التي هي خرق للعادة والسنن الكونية، ولكن ما القول في معجزات الأنبياء، وهو يثبتها، وقد وقعت مخالفة لهذه السنن كما رأينا؟ وليس لأحد أن يفرق بين المعجزة والكرامة في أصل التبديل والتحويل لما هو معتاد في نظام الكون.
والحق أن الشيخ رشيد لا ينكر كرامات الأولياء إلا أنه يريد أن يضيق الباب أو يغلقه في وجه الدجالين والمشعوذين، كما أنه يريد أيضاً ـ وهو ما صرح به ـ رد حجة أهل الكتاب الذين لا يحتجون على صحة دينهم إلا بالعجائب ـ خوارق العادات ـ وليس لهم برهان على عقائدهم، ولا سند متواتر على صحة كتابهم، بل ويحتجون على المسلمين بأن القرآن لم يثبت لنبينا ﷺ العجائب والخوارق، فهو إذن ليس نبياً، ولا يرون العلم الإلهي والشرائع الدينية والمدنية وتكوين الأمم وسياستها من رجل أمي تربى يتيماً في جاهلية جهلاء وأمه أمية، لا يرون هذا كله تأييداً إلهياً وبرهاناً على صدقه قطعياً، وإنما البرهان عندهم هو تلك الحكايات التي ينقلونها في عجائب مقدسيهم وينقل الوثنيون عن كهنتهم أعظم منها ١.
وأما مسألة السنن ومخالفتها: فيفسر الشيخ رشيد ذلك بأن مراده السنن العامة لأن مخالفة آيات الأنبياء وكرامات الأولياء للسنن المادية مشاهد ومنقول بنص الكتاب العزيزـ هكذا يقول الشيخ رشيد ٢ إلا أنه لم يقل لنا ماذا يقصد بالسنن العامة والسنن الأخرى الخاصة.
لقد اتخذ الشيخ رشيد موقفاً متشدداً من الكرامات لهذين السببين اللذين ذكرهما، أما معجزات الأنبياء، فكانت عنده مصونة من كل خطر، لا يتطرق إليها الشك ٣ وأما هذا الموقف المتشدد من الكرامات فقد اتخذه ـ أيضاً ـ لما أوقع فيه مما يسميه: "ضرر الاعتقاد بها" وأكبر ذلك: أنها صارت صناعة من الصناعات وزلزلت قاعدة العقائد الكبرى وهي توحيد الله
стр. 737
تعالى وأوقعت الناس في ضروب من الشرك الأصغر والأكبر ١، ومنها أيضاً: أنها أدت إلى إباحة الموبقات وتحريم الواجبات لأنه لا يجوز الإنكار على الأولياء لأن المعصية التي تشاهد منهم هي صورية لا حقيقية ولذا يجب تأويلها، فإذا رأيت أحدهم يشرب الخمر فاعتقد أنه انقلبت عينها كرامة له فصارت لبناً أو عسلاً، وإذا رأيته يترك الصلاة فاعتقد أنه يصلي بمكة أخذاً من قول السيد البدوي في الرد على الذين اتهموه بذلك:
ولم يعلموا أني أصلي بمكة
مع السادة الأقطاب أهل الطريقة ٢.
وفي ضندتا قالوا صلاتي تركتها
أصلي صلاة الخمس في البيت دائماً
هذا ـ وغيره ـ مما ذكره الشيخ رشيد من ضرر على اعتقاد المسلمين، بسبب ما آلت إليه مسألة الكرامات.
ويقول الشيخ رشيد: "إننا لا نقول بأن ما يعبر عنه بخوارق العادات غير جائز ولا غير واقع بل نقول الآن، كما قلنا من قبل إنه جائز وواقع وإن كانت الآيات التي أيد الله بها الأنبياء ليست محصورة في الخوارق الكونية ... " ٣. ويبين غرضه من موقفه فيقول: "ويعلم الله أن غرضي من فتح باب التأويل المحافظة على دين الله تعالى وإرشاد عباده إلى التمييز بين الحقائق والأوهام ... " ٤.
وخلاصة الأمر أن الشيخ رشيد يثبت الكرامات الصحيحة لأولياء الله الحقيقيين: حتى إنه نفسه من أصحاب الكرامات كما يحكي لنا ذلك في "المنار والأزهر" ٥ ويقول: "وههنا نرجع إلى مذهب جمهور أهل السنة فنقول: إن الكرامة جائزة ... " ٦.
стр. 738
ب) ـ الحيلة في دعوى الكرامة:
ويبين الشيخ رشيد أن الكرامة صارت تقع بالحيل والكذب، فمن ذلك ما راج بين ألوف المصريين ـ ذلك الحين ـ أن أرواح الشهداء تطوف في أعلى قبة في إحدى القرى، وقد كشف تلك الحيلة بعض علماء الأزهر ـ فذهب غير واحد إلى هناك فتبين لهم أن هذه الكرامة مصنوعة للمرتزقين هناك من السدنة وأن الذي يرى في القبة إنما هو ظلال رجال يطوفون للمرتزقين وقت الأصيل حول القبة في مكان يحاذي الكوىمن أعلاها، فيوهم السدنة النساء والأطفال ومن في حكمهم من الرجال أنهم شخوص الشهداء وزاد بعضهم أنه اكتشف حيلة أخرى وهي أنهم يطلعون الناس في قبر هناك على رأس مكسو بشعر طويل يزعمون أنه رأس شهيد لم يتغير بمرور القرون عليه، ولكن الشيخ وصل إلى الرأس فإذا هو جمجمة قديمة بالية وإذا بالشعر قد ألصق عليها حديثاً بنحو صمغ أو غراء ١.
وروى الشيخ رشيد أيضاً حكايات تتعلق بالطعام والشراب مما عدّ من الكرامات، وما هو إلا حيل وكذب ٢.
ونكتفي بذلك ـ عن الحديث عن الكرامات الكاذبة التي وقف الشيخ رشيد منها هذا الموقف، ونعود إلى الحديث عن الكرامات الصادقة ونرى تفريق الشيخ رشيد بينها وبين معجزات الأنبياء، وبين هذه وبين السحر والشعوذة.
جـ) ـ الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق الأشقياء:
خوارق العادات على ثلاث مراتب: الأولى: آيات الأنبياء، والثاني: كرامات الأولياء، ثم خوارق الأشقياء كالسحرة والكهان ٣.
والحق أن آيات الأنبياء وكرامات الأولياء من جنس واحد، فإنه ـ وكما
стр. 739
ذكرت قبل ـ تعد كرامات الأولياء من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا ذلك باتباع طريق الأنبياء. ومثل ذلك أيضاً ما تقدم من الإرهاص ١ ومع ذلك فإن كرامات الأولياء لا تبلغ قط إلى مثل معجزات الأنبياء والمرسلين، فالولي دون النبي والرسول فكما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب مبلغهم، فلا تبلغ كراماتهم مبلغ آياتهم ٢.
وقد ذكر الشيخ رشيد فروقاً بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء ـ تبع فيها المتكلمين في تفرقتهم ـ والحق أن الفروق التي ذكروها فروق ضعيفة، كقولهم: الكرامة يخفيها صاحبها، أو لا يتحدى بها فلا تكون مقرونة بدعوى النبوة وأنها لا تتكرر ٣، إلا أن الشيخ رشيد ذكر فرقاً صحيحاً وهو قوله: "إن الكرامة لا تبلغ مبلغ المعجزة كإحياء الموتى وإنما تكون فيما دون ذلك كشفاء مرض ومكاشفة خلافاً للقول المشهور (ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي) ... " ٤.
وعن هذه العبارة يقول الشيخ رشيد: "العبارة ليست حديثاً ولا أثراً عن الصحابة، وهذه الاصطلاحات من المعجزة والكرامة والولاية قد حدثت من بعدهم، وإنما هي كلمة لبعض المشايخ، وافقت هوى الناس فتلقوها بالقبول وصارت عندهم من قبيل القواعد الدينية وسارت بها الأمثال فيما بينهم، ونحمد الله أننا لم نعدم في شيوخ التصوف والعلم من أنكرها ... " ٥.
وهذا الفرق صحيح فلا تبلغ كرامات الأولياء آيات الأنبياء، كالفرق بين الأنبياء والأولياء، ومهما يكن من شيء، فإن كرامات الأولياء مؤيدة لمعجزات الأنبياء، بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاصات ولكن الذي يحتاج إلى
стр. 740
الفرق هو ما يحدث للأشقياء من الخوارق كالسحرة والكهان وغيرهم، ليظهر الفرق بين الحق والباطل، كما يعرف الفرق بين النبي والمتنبي.
стр. 741
المطلب الرابع: الفرق بين آيات الأنبياء وخوارق الأشقياء:
والفرق بين هذين الصنفين ميسور بحمد الله فإن آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجن بخلاف خوارق الأشقياء فإنها معهودة في البشر كقتل الساحر لغيره وتمريضه له، وكاستراق السمع من الجن، وإطلاع أوليائهم من الكهان مع الكذب والخطأ في بعضها، بخلاف أخبارهم عما يأكلون وما يدخرون فهذا لا تظهر عليه الشياطين ١.
ومن خصائص معجزات الأنبياء أنه لا يمكن معارضتها أبداً بخلاف هذه الخوارق التي تعارض من جنس هؤلاء الكهان وغيرهم ٢.
وأما الشيخ رشيد فقد ذكر فروقاً بين هذين الجنسين.
أهمها: التمييز بحال من تظهر عليه هذه الخوارق، فإنه وكما يقول الشيخ رشيد: "أن بعض ما ينقل عنهم معصية باتفاق أئمة الإسلام كأكل الحيات حية، وبعضها يحصل بالتعود والتمرن لكل من حاوله وزاوله كإلقاء الرجل نفسه من شاهق ... وأما دخول النار والدنو من السباع الضارية فقد يكون كرامة وقد يكون حيلة وشعوذة وغير ذلك، ومعلوم أن علماء الدين يشترطون ليكون الخارق كرامة أن تصدر من ظاهر الصلاح سالك سبيل التقوى، والرفاعية المشهور عنهم ذلك ليسوا كذلك ... " ٣.
وهذا الفرق صحيح فإن الناس رجلان: موافق للأنبياء ومخالف لهم، فالمخالف مناقض، فلا يجوز أن يوجد مع المناقض مثلما يوجد مع النبي
стр. 742
الصادق، فالأشقياء يستعينون بهذه الخوارق على الفواحش والظلم والشرك والقول الباطل، وهذا كله مناقض للنبوة، ومن هذا الجنس ما يفعله أهل الطريقة الرفاعية، فهي من جنس خوارق السحرة والكهان والفجار ١، فالفرق حاصل بين الأنبياء وغيرهم، في نفس صفات هذا وصفات هذا، وأفعال هذا وأفعال هذا، وأمر هذا وأمر هذا، وخبر هذا وخبر هذا، وآيات هذا وآيات هذا ٢.
وذكر الشيخ رشيد فرقاً ثانياً وهو: أن السحر صناعة تتعلم، كما أنها أيضاً خداع باطل وتخييل يري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق. فقال: "ومما سبق بيانه في هذا الباب تخطئة من قال من المتكلمين إن السحر من خوارق العادات الذي هو الجنس الجامع لمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وفاتهم أنه السحر صناعة تتلقى بالتعليم كما ثبت بنص القرآن وبالاختبار ... " ٣.
وهذا فرق صحيح فإن السحر وجنسه متيسر لمن تعلمه وتمرن عليه بخلاف آيات الأنبياء، فإنها خارجة عن مقدور الإنس والجن.
стр. 743
المبحث الثامن: نبوة نبينا ﷺ
المطلب الأول: حاجة العالم لبعثة خاتم المرسلين ﷺ
...
تمهيد:
ومن المناسب أن يفرد خاتم النبيين وأفضلهم على الإطلاق، ببحث مستقل، وقد سلك رشيد رضا في "نبوة نبينا ﷺ " مسلكاً صحيحاً إذ أنه بين أولاً حاجة العالم لهذا النبي ﷺ ورد شبهة كفاية أديان أهل الكتاب عن رسالته، ثم بين استعداد العالم لهذه الرسالة، ثم بين أدلة صدق هذه النبوة، حتى إنه لا تثبت نبوة نبي قبله ما لم تثبت نبوته بهذه الأدلة. وهو ما أعرضه في المطالب التالية.
المطلب الأول: حاجة العالم لبعثة خاتم المرسلين ﷺ :
بين رشيد رضا ـ تمهيداً لإثبات نبوة نبينا ﷺ حاجة العالم لهذه النبوة واستعداده لها. فقال: "كان العالم الإنساني قبل ظهور الإسلام في غمرة من الشقاء والتعاسة، وظلمات من الفتن، وفساد الأخلاق، وتداعي أركان المدنية السابقة وصدع بنيانها، فأراد الحي القيوم أن يحيي هذا النوع حياة طيبة ويقيم مدنيته على أساس من الحكمة، يثبت ويبقى إلى ما شاء الله تعالى، ويبلغ به الإنسان كماله المستعد هو له في أصل الفطرة القويمة،
стр. 744
فأظهر له جل ثناؤه الإسلام في الأمة العربية فحملته وطافت به العالم المستعد لقبوله بما سبق له من المدنية، فما كان كلمح البصر أو هو أقرب حتى عم نوره المشرق والمغرب ... " ١. ويقول: "بيان حاجة الأمم إلى الإصلاح المحمدي يتوقف على معرفة تاريخ الأمم قبل الإسلام، لا سيما تاريخ أهل الكتاب الذين يدعون أن في كتبهم ما يغني عن هداية الإسلام وإصلاحه ... " ٢. ويستند رشيد رضا إلى عبارة شيخه محمد عبده في وصف هذه الحاجة فيقول: "كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز عروش الملوك وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم ... وصيحة فصحى تزعج الغافلين ... وبالجملة تؤب ٣ بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الله له: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ٤ ليبلغ بسلوكه كماله، ويصل على نهجها إلى ما أعد في الدارين له ... " ٥. وفصل رشيد رضا في بيان الحالة التي كانت دول ذلك الزمان قد وصلت إليها من التدني والسقوط.
وأما حاجة أهل هذا العصر لهداية هذه الرسالة ـ فكما يقول ـ: "إن حاجة الأمم قد اشتدت في عصرنا هذا إلى هدايته، حتى أشدها إمعاناً في عداوته ولجاجاً في نكايته، وجهلاً بحقيقته" ٦.
ويرى رشيد رضا أن هذه البعثة كانت قمة " التطور" للمراحل التي مرت بها البشرية، فالاستعداد لها وقبول دعوتها مرحلة من المراحل التي سارت فيها الإنسانية على سنة الترقي والتدرج، فلما بلغت البشرية "سن الرشد" وهذا الحد من العقل وهبها الله تعالى تلك الهداية الجديدة وأيدها بالدلائل التي بلغ من قوة العقول أن تدركها، وأن تصل من مقدماتها إلى
стр. 745
نتائجها، وقد كانت النبوات السابقة وآياتها تلائم حالاتهم النفسية ومكانتها العقلية، ولما كان الاستعداد يتفاوت في الأمم كانت أمة أولى من أمة بتقدم عهد النبوات فيها، وكانت تلك الأمة المتقدمة جديرة بأن تكون إماماً للأمة المتأخرة، سنة الله في الخلق ١.
وبناءً على ذلك فإن آية هذه البعثة ليست كآيات من سبقه من الأنبياء لأن "الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها، لأن البشر قد بدؤوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال النوعي الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع من تصدر منهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف في سنن الكون، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم العقلي مع هذا الخضوع ... فجعل حجة خاتم النبيين عين موضوع نبوته وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وعلومه وبإعجازه اللفظي والمعنوي، وبأنباء الغيب الماضية والحاضرة والآتية، ليربي البشر على الترقي في هذا الاستقلال إلى ما هم مستعدون له من الكمال، هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية والنبوة العامة الباقية، قد عبر عنه النبي ﷺ بقوله: "ما من الأنبياء نبي إلى وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ٢ ... " ٣.
وأما الآيات الكونية التي ظهرت على يد النبي ﷺ ، فيثبتها رشيد رضا إلا أن له فيها رأياً سوف نراه قريباً.
ويورد رشيد رضا اعتراضاً على تقريره حاجة العالم لبعثة نبينا ﷺ ويجيب عليه فيقول: "فإذا قيل: إنه كان في الدنيا دينان سماويان، أي دين اليهود ودين النصارى، وكتابان إلهيان وهما: التوراة والإنجيل، فكان يغني عن بعثة محمد ﷺ إلهام الله تعالى رؤساء الدينين وحملة الكتابين أن يقيما
стр. 746
أصولهما ويسيرا على صراطهما، ويدعون الناس إلى ذلك. نقول في الجواب: إن دين اليهود كان خاصاً بشعب إسرائيل، وهم المخاطبون بالتوراة دون من سواهم، لعلم الله تعالى أن هذا الكتاب يصلح لهدايتهم وحدهم في زمانهم الذي أنزل فيه وبعده إلى أجل مسمى. وبعد ذلك أفسد بنو إسرائيل في الأرض فسلط الله عليهم الوثنيين فسبوهم وخربوا ديارهم وأحرقوا كتابهم ... ولولا أن الله أخبرنا في كتابه بأن اليهود نسوا حظاً مما ذكروا به لا جميع ما ذكروا به، ولولا أنه احتج عليهم بعدم العمل بالتوراة والحجة تقوم ببعض كلام الله تعالى كما تقوم به كله ـ لما صدقنا كلمة واحدة من كتبهم ولا وثقنا بحكم واحد من أحكام شريعتهم. وحاصل القول: أن الله تعالى لم يجعل التوراة منذ شرعها هداية عامة مرشدة لجميع البشر إلى كمال الفطرة فكيف تصلح لذلك بعدما طرأ عليها وعلى الناس ما طرأ؟
وأما السيد المسيح ﵇ فإنه لم يأت بدين جديد وإنما ديانته اليهودية وشريعته التوراة، ولكنه كان مكملاً لأن اليهود جمدوا على ظواهر الشريعة حتى صاروا كالماديين، فأرسله الله "إلى خراف إسرائيل الضالة" ... وأما "الديانة البولسية" التي انتشرت في أوروبا بتعليم بولس ١ ثم مساعدة قسطنطين ومن بعده من الملوك ... فهي لا تنطبق على ما قلناه سابقاً في وجه حاجة البشر إلى إرسال الرسل لهدايتهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، بتربية الروح والجسد وليس فيها قاعدة واحدة من قواعد الفطرة، وإنما هي عبارة عن شيء واحد، وهو الإيمان بالمسيح على الوجه الذي يقولونه وأنه لا حاجة مع هذا الإيمان إلى العمل بالشريعة ... " ٢.
وإذن لم يكن وجود هذين الدينين كافياً ومغنياً عن بعثة النبي الخاتم ﷺ .
стр. 747
استعداد العالم لبعثة نبينا:
ثم بين الشيخ رشيد استعداد العالم لهذه الرسالة الخاتمة ـ بناء على وجه الحاجة ـ فقال: "حاجة الناس إلى الشيء تولد فيهم الاستعداد له، فإذا استدللنا بالعلة على المعلول فلنا أن نستنبط استعداد الأمم لمصلح عام يرسله الله تعالى لهداية الأمم من شدة حاجة الأمم إلى ذلك الإصلاح، وإذا استدللنا بالمعلول على العلة فالدليل أوضح لأنه ههنا وجودي مشهود لا نظري مستنبط، وهو قبول الأمم على اختلافها في الأديان واللغات والمواقع هذا الإصلاح الروحي الاجتماعي الذي جاء به محمد ﵊، بالوحي الإلهي والإلهام، فقد انتشر الإسلام في المشرق والمغرب بسرعة لم يعرف التاريخ مثلها حتى كان ملك الإسلام بعد ثمانين سنة من ظهوره أوسع من ملك الرومان بعد ثمانمائة سنة والرومان أعظم أمم التاريخ الماضي في الحروب والفتوحات ... " ١.
وبهذا القدر من البيان يظهر حاجة العالم إلى هذه الرسالة الخاتمة، واستعداده لها، ولكن ـ وكما ذكرت قبل ـ ليست الحاجة دليلاً على الوقوع فيجب إثبات هذا الوقوع بدليله، وهو ما نراه في المبحث التالي.
стр. 748
المطلب الثاني: أدلة نبوة نبينا ﷺ :
يشير الشيخ رشيد أولاً إلى أنه "لا يشترط في صحة الإيمان بنبوته ﷺ النظر الاستدلالي المعروف عند المتكلمين بل يكفي فيها الاطمئنان النفسي لصدقه بمعرفة حاله، وحسن ما دعا إليه" ٢.
فطريقة المتكلمين التي رفضها الشيخ رشيد في الاستدلال على وجود الله وصفاته، يرفضها هنا أيضاً عند الاستدلال على نبوة الأنبياء صلى الله تعالى عليهم.
стр. 749
ويشير أيضاً ـ كما أشار سابقاً ـ إلى أن "آيات النبوة أعم من المعجزات، فمن آيات نبوته بشائر الأنبياء السابقين، وهي لا تسمى معجزات ... " ١. وآيات نبوة نبينا ﷺ التي اعتمد عليها الشيخ رشيد هي:
أولاً: القرآن الكريم:
يعتبر الشيخ رشيد القرآن الكريم هو أقوى حجة وبرهان على صدق رسولنا ﷺ فيقول: ".... إن آية القرآن أقوى الحجج وأظهر الدلالات، وهي مشتملة ومرشدة إلى كثير من الآيات والبينات ... " ٢.
ويقول: إنه ـ أي القرآن ـ "الجامع لأقوى طرق الاستدلال العلمية والعقلية، على كونه آية في نفسه من وجوه كثيرة، وآية باعتبار كون من أنزل على قلبه وظهر على لسانه كان أمياً لم يتعلم شيئاً من أنواع العلوم الإلهية والشرعية والاجتماعية والتاريخية التي اشتمل عليها ... " ٣. ثم يفصل هذا الإجمال ـ في موضع آخر ـ فيقول: "إن الآية الكبرى لخاتم الرسل ﷺ على نبوته هي القرآن وإنها لآية مشتملة على آيات كثيرة، وقد احتج عليهم به وتحداهم بسورة من مثله، فعجزوا، واحتج عليهم أيضاً ببعض ما اشتمل عليه من الآيات كأخبار الغيب ... ، فالقرآن في جملته آية علمية، وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية، كعصا موسى مثلاً، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول كما كانت آية موسى الكبرى خاصة بمن رآها في عصره، وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية، لأن موضوع الرسالة علمي، فهو علم موحى به غير مكسوب يقصد به هداية الخلق إلى الحق، فظهور أعلى علوم الهداية على لسان أميّ كان ـ هو وقومه ـ أبعد الناس عن كل علم بعبارة أعجزت ببلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم، على أنه لم يكن من قبل معدوداً من بلغائهم؛ أدل على كون ذلك موحى به من الله عزوجل من
стр. 750
عصا موسى على كون ما جاء به من التوراة موحى به منه تعالى، وهي غير معجزة في نفسها، وقد نشأ من جاء بها في دار ملك أربى على سائر ممالك الأرض بالعلوم والشرائع. فالآية العلمية القطعية لا يمكن المراء فيها كالمراء في الآية الكونية التي هي أمر غريب غير معتاد يشتبه بكثير من الأمور النادرة التي لها أسباب خفيةكالسحر وغيره ... " ١.
ويقول في موضع آخر مؤكداً على نفس المعنى: " ... فإنزاله مشتملاً على الحكم التفصيلي للعقائد والشرائع وغيرها عل لسان رجل منكم أمي مثلكم هو أكبر دليل وأوضح آية على أنه من عند الله تعالى لا من عنده هو كما قال بأمر الله في آية أخرى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ﴾ ٢ جاوز الأربعين من السنين ولم يصدر عني فيه شيء من مثله في علومه ولا في إخباره بالغيب ولا في أسلوبه ولا في فصاحته وبلاغته ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أن مثل هذا لا يكون إلا بوحي من العليم الحكيم؟ ... " ٣.
وحجة إعجاز هذا القرآن ودلالته على نبوة نبينا دلالة علمية عقلية ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ: " إذ لا يتصور عاقل يؤمن برب العالمين أن يصدر هذا الكتاب المشتمل على هذا القدر السنيع ٤ من المعاني، في هذا الأسلوب البديع، والنظم المنيع من المباني، من رجل أمي ولا متعلم أيضاً، إلا أن يكون وحياً اختصه به الرب عزوجل، ناهيك به وقد جزم بعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله ٥، فهذا التحدي حجة مستقلة على نبوة محمد ﷺ بصرف النظر عن المتحدى به ما هو ... " ٦.
стр. 751
إن هذا القرآن هو أمر "خارق للعادة" كسائر خوارق الأنبياء، إلا أنه أجلاها وأقواها. ولا يقتصر إعجازه على بلاغته وبيانه ـ وكما يقول الشيخ رشيد ـ: "وإعجازه ليس مقصوراً على أسلوبه البديع وارتقائه أسمى درج البلاغة وعلى إخباره بالمغيبات المستقبلة وسرده قصص الماضين من غير الاطلاع عليها، بل فيما اشتمل عليه من العلوم والمعارف في تهذيب البشر وبيان مصالحهم في أمور معاشهم ومعادهم أعظم خارق لحجب العوائد ... " ١.
لقد تحدث الشيخ رشيد على أوجه الإعجاز اللفظي والمعنوي بالإجمال والإيجاز وقسمها إلى أنواع، عند حديثه عن آية التحدي في سورة البقرة ٢. كما تحدث عن التحدي ببلاغته ونظمه في سورة يونس ٣. ووجه الكلام في " الوحي المحمدي" إلى هداية القرآن بأسلوبه وتأثيره وعلومه المصلحة للبشر بما يحتمله المقام من البسط والتفصيل، وهو القدر الذي يعلم منه أن هذه العلوم أهدى من كل ما حفظه التاريخ عن جميع الأنبياء والحكماء وواضعي الشرائع والقوانين وأن إعجازه من هذه الناحية أقوى البراهين على كونه وحياً من الله تعالى تقوم به الحجة على جميع البشر ... " ٤.
ونرى الشيخ رشيد كثيراً ما يلجأ إلى المقارنة، فقد قارن بين آيات نبينا وآيات الأنبياء قبله من حيث ذاتها وحقيقتها ومن حيث قوة دلالتها، ومن حيث أثرها الذي طبعته في نفوس أممها، فقد قارن بين أثر القرآن في العرب وأثر التوراة في بني إسرائيل وبين أثر القرآن في نفس المسلمين والمشركين ٥. وخلص من ذلك كله إلى أن: "ما جاء به محمد ﷺ هو
стр. 752
أعلى وأكمل مما جاء به من قبله من جميع الأنبياء والحكماء والحكام فهو برهان علمي على أنه من عند الله تعالى، لا من فيض استعداده الشخصي" ١.
وقد سبق أن أشرت إلى أن الشيخ رشيد يثبت وقوع آيات كونية للنبي ﷺ إلا أنه لم يقصد بها التحدي وإقامة الحجة على نبوته ورسالته، بل كان ذلك لأسباب أخرى ٢.
ومن منهج المقارنة الذي يعتمده الشيخ رشيد رضا للوصول إلى الحقائق، أنه قارن أيضاً بين آيات النبيين قبل نبينا وآياته، والحق أن المقارنة تقوم مقام التجربة في البحوث العلمية؛ وتتساوي نتيجتها في القوة مع تلك أو تعلو عليها. لذلك فإن الشيخ رشيد يعتمد منهج المقارنة، لإثبات نبوة نبينا ﷺ كما نبين في المبحث التالي.
ثانياً: المقارنة:
لدينا قوانين مستقرة في بداهة العقول، منها قانون التماثل، وهو: "أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه" ٣. ولدينا أيضاً قانون الأولى: وهو: لو أن مثلين اشتركا في صفة أو صفات وزاد أحدهما على الآخر في الصفة أو الصفات فهو أولى بالحكم من صاحبه ٤.
وينتج عن هذين قانون آخر هو: أن التفريق بين المتماثلين كالجمع بين المتناقضين. وعلى هذه القوانين العقلية تكون المقارنة حجة عقلية تنتج حكماً صحيحاً لا مرد له، وعلى هذا الأساس فقد قارن الشيخ محمد رشيد
стр. 753
بين نبينا ﷺ وبين من سبقه من الأنبياء للوصول إلى حقيقة عالية هي: أن النبوة أولى بنبينا ﷺ من غيره، وإذا لم تثبت نبوته فلا تثبت نبوة نبي قبله.
فالمقارنة الأولى التي عقدها الشيخ رشيد كانت بين نبينا وبين موسى ـ صلى الله عليهما ـ فقال: "فأما الأول الخاص بشخص الرسول، فإن العاقل المستقل الفكر إذا عرف تاريخ محمد ﷺ وتاريخ أنبياء بني إسرائيل ﵈، فإنه يرى أن محمداً قد نشأ أمياً لم يتعلم القراءة والكتابة، وأن قومه الذين نشأ فيهم كانوا أميين وثنيين جاهلين بعقائد الملل وتواريخ الأمم وعلوم التشريع والفلسفة والأدب، حتى إن مكة عاصمة بلادهم وقاعدة دينهم ومثوى كبرائهم ورؤسائهم، ومثابة الشعوب والقبائل للحج والتجارة فيها، والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة في أسواقها التابعة لها لم يكن يوجد فيها مدرسة ولا كتاب مدون قط، فما جاء به من الدين التام الكامل والشرع العام الجامع، لا يمكن أن يكون مكتسباً ولا أن يكون مستنبطاً بعقله وفكره، كما بيناه من قبل ... ويرى تجاه هذا أن موسى ﵇ أعظم أولئك الأنبياء في علمه وعمله، وفي شريعته وهدايته، قد نشأ في أعظم بيوت الملك لأعظم شعب في الأرض وأرقاه تشريعاً وعلماً وحكمة وفناً وصناعة، وهو بيت فرعون مصر، ورأى قومه في حكم هذا الملك القوي القاهر مستعبدين مستذلين تذبح أبناؤهم وتستحيا نساؤهم، تمهيداً لإبادتهم ومحوهم من الأرض، ثم إنه مكث بضع سنين عند حميه في مدين وكان نبياً ـ أو كاهناً كما يقولون ـ فمن ثم يرى منكرو الوحي أن ما جاء به موسى من الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة، ناشئ في بيت الملك والتشريع والحكمة إلخ ... ثم يرى الناظر أن سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعهدين بها، وأنهم كانوا يتدارسون تفسيرها في مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم أخرى، فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمد ذكر موازنة ومفاضلة، ويرى أيضاً أن يوحنا المعمدان الذي شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم ١ لم يأت بشرع
стр. 754
ولا بنبأ غيبي، بل يرى أن عيسى ﵇ وهو أعظمهم قدراً، وأعلاهم ذكراً، وأحلاهم أثراً، لم يأت بشريعة جديدة، بل كان تابعاً لشريعة التوراة مع نسخ قليل من أحكامها ... فأمكن لجاحدي الوحي أن يقولوا: إنه لا يكثر على رجل مثله زكي الفطرة، زكي العقل ناشئ في حجر الشريعة اليهودية، والمدنية الرومانية، والحكمة اليونانية، غلب عليه الزهد والروحانية، أن يأتي بتلك الوصايا الأدبية، ونحن المسلمين لا نقول بهذا ولا ذاك، وإنما يقوله الماديون والملحدون والعقليون، وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية ... " ١.
والذي نقوله نحن المسلمين بعد هذا العرض والمقارنة: إن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح، وبعد أمر محمد عن الشبهة أعظم من بعد المسيح عن الشبهة، فإذا جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق فالقدح فيما دونه أولى، وإن كان القدح في المسيح باطلاً، فالقدح في محمد أولى بالبطلان، وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات ٢.
ثم يقارن الشيخ رشيد بين ما جاء به نبينا من العقائد والأحكام وبين ما جاء به غيره ـ فيقول: "وأما الوجه الثاني: وهو عقائد الدين وعباداته وأحكامه، فلا يرتاب العقل المستقل الفكر غير المقلد لدين من الأديان، أن عقائد الإسلام من توحيد الله وتنزيهه عن كل نقص، ووصفه بصفات الكمال والاستدلال عليها بالدلائل العقلية والعلمية الكونية، ومن بيان هداية رسله به ومن عباداته وآدابه المزكية للنفس المرقية للعقل، ومن تشريعه العادل، وحكمه الشوري المرقي للاجتماع البشري ـ كل ذلك أرقى مما في التوراة والأناجيل وسائر كتب العهد القديم والجديد ... " ٣. وبالمقارنة فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وفيما يتعلق بالأنبياء والرسل، يقول الشيخ رشيد
стр. 755
مقارناً بين ما جاء به نبينا وما جاءت به كتب أهل الكتاب: "ومن نظر في قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف من سفر التكوين، وسيرة موسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء في سائر أسفار العهد القديم، ثم قرأ هذه القصص في القرآن يرى الفرق العظيم في الاهتداء بسيرة هؤلاء الأنبياء العظام، ففي أسفار العهد القديم يرى وصف الله تعالى بما لا يليق به من الجهل والندم على خلقه البشر والانتقام منهم، ووصف الأنبياء أيضاً بما لا يليق بهم من المعاصي مما هو قدوة سوءى، من حيث يجد في قصص القرآن من حكمة الله تعالى ورحمته وعدله وفضله وسننه في خلقه، ومن وصف أنبيائه ورسله بالكمال، وأحاسن الأعمال، ما هو قدوة صالحة وأسوة حسنة تزيد قارئها إيماناً وهدى، فأخبار الأنبياء في كتب العهدين تشبه بستاناً فيه كثير من الشجر والعشب والشوك والأزهار والحشرات، وأخبارهم في القرآن تشبه العطر المستخرج من تلك الأزهار، والعسل المشتار من جنى تلك الثمار ... وندع هنا ذكر ما كتبه علماء الإفرنج الأحرار في نقد هذه الكتب والطعن فيها، ومن أخصرها وأغربها كتاب "أضرار تعليم التوراة والإنجيل" لأحد علماء الإنجليز ١، وما فيها من مخالفة العلم والعقل والتاريخ، والقرآن خالٍ من ذلك ٢" ٣.
والذي أريد أن أثبته هنا، هو أن المسلمين لا يقولون بصحة ما ورد في الكتب المقدسة عند أهل الكتاب فيما يتعلق بصفات الله ورسله، ولكننا نقول: إذا كان يمكن الإيمان بهذه الكتب وهؤلاء الأنبياء والحالة هذه،
стр. 756
فالإيمان بنبينا وكتابه أولى وأحرى وهو سالم من كل هذه المطاعن.
وقد قارن الشيخ رشيد أيضاً بين آيات نبينا وآيات الأنبياء قبله، وقد سبق الإشارة إلى ذلك فلا أعيده هنا وأكتفي بما كتبت ونقلت هناك ١. وجانب آخر قارن فيه الشيخ رشيد لنفس السبب هو الأثر الذي تركه نبينا في أمته من بعده وأثر الأنبياء قبله ٢.
ونتيجة هذه المقارنات ـ كما يقول الشيخ رشيد: " ... أنه لا يستطيع أحد أن يؤمن إيماناً علمياً بأن تلك الكتب وحي من الله، وأن الذين كتبوها أنبياء معصومون فيما كتبوه، ثم لا يؤمن بأن القرآن وحي من الله تعالى، وأن محمداً نبي معصوم فيما بلغه عن الله تعالى ... " ٣.
ثالثاً: البشارات:
أثبتت آيات القرآن الكريم أن الكتب القديمة فيها بشارات بنبينا ﷺ وأنه ذكر باسمه على لسان المسيح ﵇، فقال تعالى: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ.. .﴾ ٥ ففي الآية الأولى: ذكر اسمه، وفي الآية الثاني: ذكر وصفه ووصف شريعته.
وعند تفسير الآية الثانية وقف الشيخ رشيد وعقد فصلاً طويلاً في بشارات الكتب السابقة بنبينا ﷺ . واعتمد فيه على ما أورده العلامة رحمة الله الهندي في كتابه "إظهار الحق" فقد أورد كلامه بطوله ولفظه، وسبق ذلك أيضاً بالمقدمات التي مهد بها رحمة الله لهذه البشارات، وهي ثمان
стр. 757
مقدمات ١ أُوردُ منها أهمها مع الاختصار:
الأولى: أن إخبار النبي المتقدم عن المتأخر يكون مجملاً خفياً ولكنه يتضح بالقرائن والعلامات.
الثانية: أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون ثلاثة: إيليا ـ وهو يحيى ﵇ والمسيح ـ ونبياً آخر بعد المسيح ليس هو إيليا ـ يحيى ـ ولا المسيح، فادعاء أن المسيح هو الخاتم باطل ٢.
الثالثة: أن اليهود ينكرون ما يستدل به النصارى من بشارات العهد القديم كما ينكر النصارى البشارات بنبي الإسلام، مع أن هذه أظهر وأقوى من تلك التي يحتج بها النصارى.
الرابعة: وهي أهم هذه المقدمات، وهي مسألة ترجمة أهل الكتاب لنصوص كتبهم بالمعنى الذي يكون على قدر ما يفهم المترجم، فقد ترجمت الأسماء في هذه الكتب بمعانيها أحياناً كما أنهم أضافوا ـ أثناء عملية الترجمة عبارات تفسيرية لبعض النصوص دون الإشارة إلى ما يميز هذه العبارة الإلحاقية عن النص الأصلي. ومثال الأول: ما جاء في العهد القديم ـ سفر التثنية في قول كاتب العهد القديم: "فمات هناك موسى عبد الرب" ٣، وفي ترجمة أخرى: "فمات هناك موسى رسول الله" ٤ وهاتان الترجمتان في اللغة العربية، فلو بدل لفظ رسول الله في البشارات المحمدية بلفظ آخر لما كان غريباً، ومثال آخر من الإنجيل: ففي إنجيل يوحنا ـ في الترجمة العربية كذلك ـ قول المؤلف: "لما علم يسوع" وفي ترجمة أخرى ـ عربية كذلك ـ "لما علم الرب" ٥، فبدل المترجم لفظ يسوع
стр. 758
وهو علم على المسيح بلفظ الرب، فلو بدلوا اسماً من أسماء النبي ﷺ بآخر لما كان بعيداً ... ومثال الأمر الثاني: وهو العبارات الملحقة ضمن النص ـ ما كتبه مؤلف متى في قوله: "ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لماذا شبقتني؟ أي: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ "١ فلا ريب أن هذه العبارة التفسيرية ليست من كلام المصلوب.
ويشير الشيخ رشيد إلى أن هذه الأمور عندهم لا تعاب من أهل الدين فكيف بمن ليسوا كذلك، بل بدلوا وحرفوا عمداً، بالزيادة والنقصان ٢.
وبعد ذلك أورد الشيخ رشيد نقلاً عن الشيخ رحمة الله البشارات التي وردت في التوراة والإنجيل مع الشرح ورد المطاعن فيها، ونقل عن "إظهار الحق" البشارات بطولها، وكان يعلق أحياناً ويقوم بتحقيق بعض المسائل، كما حقق معنى كلمة "البارقليط" الواردة في بعض هذه البشارات فحقق معناه في اللغة الإنجليزية ٣.
ولم يكتف رشيد رضا بالنقل عن رحمة الله الهندي، بل إنه استدرك عليه ما لم يعلمه. وذلك أن الشيخ رشيد قد وقف على إنجيل برنابا ـ الذي نقل عنه الشيخ رحمة الله بالواسطة ـ ولذلك فإنه أورد منه بشارة صريحة فيها ذكر اسم نبينا ﷺ العلم "محمد". وذكر الشيخ رشيد أن ذلك موضع ارتياب الباحثين من علماء أوروبا، لأن المعهود في البشارات أن تكون بالكنايات والإشارات، وأجاب عن ذلك بعدة أجوبة: فقال: "بقي أمر يستنكره الباحثون في هذا الإنجيل بحثاً علمياً لا دينياً أشد الاستنكار وهو تصريحه باسم "النبي محمد" ﵊ قائلين: لا يعقل أن يكون ذلك كتب قبل ظهور الإسلام إذ المعهود في البشارات أن تكون بالكنايات والإشارات، والعريقون في الدين لا يرون مثل ذلك مستنكراً في خبر
стр. 759
الوحي، وقد نقل الشيخ محمد بيرم ١ عن رحالة إنجليزي أنه رأى في دار الكتب البابوية في الفاتيكان نسخة من الإنجيل مكتوبة بالقلم الحميري قبل بعثة النبي ﷺ وفيها يقول المسيح: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وذلك موافق لنص القرآن بالحرف، ولكن لم ينقل عن أحد من المسلمين أنه رأى شيئاً من هذه الأناجيل التي فيها البشارات الصريحة، فيظهر أن في مكتبة الفاتيكان من بقايا تلك الأناجيل والكتب التي كانت ممنوعة في القرون الأولى ما لو ظهر لأزال كل شبهة عن إنجيل برنابا وغيره. على أنه لا يبعد أن يكون مترجم إنجيل برنابا باللغة الإيطالية قد ذكر اسم "محمد" ترجمة، وأن يكون قد ذكر في الأصل الذي ترجم هو عنه بلفظ يفيد معناه كلفظ "البارقليط"، ومثل هذا التساهل معهود عند المسيحيين في الترجمة كما بينه الشيخ رحمة الله ... وإنني أزيد مثالاً على ما سبق من اختلاف ترجمة الأعلام والألقاب والصفات في كتب أهل الكتاب يقرب لفهم القارئ هذه المسألة وهو ما جاء في نبوة النبي حجي من البشارة بنبينا ﷺ ... " ٢.
والنبي حجي هو أحد أنبياء العهد القديم وله سفر قصير فيه إصحاحان فقط، وقد أورد الشيخ رشيد هذه البشارة وشرحها كما يلي:
بشارة النبي حجي بمحمد ﷺ :
نقل الشيخ رشيد نص البشارة، وهو: " (٢:٦) هكذا قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، ٧ وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت مجداً، قال رب الجنود ٨ لي الفضة ولي الذهب يقول رب الجنود ٩ مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود ١٠ وفي هذا المكان أعطي السلام، يقول رب الجنود" ٣. ثم علق الشيخ رشيد أولاً بملاحظة تتعلق بالترجمة كشاهد آخر على تصرف المترجمين في الأسماء فقال: "أقول قبل كل شيء
стр. 760
إن اسم أو لقب مشتهى الأمم" هو في الأصل العبراني عند اليهود "حمدوت" ومعناه الذي يحمد، فهو صيغة مبالغة من الحمد كملكوت من الملك، فحمدوت الأمم هو الذي تحمده الأمم، وهو معنى محمد ومحمود، فالأول اسم فاعل من حمده بالتشديد إذا حمده كثيراً؛ ومن تحمده الأمم يكون محموداً حمداً كثيراً أي محمداً، والثاني اسم مفعول من حمد الثلاثي، ومحمود من أسمائه ﷺ ، فهل بعد هذا يبعد أن يكون لفظ الفارقليط اليوناني مترجماً من لفظ حمدوت العبراني، ونسخ الإنجيل العبرانية التي نقلت ألفاظ المسيح ﵇ بحروفها قد فقدت ... ؛...ثم إن بقية بشارة حجي لا تصدق على غير نبينا ﷺ محمد الأمم فهو الذي زلزل رب الجنود ببعثته العالم، ونصره بالجنود وبالحجة جميعاً، وكان مجد دين الله به أعظم من مجده بموسى وسائر أنبياء قومه، وفرضت شريعة الزكاة وخمس الغنائم لتنفق في سبيل الله فكانت الفضة والذهب لله ... " ١.
إن الترجمة هي الباب الذي دخل منه العبث بنصوص الكتب المقدسة السابقة على الإسلام، والترجمة ليست هي الأصل ولو مع وجوده، فكيف إذا فقد النص الأصلي، وأرى أن أنقل هنا اعترافاً لأحد المترجمين للعهد الجديد يبين فيه حقيقة الترجمة فيقول: "إن كل كلمة في أي لغة تحمل عادة معاني عديدة، وعلى المترجم في حال كهذه أن يختار معنى واحداً، يستخدمه في ترجمته، إلى ماذا يستند المترجم عندما يختار ذلك المعنى الواحد من بين المعاني المتعددة؟ إنه يختار ذلك المعنى الذي يشعر أنه يتفق مع فكرة القرينة، لكن هل يكون مصيباً دائماً في اختياره؟ إنه يظن ذلك. لكن قد يكون هناك من يخالفه في الرأي ... " ويقول أيضاً: "المترجم كائن بشري عرضة للخطأ، وكلنا خطاة ضعفاء، إن الذي يحدث هو أن المترجم يقوم بتفسير الآية بالإضافة إلى ترجمته، والقارئ الذي لا يعرف اللغة الأصلية للكتاب المقدس يصبح تحت رحمة المترجم"، ويقول: "إن من السهل أن يغرب عن البال أن الترجمات
стр. 761
العربية للكتاب المقدس هي ترجمات وليست الأصل" ١.
إن اللغة التي كتبت بها الأسفار المقدسة هي العبرية، وهذه النصوص لم تصل إلينا في لغتها الأصلية. فصرنا جميعاً تحت رحمة المترجمين ـ وأمانتهم، ولولا أن منّ الله علينا برسوله الخاتم وكتابه العظيم لضاعت الحقيقة.
رابعاً: الشهادة:
هذا دليل شرعي عقلي، أعني أنه جاء به الشرع وأيده العقل. وهو دليل معتمد عند أهل الكتاب. قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ ٢ وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٤، وأما العقل: فإنه يقول إن الله تعالى سميع بصير ـ وهذا باتفاق ـ فكان يرى نبينا ويسمعه، ويعلم دعواه التي أقام عليها ثلاثاً وعشرين سنة، فإما أنه ـ تعالى ـ كان يعلم أو لا يعلم، وفي الثاني نسبته تعالى للجهل. أو كان يعلم ولا يقدر على تغييره وفي ذلك نسبته إلى العجز المنافي للربوبية، أو كان قادراً ومع ذلك أعزه ونصره وأيده بكل طريق ـ أي وهو كاذب ـ فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق بالعقلاء، فكيف برب السماء، فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه. فلا بد أن يكون عالماً قادراً شاهداً بالحق، ولا بد أن يكون محمد نبياً صادقاً ٥.
ويعتمد أهل الكتاب هذا دليلاً على صدق المسيح "أي أنه رسول الله
стр. 762
بشهادة يوحنا المعمدان، وبشهادة الأب له بالآيات التي صنعها على يده وبالنبوءات التي تمت به، ومن ثم حق له أن يطلب تصديق دعواه بمجرد قوله" ١.
لذلك كله فإن الشيخ رشيد قرر هذا الدليل أيضاً من أدلة نبوة نبينا ﷺ . لقد عرف الشيخ رشيد كلمة "شهادة" فقال: "شهادة الشيء حضوره ومشاهدته، والشهادة به: الإخبار به عن علم ومعرفة، واعتقاد مبني على المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة: أي العقل والوجدان، ومنه: الشهادة بالتوحيد، وإثبات الشيء بالدليل والبرهان شهادة به ... " ٢.
ويعلق على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ قائلاً: "أي شيء شهادته أكبر شهادة وأعظمها، وأجدر بأن تكون أصحها وأصدقها؟ ... أكبر الأشياء شهادة الذي لا يجوز أن يقع في شهادته كذب ولا زور ولا خطأ هو الله تعالى وهو شهيد بيني وبينكم، وأوحى إليّ هذا القرآن من لدنه لأنذركم به عقابه على تكذيبي فيما جئت به مؤيداً بشهادته سبحانه ... " ٣.
ثم بين الشيخ أقسام هذه الشهادة فقال إنها قسمان:
الأول: شهادته سبحانه برسالة الرسول ﷺ .
الثاني: شهادته بما جاء به الرسول ﷺ ، وقسم القسم الأول: وهو شهادته عزوجل برسالة رسوله إلى ثلاثة أنواع: الأول: إخباره برسالته في كتابه كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٥، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ
стр. 763
الْمُرْسَلِينَ﴾ ١، وهذا النوع شهادة بغير لفظ الشهادة، قال: "وهي غير شرط في صحتها خلافاً لبعض الفقهاء" ٢، ولكن وردت الشهادة بلفظها أيضاً ـ كما في الآيات التي في صدر البحث. وأورد منها الشيخ رشيد قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٤، فهذا النوع الأول يشمل الشهادة بلفظ الشهادة وبغير لفظ الشهادة، وأما النوع الثاني من شهادة الله لرسوله بالرسالة فهو: تأييده له بالآيات الكثيرة، وأعظمها القرآن. ومنها غير القرآن من الآيات الحسية، والأخبار النبوية بالغيب. والنوع الثالث من شهادته تعالى لرسوله: شهادة الكتب السابقة له وبشارة الرسل به ٥.
وأما القسم الثاني: وهو شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول من التوحيد والبعث، فيقسمه الشيخ رشيد إلى ثلاثة أنواع كذلك:
أحدها: شهادة كتابه بذلك، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٦.
ثانيها: ما أقامه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق على توحيده واتصافه بصفات الكمال.
ثالثها: ما أودعه جل شأنه في الفطرة البشرية من الإيمان الفطري، وبالألوهية وبقاء النفس وما هدى إليه العقول السليمة من تأييد هذا الشعور الفطري بالدلائل والبراهين ٧.
стр. 764
ويلخص الشيخ رشيد هذا المعنى كله بقوله: "علم مما بيناه أن شهادته تعالى هي شهادة آياته في القرآن، وآياته في الأكوان، وآياته في العقل والوجدان، وهذه الآيات قد بينها القرآن وأرشد إليها، فهو الدعوى والبينة والشاهد والمشهود له، وكفى به ظهوراً بالحق وإظهاراً له، أنه لا يحتاج إلى شهادة غيره له ... " ١.
خامساً: الآيات الكونية:
وفي سياق المقارنة بين آيات نبينا ﷺ العقلية العلمية، وآيات من سبقه، أثبت رشيد رضا وقوع آيات كونية لنبينا ﷺ على نحو ما وقع لمن سبقه من الأنبياء، إلا أن آيات نبينا ﷺ قد رويت "بالأسانيد المتصلة تارة والمرسلة ٢ أخرى" وهي "أكثر من كل ما رواه الإنجيليون وأبعد عن التأويل" ٣، ومع ذلك فإنه "لم يجعلها برهاناً على صحة الدين ولا أمر بتلقينها للناس" ٤، وذلك لأن "الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها، لأن البشر قد بدؤوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال" ٥.
وأما هذه الآيات الكونية "فلم يكن لإقامة الحجة على نبوته ورسالته، بل كان من رحمة الله تعالى وعنايته به وبأصحابه في الشدائد" ٦، ومن هذه الآيات: "شفاء المرضى ٧، وإبصار الأعمى ٨، وإشباع العدد الكثير
стр. 765
من الطعام القليل في غزوة الأحزاب ١، وفي غزوة تبوك ٢، كما وقع للمسيح ﵇ ٣، ومنها: تسخير الله السحاب لإسقاء المسلمين، وتثبيت أقدامهم التي كانت تسيخ في الرمل ببدر، ولم يصب المشركين من غيثها شيء ٤، ومثل ذلك في غزوة تبوك إذ نفد ماء الجيش في الصحراء والحر شديد، حتى كانوا يذبحون البعير ويخرجون الفرث من كرشه ليعتصروه ويبلوا ألسنتهم، على قلة الرواحل معهم ٥ ... " ٦.
ويرى رشيد رضا أن معجزات الأنبياء من هذا النوع لا تتفق مع عقلية العصر الحديث التي أصبحت لا تؤمن إلا بالمعقول وبما تحسه فقط، وتنكر ما يخرح عن قوانين الطبيعة، فمعجزات الرسل قبل نبينا ﷺ أصبحت شبهة على الدين عند علماء العصر، وكما يقول رشيد رضا "إن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد ﷺ بالذات، ونبوة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته، ولا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وإن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة" ٧. ولكن يرد رشيد رضا من هذه الآيات: انشقاق القمر.
стр. 766
انشقاق القمر:
من الآيات التي أكرم الله تعالى بها نبيه آية انشقاق القمر نصفين بناء على اقتراح أهل مكة وسؤالهم ١، وقد تواترت بذلك الأحاديث ٢، وأجمع على الإيمان بها أهل السنة ٣، وأنكرها جمهور الفلاسفة بحجج لا تستحق أن يلتفت إليها ٤، وقد قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٥ "ومعلوم بالضرورة في مطرد العادة، أنه لو لم يكن انشق لأسرع المؤمنون بها إلى تكذيب ذلك، فضلاً عن أعدائه الكفار والمنافقين، ومعلوم أنه كان أحرص الناس على تصديق الخلق له، واتباعهم إياه، فلو لم يكن انشق لما كان يخبر به ويقرئه على جميع الناس ويستدل به ويجعله آية له" ٦.
لقد رد الشيخ رشيد دعوى تواتر أحاديث انشقاق القمر، ثم طفق يوهن من أمر ما روي في الصحيحين، فقال إن ما روي على شرط الشيخين هو حديث واحد عن عبد الله بن مسعود ﵁ ٧، وأما حديثا أنس ٨ وابن عباس ٩ ﵄ فزعم أنهما مرسلان. قال: "والخلاف في الاحتجاج بالمراسيل معروف ومن يحتج بمراسيل الصحابة مطلقاً يبني احتجاجه على أنهم يروون عن مثلهم، ولكن ثبت أن بعضهم
стр. 767
كان يروي عن بعض التابعين حتى كعب الأحبار، وعلى كل حال لا يصح في مراسيلهم ما اشترط في التواتر من الرواية المتصلة إلى من شاهد المروي ورواية الشيخين المتصلة من طريقين فقط ... " ١.
ثم ذكر الشيخ رشيد أيضاً مطعناً آخر وهو دعوى اختلاف المتون في أحاديث انشقاق القمر ٢، وإشكال خفاء هذه الحادثة على جميع الأقطار ٣، ثم أورد ما أسماه الإشكال الأصولي الأعظم وهو "أن سنته قد مضت بأن ينزل عذاب الاستئصال لكل قوم اقترحوا آية على رسولهم ولم يؤمنوا بإجابتهم إلى ذلك ... " ٤. وقال: "وجملة القول أنه لو صح أن قريشاً سألوا النبي ﷺ آية تدل على صدق نبوته وأن الله تعالى أجابهم إلى طلبهم فجعل انشقاق القمر آية كما هو نص حديث أنس في الصحيحين وغيره في غيرهما لعذب الله أمته وقومه باستئصالهم على حسب القاعدة الصحيحة الثابتة بالنص القطعي ... " ٥.
ولذلك فإن الشيخ رشيد خص حديث أنس ﵁ الذي يثبت اقتراح قريش لهذه الآية ـ بمزيد من الطعن.
ثم إن الشيخ رشيد حمل آية الانشقاق في سورة القمر على وجه آخر حاول فيه الاعتضاد بمعاجم اللغة. واتهم المفسرين أيضاً بالتساهل في تصحيح روايات انشقاق القمر حباً في تكثير دلائل النبوة بالمعجزات الكونية ٦.
والحق أن الشيخ رشيد كان في غنى عن كل ذلك، لأن الأحاديث المروية كافية في إثبات هذا الحادث العظيم، وكل ما أورده هو ومن قبله من الاعتراضات ليست مما يصمد أمام الفحص والنظر الصحيح.
стр. 768
فتواتر الأحاديث في هذا مروي عن عدد من المحدثين ١ وهم المرجع في ذلك "وأنه قد يتواتر عند أهل العلم بالشيء ما لا يتواتر عند غيرهم، وأهل العلم بالحديث أخص الناس بمعرفة ما جاء به الرسول ومعرفة أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإليهم المرجع في هذا الباب، لا إلى من هو أجنبي عن معرفته ... " ٢.
وأما خفاء هذا الحادث على جميع الأقطار فهي شبهة واهية لأن "الأمر في هذا خارج عما ذهبوا إله من قياس الأمور النادرة الغريبة إذا ظهرت لعامة الناس ... وذلك أن هذا شيء طلبه قوم خاص من أهل مكة على ما رواه أنس بن مالك فأراهم النبي ﷺ ذلك ليلاً لأن القمر آية الليل ولا سلطان له بالنهار، وأكثر الناس في الليل تنام ومستكنون بأبنية وحجب والأيقاظ البارزون منهم في البوادي والصحاري قد يتفق أن يكونوا في ذلك الوقت مشاغيل بما يلهيهم من سمر وحديث ... وكثيراً ما يقع للقمر كسوف فلا يشعر به الناس حتى يخبرهم الآحاد منهم، والأفراد من جماعتهم ... ولو أحب الله أن تكون معجزات نبيه ﵇ أموراً واقعة تحت الحس قائمة للعيان حتى يشترك في معاينته الخاصة والعامة لفعل ذلك، ولكنه سبحانه قد جرت سننه بالهلاك والاستئصال في كل أمة أتاها نبيها بآية عامة يدركها الحس فلم يؤمنوا بها، وخص هذه الأمة بالرحمة فجعل آية نبيها التي دعاهم إليها وتحداهم بها عقلية، وذلك لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الأفهام، ولئلا يهلكوا فيكون سبيلهم سبيل من هلك من سائر الأمم المسخوط عليهم المقطوع دابرهم، قلم يبق لهم عين ولا أثر، والحمد لله على لطفه بنا ... " ٣. ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٤، فهذه الأمة مرحومة
стр. 769
موعودة بألا تستأصل بسنة عامة ١. فهذا جواب لشبهتين أوردهما الشيخ رشيد في آن واحد ـ وأما تفسير الآية بما يوافق الأحاديث فهو ما عليه المفسرون ٢. فيكون الشيخ رشيد قد جانب الصواب في هذه المسألة ٣.
стр. 770
المبحث التاسع: منهج رشيد رضا في الصحابة:
عرف الشيخ رشيد الصحابي بقوله: "الصحابي من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً، واشترط بعضهم طول الاجتماع به والرواية عنه، وبعضهم أحدهما، وقال بعضهم هم كغيرهم من الناس" ١.
ومعتمداً على قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... ﴾ الآية ٢. قسم رشيد رضا الصحابة إلى ثلاث طبقات: الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين، والثانية: السابقون الأولون من الأنصار، والثالثة: الذين اتبعوا هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ٣. قال: "ولفظ الاتباع فيها نص في الصحابة المتأخرين الذين اتبعوا الأولين من المهاجرين والأنصار في صفتيهم: الهجرة والنصرة، وهو بصيغة الماضي، فلا يدخل في عمومه التابعون الذين تلقوا الدين والعلم من الصحابة ولم ينالوا شرف الصحبة والهجرة والنصرة، وتسمية هؤلاء بالتابعين اصطلاحية حدثت بعد نزول القرآن" ٤. وأما حكم هذه الطبقات الثلاث، فيقول عنهم: "هذه الشهادة من
стр. 771
رب العالمين للطبقات الثلاث من أصحاب رسول الله ﷺ ، يدفع حقها باطل الروافض الذين يطعنون فيهم، ويحثو التراب في أفواههم، والذي سن لهم هذا الطعن في جمهورهم الأعظم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام لأجل إيقاع الشقاق بين المسلمين وإفساد أمرهم ثم نظم الدعوة لذلك زنادقة المجوس بعد فتح المسلمين لبلادهم ... ثم جُعل الرفض مذهباً، له فرق ذات عقائد، منها ما هو كفر صريح ومنها ما هو ابتداع قبيح ومنها ما هو دون ذلك ... " ١.
ويرى رشيد رضا أن هذه الطبقات الثلاث من الصحابة قد جاوزوا القنطرة، فيقول: "إن جميع أفراد هذه الطبقات الثلاث قد جاوزوا القنطرة واستبقوا الصراط وما يؤثر في كمال إيمانهم شيء، لأن نورهم يمحوا كل ظلمة تطرأ على أحد منهم بإلمامه بذنب ... " ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ ٣، قال: "هذا خبر مؤكد بلام القسم على حرف التحقيق بين به الله فضل عطفه على نبيه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار وتجاوزه عن هفواتهم ... لاستغراقها في حسناتهم الكثيرة، على كونهم لا يصرون على شيء منها، وإنما كانت هفواتهم هذه مقتضى الطباع البشرية، واجتهاد الرأي فيما لم يبينه الله تعالى لهم بياناً قطعياً يعد مخالفه عاصياً ... " ٤.
وقال رداً على سؤال عن عدالة الصحابة: " ... وورد من الأحاديث النبوية في تعديلهم والثناء عليهم، والنهي عن سبهم وحظر بغضهم، ما لا محل لذكر شيء منه في هذا الجواب الوجيز" ٥. وأيضاً فقد "كان من سيرتهم المتواترة في نشر الإسلام في العالم وإصلاح البشرية، ما هو أكبر
стр. 772
حجة علمية تاريخية على تفضيل أصحاب محمد ﷺ على جميع أصحاب الأنبياء والمرسلين ... " ١.
وهذه المكانة العالية لأصحاب النبي ﷺ لا تمنع أن يرتكب بعضهم الذنوب ومنها الكبائر ـ يقول رشيد رضا ـ إلا أن هذا "لا يبيح هتك حرمة هؤلاء الأخيار في جملتهم" ٢.
إلا أن رشيد رضا يرى أن القول بعدالة جميع الصحابة على اصطلاح من لا يشترط في الصحبة طول العشرة وتلقي العلم والتربية النبوية مطلقاً فيه إفراط، ويفرق بين من رأى النبي ﷺ طفلاً ـ مثلاً ـ ولا يعي وبين من عاشر النبي ﷺ ولازمه ٣.
وقد تابع رشيد رضا في ذلك أبو رية وغيره ٤. ولا ريب أن الاعتقاد بعدالة كافة الصحابة هو قول جمهور أهل السنة. وكافة المحدثين، وعليه سلف الأمة وجماهير الخلف ٥.
وعدالة الصحابة كافة هي ما تدل عليه آيات القرآن الكريم دون استثناء. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٧،وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
стр. 773
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..﴾ ١.
وهذه الآيات وغيرها ترد مذهب رشيد رضا إذ أنها تشير إلى تعديل كافة الصحابة دون استثناء، بما فيهم معاوية ﵁ والذي اتخذ منه رشيد رضا موقفاً غير مرضي كما سيأتي بيانه بعد قليل.
ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل والخلافة:
يرى الشيخ رشيد أن ترتيب الصحابة في الخلافة هو على ترتيبهم في الفضل، وأن ذلك بحكمة الله ورحمته. فيقول: "وكان من حكمة الله ورحمته أن خلف رسول الله ﷺ فيه خير أصحابه علماً وحكمة وإخلاصاً ليكونوا قدوة لمن بعدهم وحجة لله عليهم، وألهم أهل الحل والعقد أن يقدموا أقصرهم فأقصرهم عمراً من حيث لا يدرون لتستفيد الأمة من كل واحد منهم، وهذه حكمة ألهمني الله تعالى إياها منذ عشرات السنين لم أروها ولم أسمعها من أحد، وهاك وجه كل واحد منهم ﵃ أجمعين ـ ... " ٢. ثم طفق يبين وجه الحكمة تفصيلاً. والشاهد من ذلك تقرير الشيخ رشيد لمنهج السلف في ترتيب الخلفاء في الخلافة والفضل.
حكم سب ولعن الصحابة:
ويرى الشيخ رشيد أن سب الشيخين معصية فيقول جواباً على سؤال عن حكم من فعل ذلك، وهل تطلق زوجته: "سب الشيخين عليهما الرضوان معصية، والمعاصي لا تحل عقد الزوجية، وإلا لما صح لفاسق زوجية ولا نسب ... " ٣.
وفيما يتعلق بالصحابي معاوية ﵁، فإن الشيخ رشيد يرى تحريم لعنه مطلقاً ـ كغيره من الصحابة ـ لأسباب عديدة منها: النهي الوارد
стр. 774
في السنة عن اللعن الذي يتساهل فيه أهل الأهواء من السفهاء ١. ولأنه لا يستحق اللعن إلا من مات كافراً بالله وغضب الله عليه، وهذا لا يعرف إلا بوحي من الله تعالى، ولأن الخاتمة مجهولة ٢ ووراء ذلك كله: "إن السواد الأعظم من المسلمين يعدون سب معاوية ولعنه من الكبائر، ويرمون سابه بالرفض والابتداع، وأن السني من المسلمين ليعادي الشيعي على سب معاوية وأبي سفيان بلهَ الخلفاء الثلاثة، ويعادي الخارجي على سب عثمان وعلي ما لا يعادي غيرهما على ترك فريضة من الفرائض أو ارتكاب فاحشة من الفواحش، فهذا الطعن في عظماء الصحابة وحملة الدين الأولين لو كان جائزاً في نفسه لكفى في تحريمه ما يترتب عليه من زيادة التفريق بين أهل القبلة وتمكين العداوة في قلوبهم حتى يكفر بعضهم بعضاً. لهذا لا أبالي أن أقول لو اطلع مطلع على علم الغيب فعلم أن معاوية مات على غير الإسلام لما جاز له أن يلعنه ... " ٣. وقد استفتي الشيخ رشيد في لعن معاوية غير مرة فلم يفتِ به ولم يرضه ٤.
ورغم ذلك فإن موقف الشيخ رشيد من معاوية ﵁ غير مرضي. إنه يقول: "إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالباً للملك ومحباً للرياسة، وإنني لأعتقد أنه قد وثب على هذا الأمر مقتاتاً، وأنه لم يكن له أن يحجم عن مبايعة علي بعد أن بايعه أولو الأمر ... وإنني على اعتقادي هذا لا أرى للمسلمين خيراً في الطعن في الأشخاص والنبز بالألقاب واللعن والسباب، وإنما عليهم أن يبحثوا عن الحقائق ليعلموا من أين جاءهم البلاء فيسعوا في تلافيه مع الاتحاد والاعتصام، والاقتداء بالسلف الصالح في حسن الأدب مع الصحابة الكرام" ٥.
ويقول أيضاً: " ... ونحن من أولياء علي ﵇ والرضوان ـ لا
стр. 775
من أولياء معاوية وفئته الباغية ـ عليهم من الله ما يستحقون ـ ولكننا لسنا بسبابين ولا لعانين كما ورد في وصف المؤمنين. وقد ذكرت في ترجمة الوالد ﵀ من المجلد الثامن ـ أنه كان يقول: "لا نحب معاوية ولا نسبه" وكيف نحب من بغى على جدنا وخرج عليه ١ وكان سبباً في تلك الفتن التي كانت نكتة سوداء في تاريخ عصر النور الأول لنور الإسلام. وبه تحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها لها الله تعالى في كتابه بقوله في المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢ إلى حكومة شخصية استبدادية ... " ٣.
والحق أن في هذا الموقف من الشيخ رشيد ـ رغم رفضه للعن والسب ـ قصور شديد وبخس لحق هذا الصحابي الجليل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ٤ ومعاوية ﵁ هو من جملة أصحاب النبي ﷺ وينطبق عليه ما ينطبق عليهم.
فمعاوية بن أبي سفيان ﵄ خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين ٥، ولاه عمر ﵁ الشام، وأقره عليها عثمان ٦. أسلم يوم العقبة وكتم إسلامه خوفاً من أبيه ٧. كنيته: أبو عبد الرحمن ٨.