مقدمة
...
منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة
تأليف: تامر محمد متولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وارث كل مالك وما ملك، ومهلك الحي، ومحيي من هلك، والصلاة والسلام على النبي الخاتم الذي من اتبع سنته سعد ونجا ومن تنكب عنها شقي وهلك١. أما بعد:
فإن قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية، أنشأ ـ يوم أنشأ ـ من أجل أن يشيد بناءها، ويعيد لها رونقها وبهاءها، على نفس الأسس والقواعد التي أرساها سلفنا الصالح، وما برح القسم من ذلك الحين، يضع اللبنة تلو الأخرى، حتى اتضحت معالم هذا البناء، بعد ما كاد أن يعفو رسم الملة بفعل البدع المزيغة والعقائد المضلة، ويذهب حسنها بتقديم آراء الرجال، وتأخير الأدلة. فما زال أبناء هذا القسم يزيلون ما علا هذا البناء من غبار، حملته رياح الجنوب والشمال، فعلت جداره، ويميطون عنه لثام الباطل ويكشفون ستاره، ويظهر مذهب السلف كالشمس وقت الظهر، ويذهب دنس الفلسفة ويحل محلها الطهر، ويخرجون كنوز كتب السلف التي أكل حروفها الدهر.
لقد كاد مذهب السلف أن يندرس إلا بقايا في من أهل الحديث وغيرهم. تمسكوا به على خوف من أقوامهم، أن يشوا بهم إلى الحكام فيجعلونهم في
стр. 2
غيابات السجن، بحجة التمذهب بمذهب جديد والابتداع في الدين، والقول بالحشو والتجسيم.
وظلت الحال كذلك إلى أن ظهر في أوائل القرن الثامن الهجري، زعيم المجددين وقائد النهضة الإسلامية الحديثة، شيخ الإسلام ـ غير مدافع ـ أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية يحمل مشعل الدعوة إلى مذهب السلف من جديد فهاجم جميع الفرق القائمة يومه ذاك، وأظهر مذهب السلف بأدلة الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. فظهر مذهب السلف واتبعه كبار أئمة عصره، ولكن لم يكن لهؤلاء شوكة ودولة تنصر مذهبهم وتنشر آراءهم، إلا أنهم تركوا ثروة علمية كبيرة انتفع بها خلق كثير.
حتى جاء القرن الثالث عشر الهجري وظهر في نجد الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، يحمل نفس الدعوة التي حملها ابن تيمية، ويقوم بنفس العبء، ولكنه في هذه المرة كانت معه شوكة وله دولة، أصبح مذهب السلف مذهبها ودعوتها وغايتها، فانتشر في الآفاق وأصبح له في كل مكان من الأرض أنصار وأعوان ودعاة. واستدار الزمان كهيئته يوم بعث الله محمداً ﷺ فانتشرت أنوار التوحيد وأدي حق الله على العبيد.
ووصل مذهب السلف إلى مصر قديماً مع ابن تيمية، وحديثاً مع أبناء محمد بن عبد الوهاب الذين اتخذوا لأنفسهم بمصر بيوتاً، وصارت بيوتهم قبلة للعلماء الموحدين.
وفي مصر تعرف رشيد رضا على مذهب السلف، حيث لم يعرفه في وطنه الشام، واطمأن به قلبه بمطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته، فتمذهب به ودعا إليه وعمل على نشره بواسطة مجلته الذائعة الصيت، فوصل هذا المذهب إلى كل مكان وصلت إليه مجلة المنار.
لقد بلغ رشيد رضا من الشهرة والمكانة مبلغاً عظيماً، فتردد اسمه في العالم الإسلامي وغير الإسلامي، بل في كل مكان طلعت عليه الشمس.
ولقد كانت المدرسة التي أسسها رشيد رضا وانتشرت أفكارها بفضل مجلة المنار، محط أنظار الباحثين من المسلمين وغير المسلمين، باعتبارها
стр. 3
مدرسة الإصلاح الإسلامي التي أرادت أن توفق بين الإسلام وحاجات العصر الحديث. وكانت كل الدراسات التي تناولت الحياة العقلية في هذه الفترة تدور بكاملها حول مدرسة المنار وحزب الأستاذ الإمام، وأول من أطلق عليه هذا اللقب هو رشيد رضا.
وإن "الشيخ محمد عبده "لم يحصل على هذه المرتبة إلا بفضل الدعاية التي نشرها له الشيخ رشيد رضا في مجلته؛ وقد كان له ما أراد؛ فانتصر حزب "الأستاذ الإمام" في المجال السياسي وفي المجال العلمي.
لقد دعا رشيد رضا في حياته كثيراً لإنشاء جماعات تدعو إلى الإسلام وتقوم بنشره، على أسس سلفية نابذةً التقليد والبدع والخرافات، داعية إلى الإسلام الخالص من شوائب الشرك والبدع. وبالفعل قامت جماعات على هذه الأسس منها جماعة الدعوة والإرشاد التي أسسها هو بنفسه وأنشأ لها مدرسة كانت بمثابة التطبيق العملي لأفكار رشيد رضا؛ وفي هذه المدرسة تخرج دعاة أنشأوا هم بدورهم جماعات تحمل أفكار شيخهم ومعلمهم، ومنها جماعات أنصار السنة التي انتشرت في أماكن عديدة من العالم، تحمل نفس الأفكار التي دعا إليهارشيد رضا.
وهناك جماعات أخرى ادعت أنها امتداد لرشيد رضا، خلافته في الإصلاح، وهي تردد بعض عباراته؛ وتتخذ منها شعاراً ودستوراً لعملها، دون أن تلتزم بحقيقة ما كان عليه رشيد رضا. هذه الجماعات وتلك موجودة إلى الآن.
وتأثر برشيد رضا آخرون أخذوا منه أسوأ ما فيه، وتتبعوا ما تعثر فيه وزادوا عليه، من هؤلاء أبو رية في ظلماته، وأحمد أمين في فجره وضحاه، وفريد وجدي في موسوعته، وتبعهم في ذلك آخرون، اعتمدوا جميعاً على عثرات هذا الرجل، وجعلوها أساساً لهم في عملهم.
لذلك كله كان من الأهمية بمكان معرفة منهج الشيخ محمد رشيد رضا في مسائل العقيدة ووزنها بميزان الشرع وإظهار محاسنه وبيان حقيقة منهجه للكافة.
стр. 4
لقد اختلفت الآراء حول رشيد رضا، فيعده بعضهم خليفة الأستاذ الإمام ١ والمصلح السلفي ٢، ويعده آخرون فيلسوفاً متضلعاً من الثقافة الغربية ٣.
ولقد اتهم الشيخ رشيد رضا بالعقلانية؛ وأعني بها تقديم العقل على الشرع، كما اتهم بإنكار السنة والدعوة إلى الاقتصار على القرآن، واتهم بإنكار حقائق من الشرع كالملائكة، والجن، والشياطين، وأبوة آدم، ونبوته، والسحر، وأشراط الساعة، والتوفيق بين نظرية دارون والقرآن، إلى غير ذلك، فما هي الحقيقة؟.
كل ذلك دفعني دفعاً إلى بحث رشيد رضا. ومما يجعلني جديراً ببحث رشيد رضا أن بيني وبينه سنداً عالياً، إذ أنه شيخ شيخي، فقد لازمت فضيلة الشيخ محمد علي عبد الرحيم الرئيس السابق لجمعية أنصار السنة، حتى وفاته ﵀ وهو أحد المعاصرين لرشيد رضا والمتأثرين به، فهو قرين حامد الفقي وطبقته.
والشيخ رشيد رضا شخصية غنية وقوية، وكان لديه قدرة كبيرة على الكتابة وهو مشارك في كثير من العلوم على طريقة المتقدمين، لذا فإنني كتبت في جميع العلوم تقريباً من الفقه والحديث والتفسير والكلام. إلا أن الطابع الغالب عليه هو طابع المتكلمين، ولا جرم في ذلك إذ كانت البيئة العلمية يومئذ هي بيئة كلامية، لذا فإن هذا البحث يظهر فيه بوضوح هذا الطابع إذ أنه سيناقش القضايا الأساسية في جميع أبواب العقيدة تقريباً، فسنرى فيه "نظرية المعرفة" بين السلف والمتكلمين، ومن مسألة "حدوث العالم" وما اعتراها من أفهام ثم حلها حلاً صحيحاً يوافق ما جاء به القرآن. كما أننا سنرى فيه تصحيح الخطأ في مسمى الإله ومعنى العبادة، إلى فناء النار، وغير ذلك من المباحث التي أثارها المتكلمون وناقشها
стр. 5
رشيد رضا ولكن سيكون الميزان الذي نزن به هذه المسائل كلها هو الميزان السلفي الذي يطرح الأفكار الفلسفية والكلامية، ويعتمد رأساً على الكتاب والسنة وفهم سلف هذه الأمة قبل ظهور علم الكلام والفلسفة فيها.
وسأحاول في هذا البحث بيان المؤثرات المتعددة التي أثرت في رشيد رضا ومصادر الآراء والمواقف التي اتخذها في كل مسألة، كما سأحاول أن أبين للقراء الأثر الذي تركه رشيد رضا في من بعده. وفي كل ذلك سأعتمد منهج المقارنة لأنه يقوم في البحوث النظرية مقام التجربة في البحوث التجريبية ١.
وعلى الرغم من صعوبة هذا البحث، فإنه كان مفيداً للغاية، والدليل على ذلك هو العناوين التي تضمنها والمراجع التي رجعت إليها. لقد كان هذا الموضوع مما ينوء بالعدد من الطلاب ولكن كانت الفائدة على قدر المشقة.
والذي حدا بي إلى اختيار موضوع من هذا النوع هو إشارة أستاذي عبد الرزاق العباد، لقد عملت طيلة ثلاث سنوات متواصلة دون انقطاع ولا حصلت خلالها على إجازة واحدة إلا يسيراً؛ أياماً معدودات، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.
لقد كنت أنوي في البداية أن أقوم بكل عمل ممكن حول رشيد رضا والاستفادة منه في كافة العلوم الشرعية والعربية وغيرها، إلا أنني بعد وقت قصير أدركت بعد الشقة، وخشيت أن أكون كمن بالغ في الوضوء وابتدع حتى خرج وقت الصلاة وضاق عليه ما اتسع، فقصرت الأمر على مباحث العقيدة ومن ذلك الوقت ما خيرت بين طريقين إلا اخترت أخصرهما ما لم يكن عيباً في البحث.
стр. 6
وحتى يتسم البحث بالعمق والأصالة لا بد أن يتوفر فيه شرطان: الأول: التفرغ، والثاني: المصادر الأصلية.
فأما الشرط الأول فقد قامت الجامعة الإسلامية ممثلة في قسم العقيدة وكلية الدعوة، والعمادات المعاونة بكل ما تستطيع في هذا الصدد، فتفرغت كزملائي لهذا العمل طيلة سنوات الدراسة، ولم أشعر بأية صعوبة في هذا الجانب، مادياً أو معنوياً.
وفيما يتعلق بالشرط الثاني فقد توفرت لي بحمد الله تعالى كافةُ المصادر التي أستطيع من خلالها الوقوف على منهج وآراء رشيد رضا مع مقارنتها بمذهب السلف، إلا أنه واجهتني بعض الصعوبات في الحصول على مراجع هامة في التاريخ العام وأخرى في مقارنة الأديان، إذ واجهت نقصاً في هذين الموضوعين، إلا أنني تمكنت بفضل الله تعالى من الوقوف على المصادر التي أثبت من خلالها تأثر رشيد رضا بمن سبقه وتأثيره فيمن بعده. والتأثير والتأثر هما ركنا منهج المقارنة العلمية. كما أن النقد هو السبيل لتمييز الغث من السمين. وعندما أنقد رشيد رضا لا ألوي على شيء، كيف وهو القائل: "للنقد على العلم فضل يذكر، ومنة لا تنكر، فهو الذي يجلو حقائقه ويميط عنه شوائبه ... وإذا أبيح النقد في أمة واستحبه أبناؤها، كان ذلك قائداً لها إلى بحابح المدنية وآية على حياة العلم فيها ... " ١.
وفيما يتعلق بمنهجي في توثيق المعلومات الواردة فإنني حاولت سلوك أيسر السبل التي تيسر على القارئ الوصول إلى مراده والتثبت من صحة المعلومات الواردة، فقد عزوت الآيات إلى سورها، كما أنني خرجت الأحاديث مشيراً إلى اسم صاحب المصنف واسم المصنف ثم البيانات الداخلية كاسم الكتاب والباب، ورقم الأحاديث مع بيان رقم الجزء والصفحة. وفيما يتعلق بصحيح مسلم فإني اعتمدت المشهور في تقسيمه فذكرت اسم الكتاب فقط دون اسم الباب واستبدلت ذلك برقم الحديث
стр. 7
في الكتاب كما ذكرت الرقم العام لأحاديث الصحيح والتي وضعها جميعاً الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ١، وزدت أيضاً رقم الجزء والصفحة اعتماداً على طبعته فمهما أطلقت العزو فإليها، وإن أردت غيرها، كالمطبوع مع شرح النووي، بينت ذلك.
وفيما يتعلق بالحكم على الأحاديث، فما كان في البخاري ومسلم فهو معلم بالصحة دون شك، فإذا كان الحديث في البخاري، اكتفيت بذكره فيه لأن إيراد الطرق المتعددة دون قصد بيان التواتر ليس من صلب العلم ٢، فإن لم يكن في البخاري وكان في مسلم فكذلك. فإن لم يكن فيهما ذكرت من خرجه من أصحاب الكتب الستة، إن كان عندهم، أو من غيرهم. وذكرت حكم أهل العلم عليه.
ورغبة في الاختصار ومخافة السآمة والتكرار فإنني أحياناً أذكر آراء رشيد رضا مستدلاً عليها من كلامه تضميناً مميزاً كلامه بالأقواس التي تدل على ذلك. مع عزو ذلك إلى مواضعه من كتابات رشيد رضا، وشرط ذلك كله عدم اللبس.
وأما غيره من المصادر فإنني أذكر اسم المصنف والمصنف وكامل بياناته عند أول مرة يرد ذكره فيها. ثم أعيد ذلك في ثبت المصادر مرتباً إياه على أسماء المؤلفين وأعتمد في هذا الترتيب اسم الشهرة الذي يعرف به المصنف ليسهل الرجوع إليه والعثور عليه، وعند تكرار اسم الكتاب والمصنف فإنني أختصر أحياناً هذين شريطة ألا يحدث لبس في ذلك، مع تصرفات أخرى بقصد السهولة والاختصار ولكنها لا تخفى على القراء إن شاء الله تعالى.
стр. 8
وقد ترجمت للأعلام غير المشهورين والذين احتجت إلى ذكر أقوالهم لبيان قوة هذا القول وقيمته العلمية التي تظهر بمعرفة قدر صاحبه.
ومخالفة للمتكلمين، فقد انصرفت عن تقسيمهم لمسائل العقيدة إلى إلهيات ونبوات وسمعيات، وقسمته حسب تقسيم الكتاب والسنة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر إلا أنني جعلته داخلاً في الإيمان بالله تعالى لأن البحث فيه من توابع البحث في العلم والإرادة وسائر الصفات الإلهية. وقد حاولت أن أجعل هذه الأبواب والفصول مترابطة يمسك بعضها برقاب بعض، بحيث لو رفعت العناوين لظهر البحث وكأنه جملة واحدة.
стр. 9
خطة البحث:
وقد قسمت البحث إلى تمهيد وثلاثة أبواب أساسية:
فالتمهيد: فيه دراسة لعصر رشيد رضا وحياته، ومنهجه في الاستدلال، وقد قسمت هذا التمهيد إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دراسة لعصر رشيد رضا، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في الحياة السياسية؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الحياة السياسية في الدولة العثمانية.
المطلب الثاني: الحياة السياسية في مصر.
المطلب الثالث: الحياة السياسية في الشام.
المبحث الثاني: الحياة العلمية؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الحياة العلمية في مصر.
المطلب الثاني: الحياة العلمية في الشام.
المبحث الثالث: الحياة الدينية.
الفصل الثاني: دراسة لحياة رشيد رضا الشخصية؛ وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته وصفاته؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبه.
المطلب الثاني: مولده ونشأته.
المطلب الثالث: أخلاقه وصفاته.
стр. 10
المبحث الثاني: طلبه للعلم؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: نشأته العلمية.
المطلب الثاني: هجرته إلى مصر.
المبحث الثالث: شيوخه.
المبحث الرابع: مذهبه وآراؤه الفقهية؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مذهب رشيد رضا الفقهي.
المطلب الثاني: موقف رشيد رضا من ربا الفضل.
المبحث الخامس: أثر رشيد رضا في العالم الإسلامي؛ وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أثر المنار في مصر والهند.
المطلب الثاني: مدرسة الدعوة والإرشاد.
المطلب الثالث: مؤلفات رشيد رضا.
المطلب الرابع: الكتابات حول رشيد رضا.
المبحث السادس: وفاة الشيخ رشيد رضا.
وأما الفصل الثالث، والذي كنت أود أن يكون باباً مستقلاً لدخوله دخولاً أولياً في الموضوع إذ يتناول "منهج رشيد رضا في الاستدلال وموقفه من علم الكلام" إلا أنني رأيت أن الالتزام بالخطة المقدمة أولى، وقد جاء هذا الفصل في خمسة مباحث:
المبحث الأول: مصادر التلقي عند رشيد رضا؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: القرآن الكريم.
المطلب الثاني: السنة.
المطلب الثالث: الإجماع.
المطلب الرابع: الفطرة.
стр. 11
المطلب الخامس: العقل.
المبحث الثاني: قواعد الاستدلال عن رشيد رضا.
المبحث الثالث: موقف رشيد رضا من علم الكلام؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: نشأة رشيد رضا الأولى على مذهب الأشعرية، وتحوله عنه.
المطلب الثاني: مخالفة رشيد رضا للمتكلمين.
المبحث الرابع: موقف رشيد رضا من شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته.
المبحث الخامس: موارد رشيد رضا في العقيدة.
وبانتهاء موارد رشيد رضا ينتهي الحديث عن منهجه في الاستدلال ويبدأ البحث في آرائه في مسائل العقيدة بالباب الأول الذي يحتوي على خمسة فصول:
وعنوانه: منهج رشيد رضا في الإيمان بالله تعالى، وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: تعريف رشيد رضا للإيمان ومباحثه، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة.
المطلب الثاني: تعريف الإيمان في الشرع.
المطلب الثالث: أدلة أهل السنة على خصال الإيمان الثلاثة.
المبحث الثاني: الصلة بين الإيمان والإسلام.
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الرابع: الكبائر؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها.
стр. 12
المطلب الثاني: التجنس.
المطلب الثالث: الحكم بغير ما أنزل الله.
ثم الفصل الثاني: منهج رشيد رضا في إثبات الربوبية؛ وفيه مدخل وثلاثة مباحث:
فالمدخل: في تقسيم التوحيد عند رشيد رضا.
والمبحث الأول: تعريف الربوبية؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: معنى كلمة الرب في اللغة.
المطلب الثاني: المعنى الشرعي لتوحيد الربوبية.
المبحث الثاني: منهج رشيد رضا في أدلة معرفة الله تعالى؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الفطرة عند رشيد رضا.
المطلب الثاني: النظر في الملكوت.
المطلب الثالث: الرسل وآياتهم.
المطلب الرابع: الاحتياط الواجب.
المطلب الخامس: موقف رشيد رضا من مسألة حدوث العالم.
المبحث الثالث: بدء الخلق.
ثم الفصل الثالث: منهج رشيد رضا في إثبات الأسماء والصفات، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في إثبات الأسماء الحسنى؛ وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: موقف الناس من الأسماء الإلهية.
المطلب الثاني: مسألة الاسم والمسمى.
المطلب الثالث: مصادر معرفة أسماء الله تعالى.
стр. 13
المطلب الرابع: عدد أسماء الله تعالى.
المطلب الخامس: معنى إحصاء أسماء الله تعالى.
المطلب السادس: اسم الله الأعظم.
المطلب السابع: الإلحاد في أسماء الله تعالى.
المبحث الثاني: في قواعد الصفات الإلهية؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: منهج السلف في الصفات وتقرير رشيد رضا له جملة.
المطلب الثاني: موقف رشيد رضا من قواعد المتكلمين.
المبحث الثالث: الصفات التي تكلم عنها رشيد رضا؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تقسيم الصفات.
المطلب الثاني: صفات الذات العقلية.
المطلب الثالث: صفات الفعل العقلية.
المطلب الرابع: صفات الذات الخبرية.
المطلب الخامس: صفات الفعل الخبرية.
والفصل الرابع: منهج رشيد رضا في إثبات الألوهية ونفي الشرك والبدع، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إثبات الألوهية؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإله.
المطلب الثاني: العبادة.
المطلب الثالث: بعض أنواع العبادة التي ذكرها رشيد رضا.
المبحث الثاني: نفي الشرك ومظاهره؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الشرك.
стр. 14
المطلب الثاني: أقسام الشرك.
المطلب الثالث: منشأ الشرك.
المطلب الرابع: مفاسد الشرك ومساوئه.
المطلب الخامس: مظاهر الشرك.
المبحث الثالث: رفض البدع ومظاهرها؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف البدعة لغة وشرعاً.
المطلب الثاني: مظاهر البدع التي تعرض لها الشيخ رشيد.
والفصل الخامس والأخير: وفيه منهج رشيد رضا في إثبات القدر، وفيه أحد عشر مبحثاً:
المبحث الأول: نشأة القدر ومواقف الناس فيه.
المبحث الثاني: تعريف القدر لغة وشرعاً؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف القدر لغة.
المطلب الثاني: تعريف القدر شرعاً.
المبحث الثالث: بيان رشيد رضا لأركان القدر؛ وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: العلم.
المطلب الثاني: الكتابة.
المطلب الثالث: الإرادة.
المطلب الرابع: الخلق.
المبحث الرابع: القدر والأسباب.
المبحث الخامس: الهدى والضلال.
المبحث السادس: الحكمة والتعليل في أفعال لله تعالى.
المبحث السابع: الحسن والقبح.
стр. 15
المبحث الثامن: الصلاح والأصلح.
المبحث التاسع: العمر والرزق والدعاء.
المبحث العاشر: الشرعيات والكونيات.
المبحث الحادي عشر: الاحتجاج بالقدر.
وبنهاية هذا الفصل ينتهي الباب الأول وهو أكبر أبواب البحث. ويليه الباب الثاني كما أنه يليه أيضاً في الحجم، وعنوانه: منهج رشيد رضا في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل. وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الإيمان بالملائكة وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الملائكة؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: وجوب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلاً.
المطلب الثاني: وظائف الملائكة وخصائصهم.
المطلب الثالث: التفاضل بين الملائكة والأنبياء.
المبحث الثاني: الجن والشياطين؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: معنى الجن والشياطين.
المطلب الثاني: رؤية الجن.
المطلب الثالث: دخول الجن في جسم الإنسان.
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: القرآن.
المبحث الثاني: التوراة.
المبحث الثالث: الإنجيل.
الفصل الثالث: الإيمان بالرسل، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول.
стр. 16
المبحث الثاني: الحاجة إلى الوحي والنبوة.
المبحث الثالث: معنى الوحي وأنواعه وشبهة الوحي النفسي؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الوحي.
المطلب الثاني: الوحي النفسي.
المطلب الثالث: الوحي والنبوة عند أهل الكتاب.
المبحث الرابع: عدد الرسل.
المبحث الخامس: صفات الرسل ووظائفهم؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صفات الرسل.
المطلب الثاني: وظيفة الرسل.
المبحث السادس: عصمة الأنبياء؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف العصمة.
المطلب الثاني: بعض مسائل العصمة.
المطلب الثالث: الأدلة العقلية والنقلية على ثبوت العصمة.
المطلب الرابع: دفع شبهات حول العصمة.
المطلب الخامس: عصمة الأنبياء عند أهل الكتاب.
المبحث السابع: آيات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق الأشقياء؛ وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الشيخ رشيد للآية والمعجزة.
المطلب الثاني: أنواع الآيات.
المطلب الثالث: كرامات الأولياء.
المطلب الرابع: الفرق بين آيات الأنبياء وخوارق الأشقياء.
стр. 17
المبحث الثامن: نبوة نبينا ﷺ ؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حاجة العالم لبعثة خاتم المرسلين.
المطلب الثاني: أدلة نبوة نبينا ﷺ .
المبحث التاسع: منهج رشيد رضا في الصحابة.
المبحث العاشر: الخلافة والإمامة؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الخلافة والإمامة.
المطلب الثاني: طرق التولي.
المطلب الثالث: وظيفة الإمام.
المطلب الرابع: ما يخرج به الخليفة عن الإمامة.
المطلب الخامس: تعدد الأئمة.
الباب الثالث: منهج الشيخ محمد رشيد في الإيمان باليوم الآخر، وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: إثبات رشيد رضا لليوم الآخر، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: إثبات الشيخ رشيد لليوم الآخر جملة وحكمه.
المبحث الثاني: الموت والبرزخ.
الفصل الثاني: البعث وأدلته؛ وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أدلة البعث؛ وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: النشأة الأولى.
المطلب الثاني: الاستدلال على البعث بالخلق.
المطلب الثالث: المشاهدة.
المطلب الرابع: قدرة الله.
المبحث الثاني: البعث يكون بالجسد والروح.
стр. 18
الفصل الثالث: الساعة وأشراطها، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الساعة؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الساعة لغة واصطلاحاً وشرعاً.
المطلب الثاني: علم الساعة.
المبحث الثاني: أشراط الساعة؛ وفيه مطلبان:
المطلب الأول: موقف الشيخ رشيد من أشراط الساعة جملة.
المطلب الثاني: موقف رشيد رضا من أشراط الساعة تفصيلاً.
الفصل الرابع: الصور والموازين؛ وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الصور.
المبحث الثاني: الموازين
الفصل الخامس: الجنة والنار؛ وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الجنة ونعيمها.
المبحث الثاني: النار وعذابها.
ثم الخاتمة ـ ونسأل الله حسنها ـ وقد جعلت فيها نتائج البحث وأثبت فيها بعضاً من التوصيات، ثم ختمت الجميع بعدد من الأثبات:
الأول: ثبت الآيات.
الثاني: ثبت الأحاديث والآثار.
الثالث: ثبت الأعلام.
الرابع: ثبت المصادر والمراجع.
الخامس: ثبت الموضوعات.
أما بعد؛
فإن أستاذي الدكتور الشيخ محمد باكريم باعبد الله، قد بذل جهداً كبيراً طيلة ثلاث سنوات، وكنت أذهب إليه في كل مكان، في الكلية
стр. 19
وعمادة المكتبات والبيت، حتى كنت ألاحقه في مواقف السيارات في المسجد النبوي، وكان يقابل هذا بالرضا والقبول وبذل ما يستطيعه من مساعدة ومشاورة، كما أنه قرأ بحثي هذا مرتين كاملتين على طول البحث وكثرة مشاغله، لذا فإنه لزاماً عليّ أن أنوه هنا بجهوده وأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك له ذخراً في الآخرة. وأن يجعل من لسانه سيفاً يمحق به الباطل ويقيمه في الأواخر مقام سفيان في الأوائل. وإن أنسى فلا أنسى أن أتقدم بالشكر والتقدير لجميع أساتذتي الذين أعدوني وزملائي في السنة المنهجية، وعلى رأسهم الشيخ الرئيس صالح بن سعد السحيمي. كما أشكر فضيلة عميد كلية الدعوة الشيخ الدكتور عبيداً السحيمي الذي قدم لي كل معاونة طلبتها، وأشكر جميع عمداء الجامعة الإسلامية، حرسها الله تعالى، وأبقاها لخدمة الدين والعلم، كما أتقدم بالشكر إلى أصحاب الفضيلة أعضاء لجنة المناقشة الذين تجشموا عناء القراءة والتصحيح فشكر الله لهم.
ثم أما بعد؛ فإني أشكر الله تعالى من قبل ومن بعد أن وفقني لدراسة علوم الدين والعقيدة السلفية خصوصاً، فالحمد الله أولاً وآخراً.
стр. 20
تمهيد:
لا نستطيع أن نتناول بحث عقيدة أو فكر إنسان دونما نظر إلى الظروف والأحوال التي لا بست نشأته وحياته، إذ أن ذلك على الأقل سيفسر لنا كثيراً من الآراء التي تبناها والمواقف التي اتخذها حيال قضايا ومسائل بعينها. إن الإنسان لا يستطيع أن ينمو بمعزل عمن حوله، ولا بد أن يتأثر بالبيئة والظروف التي نشأ فيها، إما إيجاباً بأن يخضع لها ويسير في اتجاه ريحها، أو سلباً بأن يرفضها ويتخذ منها موقفاً معارضاً، راغباً في إصلاحها.
لذلك فإنني سأتحدث فيما يلي عن الحالة السياسية في الفترة التي عاش فيها الشيخ رشيد، وكذلك الحالة العلمية والدينية، غير أني سأقتصر في هاتين الأخيرتين على الحديث عن مصر والشام فقط، حيث إن الشيخ رشيد لم يعش إلا فيهما. ولم يتأثر علمياً ودينياً إلا بالحالة العامة فيهما. أما السياسية فلا بد أن أحوال الدولة العثمانية السياسية قد أثرت في هاتين الولايتين فكان لا بد من إضافة مطلب ثالث للحديث عنها.
стр. 21
*
الفصل الأول: دراسة لعصر رشيد رضا
المبحث الأول: الحياة السياسية
تمهيد
...
تمهيد:
عاش الشيخ رشيد بين ١٢٨٢هـ = ١٨٦٥م، و١٣٥٤هـ. =١٩٣٥م. أي أنه عاش بين نهاية القرن الثالث عشر إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري = الثلث الأخير من القرن التاسع عشر إلى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي.
وأود فيما يلي إلقاء نظرة على الحالة السياسية في الفترة التي عاشها الشيخ رشيد، ويقتضي ذلك الحديث عن الدولة العثمانية باعتبارها دولة الخلافة التي كانت الشام ـ موطن الشيخ رشيد الأول ـ خاضعة لها، وبالتالي الحديث عن الشام نفسها، ثم الحديث عن مصر ـ الموطن الأخير للشيخ رشيد ـ والتي قضى فيها جل عمره، ولم يُعرف الشيخ رشيد رضا إلا فيها، وهناك ووري في ترابها.
فإذا سينقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: الأول: أتحدث فيه عن الدولة العثمانية، والثاني: عن مصر، والثالث عن الشام، وسيكون الحديث في ذلك كله متناسباً مع الفترة التي عاشها الشيخ رشيد في هذه الأماكن.
стр. 22
المطلب الأول: الحياة السياسية في الدولة العثمانية:
عندما استولت الدولة العثمانية على البلاد العربية كانت قد وصلت إلى أوج قوتها، وأقصى حدود اتساعها. وبلغت ذروة مجدها. فإن طور "الاستيلاء والتوسع" في هذه الدولة قد بلغ مداه في عهد السلطان العاشر: "سليمان القانوني" ١ أو كما يسميه الأوربيون: "سليمان العظيم" ٢. إذ كانت الدولة العلية في عهده قد شملت شبه جزيرة مورة مع جميع بلاد البلقان وسارابيا والقرم، كما ضمت معظم أقسام المجر ووصلت إلى أسوار فيينا ٣.
ويبدو أن الدولة العثمانية، أو الدولة العلية كانت قد انقطعت أنفاسها عندما وصلت إلى أسوار فيينا، فلم تتوسع حدود الدولة بعد ذلك توسعاً يذكر، بل أخذت تتقلص وتتراجع شيئاً فشيئاً ٤. وصارت الدولة تفقد البلاد العربية الواحدة بعد الأخرى وفي تواريخ مختلفة. فلقد استولت فرنسا على الجزائر سنة ١٨٣٠م. واستولت انجلترا على عدن ١٨٣٩م. وبعد نحو أربعين عاماً احتلت فرنسا تونس ١٨٨١م. واحتلت إنجلترا مصر سنة ١٨٨٢م. ٥ وبعد ثلاثة عقود استولت إيطاليا على طرابلس الغرب سنة ١٩١٢م. وفي الأخير خرجت بقية البلاد العربية من حوزة الدولة العثمانية
стр. 23
خلال الحرب العالمية الأولى التي امتدت من ١٩١٤م. ـ ١٩١٨م. ١.
وبدأت أحوال الدولة تسير في الانحطاط ـ كما ذكرت ـ وبدءاً من عهد سليمان القانوني في أواخر القرن السادس عشر فقد بدأ الاختلال في أمور الدولة، أول ما بدأ باختلال نظام الانكشارية ٢ الذي تحول في آخر الأمر إلى آلة فوضى وفساد ٣. وتبع ذلك فساد أمور الإدارة بوجه عام، وضعفت لذلك الحكومة المركزية ٤. وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا النظام إلى نتائج سيئة لأنه يفسح المجال أمام الولاة ومطامعهم ٥. فالحكومة المركزية تميل أحياناً إلى استرضاء الوالي وتبقيه في منصبه تحت بعض الشروط، وتجنح أحياناً إلى الشدة وتأمر ولاة الولايات المجاورة بإرسال حملات عسكرية لتأديبه وإخضاعه لأوامر السلطنة. والوالي الذي ينجح في الحركة التأديبية بناء على أوامر السلطة كثيراً ما يطلب مكافأة له على عمله، إما بإقطاعه بعض المقاطعات الغنية وإما بتولية أحد أبنائه أو أقربائه ٦.
إن الوقائع التي حدثت في مصر في عهد محمد علي باشا كانت دليلاً على الحالة التي وصلت إليها "الدولة العلية"، ولا يمكن أن نفهم تلك الأحداث على حقيقتها ما لم تؤخذ بنظر الاعتبار حالة الدولة العلية يومئذ.
стр. 24
ففي منتصف القرن الثاني عشر الهجري = بدايات القرن السابع عشر الميلادي كانت حالة الدولة العثمانية قد بلغت أشد حالات فسادها بينما كانت أوروبا تتقدم في كل النواحي المدنية،. لذلك قام بعض المفكرين العثمانيين بالقول بضرورة الاستفادة من التقدم الغربي الأوروبي، لضمان المحافظة على وحدة الدولة العثمانية وعلى دوامها واستمرارها. ومن ثم أصبحت البلاد أمام بداية حركة إصلاحية تستلهم الغرب. وأول حركة إصلاحية بهذا المفهوم كانت في عهد السلطان "أحمد الثالث" ١. ويشكل هذا العهد ـ بحركته الإصلاحية ـ ابتداء نفوذ الثقافة الغربية في الدولة العثمانية. وأخذت الدول الأوروبية تكتسب في بلاد المسلمين ميادين للعلاقات الثقافية بجانب علاقاتها السياسية بالدولة ٢.
لذلك أخذت الدولة بإرسال السفراء إلى باريس وفيينا بقصد التعرف على أوروبة ٣. وتوالت محاولات السلاطين الإصلاحية في الدولة العثمانية، غير أن تشخيص المرض لم يكن صحيحاً، فلذلك لم يكن الدواء ناجعاً. لقد كان تشخيص رجال الدولة للفساد الحاصل على المستوى الثقافي والديني والسياسي، خاطئاً من الأساس، إن كل ما ساد تصوره وقتها إن الدولة العثمانية تهزم في الحروب، إذن فالوسيلة الوحيدة لإعادة البنيان تكمن ـ فقط ـ في إقامة جيش قوي ٤. لقد قام هذا الجيش ـ نفسه ـ بالتمرد على السلطان نتيجة إنشائه " جيشاً قوياً جديداً على النظام الأوروبي" ٥. وبقيت أحوال الدولة هكذا تتدهور من سيء إلى أسوأ، وحتى جاء عبد الحميد الثاني وحاول أن يصنع شيئاً، أخر به سقوط الدولة ثلاثين عاماً ٦.
стр. 25
إن المرض الحقيقي للدولة العلية لم يكن في جيشها الضعيف، ولكن كان في دينها، لقد استشرت العقيدة الماتريدية ١، في جسد الدولة وكذلك الأشعرية، والتي تعتبر الإنسان مجبوراً على عمله، ليس له فيه اختيار ٢، كما أنها تعتبر العمل ليس شرطاً في الإيمان مما يدعو المسلم إلى الركون إلى الأماني الكاذبة والأوهام البالية. كما أصيبت الدولة العلية كذلك بداء الصوفية، التي تغلغلت في أرجاء الدولة حتى وصلت إلى رأس الدولة العلية ٣. ولا ننكر أن يكون للأدواء الأخرى أثرها، إلا أننا نقول: إن هذا الداء هو أصل كل البلايا التي حلت بالدولة، وما بعده تبع له. وللأسف لم يلتفت أحدٌ للصوت الذي نادى باستلهام الشريعة في الإصلاحات الجديدة، فذهبت كل الإصلاحات أدراج الرياح.
стр. 26
المطلب الثاني: الحياة السياسية في مصر
تعتبر مصر الحديثة ابنة " محمد علي" ٤ وأسرته. وقد عاش الشيخ رشيد في مصر في ظل حكم هذه الأسرة. لذا يحسن ـ ونحن نعرض للحالة السياسية في عصر الشيخ رشيد ـ أن نتناول "مصر الحديثة"، ولو بشيء من الاختصار.
مصر بعد الحملة الفرنسية وارتقاء محمد علي لعرشها:
كانت أحوال مصر وظروفها بعد خروج الحملة الفرنسية منها مجالاً
стр. 27
يستطيع أن يقتحمه كل مغامر. لقد وجدت ثلاث قوى كلها تحاول السيطرة على مصر بعد الفرنسيين، هم: الأتراك، والمماليك والإنجليز ١.
لقد هبط "محمد علي" على مصر مع الجيوش الإنجليزية والتركية التي حشدت لمنازلة "بونابرت" وإخراجه من مصر ٢.
وكان "محمد علي" جندياً ألبانياً عسكرياً بحتاً، وكان مع ذلك أمياً لا يحسن الكتابة ٣. لقد أعجب منذ نعومة أظفاره بأوروبة وخاصة فرنسا أيما إعجاب، وتأثر بها أعمق تأثير، ولقد ولد وعاش فترة طويلة قبل مجيئه إلى مصر قريباً من هذه الحضارة الجديدة ٤.
لقد أحسن محمد علي استغلال الظروف التي مرت بها مصر بعد خروج بونابرت وحملته واستطاع بذكاء أن يصل إلى كرسي مصر وعرشها ٥. وإذا قيل: إنه كان عبقرياً حين استطاع أن يصل إلى عرش مصر وخزائنها فلزاماً أن يقال: أيضاً: إن استطاعته الاستمرار في الحكم والانفراد به أدل على تمتعه بعبقرية وشخصية ذكية وتفوق ذاتي ٦. لقد تخلص محمد علي من المماليك الذين كانوا دائماً مصدراً ومثاراً لكثير من الفتن، وكم أقضوا مضجع الوالي الجديد. كما أنه تخلص من العلماء الذي تزعموا الشعب المصري، وحملوا "محمدَ علي" إلى كرسي عرش مصر فصار عزيزاً لها ٧.
стр. 28
كما إنه تقرب من فرنسا وإنجلترا ليتحرر من الوصاية العثمانية ١. وقدم خدماته للدولة في اليونان ٢ ونجد ٣. لكنه سرعان ما تعدى على سيادتها وسبب لها حرجاً شديداً عندما هاجم سوريا وبقي حاكماً عليها بالقوة تسع سنوات إلى أن أخرجته الدول الغربية بعد استغاثة الدولة العثمانية بها٤.
وبناء على معاهدة سنة ١٨٤٠م. صار لمحمد علي وأبنائه حكم مصر وراثياً بموجب "خط شريف" من السلطان العثماني ٥.
محمد علي وبناء الدولة الحديثة:
وبينما كان السلطان "محمود" ٦ لا يزال منهمكاً في العمل على زيادة فعالية الدولة من طريق الإصلاحات ولكن من غير طائل، كان تابعه المصري "محمد علي" قد سبقه في هذا السبيل سبقاً بعيداً، لكنه أيضاً مضى في ذلك مستلهماً الحضارة الغربية الحديثة.
اهتم "محمد علي" اهتماماً كبيراً بأن يجعل مصر دولة حديثة تلحق بركب التقدم الأوروبي الذي كان "محمد علي" على صلة بنهضته واتجه أول ما اتجه نحو الجيش معتمداً فيه على ضابط فرنسي بقي من حملة بونابرت ٧.
وفي عهده حدثت مجموعة كبيرة من الإصلاحات الزراعية فأنشأ السدود
стр. 29
والقناطر وحفر الترع، وأدخل محاصيل جديدة لم تكن من قبل كالقطن، والذي أصبح بعد ذلك ذا شهرة عالمية. وفي مجال الصناعة أدخل صناعات هامة، فبالإضافة إلى مصانع الأسلحة كان هناك مصانع الغزل والنسيج ومصانع سبك الحديد، ومصانع السكر والورق والصابون والزجاج ١.
وأرسل أول بعثة مصرية إلى فرنسا وكانت تتكون من أربعين شاباً من الأتراك والمصريين، زاد عددهم فيما بعد، ولما عاد أعضاء البعثة اعتمد عليهم محمد علي وأحلهم محل الأجانب ومضى أبناؤه من بعده على ذلك في الاهتمام بأمر مصر التي أضحت ملكاً لهم. وحتى وصل الأمر إلى حفيده: "إسماعيل" ٢ بن إبراهيم الذي كان يقول: " إن بلادي ليست من أفريقيا بل هي جزء من أوروبا" ٣.
ولم يشذ عن هذا الخط من أبناء محمد علي إلا خليفته وابن ابنه الأكبر "طوسون" والذي ولي بعد وفاة إبراهيم باشا: وهو عباس باشا الأول ٤.
لقد كان هذا الرجل قد تربى تربية دينية شرقية وعرف عنه بغضه للفرنساويين وبلغ به الأمر إلى أن عمل على إيقاف إيفاد البعثات إلى فرنسا واتخذه الأوربيون عموماً ـ ولا سيما في فرنسا ـ التي كانت تعرف بغضه لها ـ هدفاً لسهامهم. لذلك يقول عنه بروكلمان: " إنه كان مسلماً متعصباً يزدري التربية الأوروبية ازدراءً بعيداً ٥. ويتهمه بأنه كان طاغية ٦، والحق أنه كان متديناً تقياً. وندلل على ذلك بحادثين: الأول قبل ولا يته: فقد
стр. 30
استطاع عباس الأول محافظ مصر آنذاك لجده "محمد علي" أن يخرج الوهابيين ١ من أبناء ابن سعود والذين سجنهم محمد علي في القلعة بحيلة دبرها، ولم يستطع الجنود أن يخبروا "محمد علي" إلا بعد ثلاثة أيام خوفاً منه، ولكنه على كل حال لم يفعل شيئاً لأنه كان يثق بعباس ٢. ومنذ ذلك الحين صار عباس صديقاً حميماً لفيصل بن سعود إلى نهاية حياتهما ٣. ولا ريب أن انتشار أئمة الدعوة في مصر كان له الفضل الأكبر في سريان عقيدة التوحيد هناك، ولا سيما أن هؤلاء "الوهابيين" كانوا طلبة علم، فالتحقوا بالأزهر ودرسوا فيه ودرسوا ...
وكان عباس الأول هو الوحيد من أولاد محمد علي الذي كان يتردد إلى المساجد في شهر رمضان لاستماع الدروس والمواعظ الدينية ٤. وفي أيام عباس باشا لم يكن أحد يستطيع أن يسير في الشوارع وقت الصلاة وإلا تعرض لسياط "الشاويشية" الأتراك، جنود عباس ٥. وفيما عدا عباس كان أبناء محمد علي جميعاً يميلون إلى أبيهم "محمد علي الكبير" ويتبعون سياسته في الحكم مائلين إلى الغرب.
وبعد عباس الأول تولى عرش مصر محمد سعيد باشا ٦ بن محمد علي، الذي وقع اتفاق حفر قناة السويس مع الفرنسيين، وقد كان في بنود
стр. 31
هذا الاتفاق شروط مجحفة بمصر والمصريين ١، إلا أن إسماعيل باشا أو إسماعيل العظيم كما يسميه الأوروبيون ٢، والذي كان أكبر الناس شبهاً بجده في سياسته استطاع أن يعدل هذه الشروط ويتخلص من الإجحاف ٣. ولقد كانت جهود إسماعيل باشا لرفع شأن بلاده في مضمار الحضارة موفقة أيضاً، فقد اهتم اهتماماً بالغاً بتنمية مصر من كافة الجهات، فخدم الزراعة والصناعة والتعليم بما لم يفعله أحد قبله، ولقد أصبح القطن المصري أو الذهب الأبيض ذا شهرة عالمية لا سيما بعد توقف أميركا عن إنتاجه بسبب الحرب الأهلية هناك، فارتفع سعر القطن المصري الذي توسع في زراعته جداً، فأصبح مصدر خير كبير لمصر، استمر إلى يومنا هذا ٤، ولكنه كان متعجلاً في خطته، فأسرع إلى تنفيذها، وتوسع في الاقتراض معتمداً على "الذهب الأبيض" الذي ما لبث أن انخفض سعره بسبب توقف الحرب الأهلية في أميركا وعودة القطن الأميركي إلى السوق ٥، وبدأت الأزمة المالية تشتد، وحاول إسماعيل الخروج منها بكل سبيل حتى باع أملاكه وأملاك أسرته، إلا أن أوروبا لم تشأ أن تمكنه من ذلك فعملت على خلعه ونجحت في ذلك. وفي عهد ابنه توفيق استغلت إنجلترا حماقة أحد ضباط الجيش المصري واحتلت مصر بجيوشها، ومن ذلك الحين أصبح في مصر حاكمان: أحدهما شرعي هو: الخديوي، والآخر فعلي هو: إنجلترا ٦.
стр. 32
ولم تفلح محاولات " عباس الثاني" ١ ابن محمد توفيق في أن يقيد سلطة إنجلترا، ولأنه كان وطنياً صادقاً متحالفاً مع الشعب المصري ضد إنجلترا وموالياً للسلطان العثماني، لم يكن أمام بريطانيا بعد قيام الحرب العالمية الأولى إلاّ أن تقيله وتستبدل به "السلطان حسين كامل" ٢ وبذلك انقطعت كل علاقة لمصر مع الدولة العثمانية وأصبحت مصر مملكة واقعة تحت سيطرة التاج البريطاني. ثم في عهد أحمد فؤاد الأول خرجت انجلترا جزئياً ثم خرجت نهائياً في عهد الجمهورية. وكان آخر من حكم مصر من أسرة محمد علي هو "أحمد فؤاد الثاني" ٣.
لقد أصبحت مصر في عهد أسرة "محمد علي" امبراطورية تمتد من البحر المتوسط شمالاً إلى أربع درجات جنوب خط الاستواء، وضمت أريتريا والصومال وهرر في الحبشة، ومن سواحل البحر الأحمر إلى شرق بحيرة تشاد غرباً، وتم لمصر الاستيلاء على نهر النيل من منبعه إلى مصبه، وأصبح في قبضتها هذا النهر السعيد الذي عليه مدار الحياة في البلاد ٤.
ومن الناحية الاقتصادية أصبحت مصر دولة غنية بسبب زراعة "إسماعيل" للقطن المصري والتي كانت أبعد أثراً من شق قناة السويس نفسها، وبحفر هذه القناة زادت مكانة مصر وأهميتها العالمية ٥.
стр. 33
المطلب الثالث: الحياة السياسية في الشام:
كانت بلاد الشام على عهد المماليك مقسمة إلى ست "نيابات" هي: نيابة حلب، وحماة، وطرابلس، وصفد، والكرك، فعبارة "بلاد الشام" في عصر المماليك تشمل ما يسمى اليوم بالجمهورية العربية السورية، ولبنان، وفلسطين والأردن بالإضافة إلى المناطق التي تقع بين خط الحدود الحالي مع تركيا وبين سفوح جبال طوروس والتي اغتصبتها تركيا من سوريا إبان الاستعمار الفرنسي ١، وقد أبقى الأتراك الدوائر النيابية في الشام على نحو ما كانت عليه على عهد المماليك ولكنهم بدلوا بعض الشيء في نظام التسمية فدعيت النيابة ولاية أو إيالة وأصبح الحاكم يسمى الوالي بدل النائب ٢. ثم اندمجت هذه الولايات بعضها في بعض عقب الحركة الاستقلالية التي قادها الغزالي ٣ فأصبحت ولايات الشام ثلاث: هي ولاية دمشق وحلب طرابلس، ثم صارت صيدا ولاية سنة ١٦٦٠ لتكون مركزاً للرقابة على لبنان ٤.
الولاة:
لم تفز سوريا أو "الشام" بولاياتها، بمثل ما فازت به أختها مصر من الحكم الذاتي شبه الاستقلالي، بل بقيت من الفتح العثماني تسير من سيء إلى أسوأ، وتعاقب تبدل الولاة عليها، والسعيد منهم من كان يحول عليه الحول، وأكثرهم يقيمون فيها أشهراً ثم يصرفون ويستبدل غيرهم بهم.
стр. 34
وكانت الولاية منصباً رسمياً للباشا. إذ لم يكن هناك مماليك كأولئك الذين كانوا في مصر ينازعون الباشا سلطانه أو ينغصون عليه عيشه، ثم إن قرب سوريا من تركية ضمن للولاة الباشوات نوعاً من الهيبة. ومن هنا كان تكالب الولاة على سوريا ملحوظاً، وكان الطامعون في الولاية مستعدين أن يدفعوا رشوة باهظة لينالوها، فكثر بذلك عدد الولاة في كل ولايات سوريا إذ بلغ عددهم في ولاية دمشق ١٣٣والياً خلال السنين المائة والأربع والثمانين التي ابتدأت بالفتح العثماني ١.
الامتيازات وتقسيم الشام:
تقدمت فرنسا إلى الدولة العثمانية ـ وهي في أوج قوتها ـ باسم الصداقة والدبلوماسية تطلب مركزاً لرعاياها داخل الدولة العلية يمتاز عن رعايا باقي الدول وقد نجحت في ذلك فحصلت سنة ١٥٣٥ على هذا الامتياز، وما إن حصلت فرنسا على هذا الحق حتى حصلت روسيا على حق مثيل له بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس ٢. وكانت أوروبا تنتهز الفرص من حين لآخر لتحصل على مزيد من الامتيازات للمسيحيين وبالتالي مزيد من حقوق التدخل باسم حمايتهم. ونتيجة لذلك برز الموارنة في لبنان مؤيدين بفرنسا ووقف الدروز مؤيدين بإنجلترا وقامت فتن وثورات ٣.
وفي عام ١٨٦٤ ونتيجة لتوالي الفتن والتدخل الأوروبي انفصلت لبنان رسمياً عن الدولة العثمانية وسوريا وظلت كذلك حتى قيام الحرب العالمية الأولى٤.
وبعد الحرب العالمية الأولى حصلت فرنسا على حق الانتداب على
стр. 35
سوريا ولبنان وانتزعت أجزاء من سوريا وضمّت إلى لبنان باسم "لبنان الكبير" ١، ثم تلا ذلك تقسيم آخر في ظل هذا الانتداب هو انتزاع فلسطين من سوريا وإخضاعها للانتداب الإنجليزي بناء على ما قرره مؤتمر سان ريمو في إبريل ١٩٢٠ ونص في صك الانتداب على أن تعمل إنجلترا لتحقيق وعد بلفور بجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود ٢.
стр. 36
المبحث الثاني: الحالة العلمية
المطلب الأول: الحياة العلمية في مصر
...
المبحث الثاني: الحالة العلمية:
لا يعنينا أن نتطرق لجميع مظاهر هذه الحياة، لأنه موضوع طويل، وإنما أريد أن أعطي صورة عامة موجزة عن الحالة العلمية والثقافية في مصر والشام وهما القطران اللذان أمضى الشيخ رشيد فيهما حياته.
المطلب الأول: الحياة العلمية في مصر:
شهدت مصر في عهد محمد علي وأسرته نهضة علمية وثقافية كبرى، ولئن كان التعليم في عهد محمد علي هو تعليم لا من أجل التعليم، ولكن تعليم من أجل "الجيش القوي" إلا أنه على كل حال قد نفع نفعاً كبيراً. فإنه قد وجد طريقاً إلى المدارس التي أنشئت من حربية وصناعية وهندسية وطبية، وكان لا بد للمصريين أن يحسنوا اللغات الأجنبية ليفهموا عنهم فوجدت الحاجة إلى مدرسة الألسن وإلى بعوث ترسل إلى الغرب، وأنشئ في أثناء ذلك كثير من المدارس الابتدائية والثانوية.
البعثات ١:
стр. 37
لعسكرية والاقتصاد والميكانيكا والطب والتعدين والترجمة. ففي سنة ١٨٢٦ أرسل إلى فرنسا أول بعثة تعليمية أرسلت إليها وكانت مؤلفة من أربعين شاباً، معظمهم من تلامذة "القصر العيني" وبعضهم من طلبة مدرسة الطب وأمرهم بتعلم الفنون العسكرية والقوانين الإدارية والهندسة المدنية والحربية ولقد نجحت هذه البعثة نجاحاً كبيراً حمل محمد علي على إرسال نيف ومائة طالباً إلى باريس وعلى إبطال البعثات التي كان يرسلها قبل إلى إيطاليا وإنجلترا، والبلاد الأخرى ١.
وفي عهد "إسماعيل" الذي عني بالبعوث فاختار مجموعة من الشبان أوفدهم إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها لدراسة الطب والهندسة والقانون والفنون الجميلة وبلغ عدد أعضاء البعوث في عهده مائتي شخص. فسار "إسماعيل" على نهج جده في ذلك ٢.
المدارس:
أنشأ "محمد علي" بمصر مجموعة من المدارس العليا مثل مدرسة الطب التي أنشأها "كلوت بك" ٣، ومدرسة الهندسة ومدرسة الصيدلة ومدرسة الزراعة ومدرسة الألسن والمدارس الحربية المختلفة. كما أنشأ عدداً من المدارس الابتدائية والثانوية، كما وجه بعض الاهتمام كذلك إلى الأزهر الذي وجد فيه معيناً يسد حاجته من الطلاب لتغذية المدارس العليا والبعثات. وبلغت المدارس من الكثرة في عهد محمد علي أن أنشأ لها ديواناً لم تمض بضع سنوات حتى أصبحت المدارس التابعة له سبعين مدرسة منها ستة عشر مدرسة عليا ٤.
стр. 38
وفي عهد إسماعيل أعيد ديوان المدارس الذي يعتبر النواة لوزارة المعارف، وأصدر لائحة التعليم، ونشر التعليم الابتدائي في المدن والقرى، فقد أنشئ في عهد إسماعيل أربعة آلاف وثمانمائة وسبعة عشر مدرسة، وكان عدد المدارس قبله مائة وخمسة وثمانين مدرسة فقط، وربط إسماعيل بين الكتاتيب وبين المدارس الابتدائية، وأكثر من المدارس التجهيزية والفنية والعالية. وكان نشاط إسماعيل في التعليم الفني والعالي نشاطاً مزدوجاً، فقد أعاد من جانب المدارس العالية والفنية التي كان محمد علي قد أنشأها ثم أهملت من بعده. ومن جانب آخر أنشأ طائفة جديدة من المدارس كمدرسة الإدارة التي تحولت من بعد إلى مدرسة الحقوق، ومدرسة الألسن التي تحولت بعد ذلك إلى مدرسة المعلمين العليا، ودار العلوم التي كانت مصدر إزعاج من بعد للاحتلال الإنجليزي ١.
الطباعة:
كان بونابرت قد ترك لنا مطبعة قبل رحيله، ولكنها أهملت فيما بعد، وضربت عليها العنكبوت بنسجها. وربما أخذ نابليون معه أجزاءها الرئيسة. حتى جاء محمد علي وأنشأ المطبعة الأهلية في بولاق على أنقاض مطبعة بونابرت. فاستحضر لها العدد والحروف واستقدم العمال من أوروبة وسوريا فأداروها واصطنعوا حروفاً جديدة تشبه حروفها الأصلية. ولا يمضي النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى تكثر المطابع ويكثر طبع الكتب العربية القديمة ودواوين الشعر. وكان لذلك تأثير واسع في حياتنا الأدبية ٢. وفي عهد إسماعيل صارت دار الطباعة أكبر مطبعة عربية في العالم حتى بلغ متوسط المؤلفات المطبوعة فيها سنوياً ـ على عهده ـ نيفاً وعشرين مؤلفاً،
стр. 39
فضلاً عن الكتب المترجمة وخلافه ١. وعلى كل حال كانت المطبعة عاملاً مهماً ومؤثراً في إيقاظ العقل المصري في القرن الماضي، فقد كان المؤلفون يعتمدون على النسخ باليد قبل ظهور المطبعة، وكان هذا النسخ يكلف أثماناً باهظة، ولم يكن كل الناس يستطيع أن يتكلف ذلك، فلما ظهرت المطبعة عملت على نشر الكتب وأصبح الكتاب الواحد يطبع منه مئات النسخ بل آلافها.
الصحف:
ولقد سهلت المطبعة إصدار الصحف، وأول صحيفة ظهرت هي: "الوقائع المصرية" التي أنشأها "محمد علي" وكانت تصدر أول ما صدرت باللسانين: العربي والتركي. حتى إذا كان عصر إسماعيل كثرت الصحف وكان يصدرها الوطنيون وغيرهم على السواء ٢.
الأزهر:
والأزهر هو المعهد العلمي الديني الكبير الذي بقي بعد سقوط بغداد، وتوقف الدراسة بجامع بني أمية في دمشق، وأصبح هو الموئل لطلاب العلوم الشرعية والعربية، ولم تزل قوته ونهضته باقية على عهد المماليك، إلا أنه أخذ في الضعف بدءاً من فتح العثمانيين لمصر، وفي عهد "محمد علي" وأسرته ومع ميلهم إلى التعليم على الطريقة الغربية، بقي الأزهر شامخاً في وسط هذه الموجة العاتية، وتحمل كل ما وجه إليه من انتقادات ٣. لقد أصبح في مصر تياران: عربي يمثله الأزهر، وغربي: تمثله
стр. 40
لمدارس الجديدة، ومنها دار العلوم. فالأزهر هو الذي حافظ على اللغة العربية والعلوم الدينية القرونَ المتطاولةَ الماضيةَ، ولم يبق غيره في هذا العهد، فإن المدارس الدينية التي أنشأها المماليك والأيوبيون من قبلهم أغلقت أبوابها، وبقي الأزهر صامداً حتى استطاع أخيراً تلامذة الأفغاني وعلى رأسهم "محمد عبده" أن يحدثوا به من "التغيير" ما عجز عنه أسلافهم، فقد أصبح محمد عبده عضواً في مجلس إدارته، وبمعاونة "كرومر" استطاع أن يحقق نتائج كبيرة في مشروعه ذلك ١. ومهما يكن من شيء فقد بقي الأزهر في هذه الحقبة الجامعة الدينية الوحيدة التي يفد إليها الطلاب من كل فج عميق، إلا أنه لم يجد من أسرة محمد علي الاهتمام الذي وجده غيره من المدارس، وإن كانوا استعانوا بأبنائه في نهضتهم، إلا أنه بدا في ذلك العهد أن الأزهر ليس هذا زمانه ٢.