ثبوت التعارض بين العقل والنقل.
وانحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه.
وبطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ثبوت الرابع: وهو تقديم العقل ١.
وقد قام علماء السنة بدحض هذه المقدمات وكشف زيغها فتهدم البيت من قواعده على رؤوس المتكلمين، وأكتفي هنا بذكر أمرين أساسيين في الرد على هذا القانون من مئات الأوجه التي ذكرها أهل السنة: وهما:
أولاً: منع الأساس لهذا القانون، وهو تعارض العقل والنقل: فإن العلوم الضرورية لا تتعارض، فلا يمكن إثبات أن نقلاً صحيحاً عارض عقلاً سليماً ٢.
ثانياً: أن القسمة لا تنحصر فيما ذكروه ـ على تقدير المحال ـ فيقال: يمكن تقديم الدليل العقلي تارة والسمعي أخرى فأيهما كان قطعياً كان مقدماً.
ثم إنه يجب تقديم الشرع، لأن العقل شهد له وصدقه، فلو قدم حكم العقل لكان ذلك قدحاً في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قوله، ففي تقديمه طعن فيه وفي الشرع ٣.
وكان الشيخ رشيد ﵀ على منهج السلف في موقفه من قانون التأويل، وكان بوجه خاص متأثراً بشيخ الإسلام في هذا الموقف من هذا القانون الباطل، فيقول عن شيخ الإسلام بمناسبة الكلام عن نصره لمذهب السلف ومخالفته لجمهور المتكلمين.
"فالرجل ليس صاحب مذهب مخترع تعارضت أدلته مع أدلة هذه الفرق واشتبه عليه الأمر حتى نرجح قوله على كل منها أو نرجح غيره عليه،
стр. 387
بل هو ناصر مذهب جمهور السلف الصالح بالأدلة العقلية التي انخدع بنظرياتها كل من خدعته قليلاً أو كثيراً ... ونحمد الله أن سخر لها من هدم كل ما خالف السلف من تلك النظريات بأدلة من جنسها هي أقوى منها، وأثبت بالبرهان أن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول.." ١.
ويقول عنه أيضاً: "وقد استوفى الرد على أولئك المخالفين للسلف من المنتسبين إلى مذاهب السنة والمبتدعة من الفلاسفة في كتابه "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" وإنني أنقل عنه هنا ما ختم به الوجه السابع من الوجوه التي تكلم فيها على تقديمهم العقل على النقل عند التعارض وهو: تفنيد ابن تيمية لقول المتكلمين بتقديم النظريات العقلية على النصوص السمعية" ٢. ثم نقل نقلاً طويلاً عن شيخ الإسلام في رد هذا التقديم ٣ ثم يعلق قائلاً: "كل مؤمن سليم الفطرة صحيح العقل إذا قرأ هذا جزم بأنه الحق وأنه يجب على المسلمين ألا يغتروا بشهرة أحد من المتكلمين ولا الصوفية ولا الفقهاء الذين خالفوا السلف ... " ٤.
ويبين الشيخ رشيد وجهاً من أوجه الرد على أصحاب هذا القانون الفاسد وهو أن إحالتهم الناس على العقل دون الشرع إحالة على شيء لا ينضبط، وكان ينبغي أن يحالوا على الشرع لأنه معلوم ومقطوع بصدقه، وهو أمر منضبط.
يقول الشيخ رشيد: "ثم إن عقول الناس تختلف اختلافاً كثيراً فيما يوافق أصحابها وما لا يوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكل فرد ممن يحكمون عقولهم في الدين دين خاص به، وللمجموع أديان كثيرة بقدر عددهم ـ إن صح أن يسمي اتباعهم لها ديناً وهو لا يصح ـ فتحكيم العقل
стр. 388
في كل مسألة من مسائل الدين مخالف لحكم العقل الصحيح، وإنما المعقول أن يطلب العاقل الدليل على أصل الدين فمتى ثبت عنده وجب عليه أن يتبع كل ما علم أنه منه ... " ١.
ويبين الشيخ رشيد خطراً من مخاطر التأويل، وهو تعلق أصحاب كل مذهب مبتدع به ليستدل على بدعته بتأويله النصوص وما جاز التأويل لقوم إلا وقد جاز للجميع، فليس تأويل فريق منهم بأولى من تأويل الآخر، يقول الشيخ: "وليعلموا أنه لا يوجد كلام قط لا يمكن حمله على غير المراد منه حملاً يقبله الكثير من الناس المشتغلين بالعلم، وليطالعوا كتاب "حجج القرآن" ٢ ويتأملوا كيف استدل جميع أصحاب المذاهب المبتدعة في الإسلام بآياته التي هي في منتهى البلاغة في البيان على تلك المذاهب المتناقضة ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ ٣ ... "٤
وموقف أهل السنة من قانون التأويل الذي يجعل العقل هو الأصل، ليس عداءً للعقل، بل هو الموقف الذي يقره العقل ويقضي به.
فأهل السنة لا ينكرون النظر العقلي، فإن القرآن قد هدى الناس إلى الدلائل العقلية واستدل بالمعقول. وكما يقول الشيخ رشيد، مبيناً موقف أهل السنة من العقل: " وإنما أنكر بعض العقلاء وأهل البصيرة على أمثاله ٥ من المتكلمين جعل العقائد الدينية، والصفات الإلهية، وأخبار عالم الغيب محلاً لنظريات فلسفية، وموقوفاً إثباتها على اصطلاحات جدلية ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستفد أصحابها منها غير تفريق الدين، واختلاف المسلمين، والبعد عن حق اليقين، ويرى هؤلاء أن كون القرآن من عند الله قد ثبت
стр. 389
ثبوتاً عقلياً من وجوه كثيرة فوجب اتباعه حتى يتلقى العقائد والأحكام منه مع اجتناب التأويل للصفات الإلهية والأمور الغيبية بالنظريات الكلامية كما كان عليه السلف الصالح.." ١.
وقانون التأويل، بعد أن يفترض افتراضاً مستحيلاً هو تعارض العلوم الضرورية، أعني العقل والنقل، فيقدم العقل، ملقياً النص الشرعي وراءه ظهرياً، ثم يعبث به، إما بالتأويل أو بالتفويض وهم ـ أي المتكلمين ـ لا يعرفون معنى التأويل ولا التفويض.
وفي هذا يقول الشيخ رشيد: "وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف ومعاني التفويض والتأويل ... كما أخطأ من قالوا إن الدليل العقلي هو الأصل فيرد إليه الدليل السمعي ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقاً، والحق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن كلاً من الدليلين إما قطعي وإما غير قطعي، فالقطعيان لا يمكن أن يتعارضا حتى نرجح أحدهما علىالآخر، وإذا تعارض ظني من كل منهما مع قطعي وجب ترجيح القطعي مطلقاً، وإذا تعارض ظني مع ظني من كل منهما رجحنا المنقول على المعقول لأن ما ندركه بغلبة الظن من كلام الله ورسوله أولى بالاتباع مما ندركه بغلبة الظن من نظرياتنا العقلية التي يكثر فيها الخطأ جداً ... " ٢.
وقد بين الشيخ رشيد ﵀ هذا الغلط في معنى التأويل الذي اعتبره المتكلمون فقال: " إنما غلط المفسرون في تفسير التأويل في الآية لأنهم جعلوه بالمعنى الاصطلاحي، وإن تفسير كلمات القرآن بالمواضعات الاصطلاحية قد كان منشأ غلط يصعب حصره. ذكر التأويل في سبع سور من القرآن ... "٣. ثم أورد الشيخ المواضع التي ذكر فيها التأويل وفسرها جميعاً ثم خلص إلى أن معنى التأويل في دلالة القرآن مخالف لما حمله
стр. 390
عليه المتكلمون، فقال: "فتبين من هذه الآيات أن لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلا بمعنى الأمر العملي الذي يقع في المآل تصديقاً لخبر أو رؤيا أو لعمل غامض يقصد به شيء في المستقبل فيجب أن تفسر آية آل عمران ١ بذلك، ولا يجوز أن يحمل التأويل فيها على المعنى الذي اصطلح عليه قدماء المفسرين، وهو جعله بمعنى التفسير كما يقول ابن جرير: القول في تأويل هذه الآية كذا، ولا على ما اصطلح متأخروهم من جعل التأويل عبارة عن نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، ومثله قول أهل الأصول: التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل ... " ٢.
والمعنى الذي ذهب إليه المتكلمون وغيرهم وحملوا عليه لفظ التأويل ليس فقط مخالفاً لدلالة اللفظ في القرآن، بل مخالف لدلالته اللغوية مطلقاً، وهي قريبة جداً من دلالة اللفظ في القرآن.
فالتأويل في اللغة تفسير ما يؤول إليه الشيء ٣، وهو من الأوْل: أي الرجوع إلى الأصل، ومنه: الموئل للموضع الذي يرجع إليه ٤.
قال الأعشى:
على أنها تأوّلُ حب
стр. 391
وبعد؛ فهذا الموقف من الشيخ رشيد تجاه التأويل عموماً، وقانونه الذي وضعه المتكلمون خصوصاً، هو الحق الموافق لمنهج أهل السنة والجماعة، ويكون إذاً ما ذهب إليه صاحب "أصول المبتدعة" ١، من حشر اسم الشيخ رشيد ضمن أسماء أنصار هذا القانون بعد اسم شيخه، هو بسبب الاستقراء الناقص، فإن هذا الذي ذكرته عن الشيخ هو الموقف الذي استقر عليه، وقد كان أول أمره يردد العبارات المشتهرة على الألسنة آنذاك، ومنها عبارات هذا القانون الفاسد ٢. ولكن ها أنت ترى هذا الموقف المؤيد لمذهب السلف، والذي ينقل فيه الشيخ عن شيخ الإسلام نقولاً طويلة تصل إلى عشرات الصفحات لتقريره، وهو الموقف الأخير والصحيح أيضاً.
انتقاد على الشيخ رشيد:
فإن قيل: إنه قد وجد في كلام الشيخ بعض تأويل ٣، فكيف يتفق هذا مع ما ذكرته عنه من موقفه العام من رفض للتأويل؟
قلت: الجواب ما يقوله الشيخ رشيد نفسه.
يقول الشيخ: "إن ما أدين الله تعالى به في صفات الله تعالى وأخبار عالم الغيب وغيرهما من كل ما كان عليه السلف من أمر الدين هو اتباع جمهورهم في إثبات ما أثبته الله تعالى ورسوله، ونفي ما نفياه من غير تعطيل ولا تأويل، وإنني إن ذكرت لبعض الآيات في ذلك تأويلاً فإنما أذكره لما أعلم بالاختبار من أن من الناس من لا يقتنع بحقية النص بدونه،
стр. 392
مع العلم بأن علماء السنة قد صرحوا في القديم والحديث بأن من خالف ظواهر النصوص متأولاً لا يكفر، وإنقاذ كثير من الناس من الكفر بضرب من التأويل الذي ينافيه أمر عظيم ... " ١.
ويقول أيضاً: ".. ولأن يكون أحدهم متديناً مؤولاً خير من أن يكون زنديقاً معطلاً" ٢.
ويقول في موضع آخر: " ... وإن ما نذكره أو ننشره لنا أو لغيرنا من تفسير أو تأويل مخالف لمذهب السلف فغرضنا منه إما دفع شبهة عن الدين، وإما تقريب مسألة من مسائله لعقول بعض المرتابين ... " ٣.
وأيضاً يقول ناصحاً لقرائه: " وينبغي أن تعلم أيها القارئ المؤمن أن من الخير لك أن تطمئن قلباً بمذهب السلف ولا تحفل بغيره، فإن لم يطمئن قلبك إلا بتأويل يرضاه أسلوب اللغة العربية فلا حرج عليك، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وأئمة السلف قد تأولوا بعض الظواهر كما فعل الإمام أحمد وغيره في آيات المعية وآخرون في غيرها" ٤.
ففي هذه النقول ما يدل على عذره للمتأولين وتجويزه للأسباب التي ذكرها، وربما دفعه إلى هذا الحالة التي كان يمر بها عصره، كما بينته في التمهيد من ظهور أفكار إلحادية بسبب التقدم العلمي.
غير أن الشيخ في ذلك يفرق بين التأويل الذي تسيغه اللغة وبين تأويل الباطنية الجهمية الأول، فيقول: "تأويل غلاة المبتدعة؛ كالباطنية وقدماء الجهمية المعطلين المخرج للكلام عن مدلولات اللغة ... وهذا لا يجوز بحال من الأحوال ولا هو بالذي يعد عذراً للمتأول ... " ٥.
стр. 393
فليس كل تأويل يعذر صاحبه، وأما ما ذكره الشيخ عن أحمد وغيره في كلامهم عن المعية فسيأتي في موضعه.
ومهما يكن من شيء فإن التأويل لا يجوز بحال، وأعني به التأويل المذموم الذي لا يدل عليه النص الشرعي، ولو كان بحجة إنقاذ شخص من عثرة قد تؤدي به إلى الكفر، فإنني لا أرى التأويل بعيداً عن الكفر ١.
ثانياً: المحكم والمتشابه:
ومن الأصول التي بنى عليها المتكلمون مذهبهم في الصفات ـ وهو مما له ارتباط وثيق بمسألة التأويل ـ إدخالهم أسماء الله وصفاته أو بعضها في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى تمسكاً بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
فجعل المتكلمون أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، فكأن الله تعالى أنزل كلاماً لا يفهم أحد معناه ٣.
وإنما أنزل تعالى القرآن، ليفهم ويتدبر، بلسان عربي مبين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
стр. 394
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١ فأخبر تعالى أنه أنزله ليعقلوه ٢.
وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن ـ الصفات وغيرها ـ وفسروها بما يوافق دلالتها ٣.
فليس في القرآن شيء لا يعلم معناه. ولما سئل مالك ﵀ عن الاستواء، لم يقل: الاستواء متشابه أو مجهول، بل قال: الاستواء منه غير مجهول. يعني أنه معلوم المعنى، وقال: الكيف غير معقول. يعني الكيفية ٤.
والذي استأثر الله بعلمه في الآية ليس علم المعنى ولكن علم التأويل وفرق بين المعنى والتأويل.
وقد فرق الله في القرآن بين هذين المعنيين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ ٥، فقد أخبر الله في هذه الآية أنه فصّل الكتاب، أي بينه وميزه بحيث لا يشتبه. ثم قال: هل ينتظرون إلا تأويله: وإنما ذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها فمع علم معناه وتفصيله لم يعلم تأويله، فعلم أن فرقاً بين علم المعنى وعلم التأويل ٦.
ومثل هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ٧ ففرق بين الإحاطة بعلمه وبين إتيان تأويله، ومفهومه أنه يمكن أن
стр. 395
يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه ولما يأتهم تأويله، فإن الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام، وإتيان تأويله نفس وقوع المخبر به، فالخبر له صورة علمية في الذهن، وله حقيقة ثابتة في الخارج، فمعرفة معناه هو معرفة الصورة العلمية في الذهن، وتأويله هو الحقيقة الخارجية ١، فإن كان أمراً فتأويله هو نفس الفعل المأمور به، وإن كان خبراً فتأويله عين الأمر المخبر به إذا وقع ٢.
وأما الشيخ رشيد رضا فإنه قد عرّف المحكم والمتشابه فقال: "المحكمات من أحكم الشيء بمعنى وثقه وأتقنه، والمعنى العام لهذه المادة: المنع، فإن كل محكم يمنع بإحكامه تطرق الخلل إلى نفسه أو غيره ... والمتشابه: يطلق في اللغة على ما له أفراد أو أجزاء يشبه بعضها بعضاً، وعلى ما يشتبه من الأمر أي: يلتبس ... وقد وصف القرآن بالإحكام على الإطلاق في أول سورة هود بقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ٣، وهو من إحكام النظم وإتقانه أو من الحكمة التي اشتملت آياته عليها. ووصف كله بالمتشابه في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ ٤ أي: يشبه بعضه بعضاً في هدايته وبلاغته وسلامته من التناقض والتفاوت والاختلاف ... " ٥.
ثم ذكر أقوال المفسرين في المحكم والمتشابه، ثم أقوال شيخه، ولم يقنع بشيء إلا بما كتبه شيخ الإسلام في تفسيره لسورة الإخلاص، فقال عنه: " ... فإذا هو منتهى التحقيق والعرفان، والبيان الذي ليس وراءه بيان ... " ٦.ثم لخصه فقال: "أثبت فيه أن ليس في القرآن كلام لا يفهم
стр. 396
معناه، وأن المتشابه إضافي إذا اشتبه فيه الضعيف لا يشتبه فيه الراسخ، وأن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى هو ما تؤول إليه تلك الآيات في الواقع، ككيفية صفات الله تعالى وكيفية عالم الغيب من الجنة والنار وما فيهما، فلا يعلم أحد غيره تعالى كيفية قدرته وتعلقها بالإيجاد والإعدام وكيفية استوائه على العرش مع أن العرش مخلوق له وقائم بقدرته، ولا كيفية عذاب أهل النار، ولا نعيم أهل الجنة ... وإننا نبين ذلك بالإطناب مستمدين من كلام هذا الحبر العظيم، ناقلين بعض ما كتبه فنقول: إنما غلط المفسرون في تفسير التأويل في الآية لأنهم جعلوه بالمعنى الاصطلاحي ... " ١.
ثم ذكر معاني التأويل كما نقلت عنه قبل قليل، وخلص إلى أن "لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلا بمعنى الأمر العملي ... " إلى آخره ٢، ثم قال بناءً على ذلك أنه "يجب أن تفسر آية آل عمران بذلك ولا يجوز أن يحمل التأويل فيها على المعنى الذي اصطلح عليه ... " ٣.
لقد اعتمد رشيد رضا على شيخ الإسلام تماماً في تحقيقه هذه المسألة وقد نقل عنه نقلاً طويلاً فيها هو كما قال: "هو منتهى التحقيق والعرفان والبيان الذي ليس وراءه بيان" ولكن لم يكن هذا موقف رشيد رضا من المتشابه قبل اطلاعه على كتب ابن تيمية، بل كان له موقف قديم رجع عنه بعد ذلك ٤.
стр. 397
المبحث الثالث: الصفات التي تكلم عليها رشيد رضا
تمهيد
...
تمهيد:
نستطيع أن نقسم الناس ـ حيال نصوص الصفات ـ إلى خمسة أقسام:
الأول: أهل التمثيل الذين يفهمون من الصفات ما تدل عليه اللغة، ويجرونها على ظاهرها، ويجعلون هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين.
الثاني: أهل النفي والتعطيل والتحريف: وهم من يحملها على المجاز ويتأولونها، ويعينون المراد منها، ممن ينفون نصوص الصفات عن ظاهرها نفياً كلياً أو جزئياً.
الثالث: أهل الوقف ويرون السكوت عن الصفات مطلقاً ويتوقفون فيها.
الرابع: أهل التفويض الذين يسكتون عنها بعد نفي إرادة الظاهر.
الخامس: أهل الإثبات والتنزيه، وهم يثبتون الصفات بلا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل ١.
стр. 398
وإذا أردنا أن نحدد المواقف بصورة أدق فإننا نستطيع النظر من جهة أخرى، إلى مواقف الناس من الصفات، من حيث رأي الفرق المشهورة، وهم: الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية ومن وافقهم.
أولاً: مذهب الفلاسفة:
يرى الفلاسفة أن الله تعالى واجب الوجود بذاته ـ كما رأينا في الفصل الثاني ـ بناءً على طريقتهم في التقسيم إلى ممكن وواجب ـ ويرون أنه واحد من كل وجه. قال ابن سينا:
"إن واجب الوجود واحد بحسب تَعيُّن ذاته، وإن واجب الوجود لا يقال على كثرة أصلاً" ١. وقال: "واجب الوجود لا يشارك شيئاً من الأشياء في ماهية ذلك الشيء، ... وأما الوجود فليس بماهية لشيء" ٢. وقوله: "وأما الوجود فاحتراز لئلا يقال هو مشارك للإنسان في صفة الوجود. وبناءً على ذلك قال ابن سينا: "الأول لا ند له ولا ضد ولا جنس له ولا فصل له ولا إشارة إليه إلا بصريح العرفان العقلي" ٣. وأيضاً: "الأول معقول الذات قائمها، فهو قيوم بريء من العلائق والعُهَد والمواد، وغيرها مما يجعل الذات بحال زائدة. وقد علم أن ما هذا حكمه فهو عاقل لذاته، معقول لذاته ... " ٤ ولأنه"لا واجب وجود غيره" ٥ نفوا عنه الصفات وقالوا إنه عالم بذاته، ليس زائداً على ذاته ٦. وله إرادة لا تزيد على ذاته ٧. وحتى نستطيع أن نفهم ذلك جاءت الآيات على وجه التمثيل
стр. 399
والتخييل وتشبيه الغائب بالشاهد، ليفهم الجمهور ذلك ١. وصفات الله عندهم سلبية محضة أو إضافية محضة أو مؤلفة منهما، لأن السلوب والإضافات لا توجب كثرة في الذات ٢.
ثانياً المعتزلة:
ورغم أن واصل بن عطاء ٣ قد جرى في نفيه للصفات على أمر بسيط هو استحالة وجود إلهين قديمين أزليين ٤، إلا أن من جاء بعده قد تأثروا بالفلاسفة وركبوا هذه الفكرة واعتمدوا على نفس شبهة الفلاسفة ووصلوا إلى نفس النتيجة، فقالوا: إن الله عالم بذاته قادر بذاته لا بعلم ولا قدرة هي صفات قديمة ومعانٍ قائمة به ٥. فالمعتزلة ينكرون كالفلاسفة صفات أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى، وإن كانوا يثبتون أحكام هذه الصفات لذاته تعالى ٦، قال عبد الجبار وهو يحكي ما أجمع عليه أصحابه: "أجمعوا على أن الله تعالى واحد ... فمرادهم أنه واحد في صفاته التي يبين بها عن سائر الموجودات ... وقالوا: قادر بذاته ... وقالوا: عليم بذاته.. ليبين من القادر بقدرة" ٧. والفرق بين صفة القدرة والعلم لله تعالى وللمخلوق أن الله تعالى "قادر بذاته عالم بذاته ... بخلاف الإنسان فإنه عالم بعلم وقادر
стр. 400
بقدرة" ١. قال عبد الجبار: "والأصل في ذلك أنه تعالى لو كان يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، وقد ثبت أن القديم إنما يخالف مخالفه لكونه قديماً، ثبت أن الصفة التي تقع بها المخالفة عند الافتراق تقع بها المماثلة عند الاتفاق، وذلك يوجب أن تكون هذه المعاني مثلاً لله تعالى، حتى إذا كان القديم تعالى عالماً لذاته وقادراً لذاته وجب في هذا المعاني مثله، ولوَجب أن يكون الله تعالى مثلاً لهذه المعاني ... لأن الاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات ... " ٢. وهذه الحجة داحضة، فالعلم صفة قديمة بقدم موصوفها، فهناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة بقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلهاً وصفة الإنسان إنساناً وهو ظاهر البطلان ٣. وأما الصفات الخبرية فإن المعتزلة تنفيها وتتأولها لأنها تقتضي التجسيم بزعمهم ٤.
ثالثاً: الأشعرية:
كان الأشعرية المتقدمون أكثر إثباتاً للصفات من المتأخرين، فبينما نرى الأشعري يثبت صفات الاستواء والعلو والوجه واليدين والعينين مع العلم والسمع والبصر والكلام ٥، اقتصر المتأخرون منهم على صفات سبع هي صفات المعاني، وهي: العلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، واختلفوا في البقاء وأثبتوها أزلية قديمة، زائدة على الذات، ومعانٍ قائمة بذاته، فهو سميع بسمع بصير ببصر مريد بإرادة ألخ ٦. ونفوا الصفات
стр. 401
الخبرية لأنها تقتضي الجهة أو الجسمية، وتأولوها كالمعتزلة ١.
وأما أهل السنة فقد ساروا في ذلك مذهباً وسطاً بين التشبيه والتعطيل، فأخذوا بنصوص الإثبات ونصوص التنزيه، فكان مذهبهم عدلاً في ذلك. فهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. ﷺ وقد سبق تفصيل ذلك. والمقصود الآن معرفة المنهج الذي سار عليه الشيخ رشيد رضا في هذا الباب، وأي السبل قد سلك.
стр. 402
المطلب الأول: تقسيم الصفات:
الصفات الإلهية التي وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كثيرة، ولكني سأقتصر هنا على تلك التي تناولها الشيخ رشيد ﵀ في كتاباته.
وقبل ذلك ـ وهو المناسب أيضاً ـ أبين تقسيم السلف لصفات الله تعالى وتقسيم الشيخ رشيد لها:
فأما السلف فيقسمون صفات الله تعالى إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، ومن حيث طريقة ثبوتها إلى عقلية وسمعية.
فأما الصفات الذاتية: فهي الصفات المتعلقة بذاته المقدسة التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها، وهي لا تنفك عنه سبحانه، بل هي لازمة لذاته أزلاً وأبداً، ولا تتعلق بها مشيئته وقدرته. وهي ـ من حيث ثبوتها ـ قسمان: عقلية: وهي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي والدليل العقلي والفطرة، كصفة الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والعزة والملك والعظمة والكبرياء والمجد والجلال والسمع والبصر ... ألخ.
стр. 403
وخبرية: وهي التي لا سبيل للعقل على انفراده إلى إثباتها وإنما ثبتت بطريق السمع والخبر عن الله: كصفة الوجه واليدين والعين ...
أما الصفات الفعلية: فهي المتعلقة بمشيئته وقدرته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، وهي قسمان أيضاً:
سمعية عقلية: كالخلق، والرزق، والإعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، وأنواع التدبير المختلفة.
وخبرية: كالاستواء على العرش، والمجيء والإتيان، والنزول إلى السماء الدنيا، والرضا والمحبة والغضب ١ ...
ومن الصفات ما هو ذاتي فعلي باعتبارين، كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصل الصفة صفة ذاتية، لأنه تعالى لم يزل ولا يزال متصفاً بصفة الكلام، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية. لأن الكلام متعلق بمشيئته عزوجل. فيتكلم بما شاء متى شاء ٢.
وقد قسم الشيخ رشيد ﵀ الصفات من حيث طريق ثبوتها إلى ما يعرف بالنظر والاستدلال، وما لا يعرف إلا بالوحي، فقال:
"إن صفات الربوبية منها ما يعرف بالنظر والاستدلال كعلمه تعالى وقدرته ومشيئته وحكمته ووحدته. ومنها ما لا يعرف به بل يتوقف على الوحي كخبر المعصوم عنه، ومنها ما جعله المتكلمون من المتشابهات كالرضا والغضب والوجه واليد، وسيأتي بيانه في محله ... " ٣.
ويقسمها أيضاً إلى ذاتية وفعلية: فيقول: "إذا علمنا هذا تجلت لنا حكمة وصفه تعالى في أول فاتحة الكتاب العزيز بالربوبية والرحمة الدالتين
стр. 404
على جميع صفات الأفعال، دون الحياة والقيومية الدالتين على صفات الذات ... " ١.
وعن الفرق بينهما يقول: "فما له مبدأ خاص في النفس واستقرار فيها جدير بأن يسمى صفة ذاتية، وما ليس كذلك حقيق بأن يسمى صفة فعل" ٢.
وأما تقسيم المتكلمين فلا يرضاه الشيخ رشيد لأنه: "اصطلاح ما أنزل الله به من سلطان" ٣، ويقول: "إنما نختار طريقة السلف الصالحين فهي باتفاق الخلف أسلم وأحكم، ونقول أيضاً إنها أعلم خلافاً لكثيرين يتوهمون أن هذه الاصطلاحات في علم العقائد تعطي الباحث بصيرة ... " ٤.
стр. 405
المطلب الثاني: صفات الذات العقلية:
عرّف الشيخ رشيد صفات الذات بأنها "ما له مبدأ خاص في النفس واستقرار فيها.." ٥، ومثّل للعقلية منها بصفات العلم والقدرة والمشيئة والحكمة والوحدة ٦.
وسأتناول من هذا القسم من الصفات الذاتية العقلية ما تكلم عنه الشيخ رشيد وهي الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام.
أولاً: الحياة:
ولا يعزب عن ذكرك أن الجهمية لا يصفون الله تعالى بأنه حي، لأن ذلك ـ زعموا ـ تشبيه له بالأحياء ٧.
стр. 406
وأن المعتزلة يجعلونها صفة غير زائدة عن الذات فهو حي بحياة، وحياته ذاته، أو عالم لذاته، قادر لذاته ... ١.
وأما الشيخ رشيد ﵀ فأثبت لله تعالى صفة الحياة صفة ذاتية، وجعلها من أصول الصفات التي يرجع إليها غيرها، ولو بطريق اللزوم، فيقول: "فالحي ذو الحياة، وهي بأعم معانيها: الصفة الوجودية التي هي الأصل في معقولنا لجميع صفات الكمال في الوجود من صفات ذات أو صفات أفعال كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ... وكمال الحياة يستلزم الاتصاف بهذه الصفات وبغيرها من صفات الكمال ... " ٢.
ويستدل الشيخ رشيد ﵀ على صفة الحياة لله تعالى بالكتاب العزيز، فيقول عن قوله تعالى: ﴿ألم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٣ أنها: "تثبت له مع الوحدانية الحياة التي تشعر بكمال الوجود وكمال الإيجاد بإفاضة الحياة على الأحياء ... " ٤.
ويستدل عليها الشيخ رشيد أيضاً من العقل، من وجهين: "أحدهما: أنه تعالى عليم مريد، قدير: وهذه الصفات لا تعقل إلا للحي، وفيه انه من قياس الغائب على الشاهد كما يقولون، أو من قياس الواجب على الممكن.
وثانيهما أن الحياة كمال وجودي، وكل كمال لا يستلزم نقصاً يستحيل على الواجب فهو واجب له ... " ٥ ويقول عن صفة الحياة: "فهي كمال وجودي ويمكن أن يتصف به الواجب ٦ وكل كمال وجودي يمكن أن يتصف به وجب أن يثبت له ... ولو لم يتصف بهذه الصفة لكان في
стр. 407
الممكنات ما هو أكمل منه وجوداً ـ وقد تقدم أنه أعلى الوجودات وأكملها فيه ـ والواجب هو واهب الوجود وما يتبعه، فكيف لو كان فاقداً للحياة يعطيها؟ فالحياة له كما أنه مصدرها" ١.
ويفرق الشيخ رشيد بين حياة الخالق تعالى وحياة المخلوق، فلا يفهم من القياس السابق، وهو قياس الأولى الذي اعتمد عليه في الدليل العقلي، أن حياة الخالق تشبه حياة المخلوق، فيقول: "حياة الخالق تعالى أعلى وأكمل من حياة جميع خلقه من الجن والإنس والملائكة، وهي لا تشبهها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢ وإنما نفهم من إطلاقها اللغوي مع التنزيه أنها الصفة الذاتية الأزلية الأبدية التي يلزمها اتصافه بما وصف به نفسه من صفات الكمال بدونها، فهي لا يتوقف تعلقها على غيرها من الصفات ويتوقف تعقل الصفات عليها ... " ٣.
العلم:
أثبت أهل السنة "العلم" لله تعالى. صفة من صفات ذاته تعالى ٤.
وقد أنكرها الجهمية ٥ وأثبت المعتزلة الاسم ونفوا الصفة كمذهبهم في سائر الصفات الإلهية، لأن إثباتها يوجب ـ زعموا ـ تعدد القدماء عندهم، فقالوا: إن الله عالم قادر حي بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة ٦، وقد تأثر المعتزلة في ذلك بالفلاسفة.
стр. 408
وأثبت الشيخ رشيد صفة العلم لله تعالى كأهل السنة مستنداً في إثباته إلى كتاب الله تعالى.
يقول: "أما الذي قام عليه البرهان من علم الله تعالى فهو أنه بكل شيء عليم، وأن هذا العلم ثابت له أزلاً وأبداً، فهو المحيط بجميع المعلومات قبل وجودها وبعده، وعلمه بها قبل وجودها يسمى علم الغيب، وبعد وجودها يسمى علم الشهادة، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة ... " ١.
وعن الأدلة التي يستند إليها في ذلك يقول: "أما البرهان على علمه تعالى فحسبك ما أرشد إليه الكتاب العزيز بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ٢ بلى، فإن العقل لا يتصور أن صانع آلة الساعة ومبدعها غير عالم بها، وبكل ما يتوقف عليه اختراعها وعملها من الفنون الأخرى ... " ٣.
ويقول أيضاً مستشهداً على ثبوت صفة العلم لله تعالى: " ... ورد وصفه تعالى بعالم الغيب والشهادة في الأنعام ٤، والتوبة ٥، والرعد ٦، والمؤمنون ٧، وألم السجدة ٨، والحشر ٩، والتغابن ١٠، ووصف بعالم فقط في سور أخرى ١١ ... " ١٢.
وعن إطلاق الاسم عليه يقول: "وأما لفظ عليم فهو الذي كثر إطلاقه عليه
стр. 409
تعالى بصيغتي التعريف والتنكير، لأن وزن فعيل يدل على الصفات الثابتة.. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ١ وقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
ويقول: "ولم يرد إطلاق لفظ العالم على الله تعالى في القرآن إلا مضافاً إلى المعلوم، كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٣، وورد: علام الغيوب ٤.. " ٥.
وبهذا يكون الشيخ رشيد قد وافق السلف في إثبات هذه الصفة لله تعالى مع إطلاق الاسم عليه عزوجل.
صفة القدرة:
والأقوال فيها كالأقوال في سابقتيها، فأثبتها أهل السنة ٦، وأنكرها المعتزلة والفلاسفة، إلا أن الجهم أثبتها لأنها عنده لا تقتضي التشبيه بالمخلوق لأنه يقول: إنه لا قدرة له ٧.
وأثبت الشيخ رشيد القدرة صفة لله تعالى فقد عرف القدرة بأنها: "الصفة التي يكون بها الفعل والتأثير والتحويل والتغيير" ٨.
وأما أدلتها فيستدل الشيخ رشيد على إثبات هذه الصفة بالكتاب وبالعقل.
فأما الكتاب فإنه استدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٩
стр. 410
واستدل أيضاً بالعقل فقال: " ودليلها: ما بيناه أولاً من أن جميع الممكنات صادرة عن الواجب تعالى ثم ما بينّاه أخيراً من أن صدورها عنه إنما هو بتخصيصه المطابق لعلمه، وهل يعقل أن الفاعل بإرادة عن علم لا يكون قادراً؟ كلا ... " ١.
ويقول عن القدرة مبيناً لبعض أحكامها: "إن قدرة الله تعالى إنما تجري بما خصصته إرادته واقتضته مشيئته" ٢.
صفة الإرادة:
وأثبت الإرادة صفة لله فيقول: "ما تقدم من البحث في العلم من حيث كونه صفة يأتي في الإرادة وفي غيرها من الصفات الذاتية ... " ٣. وتنقسم الإرادة إلى كونية وشرعية، وسيأتي عند الكلام عن القدر أن رشيد رضا فرق بين الكونيات والشرعيات.
ويعرف رشيد رضا الإرادة قائلا: "الإرادة صفة يخصص بها الفاعل في فعله بعض الوجوه الممكنة المتقابلة على بعض ... " ٤.
ويبين الشيخ رشيد موقف الفرق من هذه الصفة، من المؤولين لها والمشبهين لها بإرادة الإنسان، فيقول: "وقد اشتبه على كثير من الناس فهم الإرادة، فمن الناس من يظن أنها بمعنى المحبة، والرضا، ولذلك قالوا إن ضدها الكراهية. والصواب أن ضدها "عدم الإرادة" ... ومنهم: من لا يفرق بين إرادة الله وإرادة الإنسان ... " ٥.
ويورد الشيخ رشيد دليلاً عقلياً فيقول: "الدليل على إثبات الإرادة للباري تعالى فهو لازم لدليل إثبات العلم ... أن الإرادة هي التي رجحت
стр. 411
بحسب العلم ما كان على ما لم يكن من الوجوه الممكنة ... " ١. كما أن الشيخ رشيد يثبت الإرادة عند تفسيره لآيات القرآن، فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢: "أي: إن اختصاص الناس بهذه المزايا هو أثر إرادته وتخصيصها فلا مرد له ... " ٣. وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ٤ يقول: "أي: يمنع ما أراد منعه ... وإرادته تكون على حسب علمه المحيط وحكمته البالغة ... " ٥. وإثبات هذه الصفة هو مذهب أهل السنة ٦.
السمع والبصر:
تقرر بالأدلة من الكتاب والسنة أن الله سميع بصير، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٨ وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٩، وأما السنة النبوية فأحاديث، منها: قوله ﷺ على المنبر: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ١٠ ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه" ١١. وقصده ﷺ تحقيق اتصاف الله
стр. 412
بهاتين الصفتين. ودل العقل أيضاً على ذلك ١، وبناءً على ورود هذه الصفة في الكتاب والسنة أثبتها السلف على طريقتهم في إثبات ما ورد فيهما ٢.
ونفت المعتزلة هاتين الصفتين، وأرجع بعضهم معناها إلى الحياة وبعضهم إلى العلم ٣.
وأما الأشعرية فإنهم يجعلون السمع متعلقاً بجميع الموجودات لا المسموعات فقط، وكذلك البصر عندهم يتعلق بجمبع الموجودات لا المبصرات فقط ٤. وفي هذا إخراج لهاتين الصفتين عن حقيقتهما إلى حقيقة العلم، وبعضهم يثبتهما متعلقتين بالمسموعات والمبصرات ٥.
وتبعاً لمذهب السلف يثبت الشيخ رشيد هاتين الصفتين لله تعالى، مستنداً في ذلك إلى الكتاب والسنة، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة سمع المخلوقين وبصرهم.
وينتقد الشيخ رشيد المتكلمين في تحكمهم وتكلفهم في الكلام على هاتين الصفتين، ويرده مبيناً أن الاعتقاد الصحيح هو ما ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦.
стр. 413
فيقول الشيخ رشيد أولاً مبيناً ما يجب اعتقاده في مسألة السمع والبصر: "الواجب اعتقاده هو الوقوف عند ما جاء في الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وهو: أن الله ﵎ سميع لأقوال العباد بصير بأعمالهم، وأحوالهم من غير بحث عن كنه هذا السمع وهذا البصر وكيف يحصلان ... ومن غير مقارنة بينهما وبين العلم ولا البحث في النسبة بينهما ... " ١.
ثم يقول: "لكن الذين ساروا في تقرير العقائد على طريقة قياس الغائب على الشاهد والقديم على الحادث ... أوجبوا على الناس أن يعتقدوا بهذه الفلسفة الدينية والتحكم النظري، وإن كان لم يشهد له كتاب ولا سنة ولا لغة، ولم يقل بها أحد من سلف الأمة ... " ٢.
ويقول جواباً لمن زعم أن السمع يتعلق بجميع الموجودات: "وذهب بعض من كتب في علم الكلام إلى سمع الباري ﵎ يتعلق بجميع الموجودات، لا يختص بالكلام أو بالأصوات، وهو رأي تنكره اللغة ولا يعرفه الشرع وليس للرأي أو العقل أن يتحكم في صفات الله ﵎ بنظرياته وأقيسته ... " ٣.
وبوضوح يثبت الشيخ رشيد هاتين الصفتين لله تعالى، مع التنزيه اللائق به سبحانه.
فيقول عند قوله عزوجل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ ٤: "أي: كان السمع والعلم ولا يزالان من صفاته الثابتة فلا يفوته تعالى قول من أقوال من يجهر بالسوء، ولا يعزب عن علمه السبب الباعث له عليه ... " ٥. ويتضح لنا من هذا النقل عن الشيخ رشيد تفرقته بين السمع والعلم مخالفاً بذلك من أرجع السمع للعلم.
стр. 414
ويقول في موضع آخر مثبتاً لهاتين الصفتين ومفرقاً بينهما وبين العلم: " ... إن لله علماً حقيقياً هو وصف له ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعاً حقيقياً هو وصف له لا يشبه سمعنا ... وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى ... " ١.
ويقول أيضاً في موضع آخر: " ... إنه سميع بسمع ليس كمثل أسماع المخلوقين، وبصير ببصر ليس كبصرهم، وعليم بعلم ليس كعلمهم ... " ٢.
ويحسن أن نختم هنا بكلام الشيخ رشيد عن أثر الإيمان بهاتين الصفتين إذ يقول إنه: " ... ينبه النفوس إلى الحياء من الله تعالى أن يراها حيث نهاها، فيكون عندها أهون الناظرين، وأن يسمع منها ما لا يرضاه فإنه لا يحب الجهر بالسوء من القول ... وهذا هو التأثير الذي كان يودعه في قلوبهم، وهذا الذي يليق بحكمة الله تعالى وجلاله، ويجعل دينه مصلحاً للنفوس، ومثقفاً للعقول، بتذكيرها بمراقبته، وحملها على خشيته، ولم يكن بناء دينه على نظريات أرسطو وأفلاطون" ٣.
стр. 415
المطلب الثالث: صفات الفعل العقلية:
والقسم الثاني من الصفات هو صفات الفعل العقلية، وهي التي دل عليها العقل، وعلى اتصاف الرب بها مع ورود السمع بها.
وقد سبق أن ذكرت تعريف الشيخ رشيد لصفة الفعل، بأنه ما ليس له مبدأ خاص في النفس واستقرار فيها على العكس من صفة الذات ٤.
وفي موضع آخر مثل الشيخ رشيد لصفات الفعل في سياق بيانه لدلالة صفة الربوبية على صفات الأفعال فقال:"وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة
стр. 416
على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر، فإن رب العباد هو الذي يسدي إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شؤونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى كالخالق البارئ المصور القهار الوهاب الرزاق الفتاح القابض الباسط، الخافض الرافع المعز المذل، الحكم العدل اللطيف الخبير ... " ١.
فالشيخ رشيد يستدل عليها بربوبية الله تعالى فإنها تدل دلالة عقلية على هذه الصفات.
ولم يتكلم ﵀ عن صفات الفعل العقلية بأكثر من هذا، إلا صفة "الكلام" والتي ذكرت قبل أنها صفة ذات باعتبار وصفه فعل باعتبار آخر ٢ لذا فإنني أجعل الكلام عليها هنا مرة واحدة، وأجعلها مثالاً لصفات الفعل العقلية التي تكلم عليها الشيخ رشيد ﵀.
صفة الكلام:
يثبت السلف الكلام صفة لله تعالى مستندين إلى العقل والنقل. فيقولون: إن الله تعالى متكلم بكلام حقيقي، قائم بنفسه، يسمعه المخاطب بصوت وحرف، ولا يبحثون في كيفية تكلمه تعالى به ٣.
وأما الأدلة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٤
стр. 417
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١، وفي هذه الآية دليل واضح على أن الله تعالى يتكلم بكلام يسمع.
ومن السنة: أحاديث؛ منها قوله ﷺ : "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ... " ٢، وقوله: "بصوت يسمعه " صريح في إثبات الصوت في كلامه تعالى وأنه يُسمع، وفيه بيان البون البعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق إذ أن صوته تعالى يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب بخلاف أصوات المخلوقين، وأما إثبات الحرف ففي قوله ﷺ : "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: آلم حرف، ولكن: ألف: حرف، ولام: حرف، وميم: حرف" ٣.
أما الخلف فإنهم وإن تباينت آراؤهم في الظاهر إلا أنهم في الحقيقة متفقون على إنكار كلام الله تعالى الحقيقي، وأنه لا يتكلم بكلام يسمع، بل بكلام يخلقه في غيره، وينسب إليه على سبيل المجاز، وهو عرض مخلوق ٤.
وحقيقة قول هؤلاء أن الله تعالى لم يتكلم إذ لم يقم به كلام، ولا
стр. 418
يكلم كذلك، وهذه كانت بداية مقالتهم كما حكي عن الجعد بن درهم ١، فكل من قال القرآن مخلوق فحقيقة قوله أن الله لم يتكلم ولا يكلم ولا يأمر ولا ينهى، ولما رأوا ذلك مخالفاً للقرآن، وإجماع المسلمين قالوا إنه يتكلم مجازاً يخلق شيئاً يعبر عنه لا أنه في نفسه يتكلم، فلما شنع عليهم المسلمون قالوا: يتكلم حقيقة ولكن المتكلم هو من أحدث الكلام وفعله ولو في غيره، لا من قام به الكلام، وهو الذي استقر عليه قول المعتزلة. وهذه مغالطة كلامية، فإن المتكلم هو من قام به الكلام، وإليه ينسب لا إلى غيره ويشتق له اسم المتكلم ولا يسمى غيره بما قام به من الكلام متكلماً ٢.
ويلزم من قول المعتزلة: أن الله لم يكلم موسى وإنما كلمته الشجرة فقالت: يا موسى إني أنا الله رب العالمين ٣.
وأما الأشعرية فإنهم يتفقون مع المعتزلة في خلق القرآن، ويقولون: إن كلام الله واحد، لا تعدد فيه وله أقسام اعتبارية هي: الأمر من حيث تعلقه بفعل الصلاة مثلاً، ونهي من حيث تعلقه بطلب ترك الزنا، وخبر من حيث تعلقه بالأخبار، فالأقسام اعتبارية في متعلقه لا فيه. وأنه تعالى لم يزل متكلماً ولا يسكت، ليس بحرف ولا صوت ٤، ويلزم من ذلك أن معنى: أقيموا الصلاة هو معنى لا تقربوا الزنا، وأنه تعالى لم يزل متكلماً بلا سكوت يقول: يا موسى، يا موسى ... ٥.
стр. 419
والذي أوقع الأشعرية في هذا أن المعتزلة ألزمتهم بأن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً يدخله التعاقب والتأليف، وهذا لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان كذلك لا يجوز أن يكون صفات ذات الله، فالتزموا ذلك وقالوا ـ خرقاً للإجماع ـ أن ذلك ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمي كلاماً على المجاز لكونه حكاية عنه أو عبارة عنه، وأما الكلام الحقيقي فمعنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يسمع! ١.
وأما الشيخ رشيد فإن له منهجاً في "الكلام" موافقاً لأهل السنة، فإنه يثبت الكلام صفة لله تعالى من صفاته لا تشبه صفة كلام المخلوقين، وإن كان بحرف وصوت، وهو كلام يسمع، وينسب إلى الله تعالى حقيقة لا مجازاً كما ينسب كل كلام إلى قائله. ويرد الشيخ رشيد نظريات المتكلمين الفلسفية في هذا البحث.
فيرى أن " كلام الله تعالى صفة من صفاته تتعلق بجميع ما في علمه ... " ٢ وأنه تعالى: "متصف في الأزل بالكلام أي: بالصفة التي يكون بها التكليم متى شاء كما أنه متصف في الأزل بالقدرة التي بها يكون الخلق والتقدير متى شاء" ٣.
ويرى الشيخ رشيد أن هذا هو معنى "الكلام النفسي" أي أن له صفة ذاتية بها يعلم من يشاء من عباده بما شاء من علمه متى شاء وهذا الإعلام هو التكليم والوحي ... " ٤.
стр. 420
ويقول مثبتاً مذهب أهل السنة في كون الكلام يكون صفة فعل باعتبار تجدد أفراده: " ... إنه تعالى يخاطب من شاء بما شاء متى شاء وأن خطابه لموسى في مصر في شأن فرعون كان بعد خطابه له في الطور ... " ١.
ويرى الشيخ رشيد أن كلام الله تعالى يسمع، وقد سمعه موسى من وراء الشجرة، قائلاً: "وفيه التصريح بأن موسى ﵇ سمع نداء الله تعالى له من وراء الشجرة، وإثبات الكلام والتكليم والنداء لله تعالى ... " ٢.
ويثبت الشيخ رشيد الصوت في كلامه تعالى فيقول بعد نقله بعض نصوص عن السلف في إثبات الصوت: "فهذه النقول من أحفظ الحفاظ صريحة في أن إثبات هذا الصوت لكلام الله المنزه عن مشابهة أصوات الخلق هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأتباعه ... وأي فرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت وكل منهما ثابت للبشر، وكذلك السمع والبصر ... " ٣.
ويذكر شبهة المنكرين له ويجيب عنها فيقول: "وأما الصوت فمن منع قال: أن الصوت هو الهواء المتقطع المسموع من الحنجرة، وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر، وصفات الرب بخلاف ذلك، فلا يلزم المحذور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه ... " ٤.
ويثبت الشيخ رشيد السكوت لله تعالى، لأنه يتكلم حسب مشيئته تعالى، ويسكت من غير نسيان ٥. خلافاً لمن يقول: إنه لم يزل متكلماً أزلاً وأبداً منزهاً عن السكوت ٦.
стр. 421
وأما القرآن فيرى الشيخ رشيد أنه كلام الله المسموع، فيقول: " ... والقرآن كلام الله تعالى نسب إليه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١ وفي أحاديث متعددة وأجمع على ذلك المسلمون ... " ٢.
ويرد على الأشعرية في قولهم إن القرآن المكتوب في المصاحف ليس هو كلام الله على الحقيقة، فيقول: " ... لو كان ما تلقاه النبي ﷺ من كلام الله تعالى هو معاني القرآن دون عبارته لكان القرآن كلامه ﷺ لا كلام الله تعالى، لأن الكلام هو العبارة التي تتجلى فيها المعاني من علم المتكلم ... " ٣. ويقول: " ... وينسب كل كلام إلى من صدر منه وكان مجلى كلامه النفسي فالجملة من كلام زيد من الناس يتناقلها الناس بألسنتهم وأقلامهم وبآلات التلغراف والتلفون وكل منهم يقول إنها كلام زيد ... " ٤.
ويتخذ الشيخ رشيد موقفاً صحيحاً من مسألة خلق القرآن فيقول: "إن هذا القرآن المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور المتلو بالألسنة هو كلام الله تعالى المنزل على قلب رسوله محمد ﷺ المبلغ عن الله تعالى ليس فيه صنع ولا عمل. والقول بأنه مخلوق على الإطلاق أو باعتبار قراءته أو كتابته من البدع المذمومة التي لم يأذن بها الله ولا قال بها رسول ولا أصحاب رسوله ولا التابعون لهم في هدايتهم ولا هي مما تحتاج إليه الأمة في حفظ دينها ولا مصلحة دنياها، ومن البدع أيضاً أن يقال أن حروفه مخلوقة، وأن قراءتي له مخلوقة وربما كان ذريعة إلى ما هو شر منه ... " ٥.
وهذا هو الموافق لما عليه السلف إذ كانوا يشددون في هذه الألفاظ البدعية ٦.
стр. 422
وأخيراً يبين الشيخ رشيد موقفه من الفرق المختلفة في كلام الله تعالى، فيقول: "ولا يغترن أحد بتلك النظريات التي بنى عليها الجهمية والمعتزلة وبعض الأشاعرة والكلابية وغيرهم أقوالهم في الكلام النفسي واللفظي وجعل بعضه حقيقياً وبعضه مجازاً، ووصف بعضه بالقديم وبعضه بالحادث أو تسميته مخلوقاً ـ فكل ذلك مبني على الهرب من وصف الخالق بصفات المخلوقين لئلا يكونوا مشبهين له بخلقه. ومذهب السلف بني على وصفه تعالى بكل ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ وإسناد ما أسنده إليه كلامه وكلام رسوله مع الجزم بالتنزيه وكونه ليس كمثله شيء كما نزه نفسه. وقامت البراهين العقلية على تنزيهه ولا تنافي بين الأمرين ولا تناقض ... " ١.
وهذا الموقف الذي اتخذه الشيخ رشيد في مسألة القرآن موقف سديد، موافق لما كان عليه السلف وصالحو الخلف، وهذا هو ما استقر عليه الشيخ رشيد ٢.
وقبل أن أختم هذا المبحث أريد أن أقف قليلاً لأبين موقف الشيخ رشيد في مسألة هامة في "علم الكلام". ذلك أن قول الشيخ رشيد ﵀ عن الله: "أنه تعالى يخاطب من شاء بما شاء ومتى شاء، وأن خطابه لموسى في مصر في شأن فرعون كان بعد خطابه له في الطور ... " ٣ يشير إلى مسألة هامة؛ وهي مسألة "حلول الحوادث بذاته تعالى".
مسألة "حلول الحوادث بذاته تعالى ":
هذه المسألة من المسائل الهامة التي شغلت وقتاً كثيراً في النقاش بين السلف والمتكلمين. وقد بنى المتكلمون فيها مذهبهم على مسألة "حدوث
стр. 423
العالم" والتي اتخذوها أصلاً فيإثبات "وجود الله تعالى" ١ وبناءً على ذلك نفوا صفات الفعل الاختيارية لله تعالى. لأنهم يقولون إنها سمة الحدوث ولا يجوز أن تحل الحوادث بذاته تعالى، لأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ٢. وسلكوا في هذه الصفات مسلكين:
الأول: أنها صفات أزلية قديمة مع الله تعالى لا تتعلق بمشيئة الله وإرادته، فلا يتجدد له فيها حال كما يشاء.
الثاني: جعل مقتضى الصفة مفعولاً منفصلاً عن الله لا يقوم بذاته، فالخلق ـ مثلاً ـ عندهم هو المخلوق فالله تعالى لم تحل بذاته حوادث لم تكن، وكذا الاستواء فإنهم يقولون فعل فعلاً في العرش سماه استواء من غير أن يستوي بذاته. فالفعل هو المفعول ٣.
ولما كانت آيات القرآن الكريم تثبت في صراحة ووضوح تجدد صفات الفعل لله تعالى وحدوث أفرادها شيئاً بعد شيء كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ٥ والمعدوم لا يرى موجوداً قبل وجوده فإذا وجد رآه موجوداً وسمع كلامه، وهذا يدل على حصول أمر وجودي لم يكن من قبل ٦ لذا فإن المتكلمين ـ مع قولهم بنفي تجدد هذه الصفات، وتسليماً منهم بما دل عليه القرآن، فروا وهربوا إلى تسمية هذا الحدوث والتجدد بأسماء أخرى، كالتعلق والإضافات والأحوال ٧.
стр. 424
والحق أن صفات الله تعالى منها ما هو قديم لازم للذات أزلاً وأبداً كالحياة، ومنها ما هو قديم الجنس ولكن تحدث آحاده، كالإرادة والعلم والكلام، فالإرادة مثلاً قديمة الجنس ولكن هناك إرادات جزئية تحدث، ولولا ذلك لم يحدث شيء لأن الإرادة القديمة نسبتها إلى جميع الوجوه الممكنة واحدة، وإلا لوجب وجود المراد معها في الأزل. وكذلك العلم، منه ما هو قديم وهو انكشاف جميع الأشياء له تعالى في الأزل، لا يشذ عن علمه منها شيء، ولكن منه ما يحدث بحدوث المعلومات وتجددها، كما قال تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١،وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢. ومثل ذلك يقال في السمع والبصر والكلام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٣. ٤.
فالشيخ رشيد عندما يذهب إلى أن "خطابه لموسى في مصر في شأن فرعون كان بعد خطابه له في الطور.." ٥. وقوله عن الله تعالى أنه "متصف في الأزل بالكلام، أي بالصفة التي يكون بها التكليم متى شاء، كما أنه متصف بالأزل بالقدرة التي بها يكون الخلق والتقدير متى شاء ... " ٦، يذهب إلى ما ذهب إليه السلف في أفعال الله تعالى الاختيارية، ولا بد أنه بذلك متأثر بابن تيمية الذي فصل هذه المسألة تفصيلاً في كتبه التي اطلع عليها رشيد رضا ٧.
стр. 425
ويستعمل رشيد رضا أيضاً لفظ "الحدوث" عند حديثه عن صفات الفعل، فيقول في سياق حديثه عنها وعن الفرق بينها وبين صفات الذات:"..هناك فرق بين الصفة كرحيم وقريب ومجيب وسميع وبصير، وبين الفعل الحادث كاستوى على العرش ونزل إلى السماء الدنيا" ١.
وهذا يدل على فهمه لمذهب السلف فيها، كيف لا وقد وقف على "شرح حديث النزول لابن تيمية؟ ٢.