← Акыда

Акыда · id 7251

منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة

تامر محمد محمود متولي

Полный текст (934 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الحديثان ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ لكانا بمعنى واحد ١. ومما يحتج به هؤلاء المجوزين للاستعانة الشركية بالأموات، قياس الحي على الميت، فكما تطلب المعونة من الحي فإنها تطلب من الميت. ويجيب الشيخ رشيد على هذا القياس بقوله: " ... ومن أعظم مزاعم صاحب المقدمة وأفسد قياساته المساواة بين طلب المعونة من الأحياء وطلبها من الأموات، فإذا كان لا يفرق بين الحي والميت وقد فرق بينهما الشرع والعقل، أفلا يجب عليه التفريق بين ما يطلب من الأحياء من التعاون وبين ما يطلب من الأموات ... ويطلبون من الأموات ما لا تناله يد الكاسب كجلب المصالح أو درء المفاسد من غير أسبابها التي قرنها الله تعالى بها ... " ٢. والحق ان كل ما يحتج به أصحاب البدع سواء في التوسل أو الاستغاثة أو الشفاعة أو الزيارة إما أحاديث صحيحة لا تدل على ما ذهبوا إليه أو أحاديث تدل عليه ولكنها باطلة لا يحتج بها، أو على قياس فاسد كقياس الخالق على المخلوق، أو قياس الحي على الميت ٣. سادساً: السحر: عرف الشيخ رشيد السحر لغةً واصطلاحاً وبين أنواعه وحكمه، فأما تعريفة لغة فقد اعتمد فيه على الراغب في المفردات فقال: "السحر: ـ وأشار إلى أن فيه ثلاث لغات بأوزان: فِلس، وسبب وقُفل ـ طرف الحلقوم والرئة، وقيل: انتفخ سحره ... والسحارة ـ بالضم ـ ما ينزع من السحر عند

стр. 527

الذبح فيرمى به.. وقيل: منه اشتق: السحر، وهو إصابة السحر ... " ١. وعرفه أيضاً في الاصطلاح فقال: "والمعنى الجامع للسحر أنه أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم بأسبابها، فمتى عرف سبب شيء منها بطل إطلاق اسم السحر عليه.." ٢. وأشار الشيخ رشيد إلى أن السحر صناعة تتلقى بالتعليم والتمرين فيمكن لكل أحد أن يكون ساحراً إذا أتيح له من يعلمه السحر ٣. ويبين الشيخ رشيد أن السحر ثلاثة أنواع: " أحدها: ما يعمل بالأسباب الطبيعية من خوص المادة المعروفة للعامل، المجهولة عند من يسحرهم بها، ومنها الزئبق الذي قيل: إن سحرة فرعون وضعوه في حبالهم وعصيهم ٤ ... النوع الثاني: الشعوذة، التي مدار البراعة فيها على خفة اليدين في إخفاء بعض الأشياء وإظهار، وآراءه بعضها بغير صورتها ... النوع الثالث: ما مداره على تأثير الأنفس ذوات الإرادة القوية في الأنفس الضعيفة فإن الأمزجة العصبية القابلة للأوهام..ز وهذا النوع هو الذي قيل: إن أصحبه يستعينون على أعمالهم بأرواح الشياطين ومنهم من يكتبون الأوفاق ٥ والطلسمات ٦ للحب والبغض وغير ذلك.." ٧.

стр. 528

وخطأ الشيخ رشيد من قال من المتكلمين "إن السحر من خوارق العادات الذي هو الجنس الجامع لمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وفاتهم أن السحر صناعة تتقلى بالتعليم كما ثبت بنص القرآن وبالاختبار الذي لم يبق فيه خلاف بين أحد من علماء الكون في هذا العصر" ١. وقد أشار الشيخ رشيد إلى حكم وعقوبة الساحر، ن ومنها: "القتل كفراً في بعض أنواعه المتضمنة للشرك والمستلزمة للريب في معجزات الرسل ... " ٢، كما أشار الشيخ رشيد ـ متعجباً منه ـ إلى أنه ما يزال في هذا العصر "من يتوسل إلى الاستعانة بالجن على بعض الأعمال السحرية بما هو كفر قطعاً كربط بعض القرآن على السوأتين كما علمت من بعض المختبرين لهؤلاء الدجالين الذي يعيشون بكتابة العزائم ٣، والحجب ٤، للحب والبغض والحبل، وغير ذلك. والمفاسد في ذلك كبيرة جداً ... " ٥. والذي يظهر أن الشيخ رشيد لا يرى للسحر حقيقة مطلقاً ـ وإن كان يبدو من النوع الثالث الذي ذكره ـ أنه له نوع تأثير ـ ومهما يكن من شيء فإن السحر منه ما له تأثير حقيقي ومنه ما ليس له ذلك ٦.

стр. 529

سابعاً: الرقى: الرقى: جمع رقية كمدى ومدية ١. وتسمى العزائم ٢، فإذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي جائزة. ولاختلاف أحوال الرقية اختلفت فيها الأحاديث، فالاختلاف جاء باعتبار أحوالها وهي كما يلي: الأول: أن تكون الرقية بألفاظ شركية، كأن يستعاذ فيها بملك أو جن، أو ينسب إليه النفع والضر فذلك كفر وشرك. الثاني: أن تكون بألفاظ منقولة غير معقولة المعنى، فهي ذريعة إلىالشرك فهي حرام. الثالث: أن تكون بأسماء غير الله من ملك أو نبي، وكل معظم شرعاً، فهي غير مشروعة حكمها كحكم الحلف بغير الله. الرابع: أن تكون بأسماء الله أو بكلامه أو ما أثر عن النبي ﷺ فهي المشروعة ٣. وإلى هذا ذهب الشيخ رشيد فقد عرف الرقى فقال: "الرُقى بالضم، جمع رقية "كغرف وغرفة"، وهي ما يقرأ على الملدوغ أو المريض ليبرأ أو يخف ألمه ... وهي جائزة لذلك إذا كان المقروء حقاً كالقرآن وذكر الله، ومحرمة إذا كان فيه شيء منكر أو مجهول ... " ٤. وقال في موضع آخر: " ... وحديث الرقية يدل على جوازها وجواز أخذ الأجرة عليها إذا لم يكن فيها شيء من الباطل كما ورد في حديث راقٍ آخر بالفاتحة ٥ ... " ٦.

стр. 530

غير أني لاحظت أن الشيخ رشيد يرىأن تأثير الرقية ليس حقيقياً، بل هو تأثير وهمي بحسب اعتقاد المرء فيها، أو تأثير نفسي ذات إرادة قوية روحانية في نفس أخرى، بحسب سنة الله في البشر، وهي لذلك ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ تنافي التوكل، واستدل بقوله ﷺ : "إن الله شفاني، وليس برقيتكم" ١. والذي يظهر من النصوص خلاف ذلك فإنها تدل على أن للرقية تأثيراً حقيقياً كتأثير الأدوية المختلفة، فهي سبب شرعي للشفاء. قال ابن القيم: "واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع في الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعاً مضراً، وإن كان مؤذياً، والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء، فالتعوذات والأذكار، إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها، بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه، فالرقى والعُوَذ تستعمل لحفظ الصحة ولإزالة المرض ... " ٢. ثامناً التمائم: التمائم ويقال لها: عُوذة، بالضم، ومَعاذة بالفتح، وتعويذة، والمراد بها هنا: ما يعلق على الإنسان لدفع الآفات عنه ٣. وللتمائم ثلاث حالات: أحدها: أن تعلق ويعتقد نفعها كتعليق المرضى والمحمومين في عهدنا لتراب الأضرحة والمزارات وما أشبهه، فهذا شرك. الثاني: مشابهة الجاهلية بتعليق ما لا يتبرك به من نحو حلقة أو عقرب

стр. 531

أو ودعة مع السلامة من اعتقاد المشركين، فهذا يمنع سداً للذريعة وإن لم يكن شركاً. الثالث: التبرك بما يتبرك به شرعاً من أسماء الله وكتابه. وهذا النوع قد وقع في جوازه بين علماء الصحابة والتابعين، فأجازه ومنعه آخرون واستعظموه ١. وتركك ذلك أوسع حماية لجناب التوحيد وحفاظاً على عقيدة عامة المسلمين. قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وقد تكلم الشيخ رشيد عن الحجب والرقى والتمائم، وعدها من أمال الجاهلية التي أبطلها الإسلام، وورد في حظرها أحاديث، ذكر منها قوله ﷺ : "من علق تميمة فقد أشرك" ٣، وقوله: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ٤. وقوله: "ثلاث من السحر: الرقى والتولة والتمائم" ٥. ٦. وأما عن التمائم المحتوية على أسماء الله تعالى وآيات كتابه، فقد قال عنها الشيخ رشيد: "ولا شك أن الرقى والتمائم في هذا الزمان من نزعات الوثنية، فإنها ليست مبنية على اعتقاد أن القرآن يرفع الضرر ويجلب النفع لذاته معجزة، وإنما العمدة عندهم على بركة الراقي، وكاتب التمائم وتأثيره، ولذلك لا يطلبون ذلك من كل عارف بالقرآن. فانظر كيف قلبوا الدين فتركوا

стр. 532

الاهتداء بالقرآن وهو قد أنزل ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بل زعموا أن الاهتداء به محرم على الناس اليوم لأنه وظيفة المجتهدين الذين انقرضوا. ثم زعموا أنهم يعظمونه بترك الأسباب والسنن الإلهية التي أرشدهم إليها، والاعتماد على الانتفاع برسم حروفه وحملها" ١. فالظاهر من هذا أن الشيخ رشيد يميل إلى منع التمائم جميعاً من القرآن وغيره، وهو رأي سبق إليه عدد من أصحاب النبي ﷺ ، كما سبق. وله وجهه الوجيه. ومن مظاهر الشرك التي أنكرها الشيخ رشيد ﵀ الشرك في الألفاظ كالحلف بغير الله تعالى فيقول: "لا يجوز الحلف بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته" ٢، فلا يجوز الحلف بالآباء ولا وبالأنبياء ولا الكعبة ٣. كما أنكر الشيخ رشيد التماثيل المصنوعة للزعماء ٤، وكذلك الصور لأنه ـ كما يقول ـ: "الذين رسموا الصالحين والأنبياء إنما أرادوا التبرك بصورهم وتعظيمها إكراماً لهم، وهذا التعظيم في كل اللغات عبادة" ٥. ويرى الشيخ رشيد أن الصور ليست بأشد من القبور، وإن كان الشرع قد منع الجميع، إلا أن بناء القبور وتشييدها إيقاد السرج عليها أشد وأكبر خطراً ٦. ولا يرى الشيخ رشيد فرقاً بين التصوير باليد والتصوير الشمسي في الحكم، ولا في اتخاذ هذه الصور ولا في صنعتها، لأنه يرى "أن العلة ما ورد في ذلك من الأحاديث هو أمر ديني محض يتعلق بصيانة العقيدة من لوازم الشرك وشعائره" ٧.

стр. 533

وبعد: فهذا موقف الشيخ رشيد من الشرك ومظاهره بعد بيان موقفه من التوحيد، ويبقى أن نعرف موقفه من البدع، فهي مع الشرك من نواقض التوحيد والاتباع، اللذين هما تحقيق شهادة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

стр. 534

المبحث الثالث: رفض البدع ومظاهرها * ... قد قرر الشيخ رشيد غير مرة أن أصول الدين وفروعه مبنية على أساسين: "أحدهما: أن لا يعبد إلا الله تعالى، ثانيهما: ألا لا يعبد إلا بما شرع١، فالعبادات –كما يقول الشيخ رشيد- لا تثبت إلا بنص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وليس لأحد أن يزيد فيها برأيه شيئاً فإن الله تعالى قد أكمل دينه على لسان رسوله ... "٢. وقد تكلم الشيخ رشيد كثيراً عن البدع فعرفها بين أقسامها، وأصل نشأتها، وكيفية القضاء عليها، وحمل على العلماء الذين يقصرون في مقاومتها. ولقد كان من اهتمام الشيخ رشيد بمقاومة البدع أن أنشأ لها باباً في مجلته، يشتمل هذا الباب على قسم "الأحاديث الموضوعة والواهية والمنكرة" وقسم "الموالد والمواسم"٣. ولقد كان لهذا الباب أثر كبير في بيان البدع والتنفير عنها بطريقة علمية، كما كان له أكبر الأثر في نشر علوم السنة، وتمييز صحيحها من

стр. 535

من سقيمها، وهي ما لم يسبق عليه المنار أي من المجلات الدينية، فكانت هي الرائدة وصاحبها المحدث. وفيما يلي من هذا المبحث سنقف على منهج الشيخ رشيد في محاربة البدع والخرافات من خلال تتبع كلامه حولها.

стр. 536

المطلب الأول: تعريف البدعة لغة وشرعاً تعريف البدعة لغة: البدعة نقيض السنة، لفظ مشتق من بدع الشيء يبدعه بدعاً: إذ أوجده على غير مثال سابق، وابتدعه وأبدعه بمعنى واحد، واسم الفاعل من أبدع المبدع، ومن ابتدع المبتدع، ومن أسماء الله تعالى البديع، فهو سبحانه بديع السموات والأرض، لأنه أبدعها وأحدثها على غير مثال سابق، كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١، والبديع: أيضا: الذي ليس قبله شيء والبدع ما كان أولا ولم يسبقه شيء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢، أي: ما كنت أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، بل أرسل قبلي رسل كثيرون٣. ويقول لمن أتى بأمر لم يسبقه أحد: أتى ببدعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ ٤ ٥.

стр. 537

وقال الشاعر: فخرت فانتمت قلت أنظريني ... ليس جهل أتيته ببديع١ فالبدعة: اسم هيئة من الابتداع٢، وهي كل ما أحدث واخترع على غير مثال سابق. وهي –بهذا المعنى- تقال في المدح والذم، لأن المراد أنه أتى بشيء مخترع على غير مثال سابق، سواء كان خيرا أو شرا، وإن كان استعمال لفظة البدعة قد غلب على الحدث المكروه في الدين٣. فتدور هذه المادة على معنى الإحداث والاختراع. تعريف البدعة شرعاً: وفي معنى البدعة الشرعي يوجد اتجاهان، الأول: يعرفها تعريفاً واسعاً فيجعلها تشمل كل ما أحدث بعد رسول الله ﷺ ، ويجعل منها الحسن والمذموم٤. والثاني: يجعل البدعة الشرعية هي الحدث المذموم في الدين مما ليس له أصل في الشرع، ولا تكون إلا مذمومة٥. من الفريق الثاني كان الشيخ رشيد رضا، وقد تبع في ذلك الشاطبي في الاعتصام والذي كان معجبا به أيما إعجاب٦.

стр. 538

وأحسن ما عرفت به البدعة شرعا ما قاله ابن رجب الحنبلي ﵀ حيث عرّف البدعة وبين المراد منها فقال: "المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وإن كان بدعة لغة"١. فبناءا على تعريف ابن رجب لا تكون البدعة إلا مذمومة، ولا يكون منها شيء حسناً أو مستحباً، ويشهد لذلك قوله ﷺ : "وكل بدعة ضلالة" ٢. قال شيخ الإسلام: "هذا نص رسول الله ﷺ ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع.."٣. وقد ذهب الشيخ رشيد ﵀ إلى هذا المعنى في تفسير البدعة، فلقد عرّف البدعة فقال: "البدعة في اللغة الفعلة المبتدعة المستحدثة، فإن كانت في الدين فهي شرع لم يأذن به الله، وافتراء على اللهو وهي ما لم يكن في عهد النبي ﷺ وجماعة المسلمين في عهده من العبادات ... وأما غير الدينية المحضة فهذه منها حسن وهو النافع الذي لا مفسدة فيه، ومنها سيئ وهو الضار وما يترتب عليه فساد مثلاً، وكل منهما درجات فتعتريها الأحكام الخمسة ... ، وأما البدعة الدينية المحضة فهي لا تكون إلا قبيحة ضلالة، ودليل الكلية٤ ما صح عن النبي ﷺ أنه كان يقول على المنبر: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وإن أفضل الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"٥ ... " ٦.

стр. 539

وقال في موضع آخر: " ... إن لكلمة البدعة إطلاقين: إطلاقا لغويا بمعنى الشيء الجد الذي لم يسبق له مثل، وبهذا المعنى يصح قولهم: إنها تعتريها الأحكام الخمسة، ومنه قول عمر ﵁ في جميع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح: "نعمة البدعة" وإطلاقا شرعيا دينيا بمعنى ما لم يكن في عصر النبي ﷺ ولم يجيء به من أمر الدين كالعقائد والعبادات والتحريم الديني ... "١. ويجيب الشيخ رشيد على حديث "من سن في الإسلام سنة حسنة" الحديث٢، بأنه من الإطلاق الأول، كأمور الزراعة والمعاش والحرب....إلخ، قال: "وقوله في الإسلام معناه في عهد الإسلام المقابل لعهد الجاهلية"٣. ويجيب عن قول ابن مسعود ﵁ "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" ٤ بأنه غير مرفوع، فلا حجة فيه، ولأنه في معنى الإجماع، وهو لا يكون إلا عن دليل، وليس معناه الابتداع في الدين لكل أحد أو لكل جماعة٥. فتبين لنا من هذا أن الشيخ رشيد ﵀ يميل إلى الاتجاه الثاني

стр. 540

في معنى البدعة الشرعية، وهو أنها كلها ضلالة، وأما الذي يرد التقسيم فهو البدعة اللغوية، فهي التي تقسم إلى حسنة وسيئة أو إلى الأحكام الخمسة أي: الوجوب والندب والتحريم والكراهة والجواز والإباحة. وهي إنما تكون -كما يقول الشيخ رشيد-: "في المستحدثات الدنيوية، فالحين منها هو النافع كبناء القناطر والمدارس والمستشفيات وتدوين العلوم والصناعات والحرف، والقبيح يكون حراما أو مكروها، وما ليس من هذا ولا ذاك فهو المباح كمستحدثات الزينة غير المحرمة والطيبات من الرزق، وهذه إنما تسمى بدعة في اللغة لا في الشرع ... "١. وهذا الاتجاه في تعريف البدعة وتحديدها هو الصحيح الموافق للأدلة وعليه أكثر أهل العلم كما ذكرت قبل قليل. ويقرر الشيخ رشيد أن البدع من هذا النوع، كثيرة "فإنهم أحدثوا في الدين أشياء ما كانت في عهد النبي ﷺ وأصحابه ... "٢. ومن هنا ننتقل إلى بعض البدع التي تناولها الشيخ رشيد في كتاباته وقد قسمتها إلى أقسام، منها بدع الشهور والأيام، وبدع العبادات، وبدع المساجد، وبدع الموالد، وبدع العامة وغيرها.

стр. 541

المطلب الثاني: مظاهر البدع التي تعرض لها الشيخ رشيد رضا لقد تعرض رشيد رضا لكثير من البدع التي راجت بين المسلمين، سوف أقتصر على نماذج منها مخافة الإطالة. أولاً: بدع الصوفية: تعتبر فرقة الصوفية هي أم البدع، لقد استقر أمرها إلى أن صارت

стр. 542

كدين جديد له قواعده المختلفة عن دين الإسلام، كما أن له مصادر تلقي خاصة به غير مصادر التلقي العامة عند المسلمين. ولقد تحدث الشيخ رشيد رضا عن هذه الفرقة وهو يعرفها تمام المعرفة، إذ كان –﵀ أحد السالكين للطريقة النقشبندية١. ولكنه تحول عن ذلك فيما تحول عنه بعد اطلاعه على كتب السلف لا سيما كتب ابن تيمية ومدرسته. والذي يترجح في سبب تسمية الصوفية بهذا الاسم أنهم نسبوا إلى لبس الصوف٢. وقد تحدث الشيخ رشيد عن نشأة الصوفية وتطورها إلى أن صارت رأس الفرق المبتدعة وأبعدها أثرا في الإسلام، فيرى الشيخ رشيد أن أول ظهور الصوفية كان في صورة حسنة تقصد إلى "التخلق بالأخلاق الفاضلة وما تستتبعه من أعمال البر والتقوى"٣. ثم إنها استقلت –بعد ذلك- وتميزت حتى صارت فرقا مستقلة، ثم مازجت كتبهم تعاليم غريبة وحدثت لهم اصطلاحات خاصة"٤. ثم إن هذه الفرق –صارت- كما يقول الشيخ رشيد –وكما يعرفها الناس: "مصدر تلك المنكرات ومعهد تلك الموبقات"٥. يقول الشيخ رشيد: " ... إن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرا يتبرأ منها كل صوفي وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيما دينيا مع الاعتقاد بأن لهم سلطة

стр. 543

غيبية تعلوا الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة الله تعالى، بل يدبرون الكون ويتصرفون فيه كما يشاءونه ... وزادوا على هذا شيئاً آخر هو أظهر منه قبحا وأهدم للدين - وهو زعمهم أن الشريعة شيء والحقيقة شيء لآخر، فإذا اقترف أحدهم ذنبا ف، كر عليه منكر قالوا في المجرم إنه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه، وفي المنكر أنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه ... "١. وباختصار فقد "انحرف المنتسبون لطريقة التصوف عن هدي سلفهم"٢. وقد كان للصوفية أسوأ الأثر على عقائد المسلمين. وفي ذلك يقول الشيخ رشيد: " ... فلينظر الناظرون إلى أين وصل المسلمون ببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم ولا مراعاة شرع - اتخذوا الشيوخ أندادا، وصار يقصد بزيارة القبور والأضرحة قضاء الحوائج وشفاء المرضى وسعة الرزق، بعد أن كانت للعبرة وتذكر القدوة ... ونتيجة ذلك كله أن المسلمين رغبوا عما شرع الله إلى ما توهموا أنه يرضي غيره ممن اتخذوهم أنداداً، وصاروا كالإباحيين في الغالب، فلا عجب إذا عم فيهم الجهل واستحوذ عليهم الضعف، وحرموا ما وعد الله به المؤمنين من النصر ... "٣. ومن أشهر بدع الصوفية ما يلي: أ – الألقاب الصوفية: يخلع الصوفية على رؤسائهم ألقابا دينية تماثل الألقاب العسكرية في الدول الحديثة، وكما خلع الفلاسفة صفات الإله على ما أسموه "العقل الأول" وكما خلع النصارى صفات الإله على ما سموه "الكلمة" فإن الصوفية جعلوا صفات الإلهية والربوبية على ما أسموه بالقطب والوتد٤.

стр. 544

والقطب عند الصوفية هو أكمل إنسان متمكن في مقام الفردية، أو الواحد الذي هو موضع نظر الله في الأرض في كل زمان، عليه تدور أحوال الخلق، وقد يسمى الغوث باعتبار التجاء الملهوف إليه١. وهذا القطب هو خليفة الله في الأرض، خلافة مطلقة جملة وتفصيلا، خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه ويقوم على شؤون الكون جميعاً٢. ولهذا القطب أعوان، هم الأوتاد الأربعة، وقيل ثلاثة، كلما مات قطب الوقت أقيم أحدهم مكانه، ثم الأبدال وهم أدنى منزلة من الأوتاد وفي عددهم خلاف٣. ويخلع الصوفية على أصحاب هذه المراتب صفات الربوبية كالتصرف في الكون والإسعاد والإشقاء، والمنع والعطاء. ويرد الشيخ رشيد على هذه الوظائف الروحية عند الصوفية، باعتبار أنها لم ترد في الكتاب ولا في السنة فيقول: " ... وأما القطب وسائر الموظفين الروحانيين في دائرة تصرفه الذين يسمونهم رجال الغيب كالإمامين والأوتاد والأبدال، فلم يرد شيء صحيح في السنة إلا ما رووه في الأبدال وهي روايات ضعيفة مضطربة في بعضها يعدون ثلاثين وبعضها أربعين إلخ ... "٤. ونقل الشيخ رشيد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الألقاب في رسالة "الصوفية والفقراء" ومما نقله قوله: "وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة – فهذه الأسماء ليست

стр. 545

موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبي ... "١ ثم قال الشيخ رشيد ملخصا لكلام شيخ الإسلام: "ثم ذكر –أي ابن تيمية- أن لفظ الغوث لا يستحقه إلا الله تعالى، وأن القول بالقطب من جنس دعوى الرافضة بالإمام المعصوم ... ثم تكلم في لفظ الأبدال وجميع ما قيل في معناه وما يصح منه وما لا يصح ... "٢. ثم يقول الشيخ رشيد عن لفظ الأبدال الوارد فيبعض الروايات: " ... ولفظ الأبدال أشهر في هذه الألفاظ ولم يكن الناس يفهمون في القرن الثاني والثالث من هذا اللفظ ما ادعاه الصوفية بعد، بل قال الإمام أحمد إن الأبدال هم أهل الحديث، وأما ما في هذه الروايات من أن الله تعالى ينصر أهل الشام ويرزقهم بالأبدال فهو من علل متونها ودلائل وضعها، فالله تعالى قد جعل للنصر أسباباً تعرف من كتابه ومن سننه في خلقه ... وإننا نرى أهل الشام الآن في غاية البؤس وضيق الرزق والجيوش الفرنسية تدمر بلادهم ... "٣. ولا يقتصر عجز هؤلاء المتصرفين في الكون على الشام، بل إن كل بلاد التي يزعمون فيها هؤلاء المتصرفين في الكون تراها في أتعس حال ولأشد بلاء. يقول الشيخ رشيد: " وقد آن أن نعقل ونفهم ديننا من القرآن ... ، آن لنا أن ندوس هؤلاء المضلين وكل من ينصرهم ويتأول لهم من سدنة القبور المعبودة لاعتقاد العامة أن الرزق وسعادة الدنيا تطلب من المدفونين فيها ... "٤.

стр. 546

ب – التصرف في الكون: وما يدعيه الصوفية لهؤلاء الموظفين، أنهم يجتمعون في ديوان "يجتمع فيه الأحياء والميتون فما أقروا عليه فهو الذي يقع في الكون ... "١. ويزعمون: "أن منهم من يتصرف في الكون ويقدر على قلب نواميسه وتبديل سننه وتحويلها، فيسعد ويشقى ويفقر ويغني مكن غير سبب غير مجرد تصرفه ... "٢. وبين الشيخ رشيد خطورة هذا الاعتقاد على العامة وتوحيدهم لأنهم "متى سلموا بها جزموا بأن مثل هذا الولي يفعل ما يشاء فيصرفون قلوبهم إليه ويطلبون حوائجهم منه، فيكونون قد اتخذوه إلهاً ... "٣. ويقول عن هذا الاعتقاد: "هذا الاعتقاد هو الذي شقي به قبل الإسلام من لا يحصى من الأقوام، هذا الاعتقاد هو الذي يقيد إرادة الإنسان بإرادة غيره من أبناء جنسه ... وهذا الاعتقاد هو المرض الذي يفسد العقل ويجعله يرجوا م لا يرجى ويخاف مما لا يخاف، هذا الاعتقاد هو شعبة من الشرك ... "٤. ويقول: "إن الإيجاد والتصرف في الأشياء بمقتضى الإرادة المعبر عنها بكلمة "كن" هو خاص بخالق العالم ومدبره ... "٥. إن الذي يدعيه الصوفية في أوليائهم هم من خصائص الربوبية فالذي يسعد ويشقي ويمنع ويعطي هو الله تعالى، ويترتب على هذا الشرك في الربوبية، شرك في الألوهية بتوجه هؤلاء الدهماء المغفلين، الذين يصدقون باعتقاد تصرف الأولياء في الكون إلى هؤلاء بأنواع العبادة المختلفة والتي لا تنبغي إلا لله تعالى.

стр. 547

ولقد بلغت جرأة هؤلاء على اله تعالى واستعبادهم لعبيده، أن زعموا أنهم يستطيعون بيع قصور الجن لمن يشاءوا وقد نشر الشيخ رشيد أحد عقود بيع قصر في الجنة بين أحد الأولياء وأحد الحمقى والمغفلين١. ج – الذكر الصوفي: إن الذكر الذي يحبه الله ورسوله ويؤجر عليه فاعله هو ما ورد في الكتاب والسنة، ونقله الأئمة الذين يعول عليهم في ذلك. وهو الذكر المأمور به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٢ وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٣ وقول النبي ﷺ "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله"٤. ولكن الصوفية ابتدعوا شيئاً أسموه ذكراً، ومن باب التلبيس والتضليل، ففي أعياد الوثنية التي يسمونها: موالد، وفي معابد الأضرحة التي يسمونها مساجد، يعقدون حلقات للرقص، المصحوب بآلات الموسيقى (المعازف) ، تتمايل معها أجسامهم يمنة ويسرة، ويسمون ذلك الرقص ذكرا٥. وهذه الطريقة في الذكر هي سنة اليهود في ذكرهم لله كما هو مدون في كتابهم المقدس٦.

стр. 548

وقد رد الشيخ رشيد ﵀ – الذكر الصوفي واستدل على ذلك بأدلة الشرع، واستشهد على بطلانه بمن استطاع من العلماء المعاصرين له المؤيدين للسنة. فقال: " ... وقد أكمل الله لنا الدين فليس لنا أن نزيد فغي عباداته ولا أن ننقص منها، لا كما ولا كيفا، فالاجتماع لذكر الله تعالى ومزجه بالعزف بآلات الطرب كالدفوف والمزمار والشبابة ونحوها بدعة في الدين وزيادة عبادة١ لم يأذن بها الله، فلا تباح بحسن القصد كما لا يباح لنا أن نخترع كيفية لصلاة التطوع بأن نسجد في كل ركعة ثلاث مرات لأجل زيادة الخشوع مثلاً. ولقد عمل الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ – بالدين على أكمل وجوهم فحسبنا ما صح نقله عنهم ... "٢. وورد إلى الشيخ رشيد من بعض البلاد العربية ليعرضه على علماء الأزهر - والسؤال كان حول الرقص والتغني والإنشاد في مجلس الذكر، فعرضه الشيخ على بعضهم فأجاب بما يلي: " ... إن الرقص والتواجد أحدثهما أصحاب السامري ... والرقص دين الكفار وعباد العجل، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور إلى المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على طلبهم ... ومن أدلة التحريم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ ٣ فسره مجاهد بالغناء والمزامير٤، ومنها قواه تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ٥ أي: مغنون٦ ... ومن هذا كله تعلم أن المذاهب كلها على تحريم ما يصنع هؤلاء وأن فعلهم هذا ممقوت عند الله وعند العلماء والعقلاء وأن

стр. 549

مجلسهم مجلس الشيطان لا مجلس الرحمن، ولا يجوز إفشاء السلام عليهم ... فيترك السلام خوفاً أن يظنوا أنهم محقون مكرمون مرضي عنهم ... "١. ومن بدع الذكر الصوفي ذكر الله تعالى بأسمائه مفردة، فيقولون: الله الله، حي حي حي، وربما ذكروا بالضمير: هو هو هو، ونادوه: يا هو٢. واحتجوا بان الذكر لم يرد مقيدا بل مطلقا فيجوز ذكره تعالى بكل طريق، وببعض الآثار كقوله ﷺ : " ... حتى لا يقال في الأرض: الله الله٣، وبإجماع الصوفية لا سيما كبراؤهم٤. وقد رد الشيخ رشيد على كل تلك الشبهات، فمنع الدعوى الأولى بأن الذكر جاء مقيدا ومطلقا فيحمل هذا على ذاك، وبعدم حجية كلام الصوفية في إثبات العبادة، وأما الأحاديث فقال: "وأما حديث أنس فقد ورد بروايات وفي أحدها بلفظ "على أحد أن يقول لا إله إلا الله" ٥ وفي زيادة: "ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" ٦، والظاهر أن المراد من الرواية الأولى ما هو بمعنى الثانية، أي لا أحد يذكر الله وحده في إسناده الأمور إليه، والروايات وردت برفع لفظ الجلالة لا بسكونه واللفظ في العربية لا بكون مرفوعا ولا منصوبا ولا مجرورا إلا في الكلام المركب ... "٧. ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد في الذكر الصوفي، بدعة الذكر

стр. 550

مع نطق العدد دون تكرار اللفظ: كأن يقال: سبحان الله ألف مرة، والحمد لله ثلاثا، أو نحوه، لأن ذلك يقضي – إذا سلم- أنه يجوز أن نغير الأذان بأن يقول المؤذن: "الله أكبر أربع مرات، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين" ... وهكذا بذكر لفظ العدد، وما هو إلا قياس شيطاني يراد به إفساد الدين، فهو قول باطل لا يلتفت إليه ... "١. د) - الكشف الصوفي: من أصول الدين الإسلامي أنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ... ﴾ ٢ وأن الخلق مهما كانت منزلة أحدهم لا يصل إلى معرفة الغيب إلا من شاء الله يطلعه على ما شاء من ذلك. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ٣. ولكن الصوفية خالفوا آيات الكتاب وادعوا علم الغيب وسموا ذلك كشفا. وهو لفظ عام يدخل تحته أمور: منها رؤية النبي يقظة، وكذلك الأولياء بعد موتهم، والرؤى في المنام، والإلهام والفراسة والهواتف، وخرق الحجب الحسية، وإطلاع على المغيبات بعين البصر أو البصيرة٤. وجعل الصوفية الكشف من كمصادر تلقي الدين عندهم٥. ولقد رد الشيخ هذا الأصل الصوفي، وهذه الدعوى الواهية، فقال: "لم يقل أحد من أئمة المسلمين أن الكشف من الدلائل الشرعية أو من مآخذ الأحكام الدينية، ولا يقبل أحد من المتكلمين ولا من المحدثين، ولا من الفقهاء الاحتجاج بحديث لم تصح روايته بالطرق المعروفة في علم

стр. 551

الحديث ممن يدعي أنه صح من طريق الكشف، فهذا الكشف الذي يتحدث به الصوفية، شيء لا يثبت به حكم شرعي ولا دليل حكم شرعي كالحديث، ولو جعلنا الكشف حجة شرعية لما كانت دلالة الشرع محصورة فيما جاء به الرسول ﷺ عن ربه وتلقوه عنه أصحابه الذين هم خيرة هذه الأمة وهم لم يقولوا بهذا الكشف ولم يحتجوا به ... "١. وعن رؤية النبي ﷺ يقظة وتلقي الأحكام عنه، وهو بعض ما يدعيه الصوفية –يقول الشيخ رضا "وأما ما نقله ... من استشارة الأئمة المجتهدين للنبي ﷺ يقظة في كل ما أثبتوه، ومن القول بعصمتهم فهما من الباطل الذي لا يقبله إلا الخرافي الجاهل ثم إن الذين ادعوا أنهم يرون النبي ﷺ في اليقظة ويسألونه عن الأحاديث المروية عنه وعن الأحكام والحقائق يختلفون في كل ذلك اختلافا يدور بين النفي والإثبات والحلال والحرام والكفر والإيمان فكيف يمكن أن تصح دعواهم؟ ... "٢. وهذه حجة صحيحة، فإن الاختلاف والتناقض دليل البطلان، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ٣. وأما دعوى رؤية النبي ﷺ –بعد موته- فهي دعوى بلا دليل، وهي لم تقع لأحد من الصحابة على حبهم له. يقول الشيخ رشيد: "وأما مسألة رؤية النبي ﷺ في اليقظة أي رؤية روحه الشريفة القدسية متشكلة بصورته الكاملة الجسدية، فقد اختلف العلماء فيها٤، فنفاها قوم وأثبتها آخرون ممن يدعونها أو يصدقون من ادعاها من الصوفية، ومن الثقات من قال بإمكان

стр. 552

حصولها في حال بين النوم واليقظة ... "١. ويعتمد مدعو رؤية النبي ﷺ يقظة، على حديث: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" ٢. الحق أن هذا الحديث تفسيره الرواية الأخرى وفيها: "فكأنما رآني في اليقظة" ٣ وكلاهما في الصحيح. وأما أخذ الرواية الأولى على ما يذهب إليه الصوفية فهو مشكل جداً، "ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، وبعكر عليه أن جمعاً جماً رأوه في المنام قم لم يذكر واحد منهم رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يختلف"٤، وفي توجيه الرواية أوجه أخرى، كلها تدل على غير ما يريده الصوفية٥. فالصحيح أن النبي ﷺ لا يرى في اليقظة ويرى في المنام كما دلت الأحاديث ولكن ليس ذلك دليلا شرعيا يترتب عليه أحكام شرعية كما يدعي الصوفية، وأما ما ادعاه بعضهم من رؤيته ﷺ يقظة، فهو إن كان ممن لا يتعمد الكذب فهي من الرؤية الخيالية لا من الرؤية الحقيقية، وكما يقول الشيخ رشيد:" إنها لا تتضمن أخذ شيء عنه ينافي القرآن أو غيره من أصول الشريعة أو فروعها القطعية"٦. إن الشيخ رشيد ﵀ إذ يقرر أن "الكشف ضرب من علم الغيب

стр. 553

في الظاهر"١، وأن البحث في مسألة رؤية النبي يقظة هو بحث "علمي لا ديني إذ الدين لم يكلفنا باعتقاد أن الناس يرون الأرواح المجردة ولكن نقل ذلك عن كثير من الناس.....واختلف فيه هل هو حقيقي أو خيالي، أو في حالة بين اليقظة والنوم، وأن له طريقا صناعية –أي التخيل- وأن هذا أمر مبهم، هو في ذلك كله يواجه ما ادعاه الصوفية من الكشف برؤية النبي يقظة وغيره "ويجب القطع ببطلان كل ما ينقل في هذه الحالة عن روح النبي ﷺ وغيره...."٢. هـ) - الزهد الصوفي: لقد جاء القرآن بكل ما فيه صلاح النفس الإنسانية لتبلغ كمالها وسعادتها باتباعه، و"إن في إخلاص التوحيد وصدق الإيمان وطيب الإحسان فيما أنعم الله به لواحة وريفة الظل ... "٣. وليس فوق هداية القرآن وإصلاحه للنفس هداية وإصلاح ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤. ولكن الصوفية لم تكفهم آيات الكتاب المنزلة للهداية وإصلاح حال البشرية، فابتدعوا طريقا آخر لإصلاحها، فوضعوا قوانين رياضية لتهذيب النفس، بل لتعذيب النفس، حتى تصل – بزعمهم- إلى كمالها. وسموا ذلك: "زهدا". وزهد الصوفي هو: "بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلبا لراحة الآخرة. وقيل: هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك"٥. وأما الزهد السني، فهو ترك ما لا ينفع في الآخرة، وقصر الأمل، وليس الزهد بأكل أنواع من الطعام دون أنواع، ولا لبس شيء مخصوص

стр. 554

من الثياب١. أما الزهد الصوفي فليس من شريعة الإسلام، بل فيه القضاء على الفرد وعلى الجماعة. وأصله مأخوذ من ديانات الوثنية الذين بنوا دينهم على تعذيب النفس لتهذيبها٢. ولقد عارض الشيخ رشيد هذه الفلسفة الصوفية ووصفها بالغلو، واعتبر أن سيرة أصحاب النبي ﷺ هي المثل الأعلى، وأن الصوفية وشيوخهم "لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه"٣، ووصف هذه الفلسفة الصوفية بأنها "فلسفة خيالية من خيالات وحدة الوجود البرهمية الهندية، قد شغل بها أفراد عن فطرة الله وشرعه معا ... وما إرادة وجه الله تعالى إلا الإخلاص له في كل عمل مشروع من مصالح الدين والدنيا وتحري هداية دينه فيه، لا ما تخيلوه من أن إرادة وجهه تعالى هو الوصول إلى ذاته بعد التجرد من كل نعمة في الدنيا والآخرة جميعا...."٤. وأشار الشيخ رشيد إلى الزهد الصوفي، وإلى الأصل الذي أخذه الصوفية منه، فقال: "وأما ترك الطيبات البتة كما تترك المحرمات تمسكا وتعبدا لله تعالى بتعذيب النفس وحرمانها، فهو محل شبه فتن بها كثير من العباد والمتصوفة، فكان من بدعهم التركية، التي تضاهي بدعهم العملية، وقد اتبعوا فيها سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، كعبادة بني إسرائيل ورهبان النصارى، وهؤلاء أخذوها من بعض الوثنيين كالبراهمة الذين يحرمون جميع اللحوم ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل إلا بحرمان الجسد من الذات، وقهر الإرادة بمشاق الرياضات ... "٥. ويرى الشيخ رشيد أن هدي القرآن كاف في تزكية النفس الإنسانية وتربية الإرادة فيقول:" وحسبنا منه ما شرعه الله لنا من الصيام وهو مما

стр. 555

يدخل في عموم التقوى في هذا المقام ... فالصيام رياضة بدنية نفسية وجمع بين حرمان النفس من لذاتها لقصد التربية وبين تمتعها بها توسلاً إلى شكر النعمة والقيام بالخدمة ... "١. ويبين الشيخ رشيد وسطية هذا الدين في هذا الجانب فيقول: " ... إن هدى القرآن في الطيبات أي المستلذات هو ما تقتضيه الفطرة السليمة المعتدلة من التمتع بها مع الاعتدال والتزام الحلال ... "٢. ومن حيث الدليل، فإنه لا يوجد دليل يحتج به هؤلاء المتصوفة على وجوب الجوع من السعة، إصلاحا للنفس وتهذيبا لها، ولذلك فإنهم عندما يأتي وقت الاستدلال يعدلون عن الاستدلال بالكتاب والسنة إلى ذكر وقائع وأحوال لا يحتج بمثلها في دين الله. يقول الشيخ رشيد: "أعوز هؤلاء النص على دعوى كون الغلو في التقشف من الدين، فتعلقوا ببعض وقائع الأحوال من سيرة فقراء السلف الصالح ... "٣. ثم ضرب مثلاً لذلك بما فعل أبو حامد في إحيائه، فإنه لم يجد آية يبدأ بها موضوع "فضيلة الجوع وذم الشبع" فبدأ بحديث أكثرها لا يعرف المحدثون لها أصلا قط، وبعضها ضعيف أو موضوع ... "٤. إن التوسط هو ميزة الدين الكبرى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ٥، ومن لم يصلح القرآن والسنة نفسه، فلا صلاح لها، ولا أصلحها الله، ولسنا –إذًا- بحاجة إلى اختراع دين مبتدع لتحقيق ما جاء القرآن لتحقيقه ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٦.

стр. 556

ثانياً: الموالد ومفاسدها: الموالد هي الاجتماعات التي تقام لتكريم الماضين من الأنبياء والأولياء، والأصل فيها أن يتحرى الوقت الذي ولد فيه من يقصد بعمل المولد، وقد يتوسع فيها حتى تتكرر في العام الواحد ... ١ ولا ريب لأن الاجتماع على هذا النحو يسمى عيداً، فالعيد اسم جنس لما يعتاد من المكان أو الزمان٢. وهذه الأعياد – الموالد - هي من الأعياد الزمانية والمكانية المبتدعة، لأنها أيام لم تعظمها الشريعة، ولا فضل لها فيها أصلاً، لا مكانا ولا زمانا٣. ومن هذه الأعياد - الموالد - المبتدعة، هو ما اتخذ مشابهة للنصارى من الاحتفال بعد مولد النبي ﷺ ، مع اختلاف الناس في مولده ﷺ فإن هذا لم يفعله أحد من السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وكانوا أحق به منا٤. وقد واجه الشيخ رشيد هذه الظاهرة البدعية بكل سبيل وطالب بإزالتها، وإزالة ما فيها من منكرات وبين مساوئها وما يحدث فيها من مخالفات للشريعة. فعن انتشار هذه البدعة وتتابع الناس عليها وما يصحبها من منكرات قال: "ولقد تشوهت سيرة مدعي التصوف في هذا الزمان وصارت رسومهم أشبه بالمعاصي والأهواء من رسوم الذين أفسدوا التصوف من قبلهم،،وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها "الموالد" ومن العجيب أن تبع الفقراء في استحسانها الأغنياء فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال لنشر علم أو إزالة منكر أو إعانة منكوب اضنوا به وبخلوا ... "٥.

стр. 557

وأما المنكرات التي تصحب هذه الاحتفالات "الدينية" فيقول عنها الشيخ رشيد: "فالموالد أسواق الفسوق، فهي خيام للعواهر وحانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل، يقصد بها إضحاك الناس ... "١. ولم يقتصر الاشتراك في هذه المفاسد على عامة الناس وسقطتهم وأهل الجهل منهم –بل- وبكل أسى لقد تجاوز الأمر ذلك إلى من ينتسبون إلى العلم –كما يقول الشيخ رشيد-: "ويرى بعض كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات، والقباب العظيمة التي يضربونها وينصبون فيها الموائد المرفوعة ... ويهنئ بعضهم بعضا بهذا العمل الشريف في عزفهم ... "٢. هذه الحالة التي وصلت إليها هذه الاجتماعات بلغت مدى بعيدا في الفساد، فسماها الشيخ رشيد "مفاسد لا موالد"٣. ويتحدث عن خطورة مشاركة العلماء للجهلاء في هذه الموالد أو المفاسد فيقول: " ... وأضر البدع وأشدها إغواء وضررا مل يحضره صنف من علماء الدين لأن يكون هذا غشا للناس يجعلهم يعتقدون بأن البدعة شريعة دينية ... فيحتج الجهلاء بهم على إماتة السنة وإحياء البدعة ... "٤. ويقرر الشيخ رشيد أن عمل المولد للنبي ﷺ بدعة كغيره، " ... إن عمل الموالد بدعة لم تنقل عن أحد من سلف الأمة الصالح من أهل القرون الثلاثة التي هي خير القرون بشهادة الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ومن زعم بأنه يأتي في هذا الدين بخير مما جاء به

стр. 558

رسول الله ﷺ وجرى عليه ناقلو سنته فقد زعم أنه ﷺ لم يؤد رسالة ربه ... وأما القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ وإنشاد بعض الشعر أو الأغاني في ذلك فهو من جملة هذه البدع ... "١. ولقد كان الشيخ رشيد يهيب بالعلماء والمصلحين بأن ينكروا هذه البدع وما يحدث فيها من مفاسد، ولكنه كان مما يلقى عنتا وشدة في دعوته تلك، وكان يأمل دائما أن تزال هذه المنكرات، ولو بالتدريج، إلا أنه يعلن أسفه لاستمرار هذه البدعة وعدم إنكار العلماء في عصره لها فيقول: "قد احتفل في الأسبوع المنصرم بهذا المولد الاحتفال المعتاد، فكان أكثر بدعاً ومنكرات مما سبقه على غير ما كنا نتوقع من مبادرة علماء الدين إلى السعي في محو هذه الفضائح بالتدريج عاما بعد عام ... "٢. ولقد زادت مفاسد هذه الموالد بعد الشيخ رشيد وإلى اليوم، ولا يزال يختلف إليها العدد الكبير ويزدحمون فيها كما يزدحمون في الحج، ويلبسون الثياب التي يلبسونها إلا في الأعياد الدينية، وترتكب في هذه الاحتفالات - الدينية - كل الموبقات، رغم أنه احتفال بمولد نبي أو صالح، ولكنه من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين٣. ثالثاً: بدع الأيام والشهور: ذكرت أن الأعياد المبتدعة، تكون مكانية وزمانية، ويشمل هذا كل ما لم يعظمه الشرع ولم يأمر بتعظيمه من الأماكن والأيام، فمن البدع الاحتفال بيوم لم يحتفل به الشرع٤، ومن ذلك الاحتفال بشهر رجب، وتخصيصه

стр. 559

بصلاة وصيام كتعظيم أول خميس منه، وصلاة الرغائب فيه١. فأما الصلاة في رجب فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل، وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه٢. وفي مناسبة شهر رجب من كل عام كان الشيخ رشيد ﵀ ينبه قراءه على البدع في هذا الشهر، ففي عدد السبت (٦ رجب سنة ١٣١٧هـ) ، عقد الشيخ رشيد فصلاً بعنوان "بدع رجب" ومما قال فيه: "لا تحضر في هذا الشهر جمعة في مسجد إلا وتسمع فيها الكذب على الرسول ﷺ على المنبر حتى منبر الأزهر ... وقد اتفق علماء الحديث على أن ما روي في صيام رجب موضوع أو واه لا أصل له، ونذكر بعض الأحاديث الموضوعة في رجب وصومه للتحذير منه.."٣. ثم ذكر بعض الأحاديث وأورد كلام أهل العلم عليها، ثم قال: "وأقبح من هذه الأكاذيب أكذوبة صلاة الرغائب ... "٤، ويضيف أهل مصر لهذه البدع منكرات أخرى فإنهم "يذهبون رجالا ونساء وأطفالا إلى المقابر فيبيتون في القصور المبنية عليها، يأكلون ويشربون ويهلون ويلعبون ... "٥. وفي رجب ١٣١٨هـ فعل الشيخ نفس الشيء٦. وفي نفس السنة نبه الشيخ رشيد على بدع شعبان فقال: "سيصدر هذا

стр. 560

الجزء من المنار في إثر الاحتفالات بليلة النصف من شعبان وهو من مواسم البدعة التي ينسبونها إلى الشرع وليست منه ... "١. وفي العدد السادس من المجلة يقول عن ليلة النصف من شعبان: إن اتخاذ هذه الليلة موسما من مواسم الدين من البدع الحادثة في القرون المتوسطة ... "٢، وذكر من هذه البدع دعاء مخصوصا يقرأ في هذه الليلة. وقال في العدد الرابع عشر: " ... وجملة القول أن الشعائر التي تقام في ليلة النصف من شعبان ليس لها أصل صحيح في الكتاب ولا في السنة ... وإن هذه العبادات والمتصوفة، وأنكرها المحدثون والفقهاء لعدم ثبوت أصلها، ولأن الله تعالى قد أكمل الدين فمن زاد فيه كمن نقص منه، كلاهما مبتدع ... "٣. وأما شهر رمضان هو وإن كان زمانا قد عظمه الشرع وخصه بمزيد فضل، إلا أنه كذلك قد ناله نصيب وحظ مما ناله سابقيه من البدع. فلم تسلم عبادة من عبادات هذا الشهر من بدعة فيها٤. كما أنه أورد بعض الأحاديث الموضوعة في هذا الشهر٥. ومن البدع التي أنكرها الشيخ في هذا الشهر ترك بعض الصلوات، كالمغرب والعشاء "والصلاة أفضل من الصوم بالإجماع"٦، وكذلك أنكر على من يتفلت من عبادة الصوم إلى اللهو واللعب، بل وربما ذهب بعضهم إلى أماكن الحرام كالحانات والمراقص٧، ومن الأشياء التي أنكرها في رمضان انتشار الوعاظ الجهلاء حتى في المساجد الكبرى٨.

стр. 561

ومن البدع كذلك، ما يدخل في سماع القرآن، وهو من خصائص هذا الشهر، إلا أنه دخل فيه من البدع رفع الصوت فيه فيشوش على المصلين، وقراءته بألحان أهل الفسق كالمغنين والعازفين، دون الاعتبار بمعانيه والاهتداء بهديه"١. رابعاً: بدع المساجد: ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد بدع المساجد، ومنها ما يحدث في أقدم مساجد مصر، وهو جامع عمرو بن العاص، أو الجامع العتيق، ومنها: تعظيم الصلاة فيه إلى آخر جمعة من رمضان، ومنها: عزف الموسيقى في ذلك اليوم وإحضار الأشجار الصغيرة والرياحين في المحراب والمنبر، ومنها: ضرب العامة لأحد أعمدة هذا المسجد بناء على أسطورة كاذبة، ومنها: التبرك بمنبر فيه، ومنها: " ... أنهم جعلوا فيه قبرا كسائر مساجد مصر يزدحم الرجال والنساء للتبرك به" وغيرها من البدع٢. ومن البدع التي تحدث في المساجد وأنكرها الشيخ جلوس النساء تحت المنبر للاستشفاء٣، ومنها: ما يحدث من المنكرات في المسجد المنسوب للحسين بن علي ﵄ -٤، وإلى السيدة زينب بنت الحسين ﵄-٥. ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد - وكانت في مهدها لم تزل- إلا أنها نمت الآن بفعل عوامل كثيرة - فلم تنكر، بل ينكر على من ينكرها، بدعة التبرج في نساء مصر٦.

стр. 562

ومنها كذلك – وقد استقرت كسابقتها - بدعة التشبه بالأوروبيين١. ومنها كذلك، وهي آخر ما أورده هنا - بدعة الزار٢.

стр. 563

الفصل الخامس: منهج رشيد رضا في إثبات القدر تمهيد ... تمهيد: الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٢ وقال ﷺ في حديث جبريل عندما سأله جبريل عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره، وشره" ٣. والإيمان بالقدر على درجتين: الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: "اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" ٤، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أ×خطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٥ فهذه الدرجة تشتمل على مرتبتين: العلم والكتابة. وأما الدرجة الثانية: فالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه

стр. 564

سبحانه على كل شيء قدير، وما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه ، لا خالق غيره ولا رب سواه، لا فرق في ذلك بين أفعال العباد وغيرها، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم. فهذه الدرجة تشتمل على مرتبتين: الإرادة والمشيئة، والخلق والتكوين ٣. وأفعال العباد داخلة ـ كما هو ظاهر ـ في المرتبة الرابعة، فالله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة. وعلى هذا الاعتقاد كان إجماع السلف ٤. والدرجة الأولى في الإيمان بالقدر ـ العلم والكتابة ـ قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً ـ وهم الذين حكم السلف بكفرهم ـ ٥ ومنكروه اليوم قليل ٦. والدرجة الثانية: الإرادة والخلق، هي التي يكذب بها عامة القدرية، مجوس هذه الأمة، فيقولون إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والله تعالى لا يخلقها، ولا يريد منهم إلا الطاعة، فتغلب إرادتهم إرادته ٧. ويحسن الآن أن نعرض لأقوال الفرق في القدر:

стр. 565

وأبدأ أولاً بتحرير محل النزاع: فقد ذهب الذين كانوا ينكرون الدرجة الأولى في الإيمان بالقدر وهي: العلم والكتابة. وهم الذين كانوا يقولون: إن الأمر أنف، أي: مستأنف، ويقصدون بذلك: أن الله تعالى أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار؛ أي أنه مستأنف العلم بالسعيد والشقي، ويبتدئ ذلك من غير أن يكون قد تقدم بذلك علم ولا كتاب ١. وكما قلت؛ فقد ذهب هؤلاء وصار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم والكتابة، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق ٢. ولذلك أصبح التعبير عن هذه المسألة بـ "خلق أفعال العباد" ومعناه: الخلاف في كون الله تعالى هو المريد لها، الطاعات والمعاصي، والخالق لها، أم أن المؤثر فيها هو فقط إرادة العباد وخلقهم؟ ولدينا في الإجابة على هذا التساؤل ثلاث اتجاهات، الأول: المعتزلة القدرية، والثاني: الجبرية، والثالث: مذاهب التوسط. وسبب خلاف المختلفين، هو أن لدينا مسألتان متعارضتان في الظاهر، الأولى: ما دلت عليه أدلة الشرع وأيدته البداهة، من أن الإنسان يقدم على ما يفعله مختاراً غير مكره، ولذلك فإنه سيحاسب عليه. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ٣ وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٤. والمسألة الثانية: هي ما دل عليه الدليل من أن إرادة الله تعالى ومشيئته وخلقه وراء عمل الإنسان. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٦، وقد جمعت هاتين المسألتين في آية واحدة هي: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ
следующие страницы →