ومن البدع كذلك، ما يدخل في سماع القرآن، وهو من خصائص هذا الشهر، إلا أنه دخل فيه من البدع رفع الصوت فيه فيشوش على المصلين، وقراءته بألحان أهل الفسق كالمغنين والعازفين، دون الاعتبار بمعانيه والاهتداء بهديه"١.
رابعاً: بدع المساجد:
ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد بدع المساجد، ومنها ما يحدث في أقدم مساجد مصر، وهو جامع عمرو بن العاص، أو الجامع العتيق، ومنها: تعظيم الصلاة فيه إلى آخر جمعة من رمضان، ومنها: عزف الموسيقى في ذلك اليوم وإحضار الأشجار الصغيرة والرياحين في المحراب والمنبر، ومنها: ضرب العامة لأحد أعمدة هذا المسجد بناء على أسطورة كاذبة، ومنها: التبرك بمنبر فيه، ومنها: " ... أنهم جعلوا فيه قبرا كسائر مساجد مصر يزدحم الرجال والنساء للتبرك به" وغيرها من البدع٢.
ومن البدع التي تحدث في المساجد وأنكرها الشيخ جلوس النساء تحت المنبر للاستشفاء٣، ومنها: ما يحدث من المنكرات في المسجد المنسوب للحسين بن علي ﵄ -٤، وإلى السيدة زينب بنت الحسين ﵄-٥.
ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد - وكانت في مهدها لم تزل- إلا أنها نمت الآن بفعل عوامل كثيرة - فلم تنكر، بل ينكر على من ينكرها، بدعة التبرج في نساء مصر٦.
стр. 562
ومنها كذلك – وقد استقرت كسابقتها - بدعة التشبه بالأوروبيين١.
ومنها كذلك، وهي آخر ما أورده هنا - بدعة الزار٢.
стр. 563
الفصل الخامس: منهج رشيد رضا في إثبات القدر
تمهيد
...
تمهيد:
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٢ وقال ﷺ في حديث جبريل عندما سأله جبريل عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره، وشره" ٣.
والإيمان بالقدر على درجتين: الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: "اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" ٤، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أ×خطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٥ فهذه الدرجة تشتمل على مرتبتين: العلم والكتابة.
وأما الدرجة الثانية: فالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه
стр. 564
سبحانه على كل شيء قدير، وما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه ، لا خالق غيره ولا رب سواه، لا فرق في ذلك بين أفعال العباد وغيرها، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم. فهذه الدرجة تشتمل على مرتبتين: الإرادة والمشيئة، والخلق والتكوين ٣. وأفعال العباد داخلة ـ كما هو ظاهر ـ في المرتبة الرابعة، فالله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة. وعلى هذا الاعتقاد كان إجماع السلف ٤.
والدرجة الأولى في الإيمان بالقدر ـ العلم والكتابة ـ قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً ـ وهم الذين حكم السلف بكفرهم ـ ٥ ومنكروه اليوم قليل ٦. والدرجة الثانية: الإرادة والخلق، هي التي يكذب بها عامة القدرية، مجوس هذه الأمة، فيقولون إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والله تعالى لا يخلقها، ولا يريد منهم إلا الطاعة، فتغلب إرادتهم إرادته ٧. ويحسن الآن أن نعرض لأقوال الفرق في القدر:
стр. 565
وأبدأ أولاً بتحرير محل النزاع: فقد ذهب الذين كانوا ينكرون الدرجة الأولى في الإيمان بالقدر وهي: العلم والكتابة. وهم الذين كانوا يقولون: إن الأمر أنف، أي: مستأنف، ويقصدون بذلك: أن الله تعالى أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار؛ أي أنه مستأنف العلم بالسعيد والشقي، ويبتدئ ذلك من غير أن يكون قد تقدم بذلك علم ولا كتاب ١.
وكما قلت؛ فقد ذهب هؤلاء وصار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم والكتابة، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق ٢. ولذلك أصبح التعبير عن هذه المسألة بـ "خلق أفعال العباد" ومعناه: الخلاف في كون الله تعالى هو المريد لها، الطاعات والمعاصي، والخالق لها، أم أن المؤثر فيها هو فقط إرادة العباد وخلقهم؟ ولدينا في الإجابة على هذا التساؤل ثلاث اتجاهات، الأول: المعتزلة القدرية، والثاني: الجبرية، والثالث: مذاهب التوسط. وسبب خلاف المختلفين، هو أن لدينا مسألتان متعارضتان في الظاهر، الأولى: ما دلت عليه أدلة الشرع وأيدته البداهة، من أن الإنسان يقدم على ما يفعله مختاراً غير مكره، ولذلك فإنه سيحاسب عليه. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ٣ وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٤. والمسألة الثانية: هي ما دل عليه الدليل من أن إرادة الله تعالى ومشيئته وخلقه وراء عمل الإنسان. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٦، وقد جمعت هاتين المسألتين في آية واحدة هي: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ
стр. 566
تَعْمَلُونَ﴾ ١ فذهب كل فريق إلى ترجيح إحدى المسألتين على الأخرى، والأخذ ببعض الأدلة في سبيل تأييد دعواه وترك البعض الآخر، وأعرض الآن وباختصار إلى أقوال هذه الفرق، تمهيداً لمعرفة منهج رشيد رضا في هذا الباب.
أولاً: المعتزلة:
ذهبت المعتزلة إلى أن إرادة الإنسان هي المتصرفة وحدها في أفعاله، وأنه هو الخالق لها، لذا فهو المسؤول عنها والمحاسب عليها، وأنها خارجة عن إرادة الله تعالى وخلقه، ولا تدخل تحت قدرته، فالله سبحانه لا يهدي ضالاً ولا يضل مهتدياً، ويريد ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يريد ٢. فزعموا أن في المخلوقات ما لا تتعلق به قدرة الله تعالى وإرادته ومشيئته وخلقه. واستدلوا بأدلة من العقل على مذهبهم هذا ٣. ولم ينكر المعتزلة العلم الأزلي، ولكنهم قالوا: إنه غير ملزم بل هو صفة كشف ـ فقط ـ عن العلوم. وكذلك: لم تنكر المعتزلة أن القدرة التي يخلق بها العبد فعله هي من الله تعالى، وقالوا: هي قدرة واستطاعة قبل الفعل، صالحة للضدين ٤. وأدلة الكتاب والسنة متواترة على بطلان هذا المذهب. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥، وهذا عام لا يخرج منه شيء من العالم أعيانه وأوصافه وأفعاله وحركاته وسكناته ٦، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٧،
стр. 567
وأفعال العباد أشياء ممكنة والله قادر على كل ممكن ١، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ٣ إلى آيات كثيرة تدل على هذا المعنى.
ثانياً: الجبرية:
وبينما وقفت الجبرية على هذا الطرف، ورجحت هذا الجانب، وقفت الجبرية على الطرف الآخر ورجحت الجانب الثاني. فقالوا: إن إرادة الله تعالى هي المتصرفة وحدها وهو الخالق لأفعال العباد، وهم لا إرادة لهم ولا اختيار بل هم مجبورون على أعمالهم، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيهم على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليهم الأفعال مجازاً، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتجرك الشجر، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً جبر ٤.
ولا شك أن الجبرية أحق بالذم من المعتزلة وهم داخلون معهم في اسم "القدرية" وإن كان مذهب الجبر أشد فساداً وأسوأ لازماً، إذ أنه مبطل للشرائع، مسقط للأمر والنهي ٥.
ثالثاً: مذاهب التوسط:
ولقد آثرت هذه التسمية، لأن هذه المذاهب حاولت التوسط بين قول المعتزلة الذين ينسبون الفعل إلى إرادة الإنسان وخلقه، وبين الجبرية الذين ينفون إرادة الإنسان: ولدينا هنا مذهبان: الأول: مذهب الأشعرية، والثاني: مذهب الماتريدية.
стр. 568
أ) ـ مذهب الأشعرية:
والحق أن مذهب الأشعرية في القدر ليس واحداً، وقد تطور المذهب من الأشعري ومروراً بالباقلاني إلى الجويني، والذي استقر عليه مذهبهم ـ بعد إثبات علم الله تعالى وكتابته، وقدرته وإرادته وخلقه ١، أن العباد لهم قدرة وإرادة في الفعل، لكنها غير مؤثرة فيه، بل الله ﵎ هو الخالق لها وقدرته هي المؤثرة وحدها ٢. وإذا كانت قدرة الإنسان ليس لها تأثير بحال، فهي قدرة غير مؤثرة، فحقيقة مذهب الأشعرية هو الجبر إذ أن القدرة غير المؤثرة كلا قدرة، ويسمي الأشعرية مذهبهم هذا بمذهب الجبر التوسط، أي الجبر بواسطة الاختيار ٣.
ب) ـ مذهب الماتريدية:
وكما حاول الأشعرية التوسط بين المعتزلة والجبرية، إلا أن القدر لم يساعدهم فحالوا إلى الجبر، فقد حاول كذلك الماتريدية التوسط، إلا أنهم مالوا إلى المعتزلة. فبالرغم من إقرار الماتريدية بعلم الله تعالى وإرادته وخلقه لأفعال العباد ٤، إلا أنهم قالوا بوجود إرادة جزئية للعبد يوجه بها فعله المترجح بالإرادة الكلية، نحو جانب معين. وهذا هو نقطة الفرق بينهم وبين الأشعرية، فالإرادة عند الماتريدية تنقسم إلى إرادة كلية هي مخلوقة لله تعالى، وهي اسم لصفة الإرادة التي من شأنها ترجيح أحد المقدورين على الآخر، وإلى إرادة جزئية غير مخلوقة لله، وهي ـ كما فسروها ـ تعلق تلك الصفة ـ الإرادة الكلية ـ بجانب معين، فالجزئية تأتيها من تعينها بتعين متعلقها ٥،
стр. 569
وهذه الإرادة الجزئية هي من قبيل الحال المتوسط بين الموجود والمعدوم ١. وقد أقر متأخرو الماتريدية بأن مذهبهم هو مذهب المعتزلة الذي ما زال يعيش تحت اسم "الماتريدية" ٢.
وقبل أن أنهي هذا التمهيد أحب أن أشير مرة أخرى لمذهب أهل السنة وهو: أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، م ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والعبد مأمور بطاعة الله منهي عن معصيته، وكل ذلك بقدر الله تعالى، ولا حجة لأحد على الله تعالى ٣.
وأهل السنة يأخذون كل دليل صحيح من الفريقين ـ القدرية والجبرية ـ فالحق الذي مع الجبرية هو كل دليل صحيح يدل على قدرة الرب ومشيئته، وكل دليل صحيح مع المعتزلة فإنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم قائم بهم واقع بقدرتهم. وإحداث الله تعالى لأفعال العباد بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه قائمة بالعبد، وإحداث العبد لها بمعنى أنه حدث منه هذا الفعل القائم به بالقدر والمشيئة التي خلقها اله فيه، فجهة الإضافة مختلفة ٤. وبهذا يزول الإشكال: فإنه يقال: الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلاً له ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له، إذا كان قد جعلها صفة لغيره كما أنه سبحانه لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان ٥.
ويبقى الآن أن أبين منهج رشيد رضا في هذا الباب. لقد تحدث رشيد رضا عن القدر كثيراً، ولكنه كان حديثاً متناثراً، فحاولت أن أجمعه وأرتبه، ليجتمع لي قدراً كافياً منه، أستطيع من خلاله تصور موقفه من القدر.
стр. 570
المبحث الأول: موقف رشيد رضا من الفرق في القدر
...
اتخذ رشيد رضا موقفاً رافضاً لموقف الفرق المختلفة في القدر، بدءاً من القدرية الأولى التي أنكرت العلم إلى المعتزلة التي أثبتته وأنكرت حجيته كما أنكرت الإرادة. ومروراً بالجبرية إلى الأشعرية الذين تمذهبوا بمذهب الجبر مع تبرئهم من اسمه. كما رفض طريقة المتكلمين النظرية في هذه المسألة ـ كما رفضها في غيرها من المسائل ـ.
يشير رشيد رضا أولاً إلى أن عقيدة القدر لها شأن عجيب، لأن عامة الناس أعلم بها من المتكلمين لأنها "بديهية عوملت معاملة النظريات، والبديهي كلما زاد البحث فيه بَعُد عن الإدراك ... " ١. والسبب في ذلك "أن علماء الكلام سلكوا الطريقة النظرية العقلية في الرد على المخالفين من الملاحدة والمبتدعة، ورد الأشاعرة على المعتزلة والقدرية والجبرية. والمسائل النظرية مثار الشبهات والإشكالات وبذلك دخلت مسألة القضاء والقدر في قالب فلسفي نظري وكثر فيه القيل والقال، والقرآن فوق ذلك كله، ... وإنما هي مباحث فلسفية تتعلق بقدرة الله وإرادته وبخلق الإنسان وغرائزه ... ولا يوجد مذهب من المذاهب التي قال بها فلاسفة المسلمين من أهل الكلام والتصوف إلا وقد قال بمثلها غيرهم ويقول بها بعض علماء أوربة اليوم ... " ٢.
стр. 571
ولذلك فإن هذه المسألة ليست خاصة بالمسلمين وحدهم بل وجدت هذه المسألة في الأديان القديمة والفلسفات السابقة على الأديان، فالسؤال عن القدر وارد على جميع أهل الملل والفلسفة لأنه مسألة قديمة منذ خلق الإنسان، لذلك فإن رشيد رضا يرد على من يعد القدر شبهة على دين الإسلام، فإنه ليس كذلك، ولو كان كذلك لكان شبهة على كل ذين وكل فلسفة ١. ولا ريب أن الحل الإسلامي لمسألة القدر وبيان القرآن له لا يدع للملحد قولاً.
وبين رشيد رضا نشأة الكلام في القدر عند المسلمين، وأشار إلى بدعة القدرية الأولى التي نفت علم الله تعالى، وزعمت أن الأمر أنف أي: "أن الله تعالى يستأنف ويبتدئ ما يريد إيجاده، كل شيء في وقته" ٢. كما كان من مذهبهم "أن الإنسان إذا فعل شيئاً فإنما يفعله أنفاً أيضاً من غير أن يكون لله تعالى علم سابق بذلك ... فالإنسان مستقل بذلك تمام الاستقلال" ٣.
وأشار رشيد رضا إلى أن هذه البدعة قد حدثت في عصر الصحابة وأن أول من تلقاها هو "معبد الجهني" ٤ وأنه أخذ هذه المقالة عن رجل مجوسي اسمه "سيسويه" ٥ وذكر رشيد رضا أن السلف كفر هذه الفرقة ٦.
ثم إن المتأخرين من القدرية ـ وهم المعتزلة ـ أقروا بالعلم ـ كما يقول ـ: "إن المتأخرين منهم اعترفوا بأن لله تعالى علماً أزلياً بالأشياء ولكنهم أنكروا أن يكون له إرادة تتعلق بأفعال العباد مع أن معنى الإرادة هو وقوع الفعل من العالم على حسب علمه" ٧ ويعني بذلك أنهم متناقضون في إثباتهم العلم وإنكارهم للإرادة.
стр. 572
ثم يتحدث عن الجبرية – بعد ما أشار إلى مذهب القدرية – فيقول: "غلا أولئك فوقفوا في طرف وعبدوا الله على حرف فجاء بعدهم آخرون وقفوا على الطرف المقابل لطرفهم, وهم الجبرية, فقالوا: إن الإنسان ليس له عمل ولا قدرة, وإنما هو كالريشة المعلقة في الهواء تحركها رياح الأقدار, من غير أن يكون لها إرادة ولا اختيار ... "١. وأما الحجة التي احتجت بها القدرية, فهي العلم الثابت في الكتاب, ولكن رشيد رضا يجيب على هذه الشبهة بقوله: "إن تعلق العلم أو الإرادة بأن فلانا يفعل كذا, لا ينافي بأنه يفعله باختياره, إلا إذا تعلق العلم بأنه يفعله مضطرا كحركة المرتعش ... وبهذا صح التكليف, ولم يكن التشريع عبثاً, وتبين من هذا أن الجبرية ومن تلا تلوهم ولم يسم باسمهم, قد غفلوا عن معنى الاختيار ... "٢.
ولأن مذهب الجبر أسوأ أثر من مذهب القدرية, فإن رشيد رضا يخصه بمزيد من عنايته, فيقول مبينا لأثره السيئ في الأمة: " ... كان بين المسلمين طائفة تسمى الجبرية ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار ... ومذهب هذه الطائفة يعده المسلمون من منازع الفلسفة الفاسدة ... "٣ , ويقول: "أولئك هم الجبرية الذين نزعوا من الأمة روح النشاط والعمل ورموها في هاوية الخمول والكسل, حتى داستهم بقية الأمم وكادت تبلعها بلاليع العدم ... "٤. ومن الأبيات التي ينشدها الجبرية لأنها تصور مذهبهم قول بعضهم:
ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه في كل حين أيها الرائي
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل الماء
ويرد رشيد رضا على هذا البيت قائلا: "هذا القائل يخاطب الرائي وهو لا يرى, فإنه اكتفى بما في خياله عما تحت نظره إذ يرى العبد يحتال
стр. 573
وهو لا يسأل ما حيلته, والأقدار هي التي جعلته يحتال ويعمل كما هو مشاهد. ومنه أن بعض الناس ألقوا أنفسهم في اليم ومنهم من لم يلقها, ولو كانت الأقدار حكمت على كل إنسان يلقى في اليم مكتوفا لكانوا كلهم سواء وما هم بسواء ... "١.
والذين تمذهبوا بمذهب الجبر وتبرأوا من اسمه هم الأشعرية, وقد اتخذ رشيد رضا موقفا معارضا لما ذهبوا إليه, وحمل على مذهبهم وبين فساده, فبعد أن يورد مذهب السلف الصالح نقلا عن مصادرهم, يقول مخاطبا قراءه: "أوردنا هذا الكلام هنا للذين لا يعرفون من كتب العقائد إلا كتب متأخري الأشعرية القائلة بأن لا تأثير للأسباب في مسبباتها ولا لقدرة الإنسان في عمله, وأن الله يخلق السبب عند المسبب, وأن العبد كاسب لعمله في الظاهر مجبور عليه في الحقيقة ... "٢.
ويرد مذهب الجبرية أيضا في قولهم أن الأفعال هي خلق لله تعالى وأنها تنسب للإنسان لأنه محلها فقط, فيقول: "إن أفعاله تسند إليه ويوصف بها لأنها تقوم به وتصدر عنه, لا لأنه محلها ... "٣.
ويرشد رشيد رضا قراءه بأن لا يلتفتوا لهذا الجدال والفلسفة التي تقع بين المعتزلة والأشعرية٤ ويعد هذا الجدال من سوء الأدب مع الله تعالى. ويرى أن هذه الطريقة وتلك الفلسفات هي التي أفسدت عقيدة العامة من المسلمين المتأخرين, الذين اختلط عليهم الأمر, فترى في كلامهم ما يدل تارة على القدر وتارة على الجبر لاضطراب عقائدهم بسبب هذه الفلسفات, وأنهم أصبحوا في المسائل المتعلقة بإقامة الدين جبرية, وفي المسائل المتعلقة بالدنيا قدرية٥.
стр. 574
وأما المذهب الحق في رأي رشيد رضا ـ في مسألة القدر ـ وفي كل مسألة فهو مذهب السلف الصالح ١.
لقد حاول رشيد رضا أن يقرر مذهب السلف في القدر، وقد نجح في أغلب الأحيان، وتعثر قليلاً، ولكنه في كل حال، كان معتمداً على الكتب التي تبين مذهب السلف في هذه المسألة مرجحاً لها لا لغيرها من كتب المتكلمين، داعياً إلى الاكتفاء بها والرجوع إليها، دون كتب هؤلاء المتكلمين ٢.
стр. 575
المبحث الأول: تعريف القدر: لغة وشرعاً
المطلب الأول: تعريف القدر لغة
...
المطلب الأول: تعريف القدر لغة:
تتكون هذه الكلمة من ثلاثة أحرف أصلية صحيحة تدل على "مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" ١، ويتفرع عن هذه المعاني الأصلية معان نوعية مناسبة للمعاني الأصلية:
فالقدْر: مبلغ كل شيء. يقال: قدْره كذا: أي مبلغه وكذلك القَدَر. وقدرت الشيء أقْدِرُه وأَقْدُرُه من التقدير، وقدّرته أقدِّرُه، والقدْر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها الله. وهو القَدَر أيضاً ٢.
وأما شرعاً، فهو: كما بينت أول الفصل أنه يعني: الإيمان بعلم الله تعالى السابق، وكتابته وإرادته ومشيئته وخلقه لأفعال عباده مع إثبات قدرتهم المؤثرة في هذه الأفعال ٣.
стр. 576
لقد عرف رشيد رضا القدر وكذلك القضاء متتبعاً ورودها هذين اللفظين في القرآن الكريم. ولكنه قبل ذلك أشار إلى ملاحظة هامة هي: أن السلف ﵀ كانوا يعرفون هذه المسألة بمسألة "القدر" ثم إنها اشتهرت بعد ذلك باسم "القضاء والقدر" ١. وإنني على أهمية هذه الملاحظة لم أستطع إلى أول من أدخل هذه الإضافة في التسمية.
ثم بين رشيد رضا معنى القدر ـ والقضاء ـ في القرآن فقال: "القَدْرُ بفتح الدال وسكونها، والمقدار والتقدير، ألفاظ وردت في القرآن بمعنى: جعل الشيء بمقياس مخصوص أو وزن محدود أو وجه معين يجري على سنة معلومة، فهي داخلة في معنى النظام والترتيب ... " ٢. ثم طفق يستدل على ذلك بآيات الكتاب العزيز، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ ٣، قال: "أي بمقدار معين له نظام" ٤. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ٥ قال: "أي: بمقدار ما يسعه كل وادٍ من الماء" ٦، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٧، والمعنى ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ: "أي: أن لكل شيء من مخلوقاته سنناً ونواميس ومقادير منتظمة كسنته في حمل الإناث وعقمها، وزيادة علوق الأرحام ونقصها.."٨.
ويفعل رشيد رضا نفس الشيء فيما يتعلق بالـ "قضاء" فيتتبع معانيه في الكتاب قائلاً: "ورد القضاء بمعنى الفصل في الحكم في الشيء قولاً أو
стр. 577
فعلاً، وبمعنى الإعلام به، وبمعنى إتمام الشيء وإنهائه" ١، ثم يستدل بآيات الكتاب على هذا، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٢ قال: " أي حكم بذلك قولاً في كتابه المنزل على رسوله" ٣. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ قال: "أي يحكم ويفصل بالفعل" ٥. وقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ٦ أي: "الإعلام بذلك والإخبار بوقوعه" ٧.
وذكر الشيخ رشيد أن هذا اللفظ ورد بمعنى المشيئة ٨، واستشهد بقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٩ ثم أشار إلى أن هذا المعنى ورد بلفظ الإرادة ١٠، وتلا قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١١.
وأما العلاقة بين "القضاء والقدر" فيذهب رشيد رضا إلى أنهما يدلان على معنيين مختلفين، فيرى أن القضاء هو: " ... تعلق علم الله وإرادته ـ قولان ـ في الأزل لأن الشيء يكون على الوجه المخصوص من الوجوه المكنة، والقدر وقوع الأشياء فيما لا يزال على وفق ما سبق في الأزل" ١٢.
стр. 578
وللعلماء في العلاقة هذه أقوال أخرى، منها عكس ما ذكره رشيد رضا، ومنها الترادف ١.
стр. 579
المطلب الثاني: الإيمان بالقدر شرعاً:
ويبين الشيخ رشيد معنى الإيمان بالقدر ـ بعد أن يستبعد كعادته طريق المتكلمين ونظرياتهم لأن "دين الفطرة لا يكلف الناس عناء هذه الفلسفة" ٢ ـ فيقول: " هو أن الله تعالى خلق كل شيء بحكمة ونظام وقدر سابق على الفعل تجري عليه السنن العامة" ٣.
ويقول في موضع آخر: "إن الله خلق كل شيء بقدر ونظام، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه إذا قضى أمراً وأراده يقع بلا تخلف ولا بطءٍ، وأن له سنناً ونواميس ينبغي لهم أن يعرفوها وأن لأعمالهم جزاءً هو أثر طبيعي لها، يكون بعضه في الدنيا وتمامه في الآخرة ... " ٤. وفي معنى قوله ﷺ : "وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٥ قال: "إن كلاً من الخير والشر يجري في الكون بمقادير وموازين وسنن وأسباب اقتضتها الحكمة البالغة ... " ٦.
وبعد أن يورد عدداً من الآيات ليستشهد بها على إثبات القدر ـ ومنها قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٧ يعلق قائلاً: "فعلم من هذه الشواهد كلها أن عقيدة القدر والمقدار والتقدير في كتاب الله ـ هي التي
стр. 580
تعلم المؤمنين بهذا الكتاب أن لهذا الكون نظاماً محكماً وسنناً مطردة، ارتبطت فيها الأسباب بالمسببات، وأنه ليس في خلق الرحمن خلل ولا تفاوت، ولا فيه قذفات مصادفات ولا خلل استبداد، وأنه لا استئناف في الإيجاد والإمداد ... " ١.
ورغم أن كلام رشيد رضا يتضمن عناصر هامة في معنى القدر والإيمان به، إلا أنه يبدو ناقصاً بعض الأركان التي أشرت إليها، وهي: العلم السابق والكتابة والإرادة والخلق. إلا أن رشيد رضا لا ينكر شيئاً من ذلك. فهو ينكر على القدرية الأولى عدم اعترافهم بالعلم السابق ودعواهم أن الأمر أنف: أي مستأنف أو كما يقول رشيد رضا "أن اله يستأنف ويبتدأ ما يريد إيجاده كل شيء في وقته ... " ٢. كما أنه ينكر على المتأخرين منهم إنكارهم لإرادة الله تعالى ـ مع إثباتهم العلم ـ مع أن "الإرادة هي وقوع الفعل من العالم على حسب علمه" ٣. فإذاً يثبت رشيد رضا هذين العنصرين الهامين في تعريف القدر: وهما: العلم والإرادة، حتى إنه يقول: إن البحث في هذا الموضوع ـ القدر ـ هو من توابع البحث في العلم والإرادة الإلهية ٤. فمن أثبت القدر أثبت هذين العنصرين. ولذلك فنحن بحاجة لمعرفة موقف رشيد رضا من عناصر القدر الأربعة التي ذكرتها وهي: العلم والكتابة والإرادة والخلق.
стр. 581
المبحث الثالث: بيان رشيد رضا لأركان القدر
المطلب الأول: العلم
...
سبق أن ذكرت أن الإيمان بالقدر يكون على درجتين تشتمل على أربع مراتب، أو أركان: العلم والكتابة والإرادة والخلق. وقد أثبت رشيد رضا هذه المراتب كما يلي:
المطلب الأول: العلم:
لقد أثبت رشيد رضا العلم السابق، وإن الناس قد قسموا بموجب هذا العلم إلى شقي وسعيد، ورد أقوال المعتزلة في العلم، كما رد أقوال الجبرية في احتجاجهم بالعلم على الجبر، فقال في إثبات العلم: "أما علم الله تعالى فهو قديم بقدمه، أزلي بأزليته، فالقسمة فيه قديمة أزلية أيضاً" ١. ويعني بذلك قسمة الناس إلى شقي وسعيد. ويقول في موضع آخر: "القدر وقوع الشيء على حسب العلم، والعلم لا يكون إلا مطابقاً للواقع، وإلا كان جهلاً، أو: الواقع غير واقع، وهو محال ... " ٢.
لقد كان المعتزلة الأولون ينكرون علم الله السابق، إلا أن المتأخرين
стр. 582
منهم أقروا به ثم تناقضوا ـ في رأي رشيد رضا ـ عندما أقروا بالعلم وأنكروا الإرادة ١، وفي كلامه الذي نقلته آنفاً رد على القدرية الذين أقروا بالعلم ولكنهم أنكروا حجيته في مسألة القدر ٢.
وأما الجبري فإنهم يحتجون بالعلم على الجبر، فيرد عليهم رشيد رضا بقوله: "إن تعلق العلم والإرادة بأن فلاناً يفعل كذا لا ينافي أنه يفعله باختياره، إلا إذا تعلق العلم بأنه يفعله مضطراً كحركة المرتعش، ولكن أفعال العباد اختيارية، أي: بإرادة فاعليها لارغماً عنهم، وبهذا صح التكليف، ولم يكن التشريع عبثاً، وتيبن من هذا أن الجبرية ومن تلا تلوهم ولم يسم باسمهم، قد غفلوا عن معنى الاختيار ... " ٣.
وما ذهب إليه رشيد رضا من إثبات العلم هو الصواب، والعلم هو حجة أهل السنة على القدرية ٤. والذين أشار إليهم رشيد رضا بأنهم يقولون بالجبر مع التبرأ من اسمه هم الأشعرية، وقد سبق بيان مذهبهم، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان موقف رشيد رضا من الفرق في القدر.
стр. 583
المطلب الثاني: الكتابة:
أثبت رشيد رضا الكتابة الإلهية التي ترتبط مع العلم، في درجة واحدة، فقد عرفها رشيد رضا لغة وشرعاً وبين علاقتها بالعلم ثم بين الحكمة من هذه الكتابة.
عرّف رشيد رضا الكتابة فقال: "الكتابة عبارة عن ضبط العلم بالشيء، والعلم نفسه لا يتعلق بالأشياء تعلق إيجاد وتكوينن وإنما يتعلق بها تعلق انكشاف وإحاطة، فلا إجبار ولا تحتيم، وإنما يكتب الشيء على ما يكون
стр. 584
عليه" ١.ولقد سبق بيان رشيد رضا لوجه كون العلم حجة على القدرية، وما يقال في العلم يقال في الكتابة كذلك.
ويستدل رشيد رضا بآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ على هذه الكتابة. فمن الآيات التي استدل بها قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢، قال: "وفي معنى هذه الآية التي نفسرها آيات" ٣. ثم قال: "جمهور علماء الإسلام على أن هذه الآيات كلها في معنى واحد فسرتها الأحاديث التي نورد أشهرها" ٤، ثم أورد بعض الأحاديث، ومنها: حديث "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب ـ فهو عنده فوق العرش ـ: إن رحمتي غلبت غضبي" ٥، ومنها: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" ٦، ومنها: "أول ما خلق الله القلم ثم قال: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" ٧.
ثم قال: "ومذهب السلف أن تؤمن بالقلم الإلهي واللوح المحفوظ، وما كتب في اللوح من مقادير الخلق وإحصائه جميع ما كان ويكون في هذا العالم من بدء تكوينه إلى يوم القيامة من غير أن نحكم آراءنا وأقيستنا في صفة شيء من ذلك ... " ٨.
وعن حكمة هذه الكتابة يقول: وإذا كان من حكمته أن جعل لهذا
стр. 585
الملك العظيم الذي يدار بأعلى درجة من التقدير والتنظيم، عرشاً عظيماً هو مصدر التدبير، أفلا يكون من كمال الحكمة والإتقان أن يكون لذلك كتاب مبين هو مظهر ذلك النظام والتقدير، كما يعهد للمالك المنظمة من كتب النظم والقوانين؟ بلى، ولله المثل الأعلى ... "١.
وهذا التوجيه من الشيخ رشيد لا يتعارض مع أوجه أخرى لحكمة الكتابة رويت عن السلف. إن كتابة المقادير في الأزل ثم كتابة الملائكة لأفعال العباد بعد وقوعها ثم مقارنة هذين الكتابين ـ يوم القيامة ـ فلا يرى بينهما اختلافاً في حرف واحد لهو مما يبين قدرة الله تعالى وعلمه المحيط بكل شيء، وكفى بذلك حكمة ٢.
стр. 586
المطلب الثالث: الإرادة:
وقد أثبت رشيد رضا أيضاً الإرادة وقد سبق أن ذكرت أنه اعتبر البحث في القدر من قبيل البحث في العلم والإرادة، وقال: "ثبت بالبرهان أن قدرة الله تعالى منصرفة في الممكنات عن إرادة واختيار ... " ٣، وقال في موضع آخر: "إرادة الله تعالى لا تتغير ولا تقبل الفسخ لأنها عن علم تام ... وقدرة الله متصرفة في كل ممكن ... " ٤، وينكر رشيد رضا على متأخري القدرية الذين أقروا بالعلم السابق ولكنهم "أنكروا أن يكون له تعالى إرداة تتعلق بأفعال العباد، مع أن معنى الإرادة ووقوع الفعل من العالم على حسب علمه ... " ٥. ومع إثباته لإرادة الله تعالى المؤثرة في أفعال العباد يثبت رشيد رضا إرادة الإنسان أيضاً المؤثرة في أفعاله، فإن الله تعالى "خلق
стр. 587
الإنسان قادراً مريداً فاعلاً بالاختيار ... وأن أفعاله تستند إليه ويوصف بها لأنها تقوم به وتصدر عنه باختياره ... " ١. ومع ذلك فإن الإنسان "غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم" ٢.
وبهذا فارق رشيد رضا المعتزلة القائلين بعدم قدرة الله على أفعال عباده وإرادته لها، والأشعرية المنكرين لتأثير إرادة الإنسان ويعيب عليهم قولهم: "بأن لا تأثير للأسباب في مسبباتها ولا لقدرة الإنسان في عمله ... " ٣.
وهذه المرتبة ـ مرتبة الإرداة والمشيئة ـ قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول والعيان، وليس في لاوجود موجب ومقتضى إلا مشيئة الله وحده وإرادته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ٤.
стр. 588
المطلب الرابع: الخلق:
وخلق الله تعالى لكل شيء متفق عليه بين الرسل وعليه جميع الكتب الإلهية، والفطرة والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس هذه الأمة فأخرجوا طاعات عباده عن ربوبيته ومشيئته وخلقه، وجعلوهم هم الخالقين لها، ولا تعلق لها بمشيئة الله تعالى وخلقه ٥.
وعن هذا الركن الهام من أركان القدر يقول رشيد رضا مثبتاً له: "إننا نؤمن بأن الله تعالى هو خالق كل شيء بقدرته وإرادته، واختياره وحكمته ... " ٦.
ويقول في موضع آخر: "وهنا أمران كل منهما ثابت في نفسه:
стр. 589
أحدهما: أن الله خالق كل شيء، وثانيهما: أن هذا النوع من المخلوقات الذي يسمى الإنسان يعمل أعماله بقصد واختيار ولكنه غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم ... " ١.
وهذا هو الصحيح فإن إرادة الإنسان ومشيئته تابعة لإرادة الله تعالى ومشيئته ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
ولكن كيف يجمع رشيد رضا بين الحقيقتين اللتين كانت سبب الخلاف بين المعتزلة والأشعرية، ورجح كل فريق منهم جانباً منها ـ كمت أشرت في التمهيد لهذا الفصل ـ؟ يقول رشيد رضا جواباً على هذا السؤال: "وجملة القول أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه يخلق بقدر ونظام وحكمة وسنن، لا أنفاً ولا جزافاً ولا عبثاً وأنه حكيم في خلقه وأمره ... وأنه خلق الإنسان قادراً مريداً فاعلاً بالاختيار ... وأن أفعاله تستند إليه ويوصف بها لأنها تقوم به وتصدر عنه باختياره، لا لأنه محلها، وتنسب إلى مشيئة الله من حيث انه هو الخالق له بهذه الصفات، والمعطي له هذا التصرف والاختيار ... " ٣. ويقول: "ومعنى خلقه تعالى للأشياء بقدر وتقديره لكل شيء: أنه خلقها بنظام جعل فيها الأسباب على قدر المسببات عن علم وحكمة ولم يخلق شيئاً جزافاً ولا أنفاً كما يزعم منكرو القدر ... " ٤. والحق أن الشيخ رشيد قد تعثر في هذا الموطن الصعب. إن المعتزلة لم ينكروا الأسباب ولم ينكروا أن القدرة التي يقوم بها الإنسان بأعماله هي من الله تعالى، إنهم يرون أن الإنسان يعمل بقدرة من الله سبحانه ٥، ولكن الخلاف في خلق الله تعالى لأفعال العباد الاختيارية على الحقيقة مع أنها واقعة منهم بالبداهة: وأهل السنة يقولون: "إن كل ما في الوجود مخلوق له تعالى، خلقه بمشيئته وقدرته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي
стр. 590
يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويفقر ويغني، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويشر صدر من يشاء للإسلام، ويجعل صدر من يشاء ضيقاً حرجاً ١، قال تعالى: ﴿ ... وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢ فقد جعل الأصنام منحوتة معمولة لهم وأخبر أنه خالقهم وخالق معمولهم، فإن "ما" ههنا بمعنى الذي، والمراد: خلق ما تعملونه من الأصنام، وإذا كان خالقاً للمعمول وفيه أثر الفعل، دل على أنه خالق لأفعال العباد ٣.
ومن ناحية أخرى، فإن المعتزلة سلموا أن الله تعالى قد يخلق في العبد كفراً وفسوقاً على سبيل الجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٤، وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ ٥، وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٦، ثم من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلاً للعبد وكسباً له يجزى عليها ويستحق الذم عليها والعقاب، وهي مخلوقة لله تعالى، فالقول عند أهل الإثبات فيما يخلقه ابتداءً كالقول فيما يخلقه جزاءً من هذا الوجه ٧.
فإن قيل هذا قول من يقول: هي فعل للرب وفعل للعبد. قيل: إنها مفعولة للرب لا فعل له، إذا فعله ما قام به، والفعل عند أهل السنة غير المفعول، فهي مفعولة للرب وهي فعل للعبد، كما يقولون في قدرة العبد: إنها قدرة للعبد مقدورة للرب، لا أنها نفس قدرة الرب. وفي إرادة العبد هي إرادة العبد مرادة للرب ٨.
стр. 591
المبحث الرابع: القدر والأسباب
وكما ظهر من تعريف الشيخ رشيد للقدر، فإنه يربط بين القدر والأسباب ربطاً قوياً، حتى جعل الأسباب أو "السنن" داخلة في تعريفه له. فالقدر والتقدير "عبارة عن النظام العام في الخلق الذي تكون فيه الأشياء بقدر أسبابها بحسب السنن، والنواميس العامة التي وضعها الخالق لها، لا ما اشتهر عند الجماهير من الناس من أن المقدر ما ليس له سبب، أو ما يفعله الله على خلاف النظام والسنن، ... ولا يحيط بأسباب الحوادث علماً إلا خالقها ومقدر سببها وسننها" ١.
ويقول في موضع آخر تأكيداً لهذا المعنى: "والقدر عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات، والحذر من جملة الأسباب فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده" ٢.
ومشيئة الله تعالى في خلقه إنما تكون على وفق هذا المبدأ "مبدأ السببية" وعلى وفق السنن التي وضعها الله تعالى للخلق، يقول الشيخ رشيد: "فجاء القرآن يبين للناس أن مشيئة الله تعالى في خلقه إنما تنفذ على سنن حكيمة، وطرائق قويمة، فمن سار على سننه في الحرب ـ مثلاً ـ ظفر
стр. 592
بمشيئة الله وإن كان ملحداً أو وثنياً، ومن بها خسر وإن كان صديقاً أو نبياً ... " ١.
وبتفصيل أكثر، وتمثيل، يشرح لنا الشيخ رشيد هذه المسألة، فيقول:
"إن للأسباب مسببات لا تعدوها بحكمة الله في نظام الخلق، وأن لله تعالى أفعالاً خاصة به، فطلب المسببات من أسبابها ليس من اتخاذ الأنداد في شيء ... مع اعتقادنا بأن الأسباب كلها من فضل الله علينا ورحمته بنا، إذ هو الذي جعلها طرقاً للمقاصد وهدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر.
لا يسمح الدين للناس بأن يتركوا الحرث والزرع ويدعوا الله تعالى أن يخرج لهم الحب من الأرض بغير عمل منهم أخذاً بظاهر قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ٢ وإنما يهديهم إلى القيام بجميع الأعمال الممكنة لإنجاح الزراعة ... وأن يتكلوا على الله تعالى بعد ذلك فيما ليس بأيديهم ... " ٣.
وتتعلق مشيئة الله تعالى بالأسباب والسنن، وتنفذ على وفقها، فإذا أراد الله تعالى شيئاً خلق له أسباباً، بها يقع، وعلى وفقها يكون، وهذا على عكس ما يظنه كثير من الناس. يقول الشيخ رشيد في هذا: "إن من الناس من يظن أن معنى إسناد الشيء إلى مشيئة الله تعالى هو أن الله تعالى يفعل بلا سبب ولا جريان على سنة من سننه في نظام خلقه، وليس كذلك، فإن كل شيء بمشيئة الله تعالى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٤ أي: بنظام وتقدير موافق للحكمة ليس فيه جزاف ولا خلل، فإيتاؤه الملك لمن يشاء بمقتضى سننه إنما يكون بجعله مستعداً للملك في نفسه، وبتوفيق الأسباب
стр. 593
لسعيه في ذلك ... " ١. "نعم إذا أراد الله إسعاد أمة جعل ملكها قوياً لما فيها من الاستعداد للخير حتى يغلب خيرها على شرها فتكون سعيدة، وإذا أراد الله إهلاك أمة جعل ملكها مقوياً لدواعي الشر فيها حتى يغلب شرها على خيرها، فتكون شقية وذليلة، فتعدو عليها أمة قوية، فلا تزال تنقصها من أطرافها، وتفتات عليها في أمورها، أو تناجزها الحرب، حتى تزيل سلطانها من الأرض، يريد الله تعالى ذلك فيكون بمقتضى سننه في نظام الاجتماع، فهو يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء بعدل وحكمة، لا بظلم وعبث ... " ٢.
ولدينا في هذا المثال آية واضحة في كتاب الله، تؤيد ما ذهب إليه الشيخ رشيد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ٣.
وما هذا إلا مثال فقط على تعلق مشيئة الله تعالى بالأسباب، وإلا فإن كل قدر إلهي ومشيئة؛ تنفذ بالأسباب التي يخلقها الله تعالى.
فكتب الله الجنة لأهل الجنة بالأسباب، بأ يسرهم لعمل أهل الجنة فيكونوا من أهلها، وكتب النار على أهل النار فيعملون بعمل أهل النار فيكونوا منهم.
والله تعالى هو الخالق للأسباب، وهو الذي يوفق لها، لمن كتب له الخير فيوفقه لأسباب الخير، وهكذا كل قدر قدره الله يكون بقدر الله وعلى أساس مبدأ السببية، فيرفع العلم بقبض العلماء ٤، وقبض العلماء سبب طبيعي لقبض العلم، ويهلك الأمم بخلق أسباب الهلاك لها، ويسعدها بخلق أسباب السعادة لها، كما مثل الشيخ رشيد، ويعز من يشاء بأسباب العز، ويذل بأسباب الذل.
стр. 594
وآيات القرآن تذل بوضوح على نفاذ مشيئة الله تعالى وفق مبدأ السببية، كما يظهر من قصة يوسف ﵇، وكيد الله تعالى له، وفي قصة موسى مع فرعون، وفي سائر القرآن الكريم تظهر هذه المسألة بوضوح.
وفي الأمور الكونية كذلك، فيخلق الله المطر بالسحاب، ويخلق الولد بالنكاح، وينبت النبات بالماء ١.
ويحمل الشيخ رشيد على المنكرين للأسباب من القائلين بالجبر الصراح، ومن القائلين به مع التبرؤ من اسمه.
فبعد أن نقل كلاماً للسفاريني ولابن تيمية في هذه المسألة، عقب قائلاً: "أوردنا هذا الكلام هنا للذين لا يعرفون من كتب العقائد إلا كتب متأخري الأشعرية القائلة بأن لا تأثير للأسباب في مسبباتها ولا لقدرة الإنسان في عمله، وأن الله يخلق السبب عند المسبب، وأن العبد كاسب لعمله في الظاهر مجبور عليه في الحقيقة، ونعزو هنا إلى الأشعري وكبار أنصاره ليعلموا أن كلام الأشعري ليس نصاً في ذلك وأن أكبر أنصار مذهبه وهم إمام الحرمين والإسفراييني والغزالي قالوا بخلاف ذلك فلم يبق إلا الباقلاني عليه فهل نحصر السنة فيه دون السلف، وسائر أئمة الأشعرية" ٢.
стр. 595
المبحث الخامس: الهدى والضلال:
هذه المسألة هي قلب أبواب القدر ومسائله، وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن الهدى والضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ١. والهداية مراتب: أولها: الهداية العامة، وهي: هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيم حياتها، وهذه هي أعم المراتب. والثانية: هداية البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذه المرتبة أخص من الأولى لأنها تتعلق بالمكلفين. والثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق، ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى ٢. ويشير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٤ إلى المرتبة الأولى. وألى المرتبة الثانية يشير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٥ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
стр. 596
لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ١، فقد هداهم تعالى هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها ٢. وأما المرتبة الثالثة، فيشير إليها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ وهذه المرتبة هي التي أنكرتها المعتزلة ٥.
ويقرر الشيخ رشيد ﵀ كأهل السنة ـ وكما صرحت آيات الكتاب العزيز ـ أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
قال الله تعالى:
﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٦.
قال الشيخ رشيد: "أي من تعلقت مشيئة الله بإضلاله يضلله، ... وإنما إضلاله إياهم اقتضاء سنته في عقول البشر وغرائزهم وأخلاقهم أن يعرض المستكبر عن دعوة من يراه دونه، واتباع من يراه مثله، وإن ظهر له أن الحق معه، وأن يعرض المقلد عن النظر في الآيات والدلائل التي تنصب لبيان بطلان تقاليده وإثبات خلافها ... وليس معنى ذلك أن يخلق الله الضلال لمن شاء إضلاله خلقاً، ويجعله له غريزة وطبعاً، ولا أن يلجئه إليه إلجاءً، ويكرهه عليه إكراهاً ... ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ومن يشأ هدايته واستقامته يجعله على طريق مستقيم، وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه ولا ينجو تاركه، بأن يوفقه لاستعمال سمعه وبصره وعقله في آيات الله المنزلة وآياته المكونة ... " ٧.
стр. 597
يعني أن الله تعالى يقدر الهدى والضلال، على وفق مبدأ السببية وارتباط الأسباب بالمسببات.
وقد نقل الشيخ رشيد رضا عن شيخه معنى الهداية ومراتبها، فقال:
"ذكر الأستاذ الإمام أولاً ما قالوه في معنى الهداية لغة من أنها الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب ... " ١.
ثم ذكر أنواعها ومراتبها، فقال نقلاً عنه: "ومنح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته:
(أولاها) : هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم....
(الثانية) : هداية الحواس والمشاعر وهي متممة لهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيها الحيوان الأعجم، بل هو فيها أكمل من الإنسان....
(الهداية الثالثة) : العقل: ... وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه....
(الهداية الرابعة) : ... ، أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٢ أي طريقي السعادة والشقاوة والخير والشر. قال الأستاذ الإمام: وهذه تشتمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين. ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٣ أي دللناهم على طريقي الخير والشر، فسلكوا سبل الشر المعبر عنه بالعمى ... " ٤.
стр. 598
وإن كان الله ﵎ قد منح هذه الهدايات الأربع لكل فرد من أفراد الإنسان، إلا أن هناك هداية خامسة، هي هداية خاصة لم تمنح للكافة، بل اختص الله تعالى بها بعض خلقه.
وهذه الهداية الخاصة وهي هداية التوفيق، هي التي افترق الناس فيها، فأثبتها أهل السنة، وأنكرتها المعتزلة والقدرية، وأثبتها كذلك الشيخ رشيد رضا ﵀ فيقول:
"بقي هنا هداية أخرى وهي المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١ فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين؛ المهلك والمنجي، مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما، وهي ما تفضل الله به على جميع أفراد البشر. أما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل، وشرع الدين.
ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين، وفي استعمال الحواس والعقل ... كان محتاجاً إلى المعونة الخاصة، فأمرنا الله بطلبها منه في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢ فمعنى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ ... " ٣.
ثم قال الشيخ رشيد: "هذا الفرق بين معنى الهداية معروف في اللغة، وبه يجاب عن التناقض الظاهري في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
стр. 599
مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ فالهداية التي أثبتها للنبي ﷺ هي الدلالة على الخير والحق، والتي نفاها عنه هي الثانية التي بمعنى الإعانة والتوفيق" ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٣ يقرر الشيخ رشيد نفس المعنى، مع زيادة بيان وتوضيح، فيقول: " أي ذلك الهدى إلى صراط مستقيم، وهو ما كان عليه أولئك الأخيار مما ذكر من الدين القويم، والفضل العظيم، هو هدى الله الخاص، الذي هو وراء جميع أنواع الهدى العام كهدى الحواس والعقل والوجدان، لأنه عبارة عن الإيصال بالفعل إلى الحق والخير، على الوجه الذي يؤدي إلى السعادة ... " ٤.
وبهذا البيان الواضح، يظهر لنا أن الشيخ رشيد، وكما هو مذهب السنة يثبت هذه المرتبة التي تفضل الله بها على عباده، وقد أنكرتها المعتزلة والقدرية.
وكما أن الله تعالى يهدي من يشاء، فإنه يضل من يشاء، ولكن هذا الإضلال ليس على سبيل الجبر، كما هو مذهب الجبرية، بل هو ـ وكما بين الشيخ رشيد ـ من باب ترتب المسببات على الأسباب والمقدمات على النتائج.
"وقد علم مما قررناه أن إسناد الضلال إلى الله تعالى ليس معناه أنه أجبرهم على الضلال إجباراً، وأعجزهم بقدرته عن الهدى فكان ضلالهم اضطراراً لا اختياراً، بل معناه أنهم مارسوا الكفر والضلال وأسرفوا فيهما حتى وصلوا إلى الحد العمه في الطغيان، ففقدوا بهذه الأعمال الاختيارية ما
стр. 600
يضادها من الهدى والإيمان" ١. "والله تعالى يسند الأمور إلى أسبابها تارة وإليه تعالى تعالى تارة من حيث أنه خالق كل شيء وواضع سنن الأسباب والمسببات، ومن هذه الأسباب ما جعله من أفعال المخلوقات الاختيارية على علم، وما جعله بأسباب لا يعلم للخلق اختيار فيها ولا علم، وكل من القسمين يسند إلى سببه تارة وإلى رب الأسباب تارة، والجهة مختلفة معروفة ... وجملة القول: أن من سننه تعالى في البشر أن من يتبع هواه في أعماله ويستمر على ذلك ويدمنه الزمن الطويل تضعف إرادته في هواه، حتى تذوب وتفنى فيه، فلا تعود تؤثر فيه المواعظ القولية، ولا العبر المبصرة ولا المعقولة، وهذه الحالة يعبر عنها بالختم والرين والطبع على القلب ... وأمثال هذه الأمثال المضروبة لهذه الحالة قد ضل بها الجبرية غافلين عن كونها عاقبة طبيعية لإدمان تلك الأعمال الاختيارية ... " ٢.