وعملاً بأدلة الكتاب والسنة التي تقرن بين الحالين وتجيز للمضطر والمكره ما لا تجيز للراضي المختار ١.
وفي كل حال هناك أمور لا تجوز بحال كقتال المسلمين في صفوف الجنسية الجديدة، فإن قتل المسلم لا مندوحة فيه بحال ٢.
وعلى هذا تحمل فتاوى المتقدمين ٣.
المسألة الثانية: الاستحلال:
بعد بيان حكم "التجنس" قعّد الشيخ رشيد رضا قاعدة بناها على حكم التجنس، وهي قاعدة "الاستحلال العملي" لقد أشار رشيد رضا إلى قاعدة أهل السنة وما أجمعوا عليه من عدم التكفير بالمعاصي العملية إذا لم تجحد أو تستحل وإن كانت مجمعاً عليها من الدين بالضرورة ٤. وأشار في ذلك إلى قول صاحب الجوهرة: فلا نكفر مسلماً بالوزر ٥.
كما أشار أيضاً إلى قوله:
" ومن لمعلوم ضرورة جحد من ديننا يقتل كفراً ليس حد" ٦
ثم قال: "فإن هذه القاعدة وقع فيها اللبس والاشتباه حتى بين المشتغلين بالعلم، وفي أحد فروعها وهو استحلال الحرام فإنه إذا كان من المجمع عليه من الدين بالضرورة كان ردة بلا خلاف، ولكن بعض المشتغلين بقشور العلم والمجادلين في ألفاظ الكتب من يظنون أن الجحد والاستحلال من أعمال القلب فجاحد الصلاة ومستحل شرب الخمر والزنا عندهم هو من يعتقد أن وجوب الصلاة وتحريم الخمر والزنا ليسا من دين الإسلام، فلا الصلاة فريضة
стр. 247
ولا الزنا حرام. وفي هذا الظن من التناقض والتهافت ما هو صريح، فإن فرض المسألة: أن الذي يستحل مخالفة ما يعلم أنه من الدين علماً ضرورياً غير قابل للتأويل سواء كان فعلاً أو تركاً يكون به مرتداً عن الإسلام، والعلم: الاعتقاد القطعي، فكيف يفسر الاستحلال بعدم الاعتقاد، وهو جمع بين النقيضين" ١. ثم قال معرفاً الجحد: " إن حقيقة الجحد هو إنكار الحق بالفعل، واشترط أن يكون المنكر معتقداً له بالقلب.. قال الراغب في مفردات القرآن ٢ الجحود: نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جحد جحوداً وجحداً، قال عزوجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ٣، وحسبنا الآية نصاً في الموضوع.." ٤. ثم قال: " وكذلك الاستحلال أو الاستباحة أن يفعل الشيء فعل الحلال والمباح أي بغير حرج ولا مبالاة وهو يعتقد أنه حرام شرعاً ولو لم يكن مجمعاً عليه، فإن كان المستحل متأولاً لنص أو قاعدة شرعية اعتقد بها أنه حلال شرعاًلم يحكم بردته، وإلا كان مرتداً، ويصدق في ادعائه الجهل بحرمته إلا إذا كان مجمعاً عليه معلوماً من الدين بالضرورة" ٥.
ثم وجه رشيد رضا حكمه هذا بقوله:"والوجه في ذلك أن الإسلام هو الإذعان بالفعل لما علم أنه من دين الله في جملته هو الإيمان، إذا الاعتقاد القلبي وحده لا يكون به المعتقد مسلماً ولا يكون الاعتقاد إيماناً حتى يكون نازعاً، ولهذا قالوا بترادف الإيمان والإسلام فيما يصدقان عليه وإن اختلفا في المفهوم.."٦.
هذا هو تصوير مذهب الشيخ رشيد رضا في هذه المسألة، وخلاصته: أنه يكفر من فعل المعاصي واستحلها عملاً بها وإن كان يعتقد أنها محرمة
стр. 248
في الشرع، واحتج بآية سورة النحل وبمذهب من جعل الإيمان والإسلام يتواردان على حقيقة واحدة، وإن اختلف مفهومهما، أما الآية: فمعناها أنهم جحدوا بالآيات في ظاهر الأمر ظلماً من أنفسهم وعلواً واستكباراً عن اتباع الحق، ولم يقروا بها والحال أنهم تيقنوا أنها من عند الله ١. أي أنهم رفضوا الدخول في الإيمان أصلاً لهذا السبب.
وأما القياس الذي ذهب رشيد رضا من الاتفاق على كفر من جحد معلوماً من الدين بالضرورة، فهو كما قال: متفق عليه ٢، ولكن قياسه ذلك غير صحيح فإنه قياس مع الفارق بين المستحل وغيره، فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تابعة لها، فمعنى "يستحله": لا بد أن يضمن معنى يعتقده أو نحو ذلك، والاعتقاد والاستحلال بهذا المعنى لا يعرف من الشخص بمجرد العمل، فإن العاملَين قد يكونا فعلا المعصية الواحدة ولكل واحد منهما حكم، باعتبار الاستحلال وعدمه. فمعتقد حل الزنا يكفر ولو لم يزنِ. والزاني لا يكفر بزناه وإن تكرر ما لم يستحله، والاستحلال لا يعرف بمجرد الفعل ولا بد في معرفته من أن يعرب عنه لسانه ٣. ولا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً ٤.
стр. 249
المسألة الثالثة: الحكم بغير ما أنزل الله:
لم يتبع رشيد رضا في هذه المسألة أسلوب التعميم كما فعل في مسألة "التجنس" بل إنه هنا فصل تفصيلاً. وقبل أن أبين مذهب رشيد رضا في هذه المسألة، أود أن أشير إلى ملاحظة تتعلق بمسألتنا، وبغيرها من مسائل هذا الباب، وهي مسألة الأسماء كالكفر والظلم والفسق وتحديد معانيها ومدلولاتها. يرى رشيد رضا أن هذه الأسماء الثلاثة تتوارد على حقيقة واحدة في كتاب الله كما أنها ترد بمعاني مختلفة. بينما اصطلح علماء الأصول والفروع على التعبير بلفظ الكفر عن الخروج من الملة وما ينافي دين الله الحق، دون لفظي الظلم والفسق. وإن كان القرآن يطلق لفظ الكفر على ما ليس بكفر في اصطلاحهم كما أنه يطلق لفظي الظلم والفسق على ما هو كفر في عرفهم ١. كما أنه يشير إلى أن لفظ الفسق هو أعم هذه الألفاظ، فكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس ٢.
وفيما يتعلق بمسألتنا يتحدث رشيد رضا عن الآيات التي هي الأصل فيها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣. فيقول إن هذا الكلمات الثلاث "وردت بمعانيها في أصل اللغة موافقة لاصطلاح العلماء. ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع وإنزال الكتاب مشتملاً على الهدى والنور والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل والحكم به والوصية بحفظه. وختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له، رغبة عن هدايته ونوره، مؤثراً لغيره عليه، فهو الكافر به، وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب
стр. 250
إلى الله ... وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإيمان وترجمان الدين، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء بالعدل والمساواة، فمن لم يحكم بذلك فهو الظالم في حكمه كما هو ظاهر. وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته لا بحسب ظواهر الألفاظ فقط، فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا بها فهم الفاسقون بالمعصية والخروج عن محيط تأديب الشريعة ... " ١.
وبناء على ذلك يخلص الشيخ رشيد رضا إلى الحكم الذي يراه صحيحاً في هذه المسألة، وهو تفصيل الأحوال، فيقول: "فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله: فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا غير مذعن له لاستقباحه إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعاً. ومن لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط، إذ لفظ الفسق أعم هذا الألفاظ ... ٢ وهذا التفصيل في الحكم هو المذهب الموافق للسلف ٣ فلا نستطيع أن نصدر حكماً واحداً على الجميع أو في جميع الأحوال.
стр. 251
الفصل الثاني: منهج رشيد رضا في إثبات الربوبية
مدخل
في تقسيم التوحيد عند رشيد رضا
...
مدخل: في تقسيم التوحيد عند رشيد رضا:
تقسيم التوحيد هو تقسيم نظري شرعي دليله الاستقراء، وسار عليه السلف والخلف ١، فبعضهم قسمها إلى قسمين، الأول: توحيد المعرفة والإثبات، والثاني: توحيد القصد والطلب ٢. وأكثرهم قسمه إلى ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية، والثاني: توحيد الأسماء والصفات، والثالث: توحيد الألوهية ٣. وكل هذه الأقسام متلازمة في الشرع لا يكون المرء موحداً حتى يأتي بها جميعاً وتتحقق فيه. قال المقريزي ٤: ".. فلا ولي ولا حكم ولا رب إلا الله الذي من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحد ربوبيته،
стр. 252
فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق ... ولهذا كانت كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، ولو قال: لا رب إلا الله لما أجزأه عند المحققين ... " ١.
وسار الشيخ رشيد في هذا على مذهب أهل السنة في تقسيم التوحيد إلى ربوبية، وألوهية، وصفات. واطرد ذلك في كلامه. ولا بد أن الشيخ رشيد ـ وقد وقف على مؤلفات شيخ الإسلام ـ وابن القيم والمقريزي قد وجد فيها هذا التقسيم فمشى عليه باعتباره مذهب السلف.
ففي الخلاصة الإجمالية لسورة "هود" يلخص الشيخ رشيد هذه الخلاصة ستة أبواب: الأول: في توحيد الله تعالى؛ ويجعل تحته فصولاً، الأول: في توحيد الربويبية والألوهية، والثاني: في صفاته تعالى ٢. ويعرف توحيد الألوهية قائلاً: " الإله هو المعبود الذي يتوجه إليه بالدعاء والتأله والخشوع الخاص ... " ٣، ويقول إنه: "أول ما دعا إليه محمد رسو ل الله ﷺ وخاتم النبيين وأول ما دعا إليه جميع من قبله من رسل الله عزوجل ... "٤.
وأما توحيد الربوبية فيقول عنه: "والرب هو الخالق المربي والمدبر لعباده، والمتصرف فيهم بذاته ومقتضى حكمته ونظام سننه ... وكان أكثر مشركي العرب ومن قبلهم من أقوام الأنبياء يؤمنون بأن الرب الخالق المدبر واحد، وإنما يقولون بتعدد الآلهة التي يتقرب إليها توسلاً إلى الله وطلباً للشفاعة عنده، وكانت الأنبياء تقيم الحجة عليهم بأن توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية، إذ العبادة لا تصح ولا تنبغي إلا للرب وحده ... " ٥.
ومن الأصول والأسس التي بينتها آيات القرآن ـ كما يقول الشيخ
стр. 253
رشيد ـ: "توحيد الألوهية بعبادة الله تعالى وحده، مع ملاحظة توحيد الربوبية.." ١. وأما تعريف الشيخ لهذين النوعين فسيأتي في موضعه إن شاء الله وإنما الغرض الآن بيان تقسيمه للتوحيد.
وعند قوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: "أقول: المراد بهذا تقرير وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، وكلاهما متفق عليه بين الأنبياء ... "٣. ويقول في موضع آخر مصرحاً بهذه القسمة: "ولما كان التوحيد الذي هو لباب الدين وروحه نوعين: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية بين كلاً منهما بالآيات والبراهين ... " ٤.
ودليل هذا التقسيم كما هو واضح من كلام الشيخ رشيد عند تفسيره للآيات وذكره لخلاصة السور هو استقراء آيات القرآن الكريم. وإذاً فهو تقسيم شرعي لأن مستنده الشرع، وليس مجرد اصطلاح ٥. وقد أشار إليه ـ أعني هذا التقسيم ـ علماء السلف وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والمقريزي ٦. ومع ذلك فقد رفض هذا التقسيم قوم من أهل البدع وأنصارها وادعوا أنه تقسيم مبتدع ـ رغم وجوده في الكتاب العزيز ـ ومن هؤلاء: الخصم الأول للشيخ رشيد رضا: وهو الشيخ يوسف الدجوي مفتي مجلة الأزهر "نور الإسلام" فقد انتقد على الشيخ رشيد تقسيمه هذا وحمل عليه في مجلته ٧.
стр. 254
المبحث الأول: تعريف الربوبية
المطلب الأول: معنى كلمة "رب" في اللغة
...
المطلب الأول: معنى كلمة "رب" في اللغة:
ويحسن بنا ـ قبل الشروع في معنى الربوبية ـ أن نقف على معنى أصل هذه المادة، وهو كلمة "رب".
قال ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول. فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرب: المالك، والخالق، والصاحب. والرب: المصلح للشيء. يقال: ربَّ فلان ضيعته؛ إذا قام على إصلاحها. وهذا سقاء مربُوبٌ بالرُّبِّ. والرُّبّ للعنب وغيره، لأنه يُرَبُّ به الشيء. وفرس مربوب. قال سلامة ١:
ليس بأسقى ولا أَقْنَى ولا سَغِلٍ ... يُسْقى دواءَ قَفِيِّ السَّكنِ مَرْبُوبِ
والربُّ: المصلح للشيء. والله جل ثناؤه الرَّبُّ، لأنه مصلح أحوال خلقه.
стр. 255
والرِّبِّيُّ: العارف بالرب. ورببتُ الصَّبيَّ أَرُبُّه، وربَّبْتُه أربِّبُه. والرَّبيبة: الحاضنة. وربيب الرجل: ابن امرأته. والرَّابُّ: الذي يقوم على أمر الربيب..." ١.
وفي اللسان: ".. الرب ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب المالك، ويكون الرب: السيد المطاع، قال الله تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ ٢أي: سيده، ويكون الرب: المصلح: ربَّ الشيء إذا أصلحه ... وفي حديث ابن عباس مع ابن الزبير ﵃: "لأن يربني بنو عمي أحبُّ إليّ من أن يربّني غيرهم" ٣ أي: يكونون عليّ أمراء وسادة..، وربّ ولده والصبي يربُّه ربّا، وربّته تربيباً وتَرِبَّة، عن اللحياني: بمعنى ربّاه. وفي الحديث: "لك نعمة تربّها" ٤ أي: تحفظها وتراعيها وتربيها، كما يربي الرجل ولده ... " ٥.
فالرب ـ إذن ـ مصدر مستعان للفاعل ٦ فمعنى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : رابُّ العالمين ٧.
فالمعاني اللغوية لكلمة "رب" هي: المصلح للشيء، القائم عليه، المنمي له حتى يبلغ كماله، وأيضاً: صاحبه وسيده.
وهذه المعاني اللغوية باقية على أصلها في الشرع، لم تتحول عنه،
стр. 256
فإن الربّ تعالى: هو الخالق المالك القائم بأمر عباده وتربيتهم خلقاً وشرعاً.
ولقد عرّف الشيخ محمد رشيد هذه الكلمة عدة مرات، فقال: "..والرب هو السيد المالك والمربي والمدبر والمتصرف، وليس للخلق رب ولا إله إلا الله الذي خلقهم، فهو المالك لكل شيء في كل زمن وكل حال وملكه حقيقي تام، وملك غيره عرفي ناقص موقوت ... " ١.
وقال في موضع آخر: "ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره" ٢.
وقال إن كلمة "رب" هي: "التي تفيد عنايته تعالى بعبيده وتربيته لعقولهم وأرواحهم بالمعارف ... " ٣.
واسم الرب "هو الدال على معنى الملك والتدبير والتربية والإحسان خاصة" ٤
و"رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه، ويربيهم بفضله وإحسانه ... "٥.
ويفصل هذا التعريف، وينبه أيضاً فيقول: "ولفظ "رب" ليس معناه المالك السيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه عزوجل، فليس في الكون متصرف بالإيجاد ولا بالإشقاء والإسعاد سواه" ٦.
وهذه التعريفات التي ذكرها الشيخ رشيد ﵀ هي تعريفات لغوية شرعية، إذ ـ وكما ذكرت قبل ذلك إن معاني هذه الكلمة العالية
стр. 257
الشريفة بقيت على أصلها اللغوي فهي صحيحة في حقه تعالى، على ما يليق بكماله وجلاله.
تربية الله تعالى لخلقه نوعان:
وهذه المعاني التي اشتملت عليها كلمة "رب" وهي تربية الله تعالى لخلقه وإصلاحه لأمرهم وإحسانه إليهم ليبلغوا كمالهم بمقتضى خلقه وملكه لهم، تظهر في أمرين: خلقي وشرعي.
فالناحية الأولى خَلقية أي تربية بمقتضى الخلق والفطرة، وهي خلقه تعالى لهم في أحسن صورة وأقومها. وتربية شرعية دينية تعليمية.
وفي هذا؛ يقول الشيخ رشيد: "وربوبية الله للناس تظهر بتربيته إياهم، وهذه التربية قسمان: تربية خلقية بما يكون به نموهم وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية، وتربية شرعية تعليمية، وهي ما يوحيه إلى أفراد منهم ١ ليكمل به فطرتهم بالعلم والعمل إذا اهتدوا به.." ٢ "فإنزاله الوحي وبعثه الرسل وتأييدهم وهداية الخلق بهم من مقتضى ربوبيته ... "٣.
إطلاق اسم الرب على غيره تعالى:
وهذه المعاني العالية التي اشتملت عليها هذه الكلمة، وكما قال الشيخ رشيد، تكون حقيقية وتامة وكاملة في حقه تعالى، وإذا ما أضيفت إليه، وهي في حق غيره عرفية وعلى ما يليق به.
ولذلك فإن إطلاق هذا الاسم على غيره تعالى غير جائز إلا أن يضاف.
ومن ذلك ما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي
стр. 258
عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ١ فقوله تعالى: "عند ربك: يعني الملك، وقوله: فأنساه الشيطان ذكر ربه: يعني يوسف".
وكذلك ما ورد في السنة من ذلك كقوله ﷺ : "إن ربي ﵎ قد قتل ربك" ٢.
وأما ورد من كلام العرب من اطلاق هذا الاسم، كقول الحارث بن حلزة ٣:
وهو الرب والشهيد على يو م الحيارين والبلاء بلاء ٤
يريد المنذر بن ماء السماء، ولم يذكر مطلقاً في غير الشعر ٥. وهو بيت جاهلي.
وأما ما ورد في الكتاب والسنة فعلى ما كان متعارفاً عندهم وعلى ما كانوا يسمونهم به. ومنه قوله للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ ٦ ٧.
ويفصل الشيخ رشيد هذا الحكم قائلاً: "فأما العرب فكانت تطلق لفظ "رب" على الناس: يقولون: رب الدار، ورب هذه الأنعام ـ لا رب الأنعام مطلقاً ـ قال عبد المطلب في يوم الفيل (أما الإبل فأنا ربها وأما البيت فإن له رباً يحميه) ٨ ويرى بعض العلماء أن هذا الاستعمال ممنوع في الإسلام،
стр. 259
واستدل بالنهي في الحديث عن قول المملوك لسيده ربي ١. والصواب: أنه يمنع ما ورد به النص كهذا الاستعمال وما من شأنه ألا يقال إلا في الباري تعالى كلفظ الرب بالتعريف مطلقاً، ولفظ رب الناس، ورب المخلوقات، رب العالمين، وما أشبه ذلك" ٢.
المقارنة بين اسم "الرب" واسم "الآب":
ولم تسلم هذه المعاني العالية الشريفة من الاعتراض، فاعترض عليها أجهل الخلق بربهم وأسمائه وصفاته، وقالوا: إن المسلمين لم يعلمهم نبيهم من صفات الخالق إلا القهر والسلطان والغضب، وأن ربهم قد أوجب عليهم الفتح من أجل قهر الأمم لا من أجل تربيتها وترقيتها. بينما يدل اسم الآب على الرحمة والرأفة والعطف ٣. ويجيب الشيخ رشيد على هذا الاعتراض " السخيف" قائلاً: "وهذا الذي شرحناه يفند زعم بعض المتعصبين الغلاة في ذم الإسلام بالهوى الباطل أن رب المسلمين رب غضوب منتقم قهار، ودينهم دين رعب وخوف، بخلاف دين النصرانية الذي يسمي الرب أبا للإعلام بأنه يعامل عباده كمعاملة الأب لأولاده ... وثبت في الحديث الصحيح أن الرب أرحم بعباده من الأم بولدها الرضيع ٤ وأن جميع ما أودعه الله في قلوب خلقه من الرحمة جزء من مائة جزء من رحمته ﵎.." ٥.
وكذلك فإن تكرار قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فاتحة الكتاب بعد قوله تعالى ﴿.. رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن "البعض يفهم من معنى الرب الجبروت والقهر فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه، ليجمعوا بين
стр. 260
اعتقاد الجلال والجمال ... "١.
وأما اسم الآب، فإنه لا يليق بالله تعالى لاشتماله على معان باطلة، كطلبه للولد بمقتضى شهوته لا محبته ٢.
стр. 261
المطلب الثاني: المعنى الشرعي لتوحيد الربوبية:
وأما التعريف الشرعي للربوبية، فقد عرّفه الشيخ رشيد بقوله: "هو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير والتشريع الديني" ٣.
وهذا التعريف دلت عليه نصوص الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤ أي: "ألا إن لله الخلق فهو الخالق المالك لذوات المخلوقات، وله فيها الأمر وهو التشريع والتكوين والتصرف والتدبير.." ٥.
وأما التقدير، فيدل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٦ وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٧ أي: "بسنن ثابتة، وتقدير منظم لم يكن شيء منه جزافاً" ٨.
وأما التدبير، فيدل عليه قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ٩ أي: "..يدبر أمر ملكه، بما اقتضاه علمه من النظام وحكمته من الأحكام ... والتدبير في أصل اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومباديها، وأدبارها وعواقبها، بحيث
стр. 262
تكون المبادي مؤدية إلى ما يريد من غاياتها ... " ١.
وأما التشريع الديني، فدل عليه آيات في كتاب الله؛ منها:
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿.. وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣ قال الشيخ رشيد: "إن الآية قررت وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية.. وأما وحدانية الربوبية فهي قوله ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فالرب هو السيد المربي الذي يطاع فيما يأمر وينهى، والمراد هنا من له حق التشريع والتحليل كما ورد في حديث عدي بن حاتم ٤.." ٥.
ومثله قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٦ "أي: اتخذ اليهود أحبارهم وربانيهم، والنصارى قسوسهم ورهبانهم أرباباً غير الله وبدون إذنه بإعطائهم حق التشريع الديني لهم وبغير ذلك مما هو حق الرب تعالى" ٧.
واشتراط "الديني" هام جداً، وكذا اشتراط أن يكون "بغير إذنه تعالى" حتى يكون شركاً، فإن من التشريع ما ليس شركاً لأنه ليس دينياً، وما ليس شركاً لأنه بإذنه تعالى ورضاه.
ويفصل الشيخ رشيد هذا فيقول: "لأن التحريم ٨ حق للرب الخالق للعباد وللأقوات جميعاً، فمن انتحله لنفسه فقد جعل نفسه شريكاً له تعالى، ومن أذعن لتحريم غير الله وأطاعه فيه فقد أشركه معه ..
стр. 263
وأما منع بعض الناس من بعض هذا الثمر لسبب غير التشريع الديني فلا شرك فيه، وقد يوافق بعض أدلة الشرع فيكون منعاً شرعياً أي تحريماً كمنع الطبيب بعض المرضى من أكل الخبز أو الثمر لأنه يضره.. والتحريم ليس تشريعاً من الطبيب بل الله تعالى هو الذي حرم كل ضار وإنما الطبيب معرف للمريض بأنه ضار.. وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطير في بعض الأحوال للمصلحة العامة.. ولكن مثل هذين ليس تحريماً ذاتياً لما ذكر يدوم بدوامه بل مؤقت بدوام سببه ولا هو مبني على أن للسلطان أن يحرم شيئاً بمحض إرادته وإنما هو مكلف شرعاً بصيانة المصالح ودرء المفاسد، فإذا أخطأ في اجتهاده بشيء من ذلك وجب على الأمة الإنكار عليه وعليه الرجوع إلى الحق" ١.
فإذن ـ ما يقرره السلطان من سياسة ليس شركاً ـ لأنه بإذن الله تعالى والسلطان "ظل الله في الأرض" ٢ وأما إنكار الأمة عليه، فله نظام دقيق في الشريعة، وتوزيع على الأمة فيجب على العلماء ما لا يجب على العامة من ذلك٣.
العلاقة بين الربوبية والإلهية:
وبين الربوبية والإلهية علاقة وثيقة، هي علاقة المقدمة بالنتيجة، والربوبية تستلزم الإلهية، والإلهية تتضمن الربوبية، لذلك فإننا كثيراً ما نستدل بالآيات التي نصبها الله تعالى على وحدانيته على غير ما وضعت له وهو وجوده تعالى وربوبيته وإلا فإن هذه الأخيرة لم تكن محلاً للاستدلال في القرآن الكريم كما سوف ترى.
يقول الشيخ رشيد: "لأن الربوبية والألوهية متلازمان، فالآيات الدالة
стр. 264
على أن الرب واحد، دالة أيضاً على أنه الإله وحده.." ١ "وتوحيد الربوبية دال على وجوب توحيد العبادة للرب وحده" ٢ ويقرر الشيخ رشيد أن توحيد الربوبية هو البرهان الأعلى لتوحيد الألوهية ٣ ويبين ذلك قائلاً: "..فإذا كان تعالى هو الخالق المقدر وهو السيد المالك المدبر، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وفضل بعض المخلوقات على بعض ولكنها بالنسبة إليه على حد سوى، فكيف اسفه نفسي وأكفر ربي بجعل المخلوق المربوب مثلي رباً لي.." ٤.
ويحاول الشيخ رشيد إبراز هذه العلاقة في كل مناسبة تسمح وعند كل فرصة تسنح.
ففي فاتحة الكتاب، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ يقول: "إن عبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما الأول فظاهر لأنه الإله الحق فلا يعبد بحق سواه، وأما الثاني: فلأنه هو المربي للعباد الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية والمعنوية. ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم، واسم الرب الأكرم، إنما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللّف.
والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة. ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٦.
стр. 265
فهذه الاستعانة هي ثمرة التوحيد واختصاص الله بالعبادة.. إذا تدبرت هذا فهمت منه نكتة من نكت تقديم العبادة على الاستعانة، وهي أن الثانية ثمرة للأولى، ولا ينافي هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه بالله.. فالعبادة تكون سبباً للمعونة من وجه، والمعونة تكون سبباً للعبادة من وجه آخر.. فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول، والجهة مختلفة فلا دور في المسألة" ١.
العلاقة بين الربوبية وسائر الصفات:
وننتقل من هذه العلاقة بين الربوبية والإلهية والتلازم والتضمن إلى العلاقة بين الربوبية وسائر الصفات الإلهية.
فإنه وإن كانت الربوبية صفة من صفات الله تعالى إلا أنها ـ كما يقول: رشيد رضا ـ هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات جميعاً ٢.
وتحتمل صفة الربوبية أن تكون صفة ذات، على معنى أنه السيد والمالك، أو صفة فعل على أنه تعالى المبلغ كل ما أبدعه حد كماله ٣.
وترتبط الصفات الإلهية بعلاقات التضمن والالتزام، فبينما تدل كل صفة على نفسها وعلى الذات بالمطابقة، فإنها تدل على الصفات الأخرى باللزوم.
فالسميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده، بالتضمن ويدل على اسم "الحي" وصفة الحياة بالالتزام. ٤.
стр. 266
وإذا كان ذلك، فإن الأصول التي ترجع إليها سائر معاني الأسماء والصفات اربعة: صفتان للذات، وصفتان للفعل. قال رشيد رضا:" وبتعبير أظهر أو أصح: اثنان منهما لا يتعلقان بتدبير الخلق واثنان منهما يتعلقان به " ١.
فأما الذاتيان فهما "الحي القيوم" وأما الفعليان فهما الرب والرحمن الرحيم ٢.
وتدل صفتا الربوبية والرحمة على "أن الله تعالى هو المالك المدبر لأمور العالم كلها ٣. والمالك صفة ذات.
ويشرح الشيخ رشيد دلالة صفتي الربوبية والرحمة على صفات الأفعال فيقول: "وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر، فإن رب العباد هو الذي يسدي إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شؤونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى، كالخالق البارئ المصور القهار الوهاب الرزاق، الفتاح القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم الرقيب المقيت الباعث الشهيد المحصي المبديء المعيد المحيي المميت المقدم المؤخر المغني المانع الضار النافع وأمثالها.." ٤.
وهكذا فإذا كانت صفات الجلال والجمال أخص باسم "الله" فإن صفات الفعل والقدرة والتفرد بالضرر والنفع والعطاء والمنع وتفرد المشيئة وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة: أخص باسم الرب ﵎ ٥.
الإجماع على توحيد الربوبية:
ورغم هذا الارتباط الوثيق بين الربوبية والألوهية وبين الربوبية وسائر
стр. 267
الصفات، حتى إن الربوبية هي البرهان الأعلى للألوهية، والدليل الأول عليها، إلا أن الإجماع وقع عل هذه"المقدمة" دون النتيجة، والدليل دون المدلول.
فاجتمع الخلق جميعاً على الإقرار بربوبية الله تعالى، وافترقوا في ألوهيته، والعجب الذي لا ينقضي هو من هذه التفرقة بين المقدمة ونتيجتها، والإقرار بالدليل دون المدلول.
يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ..﴾ ١.
ويقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣، وأيضاً: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ٤.
ويوجد لدينا قانون عقلي مستقر متى فهم على وجهه الصحيح، وصل بنا إلى عقيدة التوحيد، وعليه فإن الشرك والوثنية تكون وليدة ضرب من الغفلة أو الكسل العقلي وهذا القانون العقلي هو قانون السببية، وهو يعني ببساطة: أنه لا يوجد شيء من لا شيء ٥.
ويقرر الشيخ رشيد رحمه الله تعالى هذه الحقائق في مواضع كثيرة، أقتصر على بعضها. يقول: "أكثر الناس قد أرشدتهم الفطرة ـ أو هداهم النظرـ إلى أنه لا بد لهذا الكون المحكم الصنع البديع الإتقان من فاعل
стр. 268
مدبر له، ثم أخطأوا في تعيينه لما عنّ لهم من الشبه في ذلك، فبعضهم زعم أنه الشمس أو كوكب آخر، وتخيل بعضهم أن صانع العالم هو جوهر النار.. وبعضهم أسند الألوهية إلى بعض الحيوانات، ومنهم من ارتقى به هذا الوهم فأضافها إلى بعض البشر، إلى غير ذلك من النحل التي لا تحصى.."١.
وعن العرب يقول: "ولم يكن أحد من العرب الذين سموا أصنامهم وغيرها من معبوداتهم آلهة يعتقد أن اللات أو العزى أو هبلاً خلق شيئاً من العالم أو يدبر أمراً من أموره، وإنما تدبير أمور العالم يدخل في معنى لفظ الرب. والشواهد على هذا في القرآن كثيرة ناطقة بأنهم كانوا يعتقدون ويقولون: إن خالق السماوات والأرض ومدبر أمورهما هو الله تعالى، وأن آلهتهم ليس لها من الأمر والخلق والتدبير شيء" ٢.
ويقول مستشهداً بالقرآن على ذلك: "وتشهد لهذا آيات القرآن الكثيرة. اقرأ إن شئت قوله تعالى في مشركي العرب ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٣، وقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤ وفي هذا المعنى آيات كثيرة.. فالشرك في العبادة هو الذي كان فاشياً في الأمم بألوان مختلفة وأسماء متعددة وصور متنوعة فجاء القرآن ينعى عليهم هذا ويحاجهم فيه ويمحو شبههم في آيات تعد بالمئات، وكان هذا أهم أصول الدين وأركانه.. وإن كانت الكتب التي بين أيدينا قلما تبحث في هذا النوع من التوحيد، وما أزاله من الشرك" ٥. ويتعجب من الرازي ـ وهو من هو
стр. 269
في علم الكلام ١ ـ أذ يخطئ في فهم هذا المعنى، "معنى الإله"، فيقول تعليقاً على كلام نقله له: "أقول: من العجب أن يقع إمام النظار في علم العقائد على طريقة الفلسفة والكلام في مثل هذا الخطأ في أسئلته وأجوبته، والتناقض في كلامه ومنشأ هذا الخطأ: الغفلة عن مدلول ألفاظ القرآن الكريم في اللغة العربية واستعمالها بلوازم معناها العرفية كلفظ "الإله" فإن معناه في اللغة المعبود مطلقاً لا الخالق ولا المدبر لأمر العالم كله ولا بعضه.." ٢.
وهذا تحقيق دقيق من الشيخ رشيد ﵀ وهو موافق فيه لأهل السنة، ومؤيد فيما ذهب إليه من هذا الإجماع على الربوبية بالبحوث والاكتشافات العلمية التي تؤكد أنه قد وجدت أمم بلا حضارة وبلا أدب وبلا ثقافة ولكنها لم تكتشف أمة بلا معبود ٣.
أثر هذه الصفة على العبد:
لكل اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته أثر من العبودية يترتب عليها، فكل اسم من أسمائه الحسنى وصفة من صفاته العليا مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين ٤، فما هو حظ العبد من صفة الربوبية يقول الشيخ رشيد: "وأما حظ العبد من وصف الله بالربوبية فهو أن يحمده تعالى عليه ويشكره له باستعمال نعمه التي تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله، فليحسن بتربية نفسه.. وألا يبغي كما بغى فرعون فيدعي أنه رب الناس وكما بغى فراعنة كثيرون ولا يزالون
стр. 270
يبغون بجعل أنفسهم شارعين يتحكمون في دين الناس بوضع العبادات التي لم ينزلها الله تعالى، وبقولهم هذا حلال وهذا حرام من عند أنفسهم أو من عند أمثالهم، فيجعلون أنفسهم شركاء لله في ربوبيته. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١ وفسر النبي ﷺ اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أرباباً بمثل هذا" ٢.
стр. 271
المبحث الثاني: منهج رشيد رضا في أدلة معرفة الله تعالى
تمهيد
...
تمهيد:
مسألة "إثبات وجود الله تعالى" لم تكن موضع استدلال في القرآن الكريم، بل كانت هي نفسها دليلاً ـ في هذا الكتاب العزيز ـ استدل به على ألوهية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة.
فمسألة وجود الله تعالى مسألة بدهية، ونجد هذه البداهة متقررة حتى عند ذوي العقول المنحرفة من المشركين، يقول الله ﵎ عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١ ويقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢، وأما الآيات التي يستدل بها على هذه المسألة وأنها نزلت لإثبات وجود الله تعالى، فليست من ذلك في قليل أو كثير، وإنما نزلت تقريراً لتوحيد الله تعالى وألوهيته وصفاته العليا.
كذلك لم تظهر هذه المسألة في القرون المفضلة التي كانت امتداداً للعصر النبوي الذي كان هو بالأحرى عصر الإيمان بصفات الله وتوحيده، ولم تطرح فيه هذه المسألة على هذا النحو أبداً.
ثم كانت الفلسفة اليونانية وانتقالها إلى عالمنا الإسلامي، ونشأت مباحث محدثة في العلم لم تكن من قبل، ومنها مسألة النقاش والاستدلال
стр. 272
على وجود الله تعالى، وكان المتكلمون المسلمون هم الطرف الإسلامي في هذا النقاش.
"وأما في هذا العصر فقد كثرت فيه الملاحدة والمعطلة، وتجددت للكفار على اختلاف فرقهم شبهات جديدة يتوكؤون على مسائل من العلوم العصرية لم تكن معروفة عند الأقدمين، وحدثت للناس آراء ومذاهب في الحياة فيها الحسن والقبيح، والنافع والضار، بل منها ما يفضي إلى فساد العالم وتقويض دعائم العمران، ومثار ذلك كله ذيوع التعاليم المادية وفوضى الآداب وتدهور الأخلاق وتغلب الرذائل على الفضائل.." ١. لقد وقف الإنسان في هذا العصر على شيء من الأسباب التي قام عليها نظام الخلق، فكان ذلك فتنة له، وانشغل بهذه الأسباب عن الفكر في خالقها، حتى ملكت عليه نفسه، فأنسته إياها، ودفعت به إلى إنكار خالقه وخالقها ﵎.
ولذا فإن علماء المسلمين ـ في هذا العصر أيضاً ـ كانوا مضطرين للخوض في هذه المسألة والجواب على أسئلة المؤمنين الذين شوشت عليهم أفكار وأقوال الملحدين المعطلين.
ولم يلتفت العلماء إلى الرأي القائل بطرح هذه المسألة من مباحث العقيدة لأنها بدهية ٢، وخاضوا فيها ولسان حالهم وقالهم، يقول: "لولا كثرة الضعفاء مع كثرة الدخلاء فينا الذين نطقوا بألسنتنا، واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا، لما تكلفنا كشف الظاهر وإظهار البارز" ٣.
وكان من هؤلاء العلماء الذين تلقوا أسئلة المؤمنين والملحدين، وأجاب عن هذه ورد هذه، وبحث في هذه المسألة: الشيخ محمد رشيد ﵀، فنريد أن نعرف منهجه في ذلك.
وقبل هذا نود أن نعرف المنهج الذي سلكه المتكلمون والفلاسفة قديماً في نفس الموضوع.
стр. 273
ثم نرى إن كان الشيخ رشيد قد انتهج منهج أحد الفريقين أو سلك طريقاً آخر.
أولاً: منهج المتكلمين:
ذهب المتكلمون إلى أن مسألة المعرفة نظرية، وبنوا على ذلك نظرية جدلية، ذات مقدمات طويلة، معتاصة، ثم اختلفوا في هذه المقدمات، ولم يتفقوا على شيء منها، فقد ذهبوا إلى أن العالم حادث، ودليل حدوثه حدوث ما فيه من الجواهر والأعراض. قال الرازي ١: "قد عرفت أن العالم إما جوهر أو أعراض، وقد يستدل بكل واحد منها على وجود الصانع، إما بإمكانه أو حدوثه، فهذه وجوه أربعة.." ٢.
وهذا هو المقصود بالنظر عند المتكلمين، وظاهر أنه نظر عقلي جدلي، وهذا النظر هو اصطلاح لهم، وإلا فإن النظر الذي دعا إليه القرآن، ليس محله القضايا المنطقية الجدلية، وإنما محله الكون والإنسان.
وبعد ما ذكر الرازي القانون السابق طفق يستدل على كل جزئية من جزئياته، وما تفرع منها كذلك، ورغم أن منها ما هو بدهي لا يحتاج إلى إثبات كحدوث العالم بعد أن لم يكن.
ثانياً: منهج الفلاسفة:
وافق الفلاسفة المتكلمين في "نظرية المعرفة" وإن كانوا خالفوهم في الطريق. فقد سلك الفلاسفة طريقاً آخر هو طريق الإمكان والوجوب، فقد قسموا العالم إلى ممكن وواجب بدلاً من قديم وحادث، قال ابن سينا: "ما
стр. 274
حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجوداً من ذاته، فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن، فإن صار أحدهما أولى فلحضور شيء أو غيبته. فوجود كل ممكن هو من غيره" ١. ثم قال: "إما أن يتسلسل ذلك إلى غير نهاية فيكون كل واحد من آحاد السلسلة ممكن في ذاته، والجملة متعلقة بها، فتكون غير واجبة أيضاً وتجب بغيرها" ٢. ففي الفقرة الأولى أشار إلىأن الممكن لا يوجد إلا لعلة تغايره. وتقريره أن الممكن إما أن تحتاج ذاته في أن تكون موجودة إلى غيرها أو لا تحتاج، والثاني باطل لاستحالة الترجيح بلا مرجح. إذن الأول حق. وفي الفقرة الثانية يريد إثبات واجب الوجود لذاته. وتقرير الكلام بعد ثبوت احتياج الممكن إلى الغير ـ أن ذلك الغير إما واجب وإما ممكن. والكلام في ذلك الممكن كالكلام في الممكن الأول، فأما أن ينتهي إلى واجب أو يدور ٣ أو يتسلسل ٤ إلى غير نهاية فتبين أن سلسلة الممكنات ـ على فرض وجودها ـ محتاجة إلى شيء خارج عنها ٥. وهذه الطريقة كما هو ظاهر هي عقلية نظرية جدلية، ومبنية على مقدمات منطقية أعقد وأطول من مقدمات المتكلمين في مسألة "حدوث العالم" وهي مع ذلك أشد فساداً منها وأسوأ لازماً ٦.
стр. 275
وهدفنا فيما يلي إن شاء الله الوقوف على تقرير الشيخ رشيد لأدلة المعرفة: الفطرية والنظرية، ومنهجه في تقريرها والاستدلال بها في معرفة الله ﵎.
وإذا كان المتكلمون يذهبون إلى أن معرفة الله تعالى نظرية، وينكرون المعرفة الفطرية الضرورية ١، فإن أهل السنة من السلف فمن بعدهم يذهبون إلى أن معرفة الله تعالى فطرية، وهم مع ذلك لا ينكرون النظر وأهميته في معرفة الله تعالى، ولكنهم يقولون بالنظر الشرعي الذي أمر به الله تعالى، لا النظر الجدلي الذي اخترعه المتكلمون وأطلقوا عليه هذا الاسم من باب المغالطة.
فلدينا ـ إذن ـ مذهبان في المعرفة: مذهب المعرفة الفطرية، ومذهب المعرفة النظرية.
ويعرض الشيخ رشيد هذين المنهجين ويجمع بينهما، قائلاً: "إن المسألة فطرية في الحقيقة، وإن إقامة الأنبياء والحكماء الحجج عليها هي لإصلاح فطرة من عرضت لهم الشبه فيها، كما تعرض في غيرها من الأمور الفطرية والضرورية،.. لذلك قال الله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾ ٢ فأشار أولاً إلى أن الإيمان به أمر ثابت في الفطرة لا موضع للشك فيه، ثم ذكر بعض صنعه الدال على قدرته وانفراده بالتأثير والتدبير وهو كونه فاطر السماوات والأرض، أي: شق وفصل بعضها من بعض.." ٣.
على أن النظر الذي يؤيده الشيخ رشيد رضا، مخالف لنظر المتكلمين وموافق للنظر القرآني، كما سوف يتبين إن شاء الله.
стр. 276
المطلب الأول: الفطرة عند الشيخ رشيد رضا:
الفطرة وإن كانت شيئاً ضرورياً نجده في نفوسنا، يدفعنا لا سيما وقت الشدة واليأس من الأسباب، إلى التوجه إلى القوة العليا التي وإن كنا لا نراها بأعيننا إلا أننا جازمون بوجودها وقدرتها على مساعدتنا.
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١. حتى أولئك الذين ضلوا طريق الحق وانحرف بهم السبيل، وزاغت قلوبهم وخفت عقولهم، كانت تدفعهم فطرهم إلى التوجه إلى الإله الحق عندما يمسهم الضر ويعوزهم المنقذ، وقد يئسوا من الأسباب.. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ٢، وذلك وكما يقول الشيخ رشيد: "لأن الفزع إليه سبحانه عند شدة الضيق واليأس من الأسباب مركوز في فطرة البشر" ٣.
ومع ذلك كله، فإننا بحاجة للوقوف على معناها لغة وشرعاً لنتصورها تمام التصور، فيتيسر لنا الحكم عليها.
معنى الفطرة لغة:
قال الراغب: "أصل الفَطْر الشق طولاً، يقال: فَطَرَ فلان كذا فطْراً، وأفْطَرَ هو فُطُوراً، وانفَطَرَ انفِطاراً، قال تعالى ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ ٤ أي: اختلال ووهي فيه،.. وفطَرْت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته، ومنه الفِطْرة، وفَطْر الله الخلقَ، وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال، فقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
стр. 277
عَلَيْهَا﴾ ١ إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي: أبدع وركز في الناس حق معرفته تعالى.. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢ وقال: ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ ٣ ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ٤ أي: أبدعنا وأوجدنا.. وقيل للكمأة فُطْرٌ، من حيث أنها تُفطِرُ الأرضَ فتخرج منها" ٥.
وقال الرازي ٦: "الفِطْرَة هي الخِلْقة" ٧.
وقال الجرجاني: "والفِطْرَة الجِبِلَّة المتهيئة لقبول الدين" ٨. وقال الضحاك "وكل شيء في القرآن الكريم: فاطر السماوات والأرض فهو خالق السموات والأرض" ٩.
معنى الفطرة شرعاً:
وأشار الشيخ رشيد إلى أنها وردت كذلك في السنة المطهرة "كما في حديث الصحيحين وغيرهما الناطق بأن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ١٠ وفي بعض رواياته: يولد على فطرة الإسلام ١١،وفي بعضها: على الملة ١٢، ومنها حديث عياض بن حمار
стр. 278
المجاشعي المرفوع عند محمد بن إسحاق الذي ذكر فيه آدم فقال ﷺ : "إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالاً لا حرام فيه، فجعلوا ما أعطاهم الله حراماً وحلالاً" ١ وفي معناه آثار" ٢.
فاختلف السلف ﵏ في التعبير عن معنى الفطرة في ذلك، وهذا الاختلاف في الحقيقة يرجع إلى تنوع التعبير، فهو اختلاف تنوع لا تضاد، ولا تعارض بين ما ذهب إليه كل واحد منهم.
فعن أحمد: أنه الدين أو الإسلام، وهو المعروف عند عامة السلف ٣.
وقيل: هي الخلقة على معرفة الله تعالى والإيمان به ٤.
وقيل: هي ما خلقهم عليه من السعادة والشقاء ٥.
وقيل: هي الميثاق الذي أخذ عليهم في عالم الذر ٦.
قال شيخ الإسلام، نافياً التعارض بين هذه الأقوال: "..وأما قول من يقول: ولدوا على فطرة الإسلام، أو على الإقرار بالصانع، وإن لم يكن ذلك وحده إيماناً، أو على المعرفة الأولى يوم أخذ عليهم الميثاق، فهذه الثلاثة لا منافاة بينها، بل يحصل بها المقصود.." ٧.
وعن القول الرابع، وكان يقول به أحمد ثم تركه، وهو ظاهر مذهب مالك، يقول شيخ الإسلام مفسراً له: "أئمة السنة مقصودهم من ذلك أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر ... وليس إذا
стр. 279
كان الله قد كتبه كافراً يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير" ١.
تعريف الشيخ رشيد للفطرة:
ولقد عرّف الشيخ رشيد الفطرة لغة وشرعاً، في عدة أماكن من المجلة والتفسير وغيرهما من مؤلفاته.
فمن التعريف اللغوي لها؛ قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ٢: "..المراد بخلق الله دينه لأنه دين الفطرة وهي الخلقة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ٣ ٤.
وأيضاً فسرها بالصبغة، فعند قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ٥ قال: "أي: صبغتنا بما ذكر من ملة إبراهيم، صبغة الله وفطرته فطرنا عليها، وهي ما صبغ به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة" ٦.
وعند قوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٧ قال: "إلا على الذي خلقني على الفطرة السليمة من هذه البدع الوثنية التي ابتدعها قوم نوح" ٨.
وقال: "فطر السماوات والأرض: أي ابتدأ خلقها" ٩.
стр. 280
وفسرها أيضاً بالجبلة: فقال: "وفطرة الله التي فطر الناس عليها هي الجبلة الإنسانية.." ١.
ومن ذلك يتبين لنا أن هذه الكلمات: فطرة الله وصبغة الله، وخلقة الله، والجبلة، كلها بمعنى واحد، وهي معنى الفطرة اللغوي.
وأما تعريفه الشرعي لها، فيذهب الشيخ رشيد إلى تفسير الفطرة في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ وفي الأحاديث الواردة فيها، كحديث "كل مولود يولد على الفطرة..." الحديث ٢، بأنها الفطرة على المعرفة بالله تعالى وتوحيده، فقال بعد أن ذكر الآية والحديث بألفاظ مختلفة: "..إن الله تعالى فطر آدم عل معرفته وتوحيده وشكره وعبادته.." ٣.
ويقرر في موضع آخر أن التوحيد هو "مقتضى الفطرة" ٤ " ويمكن استنباطه بالفطرة" ٥ وكما أن الله تعالى خلق آدم على هذه المعرفة، فقد خلق بنيه كذلك، فيقول الشيخ ﵀: "خَلْقُ بني آدم مستعدين لمعرفة الله تعالى وإشهاد الرب إياهم على أنفسهم أنه ربهم، وشهادتهم بذلك بمقتضى فطرتهم، وما مُنِحُوه من العقل والفكر.." ٦.
ونلاحظ من هذا النص ربط الشيخ رشيد بين الفطرة والميثاق الأول، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ مزيد بيان لهذا الربط.
ونفهم من نصوص أخرى للشيخ رشيد، أنه يفسر الفطرة بمعنى الدين والإسلام، ولكنه دين وإسلام فطري مطلق، ويفرق بينه وبين الدين التعليمي الذي مصدره الوحي.
стр. 281
أما تفسيره للفطرة بأنها الدين، وأن تغييرها هو تغيير الدين فأخذته من قوله: "وتغيير خلق الله وسوء التصرف فيه عام يشمل التغيير الحسي كالخصاء، ويشمل التغيير المعنوي، وقد روي عن ابن عباس وغيره أن المراد بخلق الله دينه، لأنه دين الفطرة، وهي الخلقة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١".
وأيضاً يفهم ذلك من قوله تعليقاً على قول شيخه "محمد عبده":"تغيير الفطرة الإنسانية بتحويل النفس عما فطرت عليهمن الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق الله ويطمسون عقول الناس"
" أقول: إن هذا القول هو بمعنى القول بأن المراد تغيير الدين لأن من قالوا: إنه تغيير الدين استدلوا بآية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ كما ذكرنا آنفاً.." ٢. فالفطرة هي الدين عند الشيخ رشيد، وتحويلها وتغييرها هو تغيير للدين.
وأما تعريف الشيخ محمد عبده للفطرة وتغييرها فسنرجع له بعد قليل.
وأما تفسير الشيخ رشيد للفطرة بأنها الإسلام فيؤخذ من قوله عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، قال: "أي بمقتضى الفطرة" ٤.
وعند قوله تعالى: " ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ ٥، فقد فسر الشيخ محمد عبده إسلام الكره بأنه إسلام الفطرة
стр. 282
فأريد هنا أن أنبه على أمرين: أحدهما: مسألة فطرية الاستدلال، فإن الشيخ محمد عبده، شارح العقائد العضدية، إن كان يريد بالاستدلال نظم الأدلة المنطقية على طريقة المتكلمين، فيقال له: إن هذا ليس فطرياً، بل لا يحسنه إلا من يحسن الجدل، وما هو إلا بالتعلم.
وإن كان يريد به:"نفس طلب العلم بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء، فهذا مركوز في فطرة جميع الناس، فإنه ما منهم أحد إلا وعنده من نوع النظر والاستدلال، بل ومن نوع الجدال، بحسب ما هداه الله إليه من ذلك" ١.
والذي يرجح عندي أنه إنما يقصد النظر والاستدلال بالمعنى الثاني، أي الفطري، قوله: "إن لم يكن ظاهر البداهة" فإن المتكلمين إنما يستدلون على ما هو ظاهر بالبداهة كحدوث الإنسان والعالم.
وأما الأمر الثاني: فهو أن الاستدلال على النحو الذي فصل قبل، هو دين الفطرة، ولا ريب، إلا أنه ليس هو الفطرة كلها، وكما نقلنا عن السلف والخلف قبل قليل، أن الفطرة التي أشارت إليها آية سورة الروم، وحديث الصحيحين وغيرهما هي الدين أو الإسلام أو المعرفة بالله تعالى والإيمان به.
وكما أن للفطرة سنناً أخرى جبل عليها الإنسان، وما إليها بفطرته وطبعه، فالإنسان " مدني بالطبع، ومتدين بالطبع، وبالفطرة كما يقول الإسلام" ٢.
تفسير آخر للفطرة عند الشيخ رشيد:
وإن كنا قد رأينا الشيخ رشيد قد وافق السلف في تفسير الفطرة الشرعي، إلا أنه كان له رأي قديم، وقد عاد إليه وذكره، وقال إنه لا يخالف ما ذهب إليه في الجديد، إلا أنني رأيت من واجبي أن أقف قليلاً
стр. 283
عند هذا الرأي لأنه يحتاج إلى تفصيل وتوضيح. قال الشيخ رشيد ﵀:
"وفسر كثير من العلماء الفطرة بالاستعداد للخير والشر والحق والباطل، ورواية مسلم هكذا: "كل مولود تلده أمه على الفطرة فأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم" وهو الذي جرينا عليه في كتابنا الحكمة الشرعية ولا تنافي.."١.
والذي أريد أن أقوله: إن ظاهر كلام الشيخ يد ل على أن الناس خلقوا مستعدين للأمرين دون ميل إلى أحدهما، فإذا كان الخير وهو معرفة الله تعالى وما يتبعها، والشر هو إنكار ذلك وما يتبعه من الكفر كان الناس مخلوقين خالين من هذين، كالصفحة البيضاء التي تقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، وحينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والتمجيس والإسلام، وهذا يقتضي أنها ـ أي الفطرة ـ لا تذم ولا تمدح، وهذا القول غير صحيح، فالآية تشعر بمدح هذه الفطرة، والأمر بلزومها، فلا بد أن يكون في هذه الفطرة الممدوحة ميل إلى الحق والمعرفة بالله ومحبته وعبادته، لولا المعارض المانع من ذلك، وإلا لما استحقت المدح والأمر بلزومها.
"وأما إذا كان المراد بهذا القول أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فهذا القول قد يقال: إنه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله، فإن صاحبه يقول: في الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والإيمان.."٢.
ويتضح من هذا النقل أن الفطرة لا بد أن تكون ميلاً إلى الحق والمعرفة حتى تكون ممدوحة، مأموراً بلزومها، وإلا لو كانت مستوية الأجزاء لامتنع مدحها لاستواء نسبتها حينئذ إلى ما استعدت إليه دون ميل منها إلى أحد أفراده. ومهما يكن من شيء فإن التعريف الصحيح هو ما
стр. 284
ذهب إليه الشيخ رشيد بوضوح، لا سيما في آخر مؤلفاته ـ الوحي المحمدي ـ بأنها الدين.
مفسدات الفطرة:
إذا كان التوحيد هو من مقتضى الفطرة، كما أن من مقتضاها الميل إلى النظر والاستدلال، وطلب الحق بالدليل، فإن الشيخ رشيد يعتبر الشرك والتقليد من أكبر المفسدات لهذه الفطرة، فيقول:
"ومن أصول الدين وأسسه الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهي إليها الأسباب وتقف دون اكننناه حقيقتها العقول، أي لمصدر هذه السلطة والتصرف في الكائنات كلها ـ وهو الله عزوجل ـ وكأن أكبر وأشد مفسدات الفطرة حصر تلك السلطة العليا في بعض المخلوقات التي يستكبرها الإنسان ويعيا في فهم حقيقتها بادئ الرأي،.. وهذا هو أصل الشرك.. ويتلو هذا الفساد والإفساد: التقليد الذي يمده ويؤيده ويحول بينه وبين العقول التي كمل الله بها فطرة البشر وبين عملها الذي خلقت لأجله وهو النظر والاستدلال لأجل التوصل إلى معرفة الحق والخير.." ١.
والحق أن المشركين الذين فسدت فطرتهم إنما استندوا إلى التقليد في قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢.
ويرى الشيخ رشيد أن هذا الفساد الذي يعرض للفطرة فيغيرها ويبدلها، من الممكن أن يعالج، وتعود الفطرة لسلامتها واستقامتها، وذلك باتباع دين الإسلام الذي هو دين الفطرة. ٣.
الفرق بين الدين الفطري والدين التشريعي:
وإذا قيل الدين الفطري، وأن الإنسان يولد على الفطرة، فليس معناه أن الإنسان يولد عالماً بالشريعة، فإن هذا مما ينافيالفهم الصحيح
стр. 285
لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ١.
فيفرق الشيخ رشيد بين الدين الفطري والدين التعليمي الذي مصدره الوحي.
"فالدين الفطري هو خلق الله وآثار قدرته، وليس هو مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل ﵈ فإن هذه الأحكام من كلام الله الذي أوحاه إليهم ليبلغوه وليبينوه للناس، لا مما خلقه في أنفس الناس وفطرهم عليه.."٢.
ويسميه أيضاً الدين المطلق ويشرحه قائلاً: "والدين المطلق الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبي فوق الكون، والسنن والأسباب التي قام بها نظام كل شيء في العالم، فربُّ هذا السلطان هو فاطر السموات والأرض وما فيهما، والمصدر الذاتي للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطري، وطلب العرفان الغيبي المودعين في الغريزة.."٣.
ونقف هنا عند قول الشيخ:"المصدر الذاتي للنفع الضر المحركين لشعور التعبد الفطري" ففيه إشارة هامة إلى أن اعتقاد النفع والضر هو المحرك للعبادة، ويجب أن نكون على ذكر منه لأننا سنرجع إليه عند الكلام عل الشرك في العبادة لا سيما الدعاء، وسنرجع أيضاً بعد قليل إلى التعبد الفطري والعبادة الفطرية، ونرى شرح الشيخ رشيد لها، وقبل ذلك نقف على العلاقة بين الدين الفطري والدين التعليمي. (أو الشرعي)
العلاقة بين الدين الفطري والدين الشرعي:
ويقابل هذا الدين الفطري الدين التعليمي أو التشريعي، ويعرفه الشيخ رشيد بأنه "وضع إلهي يوحيه الله إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم في العمل بمقتضى غريزة الدين.."٤.