← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام إعداد: حمود بن أحمد بن فرج الرحيلي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكر وتقدير الحمد لله وحده والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم إلى يوم الدين. وبعد: فإني أشكر الله تعالى على نعمه الكثيرة التي لا تعد ولاتحصى، ومن هذه النعم أن وفقني لطلب العلم الشرعي، وأمدني بعونه وتوفيقه على إتمام هذه الرسالة، فله الحمد وله الشكر لا أحصي ثناء عليه. ثم عملاً بقوله ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" ١، وقوله ﷺ : "من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم

стр. 2

المقدمة الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالإلهية على جميع خلقه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم أنبيائه وصفوة خلقه، أرسله على فترة من الرسل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. وبعد: فإن الإسلام يواجه كثيراً من التحديات الضارية من الصهيونية، والشيوعية، والصليبية، والوثنية البغيضة، وقد استيقظت هذه الحركات الهدامة كلها دفعة واحدة، وبيتت النية على اغتيال هذا الدين من نفوس أبنائه، منتهزة فرصة ما يسود كثيراً من ديار الأمة الإسلامية من جهل وغفلة وفرقة. والواقع أن الباطل مهما كان نفوذه، فإنَّه لا ينتشر ولا يذيع إلاّ في غفلة أهل الحق وضعفهم، وابتعادهم عن ميادين البذل والجهاد. وما هي إلا جولة أو بعض جولة حتى ينكشف مثار النقع، وتتجلى حكمة الله تعالى فيما يكلأ به هذا الدين وقرآنه العظيم، ويعود المسلمون

стр. 3

قد كافأتموه" ١. أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير لأستاذي الجليل فضيلة الدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامة المشرف على هذه الرسالة، فقد وجدت منه رحابة الصدر والإخلاص في العمل، وأفاض علي بعلمه الغزير، وتوجيهاته السديدة، وأعطاني من وقته الكثير، فجزاه الله عني وعن جميع طلابه أحسن الجزاء، وبارك في عمره ومنحه العفو والعافية في الدنيا والآخرة. كما أشكر فضيلة الدكتور عبد المنعم محمد حسنين المشرف السابق على هذه الرسالة في مرحلتها الأولى، فقد أمدني بتوجيهاته العلمية، فجزاه الله خير الجزاء. كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان للجامعة الإسلامية ممثلة في القائمين عليها، وأخص منهم معالي رئيس الجامعة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد، وفضيلة رئيس قسم الدراسات العليا الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، فقد قدموا لأبنائهم الطلاب كافة الإمكانيات الكفيلة بمساعدتهم على أداء مهماتهم.

стр. 4

كما أشكر كل من قدم إليّ عوناً أو أسدى إليّ معروفاً من كافة الأساتذة الأفاضل، والإخوة الأكارم، فجزى الله الجميع عني خير الجزاء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5

أشدّ ما كانوا ذوداً، وأبلغ ما كانوا دفعاً ومحاماة عن دينهم، وإذا الإسلام أقوى ما يكون فيهم وأثبت من كل مبدأ دخيل أو فكرة هدامة. ولما كان الشرك وهيمنة البدع والخرافات من أعظم الأزمات التي عانت منها البشرية عبر تاريخها الطويل. ولما كان القرآن الكريم قد وقف من الشرك موقفاً حازماً لاقتلاعه بجميع أشكاله وألواته، وأفرد لدحضه السور والآيات البينات، وناقش المفاهيم والاتجاهات نقاشاً منطقياً وموضوعياً، فنقدها ونقضها، ورد كل زعم ودحض كل فرية، وأبان في النهاية العقيدة الصحيحة، عقيدة التوحيد والوحدانية لله رب العالمين. فقد آثرت اختيار: "منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام" ليكون موضوعاً لرسالتي لنيل درجة العالمية العالية "الدكتوراه" للأسباب التالية: أولاً: إبراز منهج القرآن في دعوة المشركين إلى الإسلام، وقد سبق لي أن بينت منهج القرآن في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام في رسالتي للماجستير، وذلك لأن الإسلام هو دين الله الحق الذي لا يقبل من أحد سواه. ثانياً: القيام بمسؤليتي في ميدان الدعوة إلى الله عملاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ

стр. 6

الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. وقوله : ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ٣. وقوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٥. ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي

стр. 7

صلى الله عليه وسلم قال: "بلغوا عني ولو آية ... " ١. ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢. ثالثاً: أن الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك هي دعوة الرسل جميعاً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ

стр. 8

لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١. وقد قام الأنبياء والرسل جميعاً بدعوة الناس إلى عبادة الله وتوحيده، فما منهم من أحد إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢. وقد احتدم الصراع بين دعاة الحق وأنصار الباطل بين الرسل وأممهم، وخلال هذا الصراع الرهيب تحطمت الأصنام وتهاوت الأوثان، وانخذل الشرك وأهله، وانتصر الحق ودعاته. وعلى هذا الطريق سار السلف الصالح يدعون إلى دين الله على بصيرة، ويبينون للناس الحق على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولنا في رسل الله والسلف الصالح القدوة الحسنة. رابعاً: أن الشرك بالله تعالى هو أعظم الذنوب وأكبر الكبائر على الإطلاق، وأول الأسباب التي أدت إلى هلاك الأمم المكذبة، وعواقبه وخيمة في الدنيا والآخرة، وذلك أن صاحبه في الدنيا يصبح ضحية للخرافات والوساوس والأوهام، الأمر الذي يعود على صحته وماله ووقته بالتلف والهلاك، وهو في الآخرة من الخالدين في نار جهنم، إذا مات وهو مصر على الشرك والعياذ بالله.

стр. 9

خامساً: أنه على الرغم من كثرة النصوص الواردة في النهي عن الشرك والتحذير من صغيره وكبيره، فإن الشرك لا يزال ينتشر في بعض بقاع العالم الإسلامي على الرغم من انتشار العلوم والمعارف والتقدم الثقافي، بل أخذت معاول الهدم والتخريب تعمل جاهدة على إحياء ما قبل الإسلام، ومن ذلك إحياء الوثنية الجاهلية، فظهرت البدع التي قام أتباعها بنشرها والترويج لها، فظهر في الساحة القبوريون وأدعياء الولاية من الصوفية والمبتدعة، وأهل السحر والشعوذة الذين شوهوا معالم الدين، وزيفوا حقائقه ومعتقداته، حتى أصبحت في بعض البلدان السنة بدعة والبدعة سنة، وأصبح الشرك توحيداً، والتوحيد شركاً وكفراً١، ولا حول ولا قوة إلا بالله. سادساً: أن هذا الموضوع بهذا العنوان وهذا المنهج الذي اتبعته لم أر من أفرده بالتأليف -على مبلغ علمي المحدود- اللهم ما تناثر في كتب العلماء القدامى والمحدثين في كتب العقائد والتفاسير والتواريخ ونحوها. لهذا عزمت على الكتابة في هذا الموضوع محاولاً إعطاء القارئ صورة واضحة عن مسلك القرآن في دعوته للمشركين وما أقامه عليهم من الحجج والبراهين الدالة على وحدانية الله تعالى.

стр. 10

خطة البحث قد قسمت الرسالة إلى: مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة. أما المقدمة فتشمل على: سبب الاختيار والخطة، ومنهجي في البحث. وأما التمهيد فيشمل على تعريف موجز لكل من: المنهج، القرآن، الدعوة، الإسلام. وأما الباب الأول: فقد جعلته عن التوحيد والشرك في حياة البشرية. ويشتمل على أربعة فصول: الفصل الأول: تحدثت فيه عن أصالة التوحيد في البشرية ودعوة جميع رسل الله إليه. ويشتمل على ما يلي: ١- تعريف التوحيد لغة. ٢- تعريف التوحيد شرعاً. ٣- أسبقية التوحيد على الشرك، وذكر الأدلة على ذلك. ٤- خطأ بعض علماء مقارنة الأديان في هذا الموضوع والرد عليهم.

стр. 11

٥- التوحيد دعوة جميع الرسل. ٦- أنواع التوحيد والعلاقة بينها. وأما الفصل الثاني: فقد تحدثت فيه عن معنى الشرك وبعض صوره. ويشتمل على ما يلي: ١- تعريف الشرك لغة. ٢- مواضع ورود كلمات الشرك في القرآن الكريم. ٣- تعريف الشرك شرعاً. ٤- أنواع الشرك. ٥- الفرق بين الشرك والكفر. ٦- صور من الشرك في الاعتقاد. أ- الشرك في النية. ب- الشرك في المحبة. ج- الشرك في الخوف. د- الشرك في الطاعة والانقياد. ٧- صور من الشرك في العبادات. أ- دعاء غير الله. ب- الغلو في قبور الأنبياء والصالحين. ج- الشرك في الذبح. د- الشرك في النذر.

стр. 12

هـ- ادعاء علم الغيب. و السحر والخداع. ز- الأحجبة والرقى والتمائم. ٨- صور من المعبودات من دون الله. أ- عبادة الشخصية الإنسانية. ب- عبادة الأصنام والأوثان. ج- عبادة الأهواء. د- عبادة الأسلاف. هـ- عبادة بعض الظواهر الطبيعية. وأما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السابقين في محاربته. ويشتمل على ما يلي: ١- الشرك في قوم نوح ﵇ ومنهجه في محاربته. ٢- الشرك في قوم هود ﵇ ومنهجه في محاربته. ٣- الشرك في قوم صالح ﵇ ومنهجه في محاربته. ٤- الشرك في قوم إبراهيم ﵇ ومنهجه في محاربته. ٥- الشرك في قوم إسماعيل ﵇ ومنهجه في محاربته. ٦- الشرك في قوم يوسف ﵇ ومنهجه في محاربته. ٧- الشرك في قوم شعيب ﵇ ومنهجه في محاربته.

стр. 13

٨- الشرك في قوم موسى ﵇ ومنهجه في محاربته. ٩- الشرك في قوم عيسى ﵇ ومنهجه في محاربته. أما الفصل الرابع: فقد تحدثت فيه عن حالة العقائد قبيل بعثة محمد ﷺ في داخل الجزيرة العربية وفي خارجها، وبينت كيف أن العالم بأسره كان في حاجة ماسة إلى منقذ. أما الباب الثاني: فكان في معالم المنهج القرآني في دعوة المشركين. ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في ثبوت وجود الله والدلائل على وحدانيته وبينت فيه ثبوت فطرية وجود الله والإيمان به في النفوس البشرية، وأسباب تغير هذه الفطرة. أما الدلائل العلمية على وجود الله ووحدانيته فتتمثل فيما يلي: ١- آيات الله في خلق الإنسان. ٢- آيات الله في الكون: من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، ونجوم وأفلاك، وسحاب ورياح ورعد. ٣- آيات الله في خلق الحيوان. ٤- آيات الله في خلق النبات. أما الفصل الثاني: فكان في إقامة الحجج والبراهين على المشركين، ويشتمل على ما يلي: ١- الأدلة على صدق الرسول ﷺ .

стр. 14

٢- أسئلة في إفحام المشركين. ٣- الاحتجاج على المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية وإقرارهم بتوحيد الإلهية عند الشدائد. ٤- الدعوة عن طريق السؤال والجواب. ٥- أمثلة من البراهين العقلية على وحدانية الله. ٦- الاستدلال بالمتقابلات. ٧- ضرب الأمثال. ٨- الجدل. ٩- تعجيزهم عن الإتيان بدليل عقلي أو نقلي يقر عبادتهم. أما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن توجيهات وتحذيرات القرآن للمشركين، ويشتمل على ما يلي: ١- الأمر الجازم بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه. ٢- الأساليب الخبرية في دعوتهم. ٣- الدعوة إلى التجرد من التقاليد الموروثة. ٤- استعمال الحكمة في دعوتهم. ٥- أسلوب القصة. ٦- الدعوة إلى الاعتبار بالسابقين. ٧- تذكيرهم بالنعم وتحذيرهم من النقم. ٨- الشرك خرافات وأوهام وفيه:

стр. 15

أ- بيان ضعف الشركاء، ومهانة الآلهة المدعاة. ب- تسفيه وتهجين عقول المشركين. ٩- أضرار الشرك في الدنيا والآخرة. وأما الباب الثالث: فكان في دحض شبهات المشركين ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: دحض شبهات المشركين حول بعض المسائل الغيبية، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: في حقيقة الملائكة وأراجيف المشركين حولهم. المبحث الثاني: في إنكار المشركين لليوم الآخر ومنهج القرآن في إثباته. المبحث الثالث: في بيان الحق في أمر الشفعاء. المبحث الرابع: في بيان الحق في أمر الأولياء. وأما الفصل الثاني: فقد تحدثت فيه عن دحض شبهات المشركين حول الرسالة، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في دحض أكاذيب المشركين على القرآن. المبحث الثاني: في دحض مفترياتهم على الرسول ﷺ . المبحث الثالث: في إعناتهم للرسول ﷺ بطلب المعجزات والخوارق.

стр. 16

أما الباب الرابع: فكان عن النقلة بالمشركين في السلوك والعبادة وموقف الإسلام منهم، ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: النقلة بالمشركين في العبادات، ويشتمل على ما يلي: ١- الصلاة. ٢- الزكاة. ٣- الصيام. ٤- الحج. أما الفصل الثاني: فكان في النقلة بهم في السلوك والأخلاق، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الترغيب في الفضائل، ويشتمل على ما يلي: ١- بر الوالدين وصلة الأرحام. ٢- العدل والوفاء. ٣- الإحسان. ٤- الأمانة. ٥- الصبر. ٦- الصدق. ٧- الاستقامة وتزكية النفس. القسم الثاني: التحذير من الرذائل، ويشتمل على ما يلي: ١- تقاليد الجاهلية في الحرث والنعم.

стр. 17

٢- أحكام الجاهلية. ٣- وأد البنات. ٤- الزنا. ٥- التبرج. ٦- الإكراه على البغاء. ٧- أكلهم للميتة والدم وما أهل به لغير الله. ٨- الخمر. ٩- الربا. أما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن موقف الإسلام من المشركين، ويشتمل على ما يلي. ١- تمهيد في وصفهم بالمشركين. ٢- لا يحل لهم دخول المسجد الحرام واعتبارهم نجس. ٣- تحريم نسائهم وذبائحهم. ٤- عدم الاستغفار لهم. ٥- البراءة من عهودهم. ٦- الأمر بقتالهم. ٧- الخلاف في أخذ الجزية منهم. وأما الخاتمة: فقد أوجزت فيها أهم الأفكار والمحتويات التي تضمنتها الرسالة.

стр. 18

هذا وكان منهجي في البحث كالتالي: ١- وضعت الآيات الكريمة تحت المبحث أو الموضوع المناسب، مع عزوها إلى سورها وترقيمها، وبيان وجهتها في الدعوة على ضوء التفاسير المشهورة. ٢- ذكرت من الأحاديث ما يتعلق بموضوع البحث، وقمت بعزوها إلى مصادرها من كتب الصحاح والسنن قدر الطاقة، مبيناً في الهامش الجزء والصفحة ثم الكتاب فالباب. ٣- عزوت الآثار، وأحداث السيرة النبوية، والوقائع التاريخية إلى أشهر الكتب التي أوردتها ككتب التفسير، والحديث، والعقيدة، والسيرة، والتاريخ. ٤- ذكرت معاني الكلمات الغريبة -في نظري- معتمداً في ذلك على كتب اللغة والتفسير والحديث. هذا وأودُّ أن أنبه القارئ الكريم بأن ما نقلته عن بعض الكتب في هذا البحث لا يعني موافقتي لبعض أفكار ومناهج مؤلفيها، وذلك لمخالفتهم منهج السلف الصالح في بعض آرائهم، بل نقلت عن غير المسلمين، وذلك للإستفادة من بعض مؤلفاتهم، وقد حرصت ألاّ آخذ عنها إلا صواباً. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.

стр. 19

الفهارس وقد ألحقت بهذه الرسالة أربع فهارس: الفهرس الأول: للآيات القرآنية مرتبة حسب السور فالآيات. الفهرس الثاني: للأحاديث النبوية والآثار مرتبة على الحروف الهجائية. الفهرس الثالث: ثبت أهم المصادر مرتبة على حسب الحروف الهجائية أيضاً. الفهرس الرابع: للموضوعات. هذا وإنني قد بذلت جهدي وطاقتي في تحري الدقة والرجوع إلى كل ما أمكنني الرجوع إليه من المصادر والمراجع التي تتعلق بهذا الموضوع، ليخرج البحث في صورة طيبة، فإن كان صواباً فهو من الله تعالى، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وحسبي أني لم أدخر وسعاً في سبيل ذلك، ولكن طبيعة البشر النقص والتقصير، والكمال لله وحده، ويؤكد هذا المعنى ما قاله العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يوم إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر"١.

стр. 20

وأسأل الله تعالى أن أكون قد وقفت فيما كتبت، وأن ينفعني بما تعلمت، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حمود بن أحمد بن فرج الرحيلي

стр. 21

تمهيد تمهيد: يشتمل على تعريف موجز بعنوان الرسالة، وهو تعريف كل من: المنهج، القرآن، الدعوة، الإسلام. وقد أجلت التعريف بالشرك إلى الفصل الثاني من الباب الأول. ١- تعريف المنهج: جاء في لسان العرب: "طريق نهج بين واضح، والجمع نهجات ونهج ونهوج، ونهج الطريق وضحه، والمنهاج كالمنهج"١. وفي التنزيل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . ونهجت الطريق أثبته وأوضحته، يقال: إعمل على ما نهجته لك، ونهجت الطريق سلكته، وفلان يستنهج سبل فلان، أي: يسلك مسلكة، والنهج الطريق المستقيم. وفي معجم مقاييس اللغة: "النهج الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه، وهو مستقيم المنهاج والمنهج الطريق أيضاً، والجمع المناهج"٢. وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن سلام ﵁: "فإذا

стр. 22

جواد منهج على يميني" ١. قال النووي:" والجوادّ جمع جادة، وهي: الطريق البينة المسلوكة والمشهور فيها جوادّ بتشديد الدال، وقد تخفف"٢. ومن هذا يتبين لنا أن المنهج أو المنهاج هو: الطريق الواضح المستقيم الذي يسير فيه السالك. ونعني بالمنهج هنا الطرق والأساليب التي سلكها القرآن في دعوة المشركين إلى الإسلام. ٢- تعريف القرآن: القرآن في الأصل مصدر قرأ قراءة وقرآناً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ٣، أي: قراءته، فهو مصدر على وزن فعلان -بالضم- كالغفران والشكران٤. وقد خُصَّ القرآن بالكتاب المنزل على محمد ﷺ ، فصار له كالعلم الشخصي، وسمي قرآناً لكونه جمع ثمرات الكتب

стр. 23

السالفة المنزلة١. ويطلق القرآن على مجموعة، وعلى كل آية من آياته من باب إطلاق الجزء على الكل، فإنك إذا سمعت من يتلو آية منه صح أن تقول أنه يقرأ القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢. وفي الاصطلاح هو: "كلام الله المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، المعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاحتة، المختتم بسورة الناس"٣. فالكلام اسم جنس في التعريف يشمل كل كلام، وإضافته إلى الله

стр. 24

تعالى يخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة والمنزل على محمد ﷺ يخرج ما أنزل على الأنبياء قبله كالتوارة والإنجيل قبل تحريفهما. والمعجز بلفظه ومعناه: يخرج الأحاديث القدسية على القول بأن ألفاظها منزلة من عند الله، وأما على قول من يرى أن معانيها من عند الله، وألفاظها من عند الرسول ﷺ ، فقد خرجت بالقول الأول، والمنقول إلينا بالتواتر: يخرج قراءت الآحاد، والمتعبد بتلاوته: يخرج الآيات التي نسخت تلاوتها١. ٣- تعريف الدعوة: الدعوة لغة: المرة الواحدة من الدعاء، ومنه حديث الرسول ﷺ : "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ٢، وتداعى القوم دعا بعضهم بعضاً حتى يجتمعوا، والدعاة قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، وأحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين، أدخلت الهاء فيه للمبالغة، والنبي ﷺ داعي إلى

стр. 25

الله تعالى١. وفي تهذيب اللغة: "المؤذن داعي الله، والنبي ﷺ داعي الأمة إلى توحيد الله وطاعته، قال مخبراً عن الجن الذين استمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ٢"٣. وفي معجم مقاييس اللغة: " ... الدعوة إلى الطعام بالفتح، والدعوة في النسب بالكسر ... ومنه داعية اللبن، وهو ما يترك في الضرع لدعوة ما بعده، ومنه تداعت الحيطان إذا أسقط واحد وآخر بعده، فكأن الأول دعا الثاني، ودواعي الدهر صروفه "٤. "ودعوة الحق شهادة أن لا إله إلا الله"٥ وجاء في المصباح المنير: "دعوت الله دعاء، ابتهلت إليه بالسؤال

стр. 26

ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله، ودعا المؤذن الناس إلى الصلاة فهو داعي الله، والجمع دعاة، وداعون مثل: قاضي وقضاة وقاضون، والنبي داعي الخلق إلى التوحيد"١. والدعاء إلى الشيء الحث على قصده، ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ٢. وقول الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ ٣. ومن هذا يتبين لنا أن الدعوة في اللغة تستعمل في الخير والهدى، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ ٥.

стр. 27

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. كما تستعمل عند الإطلاق في الشر والضلال، ولذلك لا بدّ من المعنى الاصطلاحي لتوضيحها وتمييزها. الدعوة في الاصطلاح: عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "الدعوة إلى الله هي: الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه"٢. وهذا التعريف اشتمل على الدعوة إلى أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وركن الإحسان. وعرفها المتأخرون٣ بتعاريف كثيرة متقاربة إلا أنها في نظري ليست

стр. 28

دقيقة، ونستطيع القول: بأن الدعوة هي: "قيام من له الأهلية بدعوة الناس جميعاً لاقتفاء أثر الرسول ﷺ والتأسي به قولاً وعملاً واعتقاداً بالوسائل والأساليب المشروعة التي تتناسب مع أحوال المدعوين في كل زمان ومكان". ٤- تعريف الإسلام: تعريف الإسلام لغة: جاء في لسان العرب: "الإسلام والإستسلام الإنقياد، والإسلام من الشريعة إظهار الخضوع وإظهار الشريعة، والتزام ما أتى به النبي ﷺ ، وبذلك يحقن الدم ويستدفع المكروه"١. وفي المصباح: "أسلم لله فهو مسلم، وأسلم دخل في دين الإسلام، وأسلم دخل في السلم"٢.

стр. 29

فالإسلام في اللغة إذاً هو الاستسلام والخضوع والانقياد لأمر الآمر ونهي الناهي، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١. تعريف الإسلام شرعاً: جاء في حديث جبريل ﵇: " ... قال يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت ... " ٢ الحديث. وهذا التعريف بالإسلام إنما هو تعبير بالجزء عن الكل لبيان أهمية هذا الجزء، ويدل على ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" ٣.

стр. 30

وبهذا يتبين أن بناء الإسلام يقوم على هذه الأركان الخمسة، وليس معنى ذلك أن هذه الأركان كل الإسلام، وإنما هي بمثابة الأساس الذي يقوم عليه البناء الكبير. ويمكن أن يقال أن الإسلام: "هو مجموع ما أنزل الله تعالى على رسوله محمد ﷺ من أحكام العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات والإخبارات في القرآن الكريم والسنة المطهرة"١. ونظراً للتلازم بين الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك أود أن أتكلم عن التوحيد والشرك في حياة البشرية في الباب التالي:

стр. 31

الباب الأول: التوحيد والشرك في حياة البشرية . الفصل الأول: أصالة التوحيد في البشرية ودعوة جميع رسل الله إليه . ... الباب الأول: التوحيد والشرك في حياة البشرية ويشتمل على أربعة فصول: الفصل الأول: أصالة التوحيد في البشرية ودعوة جميع رسل الله إليه. ويشتمل على ما يلي: تعريف التوحيد. أسبقية التوحيد على الشرك وذكر الأدلة على ذلك. خطأ بعض علماء مقارنة الأديان في هذا الموضوع والرد عليهم. التوحيد دعوة جميع الرسل. أنواع التوحيد والعلاقة بينها. تعريف التوحيد: تعريف التوحيد لغة: التوحيد لغة قال ابن الأثير في النهاية -في أسماء الله الواحد-:"هو الفرد الذي لم يزل ولم يكن معه آخر"١. وقال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسْم بني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى، وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأ، ولا يثنى، ولا يقبل الانقسام، ولا نظير له ولا مثيل، ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله تعالى"٢. وفي لسان العرب: "الواحد من صفات الله تعالى، معناه لا ثاني له، ولا يجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا ينعت به غير الله لخلوص هذا الاسم الشريف له جل ثناؤه، وتقول: أحَّدْتُ الله تعالى، ووحدته وهو الواحد الأحد"٣. وقال الفيروزأبادي: "التوحيد الإيمان بالله، والله الأوحد والمتوحد

стр. 32

ذو الوحدانية"١. وقال الراغب:" الوحدة الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود، حتى أنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد ... "٢. من هذا يتبين لنا أن مادة "وحد" وكلمة وحدة تدور حول انفراد الشيء بذاته أو بصفاته أو بأفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه، أما إذا عدى بالتضعيف، فقيل: وحد الشيء توحيداً، أن معناه: إما جعله واحداً، أو اعتقده واحداً، قال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٣.

стр. 33

تعريف التوحيد شرعاً: فتوحيد الله معناه اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة، وإذا قيل: الله واحد أو أحد، كان معنى ذلك انفراده بما له من ذات وصفات، وعدم مشاركة غيره فيها، فهو واحد في إلهيته، فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته، فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له١. ونستطيع القول بأن التوحيد هو: الإيمان الجازم بتفرد الله تعالى ووحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله، ونفي الشركاء والأنداد عنه سبحانه اعتقاداً وعملاً على الوجه الذي جاء به الوحي الإلهي على ألْسنة الرسل عليهم السلام٢.

стр. 34

٢- أسبقية التوحيد على الشرك، وذكر الأدلة على ذلك: لقد بدأت البشرية على التوحيد الخالص والتنزيه الكامل لله وحده، وهذا ما قرره القرآن الكريم والسنة النبوية من أن آدم أبا البشر ﵇، كان نبياً موحداً على أنقى صور التوحيد وأصفاه، وأنه عرف حقيقة التوحيد وطبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق. وقد خلق الله تعالى آدم من تراب، فسواه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته الكرام. قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١. وقال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٢.

стр. 35

ويعترف آدم ﵇، ويقر بخطئه، ويرجع إلى ربه ﵎ تائباً خاضعاً متذللاً، كما قال تعالى حكاية عن قول آدم ومعه زوجه حواء: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. كما أخذ الله تعالى الميثاق على آدم وزوجه أن يتبعا ما يأتيهما من هدى، وأن يبتعدا عن سبل الشيطان وخطواته، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٢. ومما لا شك فيه أن آدم ﵇ قد قام بنقل ما تلقاه عن ربه جل وعلا من العقيدة والوحي الإلهي، وأن أبناءه قد تلقوا هذه التعاليم بالقبول والرضا وتوارثوها من بعد أبيهم جيلاً بعد جيل، حتى عهد نوح ﵇، كما سيأتي بيانه عند دعوته.

стр. 36

الأدلة على أسبقية التوحيد على الشرك: من الأدلة على أقدمية التوحيد على الشرك ما يلي: ١- أنه لأهمية التوحيد قد أخذ الله العهد والميثاق من جميع البشر على التزام أحكامه، وذلك قبل أن يخلقهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ١. ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك من ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي" ٢.

стр. 37

٢- فطرية التدين وأصالته في حياة البشرية، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١. وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء٢ هل تحسون فيها من جدع اء٣"٤. ٣- كون الناس كانوا أمة واحدة على الهدى وعلى شريعة من الحق، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ ٥.

стр. 38

فعن ابن عباس ﵄: "كان الناس أمة واحدة كانوا على الإسلام كلهم". قال ابن القيم ﵀:" وهذا هو القول الصحيح في الآية"١. ٤- اختلاف الناس عن الحق مع توالي العصور، فقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين قال: وكذلك في قراءة عبد الله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فَاخْتَلَفُوا"٢.

стр. 39

ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد وافقه الذهبي على ذلك١. وكلمة "فاختلفوا" ليست من لفظ الآية، وإنما ذكرها عبد الله بن مسعود ﵁ كتفسير لها، ويؤيد تفسيره لهذه الآية على هذا النحو الآية الأخرى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢. ٥- إغواء الشياطين لبني آدم لصرفهم عن شريعة الحق، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن عياض المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال٣، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت

стр. 40

عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً" ١ الحديث. ٦- إن الله تعالى أرسل إلى جميع الأمم رسلاً يرشدونهم الخير والهدى، ويحذرونهم من الشر والضلال، ولا شك أن في مقدمة تعليمهم وإرشادهم تعريفهم بخالقهم ورازقهم، ولم يتركوا الناس يتعرفون إلى خالقهم عن طريق البحث والاجتهاد، وقد كان هؤلاء الرسل من الكثرة بحيث أنهم بلغوا البشرية كلها دعوة الله، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ٣. ومما يدل على تبليغ الرسل لأممها أن الأمم المكذبة في يوم القيامة تقر وتعترف بتبليغ الرسل لها دعوة الله، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ
следующие страницы →