المطلب الثالث: مصادر معرفة أسماء الله تعالى:
مذهب أهل السنة أن أسماء الله تعالى توقيفية، وكذا صفاته ﵎، وإن كان يجوز من باب الإخبار عنه تعالى أن يقال قديم وشيء وموجود ونحوه، إذ أن باب الإخبار عنه ليس توقيفياً ٤ قال الإمام
стр. 352
الخطابي ١ ﵀: "ومن علم هذا الباب أعني الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف ولا يستعمل فيها القياس.." ٢.
وقد خالف في هذا المعتزلة البصريون فقالوا بإثبات الأسماء بالقياس وما دل عليه العقل ولو لم يرد به النص وخالفهم البغداديون ٣.
أما الشيخ رشيد فيرى رأي أهل السنة من أن أسماء الله تعالى توقيفية. فيقول: "وقد اتفق أهل الحق على أن أسماءه وصفاته توقيفية، ونصوا على إثبات كل ما ورد في الكتاب والأحاديث الصحيحة.. وعلى منع كل ما دل على منعه ... وجوز المعتزلة ما صح معناه ودل الدليل على اتصافه به.."٤.
وأما الأسماء التي يطلقها المتكلمون على الله تعالى مثل: واجب الوجود، أو الواجب والصانع والقديم ٥ فيرى الشيخ رشيد أنها لا تثبت أسماءً لله تعالى، وإنما هي من اصطلاح المتكلمين، فيقول:" ويقتصر فيها كلها على التوقيف وليس منه الواجب والصانع والموجود، ولكن يجوز الإخبار بهذه الصفات عنه تعالى فيقال: إن الله موجود، وواجب وهو صانع كل شيء، والمتقن لكل ما خلقه، ولا يقال في الدعاء والنداء يا واجب أو يا صانع اغفر لي، مثلاً. وبهذا القدر يصحح كلام المتكلمين.." ٦.
وكما أطلق المتكلمون أسماء لم ترد في الكتاب والسنة، وإن صحح ذلك من جهة الأخبار، فلقد أطلق الصوفية على الله تعالى أسماء لا تصح بوجه من الوجوه.
стр. 353
فادعى بعضهم أن الضمير "هو" من أسمائه تعالى، فيدعونه ويذكرونه به، وادعى بعضهم كذلك: أن "آه" من أسمائه تعالى، بل ذهب بعضهم إلى أن "هو" هو الاسم الأعظم ١.
ويرد الشيخ رشيد على هؤلاء أيضاً فيقول:"والضمير "هو" ليس من أسماء الله تعالى ولا يدل بنفسه على ذات الله تعالى ولا على صفة من صفاته، وإنما يدل على ذلك كما يدل على غيره إذا وقع في الكلام ضميراً راجعاً إليه.."٢.
وأما " أه" التي يرددونها على أنها ذكر لله تعالى، فإنها وكما ينقل الشيخ رشيد:"بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقاً، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على معنى التوجع، وليس من أسماء الذوات فضلاً عن أن يكون من أسماء الله الحسنى.."٣.
وأما الدعاء بالأسماء المقيسة والمخترعة على غير قياس، مثل: يا سخي، قياساً على يا جواد، فلا يجوز ٤. قال الشيخ رشيد:"ومثله يا هو فإنه لم يقله أحد من السلف الصالح ولا جائز في لغة الدين، وأولى منه بالإنكار"أه" فإنه ليس من هذه اللغة ... "٥. ويجوز الإخبار عنه تعالى ببعض الأسماء المقيسة كما سبق لأن باب الإخبار عنه تعالى أوسع من باب الصفات وباب الصفات أوسع من باب الأسماء ٦. أي أننا نخبر عنه تعالى
стр. 354
بأخبار ولكن لا نشتق له منها صفات: كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا ١.
وأيضاً فباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فليس كل ما صح صفة صح اسماً: كالمتكلم والمريد والمستوي والنازل والضاحك مع أنها صفات وُصِف بها الرب تعالى ٢.
وهذا ما يقرره الشيخ رشيد إذ يقول: "ولا يجوز أن يشتق له تعالى أسماء من كل ما أخبر به عن نفسه ولو بصيغة اسم الفاعل، فلم يقل أحد بإطلاق اسم الزارع عليه تعالى من قوله ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ٣، ولا الماكر من قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٤، ولا المخادع أو الخادع من قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٥.." ٦.
ومن هذا يتبين لنا أن الشيخ رشيد يقول بالتوقيف كأهل السنة وهو الصحيح.
стр. 355
المطلب الرابع: عدد أسماء الله تعالى:
فإذا كان توقيف الشرع هو مصدر العلم بأسماء الله تعالى، وكان العلم بها أصل للعلم بكل معلوم ٧، فما هو الوارد منها في الكتاب والسنة من حيث العدد ومن حيث تعيينها، وما ثواب وفائدة حفظها وإحصائها؟
стр. 356
فقد جاء في الصحيح ١ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "لله تسعة وتسعون اسماً ـ مائة إلا واحد ـ لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر".
وفي رواية في غير الصحيح ٢ ورد ذكر هذه الأسماء التسعة والتسعين، على خلاف شديد في سردها مع الزيادة والنقص ٣.
ففي هذا الحديث مسائل: الأولى: عدد أسماء الله تعالى، فقد انقسم الناس فيها إلى فريقين، الأول: ومعه الحق، على أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في عدد معين. وهو قول جمهور العلماء ٤. وحكى النووي الاتفاق عليه ٥،
وذهب الفريق الثاني: إلى أن أسماء الله تعالى معروفة العدد، ولكنهم اختلفوا في هذا العدد.
فيذهب ابن حزم إلى أنه تسعة وتسعون، تمسكاً بظاهر الحديث السابق، وقد أجيب بأن الحصر المذكور باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، ولا يلزم من ذلك ألا يكون هناك اسم زائد ٦. وحديث "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" ٧ يشهد للفريق الأول.
стр. 357
والذي ذهب إليه الشيخ رشيد في هاتين المسألتين، عدد أسماء الله وتعيينها، هو الراجح وهو قول الجمهور كما سبق ذكره.
стр. 358
المطلب الخامس: معنى إحصاء أسماء الله تعالى:
المسألة الثالثة في هذا الحديث هي معنى إحصاء أسماء الله تعالى الموعود عليها بالجنة. وقد اختلفت آراء وأقوال العلماء في معنى هذا الإحصاء. ذكر الخطابي منها أربعة أقوال:
أحدها: حفظها، ويدل له رواية: "لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة" ١، ورواية: "من حفظها دخل الجنة" ٢.
الثاني: الطاقة: ومعنى أن يطيقها أن يقوم بحقها ويعمل بمقتضاها فيعتبر بمعانيها ويلزم نفسه بها كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٣.
الثالث: أنه فهم معانيها ومعرفتها.
الرابع: أن يقرأ القرآن فيستوفي هذه الأسماء في أضعاف التلاوة، والمراد حفظ القرآن فمن حفظه دخل الجنة ٤.
والذي يترجح أن الإحصاء يشمل أموراً ثلاثة:
أحدها: إحصاء ألفاظها وعددها.
الثاني: فهم معانيها ومدلولها.
الثالث: دعاء الله تعالى بها ٥.
стр. 359
وينقل الشيخ رشيد هذه الآراء في معنى الإحصاء فيقول: "أي من أحصاها حفظاً لمعانيها وعلماً بها وإيماناً، أو من استخرجها من كتاب الله تعالى وكلام رسوله ﷺ لأجل أن يزداد بها إيماناً ومعرفة بربه عزوجل، ويدعوه بها، أو من أطاق العمل بما تهدي إليه من الكمال والبر، أو من أخطرها بباله وتفكر في معانيها عند ذكرها بتلاوة القرآن والأذكار المأثورة خاشعاً معتبراً متدبراً راغباً راهباً ... ولك أن تقول به كله ... " ١.
ويخص الشيخ رشيد مسألة دعاء الله بها بمزيد من العناية، ويميل إلى القول بها مستدلاً بالكتاب والسنة، فيورد أدلة الكتاب والسنة التي تشير إلى هذا المعنى. فيقول: "وقد ورد في بعض روايات الحديث الضعيفة "وما من عبد يدعو بها إلا وجبت له الجنة" رواه الديلمي ٢ من حديث عليّ كرم الله وجهه. وفي أخرى "من دعا بها استجاب الله له" رواه ابن ماجه عن أبي هريرة ٣، وليس فيها ذكر الإحصاء وعندنا فوق ذلك كله قول الله عزوجل في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ... فهو تعالى يهدينا إلى أن ندعوه ونتضرع إليه بهذه الأسماء الحسنى لاشتمالها على أحسن المعاني الدالة على منتهى الكمال والفضل ... " ٤.
ويقول: "ولم يقل أحد ممن يعتد بعلمه وفهمه أن المراد عدها بالأرقام أو إحصاؤها على السبح" ٥.
стр. 360
فيميل الشيخ رشيد إلى معنى الدعاء بها ويرد القول بعدها عداً مجرداً عن الفهم والتدبر.
стр. 361
المطلب السادس: اسم الله الأعظم:
أسماء الله تعالى كلها عظيمة، لكن منها واحد هو أعظمها، من دعا به استجيب له. كما قال ﷺ : "..لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعي به أجاب" ١.
ورغم ذلك فقد أنكر بعضهم أن يكون في أسماء الله تعالى اسم أعظم من اسم، واختلفت مآخذهم في ذلك، فالأشعرية يرجعون مذهبهم هذا إلى أصلهم في كلام الله تعالى وأنه معنى واحد في النفس لا يتبعض ولا يتفاضل. والحق أن كلام الله يتفاضل، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٢.
وذهب جمهور أهل السنة إلى إثبات الاسم الأعظم تمسكاً بالحديث المشار إليه، وإلى أن كلام الله تعالى يتفاضل من جهة موضوعه وإن تشابه من جهة مصدره ٣.
والذين أثبتوه اختلفوا في تعيينه اختلافاً كثيراً وتعددت أقوالهم وأوصلها بعضهم إلى أربعة عشر قولاً ٤، وبعضهم إلى عشرين قولاً ٥، وبعضهم إلى أربعين قولاً ٦.
стр. 362
وأقوى هذه الأقوال قولان:
الأول: أنه الحي القيوم ١.
الثاني: أنه الله ٢.
وأما الشيخ رشيد فله رأي يجمع بين هذين الرأيين فإنه يرى أن اسم الله الأعظم هو "الله الحي القيوم" يقول الشيخ رشيد: "وبجمع هذين الاسمين ٣ الكريمين هذه المعاني وغيرها من معاني الكمال الأعلى كان القول بأنهما مع اسم الجلالة ما يعبر عنه بالاسم الأعظم هو القول الراجح المختار عندنا" ٤.
ويقول: "وهذا الذي قلناه في بيان معنى الحي القيوم يجلي لمن وعاه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم"٥.
ويستدل الشيخ رشيد على ذلك من السنة فيقول: "وقد أخرج أحمد ٦ وأبو داود ٧ والترمذي ٨ وابن ماجه ٩ عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ أنه قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ
стр. 363
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١ وفاتحة آل عمران ﴿ألم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٢ ... " ٣.
ويعلل الشيخ رشيد اختياره هذا ـ بعد استدلاله بالسنة ـ إلى ما فيهما من المعاني العالية، فيقول عن لفظ الجلالة: "إن اسم الجلالة "الله" هو اسم الذات الجامع لمعاني الصفات العليا" ٤.
وقد أطال في شرح الاسمين "الحي القيوم" وما فيهما من المعاني وبيّن إنه يرجع إليهما ـ مع الرب الرحمن الرحيم ـ جميع معاني الأسماء والصفات ولو بطريق اللزوم. ثم قال: "ولجمع هذين الاسمين الكريمين هذه المعاني وغيرها كان القول بأنهما مع اسم الجلالة ـ ما يعبر عن بالاسم الأعظم ـ ... " ٥.
стр. 364
المطلب السابع: الإلحاد في أسماء الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦، ومعنى فادعوه بها: أي سموه بها وأجروها عليه واستعملوها فيه دعاء ونداءً ٧.
والإلحاد في أسمائه تعالى هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق
стр. 365
الثابت لها ١. وأصل الإلحاد: الميل والعدول عن الشيء ٢، واللحد حفرة مائلة عن الوسط ٣، وألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل ٤.
وعرّف رشيد رضا الإلحاد لغة بمثل ذلك فقال: "وأما الإلحاد فمعناه العام: الميل والازورار ٥ عن الوسط حساً أو معنى ... ومنه: لحد القبر للميت: وهو ما يحفر في جانب القبر من جهة القبلة مائلاً عن وسطه ويسوى ببناءٍ ونحوه ويوضع فيه الميت.. ومن كلامهم: ألحد السهم الهدف أي مال في أحد جانبيه ولم يصب وسطه" ٦.
ويعرّف الشيخ رشيد رضا الإلحاد في أسماء الله تعالى تعريفاً شرعياً فيقول: "الإلحاد في أسمائه تعالى التكذيب بها، وإنكار معانيها وتحريفها بالتأويل ونحوه، وتسميته تعالى بما لم يسمِ به نفسه وبما لا يليق بكماله وجلاله، وإشراك غيره به فيها ـ وهذان قسمان: إشراك في التسمية: وهو يقصر على الأسماء الدالة على معاني الألوهية والربوبية وخصائصها. وإشراك في المعاني وهي قسمان: معانٍ خاصة بالإلهية والربوبية، ومعانٍ غير خاصة في نفسها وإنما الخاص به تعالى كمالها.." ٧.
ويفصل الشيخ رشيد هذا المعنى مع التمثيل ليزداد وضوحاً، فقد بيّن سبعة أنواع من الإلحاد في أسمائه تعالى هي كما يلي ٨:
الأول: التغيير فيها لوضعها لغيره تعالى مما عبد من دون الله كما قالوا
стр. 366
في "اللات" فإنهم أنثوا به اسم الجلالة "الله" و"العزى" أنثوا به "العزيز" و "مناة" أنثوه من اسمه "المنان".
الثاني: تسميته بما لم يسمِ به نفسه في كتابه أو ما صح من حديث رسول الله ﷺ أو ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا بد من مستند منهما ١.
الثالث: ترك تسميته بما سمى به نفسه أو وصفه بما وصفها به، أو ترك إسناد ما أسنده لنفسه من الأفعال ـ بناءً على أن ذلك لا يليق به تعالى ـ كأن هؤلاء الملحدين أعلم منه تعالى ومن رسوله كامتناع بعض المبتدعة من ذكر بعض الآيات والأحاديث في صفات الله تعالى التي زعموا وجوب عدم ذكرها في عقائدهم إلا مقرونة بالتأويل.
الرابع: تحريف أسمائه وصفاته تعالى عما وضعت له بضروب من التأويل تقتضي التشبيه أو التعطيل.
الخامس: إشراك غيره بما هو خاص به من أسمائه باللفظ كاسم الجلالة "الله" و "الرحمن" و"رب العالمين"، وما في معناه من الإضافات كرب السموات والأرض ورب الكعبة. وهذا النوع إشراك في اللفظ ويستلزم الإشراك في المعنى.
السادس: إشراك غيره تعالى في معاني أسمائه دون ألفاظها، وذلك بأن يكون لهذا المعنى الخاص بالله تعالى لفظ يدل عليه، فيحيدون ويلحدون عن هذا اللفظ إلى آخر مع إثبات معناه لغيره تعالى، ومثّل له رشيد رضا بلفظ "الوسيلة" فهو يطلق على بعض الصالحين الذين يقصدون لقضاء الحاجات من دون الله تعالى أو معه سبحانه، فالوسيلة هنا بمعنى الإله، إذ معناه المعبود، والدعاء مخ العبادة، أو بمعنى الرب المدبر للأمر، فهذا "الوسيلة" يدعى من دون الله فيأخذ معنى اسم من أسمائه تعالى، ويطلق عليه اسم آخر زيادة في الإلحاد والتمويه. وقد أشار الشيخ محمد بن
стр. 367
عبد الوهاب إلى هذا المعنى في بعض رسائله، ولكنه مثل بكلمة "السيد" ١. فهذا إلحاد في معاني الأسماء دون ألفاظها.
السابع: إشراك غيره في كمال أسمائه أو تفضيله على اسمه تعالى، كمن يزعم أن لغيره تعالى رحمة كرحمته أو أشد، أو سمعاً كسمعه، وإجابة كإجابته للداعين أو أشد، كالذين يدعون غير الله تعالى من الموتى، ويعتقدون أنهم اقرب وأسرع في إجابتهم من الله تعالى، فيجمعون بين شركين: شرك دعاء غير الله تعالى، والكفر به بتفضيل غيره عليه سبحانه في سرعة الإجابة ٢.
هذه هي الأوجه التي بينها رشيد رضا في أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى وهو في ذلك متأثر بابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب ٣، كما أن في تفصيله ذلك تحقيقات لم يسبق إليها على هذا النحو من البيان رحمه الله تعالى.
стр. 368
المبحث الثاني: قواعد الصفات
المطلب الأول: منهج السلف في الصفات وتقرير الشيخ رشيد له جملة
...
المطلب الأول: منهج السلف في الصفات وتقرير الشيخ رشيد له جملة:
إن الأخبار في الصفات جاءت متواترة عن النبي ﷺ موافقة لكتاب الله عزوجل، نقلها الخلف عن السلف على سبيل المعرفة والإيمان والإثبات والتسليم مع اجتناب التأويل ١ والجحود ٢ ٣.
والذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة، هو: الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها والتصديق بذلك وترك تحديد الكيفية في شيء منه ٤.
стр. 369
يقول ابن خزيمة ١ [ت:٣١١] : "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا وتصدق ذلك قلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين.."٢.
ويقول الآجري ٣: ﵀ [ت: ٣٦٠] :"اعلموا ـ وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل ـ أن أهل الحق يصفون الله عزوجل بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ وبما وصفه به الصحابة ﵃ وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به ... " ٤. ومن هذه النقول يتبين لنا أن مذهب السلف يقوم على ثلاثة أسس:
الأول: الإيمان بالصفات الواردة؛ وأعني به؛ إثباتها على حقيقتها لا على المجاز ٥.
يقول الإمام الأوزاعي ﵀[ت: ١٥٦] : "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات" ٦.
ففي هذا تصريح من هذا الإمام يدل على إجماع التابعين على الإيمان بالصفات.
стр. 370
وقد سئل الإمام مالك ﵀[ت: ١٧٩] عن الاستواء، فقال: "الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ... " ١. فهذا تصريح أيضاً بوجوب الإيمان بالصفات، فما يقال في الاستواء يقال في غيره من الصفات.
الثاني: التنزيه: وأعني به تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه في أسمائه وصفاته.
فقد قرأ رجل عند أحمد قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢، ثم أومأ بيده، فقال له أحمد: قطعها الله قطعها الله ثم حرد ٣وقام ٤.
وروي نحو ذلك عن مالك ﵀ ٥.
قال نعيم بن حماد ٦ [ت: ٢٢٨] : من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه ٧.
الأساس الثالث: التفويض: وأعني به تفويض الكيفية لا تفويض المعنى.
قال سفيان: "كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا
كيف ولا مثل" ٨.
стр. 371
وقال الأوزاعي: "كان الزهري ومكحول ١ يقولان: أمرّوا الأحاديث كما جاءت" ٢ يعني أحاديث الصفات. وروي نحوه: عن وكيع ٣ ومالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم ٤.
ولا ريب أن السلف يريدون بذلك تفويض الكيفية، إذ أن المعنى في هذا لا يفوض لأنه مفهوم بالضرورة من لغة العرب ٥. فكانوا يفهمون معنى استوى على العرش، واستوى إلى السماء وغيره ويفرقون بين هذه المعاني ٦. وأيضاً لو كان مذهب السلف نفي معنى الصفة لما قالوا: بلا كيف، فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضاً قولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معاني ٧.
ومن قواعد السلف في الإيمان والتنزيه وتفويض الكيفية، قاعدتان كبيرتان:
أولاهما: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات وإنما أثبتناها لأن التوقيف ورد بها ٨.
стр. 372
الثانية: قولهم: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، ويلزم بها من أثبت شيئاً من الصفات ونفى شيئاً آخر أو من أثبت الأسماء ونفى الصفات ١.
ويتضح لنا من هذا أن مذهب أهل السنة مذهب وسط بين النفاة المعطلة وبين المشبهة الممثلة ٢. وقد سلك هذا السبيل المستقيم جمع كبير من العلماء الراسخين ٣.
وممن سلك هذا المسلك الشيخ محمد رشيد ﵀:
وأرى أنه من المناسب أن أذكِّر ـ وباختصار ـ بالحقيقة التي بسطتها
стр. 373
في المقدمة ١، وهي أن الشيخ محمد رشيد نشأ ـ حين نشأ ـ على ما ينشأ عليه لداته من طلبة العلم، على كتب الأشعرية وشروحها ٢، وكان يظن ـ كغيره ـ أن هذه الكتب "هي وحدها منبع الدين وطريق اليقين" ٣ و "أن مذهب السلف ضعيف"٤ وأنه "أسلم ومذهب الخلف أعلم" ٥ ثم بعد اطلاعه على الكتب التي تبين مذهب السلف حق البيان " لاسيما كتب ابن تيمية علم عِلْم اليقين أن مذهب السلف هو الحق الذي ليس وراءه غاية ولا مطلب وأن كل ما خالفه فهو ظنون وأوهام لا تغني من الحق شيئاً ٦. وإذا بهذه الكتب "هي الكتب التي تجلي للمسلمين طريقة السلف المثلى وتورد الناس موردهم الأصلي، وإذا بقارئها يشعر ببشاشة الإيمان، ويحس بسريان برد الإيقان، وإذا الفرق بينها وبين كتب الأشاعرة كالفرق بين من يمشي على الصراط السوي وبين من يسبح في بحر لجي، تتدافعه أمواج الشكوك الفلسفية وتتجاذبه تيارات المباحث النظرية" ٧.
وتبين للشيخ رشيد أن "مذهب السلف الصالح أسلم وأعلم وأحكم" ٨ على خلاف ما يقوله متكلمو الأشعرية من أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم ٩.
ونبدأ بكلام الشيخ رشيد الذي يبين به أهمية العلم بصفات الله تعالى وفائدته فيقول: "أما العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله فهو معراج الكمال الإنساني ... " ١٠. ويقول عن فائدة العلم بهذه الصفات: "حسبكم من
стр. 374
فائدتها أن تفيض على الأرواح من خشية الله وقوة الإيمان بعظمته وسلطانه ما يطهرها من الرجس ويجذبها إلى عالم القدس، ويبغض إليها الرذائل ويحبب إليها الفضائل تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لما عنده" ١.
وبعد بيانه لأهمية العلم بالله تعالى وصفاته وفائدة ذلك يعرّف الشيخ رشيد ما هو مذهب السلف بشكل عام، وما يستحق أن يطلق عليه هذا الاسم، فليس كل رأي ينقل عن واحد من أهل العلم يكون مذهباً لأهل السنة، فيقول رشيد رضا في هذا: "وإنما مذهب أهل السنة والجماعة ما كان عليه السواد الأعظم من الصحابة وعلماء التابعين وأئمة الحديث والفقه ممن تبعهم في الاعتصام بنصوص الكتاب والسنة من غير تحريف ٢ ولا تكلف بإرجاع ظواهرها إلى ما ابتدع من البدع والآراء التي أحدثها أهل الأهواء" ٣. ويمثل رشيد رضا للسلف بفقهاء الأمصار كالشافعي ومالك وأحمد وسفيان والأوزاعي وداود بن علي ٤.
ثم يذكر الشيخ رشيد مذهب السلف وقاعدتهم العامة في الإيمان بصفات الله تعالى ـ والتي ذكرت ونقلت عنهم آنفاً ـ أنها تقوم على الإثبات والتنزيه، وتفويض الكيفية، فيقول: "فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات الخلق، الثابت عقلاً ونقلاً بقوله عزوجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥، فنقول: إن لله علماً حقيقياً هو وصفٌ له، ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعاً حقيقياً هو وصف له لا يشبه
стр. 375
سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي صفة له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فنجمع بذلك بين العقل والنقل.." ١.
ويكرر الشيخ رشيد هذا المعنى مؤكداً عليه وعلى أن طريقة السلف في الإيمان بالصفات مع التنزيه هي التي تجمع بين العقل والنقل فيقول: "وإنما الطريقة المثلى في الجمع بين العقل والنقل في الصفات أن يقال: إنه قد ثبت بهما أن الله تعالى ليس كمثله شيء وثبت عقلاً أن خالق العالم لا بد أن يكون متصفاً بصفات الكمال، وثبت نقلاً عن الوحي الذي جاء به الرسل وصفه تعالى بالعلم والقدرة والرحمة والمحبة، والعلو فوق الخلق والاستواء على العرش وتدبير أمر العالم كله، فنحن نتخذ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢ قاعدة ومرآة لفهم جميع ما وصف الله به تعالى نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ ، وهو أنه ليس كمثله شيء وأنه سميع بسمع ليس كمثل أسماع المخلوقين، ويبصر ببصر ليس كبصرهم، وعليم بعلم ليس كعلمهم، ورحيم برحمة ليست كرحمتهم، ويحب بمحبة ليست كمحبتهم، ومستوٍ على عرشه استواء ليس كاستواء ملوكهم على عروشهم، وتدبير أمورهم تدبيراً ليس كتدبير ملوكهم ورؤسائهم لما يدبرونه إلخ ... " ٣.
ومن ذلك يتبين لنا أن الشيخ رشيد يرى أن مذهب السلف ـ الذي يجمع بين الإثبات والتنزيه ـ قد دل عليه النقل والعقل كما أثبته ابن تيمية في درء التعارض وغيره. ولقد اتّهِم ابن تيمية ومدرسته بابتداع هذا المذهب ـ أعني مذهب إثبات الصفات ـ وأنهم لم يسبقوا إليه، وقد رد رشيد رضا على أحد الرافضة الذين رددوا هذه الدعوى بقوله: "وهذا كذب وافتراء وتضليل لعوام أهل السنة، وتمهيد إلى جذبهم إلى الرفض الذي من أصوله
стр. 376
تعطيل صفات الله تعالى بالتأويل وجعله عزوجل كالعدم ـ تعالى الله عما يقول المبتدعون علواً كبيراً. فما من صفة من تلك الصفات إلا وهي منصوصة في القرآن أو في الأحاديث النبوية الصحيحة، ولعل كل قارئ للقرآن أو سامع له من المسلمين قد قرأ أو سمع وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢..وسمع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ وما في معناها، وقوله تعالى في الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٥ وقوله عزوجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٦ إلخ، وليعلم القارئ أن ما عزاه هذا الرافضي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه الأعلام ثم إلى الوهابية مما ليس في القرآن فهو في الأحاديث الصحيحة ... " ٧.
فهذا التدليل من الشيخ رشيد على صفات الله تعالى يبين أن هذه الصفات ثابتة إما في الكتاب والسنة أو في أحدهما.
ويقرر الشيخ رشيد أن السلف يجمعون بين الإثبات والتنزيه ـ الثابت شرعاً وعقلاً ـ فيقول: "والقاعدة في ذلك أن تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه قد ثبت بدليل العقل والنصوص القطعية من النقل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأن السلف يجمعون بين الأمرين: تنزيه الرب ووصفه بما وصف به نفسه من الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغير ذلك، وعدم التحكم في التفرقة بين هذه الصفات وصفات العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ... " ٨.
стр. 377
ونستطيع ومن خلال هذا النص أن نتتبع تقرير رشيد رضا للقاعدة الثانية التي اعتمد عليها أهل السنة في إثبات الصفات، وهي أن "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر" ١.
ولقد صرح رشيد رضا بنقل هذه القاعدة عن السفاريني في لوائح الأنوار، وسيأتي. كما أنه نقل القاعدة الأخرى، صنو هذه، وهي أن القول في الصفات كالقول في الذات، من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "شرح حديث النزول" ٢. وهاتان القاعدتان هامتان في تقرير مذهب السلف في الصفات.
ولا يقتضي إثبات الصفات لله تعالى تشبيهاً له بالمخلوق، إذ أن الاشتراك في الأسماء لا يقتضي الاشتراك في الحقائق، وهذا ما يقرره الشيخ رشيد إذ يقول: " ... وأن هذا وغيره مما وصف به نفسه في كتابه لا ينافي كمال تنزيهه تعالى عما لا يليق به من نقائص عباده، ولا تقتضي مماثلته لهم فيما وهبهم من كمال، فإن الاشتراك في الأسماء لا يقتضي الاشتراك في المسميات، وأسماء الأجناس المقولة بالتشكيك في الممكنات تختلف من وجوه كثيرة، منها النقص والكمال، فكيف بها إذا كانت مشتركة بين الخالق والمخلوقات، فذاته تعالى أكمل من ذواتهم، ووجوده تعالى أعلى من وجودهم، وصفاته تعالى أسمى من صفاتهم، وهو ورسوله أعلم منهم بصفاته وأفعاله ... " ٣.
ويقودنا هذا إلى البحث عن شبهة المعطلة التي عطلوا صفات الله تعالى بسببها، والحق أن هذه الشبهة عامة في كل أهل البدع، وهي واحدة، عند الذين أنكروا الأسماء والصفات جميعاً، وعند من أثبت الأسماء دون الصفات، وعند من أثبت بعض الصفات دون بعض، ألا وهي: نفي
стр. 378
التشبيه ١. يقول الشيخ رشيد ﵀: "وأما شبهة المبتدعة المتأولين فهي تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه التي يعبرون عنها في تأويل بعض الصفات بالتجسيم والتحيز وغيرها من لوازم الأجسام، فبهذه الشبهة عطلوا أكثر صفات الله تعالى حتى صارت عندهم في حكم العدم. والسلف الصالح أعلم منهم بمعاني النصوص وبما يجب الإيمان به وأشد منهم تنزيهاً للرب ﵎ ... " ٢.
وبناءً على هذه الشبهة أنكر المتكلمون حقيقة الصفات الإلهية فصرفوها إلى معان مجازية، أو أولوها فأرجعوها إلى القدرة أو الإرادة فيقولون: الرحمة هي الإحسان بالفعل، أو إرادة الإحسان. كما يحكي عنهم رشيد رضا ٣.
والحق أنهم ـ لجهلهم بطريقة القرآن ـ قد وقعوا فيما أرادوا أن يفروا منه فإنه يلزمهم فيما تأولوه مثل ما يلزمهم فيما أخرجوه عن ظاهره.
يقول الشيخ رشيد مبيناً ذلك: "ذلك أن المبتدعة يقيسون الخالق على المخلوق، فيزعمون أن المعاني الحقيقية لتلك الصفات الإلهية تستلزم التشبيه الممنوع عقلاً ونقلاً، فوجب إخراج الألفاظ الدالة عليها عن مدلولها وحملها على معاني مجازية ليتفق العقل مع النقل، وفاتهم أن تلك المعاني المجازية هي مستعملة في المخلوقات كالمعاني الحقيقية، فالذين أولوا رحمة الله تعالى بإحسانه إلى خلقه فاتهم أن الإحسان المستعمل في اللغة تعبيراً عن صفات المخلوقين وأعمالهم محال على الله تعالى أيضاً ... كما يلزم ذلك متكلمي الأشعرية الذين وافقوا المعتزلة والجهمية والرافضة في تأويل ما عدا الصفات الثمانية التي يسمونها صفات المعاني ... " ٤.
стр. 379
ويرى الشيخ رشيد أن الذي يهدم هذه الشبهة المبتدعة هو القول بمذهب السلف الجامع بين الإثبات والتنزيه، ويسلم من التعطيل والتشبيه ويبرأ من تكذيب الكتاب العزيز والسنة الصحيحة. فيقول: "ومذهب سلف الأمة يهدم هذه البدعة وشبهتها من أساسها ... وخلاصته: أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من صفاته وأفعاله بمعانيها الصحيحة المتبادرة من اللغة مع القول بالتنزيه ككون محبة الله لأنبيائه وأوليائه ورحمته لعباده ليستا كمحبة المخلوقين ورحمتهم فيما بينهم، كما أن علمه تعالى ليس كعلمهم ... " ١.
وبهذا الحل الصحيح والسلفي، يزول الإشكال الذي وقع فيه المتكلمون وجعلهم يفرقون بين المتماثلات، فيؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض مع أنها جميعاً من باب واحد وطريق ثبوتها واحد. يقول الشيخ رشيد: "ومن عجيب صنع بعضهم أنهم ذكروا السمع والبصر والكلام وعدوها من الصفات التي عليها مدار الإيمان بالألوهية على أنهم سموها صفات سمعية، ولم يذكروا الحكمة والرحمة والمحبة مع أن السمع ورد بها والدلائل العقلية عليها أظهر ... وإنني أنقل في هذا المقام جملة من كلام أهل الأثر وتابعي السلف في معنى ما تقدم من عدم التفرقة بين صفات الله تعالى ... " ثم نقل الشيخ رشيد ـ عن التدمرية ـ قاعدة السلف الهامة والتي يرتكز عليها إثبات السلف للصفات وهي أن "القول في بعض الصفات كالقول في البعض" ٢.
وبهذه القاعدة يجاب عدة من الطوائف المنحرفة من الذين يفرقون بين المتماثلات ويجمعون بين المتناقضات كالجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية ٣.
وبعد ذلك العرض لشبهة المتكلمين ونقدها ودحضها، حتى لم يبق لهم
стр. 380
حجة في نفي الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، يلخص الشيخ رشيد هذه المسألة بقوله: "وحاصل ما تقدم أن جميع ما أطلق عل الله تعالى من الأسماء والصفات هو مما أطلق قبل ذلك على الخلق إذ لو وضع لصفات الله تعالى ألفاظ خاصة وخوطب بها الناس لما فهموا منها شيئاً، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١، وقد جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام بما دل عليه العقل من تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وكونه لا يماثل شيئاً ولا يماثله شيء، فعلم أن جميع ما أطلقوه عليه من الألفاظ الدالة على الصفات كالقدرة والرحمة على الأفعال والحركات كالخلق والرزق والاستواء على العرش وعلى الإضافة ككونه فوق عباده لا ينافي أصل التنزيه، بل يجب الإيمان بها وبما تدل عليه مع التنزيه ... " ٢.
وأما الأساس الثالث من أسس المنهج السلفي الذي بني عليه مذهبهم في الصفات، وهو تفويض الكيفية فيقول عنه الشيخ رشيد ـ في سياق بيان الواجب على المسلم في باب الصفات ـ: "فعليك أن تؤمن بما صحّ عنهما أي عن الله ورسوله من إثبات ونفي، من غير زيادة ولا نقص، بلا تعطيل ولا تمثيل، ولا تأويل وليس عليك ولا لك أن تحكم رأيك وعقلك في كنه ذاته ولا صفاته، ولا في كيفية مناجاته وتكليمه لرسله، ولا في كنه ما هو قائم به وما يصدر عنه. على هذا كان أصحاب الرسول وعلماء التابعين وأئمة الحديث والفقه قبل ظهور بدعة المتكلمين" ٣.
وعند كلامه على صفة الاستواء يقول: "ومن جملة الصفات التي أمرها
стр. 381
السلف على ظاهرها وأجروها على ما جاء به القرآن والسنة من دون تكلف ولا تأويل: صفة الاستواء.." ١.
ويقول أيضاً:" ... على هيئة لا يعلمها إلا هو، وفي كيفية لا يدري بها سواه" ٢. ثم يعلق على هذا في الحاشية قائلاً: "إنما يذكر لفظ الهيئة والكيفية في هذا المقام كما يذكر لفظ الصفة بناء على أن ما يستعمل في الكلام عن الباري تعالى من الألفاظ إنما يشار به إلى المعنى الشريف الذي يعرفه الخلق أنفسهم مع نفي التشبيه والتمثيل من كل وجه بناء على ما ثبت من التنزيه عقلاً ونقلاً، ومن العلماء من يعبر عن مذهب السلف بنفي الكيفية لا بإثباته مع نفي العلم به، وهو ما عبروا عنه بالبلكفة، المنحوتة من قولهم بلا كيف"٣.
ويصرح أيضاً بلفظ التفويض فيقول:"استواء يليق بالرب ويفوض إليه علم كنهه.."٤. أي تفويض الكنه والكيفية.
ويقول: "فالسلف يتبعون في آيات الصفات التفويض"٥. ولا ريب أنه يريد تفويض الكيفية، كما هو مذهب السلف، فالشيخ رشيد ﵀ قد نهج في هذا الباب نهج السلف، وأقام مذهبه على نفس الأسس التي أقاموا عليها مذهبهم في الصفات من الإيمان بها وإثبات معانيها، مع تنزيه الخالق تعالى عن مشابهة المخلوقين، وتفويض كيفية صفاته إليه تعالى.
موقف رشيد رضا من طائفتي المعطلة المشبهة ورده عليهم وبيانه وسطية أهل السنة:
اختلف الناس في باب الصفات فكانوا ثلاث طوائف:
الأولى: أهل التعطيل: وهم الذين نفوا أسماء الله وصفاته، وبعضهم
стр. 382
أثبت الأسماء دون الصفات، وبعضهم أثبت الأسماء وبعض الصفات.
الثانية: أهل التمثيل: ومالوا إلى ضروب من التشبيه والتمثيل فشبهوا الخالق بالمخلوق.
ثالثاً: أهل سواء السبيل: وهم أهل السنة والجماعة ١، وقد وقفت على مذهبهم قريباً، وعرفت تقرير الشيخ رشيد لهذا المذهب.
ومن المناسب الآن أن نعرف موقف الشيخ رشيد من هذه الفرق المخالفة لهذا المنهج.
يبين الشيخ رشيد أن المشبهة والمعطلة الجهمية قد ألحدت في أسماء الله تعالى بضروب من التأويل تقتضي التشبيه أو التعطيل ٢، فيقول: " ... فالمشبهة ذهبت إلى جعل الرب القدوس الذي ليس كمثله شيء كرجل من خلقه زاعمة أنه وصف نفسه بصفات يدل مجموعها على ذلك كالسمع والبصر والكلام والوجه واليد والرجل والضحك والرضا والغضب.
والجهمية ذهبت إلى تأويل جميع صفات الله حتى جعلته كالعدم ... " ٣. ويقول عن الأشعرية: "وقد غلا بعض الأشعرية في القرون الوسطى في التأويل غلو الجهمية والمعتزلة أو أشد.." ٤. ويذكر بعض مظاهر هذا الغلو فيقول: "كامتناع بعض المبتدعة من ذكر بعض الآيات والأحاديث في صفات الله تعالى التي زعموا وجوب تأويلها في عقائدهم ودروسهم وعدم ذكرها في مجالسهم إلا مقرونة بالتأويل، وادعاء أن معناها غير مراد ... وإن ادعاء أن بعض كلام الله وحديث رسوله مما يجب كتمانه واستبدال نظريات بعض المتأخرين أمثالهم به لمطعن كبير في الدين وفي سلف الأمة الصالحين ... " ٥. ويرد رشيد رضا على أحد مظاهر هذا الغلو في التأويل الذي بلغ مبلغه حتى ادعي أن الإيمان بظاهر القرآن ككونه تعالى في السماء
стр. 383
كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١:كفر، فيقول: "الإيمان بظاهر القرآن واجب بالإجماع فإن أوهم تشبيهاً جزمنا بأن التشبيه غير مراد بدليل العقل والنقل وفوضنا الأمر في كيفية ذلك وتأويله: أي ما يؤول إليه إلى الله عزوجل ... وهو ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث والفقه المجتهدين ... فعلم منه أن ما كفَّرهم به هو صحيح الإيمان، وأن ما يدعو الناس إليه هو عين الكفر والابتداع ... "٢.
وأود أن أشير إلى قوله: " ... وتأويله أي ما يؤول إليه فإنه يبين معنى صحيحاً من معاني التأويل ٣ وهو خلاف تأويل المتكلمين الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى آخر مرجوح أو غير مراد ٤، وإذا ضممنا لهذا اعتبار الشيخ أن التأويل هو نوع من الإلحاد في أسماء الله وصفاته وقعت فيه بسبب التأويل الجهمية والمشبهة والأشعرية نستطيع أن نتبين بوضوح الموقف النهائي للشيخ رشيد من التأويل المذموم.
стр. 384
المطلب الثاني: موقف الشيخ رشيد من قواعد المتكلمين:
إن للمتكلمين ـ كما لأهل السنة ـ قواعد وأصول بنوا عليها مذهبهم في الصفات. ومن المناسب بعد أن تعرفنا موقف الشيخ من قواعد السنة، أن نعرف موقفه من قواعد المتكلمين. ونأخذ من هذه القواعد مسألتين:
الأولى: قانون التأويل، والثانية: المحكم والمتشابه.
أولاً: قانون التأويل:
نستطيع أن نقول: إن تأويل النصوص الدينية، لتتفق وبعض الأفكار
стр. 385
الفلسفية، ظاهرة تاريخية في التفكير الديني ١. إلا أن المتكلمين المسلمين لم يقنعوا بتأويلاتهم الباطلة فأرادوا أن ينسجوا من خيوطها البالية ثوباً منطقياً، موشى بزخرف القول، يواروا به سوءتهم العقلية، ومن أحجارها المتنافرة بيتاً "مجازياً" يستظلون به من شمس الحقيقة المشرقة، ولكن الخيوط البالية صنعت لهم ثوب سوء لا يستر شيئاً، وإذا البيت الذي أرادوه كبيت العنكبوت، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت. وضع المتكلمون قانوناً ٢ للتأويل: وهو: قاعدة عامة يؤولون على أساسها نصوص الكتاب والسنة التي لا تقبلها عقولهم ٣. وبُني هذا القانون على فرض محال هو: تعارض العلوم الضرورية، ثم وجوب تقديم العقلي منها على السمعي ونص هذا القانون: "إن الظواهر النقلية إذا عارضت الدلائل العقلية لم يمكن تصديقهما ولا تكذيبهما، لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، ولا تصديق النقل وتكذيب العقل لأن العقل أصل النقل، فتكذيبه ـ أي العقل ـ لتصديقه ـ أي النقل ـ يوجب تكذيبهما، فتعين تصديق العقل وتفويض علم النقل إلى الله أو الاشتغال بتأويل الظواهر"٤.
وهذا القانون قد جعله المتكلمون قانوناً كلياً فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه ﵈ وما لا يستدل به، وردوا به نصوص الصفات التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ٥. وأصبح العقل هو الأصل فيما يثبت من صفات الله تعالى وما لا يثبت.
وقد بني هذا القانون ـ كما يظهر من نصه السابق ـ على افتراضات ومقدمات جدلية: ثلاثة: وهي:
стр. 386
ثبوت التعارض بين العقل والنقل.
وانحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه.
وبطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ثبوت الرابع: وهو تقديم العقل ١.
وقد قام علماء السنة بدحض هذه المقدمات وكشف زيغها فتهدم البيت من قواعده على رؤوس المتكلمين، وأكتفي هنا بذكر أمرين أساسيين في الرد على هذا القانون من مئات الأوجه التي ذكرها أهل السنة: وهما:
أولاً: منع الأساس لهذا القانون، وهو تعارض العقل والنقل: فإن العلوم الضرورية لا تتعارض، فلا يمكن إثبات أن نقلاً صحيحاً عارض عقلاً سليماً ٢.
ثانياً: أن القسمة لا تنحصر فيما ذكروه ـ على تقدير المحال ـ فيقال: يمكن تقديم الدليل العقلي تارة والسمعي أخرى فأيهما كان قطعياً كان مقدماً.
ثم إنه يجب تقديم الشرع، لأن العقل شهد له وصدقه، فلو قدم حكم العقل لكان ذلك قدحاً في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قوله، ففي تقديمه طعن فيه وفي الشرع ٣.
وكان الشيخ رشيد ﵀ على منهج السلف في موقفه من قانون التأويل، وكان بوجه خاص متأثراً بشيخ الإسلام في هذا الموقف من هذا القانون الباطل، فيقول عن شيخ الإسلام بمناسبة الكلام عن نصره لمذهب السلف ومخالفته لجمهور المتكلمين.
"فالرجل ليس صاحب مذهب مخترع تعارضت أدلته مع أدلة هذه الفرق واشتبه عليه الأمر حتى نرجح قوله على كل منها أو نرجح غيره عليه،
стр. 387
بل هو ناصر مذهب جمهور السلف الصالح بالأدلة العقلية التي انخدع بنظرياتها كل من خدعته قليلاً أو كثيراً ... ونحمد الله أن سخر لها من هدم كل ما خالف السلف من تلك النظريات بأدلة من جنسها هي أقوى منها، وأثبت بالبرهان أن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول.." ١.
ويقول عنه أيضاً: "وقد استوفى الرد على أولئك المخالفين للسلف من المنتسبين إلى مذاهب السنة والمبتدعة من الفلاسفة في كتابه "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" وإنني أنقل عنه هنا ما ختم به الوجه السابع من الوجوه التي تكلم فيها على تقديمهم العقل على النقل عند التعارض وهو: تفنيد ابن تيمية لقول المتكلمين بتقديم النظريات العقلية على النصوص السمعية" ٢. ثم نقل نقلاً طويلاً عن شيخ الإسلام في رد هذا التقديم ٣ ثم يعلق قائلاً: "كل مؤمن سليم الفطرة صحيح العقل إذا قرأ هذا جزم بأنه الحق وأنه يجب على المسلمين ألا يغتروا بشهرة أحد من المتكلمين ولا الصوفية ولا الفقهاء الذين خالفوا السلف ... " ٤.
ويبين الشيخ رشيد وجهاً من أوجه الرد على أصحاب هذا القانون الفاسد وهو أن إحالتهم الناس على العقل دون الشرع إحالة على شيء لا ينضبط، وكان ينبغي أن يحالوا على الشرع لأنه معلوم ومقطوع بصدقه، وهو أمر منضبط.
يقول الشيخ رشيد: "ثم إن عقول الناس تختلف اختلافاً كثيراً فيما يوافق أصحابها وما لا يوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكل فرد ممن يحكمون عقولهم في الدين دين خاص به، وللمجموع أديان كثيرة بقدر عددهم ـ إن صح أن يسمي اتباعهم لها ديناً وهو لا يصح ـ فتحكيم العقل
стр. 388
في كل مسألة من مسائل الدين مخالف لحكم العقل الصحيح، وإنما المعقول أن يطلب العاقل الدليل على أصل الدين فمتى ثبت عنده وجب عليه أن يتبع كل ما علم أنه منه ... " ١.
ويبين الشيخ رشيد خطراً من مخاطر التأويل، وهو تعلق أصحاب كل مذهب مبتدع به ليستدل على بدعته بتأويله النصوص وما جاز التأويل لقوم إلا وقد جاز للجميع، فليس تأويل فريق منهم بأولى من تأويل الآخر، يقول الشيخ: "وليعلموا أنه لا يوجد كلام قط لا يمكن حمله على غير المراد منه حملاً يقبله الكثير من الناس المشتغلين بالعلم، وليطالعوا كتاب "حجج القرآن" ٢ ويتأملوا كيف استدل جميع أصحاب المذاهب المبتدعة في الإسلام بآياته التي هي في منتهى البلاغة في البيان على تلك المذاهب المتناقضة ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ ٣ ... "٤
وموقف أهل السنة من قانون التأويل الذي يجعل العقل هو الأصل، ليس عداءً للعقل، بل هو الموقف الذي يقره العقل ويقضي به.
فأهل السنة لا ينكرون النظر العقلي، فإن القرآن قد هدى الناس إلى الدلائل العقلية واستدل بالمعقول. وكما يقول الشيخ رشيد، مبيناً موقف أهل السنة من العقل: " وإنما أنكر بعض العقلاء وأهل البصيرة على أمثاله ٥ من المتكلمين جعل العقائد الدينية، والصفات الإلهية، وأخبار عالم الغيب محلاً لنظريات فلسفية، وموقوفاً إثباتها على اصطلاحات جدلية ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستفد أصحابها منها غير تفريق الدين، واختلاف المسلمين، والبعد عن حق اليقين، ويرى هؤلاء أن كون القرآن من عند الله قد ثبت
стр. 389
ثبوتاً عقلياً من وجوه كثيرة فوجب اتباعه حتى يتلقى العقائد والأحكام منه مع اجتناب التأويل للصفات الإلهية والأمور الغيبية بالنظريات الكلامية كما كان عليه السلف الصالح.." ١.
وقانون التأويل، بعد أن يفترض افتراضاً مستحيلاً هو تعارض العلوم الضرورية، أعني العقل والنقل، فيقدم العقل، ملقياً النص الشرعي وراءه ظهرياً، ثم يعبث به، إما بالتأويل أو بالتفويض وهم ـ أي المتكلمين ـ لا يعرفون معنى التأويل ولا التفويض.
وفي هذا يقول الشيخ رشيد: "وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف ومعاني التفويض والتأويل ... كما أخطأ من قالوا إن الدليل العقلي هو الأصل فيرد إليه الدليل السمعي ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقاً، والحق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن كلاً من الدليلين إما قطعي وإما غير قطعي، فالقطعيان لا يمكن أن يتعارضا حتى نرجح أحدهما علىالآخر، وإذا تعارض ظني من كل منهما مع قطعي وجب ترجيح القطعي مطلقاً، وإذا تعارض ظني مع ظني من كل منهما رجحنا المنقول على المعقول لأن ما ندركه بغلبة الظن من كلام الله ورسوله أولى بالاتباع مما ندركه بغلبة الظن من نظرياتنا العقلية التي يكثر فيها الخطأ جداً ... " ٢.
وقد بين الشيخ رشيد ﵀ هذا الغلط في معنى التأويل الذي اعتبره المتكلمون فقال: " إنما غلط المفسرون في تفسير التأويل في الآية لأنهم جعلوه بالمعنى الاصطلاحي، وإن تفسير كلمات القرآن بالمواضعات الاصطلاحية قد كان منشأ غلط يصعب حصره. ذكر التأويل في سبع سور من القرآن ... "٣. ثم أورد الشيخ المواضع التي ذكر فيها التأويل وفسرها جميعاً ثم خلص إلى أن معنى التأويل في دلالة القرآن مخالف لما حمله
стр. 390
عليه المتكلمون، فقال: "فتبين من هذه الآيات أن لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلا بمعنى الأمر العملي الذي يقع في المآل تصديقاً لخبر أو رؤيا أو لعمل غامض يقصد به شيء في المستقبل فيجب أن تفسر آية آل عمران ١ بذلك، ولا يجوز أن يحمل التأويل فيها على المعنى الذي اصطلح عليه قدماء المفسرين، وهو جعله بمعنى التفسير كما يقول ابن جرير: القول في تأويل هذه الآية كذا، ولا على ما اصطلح متأخروهم من جعل التأويل عبارة عن نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، ومثله قول أهل الأصول: التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل ... " ٢.
والمعنى الذي ذهب إليه المتكلمون وغيرهم وحملوا عليه لفظ التأويل ليس فقط مخالفاً لدلالة اللفظ في القرآن، بل مخالف لدلالته اللغوية مطلقاً، وهي قريبة جداً من دلالة اللفظ في القرآن.
فالتأويل في اللغة تفسير ما يؤول إليه الشيء ٣، وهو من الأوْل: أي الرجوع إلى الأصل، ومنه: الموئل للموضع الذي يرجع إليه ٤.
قال الأعشى:
على أنها تأوّلُ حب