← Акыда

Акыда · id 7251

منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة

تامر محمد محمود متولي

Полный текст (934 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أما تفسيره للفطرة بأنها الدين، وأن تغييرها هو تغيير الدين فأخذته من قوله: "وتغيير خلق الله وسوء التصرف فيه عام يشمل التغيير الحسي كالخصاء، ويشمل التغيير المعنوي، وقد روي عن ابن عباس وغيره أن المراد بخلق الله دينه، لأنه دين الفطرة، وهي الخلقة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١". وأيضاً يفهم ذلك من قوله تعليقاً على قول شيخه "محمد عبده":"تغيير الفطرة الإنسانية بتحويل النفس عما فطرت عليهمن الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق الله ويطمسون عقول الناس" " أقول: إن هذا القول هو بمعنى القول بأن المراد تغيير الدين لأن من قالوا: إنه تغيير الدين استدلوا بآية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ كما ذكرنا آنفاً.." ٢. فالفطرة هي الدين عند الشيخ رشيد، وتحويلها وتغييرها هو تغيير للدين. وأما تعريف الشيخ محمد عبده للفطرة وتغييرها فسنرجع له بعد قليل. وأما تفسير الشيخ رشيد للفطرة بأنها الإسلام فيؤخذ من قوله عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، قال: "أي بمقتضى الفطرة" ٤. وعند قوله تعالى: " ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ ٥، فقد فسر الشيخ محمد عبده إسلام الكره بأنه إسلام الفطرة

стр. 282

فأريد هنا أن أنبه على أمرين: أحدهما: مسألة فطرية الاستدلال، فإن الشيخ محمد عبده، شارح العقائد العضدية، إن كان يريد بالاستدلال نظم الأدلة المنطقية على طريقة المتكلمين، فيقال له: إن هذا ليس فطرياً، بل لا يحسنه إلا من يحسن الجدل، وما هو إلا بالتعلم. وإن كان يريد به:"نفس طلب العلم بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء، فهذا مركوز في فطرة جميع الناس، فإنه ما منهم أحد إلا وعنده من نوع النظر والاستدلال، بل ومن نوع الجدال، بحسب ما هداه الله إليه من ذلك" ١. والذي يرجح عندي أنه إنما يقصد النظر والاستدلال بالمعنى الثاني، أي الفطري، قوله: "إن لم يكن ظاهر البداهة" فإن المتكلمين إنما يستدلون على ما هو ظاهر بالبداهة كحدوث الإنسان والعالم. وأما الأمر الثاني: فهو أن الاستدلال على النحو الذي فصل قبل، هو دين الفطرة، ولا ريب، إلا أنه ليس هو الفطرة كلها، وكما نقلنا عن السلف والخلف قبل قليل، أن الفطرة التي أشارت إليها آية سورة الروم، وحديث الصحيحين وغيرهما هي الدين أو الإسلام أو المعرفة بالله تعالى والإيمان به. وكما أن للفطرة سنناً أخرى جبل عليها الإنسان، وما إليها بفطرته وطبعه، فالإنسان " مدني بالطبع، ومتدين بالطبع، وبالفطرة كما يقول الإسلام" ٢. تفسير آخر للفطرة عند الشيخ رشيد: وإن كنا قد رأينا الشيخ رشيد قد وافق السلف في تفسير الفطرة الشرعي، إلا أنه كان له رأي قديم، وقد عاد إليه وذكره، وقال إنه لا يخالف ما ذهب إليه في الجديد، إلا أنني رأيت من واجبي أن أقف قليلاً

стр. 283

عند هذا الرأي لأنه يحتاج إلى تفصيل وتوضيح. قال الشيخ رشيد ﵀: "وفسر كثير من العلماء الفطرة بالاستعداد للخير والشر والحق والباطل، ورواية مسلم هكذا: "كل مولود تلده أمه على الفطرة فأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم" وهو الذي جرينا عليه في كتابنا الحكمة الشرعية ولا تنافي.."١. والذي أريد أن أقوله: إن ظاهر كلام الشيخ يد ل على أن الناس خلقوا مستعدين للأمرين دون ميل إلى أحدهما، فإذا كان الخير وهو معرفة الله تعالى وما يتبعها، والشر هو إنكار ذلك وما يتبعه من الكفر كان الناس مخلوقين خالين من هذين، كالصفحة البيضاء التي تقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، وحينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والتمجيس والإسلام، وهذا يقتضي أنها ـ أي الفطرة ـ لا تذم ولا تمدح، وهذا القول غير صحيح، فالآية تشعر بمدح هذه الفطرة، والأمر بلزومها، فلا بد أن يكون في هذه الفطرة الممدوحة ميل إلى الحق والمعرفة بالله ومحبته وعبادته، لولا المعارض المانع من ذلك، وإلا لما استحقت المدح والأمر بلزومها. "وأما إذا كان المراد بهذا القول أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فهذا القول قد يقال: إنه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله، فإن صاحبه يقول: في الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والإيمان.."٢. ويتضح من هذا النقل أن الفطرة لا بد أن تكون ميلاً إلى الحق والمعرفة حتى تكون ممدوحة، مأموراً بلزومها، وإلا لو كانت مستوية الأجزاء لامتنع مدحها لاستواء نسبتها حينئذ إلى ما استعدت إليه دون ميل منها إلى أحد أفراده. ومهما يكن من شيء فإن التعريف الصحيح هو ما

стр. 284

ذهب إليه الشيخ رشيد بوضوح، لا سيما في آخر مؤلفاته ـ الوحي المحمدي ـ بأنها الدين. مفسدات الفطرة: إذا كان التوحيد هو من مقتضى الفطرة، كما أن من مقتضاها الميل إلى النظر والاستدلال، وطلب الحق بالدليل، فإن الشيخ رشيد يعتبر الشرك والتقليد من أكبر المفسدات لهذه الفطرة، فيقول: "ومن أصول الدين وأسسه الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهي إليها الأسباب وتقف دون اكننناه حقيقتها العقول، أي لمصدر هذه السلطة والتصرف في الكائنات كلها ـ وهو الله عزوجل ـ وكأن أكبر وأشد مفسدات الفطرة حصر تلك السلطة العليا في بعض المخلوقات التي يستكبرها الإنسان ويعيا في فهم حقيقتها بادئ الرأي،.. وهذا هو أصل الشرك.. ويتلو هذا الفساد والإفساد: التقليد الذي يمده ويؤيده ويحول بينه وبين العقول التي كمل الله بها فطرة البشر وبين عملها الذي خلقت لأجله وهو النظر والاستدلال لأجل التوصل إلى معرفة الحق والخير.." ١. والحق أن المشركين الذين فسدت فطرتهم إنما استندوا إلى التقليد في قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢. ويرى الشيخ رشيد أن هذا الفساد الذي يعرض للفطرة فيغيرها ويبدلها، من الممكن أن يعالج، وتعود الفطرة لسلامتها واستقامتها، وذلك باتباع دين الإسلام الذي هو دين الفطرة. ٣. الفرق بين الدين الفطري والدين التشريعي: وإذا قيل الدين الفطري، وأن الإنسان يولد على الفطرة، فليس معناه أن الإنسان يولد عالماً بالشريعة، فإن هذا مما ينافيالفهم الصحيح

стр. 285

لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ١. فيفرق الشيخ رشيد بين الدين الفطري والدين التعليمي الذي مصدره الوحي. "فالدين الفطري هو خلق الله وآثار قدرته، وليس هو مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل ﵈ فإن هذه الأحكام من كلام الله الذي أوحاه إليهم ليبلغوه وليبينوه للناس، لا مما خلقه في أنفس الناس وفطرهم عليه.."٢. ويسميه أيضاً الدين المطلق ويشرحه قائلاً: "والدين المطلق الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبي فوق الكون، والسنن والأسباب التي قام بها نظام كل شيء في العالم، فربُّ هذا السلطان هو فاطر السموات والأرض وما فيهما، والمصدر الذاتي للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطري، وطلب العرفان الغيبي المودعين في الغريزة.."٣. ونقف هنا عند قول الشيخ:"المصدر الذاتي للنفع الضر المحركين لشعور التعبد الفطري" ففيه إشارة هامة إلى أن اعتقاد النفع والضر هو المحرك للعبادة، ويجب أن نكون على ذكر منه لأننا سنرجع إليه عند الكلام عل الشرك في العبادة لا سيما الدعاء، وسنرجع أيضاً بعد قليل إلى التعبد الفطري والعبادة الفطرية، ونرى شرح الشيخ رشيد لها، وقبل ذلك نقف على العلاقة بين الدين الفطري والدين التعليمي. (أو الشرعي) العلاقة بين الدين الفطري والدين الشرعي: ويقابل هذا الدين الفطري الدين التعليمي أو التشريعي، ويعرفه الشيخ رشيد بأنه "وضع إلهي يوحيه الله إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم في العمل بمقتضى غريزة الدين.."٤.

стр. 286

وعن العلاقة بينهما يقول الشيخ رشيد إن الدين التعليمي: "شرع لتكميل استعداد البشر للرقي في العلم والحكمة ومعرفة الله عزوجل المعدة إياهم لسعادة الآخرة، فليس فيه شيء يصادمها، فهذا الدين التعليمي حاجة من حاجّ الفطرة البشرية لا يتم كمالها بدونه، فهو لنوع الإنسان كالعقل لأفراده.."١. ويقول: " إن الدين الفطري هو الأصل الذي بني عليه الدين التشريعي ٢. فالإسلام ـ مثلاً ـ ومثله كل دين ورسول أرسله الله تعالى قد "شرع لمساعدة العقل على حفظ مواهب الله تعالى في الفطرة ومنع الهوى من إفسادها وصدها عن الوصول إلى كمالها، ولذلك سمي دين الفطرة.."٣. ثم يشرح لنا هذا المعنى ـ كون الإسلام دين الفطرة ـ قائلاً: "..هو أنه موافق لسنن الله تعالى في الخلقة الإنسانية لأنه يعطي القوى الجسدية حقوقها والقوى الروحانية حقوقها ويسير مع هذه القوى على طريق الاعتدال حتى تبلغ كمالها.."٤. وإن كان هذا هو شأن الإسلام، ومثله كل دين صحيح أنزله الله، فإن الأديان المحرفة المطورة "المجددة" تبدو ـ بعد التحريف ـ وكأنها شرعت لتقاوم الفطرة الإنسانية، وتسير في اتجاه معاكس لخلقة الله تعالى، لذلك فإنها قد وجدت ردّ فعل يناسب هذا الاتجاه، وهو انصراف أصحابها عنها لا سيما ذوي العقول العصرية منهم. لقد بدل الإسلام الاعتقاد السائد بأن الأديان شرعت "لمقاومة مقتضى الخلقة وأن أصوله فوق قضايا العقول وأحكامه وراء مدى الأفهام، وأن الغرض منه تعذيب النفس وحرمانها نعيم الدنيا، وأنه لا حق لصاحب الدين في طلب الدليل.. أما القرآن فقد أتى على مثل هذه القواعد التقليدية فنسفها نسفاً وبين للناس أن الدين مع الفطرة في قرن، ارتقاؤه هو ارتقاء الفطرة،

стр. 287

وضعفه هو ضعف الفطرة، وفساده هو فساد الفطرة.." ١. وكذلك فإن معنى ولادة كل مولود عل الفطرة " أنه يولد مستعداً للارتقاء بالإسلام الذي يسير به على سنن فطرته التي خلقه الله عليها.. وإن كان له أبوان ... على غير ملة الإسلام يطبعان في نفسه التقاليد التي تحيد به عن صراط الفطرة.."٢، ويعنى أنهما يفسدان فطرته الاستعدادية بتلقينه ديناً محرفاً منسوخاً بدلاً من إكمالها" ٣. العبادة الفطرية: وإذا كان الدين التعليمي التشريعي يشتمل على عبادات تشريعية الوضع، فهل يشمل الدين الفطري على عبادة فطرية كذلك؟ وما هي العبادة الفطرية؟ ويجيب الشيخ رشيد عن هذين السؤالين بالإثبات، فيرى أن الدين الفطري الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبي فوق الكون.. يشتمل على عبادة فطرية هي: "التوجه الوجداني إلى هذا الرب الغيبي في كل ما يعجز الإنسان عنه من نفع يحتاج إليه، ويعجز عنه بكسبه ودفع ضر يمسه، أو يخافه، ويرى أنه يعجز عن دفعه بحوله وقوته، وفي كل ما تشعر فطرته باستعداده لمعرفته، والوصول إليه مما لا نهاية له.. وإنما روح العبادة الفطرية ومخها هو دعاء ذي السلطان العلوي، والقدرة الغيبية التي هي فوق ما يعرفه الإنسان ويعقله في عالم الأسباب، ولا سيما الدعاء عند العجز وفي الشدائد، قال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ٤ هكذا بصيغة الحصر، أي هو الركن المعنوي الأعظم منها.."٥.

стр. 288

ولذلك ـ وكما يقول الشيخ رشيد ـ: "فقد ذكر الدعاء في القرآن أكثر من سبعين مرة، بل زهاء سبعين بعد سبعين مرة، لأنه روح العبادة ومخها، بل هو العبادة التي هي دين الفطرة كله، وما عداه من العبادات فوضعي تشريعي من تعليم الوحي، فهو يغذيها وينقيها من شوائب الآراء وينفي عنها تقاليد الأهواء.." ١. فوظيفة العبادة التشريعية هي ما ذكر الشيخ رشيد، من تقوية الشعور الفطري، وتنقية العبادة الفطرية مما قد يشوبها من الآراء والتوجهات الفاسدة المفسدة لها، بسبب الجهل أو التقليد الأعمى. ونلاحظ في تعريف الشيخ رشيد للدين المطلق أو الفطري، أنه يفسر لنا سبب هذا التوجه الفطري بالدعاء إلى فاطر السماوات والأرض، بأنه الاعتقاد بأنه المصدر الذاتي للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطري، وهو الدعاء ٢. وهي ملاحظة هامة، سنرجع إليها إن شاء الله تعالى عند الكلام على مباحث الألوهية. ويؤيد ما ذهب إليه الشيخ رشيد من تقرير هذه العبادة الفطرية، ما ذكره الله تعالى في كتابه عن الناس عامة وعن المشركين أيضاً، من أنهم يلجأون إليه عند يأسهم من الأسباب، وقربهم من الهلاك ٣. الفطرة والميثاق: ويربط الشيخ رشيد بين الفطرة والعهد الإلهي، أو الميثاق الأول، الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، بربوبيته تعالى لهم، وإقرارهم بذلك. فعند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ..﴾ ٤ قال:

стр. 289

"..هذا هو القسم الأول من العهد الإلهي، وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني المكمل الذي هو الدين، فالعهد فِطري خَلقي، وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول؛ وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعاً.. والله تعالى وثق العهد الفطري بجعل العقول بعد الرشد قابلة لإدراك السنن الإلهية في الخلق، ووثق العهد الديني بما أيد به الأنبياء من الآيات البينات.. وقد وثق العهد الأول بالعهد الثاني أيضاً.." ١. وقد فسر الشيخ رشيد هذا العهد الفطري على البشر بقوله: "فعهد الله هو ما أخذهم به بمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس بالنظر والاعتبار والتجربة والاختبار أو العقل والحواس ... ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالاً صحيحاً.." ٢. فعهد الله هو العقل والحواس السليمة التي وهبها الله تعالى للناس ليفهموا بها سننه في الخلق والكون فيهتدوا بسببها، إلى الإيمان، وليس قولاً ورداً وقبولاً. ويتضح لنا ذلك الرأي أكثر، عند تفسير آية سورة الأعراف الآتية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٣، قال الشيخ رشيد: "هذه الآيات سياق جديد في شؤون البشر العامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرهم وركب في عقولهم من الاستعداد للإيمان به وتوحيده وشكره.." ٤. ويشرح الشيخ رشيد هذا الميثاق الفطري فيقول: "والمعنى: واذكر أيها

стр. 290

الرسول.. ما أخذه الله من ميثاق الفطرة والعقل على البشر عامة، إذ استخرج من بني آدم ذريتهم بطناً بعد بطن، فخلقهم على فطرة الإسلام، وأودع في أنفسهم غريزة الإيمان، وجعل من مدارك عقولهم الضرورية أن كل فعل لا بد له من فاعل، وكل حادث لا بد له من محدث، وأن فوق العوالم الممكنة القائمة على سنة الأسباب والمسببات، والعلل والمعلولات سلطاناً أعلى على جميع الكائنات، هو الأول والآخر، وهو المستحق للعبادة وحده.." ١. ويبدو واضحاً أن الشيخ يرى أن هذا الميثاق كان إرادة كونية وخِلقة طبيعية، خلق عليها الناس، وفطروا على إقرارها، كقانون السببية، الذي هو أساس الاعتقاد البشري الفطري بوجود الخالق. وليس هذا الميثاق والحوار والسؤال والجواب وحياً قولياً، ولا كان الجواب بلسان المقال، بل بلسان الحال، ويصرح الشيخ بذلك قائلاً: "أي: أشهد كل واحد من هذه الذرية المتسلسلة على نفسه بما أودعه في غريزته واستعداد عقله قائلاً قول إرادة وتكوين، لا قول وحي وتلقين، ألست بربكم؟ فقالوا كذلك بلغة الاستعداد ولسان الحال، لا بلسان المقال: بلى أنت ربنا والمستحق وحده لعبادتنا" ٢. وبهذا يميل الشيخ رشيد إلى أحد القولين في تفسير هذا الميثاق، وهو الرأي القائل، بأن استخراج الذرية، هو خلقه تعالى لها جيلاً بعد جيل، على ترتيبهم في الوجود، على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، ودلهم بخلقه على أنه خالقهم فقامت هذه الدلالة مقام الإشهاد، فتكون هذه الآية من باب التمثيل ٣.

стр. 291

وأما الرأي الثاني، وهو المؤيد بالأحاديث المرفوعة والموقوفة فهو: "أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق.." ١. وهذا الرأي الذي مال إليه الشيخ رشيد قائلاً: "هذا ما يتبادر فهمه من الآيات لذاتها.." ٢ قد قال به من قبله بعض السلف، ومن القائلين به: شيخ الإسلام ابن تيمية ٣ وابن القيم ٤. والعلة من هذا الإشهاد عند الشيخ رشيد ـ ومعه أصحاب هذا الرأي ـ "..أي: فعلنا هذا منعاً لاعتذاركم أو احتجاجكم يوم القيامة بأن تقولوا إذا أنتم أشركتم: إنا كنا غافلين عن هذا التوحيد للربوبية وما يستلزمه من توحيد الإلهية بعبادة الرب وحده... والمراد أن الله تعالى لا يقبل منهم الاعتذار بتقليد آبائهم وأجدادهم كما أنه لم يقبل منهم الاعتذار بالجهل، بعدما أقام عليهم من حج الفطرة والعقل" ٥. ولقد ذكر الشيخ رشيد الرأي الثاني، وأشار إلى أن الأحاديث التي تؤيده موقوفة، وأنها "كانت موضوع بحث ومناقشة بين علماء المعقول والمنقول.." ٦. ومن واجبي الآن أن أبين للقراء، أن الرأي الثاني هو الصواب، وهو

стр. 292

الذي يدل عليه ظاهر القرآن، وتؤيده الأحاديث الصحيحة، المرفوعة والموقوفة، ومنها وأصرحها حديث ابن عباس ١ وقد صح مرفوعاً، فوجب المصير إليه وطرح ما سواه. ومما يؤيد المرفوع الآثار الموقوفة ٢ وعدم بيان الميثاق في بعض الأحاديث ليس مستلزماً لعدمه، وعليه فإن قوله تعالى ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ مسقط لعذر الغفلة والنسيان، لأنه متعلق بفعل مضمر يقتضيه الكلام، والمعنى: فعلنا ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاق وبيان كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرة يوم القيامة إنا كنا عن ذلك الميثاق غافلين لم ننبه عليه في دار التكليف وإلا لعملنا بموجبه ٣، وأما سبب نسيانه، فلأن "تلك البنية قد انقضت وتغيرت أحوالها بمرور الزمان عليها في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات.." ٤. وقد روي عن بعض السلف، أنه كان يذكر ذلك العهد والميثاق ٥. استدلال الشيخ رشيد بالفطرة: واستدل الشيخ رشيد ـ بعد تعريفه للفطرة، وتفسيره لها، بالفطرة، على وجود الله تعالى ومعرفته، واعتبرها دليلاً أصيلاً يحال عليها في هذه المسألة، وأجاب عن الاعتراضات الواردة على هذا الدليل. فاستدل أولاً لها من الكتاب العزيز؛ فقال: "..ويدل عليه ما جاء في القرآن من محاجة الأنبياء لأقوامهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ

стр. 293

رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ..﴾ ١ فجواب الأمم لأنبيائهم عن قولهم ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ بقولهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ يدل على أنهم لميكونوا شاكين في وجود الله تعالى وإنما شكهم في النبوات.." ٢. ويستدل الشيخ أيضاً بالاستقراء التاريخي، "فإنه لم توجد أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب إلا وهو يعتقد بإله للكون وموجد للعالم" ٣. وبناءً على ذلك "فقد ذهب بعض العلماء والحكماء إلى أن معرفة الله تعالى فطرية في البشر لا حاجة بهم إلى الاستدلال عليها، لولا ما أحدثته اصطلاحات العلوم والفنون من البحث في الضروريات والبدهيات" ٤. فإذا قيل: إذا كان الدين ومعرفة الله تعالى ضرورية فطرية، فكيف وجد من الناس من أنكر وجود الخالق، فلو كان هذا الاعتقاد فطرياً ضرورياً في البشر لما وجد من ينكره، ويجيب الشيخ قائلاً: "والجواب الصحيح: أن هؤلاء الشّذاذ قد أصابهم مرض في عقولهم خرج بهم عن مزاج الفطرة المعتدل بالنسبة لهذه العقيدة، والعقول تمرض كما تمرض الأجسام" ٥. ".. ويحال شذوذهم على مرض عرض لهذا الشعور الفطري كما يعرض للإحساس بالحلاوة مرض يمنع من إدراكها" ٦. وإذا كان الإيمان بالله تعالى فطرياً، فالدين حاجة من حاجات البشر الضرورية، وأما الإلحاد والتعطيل فهو "نقص في الفطرة والخلقة، أليس يولد

стр. 294

المطلب الثاني: النظر في الملكوت: لقد دعا الله ﵎ عباده إلى النظر وإعمال الفكر والعقل، لكي يتوصلوا إلى الحقائق العليا في هذه الحياة.

стр. 295

فالنظر والتأمل والفكر من وسائل المعرفة وطرائقها، "ألا وإن أعلى العلوم العقلية والمعارف الروحية في هذه الدنيا هو معرفة الله والعلم بمظاهر أسمائه وصفاته في خلقه والوقوف على سننه وأسراره فيها، وكشف الحجب عما أودع الله فيها من الجمال والجلال ... " ١. ولقد ذكر الله ﵎ في كتابه العزيز، وهو آياته المنزلة، شيئاً كثيراً من آياته المخلوقة في الكون والإنسان، وبين ما فيها من سنن وآيات ترشد إلى معرفة الله تعالى بصفاته العليا، من قدرة وحكمة وعلم وإرادة.. " وما زال أصحاب الهمم العالية من العلماء والحكماء يستدلون بما ظهر لهم من تلك السنن والآيات على كمال مبدعها ومبدئها ومصرفها، وتتطلع عيون عقولهم إلى كيفية صدور الوجود الممكن الحادث (وهو مجموع هذه العلوم العلوية والسفلية) عن الوجود الأزلي الواجب.." ٢. ولقد نعى الله تعالى على الذين لا يستخدمون حواسهم من سمع وبصر، في التأمل والتدبر، وفهم آيات الله الكونية والشرعية. قال تعالى عن هؤلاء الغافلين: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٣. " أي لهم أبصار وأسماع لا يوجهونها إلى التأمل والتفكر فيما يرون من آيات الله في خلقه، وفيما يسمعون من آيات الله المنزلة على رسله.. فيهتدوا بكل منها إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ أي: عن آيات الله في الأنفس والآفاق التي تهدي إلى معرفة العبد نفسه وربه" ٤.

стр. 296

ولكن ما حقيقة النظر الذي يدعو إليه ربنا ﵎، وما الفرق بينه وبين النظر الذي أوجبه المتكلمون، وقالوا: إنه الطريق الوحيد لمعرفة الله تعالى؟ تعريف الشيخ رشيد للنظر والفكر: أما الفكر فيقول عنه:"وأكثر ما استعمله التنزيل في آيات الله ودلائل وجوده ووحدانيته، وحكمته ورحمته" ١، قال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ ٢. وأيضاً فإن استعمال القرآن لكلمتي الفكر والتفكير يدل "على أنهما في العقليات المحضة أو في العقليات التي مبادئها حسيات" ٣. أما عن النظر فيقول: ".. واستعمال القرآن يدل على أن النظر العقلي مبدأ من مبادئ الفكر والتفكير، كما أن مبدأه هو النظر الحسي في الغالب كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ٤. إلخ. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ ٥إلخ. ومنه النظر في عاقبة الأمم برؤية آثارها في عدة آيات.."٦. فالفكر يكون في العقليات المحضة أو التي مبدأها الحس، أما النظر فمبدأه هو النظر الحسي في الملكوت والآيات فهذا هو النظر وهذا هو محله، وليس القضايا الجدلية، والأقيسة المنطقية الجافة، والفروض الذهنية المجردة، والذين يذهبون إلى هذا النظر معتقدين أنه يؤدي إلى معرفة الله واهمون، يقول الشيخ رشيد واصفاً هؤلاء بأنهم "الواهمون أن معرفة الله

стр. 297

تقتبس من الجدليات النظرية، والأقيسة المنطقية دون الدلائل الوجودية الحقيقية، ولو كان زعمهم حقيقة لا وهماً لكان الله سبحانه قد استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر الدور والتسلسل وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك والمطر وتأثيره في الحياة، وغير ذلك من المخلوقات التي ارشدا القرآن إلى النظر فيها.."١. وهذا هو النظر الشرعي، فإنه إذا قيل: هل النظر واجب، قلنا النظر الواجب هو النظر الشرعي، أي الذي أمر به الشرع وليس النظر الاصطلاحي الذي اصطلح عليه المتكلمون ٢. فالنظر القرآني نظر عقلي يخاطب العقول السليمة المنتجة، وهو نظر شرعي لأن الشرع أرشد إليه وأمر به ٣. ومحل هذا النظر الشرعي هو الكون وما فيه من مخلوقات متنوعة برية ومائية وسماوية وأرضية، ليلية ونهارية، مما لا ينقضي العجب من تنوعها وتعددها، ولكل خلق منها نظام وقوانين وأعراف: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٤. فهذا هو محل النظر والاعتبار وليس القضايا المنطقية الجافة. "نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي المفصح عن وجود الله وكماله وجلاله وجماله، وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ٥ وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ

стр. 298

أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ١.فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال.. ألا إن لله كتابين: كتاباً مخلوقاً وهو الكون، وكتاباً منزلاً وهو القرآن، وإنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك.." ٢. لذلك ـ وكما يقول رشيد رضا ـ " إن أجدر الناس بقوة الإيمان بالله تعالى علماء الطبيعة الواقفون على ما لا يعرفه غيرهم من علماء الدين بنظام الكون وآيات الله تعالى فيه. وهم العلماء المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ٣ فلا ريب أن المراد هنا العلماء بآياته تعالى وحكمه في نظام هذه الكائنات المذكورة في الآيات" ٤. وكانت القسمة التي ذكرها رشيد رضا من أن لله كتابين أحدهما كتاب الكون المخلوق والآخر الكتاب المنزل غير المخلوق، تقتضي أن يدخل في هذه الآية أيضاً علماء الدين الذين يرشدون علماء الكون إلى آيات الله تعالى كما قال رشيد رضا: "إنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك" ٥. وينتقل بنا القرآن الكريم من هذا الإجمال والأمر العام بالنظر والفكر، إلى تفصيلات وجزئيات في الخلق، مما نلمسه ونشاهده في حياتنا اليومية، من آياته تعالى في الآفاق وفي أنفسنا، مما قد نغفل عنه لتكراره أمام عيوننا، فيدفعنا إلى النظر فيه ويلفت انتباهنا إلى ما أودع فيه من الآيات التي تُورث الناظر فيها اليقين التام والمعرفة الحق بالخالق ووحدانيته وربوبيته

стр. 299

ورحمته وحكمته وسائر صفاته، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١ ويفسر لنا رشيد رضا هذه الآية قائلاً: "هذه آية قرآنية تشرح لنا بعض الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى ورحمته الواسعة إثباتاً لما ورد في الآية قبلها من هذين الوصفين له تعالى ٢ على طريقة القرآن في قرن المسائل الاعتقادية بدلائلها وبراهينها.. وهذه الآيات أجناس: (الأول والثاني) منها: خلق السماوات والأرض، ففيه آيات بينات كثيرة الأنواع يدهش المتأملين بعض ظواهرها، فكيف حال من اطلع على ما اكتشف العلماء من عجائبها.." ٣. ثم يفصل القول في السماء وحدها فيقول: "تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف يبعد بعضها عم بعض بما يقدر بالملايين وألوف الملايين من سني سرعة النور، ولكل طائفة منها نظام كامل محكم، ولا يبطل نظام بعضها نظام الآخر، لأن للمجموع نظاماً عاماً واحداً يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره وحكمته وتدبيره.." ٤. ثم يتحول إلى الأرض وآياتها فيقول: "هذه هي السماوات نشير إلى آياتها عن بعد ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ٥ ومادتها وشكلها وعوالمها المختلفة من جماد ونبات وحيوان، فلكل منها نظام عجيب وسنن إلهية مطردة في تكوينها.." ٦.

стр. 300

ثم ينتقل إلى بقية الآيات، المذكورة في الآية، قائلاً: " (والجنس الثالث) قوله ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ وهو أن يجيء أحدهما فيذهب الآخر، ويطول هذا فيقصر ذاك.. وتفصيل ذلك مشروح في محله من العلم الخاص بهذه المسائل. وفي المشاهد من اختلاف الليل والنهار والفصول من آيات بينات على وحدة مبدع هذا النظام المفرد ورحمته بعباده يسهل على كل أحد أن يفهمها وإن لم يعرف أسباب ذلك الاختلاف وتقديره ١. وفي اختلاف الليل والنهار من المنافع العامة ما ذكره الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ ٢ وفي معناها آيات أخرى. وإلى المنافع الدينية أشار قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ ٣. (الجنس الرابع) قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ .. وأما كون الفلك آية فلا يظهر بادي الرأي كما يظهر كونها رحمة من قوله ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في أسفارهم وتجاراتهم.. فكل ذلك يجري على سنن إلهية مطردة منتظمة تدل على أنها صادرة عن قوة واحدة هي مصدر الإبداع والنظام وهي قوة الإله الواحد الحكيم، الرحمن الرحيم. (الجنس الخامس) قوله ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ .. ونزول المطر من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى نقل، ولا نظر عقل، وقد شرح كيفية تكوينه ونزوله العلماء الذين تكلموا في الكائنات، ووصفوا بالتدقيق الآيات المشاهدات، ولم يخرج شرحهم الطويل عن الكلمة الوجيزة في بعض الآيات التي ذكر فيها المطر وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ .. وقد وصف الله

стр. 301

تعالى هذا الجنس من آياته بأعظم آثاره فقال: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة.. فبالماء حدثت حياة الأرض بالنبات.. الظاهر والمراد أولاً بالذات الإحياء الأول المشار إليه بقوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١. وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الأرض دائماً فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ٢..فحياة الأحياء في الأرض إنما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأول عند تكوين العوالم الحية وإيجاد أصل الأنواع، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الأنواع...هذا هو الماء في كونه مطراً وفي كونه سبباً للحياة وهو آية في كيفية وجوده وتكونه، فإنه يجري في ذلك على سنة إلهية حكيمة تدل على الوحدة والرحمة، ثم إنه آية في تأثيره في العوالم الحية أيضاً، فإن هذا النبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته، ثم هو مختلف في ألوانه وطعومه وروائحه، فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطيخ، متشابهتين في الصورة متفاوتتين في الطعم، وتجد النخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذة، وتجد في جانبها شجرة الليمون الحامض والنارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة، وتجد بالقرب منها شجرة الورد لها من الرائحة ما ليس للنخلة.. فتلك السنن التي يتكون بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق، وكذلك طرق تغذي النبات بالماء هي جارية بنظام واحد، فوحدة النظام وعدم الخلل فيه تدل على أن مصدره واحد، فهو من هذه الجهة يدل على الوحدانية الكاملة، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدل على الرحمة الإلهية الشاملة، وقل مثل هذا فيما بث الله تعالى في الأرض من كل دابة، فإنها آيات على الوحدة، ودلائل وجودية على عموم الرحمة.. هذه الأجناس كلها إن فيها ﴿آيَاتٌ

стр. 302

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فإنهم هم الذين ينظرون في أسبابها ويدركون حكمها وأسرارها، ويميزون بين منافعها ومضارها، ويستدلون بما فيها من الاتقان والإحكام، والسنن التي قام بها النظام، على قدرة مبدعها وحكته وفضله ورحمته، وعلى استحقاق العبادة دون غيره من بريته.. وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلاً، وأكثرهم جهلاً.." ١. وقد أطلت النقل هنا عن الشيخ رشيد رضا لشيئين: الأول: لتعرف الفرق بين النظر الذي أرشد إليه القرآن وبين نظر المتكلمين. والثاني: الوقوف على قدرة الشيخ رشيد في إيضاح ذلك، وبلاغته وحسن بيانه. ولم يترك الشيخ رشيد الفرصة ههنا، فينعى على المسلمين، لا سيما علماء الدين منهم، تقصيرهم في دراسة العلوم المتصلة بهذه الآيات ٢. وكل ما ذكر في هذه الآية وتفصيل شرحها، وهو يتضمن نوعين من الدلالات، دلالة الاختراع أو الخلق، ودلالة العناية.٣. ولا تنحصر طرق القرآن في هاتين الدلالتين كما زعم بعضهم ٤. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥.قال الشيخ رشيد: "الملكوت الملك الأعظم.. والمراد بملكوت السماوات والأرض مجموع العالم، لأن الاستدلال به على قدرة الله وصفاته ووحدانيته أظهر، فإن العالم في جملته لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً، ولا نزاع بين علماء الكون في إمكانه ولا في حدوث كل شيء منه وإنما يختلفون في مصدره... وهو لا يمكن أن يكون من عدم محض، لأن العدم المحض لا حقيقة له في الخارج بل هو أمر فرض فلا يعقل أن يصدر عنه وجود ـ ولا يمكن أن يكون بعضه قد أوجد البعض الآخر، وهذا

стр. 303

بديهي، ولذلك لم يقل به أحد، فلا بد إذاً من أن يكون صادراً عن وجود آخر غيره وهو اله واجب الوجود" ١. وإذا كانت البعرة تدل على البعير، والأثر على المسير، أفلا يدل هذا الملكوت العظيم على أن "مصدره واحد وتدبيره راجع إلى علم عليم واحد وحكمة حكيم واحد، ، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ ٢ ٣. وتكرر الأمر بالنظر أيضاً، مع توجيهه إلى آيات الكون، في سورة أخرى، هي سورة يونس، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ ٤ والمعنى، كما يشرحه رشيد رضا: "..انظروا بعيون أبصاركم وبصائركم ماذا في السماوات والأرض من آيات الله البينات والنظام الدقيق العجيب في شمسها وقمرها وكواكبها ونجومها وبروجها ومنازلها وليلها ونهارها وسحابها ومطرها وهوائها ومائها وبحارها وأنهارها وأشجارها وثمارها.. ففي كل من هذه الأشياء التي تبصرون آيات كثيرة تدل على خالقها وقدرته ومشيئته وحكمته، ووحدة نظامه في جملتها وكل نوع منها هو الآية الكبرى على وحدانيته في ربوبيته وألوهيته.." ٥. هذه آيات الله فيما حولنا، من أجزاء الكون وظواهره، وأما أنفسنا التي بين جنوبنا، فلها شأن آخر، فيقول السيد رشيد بعد كلامه السابق مباشرة: ".. ثم انظرو ماذا في أنفسكم منها، كما قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٦ ٧ وقد تعرض آفات للناظر في هذه الآيات، الآفاقية والنفسية، فتحول بينه وبين النتيجة المطلوبة من هذا

стр. 304

النظر، منها: أن الناظر قد تشغله الصنعة الجميلة الدقيقة، فيذهب في مسالكها وطرقها حتى تأخذ به إلى مكان بعيد، فينسى صانعها سبحانه، ويذهل عن صفاته ووحدانيته. لذلك فإن الله تعالى قرن في سورة آل عمران بين النظر والفكر والذكر، حتى تكمل الفائدة. وهو ما أشار إليه الشيخ رشيد ١. ومنها أيضاً: الاشتغال بالانتفاع بها في هذه الحياة الدنيا من غير ملاحظة كونها آيات دالة على أن لها رباً خالقاً مدبراً عليماً حكيماً.. ٢. فهذه آفات قد تعرض للناظر، الذي تجاوز الغفلة، ولكن يقعد به الشيطان في بعض الطريق ليصده عن السبيل؟ هذا وقد قام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ ببيان حكمة الله تعالى في الخلق، في الأنفس والآفاق، وعجائب المخلوقات، وأسرارها، بياناً دقيقاً مستوعباً، فتناول أعضاء الإنسان عضواً عضواً، وأطوار خلقه، ثم عجائب خلق السماوات وما فيها من مخلوقات، وسائر آيات الله في الكون ٣، وما لم نعلمه من ذلك أكثر ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٤.

стр. 305

المطلب الثالث: الرسل وآياتهم: ومن أدلة معرفة الله تعالى، دليل "تصديق الأنبياء" أو دليل "المعجزة". وهذا الدليل مما يفارق به أهل السنة المتكلمين في أدلة معرفة الله تعالى، فبينما يعتمده أهل السنة ٥، يرفضه المتكلمون الفلاسفة، لأنه دليل

стр. 306

سمعي ١ ولأن الله تعالى قبل معرفته يجوز أن يظهر المعجزة على يد الكاذب ٢. والحق أنه دليل صحيح، دل عليه الكتاب العزيز في مواضع، وعليه آمن أكثر البشر. يقول ابن الوزير ٣: "..فالنبوات وآياتها البينة ومعجزاتها الظاهرة وخوارقها الدامغة؛ أمر كبير وبرهان منير ما طرق العالم له معارض البتة، خصوصاً مع قدمه وتواتره،.." ٤. ويُستدل لصحة هذا الدليل من الكتاب العزيز، بقصة موسى مع فرعون، فقد كان فرعون منكراً للرب تعالى، إما حقيقة، أو ادعاءً، وطلب آية من موسى، فأخرج له موسى آيته دليلاً على ربوبية الله تعالى وتصديقاً لرسالته جميعاً ٥. وأيضاً يستدل لصحة هذا الطريق، بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ٦. "فهؤلاء لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الأنبياء.. بل بادروا وسارعوا إليه.. ويحتمل أن يكونوا سمعوا دعوة الرسول وآمنوا به ثم نظروا وتفكروا.." ٧.

стр. 307

وفي هذه الآية هذا الدليل بعد الإشارة، إلى النظر والفكر في ملكوت السموات والأرض، وأن خلقهما لا يكون باطلاً ولا عبثاً، فهذا ذكر للدليل السمعي بعد الدليل العقلي ١. وتقرير هذا الدليل: أن تصديق الرسل بالمعجزات وغيرها من قرائن الأحوال وثبوت رسالتهم يتضمن إثبات المرسل لهم، وأنه أحدث هذه الآيات تصديقاُ لهم، وذلك أن هذه الآيات تدل على خالقها كدلالة سائر الآيات الكونية، فانقلاب العصا حية، والإتيان بكتاب خارج عن قدرة الجن والإنس على رجل أمي، أعظم من دلالة المشاهد المعتاد، كخلق الإنسان من نطفة ٢. ونقول: بالمعجزة وغيرها، لئلا يلزمنا ما اعترض به المتكلمون على هذا الدليل، فإن النبوة إنما تثبت بها وبغيرها ٣. ولقد اعتمد الشيخ رشيد ﵀ هذا الدليل السمعي، وذهب إليه وقرره في عدة مواضع. فبشكل عام يقرر الشيخ رشيد: " أن الله تعالى لم يؤيد رسله بما أيدهم به من معجزات إلا لتكون حجة لهم على أقوامهم يهتدي بها المستعدون للهداية، وتحق بها الكلمة على المعاندين" ٤. ثم ينتقل إلى تفصيل أكثر، وأصرح، فعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ٥ يقرر أن الآيات هنا "بمعنى الدلائل والبينات من براهين عقلية نظرية كانت أو علمية أو كونية كآياته تعالى في الأنفس

стр. 308

والآفاق، ومنها معجزات الأنبياء ﵈، وأظهرها وأقواها القرآن العظيم، من حيث هو دال على صدق النبي الأمي في دعوى الرسالة.." ١. ويولي الشيخ رشيد نبوة نبينا ﷺ أكبر قدر من العناية في هذه الناحية، وكما أنه يعتبر القرآن، الآية الكبرى الباقية على عين الدهر إذ يقول: "وجملة القول: أن نبوة نبينا محمد ﷺ قد ثبتت بنفسها، أي بالبرهان العلمي والعقلي الذي لا ريب فيه، وأن هذا البرهان قائم ماثل للعقول والحواس في كل زمان ومكان وأنه لا يمكن إثبات آيات النبيين السابقين إلا بثبوت نبوته وهذا القرآن الذي جاء به.." ٢. والقرآن الكريم هو أعظم الآيات وأبقاها، وهو في حقيقة الأمر يشتمل على آيات كثيرة. "فالقرآن في جملته آية علمية وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية كعصا موسى مثلاً، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول.. وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية.. فظهور أعلى علوم الهداية على لسان أميّ كان هو وقومه أبعد الناس عن كل علم، بعبارة أعجزت بلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم.. أدل على كون ذلك موحى به من الله عزوجل من عصا موسى.." ٣. والحق أن القرآن الكريم هو آية علمية، عقلية، كونية، خارق للعادة المألوفة من البشر، فإن هذا الكتاب المشتمل على هذه العلوم والمعارف والحقائق قد جاء به رجل أميّ لم يجلس إلى معلم، ولا اطلع على شيء من الكتب، هو ولا قومه من قبل هذا، بل كان لا يقرأ ولا يكتب، فالعقل

стр. 309

يجزم بأن هذا القرآن إنما كان بوحي من الله، لأنه خارق للعادة، يقول الشيخ رشيد بعد أن بسط هذه المقدمات: "راجع هذا كله وتأمله جملة واحدة، تجد عقلك مضطراً إلى الجزم بأن هذا في جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أميّ أو متعلم، وأنه لا يعقل إلا أن يكونوحياً من الله تعالى اختصه به.." ١. "فمن كان يؤمن بأن للعالم رباً عليماً حكيماً رحيماً مريداً فاعلاَ مختاراً فلا مندوحة له ولا مناص عن الإيمان بأن هذا القرآن وحي من لدنه عزوجل.. ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب الحكيم فهذا القرآن حجة ناهضة على وجوده الحق، بكونه ليس من المعهود في الخلق، وبما اشتمل عليه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق.." ٢. فإن قيل:" دلائل النبوة ومعجزات النبي ﷺ ما عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر والحجة لا تقوم بنقل الآحاد ... لجواز وقوع الغلط فيها واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها.." ٣. فالجواب من وجوه: الأول: أن القرآن الكريم وهو الآية الكبرى، الثابتة بنفسها المثبتة لغيرها، هو متواتر مشاهد فيدفع به هذا الاعتراض. ثانياً: "أن خبر الواحد من عامة الناس إذا انضمت إليه قرائن قوية أفاد العلم وقام مقام التواتر، فهذا في خبر آحاد الناس فكيف بخبر أفضل الأولين والآخرين.." ٤. ثالثاً: أن كثرة الرسل قد تواترت لأهل العلم بتواريخ العالم مع تفرق

стр. 310

أوطانهم وأزمانهم، واتفاقهم على أمر واحد، يصدق فيه الآخر الأول والأول الآخر، يدل على صدق ما ادعوه وتواتره ١. وهذا الدليل السمعي قد خالف فيه الشيخ رشيد المتكلمين والفلاسفة الذين لا يعتبرون إلا الدليل العقلي النظري ٢، ويقولون بوجوبه، ونحن لا ننكر النظر الشرعي ولكن ننكر أنه الدليل الوحيد أو الواجب على معرفة الله تعالى.

стр. 311

المطلب الرابع: الاحتياط الواجب: وهذا دليل آخر لا يوافق عليه المتكلمون ٣، على أنه عقلي شرعي. وتقريره: " أن الإيمان بالله تعالى مأمون العاقبة ولا ضرر فيه، والكفر به تعالى مخوف أشد الخوف وضرره عظيم، فالمصير إلى الإيمان به واجب احتياطاً". وهذه المسألة العقلية، نجد لها إشارات في القرآن الكريم: يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ ٤. والتحري: طلب الأحرى، أي: الأولى ٥. وقال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٦.

стр. 312

ففيه "تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطاً، فكيف إذا كان فيه منافع لا تحصى" ١. واستدل بهذه الآية على جواز إيمان المقلد، لأنها تشعر بأن الإيمان في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال واجباً لكان في غاية الصعوبة ٢. وقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ ٣. والمعنى: "أي: كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق ولا يبصر ولا يسمع ولا يقدر شيئاً.. والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله وهو الضار النافع الخالق الرازق. أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصاً ولا تحولاً.." ٤. وتلك حجتنا: أي: وتلك الحجة الدامغة التي تضمنها البيان السالف المثبتة للحق المزيفة للباطل هي الحجة التي أرشدنا إليه إبراهيم وأعطيناه إياها ليلزم قومه ويقنعهم بها" ٥. ومن ذلك قول مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ٦.فقد أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط ٧.

стр. 313

وفي معناه: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ "وهو بين في هذا المعنى لأن السلامة تتحقق في الإيمان والخطر مأمون فيه، والمهالك مخوفة في مخالفته" ١. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢. ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. والمعنى: "كما أنكم قضيتم بأنه ليس من عند الله وليس ذلك معلوماً بالضرورة فكذلك كونه من عند الله فتعالوا فتأملوا في الدلائل.. فاستدعاهم الله إلى النظر بطريق تجويز أن يكون من عند الله فإنه إذا جاز ذلك وكانوا قد كفروا به دون تأمل كانوا قد قضوا على أنفسهم بالضلال الشديد.." ٤. وأما دلالة العقل: فالعقل يتفق مع السمع على حسن السعي في دفع المضار المخوفة المجوزة التجويز المستوي الطرفين، ووجوب السعي في دفع المضار المطلوبة ووجوب السعي في الاحتياط في ذلك ٥. ومن القياس: أيضاً قياساً على إيمان المقلد دون أن ينظر في الأدلة وكذلك من يقول: إن معرفة الله ضرورية دون استدلال ولهم أدلة في ذلك ٦. وتقرير النبي ﷺ للعامة وقبول الشهادة منهم، وما اشتهر في أحاديث

стр. 314

الشفاعة من تقرير إيمان المشفوع لهم بمثاقيل الذر وأدنى أدنى أدنى من ذلك ١. ولقد اعتمد الشيخ رشيد ﵀ هذا الدليل وأقره، فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ٢. "..ولو نظروا في توقع قرب أجلهم لاحتاطوا لأنفسهم ورأوا أن من العقل والروية أن يقبلوا إنذاره ﷺ لهم لأن خبريته لهم في الدنيا ظاهرة لم يكونوا ينكرونها، وأما خيريته في الآخرة فهي أعظم إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء وهو صدق وحق وإن صح إنكارهم له وما هو بصحيح فلا ضرر عليهم من الاحتياط له، كما قال الشاعر: قال المنجم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما فالمجنون إذاً من يترك ما فيه سعادة الدنيا باعترافه وسعادة الآخرة ولو على احتمال ضرر تخلفه، لا من يدعو إلى السعادتين أو إلى شيئين يجزمون بأن أحدهما نافع قطعاً والآخر إما نافع وإما غير ضار. هذا ما دعاهم إليه صاحبهم بكتاب ربهم مؤيداً بالبراهين العقلية العلمية، لعلهم يعقلون ويعلمون.. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣. ومثل هذه الآية التي فسرها الشيخ رشيد على هذا الوجه: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.

стр. 315

فهذا تخويف بالموت الضروري والمعاد إليه النظري ١ فالعاقل إذا تأمل هذا رجح كفة الإيمان ولولم يكن لديه إلا هذا البرهان، كيف وقد قامت قبل ذلك براهين لا تدفع وحجج لا تمنع. وفي نهاية كتاب الوحي المحمدي، وقد أورد فيه الشيخ رشيد كل ما استطاع من حجة، على ثبوت نبوة نبينا، ﷺ ، ودعا العالم أجمع إلى الإيمان به، ختمه بهذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٢ ٣. وهذا ذهاب منه إلى أن هذا الدليل هو الأخير بعد كل ما أورد من الأدلة وتقرير له. فهذا الدليل قد قامت عليه شواهد من العقل والشرع واعتبره الكتاب العزيز، وذهب إليه وقرره بعض أهل العلم وإن رفضه المتكلمون، فإننا نقبله ونعتبره دليلاً صحيحاً معتبراً في معرفة الله تعالى والإيمان به. وقد تبين من خلال عرض آراء الشيخ رشيد في المعرفة أنه قد خالف المتكلمين في إيجابهم المعرفة النظرية الجدلية، وأنه أقر النظر الشرعي البسيط المستطاع للكافة وهو النظر القرآني. وأنه خالفهم في عدم وجوب النظر العقلي المجرد، وخالفهم في إقراره للمعرفة الفطرية التي لا يقرها المتكلمون ٤، وفي تعدد طرق المعرفة، مخالفة للمتكلمين الذين يوجبون طريقاً واحداً لمعرفة الله تعالى،

стр. 316

وقد ذكرت انتقاد الشيخ رشيد لطريقتهم وفي هذا الفصل دليل آخر على التطور الفكري للشيخ رشيد ـ فإنه في الأعداد الأولى من المجلة ـ وبالتحديد في العدد الثاني كان قد شرع في شرح العقيدة في دروس مسلسلة وبدأ يشرح أدلة المعرفة بناءً على نظرية المتكلمين، معتمداً على مراجعه كالمواقف للإيجي، والمقاصد للسعد التفتازاني وشرحه لها ١.

стр. 317

المطلب الخامس: موقف رشيد رضا من مسألة "حدوث العالم ": ذكرت قبل ذلك أن مسألة "حدوث العالم" دليل عقلي شرعي، فيستدل بها على قدرة الله تعالى وحكمته ووحدانيته، وهي ترتبط بطريقة النظر في المخلوقات، فإن كانت طريقة النظر في الملكوت تدل على معرفة صفات الله تعالى بواسطة النظر في خلقه ودقته وإتقانه ونظامه، فإن حدوث العالم يدل على ذلك بواسطة النظر إلى إيجاده من بعد عدمه، وإبرازه للوجود بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً. ونحن نتفق مع المتكلمين على "حدوث العالم"، ولكن لا نسلم لهم هذه المقدمات التي رتبوها، والنتائج التي التزموها بناء على تلك المقدمات. فالعلم بحدوث العالم مشاهد محسوس بدهي، لا يحتاج إلى استدلال بحدوث الأعراض، ولا أنها لا تبقى زمانين، إلى آخر ما ذكر المتكلمون من مقدمات. " فإن من الصعوبة بمكان تقرير المقدمات التي يتركب منها هذا الدليل، من إثبات الجواهر الفردة التي تتركب منها الأجسام أولاً، ثم إثبات الأعراض التي هي صفات الأجسام ثانياً، ثم إثبات حدوث تلك الأعراض بإبطال ظهورها بعد الكون وإبطال انتقالها من محل إلى محل ثالث، ثم إثبات امتناع حوادث لا أول لها، وإنّ ما لا يخلو عن الحوادث جنساً أو

стр. 318

عيناً فهو حادث، إلى غير ذلك مما في مقدمات هذا الدليل من طول وخفاء وتفصيل يتعذر معه ثبوت المدعى.." ١. أما قانون السببية وهو أن " المحدث لا بد له من محدِث، أو لا شيء يكون من لا شيء" فهو أمر بدهي وعلم فطري ضروري. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "..إن العلم بالمحدَث لا بد له من محدِث علم فطري ضروري، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢..."٣. ويقول أيضاً: "..إن إثبات الصانع ممكن بطرق كثيرة منها الاستدلال بالحدوث على المحدِث، وهذا يكفي فيه حدوث الإنسان نفسه، أو حدوث ما يشاهد من المحدثات، كالنبات والحيوان وغير ذلك، ثم إنه يعلم بالضرورة أن المحدَث لا بد له من محدِث.." ٤. لكن المتكلمون أفسدوا هذا الدليل بما وضعوا له من مقدمات، اختلفوا حول أكثرها، وأكثرها لا يسلم لهم، ومن العجب الذي لا ينقضي أن هذه الطريقة التي شرعها المتكلمون لإثبات وجود اله تعالى قد أفضت بهم بعد التزامهم لوازمها، إلى وصف الله تعالى بصفات العدم، الغير موجود، فأفضى بهم إلى التعطيل والإلحاد، على تفاوت منهم في ذلك ٥. وصار هذا هو الأصل الذي يبنون عليه مذهبهم في إنكار وجحد صفات الله تعالى ٦. والمقصود الآن الوقوف على رأي الشيخ رشيد في هذه المسألة، ليتم

стр. 319

لنا تصور كامل لمنهجه في إثبات ربوبية الله تعالى. فنقف على موقفه من أصل هذا الدليل ثم من طريقة المتكلمين واستدلالهم بقصة الخليل ﵇ ورأيه في إيجاب هذا الطريق دون غيره. معنى حدوث العالم: وقبل أن نخوض في هذه المسألة نتبين معنى "حدوث العالم" فإن هذا المصطلح قد اعتورته أفهام مختلفة. فالذي يظهر ويهدي إليه الفهم بادئ الرأي من هذه الكلمة أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي ليس معه شيء قديم تقدمه بل كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن. ولكن يذهب المتكلمون مذهباً آخر في فهم هذا المصطلح "حدوث العالم" فمعناه عندهم أن الله تعالى لم يزل لا يفعل شيئاً ولا يتكلم بمشيئة، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، ويبنون على ذلك نفي أفعال الله تعالى وصفاته الاختيارية. ويذهب الفلاسفة إلى فهم آخر، فيرون ـ إذا قالوا إن العالم محدث ـ أنه معلول لعلة قديمة أزلية، أوجبته، فلم يزل معها، وهذا هو ما يسمونه الحدوث الذاتي١ حكما سوف نفصل فيما يأتي بإذن الله. فهذا الاصطلاح قد أتت عليه هذه التفسيرات وذهب فيه المتكلمون مذهباً، وسلك الفلاسفة طريقاً آخر في تفسيره. وأما ما دل عليه القرآن وجاء به نبينا ـ بل والنبيون جميعاً ـ فهو المعنى الأول ٢. أـ موقف الشيخ رشيد من قول المتكلمين: نرى الشيخ رشيد بادئ الرأي لا يوافق المتكلمين على طريقتهم في

стр. 320

عرض هذا الدليل ويرجح عليها طريقة القرآن الكريم. فيقول: "المسلم لا يحتاج إلى الاستدلال على وجود الله تعالى بالطريقة الكلامية، وإن الدلائل التي تبنى على خلاف المطلوب قد يكون إثمها أكبر من نفعها، وإنما الطريقة المثلى لذلك طريقة القرآن الكريم وهي عرض محاسن الخليقة وأسرارها على العقل وتذكيره بحكمة مبدعها البالغة وقدرته العظيمة وعلمه والواسع وتفرده بالخلق والتكوين والرحمة والإحسان.." ١. ويقول عن استدلالهم بالمقدمات المنطقية، والاصطلاحات الكلامية، كالدور والتسلسل: "لماذا تقول للمسلم الخالي الذهن من الشبهات والشكوك: لو لم يكن للعالم إله للزم الدور والتسلسل، وكل منهما باطل فما أدى إليه وهو عدم وجود إله: باطل، فثبت نقيضه وهو أن للعالم إله، ثم نحاول أن نفهمه معنى الدور والتسلسل والبرهان على بطلانهما.. وقد رأينا كثيراً من المتصدرين لتدريس علم الكلام يذكرون ما كتب من الاستدلال على بطلان الدور والتسلسل وهم لا يفهمون ما يقولون" ٢. وأما عن وجوب اعتقاد واتباع هذه الطريقة، وما يتبعها من قضايا، كالحدوث بالذات أو بالزمان ٣، فهل يجب ذلك أولا يجب، فيجيب الشيخ رشيد بقوله: "الصواب في الرأي الثاني. وما كان دين الفطرة مقرر الحنيفية السمحة الذي ظهر في الأميين، ودعا إليه المتوحشين والممدنين، أن يكلف كل فرد في تصحيح الإيمان بنظريات فلاسفة اليونان، والتمييز بين تلك الخلافات في الحدوث بالزمان أو الحدوث بالذات، ثم خلافات الفلاسفة مع أهل الكلام في أصل وجود الزمان.." ٤.
следующие страницы →