← Акыда

Акыда · id 7251

منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة

تامر محمد محمود متولي

Полный текст (934 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الثاني: موقف رشيد من ربا الفضل ... المطلب الثاني: موقف رشيد رضا من ربا الفضل: ـ تعريف ربا الفضل: اختلفت ألفاظ التعاريف لربا الفضل عند الفقهاء ﵏ ولكنها في الحقيقة تتواطأ على أنه: زيادة أحد البدلين من الأموال الربوية على الآخر، إذا اتفق البدلان في الجنس ٢، وبصورة أخرى: "الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنساً" ٣. وعلة الربا عند الحنفية والحنابلة: الكيل والوزن مع اتحاد الجنس ٤، واتحاد الجنس يخرج ما لو باع مكيلاً أو موزوناً بمكيل أو موزون من غير جنسه، كأن يبيع صاعاً من بر بصاعين من

стр. 72

تمر، أو يبيع ذهباً بفضة متفاضلاً يداً بيد فإنه لا ربا ١. وقوله: "زيادة" يشمل كل زيادة سواء كانت في القيمة أو في المقدار ٢. وقد ذهب الجمهور إلى تحريم ربا الفضل في الأصناف الستة الآتية: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فلا يجوز بيع جنس منها بجنسه متفاضلاً، حالاً أو مؤجلاً، فيحرم بيع درهم بدرهمين نقداً أو مؤجلاً وكذا بيع صاع بر بصاعي بر نقداً أو مؤجلاً ٣. واستدل الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٤، فأل في قوله: ﴿الرِّبا﴾ لاستغراق الجنس ٥، فيكون لفظ الربا في الآية عاماً يتناول كل أنواع الربا فيدخل في ذلك ربا الفضل كما يدخل ربا النسيئة ٦. السنة: ومن السنة أحاديث: منها حديث: عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" ٧.ووجه الدلالة أن النبي ﷺ أوجب بيع صنف من هذه الأصناف الستة بجنسه أن يكونا متماثلين وأكد ذلك بقوله:"مثلاً بمثل" و "سواء بسواء" وبين أنه لا حرج في هذا البيع عند اختلاف الأجناس، فدل على أنه عند عدم اختلاف الأصناف ليس لهم الخيار في البيع كيف شاءوا ٨.

стр. 73

ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز" ١. وأما الإجماع على ذلك فقد حكاه غير واحد من أهل العلم ٢. قال شيخ الإسلام: "إن النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهى عنه من ربا النسئ والفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله، وإن قصر نصوص النهي على البعض إنما يقع ممن لم يفهم معاني النصوص" ٣. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال بجوازه، ولكنه لم يسمع في ذلك شيئاً من النبي ﷺ وإنما اعتمد في رأيه على حديث أسامة " لا ربا إلا في النسيئة" ٤، ثم رجع عن ذلك بعدما أخبره أبو سعيد بما سمع، وحديث أسامة: إما منسوخ أو معناه الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما المراد نفي الأكمل لا نفي الأصل ٥.

стр. 74

رأي الشيخ رشيد في ربا الفضل: لقد جمع الشيخ رشيد فتاواه في الربا والتي كانت منتشرة في مجلة المنار في كتاب مستقل باسم:"الربا والمعاملات في الإسلام" ١. فذهب الشيخ رشيد إلى أن الربا المحرم تحريم مقاصد هو ربا الجاهلية، وهو ما يؤخذ من المال لأجل تأخير الدين المستحق، وأما ما عداه فيباح للحاجة والمصلحة لأنه حُرِّم لأنه وسيلة للأول ـ وهو ربا الجاهلية أو ربا النسيئة ـ فيقول: “وقد علمنا أن الله لم يحرم في كتابه إلا ربا النسيئة الذي هو أخذ الزيادة في المال لأجل تأخير ما في الذمة منه.." ٢. وقال: " وحديث النهي عن بيع النقدين ٣ وأصول الأقوات إلا يداً بيد مثلاً بمثل ليس تفسيراً للربا في القرآن ولا حصراً للربا في البيع، وإنما هو لسد الذريعة لارتكاب ربا القرآن، وإلا فهو لذاته ليس فيه من المفسدة ما يقتضي هذا الوعيد الشديد في آيات البقرة.." ٤. وقال: "..إذا تمهد هذا ظهر به أن الحق في الربا الذي نهى الله تعالى عنه في كتابه وتوعد فاعله بما لم يتوعد على ذنب آخر أنه ربا النسيئة الذي كان معروفاً في الجاهلية ... ونعيد القول ونكرره بأنه هو ما يؤخذ من المال لأجل تأخير الدين المستحق في الذمة إلى أجل آخر..فلا يدخل في مفهومه ما يزاد في أصل الدين عند عقده على ما يعطي للمدين، وبحاله وإنما هو ما يعطى لأجل تأخير الدين المستحق.." ٥.

стр. 75

أدلة الشيخ رشيد: وقد استند فيما ذهب إليه إلى دلالة اللغة والسنة والعقل. فأما اللغة، فقد قال الشيخ رشيد محتجاً بها لما ذهب إليه: "ويؤيد هذا أمران: أحدهما: الاستعمال اللغوي، ووجهه أن هذا اللفظ كان مستعملاً عند عرب الجاهلية من المشركين، وأهل الكتاب وغيرهم، وذكر في بعض السور المكية، فهو ليس من الألفاظ التي وضعت وضعاً جديداً في الشريعة فكانت مجملة ثم فسرت بعد ذلك بالأحاديث عند الحاجة إليها في التشريع العملي، بل اللام في "الربا" للعهد كما صرح به بعضهم" ١. مناقشة هذا الاستدلال: ويجاب بأن احتجاجه بالاستعمال اللغوي، بمعنى أن الربا ينصرف إلى ما تعارفوا على استعمال لفظ الربا فيه من معاملة، إنما كان يفيد في وقت تنزل آية تحريم الربا في سورة البقرة، وقبل بيان السنة، إذ ينصرف المقصود في الآية إلى ما عهدوه، أما بعد أن جاء بيان السنة، واستعمل الربا في أنواع أخرى من المعاملة لم تكن معروفة ولا معهودة عند العرب فقد أصبح لفظ الربا حقيقة شرعية وعلى هذه الحقيقة تحمل عبارات الشارع وإطلاقاته في الربا، فكما أفاد العهد حمل الربا على ما كان معهوداً دون غيره مما تناوله مطلق لفظ الربا في وضعه اللغوي، فإن الوضع الشرعي يفيد حمل الربا على ما وضع له شرعاً إذ الوضع الشرعي مقدم على الوضع اللغوي في عبارات الشارع ٢. واستدل الشيخ رشيد بحديث أسامة المشار إليه آنفاً ٣. وقد تقدم الجواب عنه مختصراً، وأزيد هنا أجوبة أخرى، منها: إن أسامة رضي الله

стр. 76

عنه ربما سمع جواب مسألة خاصة، فسمع الجواب دون السؤال ١، ونظير ذلك قوله ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" ٢ فظاهر هذا أن الوضوء لا يكون إلا من هذين، والواقع خلافه، وإنما كان هذا اللفظ جواباً لسؤال معين خرج على هذا النحو، ولا يمنع ذلك وجوب الوضوء من غير هذين. وهناك أجوبة أخرى للجمهور، منها: القول بالنسخ، ومنها ترجيح أحاديث تحريم ربا الفضل على حديث أسامة لرواياتها عن جماعة، وتقديم العمل بالمنطوق فيها دون العمل بالمفهوم في حديث أسامة ٣. واستدل أيضاً بالعقل: فقال: " ... وثانيها أن الله توعد على أكل الربا بضروب من الوعيد لم تعهد في التنزيل ولا في السنة، ولا يماثلها إلا في الترهيب والزجر عما عظم أثمه وفحش ضرره من الكبائر ٤. ويناقش هذا الاستدلال بإنه احتكام للعقل في غير موضعه واحتجاج بالرأي فيما لا مجال للرأي فيه، فإن مما لا مجال للرأي فيه ما جاء به النص، وإن مما جاءت به النصوص وعيد آكل الربا ولعنه وهذا هو ما عرفت به الكبيرة عند العلماء ٥. إذاً فالراجح هو قول الجمهور بتحريم ربا الفضل للأسباب الآتية: أولاً: كثرة الروايات الصحيحة التي وردت في تحريم ربا الفضل، وقد خرجت في الصحيحين وغيرهما. ورويت عن عدد كبير من الصحابة وتلقتها الأمة بالقبول حتى حكي الإجماع في ذلك ٦.

стр. 77

ثانياً:أن هذه الأحاديث ناطقة بتحريم ربا الفضل ولا تحتمل التأويل، بخلاف ما احتج به الشيخ رشيد من حديث أسامة، فإنه يدل بالمفهوم، والمفهوم يتطرق إليه الاحتمال ١. ثالثاً: ثبوت رجوع من قال بإباحة ربا الفضل من الصحابة كابن عمر وابن عباس ﵃ ٢. رابعاً: ضعف أدلة القائلين بجوازه كما رأيت ٣. ولقد كان للشيخ رشيد اجتهادات كثيرة كما أشرت في أول هذا المبحث، وبعضها في مسائل كبيرة كمسألة الربا، وبعضها دون ذلك، ومما لا يقل خطورة عن مسألة الربا: كاجتهاده في " ذبائح أهل الكتاب" ٤. وقد ترك لنا الشيخ رشيد فتاوى فقهية تعد من حيث كثرتها ثروة، ويجدر بها أن تنال عناية الباحثين في علم الفقه لوزن هذه الثروة وتقويمها.

стр. 78

المبحث الخامس: أثر الشيخ رشيد رضا في العالم الإسلامي أهم الآثار التي يجب أن نشير إليها هنا هو " مجلة المنار"، لقد كانت هذه المجلة هي العمل الأساسي الذي قام به رشيد رضا طيلة حياته. وكل ما طبع بعد ذلك من كتبه ومؤلفاته هو في الحقيقة كان في صورته الأولى مقالات متفرقة في مجلة المنار، لقد كان إنشاء هذه المجلة من الأهداف الأساسية التي حدت بالشيخ رشيد للهجرة إلى مصر، وخير ما يحدد لنا أهداف مجلة المنار هي افتتاحية العدد الأول منها، فقد افتتحها رشيد رضا بقوله: "أما بعد: فهذا صوت صارخ بلسان عربي مبين ونداء حق يقرع سمع الناطق بالضاد مسامع جميع الشرقيين ... يقول: أيها الشرقي المستغرق في منامه، المبتهج بلذيذ أحلامه، حسبك حسبك، فقد جاوزت بنومك حد الراحة.." ١. وفي مقدمة الطبعة الثانية لهذا المجلد ـ الأول ـ يقول عن أغراض المنار، أن " أغراضها كثيرة يجمعها الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي لأمتنا الإسلامية، هي ومن يعيش معها وتتصل مصالحه بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر في كل قطر وكل مصر، وإبطال ما يورد من الشبهات عليه، وتفنيد ما يعزى من الخرافات إليه.." ٢.

стр. 79

ويرى كثيرون أن مجلة المنار كانت امتداد لأفكار وآراء العروة الوثقى١التي كان الشيخ رشيد معجباً بها أيما إعجاب، إلا أنها فاقت العروة الوثقى بطول البقاء وبعد الأثر ٢. ومن أهم الأمور التي شغلت " مجلة المنار" الإصلاحية، "إصلاح الأزهر" وتجديد العلم وهداية الدين فيه، وما يحتاج إليه من العلوم والفنون آنذاك، ولقد اشتملت مجلة المنار على العديد من المقالات التي تضمنت هذا المعنى ٣. وكان هدفاً أساسياً لرشيد رضا أن يجلس على عرش الأزهر أحد تلامذة "الأستاذ الإمام" وقد سعى له سعيه، ونجح في الأخير أن يكون سبباً أساسياً في ذهاب أحد خصوم "محمد عبده" وهو الأحمدي الظواهري، وإتيان أحد تلامذة "الأستاذ الإمام" وهو "محمد مصطفى المراغي" ٤. وكان من الأبواب البارزة في مجلة المنار "باب البدع والخرافات والتقاليد والعادات" وهو باب يتطرق إلى الحديث عن أنواع البدع والخرافات التي دخلت في عقيدة الأمة الإسلامية وأفسدتها، كما أفسدت التقاليد والعادات المنحرفة أخلاقها ٥. وعلى العموم؛ كانت مجلة المنار سلفية المنهج "غالباً" وغايتها موجهة إلى الإصلاح ـ بشكل عام ـ وإلى مواجهة ومحاربة البدع، والرجوع إلى ما كان عليه السلف من الدين ٦.

стр. 80

ولقد انتشرت مجلة المنار في أرجاء العالم الإسلامي، وكان لهذا الانتشار أثره في نشر الأفكار السلفية في مجلة المنار. وبشكل خاص كان أثر المنار في مصر والهند ظاهراً وواضحاً.

стр. 81

المطلب الأول: أثر المنار في مصر والهند منذ أن بدأ رشيد رضا العمل في مصر والدعوة إلى الإصلاح وهو يسعى لإيجاد جماعة تتولى هذه المهمة، وكان يود أن يكون محمد عبده هو الزعيم لهذه الجماعة، إذ كان يمهد السبيل لجعل الأستاذ الإمام زعيم الإصلاح السياسي في جميع بلاد الإسلام. وقد نجح رشيد رضا في وضع محمد عبده في مكانة بحيث لا يجرؤ أحد على مطاولته ولا النيل منه، وذلك بسبب الدعاية الكثيرة التي كان يقوم بها لصالح " الأستاذ الإمام" في مجلة المنار. ١. لقد امتد فكر رشيد رضا وآراؤه في كل مصر، وأثر فيها أعمق الأثر، فلقد قامت جماعات كثيرة كلها تزعم أنها امتداد لرشيد رضا ومنهجه الإصلاحي، وكان من أبرز هذه الجمعيات التي اتفقت أفكارها ونشاطاتها مع رشيد رضا الإصلاحية؛ جمعية " الشبان المسلمين" التي قامت في حياته، وكان هو من مؤسسي هذه الجمعية، وعضواً في مجلس إدارتها وقام بوضع قانونها الأساسي بصورته النهائية ٢. وفي اجتماعات" جمعية الشبان المسلمين" التقى برشيد رضا: حسن البنا، الذي أنشأ جماعة فيما بعد، وأراد أيضاً أن يجعلها امتداداً لعمل رشيد رضا الإصلاحي، وأنها امتداد له؛ مستشهداً في ذلك ببعض عبارات رشيد

стр. 82

رضا ١، وحاول حسن البنا أن يتخذ من كلمات رشيد رضا دستوراً لجماعتة ٢. غير أن الجماعة التي تعتبر بحق امتداداً لرشيد رضا بكل ما فيه من حسنات وغيرها، هي " جماعة أنصار السنة" الذي أسسها الشيخ محمد حامد الفقي، أحد علماء الأزهر وخطباء الأوقاف وتلامذة رشيد رضا في دار الدعوة والإرشاد، ولقد اقتبس الفقي اسم جماعته من عبارة رشيد رضا "أنصار السنة المحمدية" ٣. ولقد ورثت هذه الجماعة رشيد رضا وتبنت أفكاره وآراءه ومنهجه في الإصلاح حتى أنني أستطيع القول: بأن كل حسنة لرشيد رضا هي كذلك في جماعة " أنصار السنة" وكل انتقاد وجه إليه سيوجه إليها أيضاً، وكل المواقف التي اتخذها قد تبنتها فيما بعد هذه الجماعة ٤. ومن أمثلة ذلك: الموقف المتشدد من كرامات الأولياء حتى اشتهر أن أنصار السنة ينكرونها، وأيضاً مسألة السحر، فقد ورثت الجماعة موقف رشيد رضا من السحر جملة بأنه لا حقيقة له، وهو مجرد تأثير قوى النفس، وكذلك مسألة الأحاديث والاقتصار على الصحيحين، والمهدي، وسيأتي بيان ذلك تفصيلاً في محله، وفيما يتعلق بحامد الفقي، فقد وجه إليه انتقاد بشأن كلامه عن الملائكة٥، وكذلك الجن ٦. كما ورثت الجماعة حسناته كما هو معلوم باتباعها منهج السلف

стр. 83

الصالح والدعوة إليه، في جميع أبواب الدين لا سيما التوحيد والصفات، ونبذ التقليد والعصبية المذهبية ١. أثر المنار في الهند: لقد وصلت مجلة المنار إلى الهند وبواسطتها تعرف الهنود على رشيد رضا وخطته الإصلاحية، وكان رشيد رضا شديد الاهتمام بمسلمي الهند، لذا فقد خص أبناء مسلمي الهند بنصيب وافر من مدرسة الدعوة والإرشاد، فتخرج فيها من الهنود من كان له جهود علمية وعملية في تحقيق الإصلاح الديني والتعليمي لدى مسلمي الهند. وقامت عدة جمعيات ومؤتمرات تدعو للعود إلى الإسلام في صورته الأولى ومحاربة البدع والخرافات المنتشرة بين المسلمين والاهتمام بالعلوم العصرية وإدخالها المدارس ٢. وكانت نقطة الالتقاء بين رشيد رضا وعلماء الهند هي الاهتمام بعلوم السنة والحديث بشكل خاص ٣، واعترافاً من علماء الهند بدور رشيد رضا وريادته للإصلاح الذي يسعون إليه فقد دعته جمعية "ندوة العلماء" لرئاسة مؤتمرها السنوي ٤. ولم يقف أثر المنار عند مصر والهند، بل ذهبت المنار إلى أماكن كثيرة في العالم الإسلامي، فقد وصلت إلى أندونيسيا والمغرب العربي، وتونس والجزائر، وإلى استانبول وعمان والعراق والكويت ٥.

стр. 84

المطلب الثاني: مدرسة دار الدعوة والإرشاد: تبرز أهمية هذه المدرسة باعتبارها مؤسسة منظمة تربوية تعليمية حاول من خلالها رشيد رضا أن ينقل كثيراً مما دعا إليه في مجال الإصلاح الديني والتعليمي من حيز النظرية إلى مجال التطبيق ١، لقد حاول إنشاء هذه المدرسة في عاصمة دولة الخلافة ولكنه فشل ٢، ثم أنشأها أخيراً في مصر بمساعدة أميرها، فحددت القاهرة مركزاً رئيساً لجمعية " الدعوة والإرشاد" الخلفية القانونية لمدرسة " الدعوة والإرشاد" وكانت مدة الدراسة في هذه المدرسة ست سنوات تنقسم إلى مرحلتين ٣. ويتبين من منهاج الدراسة النظري والعملي أن رشيد رضا حاول من خلاله تحقيق كثير من أسس الإصلاح الديني والتعليمي الذي كان يدعو إليه، فالمنهاج النظري يجمع بين العلوم الإسلامية والعلوم العصرية ـ كما كان يفعل أستاذه حسين الجسر في طرابلس ـ كما وضعت الكتب بلغة سهلة وأسلوب عصري٤. لقد توقفت المدرسة أثناء الحرب العالمية الأولى بسبب اتقطاع الدعم المادي لها ٥، ورغم الفترة المحدودة التي ظلت الدراسة بها قائمة، والتي لم تتعد أربع سنوات، إلا أن حماس رشيد رضا وحرصه على نجاح المدرسة، أدى إلى تخرج مجموعة من تلامذتها وهم مجتهدون للعمل على منهج الإصلاح الذي أرساه رشيد رضا ومزودون بكثير من العلوم والمعارف والخبرات التي أهلتهم فيما بعد للإسهامات العلمية والعملية في المناطق التي ذهبوا إليها.

стр. 85

ولما أغلقت "دار الدعوة" تفرق طلابها في البلاد الإسلامية بعد أن تشبعوا بأفكار منشئها، ورضعوا من لبان مدرستهم خمس سنين وتحمسوا لأهدافها، فكان منهم المشتغل بالوعظ والإرشاد والمتصل بالملوك ورجال السياسة، ومن هؤلاء الطلاب: أ) الشيخ يوسف ياسين ١. ب) الشيخ أمين الحسيني ٢. ج) الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي الهندي ٣. د) الشيخ محمد بسيوني عمران من جاوة بأندونيسيا ٤. هـ) الشيخ محمد بهجت البيطار ٥. من سوريا. و) الشيخ محمد حامد الفقي، مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية ٦. ز) الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. من أئمة الحرم المكي ٧. ح) الشيخ عبد الظاهر أبو السمح من أئمة الحرم المكي ٨. ط) الشيخ عبد السميع البطل. من علماء مصر ٩.

стр. 86

ي) الشيخ محمد أبو زيد ١. وآخرون ٢. ولا ريب أن لرشيد رضا تلاميذ غير هؤلاء، لم يتخرجوا في دار الدعوة والإرشاد، التي لم تبق إلا خمس سنوات، وإنما تخرجوا على الشيخ نفسه وعلى مجلته المنار، ومن أشهرهم: محمد أحمد عبد السلام القشيري ٣. ومحمد علي عبد الرحيم ٤. وقد لازمته حتى وفاته ـ رحمه الله تعالى ـ. وغير هؤلاء كثير يصعب حصرهم قد تأثروا بالدعوة السلفية التي ألقى الشيخ رشيد بذرتها في مصر وانتشرت في العالم بواسطة مجلة المنار، وتابعها من بعده، حامد الفقي وتلامذته ٥. وأما المدرسون في "دار الدعوة" فقد كان يدرس فيها بجوار رشيد رضا الشيخ محب الدين الخطيب الذي هاجر إلى مصر سنة ١٩٠٩م. وأنشأ فيها المكتبة السلفية الشهيرة ٦.

стр. 87

وأيضاً كان من المدرسين بها محمد توفيق صدقي الطبيب الشهير فقد كان يدرس فيها العلوم الطبيعية ١. ومنهم الشيخ أحمد العبد بن الشيخ سليمان العبد من علماء الأزهر ٢، وغيرهم ٣.

стр. 88

المطلب الثالث: مؤلفات رشيد رضا: امتاز الشيخ رشيد بقدرة كبيرة على الكتابة، فكان يكتب في الساعات ما لا يقدر أن يسوده غيره في أسابيع، حتى لو قيل إن محصول قلمه قد يتوزع على عشرة كتاب كبار ونصيب كلٍّ منهم نصيب وافر لم يكن في ذلك أدنى غلو ٤. والذي أريد أن أشير إليه هنا هو أن المؤلف الأساسي للشيخ رشيد هو "مجلة المنار" ٥ إذ أنه لم يكتب قبلها إلا كتاباً واحداً أثناء طلبه للعلم وهو "الحكمة الشرعية" أما باقي كتبه التي ألفها، فقد كانت أول أمرها جزءاً من مجلته أفردها في كتاب مستقل لسبب أو لآخر، ولا يخرج عن هذه القاعدة شيء من مؤلفاته، بما فيها تفسير المنار الذي كان جزءاً أساسياً من "مجلة المنار" ثم طبع مفرداً فيما بعد. والمؤلفات التي طبعت ونشرت مستقلة للشيخ رشيد هي: ١/ تاريخ الأستاذ الإمام: طبع في ثلاثة أجزاء كبيرة، وكان الشيخ رشيد ينوي أن يتمها برابع ٦.

стр. 89

٢/ ترجمة القرآن ١. ٣/ تفسير الفاتحة ومشكلات القرآن ٢. ٤/ تفسير سورة الفاتحة، وست سور من خواتيم القرآن ٣. ٥/ خلاصة السيرة المحمدية ٤. ٦/ الخلافة ٥. ٧/ ذكرى المولد النبوي ٦. ٨/ السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة، طبع منه أولاً الجزء الأول في حياة الشيخ رشيد، ثم طبع في جزئين بعد وفاته باثنتي عشرة سنة ٧. ٩/ شبهات النصارى وحجج المسلمين ٨. ١٠/ عقيدة الصلب والفداء ٩. ١١/ الربا والمعاملات في الإسلام، نشرت في كتاب بعد وفاة الشيخ رشيد بمعرفة محمد بهجت البيطار ١٠. ١٢/ مناسك الحج أحكامه وحِكَمه؛ ألفها أثناء رحلته إلى الحج ١١.

стр. 90

١٣/ يسر الإسلام وأصول التشريع العام ١. ١٤/ الوهابيون والحجاز ٢. ١٥/ المنار والأزهر ٣. ١٦/ نداء للجنس اللطيف ٤. ١٧/ المسلمون والقبط ٥. ١٨/ الوحي المحمدي ٦. ١٩/ الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية ٧. ٢٠/ رسالة في حجة الإسلام الغزالي ٨. ٢١/ رسالة في التوحيد: على طريقة السؤال والجواب ٩. ٢٢/ مساواة الرجل بالمرأة وأصلها مناظرة في الجامعة المصرية حول هذا الموضوع ١٠. ٢٣/ المقصورة الرشيدية: وهي أبيات شعرية عارض فيها مقصورة ابن دريد ١١.

стр. 91

٢٤/ تفسير القرآن الحكيم: الشهير بتفسير المنار ١. ٢٥/ الوحدة الإسلامية ٢. هذا عدا ما طبعه الشيخ رشيد في مطبعته "المنار" لغيره من المؤلفين، فقد قامت مطبعة المنار بمصر بطبع ونشر كثير من الكتب المختلفة التخصصات، ولقد قام الشيخ رشيد بالتعليق على أكثرها، ولعل من أهم تلك الكتب التي طبعت في مطبعته وعلق عليها، تلك التي طبعها لحساب الدولة السعودية السلفية، بأمر من الملك عبد العزيز ﵀ لتوزيعها على طلبة العلم ٣، وأغلبها من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعض علماء الدعوة السلفية في نجد، كما أن بعضها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ٤، وكتب أئمة وعلماء المذهب الحنبلي بالإضافة إلى كتب التفسير؛ كتفسير البغوي وابن كثير. ولا شك أن اهتمام الشيخ رشيد بطبع مثل هذه الكتب والتعليق عليها يعطينا فكرة واضحة عن مقدار تأثره بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدعوة السلفية عموماً، ولقد صارت مطبعة المنار أهم المطابع في مصر والعالم الإسلامي في طبع هذه الكتب ٥.

стр. 92

المطلب الرابع: الكتابات حول رشيد رضا: لقد تعددت الكتابات حول رشيد رضا، وتنوعت بين بحث علمي وآخر تكميلي، وبين مقالة في مجلة، كما عقد عنه وحوله بعض المؤتمرات العلمية. فأما البحوث العلمية، فلا يتهيأ لكاتب أن يكتب عن "محمد عبده" دون أن يتحدث بإسهاب عن تلميذه "محمد رشيد رضا " لذلك فإن كل من كتب عن محمد عبده كتب عن رشيد رضا. ومن ذلك ما فعل د. عبد الله شحاته في: "منهج الإمام محمد عبده في تفسير القرآن الكريم" ١، ود. عبد الغفار عبد الرحيم في "الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير" ٢،وكذلك كل من كتب عن "المدرسة العقلية الحديثة" كتب فصلاً عن محمد عبده ومعه فصل آخر عن رشيد رضا، ومن ذلك ما فعل فهد الرومي في "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" ٣، وفي "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر" ٤، والأمين الصادق في "موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية" ٥، وكل من كتب عن مناهج المفسرين، فإنه لا بد أن يتناول تفسير المنار ببحث فيه ٦. وكل من كتب عن المجددين

стр. 93

والمصلحين فإنه يكتب عن رشيد رضا فصلاً في كتابه ١. وقد كتب عنه أيضاً المستشرقون، فقد كتب عنه جولد تسهير في "مذاهب التفسير الإسلامي" ٢. وعندما كتب المستشرق آدم متز رسالته الجامعية عن "الإسلام والتجديد"، جعل محورها يدور حول "الأستاذ الإمام" ولكنه فسح المجال لبابين كبيرين تحدث في أحدهما عن "جمال الدين الأفغاني" وفي الآخر عن محمد رشيد رضا ٣. وقد توالت الكتب الكثيرة في هذه الحقبة الأخيرة عن محمد عبده وتعاليمه، وكلها تقريباً ترجع إلى مؤلفات "رشيد رضا " وبحوثه وتعده المرجع الأوفى لأستاذه والامتداد الطبيعي لتياره. وبعد ذلك كله لقد خص رشيد رضا ببحوث علمية كان هو موضوعها ومحورها في عدة مسائل من العلم. منها في التربية والتفسير والإصلاح والسياسة والصحافة والدعوة. لقد فاقت البحوث التي كتبت عن رشيد رضا ما كتب عن أستاذه عدداً وموضوعاً. ففي مجال التربية كتب عنه بحثان، الأول: قدم في جامعة أم القرى بعنوان "الفكر التربوي عند محمد رشيد رضا" ٤، وبنفس العنوان قدمت رسالة أخرى لجامعة الأزهر ٥، وفي التفسير قدم حبيب السامرائي لجامعة

стр. 94

الأزهر حول: "رشيد رضا المفسر" ١، وحصل به على درجة الدكتواره. وفي نفس الجامعة قدم يوسف عبد المقصود بحثه عن "محمد رشيد رضا وجهوده في خدمة السنة" ٢، وفي جامعة الأزهر أيضاً قدم أحمد الشرباصي بحثه للدكتوراه بعنوان "رشيد رضا عصره وحياته وجهوده الأدبية واللغوية" ٣. وهناك أيضاً قدم جودة أحمد جودة بحثه عن مجلة المنار بعنوان "مجلة المنار وأثرها في قضايا الفكر الإسلامي" ٤، وفي مدينة الإسكندرية وكلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها قدم إسماعيل شتا بحثه للدكتوراه بعنوان "محمد رشيد رضا في تفسير المنار وموقفه من حركة التجديد الديني" ٥، بإشراف أستاذي محمد بدري عبد الجليل ٦. وفي جامعة عين شمس بالقاهرة في كلية الآداب فرع التاريخ قدم أحمد الشوابكة بحثه للدكتوراه عن "محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية ٧. وفي الرياض جامعة الإمام، كلية العلوم وقسم التاريخ، قدم محمد السلمان بحثاً قيماً عن "رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" وحصل به على درجة الماجستير ٨. وفيما يتعلق بالعقيدة؛ فقد تقدم عبد الله بن رجاء العصيمي ببحث تكميلي في جامعة الإمام بعنوان "الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه الوحي

стр. 95

المحمدي" ١ وكما هو واضح أن هذا البحث في موضوع خاص وكتاب خاص. وأيضاً ـ في العقيدة ـ أو بالأحرى "علم الكلام" قدم خليفة عبد الرؤوف بحثاً للماجستير في قسم "الفلسفة الإسلامية"!! بعنوان: "موقف الشيخ رشيد رضا من القضايا الكلامية" ٢. ولم أستطع الاطلاع على هذا البحث لأحكم عليه، إلا أنني لا أكاد أشك في وجهته من خلال القسم الذي قدم فيه "الفلسفة الإسلامية" والموضوع الذي دار حوله "القضايا الكلامية". ويبقى هنا كتاب واحد لا يصنف مع البحوث العلمية ـ باعتراف كاتبه ـ ولم أكن أنوي ذكره هنا ـ إلا أن رغبة بعض من حولي مالت بي إلى هذا. هذا الكتاب وباعتراف صاحبه ليس بحثاً علمياً رغم أنه كتب على طرته أنه بحث للماجستير حول رشيد رضا: طود وإصلاح دعوة وداعية، جهاده في خدمة العقيدة، وأثره في الاتجاهات المعاصرة". وأقول إنه ليس بحثاً علمياً لأنه لم يخضع للإشراف العلمي في أي جامعة علمية في العالم ٣. وأيضاً لأنه باعتراف صاحبه ـ افتقر إلى أهم عنصرين في البحوث العلمية وهما: الوقت والتفرغ والرجوع إلى المصادر الأصلية في موضوع البحث. فإدخال هذا الكتاب ضمن البحوث العلمية ينطوي على التدليس.

стр. 96

فهذا العنوان الطويل، الذي لا يتناسب مع البحوث العلمية الجادة، ولا يمكن لباحث أن يتناول كل موضوعاته هذه إلا إذا قصّر فيها جميعاً تقصيراً شديداً، لم يجب فيه صاحب هذا الكتاب عن أي تساؤل ولم يكتشف أي حقيقة، كما قال هو بنفسه ١. والذي منعه عن الإجابة هو "ضيق الوقت وافتقار هذا البحث إلى التحليل العلمي المتخصص الذي يوجد في البحوث التي كثرت مراجعها ومظانها، فلقلة المعرفة وندرة المراجع، والتعتيم الإعلامي الواضح الذي أضفي على شخصية هذا الرجل ... " ٢، وفيما يتعلق بنتائج البحث يقول: "ولم أصل في هذا البحث إلى غاية منشودة أو أمنية مفقودة، ولكن هذه السطور تضع علامات استفهام كبيرة، وتطرح أسئلة كثيرة نبحث عن إجابتها ... " ٣. وحتى لا يظن إن الكاتب قال ما قال من باب التواضع فإنني أذكر أمثلة تدل على صدقه: الأول: بسبب ضيق الوقت وعدم الاعتماد على المصادر الأصلية وهي هنا مؤلفات رشيد رضا ـ فقد وقع الكاتب في أوهام عجيبة منها: أ) ـ أنه رغم هذا العدد من البحوث العلمية التي كتبت عن رشيد رضا ـ ورغم أني اقترحت في بحثي هذا أيضاً عدة بحوث حول رشيد رضا ـ ورغم عدد المقالات التي كتبها طيلة خمس وثلاثين سنة في مجلة المنار، ورغم ما كتب عنه حياً وميتاً من هذه المقالات قديماً وحديثاً ٤، وما عقد

стр. 97

حوله من مؤتمرات شارك فيها حياً أو عقدت عنه بعد وفاته ١. إلا أن المؤلف صاحب الطود يتساءل متعجباً "عن التعتيم على حياة ومؤلفات رشيد رضا وعدم الاهتمام بها نصف أو ربع بل عشر ما لاقاه من هو دونه" ٢. وعلى كل حال هو لم يجب أيضاً عن هذا السؤال الخطير. ب) ـ دعي رشيد رضا إلى حضور "المؤتمر السوري" في "جنيف" لمناقشة مستقبل سورية واستقلاله، عقد هذا المؤتمر في هذه المدينة الأوروبية. وقد اهتم رشيد رضا ـ كعادته في رحلاته كلها ـ بكتابة كل شيء حول هذا المؤتمر ـ بدءاً من أسبابه وجلساته إلى نتائجه، وكل ذلك في مجلة المنار ٣، إلا أن صاحب"الطود" لم يوافق على أن المؤتمر عقد في جينيف بسويسرا، وربما لأنه "مؤتمر سوري" فلا بد أن يعقد في دمشق ٤، والسبب في ذلك الوهم اعتماده على الوسائط في بحثه. جـ) ـ منذ الأعداد الأولى لمجلة المنار نشب صراع صحفي بين مجلة المنار وعدد من الصحف التبشيرية، وحمي وطيس المعركة وأثارت النقع

стр. 98

حتى وصل إلى أنف الحاكم البريطاني في مصر الذي أوعز لرئيس وزرائها بإغلاق مجلة المنار، وكادت أن تغلق المجلة واستدعي رشيد رضا لمقابلة رئيس الوزراء، ولكنه رفض التنازل والتخلي عن رده على المبشرين ولو أغلقت مجلته وعاد إلى بلاده ١، ومع ذلك ـ وبسبب الاعتماد على المصادر الوسيطة، ادعى المؤلف أن رشيد رضا كان بينه وبين النصارى موالاة وملاينة ٢. الثاني: وفيما يتعلق بالعقيدة، فقد تناول المؤلف كل جهود رشيد رضا في العقيدة في تسع وتسعين ومائة صفحة فلم يكن لتوحيد الربوبية أي نصيب، وحظي توحيد الألوهية بخمس صفحات، وكان أسعد المباحث حظاً مبحث الصفات، فقد فاز بسبع وأربعين صفحة تتبع فيها آيات الصفات في التفسير ـ كما فعل المغراوي ـ ٣، وتوصل إلى نتائج عجيبة منها أنه ادعى أن رشيد رضا أثبت الوجه لله تعالى معتمداً على آية يرى رشيد رضا أنها ليست من آيات الصفات أصلاً ٤. وبناءً على ذلك لا أعتبر هذا المؤلف من البحوث العلمية التي دارت حول رشيد رضا، وأعتقد أن إدخاله فيها ينطوي على التدليس.

стр. 99

المبحث السادس: وفاة الشيخ رشيد: توفي الشيخ رشيد ﵀ بعد عودته من وداع الأمير "سعود بن عبد العزيز" في ميناء السويس في طريقه إلى القاهرة، في يوم ٢٣ جمادى الأولى ١٣٥٤هـ = ٢٢ أغسطس ١٩٣٥م ١. وقد أحدثت وفاته صدى هائلاً في الأوساط المصرية سياسية وعلمية. ورثاه العلماء والأدباء والساسة على السواء ٢. وبوفاة الشيخ رشيد انتهت قصة "المنار"، ولم تنجح أي محاولة أخرى لبعثها، لأن "المنار" كانت هي "رشيد رضا" ٣. وكانت مجلة "الهدي النبوي" التي أسسها حامد الفقي هي الوريث الوحيد لمجلة المنار، كما كانت مطبعة أنصار السنة المحمدية هي المتمم لمطبعة المنار ٤. ولقد دفن الشيخ رشيد بجوار شيخه "محمد عبده" في مقابر المجاورين بالأزهر ٥.

стр. 100

الفصل الثالث: منهج رشيد رضا في الاستدلال وموقفه من علم الكلام تمهيد تمهيد ... تمهيد: إنه ـ ومن خلال قراءة مؤلفات الشيخ رشيد ـ تبين لي أنه اعتمد على المصادر الرئيسة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة في تلقي وفهم العقيدة، هذه المصادر هي: الكتاب والسنة والإجماع ١، ثم فهمها على ضوء القواعد التي سار عليها وقررها سلفنا الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ وقد اتخذ الشيخ رشيد موقفاً رافضاً لمواقف المتكلمين وطريقتهم في الاستدلال على مسائل العقيدة، مؤيداً لمدرسة أهل السنة وطريقتهم. وقد قسمت الفصل إلى المباحث التالية: المبحث الأول: مصادر التلقي عند الشيخ رشيد؛ ويبحث تحته موقفه من المصادر الرئيسة، وهي: الكتاب والسنة والإجماع، والمصادر الثانوية، وهي: العقل والفطرة ٢. المبحث الثاني: قواعد الاستدلال عند الشيخ رشيد، ويبحث فيه عن القواعد التي اعتمدها وسار عليها في فهمه للنصوص. المبحث الثالث: موقف الشيخ رشيد من علم الكلام والمتكلمين، وقد وجدت له موقفين: قديم وجديد.

стр. 101

المبحث الرابع: موقف رشيد رضا من شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته. المبحث الخامس: موارد الشيخ رشيد في العقيدة، إذ يتبين لنا من خلالها الكتب التي اعتمد عليها في بحث مسائل العقيدة، فيكون ذلك بمثابة التطبيق العملي بعد التقسيم النظري.

стр. 102

المبحث الأول: مصادر التلقي عند رشيد رضا المطلب الأول: القرآن الكريم ... المبحث الأول: مصادر التلقي عند رشيد رضا: تنقسم مصادر التلقي عند أهل السنة إلى قسمين: مصادر رئيسة هي: الكتاب والسنة والإجماع. ومصادر ثانوية هي: العقل السليم والفطرة القويمة، وفيما يلي نتعرف على موقف الشيخ رشيد من هذه المصادر جميعاً: المطلب الأول: القرآن الكريم: القرآن الكريم عند جميع المسلمين حجة في جميع قضايا الدين العلمية والعملية، الإنشائية والخبرية، وهو الفرقان بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ١، وأقام الله تعالى به الحجة على العالمين: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٢، فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله ٣، وأمر الله تعالى

стр. 103

بالتحاكم إليه فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٢. واعتمد الشيخ رشيد ـ كجميع المسلمين ـ على كتاب الله تعالى، مصدراً أساسياً في استمداد وبحث مسائل العقيدة، والاستدلال عليها. فمهما وجد في كتاب الله دليلاً على شيء منها أورده وقدمه على غيره من الأدلة. لأن الله تعالى إنما أنزل القرآن هداية للناس. لقد اعتنى الشيخ رشيد ببيان الحكمة من إنزال القرآن وكونه أُنزل هدايةً عامة للناس، وأوْرد الآيات والأحاديث التي تبين هذه الحكمة، وحمل على الذين اتخذوا قراءته هدفاً وحرفة دون الاهتداء به ٣. وخلاصة ما قاله في ذلك: إن الله تعالى أنزل القرآن نوراً وهدى للناس ليهتدوا به ويسعدوا في الدنيا والآخرة. قال: "والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها ناطقة بأن القرآن أنزل عبرة وتذكرة وشفاءً لما في الصدور أي القلوب من أمراض الجهل بالله وبما على عباده من الحقوق" ٤. واحتج أيضاً في تقرير هذا المعنى بالأحاديث الواردة في القرآن فقال وقد أورد عدداً منها ٥:" وأما الأحاديث الواردة في القرآن فمنها ما ورد في حفظه وتعلمه وتعليمه وهذا مطلوب لأمرين: أحدهما: فرض عيني وهو معرفة العقائد الصحيحة والآداب الكاملة وفقه الأعمال التعبدية، والدنيوية التي فصَّلت السنة كيفياتها وبيّنت صورها. والثاني: فرض كفاية؛ وهو تبليغه بلفظه على الوجه الذي أُدّي إليه.." ٦.

стр. 104

ولما كانت هذه الحكمة من إنزال القرآن فقد تكفل الله تعالى بحفظه لحفظ هذه الهداية العامة والخاتمة، وقد تبدَّى هذا الحفظ في توثيق نص القرآن الكريم توثيقاً منقطع النظير على مرّ الأيام والعصور، فالقرآن كما يقول الشيخ رشيد هو:"الكتاب الإلهي الوحيد الذي نقل بنصه الحرفي تواتراً عمن جاء به بطريقي الحفظ والكتابة معاً.." ١. وفيما يتعلق بهذا الحفظ ترد شبهة نسخ بعض الآيات والتي وقع فيها الشيخ رشيد، ورفض القول بنسخ بعض الآيات، وسوف أتناول هذه المسألة بعد قليل. وإذا كانت الحكمة من إنزال القرآن هي الاهتداء به فإن ذلك يتوقف على فهم معانيه. فما هو منهج الشيخ رشيد في هذا الصدد؟ بين الشيخ ﵀ المنهج الواجب اتباعه في تفسير القرآن وبيان معانيه، فقال: إن هناك علوماً لا بد منها في فهم هذا الكتاب كفنون العربية، واصطلاحات الأصول وقواعده الخاصة بالقرآن وقواعد النحو والمعاني، ومنها أيضاً معرفة سنن الله تعالى في هذا الكتاب ٢. كل ذلك مما يعين على فهم معاني القرآن. ولكن الشيخ رشيد يحمل على بعض المفسرين الذين شغلوا قرّاءه عن مقاصده العالية وهدايته السامية، بمباحث الإعراب، وقواعد النحو ونكت المعاني ومصطلحات البيان، وكذلك ما يصرف عن هدايته من جدل المتكلمين وتخريجات الأصوليين وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، كما أن بعضها صرف الناس عن هدايته بكثرة الروايات وما مُزِجت به من خرافات الإسرائيليات ٣. وزاد بعضهم صارفاً آخر عن هذه الهداية بما

стр. 105

يورده من العلوم الرياضية والهيئة الفلكية اليونانية من المتقدمين والمتأخرين ١. فيرى ﵀ أنه لا ينبغي الإسراف في تناول هذه العلوم ويكتفى منها بالقدر الذي يعين على فهم هذا الكتاب على الوجه الذي أنزل من أجله "إذ أن الإكثار في مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن المقصود بالكتاب الإلهي" ٢. وقد ظهر لي أن المنهج الذي سار عليه الشيخ رشيد في فهم معاني القرآن أنه أولاً يفسر القرآن بالقرآن، أعني يفسر الآية بما يوضحها من آيات الكتاب الكريم. وهذه الطريقة هي أعلى مراتب التفسير، إذ أن القرآن يصدِّق بعضه بعضاً. وهو منهج صحيح ومعتبر عند أهل السنة والجماعة ٣. ويتضح هذا المنهج عند الشيخ رشيد بأدنى بحث وتأمل. ونأخذ على ذلك أمثلة: من تفسيره للفاتحة: فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٤ يقول: ويشبه هذا قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٥. وعند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٦، قال: "وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العالمين جزاءه كاملاً لا يظلم شيئاً منه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ٧."

стр. 106

وعند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١، قال:" والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله، وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة، ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٢. وعند قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٣، فسر الشيخ رشيد الهداية فيها بآيات مشابهة كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٥، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٦، قال: " وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة، فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن.." ٧. وعند قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ٨ قال: "فهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٩. وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ ١٠ وقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١١ ومن هذا القبيل قوله ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ

стр. 107

مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ ومثلها في سورة البقرة ٣ وسورة الجمعة ٤، فلا فرق بين عبارة الآية التي نفسرها وعبارة هذه الآيات" ٥. وعند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ٦، قال مفسراً: "أي جعل لها زوجها من جنسها فكانا زوجين ذكراً وأنثى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ٧، كما أنه خلق من كل جنس وكل نوع من الأحياء زوجين اثنين، قال : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٨.." ٩. ويلي هذا عند الشيخ رشيد تفسير الآية بما صح من حديث النبي ﷺ "لأن ما صح من المرفوع لا يقدم عليه شيء" ١٠. كما أنه يستند ـ مع السنة ـ إلى ما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في الصدر الأول ١١. يقول الشيخ رشيد مفصلاً منهجه بعد وفاة شيخه محمد عبده: "هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته خالفت منهجه ـ رحمه الله تعالى ـ بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيراً لها وفي حكمها أو في تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة.." ١٢

стр. 108

وهذا المنهج صحيح أيضاً معتمد عند أهل السنة ١. كما أن الشيخ رشيد يستعين أيضاً بلغة العرب ٢، لأن القرآن نزل بلغتهم ولا يفهم إلا بها. فيجب لذلك تعلمها على كل مسلم ٣. ويورد الآيات المصرحة بكون اللغة العربية هي لغة القرآن ٤، ويقف بشدة ضد ترجمة القرآن ترجمة لفظية لأن ذلك غير مقدور عليه، وإن كان يجوز ترجمة معانيه. وأطال الشيخ في ذلك وطبع كتاباً حول هذا المعنى مستلاً من مجلة المنار ٥. ومعتمداً على ابن تيمية ـ يبين الشيخ رشيد أنواع الاختلاف في التفسير فيقول:" إن الاختلاف في التفسير على نوعين: الأول: ما مستنده النقل فقط، والثاني: مستنده الاستدلال بالعقل، والأول: إما منقول عن النبي أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه، ومنه ما لا يمكن ذلك، وهذا الأخير غالباً ـ مما لا فائدة في معرفته، كالمنقول عن أهل الكتاب، ومنه الصحيح وهو كثير. وأما الخطأ فيما طريقه الاستدلال فيرجع إلى أمرين حدثا بعد القرون المفضلة: الأول: حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به كجميع الفرق والمذاهب في الأصول والفروع، فإنهم قد جعلوا مذاهبهم أصولاً والقرآن فرعاً لها يحمل عليها. والثاني: التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن وهو الله والمنزَّل عليه والمخاطب به.."٦. ومن المسائل الهامة التي ناقشها الشيخ رشيد في منهج الاستدلال

стр. 109

بالقرآن الكريم: وجوب الإيمان بظاهر القرآن، فقد ردّ على من يقول: إن الإيمان بظاهر القرآن كفر، فقال: "وإننا لم يبلغنا أن أحداً من مبتدعة هذه الأمة ولا من أهل الكتاب تجرأ على مثل هذا القول في كتاب ربه، فزعم أن المؤمن به على ظاهره هو الكافر به، أي دون من يحرفه أو يتأوله برأيه أو تقليده ولو لبعض أدعياء العلم.."١. ويرد هذه الدعوى علمياً فيقول: "وأكتفي من جهة العقيدة بأن الإيمان بظاهر القرآن واجب بالإجماع، فإن أوهم تشبيهاً جزمنا بأن التشبيه غير مراد بدليل العقل والنقل، وفوضنا الأمر في كيفية ذلك وتأويله ـ أي ما يؤول إليه ـ إلى الله ... ٢. ويرفض الشيخ رشيد التأويل في آيات الكتاب رفضاً قاطعاً لأننا وكما يقول: "نرى كثيراً من المحرمات قد انتهكت في المسلمين بمثل تلك التأويلات.. ولقد صارت هذه الحيل على الله ، والتأويلات الباطلة الهادمة لدينه محدوده من علم الدين..٣. ويقول مخاطباً المتأولين: "وليعلموا أنه لا يوجد كلام قط لا يمكن حمله على غير المراد منه، حملاً يقبله الكثير من الناس المشتغلين بالعلم، وليطالعوا كتاب "حجج القرآن"٤ ويتأملوا كيف استدل جميع أصحاب المذاهب المبتدعة في الإسلام بآياته التي هي في منتهى البلاغة في البيان على تلك المذاهب المتناقضة.." ٥. وهذان الموقفان من الشيخ رشيد من هاتين المسألتين أعني: الإيمان

стр. 110

بظاهر القرآن ورفض التأويل، موقفان صحيحان ولا يعكر عليهما إلا وقوع الشيخ رشيد فيما رفضه وعارضه من التأويل، ومن ذلك ما فعله ـ متابعة لشيخه محمد عبده ـ عند تأويله للحوار الذي دار بين الله ﵎ والملائكة ١،وسكوته عن هذا التأويل أو بالأحرى عن هذا العبث، وكذلك تأويله لقصة البقرة في سورتها ٢،وتأويل "محمد عبده" للملائكة ٣. مما جعل الشيخ رشيد هدفاً للطعن عليه فيما بعد٤، وكثيراً ما حاول الشيخ رشيد أن يجد تفسيراً لبعض الآيات يكون "مقبولاً" لدى العقول العصرية، مثلما فعل في حجارة قوم لوط ٥، وسيأتي بيان موقفه من التأويل تفصيلاً إن شاء الله تعالى في موضعه. وموقف آخر لا نحمده له ـ فيما يتعلق بمنهجه في الاستدلال بالقرآن هو موقفه من نسخ التلاوة، وأريد أن أقف قليلاً عنده. النسخ: النسخ من مباحث علمي "الأصول وعلوم القرآن" فهو يُبحث في العلمين. وهو في اللغة: الرفع والإزالة ٦. كما أنه يستعمل في النقل أيضاً ٧. وشرعاً هو: إزالة الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً به مع تراخيه عنه٨.والنسخ ثلاثة أنواع:
следующие страницы →