رب العالمين للطبقات الثلاث من أصحاب رسول الله ﷺ ، يدفع حقها باطل الروافض الذين يطعنون فيهم، ويحثو التراب في أفواههم، والذي سن لهم هذا الطعن في جمهورهم الأعظم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام لأجل إيقاع الشقاق بين المسلمين وإفساد أمرهم ثم نظم الدعوة لذلك زنادقة المجوس بعد فتح المسلمين لبلادهم ... ثم جُعل الرفض مذهباً، له فرق ذات عقائد، منها ما هو كفر صريح ومنها ما هو ابتداع قبيح ومنها ما هو دون ذلك ... " ١.
ويرى رشيد رضا أن هذه الطبقات الثلاث من الصحابة قد جاوزوا القنطرة، فيقول: "إن جميع أفراد هذه الطبقات الثلاث قد جاوزوا القنطرة واستبقوا الصراط وما يؤثر في كمال إيمانهم شيء، لأن نورهم يمحوا كل ظلمة تطرأ على أحد منهم بإلمامه بذنب ... " ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ ٣، قال: "هذا خبر مؤكد بلام القسم على حرف التحقيق بين به الله فضل عطفه على نبيه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار وتجاوزه عن هفواتهم ... لاستغراقها في حسناتهم الكثيرة، على كونهم لا يصرون على شيء منها، وإنما كانت هفواتهم هذه مقتضى الطباع البشرية، واجتهاد الرأي فيما لم يبينه الله تعالى لهم بياناً قطعياً يعد مخالفه عاصياً ... " ٤.
وقال رداً على سؤال عن عدالة الصحابة: " ... وورد من الأحاديث النبوية في تعديلهم والثناء عليهم، والنهي عن سبهم وحظر بغضهم، ما لا محل لذكر شيء منه في هذا الجواب الوجيز" ٥. وأيضاً فقد "كان من سيرتهم المتواترة في نشر الإسلام في العالم وإصلاح البشرية، ما هو أكبر
стр. 772
حجة علمية تاريخية على تفضيل أصحاب محمد ﷺ على جميع أصحاب الأنبياء والمرسلين ... " ١.
وهذه المكانة العالية لأصحاب النبي ﷺ لا تمنع أن يرتكب بعضهم الذنوب ومنها الكبائر ـ يقول رشيد رضا ـ إلا أن هذا "لا يبيح هتك حرمة هؤلاء الأخيار في جملتهم" ٢.
إلا أن رشيد رضا يرى أن القول بعدالة جميع الصحابة على اصطلاح من لا يشترط في الصحبة طول العشرة وتلقي العلم والتربية النبوية مطلقاً فيه إفراط، ويفرق بين من رأى النبي ﷺ طفلاً ـ مثلاً ـ ولا يعي وبين من عاشر النبي ﷺ ولازمه ٣.
وقد تابع رشيد رضا في ذلك أبو رية وغيره ٤. ولا ريب أن الاعتقاد بعدالة كافة الصحابة هو قول جمهور أهل السنة. وكافة المحدثين، وعليه سلف الأمة وجماهير الخلف ٥.
وعدالة الصحابة كافة هي ما تدل عليه آيات القرآن الكريم دون استثناء. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٧،وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
стр. 773
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..﴾ ١.
وهذه الآيات وغيرها ترد مذهب رشيد رضا إذ أنها تشير إلى تعديل كافة الصحابة دون استثناء، بما فيهم معاوية ﵁ والذي اتخذ منه رشيد رضا موقفاً غير مرضي كما سيأتي بيانه بعد قليل.
ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل والخلافة:
يرى الشيخ رشيد أن ترتيب الصحابة في الخلافة هو على ترتيبهم في الفضل، وأن ذلك بحكمة الله ورحمته. فيقول: "وكان من حكمة الله ورحمته أن خلف رسول الله ﷺ فيه خير أصحابه علماً وحكمة وإخلاصاً ليكونوا قدوة لمن بعدهم وحجة لله عليهم، وألهم أهل الحل والعقد أن يقدموا أقصرهم فأقصرهم عمراً من حيث لا يدرون لتستفيد الأمة من كل واحد منهم، وهذه حكمة ألهمني الله تعالى إياها منذ عشرات السنين لم أروها ولم أسمعها من أحد، وهاك وجه كل واحد منهم ﵃ أجمعين ـ ... " ٢. ثم طفق يبين وجه الحكمة تفصيلاً. والشاهد من ذلك تقرير الشيخ رشيد لمنهج السلف في ترتيب الخلفاء في الخلافة والفضل.
حكم سب ولعن الصحابة:
ويرى الشيخ رشيد أن سب الشيخين معصية فيقول جواباً على سؤال عن حكم من فعل ذلك، وهل تطلق زوجته: "سب الشيخين عليهما الرضوان معصية، والمعاصي لا تحل عقد الزوجية، وإلا لما صح لفاسق زوجية ولا نسب ... " ٣.
وفيما يتعلق بالصحابي معاوية ﵁، فإن الشيخ رشيد يرى تحريم لعنه مطلقاً ـ كغيره من الصحابة ـ لأسباب عديدة منها: النهي الوارد
стр. 774
في السنة عن اللعن الذي يتساهل فيه أهل الأهواء من السفهاء ١. ولأنه لا يستحق اللعن إلا من مات كافراً بالله وغضب الله عليه، وهذا لا يعرف إلا بوحي من الله تعالى، ولأن الخاتمة مجهولة ٢ ووراء ذلك كله: "إن السواد الأعظم من المسلمين يعدون سب معاوية ولعنه من الكبائر، ويرمون سابه بالرفض والابتداع، وأن السني من المسلمين ليعادي الشيعي على سب معاوية وأبي سفيان بلهَ الخلفاء الثلاثة، ويعادي الخارجي على سب عثمان وعلي ما لا يعادي غيرهما على ترك فريضة من الفرائض أو ارتكاب فاحشة من الفواحش، فهذا الطعن في عظماء الصحابة وحملة الدين الأولين لو كان جائزاً في نفسه لكفى في تحريمه ما يترتب عليه من زيادة التفريق بين أهل القبلة وتمكين العداوة في قلوبهم حتى يكفر بعضهم بعضاً. لهذا لا أبالي أن أقول لو اطلع مطلع على علم الغيب فعلم أن معاوية مات على غير الإسلام لما جاز له أن يلعنه ... " ٣. وقد استفتي الشيخ رشيد في لعن معاوية غير مرة فلم يفتِ به ولم يرضه ٤.
ورغم ذلك فإن موقف الشيخ رشيد من معاوية ﵁ غير مرضي. إنه يقول: "إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالباً للملك ومحباً للرياسة، وإنني لأعتقد أنه قد وثب على هذا الأمر مقتاتاً، وأنه لم يكن له أن يحجم عن مبايعة علي بعد أن بايعه أولو الأمر ... وإنني على اعتقادي هذا لا أرى للمسلمين خيراً في الطعن في الأشخاص والنبز بالألقاب واللعن والسباب، وإنما عليهم أن يبحثوا عن الحقائق ليعلموا من أين جاءهم البلاء فيسعوا في تلافيه مع الاتحاد والاعتصام، والاقتداء بالسلف الصالح في حسن الأدب مع الصحابة الكرام" ٥.
ويقول أيضاً: " ... ونحن من أولياء علي ﵇ والرضوان ـ لا
стр. 775
من أولياء معاوية وفئته الباغية ـ عليهم من الله ما يستحقون ـ ولكننا لسنا بسبابين ولا لعانين كما ورد في وصف المؤمنين. وقد ذكرت في ترجمة الوالد ﵀ من المجلد الثامن ـ أنه كان يقول: "لا نحب معاوية ولا نسبه" وكيف نحب من بغى على جدنا وخرج عليه ١ وكان سبباً في تلك الفتن التي كانت نكتة سوداء في تاريخ عصر النور الأول لنور الإسلام. وبه تحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها لها الله تعالى في كتابه بقوله في المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢ إلى حكومة شخصية استبدادية ... " ٣.
والحق أن في هذا الموقف من الشيخ رشيد ـ رغم رفضه للعن والسب ـ قصور شديد وبخس لحق هذا الصحابي الجليل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ٤ ومعاوية ﵁ هو من جملة أصحاب النبي ﷺ وينطبق عليه ما ينطبق عليهم.
فمعاوية بن أبي سفيان ﵄ خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين ٥، ولاه عمر ﵁ الشام، وأقره عليها عثمان ٦. أسلم يوم العقبة وكتم إسلامه خوفاً من أبيه ٧. كنيته: أبو عبد الرحمن ٨.
стр. 776
ولي الخلافة حين سلم الأمر إليه الحسن بن علي ﵄ وذلك سنة إحدى وأربعين ١. شهد له ابن عباس ﵄ بالأمانة والفقه ٢. كان أبيض طويلاً أبيض الرأس واللحية ٣، إذا ضحك انقلبت شفته العليا ٤. اتخذه النبي ﷺ كاتباً بوصية جبريل ﵇ ٥. وبشره بالخلافة وأوصاه بالمسلمين ٦، ودعا له كثيراً ٧.
ولما كان معاوية هو أحد الذين أكرمهم الله تعالى بصحبة نبيه ﷺ فكل كلام يقال في الصحابة فإن معاوية يدخل فيه، وللسلف كلام فيه يخصه ﵁.
فقد روى البخاري أن معاوية أوتر بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: "دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ " وفي رواية: فقال ابن عباس: "إنه فقيه" ٨.
وروى أحمد في مسنده عن مجاهد عن ابن عباس أن معاوية أخبره "أن رسول الله ﷺ قصر شعره بمشقص" فقلت لابن عباس: ما بلغنا هذا الأمر إلا عن معاوية! فقال: " ماكان معاوية على عهد رسول الله ﷺ متهماً ٩.
وعن أبي الدرداء: "ما رأيت أحداً بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا ـ يعني معاوية ـ" ١٠.
стр. 777
وروى أحمد في مسنده ١ عن العرباض بن سارية السلمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: "هلموا إلى الغداء المبارك" ثم سمعته يقول: "اللهم علم معاوية الكتاب وقه العذاب"
وعن قبيصة بن جابر قال: "صحبت معاوية فما رأيت أحداً أنبل حكماً ولا أبعد أناة منه" ٢. وسئل سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال: "من مات محباً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وشهد للعشرة بالجنة وترحم على معاوية كان حقيقاً على الله أن لا يناقشه الحساب" ٣. وسئل عبد الله بن المبارك عنه فقال: "ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ : "سمع الله لمن حمده"، فقال: معاوية من خلفه: "ربنا ولك الحمد". فقيل له: ما تقول في معاوية ـ هو أفضل أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: "لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خير ـ أو أفضل ـ من عمر بن عبد العزيز" ٤، وقال الربيع بن نافع ٥:"معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب النبي ﷺ فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه" ٦. وسئل أحمد عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال إنه رافضي؟ قال: "إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، وما يبغض أحد أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وله داخلة سوء" ٧. وقال ابن المبارك: "معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية
стр. 778
شزراً، اتهمناه على القوم يعني على أصحاب محمد ﷺ "١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لعن أحداً من أصحاب النبي ﷺ كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما ... فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين، وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل؟ أو ما دون القتل ... " ٢. وقال أيضاً: " ... "ومعاوية لم يدّع الخلافة، ولم يبايع له بها حين قاتل علياً، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنهن ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدوا علياً وأصحابه بالقتال ... " ٣. وقال: " ... فمن لعنهم فقد عصى الله ورسوله ... " ٤.
فهذا موقف السلف من "أمير المؤمنين ملك الإسلام" ٥ "معاوية بن أبي سفيان" ﵄ وقد روى المحدثون في فضائله أحاديث وأفردوا لذلك أبواباً وفصولاً ٦، ومن هنا تعلم مدى تقصير الشيخ رشيد في حق هذا الصحابي الجليل المشهود له بالفقه والأمانة، وبكل أسى فقد اشتهر الطعن فيه، لا سيما في المتأخرين، ومن المنتسبين لأهل السنة ٧، وذاع ذلك حتى بين العامة، ورحم الله تعالى أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين، وكاتب الوحي الأمين، وسائر أصحاب نبينا، والتابعين لهم بإحسان ومن أحبهم وترضى عنهم.
стр. 779
المبحث العاشر: الخلافة والإمامة
المطلب الأول: تعريف الخلافة والإمامة
...
تعد الإمامة والخلافة من أهم المسائل الدينية التي تبحث ضمن موضوعات العقيدة، لذا فإن علماء أهل السنة قد عُنوا ببحثها وبيان المنهج الواجب اتباعه فيها. وقد تعرضت الخلافة في عصر رشيد رضا إلى هزة عنيفة، وفي حياته أعلن سقوط آخر خليفة عثماني، وإلغاء هذا المنصب ١، الذي لم يكن له في الحقيقة يوم ألغي أي أثر فعلي. لقد كان لهذا الحدث أثر بالغ في حياة المسلمين واضطربوا لذلك اضطراباً شديداً، وكثرت المناقشات حول هذا الموضوع بين العلماء، وكان رشيد رضا طرفاً هاماً في هذا النقاش، وألف كتاباً مستقلاً في هذا الموضوع، فضلاً عما كتبه في مجلته وتفسيره. ومن خلال هذه الكتابات أحاول ـ بما يسعه المقام ـ أن أبين منهج رشيد رضا في هذا المبحث ٢.
المطلب الأول: تعريف الخلافة والإمامة:
عرف رشيد رضا الخلافة والإمامة، فقال: "الخلافة والإمامة العظمى، وإمارة المؤمنين، ثلاث كلمات معناها واحد، وهو: رئاسة الحكومة
стр. 780
الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا.." ١.
ويرى رشيد رضا أن نصب الإمام واجب عقلاً وشرعاً لا عقلاً فقط، كما قال بعض المعتزلة. قال: "أجمع سلف الأمة وأهل السنة وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام ـ أي توليه على الأمة ـ واجب شرعاً لا عقلاً فقط كما قال بعض المعتزلة.." ٢.
وأما الأدلة؛ فقد حكى رشيد رضا عن بعض المتكلمين أنه استدل بالإجماع والعقل على هذا الحكم، لكنه اعترض عليه بالغفلة عن الاستدلال بالسنة، فقال: "وقد غفل هو وأمثاله عن الاستدلال على نصب الإمام بالأحاديث الصحيحة الواردة في التزام جماعة المسلمين وإمامهم، وفي بعضها التصريح بأن "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" رواه مسلم ٣ ... وسيأتي حديث حذيفة المتفق عليه وفيه قوله ﷺ له: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" ٤.." ٥.
وقد استدل بعض أهل العلم المثبتين للإمامة بآيات من كتاب الله تعالى على وجوب نصب الإمام ٦.
ويبين رشيد رضا أن هذا الواجب هو واجب كفائي، وأن المطالب به هم أهل الحل والعقد ٧. وعرف أهل الحل والعقد بأنهم:"زعماء الأمة وأولو المكانة وموضع الثقة من سوادها الأعظم، بحيث تتبعهم في طاعة من يولونه عليهم، فينتظم به أمرها، ويكون بمأمن من عصيانها وخروجها
стр. 781
عليه.. وإنما تصح المبايعة باتفاقهم، أو اتفاق الرؤساء الذين يتبعهم غيرهم.. " ١. ويمثل رشيد رضا لهؤلاء فيقول: "ومن رؤسائهم في هذا العصر: قواد الجيش، كوزيري الحربية والبحرية وأركان الحرب لهما.." ٢.ولكن رشيد رضا لا يطلق ذلك بل يقيده ـ في هذا العصر ـ بحزب الأستاذ الإمام، فهم ـ في رأيه ـ أهل الحل والعقد: "لقد وصل الأستاذ الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ إلى مقام الزعامة في هذه الأمة، ومرتبة أهل الحل والعقد في الأمور الدينية والدنيوية.." ٣. ويقول:" وهذا الحزب هو الذي يمكنه إزالة الشقاق من الأمة.. فإن موقفه في الوسط يمكنه من جذب المستعدين لتجديد الأمة من الطرفين، وهو الحزب الذي سميناه في المقالة الثالثة من مقالات" مدينة القوانين" بحزب الأستاذ الإمام" ٤.
شروط من يختار الخليفة:
ذكر رشيد رضا أن الشروط المعتبرة في الذين يختارون الخليفة، هي ثلاثة: العدالة، والرأي والحكمة والعلم. وقال: "لهذه الشروط مأخذ من هدي السلف.."٥.
وتوقف رشيد رضا عند شرط العلم فقال: "ومن ظن أن كل من يوصف بالعلم والوجاهة تنعقد ببيعتهم الإمامة ويجب على الأمة اتباعهم فيها، فقد جهل معنى الحل والعقد ومعنى الجماعة ومعنى الإجماع.." ٦. وأود هنا أن أذكر بموقف رشيد رضا من مسألة الإجماع وأهله، قد تبين لي هناك أنه هو الذي لا يعرف معنى الإجماع ولا أهله ٧. وأما أهل العلم الذين يقصدهم
стр. 782
رشيد رضا فهم أصحاب العلم " الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد" ١، لا حزب حشوية الفقهاء الجامدين" فإن هؤلاء " يعجزون عن جعل القوانين العسكرية والمالية والسياسية مستمدة من الفقه التقليدي ويأبون القبول بالاجتهاد المطلق في كل المعاملات الدنيوية، ولو فوض إليهم أمر الحكومة على أن ينهضوا بها لعجزوا قطعاً.." ٢. وهم ـ أي أصحاب الفقه الاستقلالي: "حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل" ٣. وطبعاً هم حزب الأستاذ الإمام.
الشروط المعتبرة في الخليفة:
ذكر رشيد رضا أن الشروط المعتبرة في الخليفة سبعة، وهي: العدالة والعلم وسلامة الحواس وسلامة الأعضاء، والشجاعة والرأي والنسب ٤. وكما توقف عند شرط العلم في المختارين للإمام، فقد توقف عند شرط النسب في الإمام، فقال: إنه قد ثبت الإجماع عليه، قال: "أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل، رواه ثقات المحدثين، واستدل به المتكلمون، وفقهاء مذاهب السنة كلهم، وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لبني قريش ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون حتى إن الترك الذين تغلبوا على العباسيين وسلبوهم السلطة بالفعل لم يتجرأ أحد منهم على ادعاء الخلافة ولا التصدي لانتحالها.. وما ذلك إلا لأن الأمة مجمعة على ما ذكر.." ٥. ويستدل رشيد رضا لهذا الشرط بالسنة، فيقول: "وأما الأحاديث في ذلك فكثيرة مستفيضة في جميع كتب السنة، وقد أخرجوها في كتب الأحكام وأبواب الخلافة أو الإمارة والمناقب وغيرها.."٦. ويذكر رشيد رضا من هذه الأحاديث
стр. 783
قوله ﷺ : "الأئمة من قريش" ١، ويقول: " وحسبنا من قوة حديث "الأئمة من قريش" من حيث الرواية قول الحافظ في فتح الباري عند ذكره في "المناقب" من صحيح البخاري ما نصه: "قد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابياً" ٢.... فمن علم هذا لا يلتفت إلى ما ذكره بعض أهل هذا العصر من تأويل تلك الأحاديث والبحث في أسانيد بعضها ... " ٣، هذا من حيث الراوية، وأما من حيث الدراية فبين رشيد رضا الحكمة من اشتراط هذا الشرط فيقول؛ بعد أن نقل آراء بعضهم: "فحكمة جعله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ خلافة نبوته فيها ـ يعني قريش ـ وسببه: أمران: الأول: كثرة المزايا التي تنتشر بها الدعوة، وتكون ـ بسبب طباع البشر ـ سبباً لجمع الكلمة، ومنع المعارضة، والمزاحمة أو ضعفها، وكذلك كان، فإن الناس أذعنوا لهم على تنازلهم وكثرة من لم يقم بأعباء الخلافة منهم ولا أخذها بحقها ... والثاني: أن تكون إقامة الإسلام متسلسلة في سلاسل أول من تلقاها ودعا إليها ونشرها حتى لا ينقطع اتصال سيرها المعنوي والتاريخي، فإن الحقوق الخاصة من الملل والأمم وليدة التاريخ ... " ٤.
والذي دفع رشيد رضا إلى الوقوف عند هذا الشرط ـ وهو ما صرح به ـ محاولة البعض تصحيح خلافة بني عثمان ـ بينما يرى رشيد رضا أنها خلافة بالتغلب ـ وسيأتي بيان رأيه فيها ـ وشيء آخر لم يصرح به، وهو ما وقع في نفوس البعض من ملوك ذاك العهد وتطلعهم لشغل هذا
стр. 784
المنصب بعد فراغه ١.
стр. 785
المطلب الثاني: طرق التولي:
ذكر الشيخ رشيد ثلاث طرق للولاية: أحدها: المبايعة، فقال: "الإمامة عقد تحصل بالمبايعة من أهل الحل والعقد لمن اختاروه إماماً للأمة، بعد التشاور بينهم، والأصل في البيعة أن تكون على الكتاب والسنة وإقامة الحق والعدل من قبله، وعلى السمع والطاعة في المعروف من قبلهم ... وقد صح أن النبي ﷺ هو الذي كان يلقنهم قيد الاستطاعة عند المبايعة، وقد بايعوه أيضاً على الإسلام، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، والصبر وعدم الفرار من القتال، وعلى بيعة النساء المنصوصة في القرآن ٢ ... " ٣.
وهذه الطريق هي إحدى الطرق الصحيحة عند أهل السنة ٤.
وأما الطريق الثاني التي يقررها رشيد رضا فهي التولية بالاستخلاف والعهد، فيقول: "اتفق الفقهاء على صحة استخلاف الإمام الحق والعهد منه بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه، أي في الإمام الحق، فالعهد أو الاستخلاف لا يصح إلا من إمام مستجمع لجميع شروط الإمامة لمن هو مثله في ذلك. هذا شرط العهد إلى فرد، واستدلوا على ذلك باستخلاف أبي بكر لعمر، وأما العهد إلى الجميع وجعله شورى في
стр. 786
عدد محصور من أهل الحل والعقد، فاشترطوا فيه أن تكون الإمامة متعينة لأحدهم، بحيث لا مجال لمنازعة أحد لمن يتفقون عليه منهم، وهو الموافق لجعل عمر إياها شورى في الستة ﵃ ... " ١. ويرى الشيخ رشيد أن هذه الطريق وإن كانت صحيحة فهي متوقفة على إقرار أهل الحل والعقد للخليفة المستخلف احترازاً عن وضعها في غير موضع باستخلاف من ليس أهلاً لها ولا مستجمعاً لشروطها. قال: "وأما المتغلبون بقوة العصبية فعهدهم واستخلافهم كإمامتهم، وليس حقاً شرعياً لازماً لذاته، بل يجب نبذه كما تجب إزالتها، واستبدال إمامة شرعية بها عند الإمكان والأمان من فتنة أشد ضرراً على الأمة منها، وإذا زالت بتغلب آخر فلا يجب على المسلمين القتال لإعادتها ... " ٢.
وسيأتي الكلام حول مسألة الخروج على الإمام الفاسق والكافر غير أني أشير هنا إشارة إلى أن محاولات الخروج على أئمة الجور قديماً وحديثاً قد أدت دائماً إلى ما هو أشد من جورهم، حتى كانت ولايتهم بالنسبة لما حدث بعدهم نعمة ود الناس لو دامت عليهم.
والطريق الثالث التي يكون بها الخليفة هي طريق الضرورة والغلبة، وخلافة الضرورة ـ كما يراها الشيخ رشيد ـ هي خلافة من لم يستجمع شروط الخلافة المعتبرة، فإذا تعذر وجود بعض الشروط تدخل المسألة في حكم الضرورات، والضرورات ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ تقدر بقدرها فيكون الواجب حينئذ مبايعة من كان مستجمعاً لأكثر الشرائط من أهلها، مع الاجتهاد والسعي لاستجماعها كلها ... ٣.
وأما خلافة التغلب ـ وهي جائزة للضرورة أيضاً ـ إلا أن الفرق بينها وبين ما قبلها أن الأولى صدرت من أهل الحل والعقد باختيارهم لمن هو أمثل الفاقدين لبعض الشرائط ... وأما الثانية: فصاحبها هو المعتدي على
стр. 787
الخلافة بقوة العصبية لا باختيار أهل الحل والعقد له، لعدم وجود من هو أجمع للشرائط منه، فذاك يطاع اختياراً، وهذا يطاع اضطراراً ... " ١.
ويثبت الشيخ رشيد كما وضح من النص السابق وجوب طاعة الإمام في كلا الحالتين.
غير أنه يقول إن حالة سلطة التغلب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة لتنفذ بالقهر وتكون أدنى من الفوضى. ومقتضاه ـ كما يقول ـ "إنه يجب السعي دائماً لإزالتها عند الإمكان، ولا يجوز أن توطن النفس على دوامها ... " ٢.
والحق أن الاستخلاف بالغلبة متى تم واستقر أصبح له حكم الخلافة الشرعية من وجوب الطاعة وعدم الخروج ٣، وهو الواجب على الرعية الذي بينه الشيخ رشيد فيما يلي:
طاعة أولي الأمر:
قال الشيخ رشيد: "ومتى تمت البيعة وجب بها على المبايعين وسائر الأمة بالتبع لهم الطاعة للإمام في غير معصية الله والنصرة له، وقتال من بغى عليه أو استبد بالأمر دونه ... وأهم ما يجب التذكير به من طاعة الإمام الحق على كل مسلم، وكذا إمام الضرورة أو التغلب على كل من بايعه بالذات، ومن لزمته بيعة أهل الحل والعقد ـ أداء زكاة المال والأنعام والزرع والتجارة والجهاد الواجب وجوباً كفائياً على مجموع الأمة ... كما يجب عليهم طاعة من ولاهم أمر البلاد من الولاة السياسيين والقضاة، وقواد الجيوش دون غيرهم، ويجب على هؤلاء الخضوع له فيما يفيد به سلطتهم، وفي عزله إياهم إذا عزلهم، والشرط العام في الطاعة أن لا تكون في معصية الله تعالى ... " ٤.
стр. 788
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد مجمع عليه بين أهل السنة، فيقولون بوجوب طاعة الإمام، وأنها من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ١.
стр. 789
المطلب الثالث: وظيفة الإمام:
قال الشيخ رشيد: "يجب على الإمام نشر دعوة الحق، وإقامة ميزان العدل، وحماية الدين من الاعتداء والبدع، والمشاورة فيما ليس فيه نص، وهو مسئول عن عمله يراجعه كل أحد من الأمة فيما يراه أخطأ فيه، يحاسبه عليه أهل الحل والعقد ... " ٢. وانتقد الشيخ رشيد على الماوردي إغفاله لواجب الشورى. فإن الشيخ رشيد يعتبره واجباً شرعياً على الإمام، فيقول: "وأهم ما يجب على الإمام المشاورة في كل ما لا نص فيه عن الله ورسوله، ولا إجماعاً صحيحاً يحتج به، أو ما فيه نص اجتهادي غير قطعي ولا سيما أمور السياسة والحرب ... فهو ليس حاكماً مطلقاً كما يتوهم الكثيرون بل مقيد بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة وبالمشاورة، ولو لم يرد فيها إلا وصف للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٣، وقوله لرسوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ٤ لكفى ... " ٥. فيرى الشيخ رشيد أن سلطة الخليفة مقيدة، بالشورى وبما ذكر معها، فهل الشورى واجبة على الإمام، أو هي جائزة له؟
الذي ترشد إليه أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف أن الشورى مستحبة للإمام، لا واجبة عليه، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ٦ وصرح به
стр. 790
الإمام ابن القيم، فقال: "ومنها استحباب مشاورة الإمام رعيته وجيشه استخراجاً لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم، وأمناً لعتبهم، وتعرفاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، امتثالاً لأمر الرب ... " ١. وممن قال بالاستحباب الحافظ ابن حجر ٢، وهو مذهب الماوردي وأبي يعلى، ويدل عليه ظاهر فعلهما ٣، فكلاهما لم يورد الشورى بين واجبات الإمام. والندب مذهب الشافعي ٤، وأحمد ٥، فتبين من ذلك كله أن الحق أن الشورى ليست واجبة بل هي جائزة ومستحبة، ومن قال بالوجوب ـ وأكثرهم من المحدَثين ٦ ـ فلا أرى إلا أنهم متأثرون بالدعاية الجديدة والمبادئ الحادثة في نظام الحكم، وأكثرها من فلسفات لا تتعبد بشرع وبنظم لا تقول بوجوب الطاعة والسمع. وعلى رأي المحدَثين القائلين بالوجوب: الشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا ٧.
стр. 791
المطلب الرابع: ما يخرج به الخليفة عن الإمامة:
اعتمد الشيخ رشيد في هذا على ما أورده الماوردي ولخصه، وعلق عليه بعض التعليقات ٨، فقال: "وما ذكره من انعزال الإمام بالفسق قد
стр. 792
اختلف فيه، والمشهور الذي حققه الجمهور أنه لا يجوز تولية الفاسق، ولكن طروء الفسق بعد التولية لا تبطل به الإمامة مطلقاً، وبعضهم فصل ... " ١.
وبين الشيخ رشيد اتفاق العلماء على وجوب الخروج على الإمام بالكفر، وأنهم اختلفوا في الظلم والفسق بتعارض الأدلة، ومنها سد ذريعة الفتنة، والتحقيق المختار أن على الأفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطهما دون الخروج على ولي الأمر بالقوة، وأما أهل الحل والعقد فيجب عليهم ما يرون فيه المصلحة الراجحة حتى القتال ٢.
وقال: "وقد استدل من قال يخلع بالكفر دون المعصية بحديث عبادة بن الصامت في المبايعة عند الشيخين ٣، قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" وقد ذكر الحافظ في شرح قوله: "إلا أن تروا كفراً بواحاً" روايات أخرى بلفظ المعصية والإثم بدل الكفر ٤ ... وقال في شرح قوله: "عندكم من الله فيه برهان" أي من نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل ... " ٥.
ولخص الشيخ المسألة بقوله: "وملخصه أن أهل الحل والعقد يجب عليهم مقاومة الظلم والجور والإنكار على أهله بالفعل وإزالة سلطانهم الجائر
стр. 793
ولو بالقتال إذا ثبت عندهم أن المصلحة في ذلك هي الراجحة والمفسدة هي المرجوحة ... " ١. وبذلك يضع الشيخ رشيد ضابطاً لمسألة الخروج هو قياس المصلحة والمفسدة، ويوضح رأي الشيخ رشيد أكثر ما يلي من تقسيمه الدور إلى دار عدل ودار جور.
تقسيم البلاد إلى دار عدل ودار جور:
عرف الشيخ رشيد دار العدل فقال: " ... دار العدل وهي دار الإسلام التي نصب فيها الإمام الحق، الذي يقيم ميزان العدل، تسمى بذلك إذا قوبلت بدار البغي والجور، وهي ما كان الحكم فيها بتغلب أهل العصبية من المسلمين وعدم مراعاة أحكام الإمامة الشرعية وشروطها ... ، وهاتان الداران قد توجدان معاً في وقت واحد وقد توجد إحداهما دون الأخرى ولكل منهما أحكام ... " ٢.
ويبين الشيخ رشيد أحكام دار العدل فيقول: "أما دار العدل فطاعة الإمام فيها في المعروف واجبة شرعاً، ظاهراً وباطناً، ولا تجوز مخالفته إلا إذا أمر بمعصية لله تعالى ثابتة بنص صريح من الكتاب والسنة دون الاجتهاد والتقليد، ويجب قتال من خرج عليه من المسلمين أو بغى في بلاده الفساد بالقوة، كغيره من القتال الواجب شرعاً، وتجب الهجرة من دار الحرب ودار البغي إلى هذه الدار على من استضعف فيهما فظلم أو منع من إقامة دينه ... " ٣.
ويبين أيضاً بعض أحكام دار الجور والبغي، فيقول: "وأما دار البغي والجور فالطاعة فيها ليست قربة واجبة شرعاً لذاتها، بل هي ضرورة تقدر بقدرها ... ومن الظلم الموجب للهجرة منها على من قدر إلى دار العدل ـ إن وجدت ـ حمل المتغلبين من يخضع لهم على القتال لتأييد عصبيتهم
стр. 794
والاستيلاء على بعض بلاد المسلمين، فمن قدر على الفرار من ذلك وجب عليه، فأمرها دائماً دائر على قاعدة ارتكاب أخف الضررين، والظاهر أن يفرق بين قتالهم لأهل العدل فلا تباح الطاعة فيه بحال، وبين قتال غيرهم كأمثالهم من المتغلبين ... وأما الجهاد الشرعي فيجب مع أئمة الجور، ومنه دفاعهم عن بلادهم إذا اعتدى عليها الكفار ... " ١.
فيرى الشيخ رشيد أن الحال في دار البغي والجور مرتبطة بارتكاب أخف الضررين ودفع أشد المفسدتين، درءاً للمفسدة وحفظاً للمصلحة الراجحة، والحق أنه يجب طاعة أولي الأمر مطلقاً وإن جاروا وظلموا أوخذوا أموالنا وجلدوا ظهورنا، لأن الخروج عليهم يترتب عليه من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات ومضاعفة للحسنات، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٢، والواجب ساعتئذ الاجتهاد في العمل والتوبة ٣.
стр. 795
المطلب الخامس: تعدد الأئمة:
يرى الشيخ رشيد أن الأصل هو وحدة الإمام، وقال إنه: "أمر إجماعي" ٤، إلا أنه يرى أن التعدد جائز في حال اتساع رقعة الدولة
стр. 796
الإسلامية وتباعد الأقطار وتعذر الاتصال، فيكون التعدد حينئذ للضرورة، التي يجب أن تقدر بقدرها، وأن يجتهد في إثباتها، فإن: "بُعْد الشقة بين البلاد وتعذر المواصلات التي يتوقف عليها تنفيذ الأحكام، مما يختلف باختلاف الزمان والمكان، فلا يصح أن يجعل عذراً دائماً لصدع وحدة الإسلام ... " ١.
ويرى الشيخ رشيد أن أمام وحدة الإمام واجبات كثيرة، قد فرط فيها المسلمون من قبل، "فأي واجب أقاموا حتى يطالبوا بهذا الواجب" ٢، ويقول: "وحدة الإمام تتبع وحدة الأمة، وقد مزقت العصبية المذهبية ثم الجنسية الشعوب الإسلامية بعد توحيد الإسلام إياها بالإيمان برب واحد وإله واحد وكتاب واحد، والخضوع لحكم شرع واحد، وتلقي الدين والآداب بلسان واحد، فأنى يكون لها اليوم إمام واحد وهي ليست أمة واحدة ... " ٣.
لقد خالف الشيخ رشيد هنا الماوردي ٤ وتابع صاحب الروضة الندية في هذا التفصيل ٥، إن ذلك لا يعني أنه كان مقلداً في مذهبه هنا ـ فقد عرفت موقفه من التقليد ـ إنه كان عارضاً ناقداً يختار من كلام الفقهاء ما يراه مناسباً لحال العصر ولا يتقيد بالتقريرات والحواشي القديمة، التي لا تتناسب مع هذا الزمان، فليست الشريعة محصورة في جلود كتب الحنفية ٦.
стр. 797
الباب الثالث: منهج محمد رشيد رضا في الإيمان باليوم الآخر
تمهيد
...
تمهيد:
إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يصح إيمان أحد إن لم يؤمن باليوم الآخر. قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ١،وقال في وصف الكافرين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ ٢، ويشمل الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به الله ورسوله مما يكون بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه وما يكون من النفخ في الصور وما يكون من البعث والنشور، وما يكون من القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار، وما يكون قبل ذلك كله من علامات وأشراط.
إن الإيمان باليوم الآخر أحد الأسس العقائدية التي وجدت عند الجماعات البشرية منذ أن خلق الله الإنسان، كما نجده واضحاً عند قدماء المصريين، وعند البراهمة من الهنود، ونجده عند الفرس أيضاً ٣. ويرجع ذلك ـ لا إلى التطور الفكري كما يحلو للبعض أن يقول ـ ولكن يرجع إلى الوحي عن طريق الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٤ كما يرجع إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها بإحساسهم جميعاً بضرورة وجود حياة آخرة يجازى فيها المحسن والمسيء.
стр. 798
ولا ريب أيضاً أن أهل الكتاب لديهم اعتقاد باليوم الآخر، ولكنه ضوء خافت لا يكاد يرى الناظر من خلاله شيئاً، وأفكار مشوشة لا يحصل باجتماعها صورة واضحة لهذا اليوم بسبب ما طرأ على كتبهم من تحريف وتبديل.
وقد تحدث الشيخ رشيد عن اليوم الآخر وعرض مسائله التي أشرت إليها، وقارن بين اليوم الآخر كما صوره القرآن وكما هو في كتب أهل الكتاب، وبيّن إصلاح القرآن لهذه العقيدة التي شُوهت في جميع الأديان، وفيما يلي عرض ذلك.
стр. 799
الفصل الأول: منهج رشيد رشا لليوم الآخر
تمهيد
...
تمهيد
لما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد للخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ١ فقد يطغى أحد الجانبين على الآخر، وقد يكون الغالب هو جانب الشر بدافع الشهوات والغفلة، والتي غالباً ما تجمح بصاحبها إلى تجاوز الحدود والتعدي على الآخرين.
وواقع الحال يبين لنا كثيراً أن ممن ارتكب جرائم التعدي في حق غيره وأوقع الظلم بهم، قد غادر الحياة مع المظلوم، قبل أن يأخذ هذا الأخير حقه منه: ولما كانت عدالة الله تعالى تقتضي القصاص وأن يأخذ المظلوم حقه من الظالم، كان لا بد من حياة أخرى غير هذه الحياة يقع فيها القصاص وهو ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ٢ كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٤.
ولكن كثيراً من الناس قد ضلوا في هذا الباب، فأنكر قوم البعث جملة واستبعدوه، وأثبته قوم، ولكنهم سلكوا في إثباته طرقاً مختلفة، فالمتكلمون ـ من المسلمين ـ يرون أن الدليل عليه لا يكون إلا سمعياً وأن العقل لا حظ له في ذلك إلا مجرد بيان عدم الامتناع. وأما القرآن الكريم
стр. 800
فقد سلك مسالك متعددة تفيد العلم والقطع بآحادها ومجموعها على إثبات البعث والمعاد. وقد سار رشيد رضا في ذلك على نهج القرآن ورفض منهج المتكلمين. فأثبت البعث جملة وتفصيلاً، وبين أثر الإيمان به، كما تحدث عن الموت ـباعتباره أول منازل الآخرة، ومايتعلق به من الحياة البرزخية.
стр. 801
المبحث الأول: إثبات الشيخ رشيد لليوم الآخر جملة وحكمه:
لقد تكلم الشيخ رشيد عن اليوم الآخر في كل مناسبة ورد ذكره فيها في كتاب الله تعالى، الذي أكثر من ذكر هذا اليوم ودعا إلى العمل من أجله. تكلم الشيخ رشيد عنه جملة فأثبته وبين أثر الإيمان به، كما بين شيئاً من تاريخ هذه العقيدة في الأديان السابقة على الإسلام. فقال: "الإيمان باليوم الآخر، وما يكون فيه من البعث والحساب والجزاء على الأعمال، هو الركن الثاني للدين الذي بعث الله به الرسل ﵈، وبه يكمل الإيمان بالله تعالى، ويكون باعثا على العمل الصالح، وترك الفواحش والمنكرات والبغي والعدوان" ١.
وأما تاريخ هذه العقيدة وما طرأ عليها من الفساد، فيقول عنه الشيخ رشيد: "وكان جل مشركي العرب ينكرونه، وأما أهل الكتاب وغيرهم من الملل ـ التي كان لها كتب وتشريع ديني ومدني ثم فقدت كتبهم واستحوذت عليهم الوثنية ـ فكلهم يؤمنون بحياة بعد الموت وجزاء يختلفون في صفتها لا في أصلهما. ولكن إيمانهم هذا قد شابه الفساد ببنائه على بدع ذهبت بجل فائدته في إصلاح الناس ... فكان فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابعاً لفساد الركن الأول وهو الإيمان
стр. 802
بالله تعالى ومعرفته، ومحتاجاً إلى الإصلاح مثله ... " ١.
ويقول الشيخ رشيد في حكم الإيمان بهذا اليوم: "أنه لا يتقبل إيمان أحد حتى يؤمن بما أخبر به النبي بعد الموت ... فإن أركان الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وصفاته والإيمان بالنبوة والإيمان بالآخرة ... " ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ٣ قال: "أما لفظ الآخرة فقد ورد في القرآن كثيراً حيث الجزاء على الأعمال، ويتضمن كل ما وردت به النصوص القطعية من الحساب والجزاء على الأعمال ... " ٤.
ولقد أصلح القرآن ما طرأ على عقيدة أهل الكتاب في هذا الباب ببيانه أتم البيان، وبرد الاعتقادات الفاسدة فيه والتي طرأت على هذه العقيدة ٥.
أثر الإيمان باليوم الآخر:
ويشير الشيخ رشيد إلى أثر الإيمان باليوم الآخر وأنّه يظهر في الأعمال فيقول: "ويعرف اليقين في الإيمان بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال" ٦، ويقول في موضع آخر: "فإن العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل، وأما من كان على ظن أو شك فإنه يعمل تارة ويترك أخرى لتنازع الشكوك قلبه ... " ٧.
ويشير إلى أن تمسك المسلم وأدائه للعبادات ـ كالصوم ـ يرجع إلى
стр. 803
إيمانه باليوم الآخر وما فيه من الجزاء والحساب، والعكس صحيح ١.
وفي هذا تأكيد لمذهب الشيخ رشيد ـ الصحيح ـ في ارتباط العمل بالإيمان والاعتقاد بالأفعال والذي سبق بيانه في موضعه في الباب الأول ٢.
стр. 804
المبحث الثاني: الموت والبرزخ:
الموت هو أول منازل الآخرة، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ١، قال الشيخ رشيد: "المعنى ظاهر يفهمه كل من يعرف العربية وهو: أن كل حي يموت، فتذوق نفسه طعم مفارقة البدن الذي تعيش فيه، ولكنهم أوردوا عليها إشكالات بحسب علوم الفلسفة التي تغلغلت اصطلاحاتها في كتب المسلمين ... " ٢. ولدي هنا أيضاً دليل آخر على رفض الشيخ رشيد لطريقة المتكلمين واصطلاحاتهم، وهو يشير هنا إلى اختلافهم في تعريف النفس والروح والموت، ومعنى أن النفس تذوق الموت: أي هل تموت النفس أولاً؟ وكل ذلك من الاصطلاحات الفلسفية التي دست في كتب المسلمين، لذا فإن الشيخ رشيد يرفضها ويقول: "ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت، فالموت هو الموت المعروف لكل أحد ... " ٣.
стр. 805
ويبين الشيخ رشيد المراد بعذاب القبر فيقول: "والمراد بعذاب القبر ما يسمونه عذاب البرزخ أي ما بين الموت والحشر يوم القيامة سواء دفن الإنسان في قبر أم لا" ١.
وقد تواترت الأحاديث التي تثبت عذاب القبر ٢، وأجمع أهل السنة على ثبوته، بينما أنكره الملاحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة من المسلمين كابن سينا ومن نحا نحوه، وكذا أنكرته الخوارج وبعض المعتزلة ٣.
وتبعاً لأهل السنة يثبت الشيخ رشيد عذاب القبر، ويذكر أن إنكاره ينسب للمعتزلة ولكن "الزمخشري" ٤ وهو من أساطينهم يرد استدلالهم ٥.
كما يثبت الشيخ رشيد حياة الشهداء في البرزخ غير أنه يقول: "إنها حياة غيبية لا نبحث عن حقيقتها ولا نزيد فيها على ما جاء به خبر الوحي شيئاً ... " ٦. ورفض الشيخ رشيد تأويل المعتزلة للنصوص التي تثبت هذه الحياة، كما رفض أيضاً ـ وعلى قدم المساواة ـ قول من قال: "إنهم أحياء بأجسادهم كحياتنا الدنيا يأكلون ويشربون وينكحون في قبورهم كسائر أهل الدنيا" ٧.
وأما وقوع عذاب القبر على الروح والجسد جميعاً، أو أحدهما دون الآخر، فيذهب الشيخ رشيد في ذلك مذهب أهل السنة، وهو وقوع العذاب على الإنسان كله ـ روحه وجسمه ـ فبعد أن ذكر الخلاف بين المعتزلة ـ الذين يقولون بنفي عذاب القبر ـ على الروح والجسد جميعاً، وبين من يقول
стр. 806
به ويثبته على الروح فقط، قال: " ... ولا شك أن مذهب السلف هو الحق الذي يجب الأخذ به، وهو أن نقول أن كل ما ثبت عن النبي ﷺ من أمر البرزخ والآخرة حق نؤمن به ونفوض الأمر في حقيقته وكيفيته إلى الله تعالى، مع العلم بأن الأرواح هي التي تشعر باللذة والألم وأن الأجساد لباس لها، وآلات لتوصيل بعض اللذات والآلام ... " ١.
وقال في موضع آخر: "الإحساس بالألم أو اللذة من شأن الأحياء والجسد لا حياة له إلا بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد وصل إليها الألم بواسطته يصح أن يقال: إن هذا الألم ألمّ بالروح والجسد وإن كان الشعور للروح وحدها ... فعلم بهذا أن قول العلماء: عن عذاب القبر ـ أي الألم الذي ينزل بالإنسان بعد الموت وإن لم يقبر ـ يكون على الروح والجسد: يتضمن القول بأنه يبقى للروح بعد الموت علاقة، واتصال بمادة الجسد الذي كانت فيه وإن تفرقت هذه المادة وانحلت إلى أجسام كثيفة وغازات لطيفة ... " ٢.
ويرى رشيد رضا أن عذاب القبر غير دائم، مستدلاً ببعض نصوص الكتاب والسنة، فيقول: "فظواهر النصوص تدل على أنه غير دائم، منها قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ ٣ قالوا: هي في عذاب البرزخ بدليل ما بعدها، وما ورد من دوام عذاب جهنم، ومنها ما ورد في الصحيحين من خبر اللذين يعذبان في قبورهما وأن النبي ﷺ وضع جريدة خضراء شقها وغرزها على كل قبر منهما لما يرجى أن يكون سبب التخفيف عنهما ٤ ... " ٥. وهذا الذي ذهب إليه رشيد رضا في هذه المسألة
стр. 807
هو الموافق لأدلة الشرع ومذهب أهل السنة ١.
وهل ينجو أحد من عذاب القبر؟ يقول رشيد رضا: "ورد في بعض الأحاديث أن بعض الأعمال الصالحة تنجي فاعلها من فتنة القبر وعذاب القبر، كالرباط في سبيل الله ٢، وقراءة سورة تبارك ٣" ٤.
ولا ريب أن الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن كالصلاة والصيام والزكاة وسائر أعمال البر قد تكون سبباً لنجاته من هذه الفتنة ٥.
وأود أن أختم الكلام هنا بقاعدة للشيخ رشيد تتعلق بالإيمان باليوم الآخر وتشبه قاعدة سابقة قرر الشيخ رشيد أنها قاعدة السلف في إثبات صفات الله تعالى. يقرر الشيخ رشيد هنا أن "مذهب السلف عدم البحث في كيفية ما يرد في الكتاب والسنة من أحوال الآخرة لأنها مما يجب الإيمان به كما ورد من غير فلسفة فيه، ولا نحكم على الغيب إذ لا يقاس عالم الغيب على عالم الشهادة ... " ٦. فالشيخ رشيد هنا يقرر قاعدة تفويض الكيفية فيما يغيب عن عين الإنسان ومدركاته، ويجب الإيمان به في نفس الوقت، وهي قاعدة سلفية صحيحة، سبق تقريرها في الباب الأول من هذا البحث، وبينت هناك موقف الشيخ رشيد منها وأنه كان ـ وهو هنا أيضاً ـ موقف صحيح.
стр. 808
الفصل الثاني: البعث وأدلته
تمهيد
...
تمهيد
يدل على إمكان البعث ووقوعه النقل والعقل والفطرة، وقبل أن نتعرض لمنهج الشيخ رشيد في هذه المسألة، نقف هنا أيضاً ونرى مخالفته للمتكلمين الذين يقولون: إن العلم والدليل على البعث لا يكون إلا سمعياً ١، ويرد عليهم الشيخ رشيد بقوله: "كان الذين ألفوا كتب الكلام على طريق فلسفة اليونان النظرية يرون أن الدليل على البعث لا يكون إلا سمعياً إذ لا يمكن عندهم أن يستدل العقل بأدلة علمية، ولم يفهم هؤلاء قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٣، وغيرها من الآيات ... " ٤.
ونقف عند هذه الملاحظة لأنها فرق بين طريقين في إثبات المعاد، الأولى طريقة القرآن الذي بيّن إمكان المعاد أتم بيان، وبين طريقة المتكلمين الذين يعتمدون في إثبات المعاد على السمع مع عدم الامتناع العقلي، وإثبات المعاد بناء على إمكانه الذهني فقط؛ أي أنه ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال ٥. الحق أن الإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي، وأما القرآن، فلم يكتف في بيان إمكان المعاد بمجرد الإمكان
стр. 809
الذهني، بل بين الأدلة التي تؤكد ـ يقيناً ـ وقوع المعاد فعلاً وهو الإمكان الخارجي في الواقع، ولما كان الشيء يعلم إمكانه الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء نفسه، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة بعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه، ثم يعلم مع ذلك قدرة الرب عليه، وإلا مجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه، إن لم يعلم قدرة الرب عليه.
وقد بين القرآن الكريم هذا كله ١، وهو ما أشار إليه الشيخ رشيد في النص السابق ـ إجمالاًـ وفصله كما يلي تفصيلاً.
стр. 810
المبحث الأول: أدلة البعث
المطلب الأول: النشأة الأولى
...
بعدما رفض رشيد رضا طريقة المتكلمين في الاستدلال على البعث اتبع طريق القرآن وسار على نهجه في بيان أدلة البعث، كما يلي:
المطلب الأول: النشأة الأولى:
هذا الدليل من أدلة الكتاب العزيز العقلية على وقوع البعث، وقد كرر في القرآن ذكر هذا الدليل، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ١. قال الشيخ رشيد: "هذا تذكير بالبعث والجزاء على الأعمال ... وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجز فإنها دعوى متضمنة للدليل بتشبيه الإعادة بالبدء، فهو يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ ربكم خلقاً وتكويناً بقدرته ﴿عُودُونَ﴾ إليه يوم القيامة ... " ٢. وقال في موضع آخر معلقاً على نفس الآية: " ... وفيه دليل على إمكان البعث لأنه كالبدء أو أهون على المبدئ بداهة، فكيف وهو القادر على كل شيء بدءاً وإعادة على سواء ... " ٣.