الملوك وقفًا على شهوات النفوس، والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع الخلق٧ وآضت المروءات في زخارف النجد وتشييد البنيان٨، ولذات النفوس في اصطفاق المزاهر
стр. 108
ومعاطاة الندمان١ ونبذت الصنائع٢، وجهل قدر المعروف، وماتت الخواطر، وسقطت همم النفوس، وزهد في لسان الصدق وعقد الملكوت٣، فأبعد غايات كاتبنا في كتابه أن يكون حسن الخط قويم الحروف، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتًا في مدح قينة٤ أو وصف كأس، وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئًا من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء وحد المناطق، ثم يعترض على كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه وعلى حديث رسول الله ﷺ بالتكذيب، وهو لا يدري من نقله، قد رضي عوضًا من الله ومما عنده بأن يقال: فلان لطيف وفلان دقيق النظر يذهب إلى أن لطف النظر قد أخرجه عن جملة الناس وبلغ به علم ما جهلوه فهو يدعوهم الرعاع والغثاء والغثر٥، وهو لعمر الله بهذه الصفات أولى، وهي به أليق؛ لأنه جهل وظن أنه قد علم ...
"فإني رأيت كثيرًا من كتاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة أو استوطئوا مركب العجز، وأعفوا أنفسم من كد النظر وقلوبهم من تعب التفكير، حين نالوا الدرك بغير سبب، وبلغوا البغية بغير آلة. ولعمري إن كان ذاك فأين النفس؟ وأين الأنفة من مجانسة البهائم؟ وأي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه٦ وارتضاه لسره، فقرأ عليه يومًا كتابًا وفي الكتاب "ومطرنا مطرًا كثر عن الكلأ" فقال
стр. 109
له الخليفة ممتحنًا له: وما الكلأ؟ فترد في الجواب وتعثر لسانه، ثم قال: لا أدري، فقال: سل عنه.
ويمضي ابن قتيبة مستطردًا في شرح الغرض من كتابه قائلًا:
ونحن نستحب لمن قل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه، ويصون مروءته عن دناءة الغيبة، وصناعته عن شين الكذب، ويجانب -قبل مجانبته للنص وخطل القول- شنيع الكلام ورفث١ المزح: كان رسول الله ﷺ -ولنا فيه أسوة- يمزح ولا يقول إلا حقًّا، ومازح عجوزًا فقال: " إن الجنة لا يدخلها عجوز ٢ "، وكانت في علي ﵇ دعابة، وكان ابن سيرين يمزح ويضحك حتى يسيل لعابه، وسئل عن رجل، فقال: توفي البارحة، فلما رأى السائل قرأ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [٤٢ من سورة الزمر] ومازح معاوية الأحنف بن قيس فما رئي مازحان أوقر منهما.
ويستطرد ابن قتيبة في موضع آخر من مقدمة كتابه قائلًا:
"ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتقعيب٣، كقول يحيى بن يعمر لرجل خاصمته امرأته عنده: "أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك، أنشأت تطلها وتضهلها" وكقول عيسى بن عمر ويوسف بن عمر بن هبيرة يضربه بالسياط: "والله إن كانت إلا أثيابًا في أسيفاط قبضها عشَّاروك"٤.
стр. 110
"فهذا وأشباهه" كان يستثقل والأدب غض والزمان زمان، وأهله يتحلون فيه بالفصاحة، ويتنافسون في العلم، ويرونه تلو المقدار في درك ما يطلبون وبلوغ ما يؤملون فكيف به اليوم مع انقلاب الحال، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون"؟؟
ونستحب له -إن استطاع- أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الإعراب، ليسلم من اللحن وقباحة التقعير، فقد كان واصل بن عطاء سام نفسه للثغة كانت به إخراج الراء من كلامه، وكانت لثغته على الراء، فلم يزل يروضها حتى انقادت له طباعه وأطاعه لسانه، فكان لا يتكلم في مجلس التناظر بكلمة فيها راء هذا أشد وأعسر مطلبًا مما أردناه".
تلك كانت نماذج من مقدمة كتاب أدب الكاتب: والمقدمة طويلة نفيسة شيقة.
وأما محتوى الكتاب فقد قسمه ابن قتيبة حسبما عودنا إلى أربعة كتب أي أربعة أقسام هي: كتاب المعرفة، وكتاب تقويم اليد، وكتاب تقويم اللسان، وكتاب الأبنية.
وهو في كتاب المعرفة يحاول أن يفقه القارئ الذي ينشد أن يكون كاتبًا ثقافة عامة، ويجعل من هذا الكتاب أبوابًا مثل باب ما يضعه الناس في غير موضعه، أو باب أصول أسماء الناس ويفرغ من ذلك إلى "المسمون بأسماء النبات" أو "المسمون بأسماء الطير" أو "المسمون بأسماء السباع" وهكذا، ويذكر في كتاب المعرفة أيضًا، أي القسم الأول من كتاب أدب الكاتب، بابًا للنخل ويذكر بابًا لعيوب الخيل وآخر لشيات الخيل وغيره لألوان الخيل، ويذكر أبوابًا للتعريف بألوان الطعام والشراب وغير ذلك شيئًا كثيرًا وفيرًا.
فمثلًا في باب ما يضعه الناس في غير موضعه يقول: ومن ذلك الطرب يذهب الناس إلى أنه في الفرح دون الجزع وليس كذلك، إنما الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور، أو لشدة الجزع، ثم يوثق ابن قتيبة رأيه بشاهد من قول الأقدمين فيجيء بقول النابغة الجعدي:
وأراني طرِبًا في إثرهم ... طرب الواله كالمختبل
وقال آخر:
يقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ويأتي ابن قتيبة بمثال آخر في الباب نفسه -باب ما يضعه الناس في غير موضعه- فمن ذلك "القافلة" يذهب الناس إلى أنها الرفقة في السفر ذاهبة كانت أو راجعة، وليس كذلك إنما القافلة الراجعة من السفر، يقال قفلت فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم أي رجعوا ولا يقال لمن خرج إلى مكة من العراق -مثلًا- قافلة حتى يصدروا أي يعودوا.