← Акыда

Акыда · id 7251

منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة

تامر محمد محمود متولي

Полный текст (934 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثاني: الحالة العلمية المطلب الأول: الحياة العلمية في مصر ... المبحث الثاني: الحالة العلمية: لا يعنينا أن نتطرق لجميع مظاهر هذه الحياة، لأنه موضوع طويل، وإنما أريد أن أعطي صورة عامة موجزة عن الحالة العلمية والثقافية في مصر والشام وهما القطران اللذان أمضى الشيخ رشيد فيهما حياته. المطلب الأول: الحياة العلمية في مصر: شهدت مصر في عهد محمد علي وأسرته نهضة علمية وثقافية كبرى، ولئن كان التعليم في عهد محمد علي هو تعليم لا من أجل التعليم، ولكن تعليم من أجل "الجيش القوي" إلا أنه على كل حال قد نفع نفعاً كبيراً. فإنه قد وجد طريقاً إلى المدارس التي أنشئت من حربية وصناعية وهندسية وطبية، وكان لا بد للمصريين أن يحسنوا اللغات الأجنبية ليفهموا عنهم فوجدت الحاجة إلى مدرسة الألسن وإلى بعوث ترسل إلى الغرب، وأنشئ في أثناء ذلك كثير من المدارس الابتدائية والثانوية. البعثات ١:

стр. 37

لعسكرية والاقتصاد والميكانيكا والطب والتعدين والترجمة. ففي سنة ١٨٢٦ أرسل إلى فرنسا أول بعثة تعليمية أرسلت إليها وكانت مؤلفة من أربعين شاباً، معظمهم من تلامذة "القصر العيني" وبعضهم من طلبة مدرسة الطب وأمرهم بتعلم الفنون العسكرية والقوانين الإدارية والهندسة المدنية والحربية ولقد نجحت هذه البعثة نجاحاً كبيراً حمل محمد علي على إرسال نيف ومائة طالباً إلى باريس وعلى إبطال البعثات التي كان يرسلها قبل إلى إيطاليا وإنجلترا، والبلاد الأخرى ١. وفي عهد "إسماعيل" الذي عني بالبعوث فاختار مجموعة من الشبان أوفدهم إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها لدراسة الطب والهندسة والقانون والفنون الجميلة وبلغ عدد أعضاء البعوث في عهده مائتي شخص. فسار "إسماعيل" على نهج جده في ذلك ٢. المدارس: أنشأ "محمد علي" بمصر مجموعة من المدارس العليا مثل مدرسة الطب التي أنشأها "كلوت بك" ٣، ومدرسة الهندسة ومدرسة الصيدلة ومدرسة الزراعة ومدرسة الألسن والمدارس الحربية المختلفة. كما أنشأ عدداً من المدارس الابتدائية والثانوية، كما وجه بعض الاهتمام كذلك إلى الأزهر الذي وجد فيه معيناً يسد حاجته من الطلاب لتغذية المدارس العليا والبعثات. وبلغت المدارس من الكثرة في عهد محمد علي أن أنشأ لها ديواناً لم تمض بضع سنوات حتى أصبحت المدارس التابعة له سبعين مدرسة منها ستة عشر مدرسة عليا ٤.

стр. 38

وفي عهد إسماعيل أعيد ديوان المدارس الذي يعتبر النواة لوزارة المعارف، وأصدر لائحة التعليم، ونشر التعليم الابتدائي في المدن والقرى، فقد أنشئ في عهد إسماعيل أربعة آلاف وثمانمائة وسبعة عشر مدرسة، وكان عدد المدارس قبله مائة وخمسة وثمانين مدرسة فقط، وربط إسماعيل بين الكتاتيب وبين المدارس الابتدائية، وأكثر من المدارس التجهيزية والفنية والعالية. وكان نشاط إسماعيل في التعليم الفني والعالي نشاطاً مزدوجاً، فقد أعاد من جانب المدارس العالية والفنية التي كان محمد علي قد أنشأها ثم أهملت من بعده. ومن جانب آخر أنشأ طائفة جديدة من المدارس كمدرسة الإدارة التي تحولت من بعد إلى مدرسة الحقوق، ومدرسة الألسن التي تحولت بعد ذلك إلى مدرسة المعلمين العليا، ودار العلوم التي كانت مصدر إزعاج من بعد للاحتلال الإنجليزي ١. الطباعة: كان بونابرت قد ترك لنا مطبعة قبل رحيله، ولكنها أهملت فيما بعد، وضربت عليها العنكبوت بنسجها. وربما أخذ نابليون معه أجزاءها الرئيسة. حتى جاء محمد علي وأنشأ المطبعة الأهلية في بولاق على أنقاض مطبعة بونابرت. فاستحضر لها العدد والحروف واستقدم العمال من أوروبة وسوريا فأداروها واصطنعوا حروفاً جديدة تشبه حروفها الأصلية. ولا يمضي النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى تكثر المطابع ويكثر طبع الكتب العربية القديمة ودواوين الشعر. وكان لذلك تأثير واسع في حياتنا الأدبية ٢. وفي عهد إسماعيل صارت دار الطباعة أكبر مطبعة عربية في العالم حتى بلغ متوسط المؤلفات المطبوعة فيها سنوياً ـ على عهده ـ نيفاً وعشرين مؤلفاً،

стр. 39

فضلاً عن الكتب المترجمة وخلافه ١. وعلى كل حال كانت المطبعة عاملاً مهماً ومؤثراً في إيقاظ العقل المصري في القرن الماضي، فقد كان المؤلفون يعتمدون على النسخ باليد قبل ظهور المطبعة، وكان هذا النسخ يكلف أثماناً باهظة، ولم يكن كل الناس يستطيع أن يتكلف ذلك، فلما ظهرت المطبعة عملت على نشر الكتب وأصبح الكتاب الواحد يطبع منه مئات النسخ بل آلافها. الصحف: ولقد سهلت المطبعة إصدار الصحف، وأول صحيفة ظهرت هي: "الوقائع المصرية" التي أنشأها "محمد علي" وكانت تصدر أول ما صدرت باللسانين: العربي والتركي. حتى إذا كان عصر إسماعيل كثرت الصحف وكان يصدرها الوطنيون وغيرهم على السواء ٢. الأزهر: والأزهر هو المعهد العلمي الديني الكبير الذي بقي بعد سقوط بغداد، وتوقف الدراسة بجامع بني أمية في دمشق، وأصبح هو الموئل لطلاب العلوم الشرعية والعربية، ولم تزل قوته ونهضته باقية على عهد المماليك، إلا أنه أخذ في الضعف بدءاً من فتح العثمانيين لمصر، وفي عهد "محمد علي" وأسرته ومع ميلهم إلى التعليم على الطريقة الغربية، بقي الأزهر شامخاً في وسط هذه الموجة العاتية، وتحمل كل ما وجه إليه من انتقادات ٣. لقد أصبح في مصر تياران: عربي يمثله الأزهر، وغربي: تمثله

стр. 40

لمدارس الجديدة، ومنها دار العلوم. فالأزهر هو الذي حافظ على اللغة العربية والعلوم الدينية القرونَ المتطاولةَ الماضيةَ، ولم يبق غيره في هذا العهد، فإن المدارس الدينية التي أنشأها المماليك والأيوبيون من قبلهم أغلقت أبوابها، وبقي الأزهر صامداً حتى استطاع أخيراً تلامذة الأفغاني وعلى رأسهم "محمد عبده" أن يحدثوا به من "التغيير" ما عجز عنه أسلافهم، فقد أصبح محمد عبده عضواً في مجلس إدارته، وبمعاونة "كرومر" استطاع أن يحقق نتائج كبيرة في مشروعه ذلك ١. ومهما يكن من شيء فقد بقي الأزهر في هذه الحقبة الجامعة الدينية الوحيدة التي يفد إليها الطلاب من كل فج عميق، إلا أنه لم يجد من أسرة محمد علي الاهتمام الذي وجده غيره من المدارس، وإن كانوا استعانوا بأبنائه في نهضتهم، إلا أنه بدا في ذلك العهد أن الأزهر ليس هذا زمانه ٢.

стр. 41

المطلب الثاني: الحياة العلمية في الشام: لم تكد تمضي مدة طويلة على دخول العثمانيين الشام حتى تدنت الحركة العلمية فيها تدنياً ظاهراً. وكان التدريس في العهد المملوكي يتم في المساجد والمدارس. إلا أن هذه جميعاً قد تدهورت تدريجياً حتى توقفت تماماً بعد الفتح العثماني، بما في ذلك الجامع الأموي الذي كان يساوي الأزهر في القاهرة إلا أنه ظهر قبله بثلاثة قرون ٣. وفي النصف الثاني من هذا القرن ـ الثالث عشر الهجري ـ بدأت تباشير بعض العلوم الرياضية والطبيعية ـ وكانت ضعفت ضعفاً أشبه بالاندراس ـ تهب على الشام من طريق مصر بسبب الحركة التي بعثها

стр. 42

عزيزها "محمد علي". لقد تخرج بعض الشاميين في مدارسه ١. وفيما يتعلق بالعلوم الدينية فقد قدم الشاميون إلى الأزهر لتلقي هذه العلوم عوضاً عن تلقيها في جامع بني أمية في حاضرتهم "دمشق". ورغم أن الدولة العثمانية كانت قد أنشأت المدارس العالية في الآستانة ودخل فيها بعض الشاميين، كما أنها فتحت مدارس رسمية لها بالشام، ولكن في كل ذلك، كان التعليم باللغة التركية، لذلك قل إقبال أبناء العرب عليها ٢. ومما زاد الطين بلة، أن الدولة لم تكن تشجع المدارس الخاصة التي كان ينشئها المتحمسون لخدمة بلادهم وأمتهم. مما يجعلها عاجزة عن الاستمرار في أداء مهمتها، فقد اضطر الشيخ حسين الجسر ٣ إلى إغلاق مدرسته التي افتتحها في طرابلس، وكان التعليم فيها باللغة العربية، وتعنى بكافة العلوم العربية والشرعية والعصرية، لأن الدولة لم تساعدها. وأما المطابع فبالرغم من أن المطابع وصلت إلى الشام قبل أن تعرفها مصر، إلا أنها كانت قليلة ونادرة، فلا نجد ذكراً لها في بلاد الشام إلا في النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي. وقد أخذ إبراهيم باشا ـ أثناء حملته على الشام ـ مطبعة حملها معه إلى هناك ٤. حتى إذا انتهى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي أخذت المطابع تنتشر شيئاً فشيئاً في بلاد الشام. ولذلك كانت الكتب عزيزة لا يكاد يملكها إلا الموسرون، وأما أصحاب المكتبات الخاصة فهم مع قلتهم بخلاء بها خوفاً من السارقين والعابثين ٥.

стр. 43

وأما الصحافة فلم تكن هذه المهنة تتمتع بحرية كافية فقد كانت الرقابة عليها شديدة، بخلاف مصر التي كانت تتمتع بقدر أكبر من الحرية مما دفع كثيراً من العلماء من المسلمين وغيرهم للرغبة في الهجرة إليها، وإصدار الصحف فيها مما زاد هذه الصحف في مصر حتى وصل إلى "المائة صحيفة" ١. ولا يمنع ذلك من وجود صحف في بلاد الشام إلا أنها كانت قليلة الانتشار. وإذا كان هذا حال المسلمين الثقافي والعلمي هناك، فإن حال الطوائف الأخرى كان أسعد، إذ أنشأت هذه الطوائف المدارس الخاصة بها، لا سيما مدارس الإرساليات التبشيرية وكان التعليم بالعربية وبغيرها من اللغات ٢. كما أنهم أيضاً أنشأوا الصحف التي تنطق بلسانهم ٣.

стр. 44

المبحث الثالث: الحياة الدينية: لا شك أن الموجة التي ركبها محمد علي وأولاده، ومن قبله سلاطين العثمانيين، من استلهام الحضارة الغربية في عملية الإصلاح والبناء، وما ابتعثوه من بعوث وما استقدموه من رجال يحملون في طياتهم أفكار وآراء مجتمعاتهم، ويعيشون بين المجتمعات الإسلامية وينظر إليهم باعتبارهم المنقذين لبلادنا، الناهضين بها من عثرتها. لا شك أنه كان لهذا كله أكبر الأثر على نشوء حالة جديدة وأفكار حادثة، في الحياة الدينية في العالم الإسلامي ١. فبالإضافة إلى مشاكل الحياة الدينية الموجودة كالعقائد المبتدعة والأعمال المخالفة للشرع والتي انتشرت في بلاد المسلمين في القرون المتأخرة، والتي أدت أخيراً إلى المرض المزمن الذي فتك بدولتهم، فإنه ظهر في هذه الحياة مشاكل جديدة لم تكن من قبل والتي أتى بها الأوروبيون "المصلحون" معهم، فيما حملوه من متاعهم. لقد صار للأوروبيين في العصر الأخير قوة وغلبة على أمم العالم، وكانوا قديماً قد اعتنقوا المسيحية "الجديدة" ٢وبعد اطلاعهم على نتائج

стр. 45

بحوثهم الحديثة ورقيهم في العلوم والصناعات، وموقف الكنيسة من هذا التقدم ١، بدا لعقلائهم أن دينهم الذي اعتنقوه لا يتفق مع العقل والعلم، ثم طردوا هذه النتيجة على كل دين ٢. فكان هذا منشأ الإلحاد في أوروبة، الذي أتى إلينا معهم من خلال الاحتكاك المباشر في مصر لما أتوا مستعمرين. وفي أوروبة لما ذهبنا متعلمين. لقد انتقلت عقلية الإلحاد الأوروبي إلى العقلية المصرية وفشت بين المتعلمين العصريين في المدارس الجديدة التي لم يكن فيها صبغة دينية ٣. لقد بدا أن "العلم الحديث " قد قضى على الأديان كلها ولم يستثن منها الإسلام ٤. وتسللت هذه الأفكار حتى وصلت إلى عقول بعض العلماء ٥ولقد كان دستور هذا العلم الحديث هو: "كل معقول لا يؤيده محسوس لا يلتفت إليه"٦. وبناء على ذلك طرحت فكرة الإيمان بالله وحده، وهي رأس الدين وأساسه الأول، وبدا أن هذه الفكرة قد سيطرت على عقول الكتاب والمفكرين حتى في الصحف والمجلات السيارة. وتبعاً لإنكار هذه الفكرة جاءت فكرة أخرى هي: إنكار كل ما يتصل بعالم الغيب ٧. ولم يتوقف الأمر عند أصول الدين بل امتد أيضاً إلى فروعه الفقهية

стр. 46

فقد أراد جماعة من المتعلمين على الطريقة الحديثة، والمفتونين بالحضارة الأوروبية والعلم الحديث، طرح الفروع الفقهية بدعوى عدم مناسبتها للحالة العصرية. وقد ظهر ذلك حول حجاب المرأة المسلمة في كتابين لقاسم أمين، هما: "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" ١. وامتد أيضاً ليشمل جميع كتب الفقه الإسلامي ٢. فتبين من هنا أن الفتنة المثارة ضد الدين، الواصلة إلى حد إنكار وجود الله تعالى، لعدم كونه ـ بحسب دستور العلم الحديث ـ في متناول التجربة الحسية، أو لكونه لا يزال محلاً للشك في وجوده على الأقل. وإنكار معجزات الأنبياء المستلزم لإنكار النبوة، لكونها أيضاً من الخوارق التي لا يقدر على تجربتها في هذا الزمان، والتشكيك في أخبار الأنبياء عن الغيب والمستقبل، بل وإخبارهم عما سبق أيضاً من أخبار الأمم السابقة ـ قد طمت وعمت ووصلت إلى علماء الأزهر الجدد من تلامذة "الأستاذ الإمام" والكتاب العصريين الذين كانوا أيضاً من تلامذة "الأستاذ الإمام" وقد قويت هذه الفتنة وشد أزرها العلم الحديث، وتهيبها علماء الأزهر الباقون على عقيدة الإسلام وسكتوا عنها ٣. ومن ناحية أخرى، ومع وصول الأوروبيين وسيطرتهم على مقاليد الأمور في مصر، شعر النصارى بقوة لم تكن قد دبت في جسدهم المنهوك من قبل، وقد شد أزرهم المستعمر الأوروبي الذي يدين بدينهم ـ ولو بحسب الدعوى الظاهرة ـ مع هزيمة دولة المسلمين ووصولها إلى أقصى دركات ضعفها. فدفعهم ذلك إلى التقوي بهذا الأوروبي القوي على المسلم

стр. 47

المهزوم الضعيف، وبدأت دعوة قوية للتنصير في مصر على صفحات الصحف والجرائد والمجلات والتي كانت تصل إلى كبار علماء الدين الإسلامي حتى شيخ الأزهر ١ وأصبح عمل المنصرين جهاراً نهاراً، والدعوة إلى المسيحية تزداد نشاطاً. وقد تتخذ شكل القوة والإرهاب أيضاً٢. لقد بلغت القوة ـ المتوهمة ـ لدى النصارى أن ألفوا وعقدوا مؤتمراً لهم ينادون فيه بمطالبهم الدينية ٣ وبلغت الدعوة هذه مبلغاً حتى عقد علماء الأزهر مؤتمراً نادوا فيه بوقف هذه الموجة ٤. وثالثة الأثافي في الحياة الدينية هي البدع والخرافات التي استشرت في المجتمع، وقد لفتت هذه البدع أنظار الجميع حتى الكتَّاب النصارى، الذين تناولوها بالتحليل، ولقد وصلت هذه البدع إلى حد الشرك بالله تعالى في ألوهيته وربوبيته على السواء ٥. لقد كانت هذه الصورة للحياة الدينية تعكس قوة هذا الدين الذي يهدمه أعداؤه من الخارج ويهدمه أهله من الداخل، ولا يزال شامخاً منتصراً لم ينل منه أي من الفريقين، ولا يزال من أهله طائفة على الحق ظاهرة تبين حقيقته وتنصر شريعته. ولقد بدا أثر هذه الحالة الدينية على الشيخ رشيد رضا واضحاً، فلقد حاول ـ بما أتيح له من وسيلة ـ أن يقاوم جميع هذه المظاهر، ويرد على شبهات الملحدين، وعلى النصارى المعتدين على دين الأغلبية من سكان

стр. 48

مصر، كما أنه قاوم بكل ما يستطيع البدع ومظاهرها ١. ولكنه في كل ذلك لم يسلم من الخطأ، فقد وقع في عدة مشاكل وهو يدفع شبهات الملحدين التي يثيرونها بين الحين والآخر، فلقد حاول مثلاً بيان موافقة نظرية النشوء والارتقاء ـ والتي انتشرت آنذاك وشغلت المثقفين والمتدينين على السواء ـ لآيات القرآن ٢، ولكنه عاد وفرح بما اتضح بعد ذلك من فساد هذه النظرية ٣. كما أنه في رده لهذه الشبهات قد تجاوز فرد أحاديث صحيحة لأنها لا توافق عقليات العصريين ٤. وفي مواجهته للبدع والخرافات اتخذ موقفاً متشدداً من كرامات الأولياء ومن تلبس الجن في الإنسان ٥. أما مسألة الأديان فقد أحسن الشيخ رشيد فيها كل الإحسان بحيث يستحق ذلك بحثاً مستقلاً في جهوده في هذا الميدان، ونحن في انتظار من يجلي لنا هذا الموقف، وأرجو أن يوفقني الله لذلك.

стр. 49

الفصل الثاني: دراسة لحياة رشيد رضا الشخصية المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته وصفاته المطلب الأول: اسمه ونسبه ... المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته وصفاته: المطلب الأول: اسمه ونسبه: هو: "السيد محمد رشيد بن السيد علي رضا بن السيد محمد شمس الدين بن السيد بهاء الدين بن السيد منلا خليفة البغدادي ١. أصل هذه الأسرة من الحجاز ثم انتقلوا إلى العراق فنزلوا النجف ثم نزحوا إلى الشام، وسكنوا قرية القلمون، من أعمال طرابلس الشام ٢. ولم أجد خلافاً في اسم الشيخ رشيد إلا أن بعضهم طعن في نسبه إلى البيت النبوي. ولم يكن عند هؤلاء حجة إلا أنهم بحثوا في " الدفاتر" فلم يجدوا فيها هذا النسب ٣. وقد تناولت الرد على هذا الطعن بالتفصيل

стр. 50

منذ ست سنوات عندما كتبت عن منهج الشيخ رشيد في التفسير ١. وأكتفي هنا بذكر نقطتين: أولاهما: أنه ـ ومن حيث الشريعة ـ لا يجوز الطعن في الأنساب، فالناس مؤتمنون على أنسابهم، وهم أعلم بها. والثانية: أن هذا النسب ثابت في الحقيقة متواترٌ عن أهل بلدة القلمون، وهم مشهورون بذلك. ثم إن نسب أسرة الشيخ رشيد نفسه قد ثبت بالبحث الجاد ٢. وفوق ذلك كله ـ لم يكن هذا النسب ليصد الشيخ رشيد عن اتخاذ المواقف الصحيحة حيال مسائل العقيدة، فقد هاجم الرافضة هجوماً عنيفاً في كتبه ومجلته لا سيما في كتابه الهام "السنة والشيعة" إذ أن ذلك الهجوم كان صادراً عن عقيدة راسخة لا تتأثر بدعوى التشيع لأهل البيت، وكذلك موقفه من الشريف حسين بن علي وأسرته، فبالرغم من كونهم أشرافاً ينتسبون للبيت النبوي، إلا أن ذلك لم يشفع لهم عند "السيد رشيد"، ولم يجعله ناصراً لهم على خصومهم، بل وقف موقفاً معادياً ومؤيداً لابن سعود الذي لا يتمتع بهذه المزية، وذلك لأن الأولين وهم "المعروفون بالشرفاء ظلوا على ضلالهم في الطعن على دين الوهابية وافتراء الأكاذيب عليهم، وكان أشدهم في الطعن وفي عداوة آل سعود الأمير حسين بن علي ... ٣. وأما هؤلاء النجديون المنبوذون بلقب "الوهابية" فهم "سُنِّيّون متمسكون بمذهب السلف في العقائد " ٤.

стр. 51

المطلب الثاني: مولده ونشأته: ولد الشيخ رشيد في ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٢٨٢هـ الموافق ٢٣من سبتمبر ١٨٦٥م. ١، وقد ذكر بعضهم تاريخاً آخر لولادته ٢، إلا أن هذا التاريخ الذي ذكرته هو الذي أجمعت عليه المصادر. وأما مكان ولادته فهو قرية القلمون، وهي قرية من أعمال طرابلس الشام تقع على شاطئ البحر المتوسط، وتبعد عن طرابلس زهاء ثلاثة أميال ٣. نشأ الشيخ رشيد في هذه القرية التي اشتهر أهلها بالشرف وحسن السيرة، وبقلة ظهور المنكر بينهم. ومع حسن واعتدال مناخها ٤. وأسرة الشيخ رشيد أسرة ذات شرف ومكانة وكرامة، ودين وتقوى وعزة نفس، بين أهل هذه القرية، وكان لها أثر كبير فيها، فقد كان والد الشيخ رشيد شيخاً للقلمون وإماماً لمسجدها، وكان قد بدأ في طلب العلم في طرابلس على الشيخ "محمود نشابة" ثم لم يلبث أن انقطع عن ذلك لحاجة والده إليه ٥. وتوفي والد الشيخ رشيد في رجب سنة ١٣٢٣هـ.= سبتمبر ١٩٠٥م. ٦.

стр. 52

ووالدة الشيخ رشيد اسمها:"فاطمة" وتنتسب إلى البيت النبوي من جهة الأب والأم، ويكثر الشيخ رشيد من الثناء عليها ١. وقد توفيت بمصر في ربيع الآخر سنة ١٣٥٠هـ = سبتمبر١٩٣١م. ٢.

стр. 53

المطلب الثالث: أخلاقه وصفاته: نشأ الشيخ رشيد في هذه البيئة على محاسن الأخلاق فكان حيياً متعبداً متنسكاً، مواظباً على قراءة القرآن والأذكار ٣. ولم تتعلم نفسه عادة من العادات السيئة المضرة ٤. وكان الشيخ رشيد ـ وقت شبابه ـ شجاعاً جريئاً في مواطن الحق، على الحكام والعلماء ٥. يقول الشيخ رشيد عن نفسه: “نشأت في حجر العبادة فألفها وجداني ونشطت فيها أعضائي من الصغر، فخفت علي في الكبر، كنت من سن المراهقة أذهب إلى المسجد في السحر ولا أعود إلى البيت إلا بعد ارتفاع الشمس ... " ٦. وكان الشيخ رشيد أول أمره يتعبد على طريقة الصوفية، إلا أنه رجع عن ذلك واستبدلها بالسنة ٧.

стр. 54

المبحث الثاني: طلبه للعلم: المطلب الأول: نشأته العلمية: تعلم الشيخ رشيد ـ أول ما تعلم ـ في كتاب قريته "القلمون" فقرأ القرآن وتعلم الخط ومبادئ الحساب ١. ثم انتقل إلى طرابلس والتحق بالمدرسة "الرشيدية" وهي مدرسة ابتدائية تابعة للدولة، يُدَرَّس فيها الصرف والنحو ومبادئ الجغرافية، وعلم الحال ـ العقائد والعبادات ـ، واللغة التركية واللغة العربية ولكن جميع التدريس فيها باللغة التركية. ولم يبق الشيخ رشيد في هذه المدرسة إلا سنة واحدة ٢. ثم انتقل إلى المدرسة التي أسسها شيخه الأول الشيخ حسين الجسر، وهي المدرسة "الوطنية الإسلامية" وهي أرقى من المدرسة الرشيدية، وجميع التعليم فيها باللغة العربية إلا اللغتين التركية والفرنسية، وتدرس فيها العلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية مع التربية الإسلامية الوطنية، تجاه التربية الأجنبية في مدارس الدول الأوروبية والأمريكية ٣. إلا

стр. 55

أن هذه المدرسة لم تلبث إلا قليلاً حتى أغلقت بسبب عدم مساعدة الدولة لها ١. ثم انتقل الشيخ للدرس على شيخه حسين الجسر. لقد اكتسب الشيخ رشيد كثيراً من معارفه بقراءاته الشخصية وجهوده الذاتية وتوجيه بعض العلماء له. لقد كان شديد العناية بمطالعة كتب الأدب والتصوف وكان أعجب كتب التصوف عنده كتاب الإحياء للغزالي. ولقد طالعه الشيخ رشيد كله وأكثر مراجعته وأعاد قراءة أبوابه عوداً على بدء، ثم صار يقرأه للناس، وكان لهذا الكتاب أكبر الأثر في دين الشيخ رشيد وأخلاقه، وأما ما فيه من أخطاء فقد استطاع الشيخ رشيد ـ لا سيما بعد اشتغاله بعلم الحديث ـ أن يتقي هذه الأخطاء ويعالج ما علق منها برأسه شيئاً فشيئاً ٢. ثم بعد هجرته إلى مصر ووقوفه على كتب شيخ الإسلام ومدرسته تحول تدريجياً لمذهب السلف٣.

стр. 56

المطلب الثاني: هجرته إلى مصر: ونظراً للحالة السياسية والعلمية في الشام فقد كان طبيعياً أن يرحل رشيد رضا إلى مصر، لقد كانت رحلة الشيخ رشيد رضا من طرابلس الشام عام ١٨٩٨م إلى مصر رمز عزيمته القوية في التصدي للدور الكبير الذي التزم به طيلة حياته. لقد كان وراء رحلته من سوريا إلى مصر عوامل وظروف متشابكة. يتعلق بعضها بالدولة العثمانية عامة وولاية سوريا خاصة. ويتعلق بعضها الآخر بظروفه الشخصية وأوضاع أسرته. لقد اضطرت الدولة العثمانية لاتخاذ سياسة متشددة فيما يتعلق بسوريا، نظراً لحساسية هذه الولاية بالنسبة للدولة إذ إنها الطريق إلى العاصمة العثمانية ومن دخلها أصبح بوسعه تهديد الدولة في عاصمتها. كما أنها تشكل بوابة الدولة إلى ولاياتها

стр. 57

في الشرق العربي، وطريق الوصول إلى الحجاز، ونظراً كذلك لعدم تجانس الولاية في انتماءات أهلها الدينية وولاءاتهم السياسية١. ونتيجة لما سبق فقد وقفت السلطة العثمانية من ولاية سوريا موقفاً خاصاً اتسم بالحساسية المفرطة تجاه ما يكتب أو ينشر في صحافتها أو فيما يتصل بعلاقات الأفراد والجماعات واتصالاتهم الخارجية، وتشددت في مراقبة ما يصدر فيها من مطبوعات. كما راقبت سلوك من تشتبه فيهم من أبنائها خشية إقامة علاقات مع جهات أجنبية. كل ذلك أشعر أبناءها دون سواهم من أبناء الولايات العربية الأخرى بوطأة المراقبة الحكومية لعلاقاتهم ومطبوعاتهم مما دفع بعضهم للتفكير بالهجرة ٢. قال الشيخ رشيد: "عزمت على الهجرة إلى مصر لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم، ومن مناهل العلم العذبة الموارد، ومن طرق النشر الكثيرة المصادر، وكان أعظم ما أرجوه من الاستفادة في مصر: الوقوف على ما استفاده الشيخ محمد عبده من الحكمة والخبرة وخطة الإصلاح التي استفادها من صحبة السيد جمال الدين، وأن أعمل معه وبإرشاده في هذا الجو الحُر ... " ٣. وبعد أن حصل الشيخ على موافقة والديه سافر سراً إلى الإسكندرية ٤. فمما سبق نستطيع أن نتعرف على أسباب هجرة الشيخ رشيد إلى مصر. إنه عزم على القيام بمهمة إصلاحية متعاوناً مع الشيخ محمد عبده، وللاستفادة من ملازمة هذا الأخير لجمال الدين الأفغاني، فيقول: "لئن فاتني لقاء المعلم الأول، فلن يفوتني لقاء المعلم الثاني ... " ٥.

стр. 58

كان وصول الشيخ رشيد إلى الإسكندرية في ٨ رجب ١٣١٥هـ ـ ٣ يناير ١٨٩٧م، وبعد سياحة له في الوجه البحري استغرقت أسبوعين، انتقل إلى القاهرة حيث حل ضيفاً على الشيخ "محمد عبده" ١. وكان الشيخ محمد عبده هو الشخصية الوحيدة في مصر التي يعرفها رشيد رضا قبل هجرته. لقد سبق له التعرف عليه واللقاء به والاجتماع إليه أثناء فترة نفيه إلى بيروت (٢٤ ديسمبر ١٨٨٢ ـ ١٨٨٥م) على أثر أحداث حركة عرابي ٢. ولم يغادر رشيد رضا مصر من ذلك الحين إلا سنة ١٣٢٦هـ ـ ١٩٠٨م زائراً لوطنه سوريا وقد تعرض هناك للاعتداء مرتين ٣. وفي رمضان ١٣٢٧هـ ـ١٩٠٩م زار الأستانة ٤، وفي عام ١٩١٣م زار الهند ٥، وفي عام ١٩٢٠م زار دمشق ٦. لقد أصبحت مصر هي الوطن للشيخ رشيد، وعاش فيها حياته وأصدر فيها مجلته "المنار" المجلة المنقطعة النظير، في سعة الرواج وبعد الأثر واستقطاب أهل العلم والرأي. لقد كانت "المنار" صدى هموم العالم الإسلامي في القضايا المصيرية كالتساؤل حول سر تقدم الغرب وتأخر الشرق، وكالثورة على الاحتلال الأجنبي، وحول متطلبات الحياة العصرية.

стр. 59

المبحث الثالث: شيوخه: ترك الشيخ رشيد المدارس وتحول إلى التلقي عن المشايخ، وقد تلقى الشيخ رشيد عن عدد منهم هم: ١ ـ الشيخ حسين الجسر: وهو أول شيوخ الشيخ رشيد ١. واسمه: الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الحاج مصطفى الجسر، وأصله من مدينة دمياط بمصر، فقد هاجر والد جده إلى الشام حوالي عام ١١٧٨هـ. فقطن دمشق مدة قليلة ثم تركها إلى طرابلس الشام. وبدأ الشيخ حسين الجسر في تلقي علومه في طرابلس فقرأ القرآن ولازم بعض المشايخ ٢، ومنهم الشيخ محمود نشابة. شيخ الشيخ رشيد، وشيخ والده من قبل ٣. ولما بلغ الثالثة عشرة هاجر إلى مصر وذلك سنة ١٢٧٩هـ. قاصداً

стр. 60

الانتظام في صفوف طلبة الأزهر، وسكن في رواق الشوام ١. وقد بقي هناك خمس سنوات، ولكنه لم يتم دراسته به إذ اضطرته الظروف للعودة إلى بلده سنة ١٢٨٤= ١٨٦٧م. ٢. وكان الشيخ حسين الجسر أشعرياً فقد ألف كتابه " الحصون الحميدية" وسلك فيه طريقة المتكلمين الأشاعرة ٣. وألّف "الرسالة الحميدية" ليوفق بين النصوص الدينية ونظرية النشوء والارتقاء ٤. وكان الشيخ حسين الجسر مقلداً أيضاً ٥. وأخذ الشيخ رشيد عنه العلوم العربية والشرعية والعقلية ما عدا الحديث وفقه الشافعية، وشرح الشيخ حسين الجسر للشيخ رشيد حاشية البيجوري على الجوهرة في العقائد على الطريقة الأشعرية ٦.كما قرأ عليه كتباً في المنطق ٧. ويبدو أن عدم اكتمال الدرس المنهجي للشيخ حسين الجسر قد كان له أثر عليه فرغم أنه كان يشرح الكتب العالية في الكلام إلا أنه كان يزعجه ما كان يوجه إليه من أسئلة، وقال ذات مرة للشيخ رشيد: "..لا تسألني في الدرس عن شيء فإن كل ما أعرفه أقوله ولا يبقى عندي غيره" ٨. وبينما كان توجيه الأسئلة المحرجة إلى المشايخ وجوابهم عنها في جامع الأمويين هو الدليل الوحيد على رسوخ هؤلاء العلماء وإجازتهم للتدريس، إلا أن الأمر تغير وأصبح العلماء ينفرون من أسئلة طلابهم ٩. وكثيراً ما كان الشيخ رشيد لا يقنع بشرح شيخه فيراجعه فيه ١٠.

стр. 61

٢ـ الشيخ محمود نشابه: ١. وعلى العكس من الشيخ حسين الجسر كان الشيخ محمود نشابة الذي أقام بالأزهر زهاء ثلاثين سنة طالباً ومدرساً وأتقن جميع العلوم التي تدرس فيه آنذاك حتى علم الجبر والمقابلة. وحصل الشيخ محمود نشابة على إجازات بثمانية عشر علماً. وتلقى كتب الحديث عن مشايخ الأزهر ٢. ثم عاد إلى طرابلس وقضى بقية عمره هناك، فتخرج به كثيرون، وكان شيخ الشافعية والحنفية جميعاً، وقلما أتقن أحد فقه المذهبين مثله، وكان يُشبَّه بالشافعي ٣. وقد أدركه الشيخ رشيد في أوائل طلبه للعلم وقرأ عليه الأربعين النووية وأجازه بها قبل الشروع في الطلب، وحضر درسه لشرح البخاري في الجامع الكبير، وقرأ عليه صحيح مسلم وشرح المنهاج بداره، وحضر عليه طائفة من شرح التحرير في فقه الشافعية. ويقول عنه الشيخ رشيد: " وما عرفت قيمته وتفوقه على جميع من لقيت من علماء الإسلام في علومه إلا بقراءة صحيح مسلم عليه، فإنني كنت أقرأ عليه المتن فيضبط لي الرواية أصح الضبط، من غير مراجعة ولا نظر في شرح، وأسأله عن كل ما يشكل عليَّ من مسائل الرواية والدراية فيجيبني عنه أصح جواب، وكنت أراجع بعض تلك المسائل بعد الدرس في شرح مسلم وغيره، ولا أذكر أنني عثرت له على خطأ في شيء منها" ٤. ويبدو أن طول المكث في طلب العلم وتدريسه هو السبب في نبوغ ٥ الشيخ نشابة، وكان ينبغي للشيخ رشيد أن يفطن لذلك، لكنه للأسف يرى

стр. 62

ـ كما يرى شيخه محمد عبده ـ أن طول المكث في المدارس ضار ١. وتوفي الشيخ نشابة سنة ١٣٠٧هـ. ٢. ٣ ـ الشيخ عبد الغني الرافعي: وهو من مشاهير القطر الشامي في عصره ٣. وقد حصل العلوم والفنون الدينية واللغوية في طرابلس ودمشق الشام، وكان فيها يومئذ نفر من أكبر علماء الإسلام. وقد امتاز بين فقهاء عصره بالجمع بين النبوغ في علوم الشرع والتصوف والأدب. ولي الإفتاء في طرابلس وهو أعلى منصب لرجال العلم آنذاك، وولي قضاء اليمن ٤، واستفاد من إقامته هناك فوائد عظيمة، منها أن مذاكرته ومناظراته لعلماء الزيدية قوى في نفسه ملكة الاستقلال في الفهم، وهناك عثر على كتاب "نيل الأوطار" للشوكاني، ولما عاد إلى طرابلس كان يقرأه درساً للنابغين من طلابه ٥. وأدركه الشيخ رشيد وهو في شيخوخته، وحضر عليه بعض دروسه في نيل الأوطار لكنه لم يكن ـ لكونه مبتدئاً ـ يفهم الاصطلاحات الأصولية والحديثية فيه ـ لذلك لم يستفد منه شيئاً يذكر ٦. وإلى الشيخ نشابة والرافعي انتهت رياسة العلم في طرابلس. ويقارن الشيخ رشيد بين هذين الشيخين فيقول: " إن الشيخ نشابة كان أوسع اطلاعاً من الشيخ الرافعي، إلا أن الشيخ نشابة كان مقلداً والرافعي كان مستقلاً في الفهم، وقد وقع بينهما مناظرة حول قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٧ فقد استخرج الشيخ عبد الغني مائة سؤال من هذه الآية وطرحها

стр. 63

على الشيخ نشابة، فكان يقول له: إسأل هيه، إسأل هيه، فما زال السائل حتى فرغ مما عنده ولم يعجز المسؤول، ولا توقف في سؤال من تلك الأسئلة ١. ٤ ـ الشيخ محمد القاوقجي (أبو المحاسن) ٢: ويصفه الشيخ رشيد بأنه "العالم المحدث العابد الشهير" ٣. أخذ عنه الشيخ رشيد كتابه في الأحاديث المسلسلة، ومنها المسلسل بالأولية ٤. وكتابه "المعجم الوجيز" في الحديث ٥. وكان الشيخ القاوقجي من أهل الطريقة الشاذلية ٦. وتأثر به الشيخ رشيد في هذا الاتجاه أول الأمر. ٥ ـ الشيخ محمد عبده: وهو خاتمة شيوخ الشيخ رشيد رضا ٧. وهو الذي أطلق عليه لقب "الأستاذ الإمام" وكان " محمد عبده" يقول عن الشيخ رشيد: إنه: " ترجمان أفكاره" ٨ ويأمل أن يكون خليفته في الإصلاح ٩. وبقي الشيخ رشيد على علاقته بشيخه إلى آخر حياته، ودفن بجواره في مقابر المجاورين.

стр. 64

لقد اختلف الناس اختلافاً كثيراً حول الشيخ " محمد عبده" ومذهبه الديني والسياسي. فبينما يعده البعض إمام المصلحين المجددين ١ يعتبره البعض الآخر سبب كل شر أتى من بعده ٢. ومن خلال بحثي هذا ظهر لي أن الشيخ محمد عبده كان متأثراً بالفلاسفة القدماء والمحدثين على السواء، لقد قرأ الإشارات لابن سينا بشرح الطوسي مع الأفغاني ٣. وكان يدافع عن مذاهب الفلاسفة في حاشيته على شرح الدواني على العقائد العضدية ٤. كما أنه أعلن في الأزهر على الملأ رفضه لدليل الأشعرية والمتكلمين على وجود الله ـ واتُهِم يومئذ بالكفر لإنكاره وجود الله ٥. ولما ذهب إلى فرنسا لقي هناك عدداً من الفلاسفة وعاشرهم وناقشهم وأفشى بعضهم عنه أنه كان يقول بقدم العالم ٦. وفي كلامه ما يدل على ذهابه مذهبهم، فإنه يقول كثيراً في آيات القرآن الكريم إنها وردت مورد التمثيل والتخييل ٧، ويتأول الرجوع إلى الله تعالى ٨، كما هو مذهب الفلاسفة. ولا ريب أن مذهب الفلاسفة جاءه من طريق الأفغاني ٩.

стр. 65

موقف الشيخ محمد عبده من "حدوث العالم": ومما يوضح اتجاه الشيخ محمد عبده معرفة موقفه من مسألة "حدوث العالم" التي خالف فيها الفلاسفةُ جميع أهل الملل، فنستطيع بوقوفنا على رأيه أن نعرف مع من يقف. لقد اتهم "محمد عبده" بالقول بقدم العالم، ولكن ردّ رشيد رضا هذه التهمة رداً شديداً ١، وقد ادعى أحد أصدقائه من فلاسفة أوروبا أنه صرح له بهذا الرأي ٢، وإنني لا أستبعد ذلك، بل أقول: إن الشيخ "محمد عبده" كان متأثراً بالفلسفة القديمة التي أخذها من الأفغاني، وبالفلسفة الحديثة التي أخذها من حياته في أوروبا، ومن إتقانه للغة الفرنسية لغة الفلاسفة المحدثين ٣. ولدي أدلة على ذلك ٤: الأول: أن الشيخ محمد عبده حضر دروس الإشارات لابن سينا وشرحه له شيخه الأفغاني ٥. فلا يبعد أن يقع في قلبه مذهب ابن سينا، المتبع لأرسطو في هذه المسألة. الثاني: دفاعه عن الفلاسفة، وشرحه لمذاهبهم بما يدل علىمعرفته التامة بها، وإيمانه بمبادئها. فقد ردّ على أحد النصارى رداً طويلاً لأنه تناول ابن رشد بالنقد في مجلته ٦. الثالث: قوله بعدم تكفير الفلاسفة ـ ولو بناء على قولهم بقدم العالم ـ "محتجاً بأنه اجتهاد واقع مواقع القبول عند الله تعالى" ٧.

стр. 66

فإن قيل: لقد برهن الشيخ محمد عبده في حاشيته على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية ـ على حدوث العالم ـ فيجب أن يكون كافياً لإزالة المخاوف، فأجيب: بأنه ليس كافياً، لأمور: الأول: أن تقريره لحدوث العالم كان بعد ردّ لكثير من أدلة حدوثه ومناقشته للمتكلمين فيها، فكان تقريره لحدوث العالم ضعيفاً ١. الثاني: أن طريقة الفلاسفة هي: مخاطبة "الجمهور" بما يوافق معتقداتهم، مع الإشارة إلى حقيقة ما يرونه، بالإشارة أحياناً، وصريح العبارة أحياناً أخرى٢. ولقد هوجم الشيخ محمد عبده كثيراً واتهم بأنه ينكر وجود الله ـ بناء على مهاجمته لطريقة المتكلمين، وما ثم بعد طريقتهم إلا مذهب الفلاسفة. فلا يمكن أن يكون محمد عبده يريد إثبات وجود على الله على مذهب السلف ولا يكفي أيضاً دفاع الشيخ رشيد عنه، لأنه هكذا يفعل دائماً، فلا نركن كل الركون إلى دفاعه. إلا أن الشيخ رشيد يقول إن الأستاذ الإمام كان يدعو لمذهب السلف ٣، ويقول بقولهم في الإيمان ٤ وأنه مات عليه ٥. ولو كان ما يقوله الشيخ رشيد حقاً ـ وإنا لنرجو ذلك ـ فإن الفضل في ذلك إلى الشيخ رشيد نفسه، الذي انتفع به الأستاذ الإمام في الوقت الذي تضرر منه الشيخ رشيد.

стр. 67

المبحث الرابع: مذهبه وآرؤه الفقهية المطلب الأول: مذهب رشيد رضا الفقهي ... المبحث الرابع: مذهبه وآراؤه الفقهية: المطلب الأول: مذهب رشيد رضا الفقهي: لقد درس الشيخ رشيد مذهب الشافعية على شيخه العلامة "محمود نشابة" ١. لكن لم يلبث الشيخ رشيد أن حمل على التقليد والمقلدين، فقد ظهر للشيخ رشيد " تحريم التقليد والأخذ فيه بآراء البشر ... " ٢. وأن " التقليد في الدين باطل لأنه ينافي أصل العلم اليقين. فإن المقلد في الدين هو من يعتمد في دينه على قول من يثق به من أهله وقومه أو معلمه، وليس على علم ولا بصيرة" ٣. وأما الأدلة على بطلان التقليد، فيورد الشيخ رشيد عند كل مناسبة ما يمكنه من أدلة يرى أنها تدل على بطلان التقليد، وبالجملة: "فكل ما ورد ... من القرآن أو السنة من كون هذا الدين علماً مؤيداً بالحجة وبصائر للناس وآيات بينات فهو مبطل للتقليد، وكل ما ورد فيهما من النعي على

стр. 68

الكفار وعيبهم بالجهل وعدم العلم، ووصفهم بالصم البكم العمي، وبكونهم لا يعقلون فهو مبطل للتقليد. وكل ما فيه من مطالبتهم بالدليل على ما يدعون وبالعلم والعقل فكذلك ... " ١. ويذهب إلى أن الاستدلال هو من الفطرة، وأن التقليد مفسد لها ٢. ويرى الشيخ رشيد أن التقليد ليس من العلم في شيء، والمقلد لا يكون عالماً ولا مفيداً للعلم ولا مستفيداً له ٣. ويشير إلى مساوئ التقليد وأثره على المقلد فيقول: " ومن رزئ بالتقليد كان محروماً من ثمرة العقل وهي الحكمة ومحروماً من الخير الكثير الذي أوجبه الله لصاحب الحكمة ... فيكون كالكرة تتقاذفه وسوسة شياطين الجن وجهالة شياطين الإنس، يتوهم أنه قد يستغني بعقول الناس عن عقله وبفقه الناس عن فقه القرآن ... " ٤. ومن مساوئ التقليد ـ كما يرى الشيخ رشيد ـ أن "الاختلاف هو أثر طبيعي للتقليد، والانتصار للرؤساء الذين اتخذوا أنداداً ... إذ لولا التقليد لسهل على الأمة أن ترجع في كل عصر أقوال المجتهدين والمستنبطين إلى قول واحد يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله ... " ٥. وفي سبيل محاربة التقليد نشر عدة مقالات عبارة عن حوار بين مقلد من أنصار التقليد وبين صاحب حجة يحمل على التقليد، ثم أُرسل له كتاب أعلام الموقعين لابن القيم ٦ وفيه مناظرة مشابهة للأولى فنشرها كذلك ٧.

стр. 69

وفي هذا السبيل أيضاً كان يعتمد على فهمه في فتواه للقراء التي أنشأ لها باباً في مجلته وكانت تأتيه الفتاوى من كل فج عميق ليجيب عليها. ونتج عن ذلك آراء له كثيرة خالف فيها الفقهاء، لا سيما تلك التي تتعلق بمسائل جديدة لم تكن وقعت من قبل أو وقع بسببها حرج ومشقة على الناس يخالف يسر الإسلام ومسايرته للحياة في كل عصر ومصر ١. ومن هذه الآراء: اجتهاده في تذكية الحيوان بالصعق الكهربائي فإنه ذهب إلى جوازه معتمداً على فقهه هو مخالفاً للفقهاء راداً لأقوالهم. ولكن الشيخ رشيد في ذلك لم يأت ببينة من الشرع وإنما اعتمد على استحسانه فقط ٢. ومنها أيضاً: نكاح الوثنيين فذهب إلى جواز نكاح نسائهم ٣. ومنها: العمل بالحساب في الرؤية الشرعية ٤. ورأيه في صندوق التوفير ٥. وأهم هذه الاجتهادات: اجتهاده في إباحة ربا الفضل، لأنه ـ كما يقول ـ مُنع سداً للذريعة إلى الربا الجاهلي فيباح للضرورة، وهو ما أود أن أفصل فيه بعض الشيء. وقبل ذلك أريد أن أقف قليلاً عند هذا النص للشيخ رشيد إنه يقول: "إنه ليس في ديننا شيء ينافي المدنية الحاضرة المتفق على نفعها عند الأمم المترقية إلا بعض مسائل الربا، وإني مستعد للتوفيق بين الإسلام الحقيقي وكل ما يحتاج إليه العثمانيون لترقية دولتهم مما جربه الإفرنج قبلهم وغير ذلك، ولكن بشرط ألا ألتزم مذهباً من المذاهب بل القرآن والسنة الصحيحة ... " ٦.

стр. 70

وفي هذا النص يظهر المقصد الأساسي للشيخ رشيد الذي من أجله صدرت عنه هذه الفتاوى ـ ومنها فتوى الربا ـ إنه حتى لا يكون الدين حجر عثرة في سبيل السير في طريق المدنية الحاضرة، لذلك يذهب محمد رشيد رضا ـ ومعه بقية أعضاء حزب الأستاذ الإمام ـ إلى تجديد الفقه، بوضع أسس جديدة: اجتهاد جديد وإجماع جديد، لتطوير الفقه حتى يستطيع أن يسير في الطريق الجديد، "فليست الشريعة محصورة في جلود كتب الحنفية " ١. إذاً نستطيع أن نفهم ـ في ضوء هذا القصد هذه الفتاوى الصادرة عن رشيد رضا وشيخه وسائر هذا الحزب. لقد بلغت الفتاوى التي جمعت للشيخ رشيد ـ ونشرت في مجلته ـ ألف فتوى جمعت في عدة مجلدات، ولا ريب أن بعض هذه الفتاوى له فيها أجران وبعضها ليس له فيها إلا أجر واحد، ومنها مسألة ربا الفضل.

стр. 71

المطلب الثاني: موقف رشيد من ربا الفضل ... المطلب الثاني: موقف رشيد رضا من ربا الفضل: ـ تعريف ربا الفضل: اختلفت ألفاظ التعاريف لربا الفضل عند الفقهاء ﵏ ولكنها في الحقيقة تتواطأ على أنه: زيادة أحد البدلين من الأموال الربوية على الآخر، إذا اتفق البدلان في الجنس ٢، وبصورة أخرى: "الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنساً" ٣. وعلة الربا عند الحنفية والحنابلة: الكيل والوزن مع اتحاد الجنس ٤، واتحاد الجنس يخرج ما لو باع مكيلاً أو موزوناً بمكيل أو موزون من غير جنسه، كأن يبيع صاعاً من بر بصاعين من

стр. 72

تمر، أو يبيع ذهباً بفضة متفاضلاً يداً بيد فإنه لا ربا ١. وقوله: "زيادة" يشمل كل زيادة سواء كانت في القيمة أو في المقدار ٢. وقد ذهب الجمهور إلى تحريم ربا الفضل في الأصناف الستة الآتية: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فلا يجوز بيع جنس منها بجنسه متفاضلاً، حالاً أو مؤجلاً، فيحرم بيع درهم بدرهمين نقداً أو مؤجلاً وكذا بيع صاع بر بصاعي بر نقداً أو مؤجلاً ٣. واستدل الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٤، فأل في قوله: ﴿الرِّبا﴾ لاستغراق الجنس ٥، فيكون لفظ الربا في الآية عاماً يتناول كل أنواع الربا فيدخل في ذلك ربا الفضل كما يدخل ربا النسيئة ٦. السنة: ومن السنة أحاديث: منها حديث: عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" ٧.ووجه الدلالة أن النبي ﷺ أوجب بيع صنف من هذه الأصناف الستة بجنسه أن يكونا متماثلين وأكد ذلك بقوله:"مثلاً بمثل" و "سواء بسواء" وبين أنه لا حرج في هذا البيع عند اختلاف الأجناس، فدل على أنه عند عدم اختلاف الأصناف ليس لهم الخيار في البيع كيف شاءوا ٨.

стр. 73

ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز" ١. وأما الإجماع على ذلك فقد حكاه غير واحد من أهل العلم ٢. قال شيخ الإسلام: "إن النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهى عنه من ربا النسئ والفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله، وإن قصر نصوص النهي على البعض إنما يقع ممن لم يفهم معاني النصوص" ٣. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال بجوازه، ولكنه لم يسمع في ذلك شيئاً من النبي ﷺ وإنما اعتمد في رأيه على حديث أسامة " لا ربا إلا في النسيئة" ٤، ثم رجع عن ذلك بعدما أخبره أبو سعيد بما سمع، وحديث أسامة: إما منسوخ أو معناه الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما المراد نفي الأكمل لا نفي الأصل ٥.

стр. 74

رأي الشيخ رشيد في ربا الفضل: لقد جمع الشيخ رشيد فتاواه في الربا والتي كانت منتشرة في مجلة المنار في كتاب مستقل باسم:"الربا والمعاملات في الإسلام" ١. فذهب الشيخ رشيد إلى أن الربا المحرم تحريم مقاصد هو ربا الجاهلية، وهو ما يؤخذ من المال لأجل تأخير الدين المستحق، وأما ما عداه فيباح للحاجة والمصلحة لأنه حُرِّم لأنه وسيلة للأول ـ وهو ربا الجاهلية أو ربا النسيئة ـ فيقول: “وقد علمنا أن الله لم يحرم في كتابه إلا ربا النسيئة الذي هو أخذ الزيادة في المال لأجل تأخير ما في الذمة منه.." ٢. وقال: " وحديث النهي عن بيع النقدين ٣ وأصول الأقوات إلا يداً بيد مثلاً بمثل ليس تفسيراً للربا في القرآن ولا حصراً للربا في البيع، وإنما هو لسد الذريعة لارتكاب ربا القرآن، وإلا فهو لذاته ليس فيه من المفسدة ما يقتضي هذا الوعيد الشديد في آيات البقرة.." ٤. وقال: "..إذا تمهد هذا ظهر به أن الحق في الربا الذي نهى الله تعالى عنه في كتابه وتوعد فاعله بما لم يتوعد على ذنب آخر أنه ربا النسيئة الذي كان معروفاً في الجاهلية ... ونعيد القول ونكرره بأنه هو ما يؤخذ من المال لأجل تأخير الدين المستحق في الذمة إلى أجل آخر..فلا يدخل في مفهومه ما يزاد في أصل الدين عند عقده على ما يعطي للمدين، وبحاله وإنما هو ما يعطى لأجل تأخير الدين المستحق.." ٥.

стр. 75

أدلة الشيخ رشيد: وقد استند فيما ذهب إليه إلى دلالة اللغة والسنة والعقل. فأما اللغة، فقد قال الشيخ رشيد محتجاً بها لما ذهب إليه: "ويؤيد هذا أمران: أحدهما: الاستعمال اللغوي، ووجهه أن هذا اللفظ كان مستعملاً عند عرب الجاهلية من المشركين، وأهل الكتاب وغيرهم، وذكر في بعض السور المكية، فهو ليس من الألفاظ التي وضعت وضعاً جديداً في الشريعة فكانت مجملة ثم فسرت بعد ذلك بالأحاديث عند الحاجة إليها في التشريع العملي، بل اللام في "الربا" للعهد كما صرح به بعضهم" ١. مناقشة هذا الاستدلال: ويجاب بأن احتجاجه بالاستعمال اللغوي، بمعنى أن الربا ينصرف إلى ما تعارفوا على استعمال لفظ الربا فيه من معاملة، إنما كان يفيد في وقت تنزل آية تحريم الربا في سورة البقرة، وقبل بيان السنة، إذ ينصرف المقصود في الآية إلى ما عهدوه، أما بعد أن جاء بيان السنة، واستعمل الربا في أنواع أخرى من المعاملة لم تكن معروفة ولا معهودة عند العرب فقد أصبح لفظ الربا حقيقة شرعية وعلى هذه الحقيقة تحمل عبارات الشارع وإطلاقاته في الربا، فكما أفاد العهد حمل الربا على ما كان معهوداً دون غيره مما تناوله مطلق لفظ الربا في وضعه اللغوي، فإن الوضع الشرعي يفيد حمل الربا على ما وضع له شرعاً إذ الوضع الشرعي مقدم على الوضع اللغوي في عبارات الشارع ٢. واستدل الشيخ رشيد بحديث أسامة المشار إليه آنفاً ٣. وقد تقدم الجواب عنه مختصراً، وأزيد هنا أجوبة أخرى، منها: إن أسامة رضي الله
следующие страницы →